← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ويكفي في إيجابِ النِّيَّةِ في الأعمالِ قولُهُ ﷺ : (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) (١)؛ أيْ: إنَّما قَبُولُ الأعمالِ أو رَدُّها يكونُ بالنِّيَّةِ. وقد اختَلَفُوا في صومِ النافلةِ، والصوابُ: جوازُ نيتِهِ مِن النهارِ؛ لحديثِ عائشةَ أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُصبِحُ مُمْسِكًا فإنْ لم يَجِدْ طعامًا، أَتَمَّ (٢). واختَلَفُوا في النيةِ؛ هل هي واجبةٌ لكلِّ ليلةٍ من رمضانَ، أم تكفي نيةٌ واحدةٌ له كلِّه؛ وهما روايتانِ في مذهبِ أحمدَ: أُولاهما: يُجزِئُ لصيامِ رمضانَ نيةٌ واحدةٌ؛ وهذا هو المشهورُ عندَ المالكيَّةِ، وعليه جماعةٌ من السَّلفِ. ثانيتُهما: وجوبُ النيةِ لكلِّ ليلةٍ. ويكفي المسلِمَ أن يَعْلَمَ أنَّ غدًا رمضانُ، ويريدَ صومَهُ، والأصلُ صيامُهُ له؛ فبعلمِهِ وإرادتِهِ يكونُ قد نَوَى. وقولُهُ: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: ذكَرَ الاعتكافَ بعدَ حُكْمِ الصيامِ؛ لأنَّ غالِبَ الاعتكافِ يكونُ في رمضانَ، في عَشْرِهِ أو عِشْرينِهِ الأخيرةِ؛ حتَّى لا يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ إطلاقَ حِلِّ إتيانِ النساءِ في ليلِ الصيامِ يدخُلُ فيه المعتكِفُ، فالمعتكِفُ يحرُمُ عليه مباشَرَة المرأةِ ما دام معتكِفًا، ولو كان في غيرِ رمضانَ أو كانَ غيرَ صائِمٍ؛ لأنَّ العِلَّةَ في ذلك الاعتكافُ؛ ولذا قال: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾؛ يعني: حالَ اعتكافِكم. روى ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن

стр. 247

ابنِ عَبَّاسٍ؛ في قَوْلِه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾: "هذا في الرَّجُلِ يَعْتَكِفُ فِي المَسْجِدِ فِي رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ، فَحَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْكِحَ النِّسَاءَ لَيْلًا وَنَهَارًا حَتَّى يَقْضِيَ اعْتِكَافَهُ" (١). وقاله ابنُ مسعودٍ وعطاءٌ ومجاهدٌ والحسنُ وقتادةُ (٢). والمرادُ بالاعتكافِ هو لزومُ الشيءِ وحَبْسُ النفسِ عن غيرِه، فيقالُ: اعتكَفَ فلانٌ على كذا؛ أيْ: لَزِمَهُ، واعتكَفَ فلانٌ في المسجدِ: إذا لزِمَهُ. قال الطِّرِمَّاحُ بنُ حَكِيمٍ: فَبَاتَ بَنَاتُ اللَّيْلِ حَوْلِيَ عُكَّفًا … عُكُوفَ البَوَاكِي بَيْنَهُنَّ صَرِيعُ والمرادُ بالمباشرةِ: الجِماعُ. صَحَّ هذا عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ رواهُ ابنُ جريرٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ. وصحَّ عن عطاءٍ ومجاهدٍ والضَّحَّاكِ (٣). وروى عنِ ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ؛ قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: "مَن خرَجَ مِن بيتِهِ إلى بيتِ اللهِ، فلا يَقْرَبِ النِّساءَ" (٤). مباشَرَةُ المعتكِفِ لزوجتهِ: والذي عليه العملُ والفُتيا عند السلفِ: أنَّ المعتكِفَ لا يَقْرَبُ زَوْجَتَهُ بشهوةٍ بحالٍ، وأمَّا مسُّه لها والأخذُ بيدِها وتقبيلُها بلا شَهْوةٍ؛ كقُبلةِ الرَّحْمةِ والعَطْفِ، فلا بأسَ به؛ لما قد صَحَّ عن عائشةَ: "أنَّ

стр. 248

رسولَ اللهِ ﷺ كان إذا اعتَكَفَ، يُدْنِي إليَّ رأسَهُ فأُرَجِّلُهُ" (١). وأمَّا ما كان بِلَذَّةٍ، فيُنْهَى عنه؛ قال مالكُ بنُ أنسٍ: "لا يَمَسُّ المعتكِفُ امرأتَهُ، ولا يباشِرُها، ولا يتَلذَّذُ منها بشيءٍ؛ قُبْلةً ولا غيرَها" (٢). وذلك لأنَّ المقامَ مقامُ تفرُّغٍ وتعظيمٍ للهِ، وانقطاعٍ عن اللذائِذِ، وحبسٍ للنَّفْسِ عنها؛ فإنَّ الانصرافَ إلى الجِمَاعِ يَصرِفُ النَّفْسَ إلى التَّرَفِ والانشغالِ بالاستمتاعِ. وفي ذلك: تربيةٌ للنَّفْسِ على المجاهَدةِ، وابتلاءٌ للنَّفْسِ؛ لتَعرِفَ نِعَمَ اللهِ على العبدِ؛ مِن معرفةِ حريَّتِهِ في خروجِهِ ودخولِه، وضربِهِ في الأرضِ، واستمتاعِهِ بما أَحَلَّ اللهُ له منها؛ فنِعَمُ اللهِ لا تُحصَى، وما يُعرفُ منها يُنسَى، والعبدُ بحاجةٍ إلى تذكيرٍ، وحرمانُهُ منها باختيارِهِ وبغيرِ اختيارِهِ يذكِّرُهُ عظيمَ النِّعْمةِ التي مُنِعَ مِن الوصولِ إليها. وفيه: شَغْلٌ للنَّفْسِ بالعبادةِ؛ حتى تستكثِرَ مِن الأجورِ، فتغتنمَ شيئًا ممَّا فاتَ؛ فالنفسُ إنْ خلَتْ، أكثَرَتِ التفكُّرَ والتأمُّلَ والمحاسَبةَ، فتتذكَّرُ مِن التقصيرِ ما لا تتذكَّرُهُ في سَكْرةِ مُتْعَتِها. لا اعتكافَ إلا في مسجدٍ: وقولُه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ دليلٌ على أنْ لا اعتكافَ إلا في المساجِدِ، وأمَّا اعتكافُ الأسواقِ والمصلَّيَاتِ، والمرأةُ تتَّخِذُ لها مكانًا تعتزِلُ فيه في بيتِها -: فلا أصلَ له؛ وبعضُ متأخِّري المالكيةِ يجوِّزُ ذلكَ، وهو قولٌ لا يعوَّلُ عليه. وقولُه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾:

стр. 249

تنبيهٌ على أنَّ تلك الأحكامَ - تحريمًا وتحليلًا - حدودٌ وضَعَها اللهُ وحَدَّها لعبادِهِ، يجبُ أن تُمتَثَلَ، ويَظهرُ التشديدُ في قولِه: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، والقربُ هو مرحلةٌ قبلَ التصرُّفِ، ويُصاحِبُهُ العزمُ على التغييرِ والتبديلِ لها، وهو محرَّمٌ، والتبديلُ لها والتحريفُ لتلك الحدودِ محرَّمٌ يُوجِبُ العقابَ؛ فهي آياتٌ بيِّناتٌ واضحةٌ؛ حتَّى يتحقَّقَ العملُ بها، فتُتَّقى محارمُ اللهِ وتُجتنَبَ، وتُؤخَذَ رُخَصُ اللهِ وتُستباحَ؛ وهذه حقيقةُ التقوى والطاعةِ للهِ. * * * قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]. بيَّن اللهُ حُرْمةَ الأموالِ؛ لأنَّ بها صلاحَ الدُّنْيا، كما بيَّنَ حُرْمةَ الدِّينِ؛ لأنَّ به صلاحَ الآخِرةِ، فالمالُ والدِّينُ حَقٌّ للهِ لا يُتصرَّفُ فيهما بغيرِ إذنِه؛ ولذا نسَبَهُما اللهُ إليه تعظيمًا لحُرْمَتِهما؛ فقال النبيُّ ﷺ في المالِ: (إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللهِ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ) (١)، وقال اللهُ في دِينِهِ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨]، فسمَّى اللهُ التعدِّيَ على مالِهِ وآياتِهِ خَوْضًا. أحوالُ تعدِّي الإنسان على المالِ: والتَّعدِّي على المالِ إمَّا أن يكونَ بيدِ صاحبِهِ الذي ملَّكَهُ اللهُ إيَّاهُ، وهو الإنسانُ، أو بيدِ غيرِهِ؛ فليس للإنسانِ تمامُ التصرُّفِ في مالِهِ ولو ملَكَهُ؛ لأنَّه ومالَهُ مِلْكٌ للهِ؛ فإفسادُ الإنسانِ لمالِهِ حرامٌ كأَخْذِهِ لمالِ غيرِه

стр. 250

بغيرِ حقٍّ؛ ولذا قالَ تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، فجعَلَ اللهُ آكِلَ مالِ أَخِيهِ بالباطلِ، كالآكِلِ مالَ نَفْسِهِ بالباطلِ؛ فالأوَّلُ أفسَدَهُ على أخيهِ، والثاني أفسَدَهُ على نفسِهِ، وحرمةُ المالِ في حقيقتِهِ واحدةٌ. وفي الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ الشُّحَّ والطَّمَعَ وعدَمَ الإيثارِ هو الذي يدفعُ النفوسَ إلى التجاوزِ على حقوقِ الناسِ بغيرِ حَقٍّ؛ فالنفوسُ التي ترى حقَّ أخيها كحقِّها في الحُرْمةِ تعظِّمُ مالَ غيرِها كتعظيمِها لمالِ نَفْسِها؛ ولذا قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾؛ أيْ: فأنتَ تأكُلُ مالَ نَفْسِك؛ وهذا كقولِهِ: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١]، وقولِهِ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]؛ فحُرْمةُ المالِ بالأخذِ، والعِرْضِ باللَّمْزِ، والنَّفْسِ بالقتلِ: واحدةٌ كحُرْمةِ أنفسِهم. وقد بيَّن اللهُ في هذه الآيةِ التعدِّيَ على المالِ بالعدوانِ من غيرِ صاحبِهِ بأَكْلِهِ بالباطلِ، سواءٌ بغَصْبٍ أو سَرِقةٍ أو رِبًا أو غَرَرٍ ونحوِها، وأعظَمُ مِن ذلك أن يُؤخَذَ المالُ الحلالُ بصورةٍ تشرِّعُهُ، وتُسقِطُ حقَّ صاحبِه؛ إمِّا لعدمِ بَيِّنَتِهِ فيه بعدَ أخذِه منه، أو لتشريعِ أَخْذِهِ وسَلْبِهِ بالباطلِ. روى عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عنِ ابنِ عباسٍ؛ أنَّه قال في هذه الآيةِ: "هذا في الرجلِ يكونُ عليه مالٌ وليس عليه فيه بيِّنةٌ، فيَجْحَدُ المالَ ويُخاصِمُ إلى الحُكَّامِ، وهو يَعْرِفُ أنَّ الحقَّ عليه، وهو يَعْلَمُ أنَّه آثِمٌ آكِلٌ الحرامَ" (١). وبنحوِ هذا ومعناهُ قال مجاهِدٌ وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمةُ والحسَنُ وغيرُهم. وروى ابنُ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ: قال: "لا تُخاصِمْ وأنتَ تعلمُ أنَّك ظالِمٌ"؛ أخرَجَهُ سعيدُ بنُ منصورٍ في "تفسيرِه" (٢).

стр. 251

وفي هذه الآيةِ: دليلٌ على أنَّ حُكْمَ الحاكمِ وقضاءَ القاضِي لا يغيِّرُ في الحقِّ الباطِنِ شيئًا؛ إذا عَلِمَ آخِذُ المالِ أنه يأخُذُهُ ظُلْمًا، فقضاءُ القاضِي يَفصِلُ في النزاعِ الظاهرِ ويدفعُ الخصوماتِ، ولكنَّه لا يغيِّرُ قضاؤُهُ في الأموالِ مِن الحقِّ الباطنِ شيئًا بإجماعِ العلماءِ؛ فالقاضِي مجتهِدٌ مأجورٌ، وآخِذُ المالِ ظالمٌ مأزورٌ. وقولُه تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: وأنتم تعلَمونَ الحقَّ فتكتمونَهُ عن أهلِه، وتستحِلُّونَ أخذَهُ بالقضاءِ والحُكْمِ؛ لِعَدَمِ بيِّنةِ أهلِهِ عليه؛ وفي "الصحيحَيْنِ"، عن أُمِّ سَلَمَةَ؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ، فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ، فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكْهَا) (١). حكمُ القاضي بخلافِ الحقِّ في الحقوقِ: وعلى هذا يتَّفِقُ العلماءُ أنَّ القاضِيَ إذا قَضَى في الأموالِ والدماءِ على خلافِ الحقِّ الباطنِ أنَّ قضاءَهُ لا يغيِّرُ من الحقوقِ الباطنةِ شيئًا؛ وإنَّما يَفصِلُ النزاعَ والخصومةَ الظاهرةَ فحَسْبُ، واختلَفُوا في النكاحِ على قولَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ قضاءَهُ في النكاحِ كقضائِه في الأموالِ؛ لا يغيِّرُ خفاءُ الحقِّ عليه في الظاهرِ مِن الحقِّ الباطنِ؛ وبهذا قال أكثرُ العلماءِ. الثاني: أن قضاءَهُ في النكاحِ يَفصِلُ في الحقِّ ظاهرًا وباطِنًا، ولو عَلِمَ الخَصْمانِ أو أحدُهما موضعَ الحقِّ الباطنِ، وأنَّه على خلافِ قضائِه، وبهذا قال أبو حَنِيفةَ؛ وذلك كمَن شَهِدَ على طلاقِهِ شاهدُ زُورٍ، فطلَّقَ

стр. 252

القاضِي زوجَتَهُ منه، أنَّها تَحِلُّ للزَّوْجِ الجديدِ ولو عَلِمَ شهادةَ الزورِ، قياسًا مِن أبي حنيفةَ على اللِّعَانِ؛ وذلك أنَّ القاضيَ يفصِلُ بينَ الزوجَيْنِ، وأحدُ المتلاعِنَيْنِ كاذبٌ، ولا يتمُّ فَصْلُ الزوجةِ عن زوجِها إلَّا بذلك، ولو عَلِمَ الحاكمُ كَذِبَ أحدِهما، لَأَقَامَ عليه الحدَّ ولم يفرِّقْ بينَهما؛ لكونِهِ قَذْفًا، ولكنَّه فرَّقَ بينَهما مع عِلْمِهِ بالكَذِبِ، وجازَ للزَّوْجةِ أنْ تتزوَّجَ، ولزوجِها الجديدِ أن يَعقِدَ عليها مع عِلْمِهِ بلعانِها. وفي الآيةِ: تحريمُ دفعِ الرِّشْوةِ للحاكمِ وتحريمُ أَخْذِهِ لها، والرِّشْوةُ مِن الكبائرِ، وهي شبيهةٌ بالرِّبَا أو أعظَمُ منه؛ لأنَّ الرِّبَا فيه فسادُ العامَّةِ فيما بينَهم، والرِّشْوةُ فيها فسادُ العامَّةِ والخاصَّةِ؛ الحاكمِ والمحكومِ، والرِّبا فيه فسادُ الأموالِ، والرِّشْوةُ فيها فسادُ الأموالِ والسِّيَاسةِ، وكلَّما علَا آخِذُ الرِّشْوةِ وارتفَعَ مَنْزِلةً في الناسِ، كانتِ الرِّشْوةُ أعظَمَ فسادًا في الأُمَّةِ. وإنَّ الحاكمَ والقاضِيَ قد يحكُمُ بالخطإِ؛ لعدمِ ظهورِ حُجَجِ الصوابِ لدَيْهِ، فيُعذَرُ، وقد يحكُمُ بالباطلِ عمدًا مع ظهورِ حُجَجِ الحقِّ عندَهُ، فيَهلِكُ، وحكمُهُ بالباطلِ إمَّا لصلتِهِ بالظالمِ الذي يقضِي له، بنَسَبٍ أو حسَبٍ، وإمَّا لأخذِه المالَ منه رِشْوةً، وكِلاهمَا هلاكٌ، والأُولى أعظَمُ مِن الثانيةِ؛ لأنَّه باعَ دِينَهُ ودنياهُ بدُنْيا غيرِه. وآكِلُ المالِ الحرامِ - ولو رُبُعَ درهمٍ - فاسِقٌ باتفاقِ العلماءِ، خلافًا للمعتزِلةِ الذينَ لا يفسِّقونَ إلا مَن أكَلَ مِن الحرامِ عشَرَةَ دراهِمَ فما فَوْقُ، وهذا قولُ الجُبَّائِيِّ. وبعضُهم يقولُ: يفسُقُ مَن أكَلَ مِئَتَيْ دِرْهَمٍ فما فوقُ؛ وهذا قولُ بِشرِ بنِ المُعتَمِرِ. وبعضُهم يقولُ: يَفسُقُ مَن أخَذَ خمسةَ دراهمَ فما فوقُ؛ وهو قولُ أبي الهُذَيْلِ العَلَّاف. * * *

стр. 253

قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩]. الأَهِلَّةُ: واحدُها هِلَالٌ، وهو أيضًا مفرَدٌ وجمعٌ، وهو مَقِيسٌ في "فِعَالٍ" المضعَّفِ؛ نحوُ: عِنَانٍ وأَعِنَّةٍ، والأَهِلَّةُ جمعٌ لمسمًّى وذاتٍ واحدةٍ، وهو القَمَرُ في أوَّلِ خروجِهِ كلَّ شهرٍ قَمَريٍّ في الليلةِ الأُولى والثانيةِ، ومِنهم مَن يسمِّيهِ هلالًا حتَّى الليلةِ السابعةِ. وقال الأَصمعيُّ: "هو هلالٌ حتَّى يحجِّرَ ويستديرَ له كالخيطِ الرَّقيقِ". والغالبُ تسميةُ الهلالِ في أوَّلِ الشهرِ؛ لأنَّ الناسَ إذا رأَوْهُ، رفَعُوا أصواتَهُمْ إخبارًا عنه، وكلُّ رافِعٍ لصوتِهِ مُهِلٌّ؛ ولذا قال تَعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]؛ يَعني: ما ذُبِحَ وذُكِرَ غيرُ اللهِ عليه. وقد يُطلَقُ الهلالُ على القمرِ ليلةَ سِتٍّ وعشرينَ، وما بعدَها؛ لمشابهتِهِ الهلالَ عندَ خروجِهِ، وإنْ كانتِ العربُ لا تُهِلُّ لرؤيتِهِ عندَ خروجِهِ، وإنَّما تُهِلُّ لرؤيتِهِ عندَ طلوعِه. والهلالُ يكونُ أوَّلَ الشهرِ، والمُحاقُ (بكسرِ الميمِ وضمِّها) من الشهرِ: ثلاثُ ليالٍ مِن آخرِه، إذا امَّحَقَ الهلالُ فلَم يَكَدْ يُرَى؛ قالَ: أَتَوْنِي بِهَا قَبْلَ المُحَاقِ بِلَيْلَةٍ … فَكَانَ مُحَاقًا كُلُّهُ ذَلِكَ الشَّهْرُ والسِّرَارُ (بالفتحِ والكسرِ): حينَ يَسْتَسِرُّ الهلالُ في آخرِ الشهرِ. سببُ سؤال الناس عن الهلال: وممَّا يحيِّرُ الناسَ: الأهلَّةُ طلوعًا وغيابًا، وزيادةً ونقصانًا؛

стр. 254

لاختلافِها عنِ الشمسِ، فالشمسُ تطلُعُ وتغيبُ على صفةٍ واحدةٍ بلا نقصانٍ ولا زيادةٍ، وأمَّا الأهِلَّةُ، فتبدُو دقيقةً، ثمَّ تكبَرُ حتى تستديرَ بَدْرًا، فبيَّنَ اللهُ لنبيِّهِ وللناسِ الحِكْمةَ من ذلِك؛ أنَّ أعمالَ الناسِ لا بُدَّ لانضباطِها مِن زمَنٍ تدورُ عليهِ؛ سواءٌ كان ذلك في أمورِ العباداتِ، أو المُعامَلاتِ، أو العاداتِ، فضَبَطَ مواعيدَ الناسِ في العملِ، والبيعِ والشراءِ، والمأكلِ والمَشْرَبِ، والنكاحِ والطلاقِ، والعِدَّةِ والحَمْلِ، والإيلاءِ والنذورِ، وغيرِ ذلك؛ ولذلك قالَ تعالى: ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾. الحكمةُ مِن اختلافِ الأهلَّة: وهذا المعنى في القرآنِ في مواضِعَ؛ كقولِه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥]. وقولِه: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء: ١٢]. والمعروفُ: أنَّ إحصاءَ الأهِلَّةِ أيسَرُ مِن إحصاءِ أيامِ الشهرِ؛ لأنَّ الأيامَ تُنسَى ما لم تُضبَطْ بِالكتابةِ والوثائقِ، فيُعرَفُ منزِلةُ اليومِ من الشهرِ، فإذا اختَلَّ حسابُ الأيامِ، جاءَ هلالُ الشهرِ الآتي، وصحَّح على الناسِ وهَمَهُمْ في حسابِ الأيامِ السابقةِ، وهكذا كلَّما نَسُوا، جاءتِ الأهلةُ ضابطةً. وقد جعَلَ اللهُ الأهلَّةَ على صفاتٍ متعدِّدةٍ منضبطةٍ، تدورُ عليها بلا خَلَلٍ ولا اضطِرابٍ، وتقوِّمُ الناسَ بضبطِ ما تُحدِثُهُ وتصنعُهُ من ضوابطَ زمنيَّةٍ؛ كالسَّاعاتِ على الأفلاكِ، كالشمسِ والقمرِ طلوعًا وغروبًا ونقصانًا، وتختلُّ آلاتُهم ويُعيدونَ ضبطَها على ما خلَقَهُ اللهُ، وأتقَنَ ضَبْطَه.

стр. 255

هذا هو الإنسانُ يَضبِطُ ساعتَهُ الزمنيَّةَ وساعتَهُ الآليَّةَ كلَّما اختَلَّتْ على ضبطِ اللهِ لسَيْرِ الشمسِ والقمرِ المنضبِطِ منذُ أوَّلِ الخَلْقِ، ثمَّ هو يُفاخِرُ ويتكبَّرُ على اللهِ بدقتِهِ: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧]. وأولُ الإنسانِ لا يَعرِفُ معنى الأهِلَّةِ، والحِكْمةَ مِن إيجادِها وتنوُّعِها، وآخِرُهُ يُفاخِرُ ويُكابِرُ على الله بدقَّتِه: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ١٥]. روى ابنُ جريرٍ؛ مِن حديثِ سعيدٍ، عن قَتَادةَ؛ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾؛ قال قَتَادةُ: "سألُوا نبيَّ اللهِ ﷺ عن ذلكَ: لِمَ جُعِلَتْ هذه الأَهِلَّةُ؟ فأنزَلَ اللهُ فيها ما تَسْمَعُونَ: ﴿هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾، فجعَلَها لِصَوْمِ المسلِمِينَ ولإفطارِهِم، ولِمَناسكِهم وحجِّهم، ولِعِدَّةِ نسائِهم، ومَحَلِّ دَيْنِهم، في أشياءَ، واللهُ أعلمُ بما يُصلِحُ خَلْقَه" (١). ورواه عنِ العَوْفِيِّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ (٢). وعباداتُ الخَلْقِ مركَّبةٌ مِن فِعْلٍ وزمَنٍ؛ ولهذا جاءتِ الشرائِعُ بِضبطِ الفعلِ بصفةٍ، وتحديدِ الزَّمَنِ بوقتٍ منه. واللهُ إنَّما أعلَمَ الناسَ بما يحتاجُونَ إليه في ظاهرِ الأمرِ مِن الأهِلَّةِ، ويُبْصِرونَ حكمتَهُ لو تأمَّلُوا بأدنى تأمُّلٍ، وترَكَ ما دون ذلك ممَّا دَقَّ مِن منافعِ الأهِلَّةِ الذي ربَّما لا تُدرِكُهُ عقولُهم حينَها، ويستعصِي عليهم فهمُه، وربَّما شكَّكُوا في صدقِه. وبهذا المَنهَجِ يتأسَّى العالِمُ في تعليمِ الناسِ ونفعِهم؛ يُزِيلُ الإشكالَ، ويَغرِسُ الإيمانَ، ولا يخوضُ فيما يتسبَّبُ في عكسِ مقصودِهِ من غرسِ الشكِّ والجحودِ.

стр. 256

وفي الآيةِ: دليلٌ على قيمةِ الزمنِ، وأنَّ اللهَ خلَقَ النَّيِّرَيْنِ الشمسَ والقمرَ، وهما أعظَمُ أجرامِ المَجَرَّةِ نفعًا؛ جعَلَهُما لمنافِعَ، مِن أهمِّها ضبطُ الوقتِ، ولمَّا خلَقَهُما اللهُ لأَجْلِ زمنِ الناس، دلَّ على إِكرامِ الله لِبني آدمَ، وأنَّه فضَّلَهم على المخلوقاتِ؛ بأنْ سخَّر المخلوقاتِ لهم، ولَم يسخِّرْهُمْ للمخلوقاتِ كالشمسِ والقمرِ، وإنَّما سخَّرَ اللهُ الناسَ له وحدَهُ، فأوجَبَ عبادتَهُ عليهم، ولكنَّ الإنسانَ كفورٌ مبينٌ. وكلَّما كان الإنسانُ لِزَمَنِهِ أضبَطَ، كان لعَمَلِهِ أتقَنَ، وأضيَعُ الناسِ لحسابِ زمنِهِ أضيعُهُمْ لعَمَلِهِ؛ لأنَّ أفضلَ الأعمالِ وأجوَدَها ما انضبَطَ بالزمنِ، وأقلَّها ما أُنجِزَ على التراخِي. وفي الآيةِ: دليلٌ على وجوبِ معرِفةِ الآجالِ للبيعِ والمساقاةِ والمؤاجَرةِ عند عامَّةِ العلماءِ. ثمَّ ذكَرَ اللهُ الحجَّ بِقولِه: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾؛ وهذا مِن بابِ عطفِ الخاصِّ على العامِّ؛ للاهتمامِ به؛ وذلك لبيانِ أنَّ الأهِلَّةَ مواقيتُ للناسِ في سائرِ أعمالِهِم، ولضبطِ مواقيتِ الحجِّ. وهذا لا يعنِي تقديمَ الحجِّ على ما يَسبِقُهُ مِن أركانِ الإِسلامِ؛ كما في حديثِ ابنِ عُمَرَ في "الصحيحَيْنِ": (بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ. . .)؛ الحديثَ (١)، وما في حديثِ أبِي هريرةَ في قصةِ جبريلَ حينَما سُئِلَ عن الإِسلامِ، قَالَ: "الإسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ. . ."؛ الحديثَ (٢)؛ وذلك لأنَّ الصلاةَ إنَّما تُعرَفُ مواقيتُها بالشمسِ، لا بالأَهِلَّةِ، ثمَّ إنَّ الاهتمامَ بالحجِّ لكونِهِ يحتاجُ إلى ضبطٍ وتحرٍّ؛ فالناسُ يَجْهَلونَ أَمْرَهُ أكثرَ مِن غيرِهِ كالصيامِ والزكاةِ التي تدورُ

стр. 257

عليهم كلَّ حَوْلٍ، ولكنَّ الحَجَّ يجبُ في العُمْرِ مَرَّةً، وهو أقرَبُ لنسيانِ الأفرادِ؛ خاصَّةً النائِينَ عن مَكَّةَ لمعرِفةِ مواقيتِهِ، وأمَّا ما يَرِدُ على الناسِ كلَّ يومٍ كالصلواتِ الخمسِ، فإنهم يَضبِطونَ وقتَهُ أكثرَ ممَّا يَمُرُّ عليهم كلَّ سنةٍ؛ كصيامِ رمضانَ، وزكاةِ المالِ، وما يجبُ عليهم كلَّ سنةٍ أضبَطُ ممَّا يجبُ عليهم في العمرِ مرةً؛ كالحجِّ؛ ولذا تَجِدُ عامَّةَ الناسِ يفقَهونَ أحكامَ الصلاةِ أكثرَ مِن الصيامِ والزكاةِ، ومسائلَ الصيامِ والزكاةِ أكثرَ مِن الحجِّ. والعالِمُ الرَّبَّانيُّ الحكيمُ يُدرِكُ قَدْرَ ما يحتاجُ إليه الناسُ في دينهم؛ فيهتمُّ به ولو كان غيرُهُ مِن أحكامِ الدِّينِ أَوْلَى منه؛ إذا كان واضحًا لهم ومستقِرًّا، فيخُصُّ ما يجهلونَهُ بمَزِيدِ بيانٍ، ولا يترُكُ الأهمَّ المعروفَ ويُهمِلُهُ، بل ينبِّهُ عليه تنبيهًا؛ حتَّى لا يضعُفَ في القلوبِ. أشهُرُ الحجِّ: وفي الآيةِ: تنبيهٌ إلى مواقيتِ الحجِّ والزمنِ الذي يُعقَدُ فيه، وأشهُرُ الحجِّ: شوَّالٌ وذو القَعْدةِ وعَشْرٌ من ذي الحِجَّةِ؛ قاله ابنُ عُمَرَ؛ كما رواهُ البيهقيُّ وغيرُهُ؛ مِن حديثِ عُبَيْدِ اللهِ، عن نافعٍ، عنه (١). وبنحوِه رواهُ عن ابنِ عباسٍ؛ مِن حديثِ خُصَيْفٍ، عن مِقسَمٍ، عنه (٢). ورُوِيَ عن مالكٍ والشافعيِّ: أنَّ ذا الحِجَّةِ كاملًا مِن أشهرِ الحجِّ. والقولُ بتمامِ ذي الحِجَّةِ لا قيمةَ له في صحَّةِ الحَجِّ؛ لأنَّ الحجَّ عَرَفةُ؛ وإنَّما ثمَرَتُهُ في العُمْرةِ في أشهُرِ الحَجِّ وفضلِها، والطاعاتِ والقُرُباتِ، والمعتمِرُ بعدَ عَرَفةَ لا يُعدُّ متمتِّعًا حتَّى عندَ مَن يقولُ بأنَّ ذا الحجَّةِ كاملًا مِن أشهُرِ الحجِّ.

стр. 258

واتَّفَقَ الأئمَّةُ على أنَّ الإحرامَ للحجِّ إنَّما يكونُ في أشهُرِهِ؛ وهذا هو الذي شرَعَه اللهُ لعبادِه، ولكنِ اختلَفُوا في صِحَّةِ الإحرامِ وانعقادِهِ: فذهَبَ مالكٌ وأبو حنيفةَ وأحمدُ: إلى صحةِ الإحرامِ بالحجِّ في غيرِ أشهُرِه، وقال الشافعيُّ: الإحرامُ للحجِّ في غيرِ أشهُرِهِ لا يصحُّ؛ وإنَّما ينقلبُ عُمْرةً. وهو قولُ عطاءِ وطاوُسٍ والأوزاعيِّ. قال ابنُ عَبَّاسٍ ﵄: "مِن السُّنَّةِ ألَّا يُحرِمَ بِالحَجِّ إِلَّا في أَشْهُرِ الْحَجِّ". علَّقَه البخاريُّ مجزومًا به (١)، وأخرَجَهُ ابنُ أبي شَيْبةَ مِن حديثِ الحكَمِ، عن مِقسَمٍ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ (٢). وصحَّ عن جابرٍ؛ قال: "لا يُحرَمُ بالحجِّ إلَّا في أشهُرِ الحجِّ" (٣). تقدُّمُ مشروعِيَّة الحجِّ: ورُوِيَ عن عطاءٍ وطاوسٍ ومجاهِدٍ وغيرِهم (٤). وهذه الآيةُ مِن أوائلِ ما نزَلَ في المدينةِ، والحجُّ إنَّما فرَضَهُ اللهُ على المسلِمِينَ بعدَ ذلك بزمنٍ؛ دَلَالةً على مشروعيَّتِه، وأهميَّةِ حفظِ حدودِهِ ومعرفتِها، ولو لم يتمكَّنِ المسلِمُونَ مِن أدائِه؛ لقوَّةِ شَوْكةِ المشرِكِينَ. وفيه: أنَّ أحكامَ الدِّينِ التي لا يتمكَّنُ المسلِمُونَ مِن أدائِها يجبُ ألَّا تُغيَّبَ عن الناسِ، بل تُعلَّمُ ويُفقَّهُ الناسُ فيها؛ وذلك كالجهادِ في

стр. 259

سبيلِ اللهِ زَمَنَ ضعفِ المسلِمِينَ وعدَمِ قُوَّتِهم؛ فإغفالُ أحكامِهِ وإخفاؤُها بِحُجَّةِ عدمِ مناسبةِ وقتِهِ خطأٌ؛ لأنَّ حِفْظَ الدِّينِ وتقريرَهُ شيءٌ, وتَرْكَ العملِ به شيءٌ؛ فإنَّ الناسَ إذا تَرَكُوا بعضَ الدِّينِ للعجزِ عن إقامتِهِ لِضَعْفِهم، توارَثَ أجيالٌ التَّرْكَ، ثمَّ ظنُّوهُ عدَمًا، وعدمُ العملِ بالعِلْمِ ينبغي ألَّا يضيِّعَ العِلمَ نفسَهُ. أحوالُ حجِّ العربِ في الجاهليَّة: وكانتِ العربُ في الجاهليَّةِ - ومنهمُ الأنصارُ في المدينةِ - إذا أحرَمُوا للحجِّ والعُمْرةِ عاقدِينَ لها مِن بيوتِهم، لم يُجِيزُوا لأنفسِهِمْ دخولَ البيوتِ مِن الأبوابِ، ويَرَوْنَ ذلك مِن المحظوراتِ عليهم، وكذلك الاستظلالُ تحتَ أَسْقُفِ بيوتِهم، وكانوا يشدِّدونَ على أنفسِهم في ذلك، فإذا احتاجُوا إلى بيوتِهم، دخَلُوها مِن الأسوارِ ومِن ظهورِها، وربَّما دخَلُوها مِن غيرِ أبوابِها كالنوافذِ ونحوِها. روى ابنُ جريرٍ، عنِ ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ؛ في قولِ اللهِ - تعالى ذِكْرُهُ -: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾؛ يقولُ: "ليس البِرُّ بأنْ تأتُوا البيوتَ مِن كُوَّاتٍ في ظهورِ البيوتِ، وأبوابٍ في جُنُوبِها، تجعلُها أهلُ الجاهليَّةِ، فنُهُوا أن يدخُلُوا منها، وأُمِرُوا أن يدخُلُوا مِن أبوابِها" (١). وروى نحوَهُ عبدُ الرزَّاقِ (٢)، وعنه ابنُ جريرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْريِّ (٣). ورواه ابنُ جريرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي جَعْفرٍ، عن أبيهِ، عن الربيعِ (٤).

стр. 260

وأمَّا سُكَّانُ مكَّةَ والذين يَسكُنونَ حَرَمَها الذين يُسمُّونَ أنفُسَهم "الحُمْسَ" جمع أَحْمَسَ، فلم يكونُوا يَفْعَلونَ ذلك، وهم قُرَيْشٌ وثَقِيفٌ، وخُزَاعةُ وكِنَانةُ، وجُشَمُ ومُدلِجٌ، وبنو نَصْرِ بنِ مُعاوِيةَ، وعَدْوانُ وعَضَلٌ، وبنو الحارثِ بنِ عبدِ مَنَافٍ. وقد تحمَّسَ بنو عامرِ بنِ صَعْصَعةَ، وهم كِلَابٌ وكَعْبٌ وعامرٌ وكَلْبٌ، وليسوا مِن ساكِني الحَرَمِ، فجَعَلوا أنفُسَهم في حُكْمِ سُكَّانِ مكَّةَ؛ لأنَّ أُمَّهم قُرشيَّةٌ، وهي مَجْدُ بنتُ تَيْمِ بنِ غالِبِ بنِ فِهْرٍ. وقد ثبَتَ في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ البَرَاءِ بن عازبٍ ﵁؛ قال: "كَانَتِ الأَنْصَارُ إِذَا حَجُّوا فَجَاؤُوا، لَمْ يَدْخُلُوا مِنْ قِبَلِ أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ، وَلَكِنْ مِن ظُهُورِهَا، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَدَخَلَ مِنْ قِبَلِ بَابِهِ، فَكَأَنَّهُ عُيِّرَ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هذه الآيةُ" (١). وقد نَفَى اللهُ ما يتوهَّمونَهُ من البِرِّ بتركِ أبوابِ البيوتِ، والدخولِ مِن ظهورِها، وبيَّن أنَّ البِرَّ الحقيقيَّ هو تقوى اللهِ على وجهِ الحقيقةِ، ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾، وتقوى اللهِ أنْ يَبتعِدَ العبدُ عن أسبابِ عذابِ اللهِ وسَخَطِه؛ وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ العِبْرةَ بالموافَقَةِ لهديِ اللهِ ورسولِه، وليس لمجرَّدِ صدقِ الإنسانِ في احتِسَابِه. وتقديمُهُ للتقوى على دخولِ البيوتِ من الأبوابِ؛ لأنَّ دخولَ البيوتِ مِن الأبوابِ ومِن ظهورِها ليس دِينًا ولا بِرًّا؛ وإنَّما البِرُّ هو ما أمَرَ اللهُ به ووَجَّهَ إليه، فيُتَّقَى اللهُ به، وأنَّ اعتقادَ أنَّ دخولَ البيوتِ مِن ظهورِها دِينٌ وبِرٌّ جعَلَ الدخولَ مِن الأبوابِ من البِرِّ؛ لمخالَفةِ البِدْعةِ في الدِّينِ، وفي هذا دليلٌ على أنَّ إظهارَ العاداتِ التي تُخالِفُ ما يتوهَّمُهُ الناسُ دِينًا مِن البِرِّ، وهو وإن كان في ذاتِهِ عادةً إلَّا أنَّه يُظهِرُ مخالَفَةَ الإحداثِ.

стр. 261

قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]. المقاتَلةُ تكونُ بين طرَفَيْنِ، وهي مِن المُفاعَلةِ؛ فكلُّ طَرَفٍ حريصٌ على قَتْلِ الآخَرِ، وأمَّا القتلُ فيكونُ مِن واحدٍ لآخَرَ، ولا يَلْزَمُ منه حرصُ الآخَرِ على قَتْلِه. أول تشريع الجهاد: وهذه الآيةُ أوَّلُ آيةٍ نزَلَتْ في القتالِ في المدينةِ، وقد كان المسلِمُونَ يتهيَّؤونَ للذَّهَابِ إلى مَكَّةَ لعُمْرةِ القَضَاءِ سنةَ سِتٍّ، وظنَّ المسلِمونَ غَدْرَ المشرِكِينَ بالعهدِ، ويَخشَوْنَ مِن مباغَتَتِهم لهم بالقتالِ، ولم يكُنْ أُذِنَ لهم بالقتالِ في مِثْلِ هذه الحالِ؛ فأنزَلَ اللهُ الآيةَ بيانًا لذلك. روى ابنُ جريرٍ الطبريُّ؛ مِن حديثِ أبي جعفرٍ، عنِ الرَّبِيعِ؛ في قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾؛ قالَ: "هذه أوَّلُ آيةٍ نزَلَتْ في القتالِ بالمدينةِ، فلمَّا نزَلَتْ، كان رسولُ اللهِ ﷺ يُقاتِلُ مَن يُقاتِلُهُ، ويَكُفُّ عمَّن كَفَّ عنه، حتَّى نزلَتْ: ﴿بَرَاءَةٌ﴾ ", ولم يذكُرْ عبدُ الرحمنِ: "المدينةَ" (١). ولمَّا كانتِ الآيةُ مقيَّدةً بالمقاتَلةِ عند بدءِ العدوِّ بالقتالِ، مع النهيِ عن العدوانِ، حمَلَ بعضُ المفسِّرِينَ مِن السَّلَفِ ما جاء مِن آياتٍ آمِرةٍ بالجهادِ بالإطلاقِ على أنَّها ناسِخةٌ لهذه الآيةِ؛ فقد روى ابنُ جَريرٍ, عنِ ابنِ وهبٍ؛ قال: قال ابنُ زَيْدٍ، في قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ

стр. 262

يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ , إلى آخرِ الآيةِ؛ قال: قد نُسِخَ هذا! وقرَأَ قولَ اللهِ: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وهذه الناسخةُ، وقرَأَ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١]، حتَّى بلَغَ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ إلى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥] (١). وبعضُ المفسِّرينَ جعَلَ الآيةَ مُحْكَمةً لم تُنسَخْ، وأنَّ العُدْوانَ المقصودَ هو النهيُ عن قتالِ الصِّبْيانِ والنِّسَاءِ والشُّيُوخِ، وأنَّ الحكمَ باقٍ في مِثْلِ تلك الحالاتِ التي كان عليها المسلِمونَ؛ فعن مُعاوِيةَ، عن عليٍّ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾؛ يقولُ: "لا تقتُلوا النِّساءَ ولا الصِّبيانَ ولا الشيخَ الكبيرَ، ولا مَنْ ألقَى إليكمُ السَّلَمَ وكفَّ يَدَهُ؛ فإن فَعلتُم هذا، فقَدِ اعتديتُم" (٢). وعن يحيى بنِ يحيى الغَسَّانيِّ، قال: كتَبْتُ إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أسألُهُ عن قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، قال: فكتَبَ إليَّ: "إنَّ ذلكَ في النِّسَاءِ والذُّرِّيَّةِ ومَن لم ينصِبْ لكَ الحربَ منهُم"؛ رواهُ ابنُ جريرٍ (٣)، وجاء هذا القولُ عن مجاهدٍ أيضًا (٤). وهذا الأشبهُ بالصوابِ، صوَّبَهُ أبو جعفرٍ النَّحَّاسُ. حكمُ قتلِ النساءِ والصبيان: والمقاتَلةُ تكونُ مِن طرَفَيْنِ، والنساءُ والصبيانُ والشُّيوخُ لا يُقاتِلونَ، وكلُّ مَن لم يُقاتِلِ المؤمنينَ، فلا يَدخُلُ في الآيةِ؛ وهذا هو الأصلُ.

стр. 263

وحكى ابنُ عبدِ البرِّ الإجماعَ على تحريمِ قتلِ النساءِ والصبيانِ إذا لم يُقاتِلُوا (١). وروى ابنُ أبي شَيْبةَ، وابنُ عبدِ البرِّ، عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ؛ قال: "كتَبَ عُمَرُ إلى أمراءِ الأجنادِ: لا تَقْتُلوا امرأةً ولا صبيًّا، واقتُلُوا مَن جَرَتْ عليه المَوَاسي" (٢). وروى سُنَيْدٌ، عن أبي بكرِ بنِ عَيَّاشٍ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ؛ قال: كتَبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ إلى جَعْوَنَةَ وكان أمَّرَهُ على الأدرابِ: "أنْ لا تَقتُلِ امرأةً، ولا شيخًا، ولا صغيرًا، ولا راهبًا" (٣). ولكنْ إذا دخَلَ النساءُ في صفوفِ القتالِ، وشارَكَ الشيوخُ معَهُمْ في القتالِ، فيدخُلُونَ في حكمِ المقاتِلينَ في قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ عندَ أكثرِ العلماءِ، وهو قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ والليثِ وإسحاقَ. ويدخُلُ في هذا الحُكْمِ إذا كانت تشارِكُ في الحربِ في غيرِ قتالٍ؛ كالإمدادِ بالعُدَّةِ والعَتَادِ، والتحريضِ بالشِّعْرِ والنَّدْبِ، وأمَّا إذا كانَتْ تصنعُ الطعامَ والشرابَ وتُداوِي الجَرْحى، فلا أرى أنَّ هذا يدخُلُ في بابِ المُقاتَلةِ؛ لأنَّ الطعامَ والشرابَ وعلاجَ المريضِ تَعملُهُ النساءُ في كلِّ حينٍ عادةً غالبةً لها، وأمَّا عُدَّةُ الحربِ والندبُ إلى القتالِ، فهذا ليس مِن شأنِ النساءِ، فدخُولُها فيه دخولٌ في حُكْمِ القِتالِ. روى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن هِشَامٍ، عنِ الحسَنِ؛ قال: "إِذا خَرَجَتِ المَرْأَةُ مِن المُشْرِكِينَ تُقَاتِلُ، فَلْتُقْتَلْ" (٤).

стр. 264

حكمُ قتلِ الراهبِ والشيخ الكبيرِ: ويَدخُلُ في الآيةِ الراهبُ والعُبَّادُ مِن بابِ أَوْلى؛ لاعتزالِهِ عن الناسِ، ما لم يُقاتِلْ أو يُحرِّضْ ويندُبِ الناسَ. ولا يدخُلُ الراهبُ في الاسترقاقِ، بل يبقى على حالِه، ويُترَكُ له مِن طعامِهِ ما يَكْفِيه. وجمهورُ العلماءِ على عدمِ قتلِ الشيخِ الهَرِم الذي لا يُنتفَعُ به في قتالٍ؛ وهو قولُ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ لِيَزِيدَ بنِ أبي سُفْيانَ حينَما بعثَهُ لقتالِ المشرِكِينَ. وهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ، وروايةٌ عن الشافعيِّ. وللشافعيِّ قولٌ آخرُ؛ قال: "يُقتَلُ الفلَّاحونَ والأُجراءُ والشيوخُ الكبارُ، إلَّا أنْ يُسلِموا أو يؤدُّوا الجِزْيةَ". والشافعيُّ يفرِّقُ بين قصدِ النساءِ والصبيانِ بالقتلِ، وبين كونِهم في الدُّورِ التي يكونُ فيها المشرِكُونَ؛ فيأخُذُ النساءُ والصبيانُ والشيوخُ حُكْمَ المقاتِلِينَ، ويَستدِلُّ بحديثِ الصَّعْبِ بنِ جَثَّامَةَ ﵁؛ قال: "مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْأَبْوَاءِ - أوْ بِوَدَّانَ - وَسُئِلَ عَن أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَيُصَابُ مِن نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، قَالَ: (هُم مِنْهُمْ)، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: (لَا حِمَى إِلَّا للهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ ) "؛ أخرَجَهُ الشيخانِ (١). ورَمْيُ المشرِكِينَ في حصونِهم، وقتلُ الأطفال والنساءِ وَأسرى المسلمين تبعًا لذلك، دون أن يُقْصَدُوا عينًا: جوَّزَهُ كثيرٌ مِن الفقهاءِ؛ قال به مالكٌ والثَّوْريُّ وأبو حنيفةَ والشافعيُّ وأحمدُ وغيرُهم. وقال الأوزاعيُّ: "إذا تترَّسَ الكفَّارُ بأطفالِ المسلمينَ لم يُرْمَوْا؛

стр. 265

لقولِ اللهِ : ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ [الفتح: ٢٥] " (١). وإذا كان المسلِمُونَ لا يَمْلِكونَ فَكَّ أَسْراهُم، ولا يَملِكونَ تَفادِيَهم، ولا تفادِيَ نساءِ المشرِكِينَ ولا صِبْيانِهم ولا كَنَائِسِهم عند القتالِ الذي بتعجيلِهِ نُصْرةُ المسلِمِينَ، وبتأخيرِهِ ضعفٌ وهوانٌ وهزيمةٌ لهم، فيجبُ عليهم القتالُ ولو قُتِلَ أَسْرَى المسلِمِينَ وصِبيانُ المشرِكِينَ ونساؤُهم، مع أنَّ الحالاتِ في ذلك تتبايَنُ بحَسَبِ كَثْرةِ الأسرى والحاجةِ للقتالِ، وأثرِ تأخيرِ القتالِ على المسلِمينَ. فهذه اعتباراتٌ لا بُدَّ مِن أخذِها عندَ الحُكْمِ على مسألةٍ بعينها. حكمُ قتلِ الفلَّاحين والعُمَّال: والفَلَّاحُ والعامِلُ والأجيرُ لغيرِ الحربِ، وكلُّ مَنْ لم يقاتِلْ أو لم يُعِنْ على عُدَدِ الحربِ وعَتَادِها، أو لم يحرِّضْ على قتالٍ: فإنَّه لا يُقتَلُ؛ فصحَّ في "المسنَدِ"؛ مِن حديثِ المرقَّعِ بنِ صَيْفِيٍّ، عن جَدِّهِ رَبَاحِ بنِ الرَّبِيعِ، أَخي حَنْظَلَةَ الكَاتِبِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزاهَا، وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ، فَمَرَّ رَبَاحٌ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ، مِمَّا أَصَابَتِ المُقَدِّمَةُ، فَوَقَفُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا، وَيَتَعَجَّبُونَ مِن خَلْقِهَا، حَتَّى لَحِقَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ على رَاحِلَتِهِ، فَانْفَرَجُوا عَنْهَا، فَوَقَفَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: (مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ)، فَقَالَ لِأَحَدِهِمُ: (الْحَقْ خَالِدًا, فَقُلْ لَهُ: لَا تَقْتُلُوا ذُرِّيَّةً، وَلَا عَسِيفًا)؛ أخرجه أحمدُ وأبو داودَ والنَّسَائيُّ وابنُ ماجهْ (٢).

стр. 266

وروى سعيدُ بنُ منصورٍ، عن زَيْدٍ بنِ وَهْبٍ؛ قالَ: كَتَبَ عُمَرُ ﵁: "لَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، واتَّقُوا اللهَ فِي الْفَلَّاحِينَ الَّذِينَ لَا يَنْصُبُونَ لَكُمُ الْحَرْبَ" (١). ورُوِيَ نحوُهُ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ؛ رواهُ ابنُ المنذِرِ (٢). والآيةُ محمولةٌ على جهادِ الدَّفْعِ عندَ صَوْلةِ المشرِكِ وعدوانِه، وقد أنزَلَ اللهُ في القتالِ العامِّ متى توافَرَتْ أسبابُهُ ما في سورةِ التوبةِ؛ قال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]. ومع أنَّ المسلِمينَ في المدينةِ لم تكتمِلْ لهمُ القُوَّةُ، وأيضًا فشَوْكةُ المشرِكِينَ بمكَّةَ قويَّةٌ؛ أنزَلَ اللهُ عليهِمُ الأمرَ بالقتالِ عند العدوانِ، وفيه أهميَّةُ الجهادِ، وإظهارُ قوةِ المسلِمينَ، وحالُ المسلِمِينَ حينئذٍ يُمكِنُ معَها تَرْكُ العمرةِ، وعدَمُ التعرُّضِ للمشرِكِينَ، ولكنَّ الإبقاءَ على أمرِ العُمْرةِ، وإظهارَ العُدَّةِ للمقاتَلةِ عند العُدْوانِ: يُورِثُ هَيْبةً للأُمَّةِ في نفوسِ المشرِكِينَ. وأكثَرُ ما يُستضعَفُ المسلِمُونَ عندَ تركِ الجهادِ وتركِ إظهارِ القوةِ، واللهُ جعلَ إظهارَ القوةِ وإعدادَ العُدَّةِ ولو بلا قتالٍ مَطْلَبًا؛ ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] , فإدخالُ الرهبةِ على نفوسِ المشرِكِينَ مَقصَدٌ، وظهورُ ضعفِ المسلِمِينَ يجرِّئُ عليهم غيرَهُمْ. * * *

стр. 267

قال تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩١، ١٩٢]. بعدَ أنْ كانَ أَمْرُ اللهِ بالقتالِ مقتصِرًا على مَن قاتَلَ واعتَدَى، واعترَضَ المسلِمِينَ ومالَهُمْ - وهو جهادُ الدَّفْعِ - أمَرَ سبحانَهُ بجهادِ الطَّلَبِ؛ فاتَّسَعَتْ دائرةُ القتالِ. وهذه الآيةُ معطوفةٌ على الآيةِ السابقةِ بحرفِ العطفِ الواوِ، وجعَلَ بعضُ العُلَماءِ هذا قرينةً على أنَّ هذه الآياتِ نزلَتْ منتظِمةً في سياقٍ واحدٍ، ولم يَنسَخْ بعضُها بعضًا؛ فإنَّ عطْفَ بعضِها على بعضٍ يمنعُ مِن دعوى النَّسْخِ، وتأخُّرِ بعضِها عن بعضٍ بحيثُ يكونُ بينَهما زمنٌ وحوادثُ تُوجِبُ تغيُّرَ الحُكْمِ. وقولُ ابنِ خوَيْزِمَنْدَادَ من المالكيَّةِ بأنَّ قولَه: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ منسوخٌ بقولِه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]: فيه نَظرٌ؛ لما تقدَّم. وعطَفَ اللهُ الأمرَ بالقتلِ هنا: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ﴾، بعدَ قولِهِ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩٣]؛ للاتصالِ بالمعنى الذي في الآيةِ السابقةِ؛ وذلك أنَّهم خارِجونَ للمقاتَلَةِ، وسيُقابِلونَ المشرِكين؛ منهم مَن يقاتِلُ، ومِنهم مَن لا يُقاتِلُ؛ لعجزٍ أو خوفٍ، أو لكونِهِ خرَجَ تحريضًا وتشجيعًا فقطْ، فاحتاجُوا لبيانِ أنَّ حُكْمَ مَن خرَجَ للقتالِ حُكْمُ المقاتِلِ ولو لم يُقاتِلْ؛ ولذا قال: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ﴾؛ يَعني: ولو بدونِ مُقاتَلتِه. وقولُهُ تعالى: ﴿ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾؛ أي: لَقِيتُموهم؛ أيْ: على كلِّ حالٍ؛ سواءٌ كانوا في حالةِ تنقُّلٍ أو راحةٍ أو تطلُّعٍ وتحسُّسٍ؛ وذلك ما دامُوا

стр. 268

قاصِدِينَ الاعتداءَ وقد بَيَّنُوه؛ لاحتمالِ مُبادَرَتِهم ومُباغَتَتِهم للمسلِمينَ بالعُدْوانِ، فكان الواجبُ عدمَ التفريقِ بين أحوالِهم؛ صيانةً للمسلِمِينَ وحفظًا لدمائِهم. وقولُه: ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾؛ أيْ: أخرِجُوهم مِن بَلَدِهم مَكَّةَ كما أخرَجُوكم منها، وفيه المعاقَبةُ بالمِثْلِ، وفيه أنَّ بَلَدَ المسلِمِينَ التي يُخرَجونَ منها لا تَسقُطُ عن كَوْنِها حقًّا لهم ولو تباعَدَ الزَّمَنُ، وأنَّ الوعدَ بإعادتِها ينبغي أنْ يكونَ حاضرًا متى ما تهيَّأتِ الأسبابُ للأُمَّةِ. وقولُه تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾: الفتنةُ هي الاضطرابُ وتغيُّرُ الحالِ؛ هذا أصلُ معناها، ثمَّ إنَّها تُطلَقُ على كلِّ قولٍ أو فعلٍ أو اعتقادٍ أدَّى إلى الاضطرابِ في حالِ الفردِ أو الأُمَّةِ؛ فالمالُ والوَلَدُ والجاهُ، والكَذِبُ والغِيبةُ والنَّمِيمةُ والحَرْبُ: فِتْنةٌ تؤدِّي إلى الاضطرابِ، والفتنةُ تكونُ دقيقةً، وتكونُ عظيمةً. أعظمُ أنواعِ الفتنةِ: والفتنةُ المقصودةُ في الآيةِ "الكُفْرُ"، وهي أعظمُ أنواعِ الفِتْنةِ، وكلُّ فتنةٍ فهي دونَها؛ فسَّرَهُ بهذا عامَّةُ السَّلَفِ؛ كابنِ عبَّاسٍ ومجاهِدٍ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمةَ والحسَنِ وقتادةَ والضحَّاكِ والرَّبيعِ بنِ أنَسٍ (١). وقد جاءتِ "الفِتْنةُ" في الآية بالألفِ واللامِ، وهي للجِنْسِ، فتدُلُّ على الاستغراقِ؛ أيْ: أنَّ الفتنةَ المقصودةَ في الآيةِ أعظَمُ الفِتَنِ؛ وذلك أنَّ المسلِمِينَ يظنُّونَ أنَّ القتالَ في مَكَّةَ وحَرَمِها مِن الفتنةِ، فبَيَّنَ اللهُ ما هو أعظَمُ منها، وهو كفرُ من يُقاتِلُونَهم، والكفرُ فِتْنةٌ أعظَمُ من فتنةِ قتالِهم، بل لو تُرِكُوا بسببِ فِتْنةِ القتالِ، لكان ذلك إقرارًا لهم على كُفْرِهم، والحقُّ أنَّ الفتنةَ العُليا، وهي الكفرُ، تُدفَعُ بالفتنةِ الدُّنيا، وهي القتلُ.

стр. 269

حكمُ القتالِ في الحَرَمِ: وقولُه: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: وهذه الآيةُ معطوفةٌ على الأمرِ بقتالِ المشرِكِينَ حيثُ ثَقِفُوهم؛ وذلك أنَّ اللهَ أمَرَ بقَتْلِهم في كلِّ موضعٍ، ولمَّا كان للحَرَمِ منزِلةٌ تختلِفُ عن غيرِه، احتاجَ للاستثناءِ المقيَّدِ بكونِهم يُقاتِلونَ المسلِمينَ عندَهُ، فجعَلَ اللهُ غايةَ النهيِ بقوله: ﴿حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾. وذلك لِحُرْمةِ المسجدِ الحرامِ، فإذا خرَمَ حُرْمةَ المسجدِ الحرامِ، فهو مستحِقٌّ للعقوبةِ والتأديبِ؛ لكُفْرِهِ إنْ كان كافرًا، ولاستحلالِهِ حُرْمةَ المسجِدِ الحرامِ أيًّا كان؛ مؤمِنًا أو كافرًا. واللهُ جعلَ المسجدَ الحرامَ حرامًا؛ لنِسْبَتِهِ إليه؛ فهو حرَمُ اللهِ وبيتُهُ، وكلُّ صَدٍّ عن العبادةِ فيه واستحلالٍ للقتالِ على ذلك: إفقادٌ لأصلِ تلك الحُرْمةِ ونزعٌ لها. وقد حكى الإجماعَ غيرُ واحدٍ من العلماءِ: أنَّ لِمَكَّةَ حُرْمةً لا بدّ أنْ يَلِيَها مُسلِمٌ، ومجرَّدُ وِلِايةِ الكافرِ عليها مُبيحٌ لقتالِهِ، ولو لم يقاتِلْ؛ لأنَّ وجودَهُ فيها محرَّمٌ، ولو لم يَمْنَعِ المسلِمينَ مِن دخولِها حَجًّا وعُمْرةً؛ حكى الإجماعَ القُرْطُبيُّ عنِ ابنِ خُوَيْزِمَنْدَادَ (١). وقال: ﴿كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾؛ أيْ: هذا حُكْمُهم الأصليُّ لو لم يَلُوذُوا بالحرَمِ، ولكنْ لمَّا قاتَلُوكم عندَهُ، كانت هذه الحالُ لاحِقةً بجَزَائِهم الأصليِّ، وهو وجوبُ القتالِ. ومَن لاذَ بمكَّةَ ممَّن أصابَ حَدًّا، أو كان فارًّا بحقٍّ، أو عدوًّا

стр. 270

استَجار بها، فيجوزُ قتالُهُ وقَتْلُهُ؛ لِمَا روى أنسُ بنُ مالكٍ: "أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ دخَلَ مكَّةَ عامَ الفتحِ وعلى رأسِهِ المِغْفَرُ، فلمَّا نزَعَهُ، جاءَ أبو بَرْزَةَ، فقالَ: ابنُ خَطَلٍ متعلِّقٌ بأستارِ الكَعْبةِ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : (اقْتُلُوهُ) (١)، وابنُ خطلٍ هذا هو عبد العُزَّى - أو: عبدُ اللهِ - ابنُ خطلٍ التَّيْمِيُّ كان مُسْلِمًا فارتَدَّ، فأخَذَ في سَبِّ النبيِّ والطَّعْنِ فيه والتنقُّصِ منه، وصَدِّ الناسِ عنه، فأهدَرَ النبيُّ دمَهُ". وظاهرُ حديثِ أنسٍ: أنَّ النبيَّ قتَلَهُ لمَّا وضَعَ ﷺ المِغْفَرَ عن رأسِه، وقدِ انقضَتِ الساعةُ التي أَحَلَّ اللهُ له فيها مَكَّةَ، وانتهتِ الحربُ، فكان قتلُه حَدًّا؛ لِردَّتِهِ، لا محارَبةً؛ كما قاتَلَ المشرِكِينَ في قتالِ المواجَهةِ، فحُكْمُهُ كمَن كان في حُكْمِ المسلِمِينَ وارتَدَّ؛ فدَلَّ ذلك على إقامةِ الحدودِ في مَكَّةَ. وبهذا قال غيرُ واحدٍ مِن السَّلَفِ. وقد روى ابنُ المُنذِرِ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ؛ في قولِه : ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]؛ قالَ: "مَنْ قَتَلَ، أَوْ سَرَق فِي الحِلِّ، ثُمَّ دَخَلَ الحَرَمَ، فَإِنَّهُ لا يُجَالَسُ، وَلا يُكَلَّمُ، وَلا يُؤْوَى، وَلَكِنَّهُ يُنَاشَدُ حَتَّى يْخْرُجَ، فَيُؤْخَذَ فَيُقَامَ عَلَيْهِ مَا جَرَّ، فَإِنْ قَتَلَ أَوْ سَرَقَ فِي الحِلِّ، فَأُدْخِلَ الحَرَمَ، فأَرَادُوا أَنْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ مَا أَصَابَ، أَخْرَجُوهُ مِنَ الحَرَمِ إِلَى الحِلِّ، فَأُقِيمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَتَلَ فِي الحَرَمِ أَوْ سَرَق، أُقِيمَ عَلَيْهِ فِي الحَرَمِ" (٢). وبهذا قال عطاءٌ ومجاهِدٌ وقتادةُ. وقال مالكٌ: بإقامةِ الحدودِ مطلقًا.

стр. 271

وقال الشافعيُّ: "إذا التجَأَ المجرِمُ المسلِمُ إلى المسجدِ الحرامِ يضيَّقُ عليه حتَّى يخرُجَ، فإن لم يخرُجْ، جازَ قتلُه" (١). وقال قتادةُ: "إِنْ سَرَقَ فيه أَحَدٌ قُطِعَ، وَإِنْ قَتَلَ فِيهِ أَحَدٌ قُتِلَ، وَلَوْ قُدِرَ عَلَى المُشْرِكِينَ فِيهِ قُتِلُوا" (٢). ومَن رُوِيَ عنه مِن السلفِ عدَمُ إقامةِ الحدِّ في الحرَمِ، فلا يَظهَرُ أنَّ مرادَهُ إسقاطُ الحدودِ على مَنْ لاذَ بمكَّةَ؛ وإنَّما مرادُهُ أنَّ مَن أصابَ حدًّا في غيرِها ولاذَ بِها: يُخرَجُ مِن الحَرَمِ؛ لِيُقَامَ الحدُّ عليهِ في خارجِه. والقولُ بعدَمِ إقامةِ الحدودِ في الحرَمِ بحالٍ، وتحريمِ اللائِذِ ولو أصابَ حدًّا فلا يُخرَجُ منه ليُقامَ عليه الحَدُّ في غيرِه: قولٌ لا يعوَّلُ عليه؛ لأنَّ الحقوقَ إنَّما هي لحفظِ حُرْمةِ الناسِ ودمائِهم، ودماؤُهم أعظَمُ مِن حُرْمةِ البيتِ؛ فلا يُسقِطُ الأدنى الأعلى. وقال أبو حنيفةَ: "لا يُقتَلُ الكافرُ إذا التجَأَ إلى الحَرَمِ، إلَّا إذا قاتَلَ فيه" (٣). * * * قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣]. بعدَ أنْ كانَ قتالُ المشرِكِينَ إنَّما هو إذا خُشِيَ عُدْوانُهم؛ دفعًا لِصَوْلَتِهم، وعند صدِّهم عنِ المسجدِ الحرامِ، بيَّنَ سبحانَهُ أنَّ للمؤمنينَ

стр. 272

بعد ذلك قِتَالَهم؛ لإلحاقِ الضَّعْفِ بهم، وهذا سببٌ للقتالِ أوسعُ مِن الأسبابِ الأُولى. وقد جعَلَ بعضُ السَّلفِ هذه الآيةَ ناسخةً للآياتِ السابقةِ؛ فقد روى ابنُ جريرٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ؛ قولَهُ: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١]: "كانُوا لا يُقاتِلونَ فيه حتَّى يُبدَؤوا بالقِتالِ، ثمَّ نُسِخَ بعدَ ذلك، فقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؛ حتَّى لا يكونَ شِرْكٌ، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾؛ أنْ يُقالَ: لا إلَهَ إلَّا اللهُ، عليها قاتَلَ نبيُّ اللهِ، وإليها دَعَا" (١). فتنةُ الكفرِ أشدُّ من فتنةِ القتلِ: أمرَ اللهُ بقتالِ المشرِكِينَ حتَّى لا تكونَ فِتْنةٌ، والفِتْنةُ هنا الكفرُ؛ وهذا دليلٌ على أنَّ نَشْرَ أسبابِ الكفرِ من أقوالٍ وكتبٍ، وإذاعتَها، والتهاوُن مع أصحابِها: أعظَمُ مِن انتشارِ أسبابِ القتلِ؛ لأنَّ الكفرَ أكبَرُ مِن القتلِ وأشَدُّ. وفي الآيةِ: وجوبُ دفعِ أسبابِ فتنةِ الكفرِ عنِ المسلِمِينَ ولو بالقتلِ، وفتنةُ الكُفَّارِ هي كُفْرُهم، فإذا قوِيَتْ شَوْكَتُهم، تَبِعَهمُ المؤمنونَ. روى ابنُ جريرٍ الطبريُّ؛ مِن حديثِ ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ؛ في قولِ اللهِ: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]؛ قال: "ارتدادُ المؤمنِ إلى الوَثنِ أشدُّ عليهِ مِن القتلِ" (٢). وقد أمرَنَا اللهُ بمقاتَلَتِهم حتَّى تندفِعَ فِتْنَتُهم عنِ المسلِمِينَ، لا أن تندفِعَ فتنتُهم كلُّها عن أَنْفُسِهم؛ لأنَّ هذا محالٌ؛ فالكُفَّارُ باقُونَ إلى قيامِ الساعةِ، وفتنتُهم تُدفَعُ بثلاثةِ أمورٍ:

стр. 273

أوَّلًا: أن يدخُلُوا في الإسلامِ، ويَأْمَنوا مِن عقابِ اللهِ، ويأمَنَ المؤمنونَ من كُفْرِهم. ثانيًا: أن يُقتَلوا ويُكفَى المؤمنونَ شرَّ كُفْرِهم. ثالثًا: أن يُذَلُّوا بالجِزْيةِ؛ فلا تَكونَ لهم شَوْكةٌ أو قوَّةٌ يتشوَّفُ المؤمِنُ بسببِها إلى الاقتداءِ بهم والتأسِّي بحالِهم؛ فإنَّ الجِزْيةَ فُرِضَتْ صَغارًا لهم، والذليلُ لا يتأثَّرُ الناسُ بقولِه؛ وذلك أنَّ النفوسَ جُبِلَتْ على حُبِّ العظيمِ القويِّ والتأسِّي به؛ فجعَلَ اللهُ الجِزْيةَ صَغَارًا عليهم: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. وذلك حتَّى تُحمى بَيْضَةُ المسلِمينَ مِن تسلُّلِ رأيِ الكفرِ وقالَتِهِ واعتقادِهِ إليهم بإذلالِ أصحابِ الكُفْرِ، ويضعُفَ أمرُهُمْ عن التربُّصِ بالمؤمنينَ بمحاوَلَةِ العدوانِ ولو بعدَ حينٍ. وهذا في أهلِ الكتابِ مِن اليهودِ والنصارى، وأمَّا المشرِكُونَ الوثنيُّون، فلا يُتقبَّلُ منهم إلَّا الإسلامُ أو القَتْلُ؛ لقولِهِ ﷺ : (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. . .)؛ الحديثَ (١)، وهذا في المشرِكِينَ. ولِذا لم يأخُذِ النبيُّ مِن مُشرِكٍ جِزْيةً، وإنَّما أخَذَها مِن أهلِ الكتابِ، ويأتي بيانُه بإذنِ اللهِ. وحمَلَ بعضُ السَّلَفِ كابنِ عُمَرَ الآيةَ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ على خوفِ المؤمنينَ مِن فِتْنةِ الكفَّارِ؛ لِقلَّةِ المؤمِنِينَ وكثرةِ الكفَّارِ، وأنَّ الآيةَ لا تُؤخَذُ على عمومِها وإطلاقِها في كلِّ حالٍ؛ فقد أخرَجَ البخاريُّ، عن نافعٍ؛ قال: "جاءَ رَجُلَانِ إلى ابنِ عُمَرَ أَيَّامَ فِتْنةِ ابنِ الزُّبَيْرِ, فقالا: إنَّ الناسَ صَنَعُوا ما تَرى وأنتَ ابنُ عُمَرَ وصاحبُ النبيِّ ﷺ ؛ فما يمنعُكَ

стр. 274

أن تخرُجَ؟ فقال: يَمْنَعُني أنَّ اللهَ حَرَّمَ دَمَ أخي، فقالا: ألم يقُلِ اللهُ تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾؟ فقال ابنُ عمرَ: "قاتَلْنا مَعَ رسولِ اللهِ حتَّى لم تكُنْ فِتْنةٌ وكان الدِّينُ للهِ، وأنتُم تُرِيدُونَ أن تُقاتِلُوا حتَّى تكونَ فِتْنةٌ، ويكونَ الدِّينُ لغيرِ اللهِ" (١)، قال ابنُ عمرَ: "كان الإسلامُ قليلًا فكان الرَّجُلُ يُفتَنُ في دِينِهِ؛ إمَّا قتَلُوهُ، وإمَّا عذَّبُوه، حتَّى كَثُرَ الإسلامُ، فلم تكُنْ فتنةٌ" (٢). وقولُه: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾؛ أيْ: فإنِ انتهَوْا عن نقضِ الصُّلْحِ، أو فإنِ انتهَوْا عنِ الشِّرْكِ بأنْ آمَنُوا، فلا عُدْوانَ عليهم. الحِكْمةُ مِن مشروعيَّةِ الجِهاد: وفي الآيةِ: دليلٌ على أنَّ الأصلَ في مشروعيَّةِ الجهادِ هو إبلاغُ الدِّين، وتقويةُ الإسلامِ والمسلمين، وإضعافُ الكفرِ والكافرين؛ وذلك أنَّ قولَه: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ليس المرادُ منه هو إزالةَ الكُفرِ وأهلِه؛ وذلك أنَّ اللهَ في سابِقِ عِلْمِهِ وتقديرِهِ بقاءُ الكُفْرِ والكفارِ إلى آخِرِ الزَّمَانِ لحكمةٍ اقتضَتْ ذلك، ولكنَّ المرادَ هو إضعافُ شَوْكَتِهم وهَيْبتِهم؛ حتَّى لا يُرْهِبوا المؤمِنِينَ، ولا تتشوَّفَ نفوسُ ضعفاءِ المؤمِنِينَ إلى تقليدِهم لقوَّتِهم، ولا يجِدَ المنافِقُونَ عَضُدًا قويًّا خارجًا لهم. وعلى هذا: فأعلى مصالحِ الجهادِ: نَشْرُ الحقِّ، وإضعافُ الكفرِ وتقويةُ الإسلامِ وحمايتُهُ، ثمَّ يليها المصالحُ التابِعةُ لذلك؛ كأخذِ المالِ غنيمةً وفَيْئًا وجِزْيةً. وقد جاء في السُّنَّةِ نصوصٌ كثيرةٌ تدُلُّ على أنَّ المرادَ بالجهادِ الرِّفْعةُ والعُلُوُّ، وأنَّ تَرْكَهُ يُورِثُ ذِلَّةً وصَغَارًا؛ ففي "سُنَنِ أبي داودَ"؛ مِن حديثِ عَطَاءٍ الخُرَاسَانِيِّ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ؛ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ

стр. 275

يَقُولُ: (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إلَى دِينِكُمْ) (١). * * * قالَ تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤]. مُنِعَ النبيُّ ﷺ في شهرِ ذي القَعْدةِ سنةَ سِتٍّ مِن دخولِ مَكَّةَ، لمَّا ذهَبَ إليها قاصِدًا العُمْرةَ، وتصالَحَ مع المشرِكِينَ على دخولِها العامَ القابِلَ، وأن يُقِيمَ فيها ثلاثةَ أيَّامٍ، فكان لهم ذلك بعدَما أَعَدَّ المسلِمُونَ العُدَّةَ؛ تحسُّبًا لمنعِ المشرِكِينَ النبيَّ ﷺ وأصحابَهُ مِن دخولِ مكَّةَ ونَقْضِهِمْ العهدَ، فأبدَلَ اللهُ نبيَّهُ بشهرِ الصَّدِّ سَنَةَ ستٍّ شهرَ دخولٍ سَنَةَ سبعٍ، وهو شهرُ ذي القَعْدةِ الشَّهْرُ الحرامُ، وكانتِ العربُ تسمِّيهِ "ذا القَعْدةِ"؛ لأنَّهم يقعُدُونَ فيه عن القتالِ، فسمَّاهُ اللهُ بما يَعرِفونَه. روى ابنُ جريرٍ الطبريُّ؛ مِن حديثِ ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ؛ في قولِ اللهِ - جلَّ ثناؤُه -: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾، قال: "فَخَرَتْ قُرَيشٌ بِرَدِّها رسولَ اللهِ ﷺ يوم الحُدَيْبِيَةِ مُحْرِمًا في ذي القَعْدَةِ عنِ البلدِ الحَرامِ، فأدخَلَهُ اللهُ مكَّةَ في العامِ المُقْبِلِ من ذي القَعْدةِ، فقَضَى عُمرتَهُ، وأقصَّهُ بما حِيلَ بينَه وبينَها يومَ الحديبيةِ" (٢). وروى أيضًا؛ من حديثِ سعيدٍ، عن قَتَادةَ؛ قولَه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾: "أقبل نبيُّ اللهِ ﷺ وأصحابُهُ، فاعتمَرُوا في ذي

стр. 276

القَعْدةِ ومعَهُمُ الهَدْيُ، حتَّى إذا كانوا بالحُدَيْبِيَةِ، صَدَّهُمُ المشرِكُونَ، فصالَحَهُم نبيُّ اللهِ ﷺ على أنْ يَرجِعَ مِن عامِهِ ذلك، حتَّى يَرجِعَ مِنَ العامِ المُقبِلِ؛ فيكونَ بمكَّةَ ثلاثةَ أيَّامٍ؛ ولا يَدْخُلَها إلَّا بسِلَاحِ راكبٍ ويَخْرُجَ، ولا يَخْرُجَ بأَحَدٍ مِن أهلِ مكَّةَ، فنَحَرُوا الهَدْيَ بالحُدَيْبِيَةِ، وحَلَّقُوا وَقَصَّرُوا. حتَّى إذا كانَ مِنَ العامِ المُقِبلِ، أقبَلَ نبيُّ اللهِ وأصحابُهُ حتَّى دخَلُوا مَكَّةَ، فاعتمَرُوا في ذي القَعْدةِ، فأقامُوا بها ثلاثَ ليالٍ، فكانَ المشرِكُونَ قد فخَرُوا عليه حِينَ رَدُّوهُ يومَ الحُدَيْبِيَةِ، فأَقَصَّهُ اللهُ منهم، فأدخَلَهُ مَكَّةَ في ذلك الشَّهْرِ الذي كانوا رَدُّوهُ فيهِ في ذي القَعْدةِ؛ فقال اللهُ: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ " (١). وروى عن ابن جُرَيْجٍ؛ قال: قلتُ لعَطَاءٍ: وسألتُهُ عن قولِه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾، قال: "نزلَتْ في الحُدَيْبِيَةِ، مُنِعُوا في الشَّهْرِ الحرامِ، فنَزَلَت: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾: عُمْرةٌ في شَهْرٍ حَرَامٍ، بعُمْرةٍ في شَهْرٍ حَرَامٍ" (٢). الحكمةُ مِنْ تأخيرِ دخولِ النبي ﷺ مكَّةَ: وكانَ تأخيرُ دخولِ النبيِّ ﷺ لمَكَّةَ لحِكَمٍ كثيرةٍ، منها: أنْ يعتادَ المؤمنونَ على الصَّبْرِ، ومنها: أنَّ اللهَ جعَلَ دخولَهُمُ العامَ السابِعَ أظهَرَ في القُوَّةِ والكثرةِ؛ فقد تتابَعَ الناسُ في السَّنَةِ السابِعةِ أكثَرَ مِن غيرِها؛ فكانوا أَهْيَبَ في نفوسِ المشرِكِينَ؛ ولذا قدَّر اللهُ لهم دخولَ مكَّةَ في العامِ الثامنِ بِلا كبيرِ قتالٍ؛ للهَيْبةِ التي جعَلَها اللهُ في نفوسِ قريشٍ مِن المسلِمِينَ، ومنها: أنَّ رؤيةَ قريشٍ للمسلِمينَ مرَّتَيْنِ سَنَةَ سِتٍّ وسَنَةَ سبعٍ

стр. 277

أشدُّ وقعًا في قلوبِهم، وعلامةٌ على ثباتِ المسلِمينَ وصَبْرِهم وإصرارِهم. والأشهُرُ الحُرُمُ المذكورةُ في الآيةِ أربعةٌ، وهي المذكورةُ في الآيةِ: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، وهي: ثلاثةٌ سَرْدٌ، وواحدٌ فَرْدٌ، فأمَّا السَّرْدُ المتتابِعةُ، فهي ذو القَعْدةِ وذو الحِجَّةِ والمحرَّمُ؛ وذلك لأنَّ الحجَّ واقعٌ فيها ذَهَابًا ورجوعًا وأداءً. وأمَّا الشَّهْرُ الفَرْدُ، فهو شهرُ رَجَبٍ، وكان أهلُ الجاهليَّةِ يسمُّونَهُ شهرَ العُمْرةِ، وقد حرَّمَتْهُ مُضَرُ كلُّها؛ ولذلك يقالُ له: رَجَبُ مُضَرَ. وقد جاءَ في "الصحيحَيْنِ"، عن أبي بَكْرةَ ﵁، عنِ النبيِّ ﷺ ؛ قال: (إنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَواتِ والأَرْضِ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الذي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ) (١). وإنَّما سمَّاه النبيُّ رَجَبَ مُضَرَ؛ لأنَّ ربيعةَ تُسمِّي رَجبًا ما بين شَعْبانَ وشوَّالٍ، وهو رَمضانُ؛ تسمِّيه رَجبًا. ولو لم يحرِّمِ اللهُ القتالَ في الأشهُرِ الحُرُمِ، لتعطَّلَ الحجُّ والعُمْرةُ، ولم يصبِحْ لحَرَمِ اللهِ هَيْبةٌ، وانتقَصَ أمانُهُ وانتقَضَ. العمرةُ في أشهرِ الحجِّ: واعتمَرَ النبيُّ أربعَ عُمَرٍ؛ كلُّهُنَّ في أشهُرِ الحِجِّ، وهُنَّ أشهُرٌ حُرُمٌ؛ وهذا دليلٌ على أنَّ العُمْرةَ في أشهُرِ الحَجِّ أفضلُ مِن العُمْرةِ في غيرِها، حتَّى رمَضَانَ. وأمَّا حديثُ: (عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً) (٢)، فهذا فضلٌ، لا تفضيلٌ، وتتابُعُ فِعْلِ النبيِّ ﷺ على الاعتمارِ في أشهُرِ الحجِّ دليلُ القَصْدِ،

стр. 278

وهذا لا يحدُثُ مصادَفةً، والفعلُ المتكرِّرُ أقوى من الحثِّ بالقولِ بلا فعلٍ، والفعلُ مع القولِ أقوى من أَحَدِهما بدونِ الآخَرِ. وكانَ السلفُ يَعتمِرُونَ في أشهُرِ الحَجِّ أكثَرَ مِن غيرِها. والباءُ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ للتعويضِ؛ كقولِهم: صاعًا بصاعٍ؛ أيْ: إنَّ الحُكْمَ واحدٌ للطَّرَفَيْنِ يَتَقابَلانِ بِه؛ روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن أَيُّوبَ، عن عِكْرِمةَ؛ قال: قال ابنُ عَبَّاسٍ: "رَضِيَ اللهُ بالقِصَاصِ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ مِنْكُمُ العُدْوانَ؛ قَالَ اللهُ: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾، فحَجَّةٌ بحَجَّةٍ، وعُمْرَةٌ بِعُمْرَةٍ" (١). ولذا قال تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾؛ أيْ: مماثلةٌ ومقابَلةٌ في المجازاةِ والانتِصافِ، وكما تكونُ المحرَّماتُ على أحدٍ، فيَنتهِكُها، فيسقُطُ التحريمُ عمَّن يُقابِلُه، فله أنْ يجازيَهُ بمِثْلِ عُدْوانِهِ عليهِ؛ كالسِّنِّ، بالسِّنِّ، والعَيْنِ بالعَيْنِ، والأُذُنِ بالأُذُنِ، فأصلُ العدوانِ حرامٌ، لكنْ لو وقَعَ للمعتدَى عليه، أخَذَ القِصَاصَ، وكذلك فيمَنِ اختَرَقَ حُكْمَ الأشهُرِ الحُرُم بالقتالِ، فله مقابَلَتُهُ بالمِثْلِ، وهذا شبيهٌ بما سبَقَ في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١]. حرمةُ النفسِ أعظم من حرمة المكانِ والزمان: وفي الآياتِ: دليلٌ على أنَّ حُرْمةَ النفسِ أعظَمُ من حُرْمةِ الأزمنةِ والأمكنةِ، فأَبَاحَ اللهُ في الحَرَمِ وفي الشَّهْرِ الحرامِ القتالَ لِصَدِّ العُدْوانِ على النفسِ؛ لأنَّ الأَزْمِنةَ لا تعظَّمُ إلَّا بأفعالٍ، والأفعالُ لا تقومُ إلَّا بفاعِلِينَ؛ فصيانةُ الفاعِلِينَ - وهم النفوسُ المعصومةُ - أَوْلى. وقالَ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: بالمماثَلةِ كما فعَلُوا في شهرٍ حرامٍ، فقابِلُوهُ بمقاتَلَتِهِ في شهرٍ حرامٍ.

стр. 279

وقد ذكَرَ اللهُ سبحانَهُ حُكْمَ القتالِ والحاجةَ إليه، وبيَّن حُكْمَ القتالِ في حَرَمِ اللهِ، وهو المكانُ الذي كان يقصدُهُ المسلمونَ للعُمْرةِ، فخَشُوا مِن تربُّصِ المشرِكِينَ وخيانتِهم لهم، فأنزَلَ اللهُ ما سبَقَ مِن حُكْمِ القتالِ في البلدِ الحرامِ، ولمَّا كان ذَهَابُ المؤمِنِينَ إلى مَكَّةَ في الأشهُرِ الحُرُمِ، ناسَبَ ذلك بيانَ اللهِ حُكْمَ ما يجدونَهُ مِن حَرَجٍ في القتالِ في هذه الأشهُرِ. وفي الآيةِ: إشارةٌ إلى أهمِّيَّةِ العِلْمِ والفَهْمِ قبلَ العمَلِ؛ حتَّى يجتمِعَ الناسُ على حَقٍّ مستقرٍّ سابقٍ؛ فإنَّ مسائلَ الخلافِ في الأحوالِ الحَرِجةِ يَنقسِمُ فيها الناسُ، وربَّما يتَقاتَلُونَ عليها لتأزُّمِ النفوسِ، فكان استقرارُ العلمِ والاجتماعُ عليه - خاصَّةً في المهمَّاتِ كالقِتالِ -: مِن الواجباتِ؛ لهذا جاءَ الحُكْمُ الإلهيُّ ببيانِ القتالِ وحدودِهِ مكانًا وزمانًا. روى ابنُ جريرٍ، عن أيُّوبَ، عن عِكْرِمةَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ في هذه الآيةِ: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾؛ قال: "أمرَكُمُ اللهُ بالقِصَاصِ، ويأخُدُ منكمُ العُدْوانَ" (١). وروى عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ قولَهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾: "فهذا ونحوُهُ نزَلَ بمَكَّةَ والمسلِمونَ يومئذٍ قليلٌ، وليس لهم سُلْطانٌ يَقْهَرُ المشرِكِينَ، وكان المشرِكُونَ يَتَعاطَوْنَهُمْ بالشَّتْمِ والأذى؛ فأمَرَ اللهُ المسلِمِينَ، مَن يُجازِى منهم أن يُجازِيَ بمثلِ ما أُتِيَ إليه، أو يصبِرَ أو يعفُوَ؛ فهو أمثلُ، فلمَّا هاجَرَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى المدينةِ، وأعَزَّ اللهُ سلطانَهُ، أمَرَ المسلِمِينَ أن ينتَهُوا في مظالمِهم إلى سُلْطانِهم، وألَّا يَعْدُوَ بعضُهم على بعضٍ كأهلِ الجاهليَّةِ" (٢).

стр. 280

حكمُ أخذِ المسلمِ حقَّه مِن دون الحاكم: وإذا لم يَجِدِ المسلمُ حاكمًا يُنصِفُهُ، فهل له أن يأخُذ حقَّه بنفسِهِ في غيرِ الحدودِ من غيرِ مَفْسَدةٍ؟ في المسألةِ قولانِ، وجمهورُ السَّلَفِ وأكثرُ الفقهاءِ على الجوازِ، روى أبو نُعَيْمٍ في "الحِلْيةِ"، عن قُدامةَ بنِ الهيثمِ، قال: "سألتُ عطاءَ بنَ مَيْسَرةَ الخُرَاسانيَّ، فقلتُ له: لي على رجلٍ حَقٌّ، وقد جَحَدني به، وقد أعْيَا عليَّ البيِّنةُ، أفأَقْتَصُّ مِن مالِهِ؟ قال: أرأيتَ لو وقَعَ بجارِيتِكَ، فعَلِمْتَ، ما كنتَ صانعًا؟ ! " (١) ولصاحبِ الحقِّ أنْ يأخُذَ حقَّه إذا ظَفِرَ به، ولو لم يَعلَمْ مِن أحدٍ به، قال ﷺ لهِنْدَ بنتِ عُتْبةَ امرأةِ أبي سُفْيانَ، لمَّا قالت له: إنَّ أبا سُفْيانَ رجلٌ شحيحٌ، لا يُعْطيني مِن النَّفَقةِ ما يَكْفيني ويَكْفي بَنِيَّ إلَّا ما أخَذْتُ مِن مالِهِ بغيرِ عِلْمِه، فهَلْ عليَّ جُنَاحٌ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : (خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ) (٢). روى عبدُ الرزَّاقِ، وابنُ جريرٍ، وابن أبي حاتمٍ، عن خالدٍ، عنِ ابنِ سِيرِينَ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]؛ يقولُ: "إنْ أخَذَ مِنْكَ رجلٌ شيئًا، فخُذْ مِنهُ مِثلَه" (٣). وعند عبد الرزَّاقِ وابن جريرٍ عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قالَ: "إنْ أخَذَ مِنْكَ شيئًا، فخُذْ مِنه مِثلَه" (٤). وبجوازِ أَخْذِ الحقِّ عدَ الظَّفَرِ به يقولُ أكثرُ العلماءِ، وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ والثوريِّ وغيرِهم.

стр. 281

وأمَّا إذا وجَدَ مالًا غيرَ مالِه، ولكنَّه يُساويهِ أو هو أقلُّ منه؛ هل له أن يَأخُذَهُ عن حقِّه أو بعضِهِ؟ هما قولانِ للعلماءِ، والصوابُ جوازُ ذلك إذا كان هذا لا يُفضِي إلى مَفْسَدةٍ عليه أشدَّ. قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أمَرَ اللهُ بتَقْواهُ، محذِّرًا من البغيِ في القتالِ، وأن يكونَ القتالُ بالقَدْرِ الذي يُدفَعُ به عُدْوانُهم وشَرُّهم، وبالتَّقوى يكونُ العبدُ مع اللهِ بحِفْظِهِ ورِعايتِهِ وتسديدِهِ والنَّظَرِ إليه، وفي ذلك: إشارةٌ إلى أنَّ معيَّةَ اللهِ لعبدِهِ بقَدْرِ تَمسُّكِهِ بتَقْواهُ وقُرْبِهِ منه، ولا يُصابُ عبدٌ إلَّا بسببِ ذنبٍ اقترفَهُ؛ لهذا فأحوَجُ ما يكونُ الإنسانُ في أزمنةِ الفِتَنِ وِالشدائِدِ إلى التقوى والاستغفارِ من الذنوبِ؛ حتَّى يزولَ الذنبُ، فتزولَ آثارُه. وقد ذكَرَ اللهُ الأمرَ بتَقْواهُ بعدَ أنْ ذكَرَ القتالَ؛ ليبيِّنَ أنَّ العِبْرةَ بتقوى الإنسانِ للهِ أكثرُ مِن العِبْرةِ بالعددِ والمالِ؛ فالأبدانُ والعُدَّةُ لا تكفي ما دامَتِ العزائمُ ضعيفةً لا تُقاتِلُ عقيدةً، وإنَّما تقاتِلُ حَمِيَّةً وعصبيَّةً لِنَسَبٍ أو مُلْكٍ. ولا تكونُ معيَّةُ اللهِ وعنايتُهُ وتأبيدُهُ للمقاتِلِ حتَّى يكونَ بتقوى؛ ولذا قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾، فإذا ضَعُفَتْ معيَّةُ اللهِ لعبدٍ، ضَعُفَ انتصارُهُ، ووكَلَهُ اللهُ إلى نفسِه، وكُلَّما زادَتِ التقوى والعبوديَّةُ، زادت كفايةُ اللهِ للعبدِ؛ كما قال اللهُ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]. والآيةُ دليلٌ على أهميَّةِ وصيَّةِ المجاهِدِ بنَفْسِهِ ومالِهِ بتقوى اللهِ، وتذكيرِهِ بوجوبِ التقرُّبِ إلى اللهِ؛ لِيَقرُبَ اللهُ منه، حتَّى لا يَتَّكِلَ على نفسِهِ وقوَّتِهِ، فيَكِلَهُ اللهُ إليها. حكمُ القتالِ في الأشهرِ الحُرُمِ: وتحريمُ القتالِ في الأشهُرِ الحُرُمِ منسوخٌ باتفاقِ العلماءِ - إلَّا شيئًا

стр. 282

قاله عطاءٌ - حكى الاتفاقَ جماعةٌ مِن العلماءِ؛ وقد كانت العلةُ التي منَعَ اللهُ لأجلِها القتالَ في الأشهُرِ الحُرُمِ هي أنَّ مَكَّةَ كانت بلادَ شِرْكٍ قبلَ الفتحِ، فإبقاءُ حُكْمِ التحريم كان لحِفْظِ طريقِ الحاجِّ والمعتمِرِ إلى البيتِ الحرامِ مِن القُطَّاعِ، ولمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ، ولم تكُنْ بعد ذلك بَلَدًا للكفرِ، وحرَّمَ اللهُ على المشركين دخولَها: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، بل أمَرَ اللهُ بإخراجِهِمْ مِن جزيرةِ العربِ؛ كما في الحديثِ في "الصحيحَيْنِ": (أخرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ) (١) - كان الحُجَّاجُ في مَأْمَنٍ. وأمَّا المشرِكونَ، فهم بحاجةٍ إلى تتبُّعٍ وقصدٍ وملاحَقةٍ؛ لدفعِ شرِّهم، ولتقويةِ شوكةِ المسلِمِينَ؛ لذا نسَخَ اللهُ تحريمَ القتالِ في الأشهُرِ الحُرُمِ بِزوالِ سببِهِ، بل لتمامِ الحاجةِ إلى القتالِ فيها، وهي حفظُ بلادِ المسلِمِينَ وطريقِ الحاجِّ مِن تربُّصِهم، وكلَّما اتَّسَعَتْ دائرةُ بلادِ الإسلامِ، كانتِ الحاجةُ ماسَّةً لحمايةِ الأطرافِ، ومع اتِّساعِها تتَّسِعُ الحاجةُ للقتالِ، فكان واجبُ القتالِ الاتِّساعَ وعدَمَ الضِّيقِ. مراحلُ القتالِ في الأشهر الحُرمِ: ولِذا فإنَّ الجهادَ في الأشهُرِ الحرُمِ مَرَّ بمَراحِلَ: أوَّلُها التحريمُ المطلَقُ؛ كما سبَقَ. ثمَّ خصَّصَهُ اللهُ بقولِه: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١]، إلى قولِه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾. ثمَّ نسَخَهُ اللهُ بقولِهِ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ١ - ٢]، إلى قولِه:

стр. 283

﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فاللهُ ضرَبَ لهُم أجَلًا، وهو انقضاءُ الأشهُرِ الحُرُمِ من العامِ التاسِعِ للهِجْرةِ في زَمَنِ حَجَّةِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ بالناسِ، ثمَّ جعَلَ اللهُ نهايةَ الأَجَلِ هو نهايةَ محرَّمٍ من العامِ العاشرِ من السنةِ التاليةِ، وهي العاشرةُ، ثمَّ أَحَلَّ القتالَ في كلِّ زمَنٍ. وهو منسوخٌ بقولِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]. وقد صحَّ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قاتَلَ في الأشهُرِ الحُرُمِ بعد ذلك؛ فقد غَزَا هَوَازِنَ بحُنَيْنٍ، وثَقِيفًا بالطائفِ في شهرِ ذي القَعْدةِ؛ كما في كُتُبِ الصحيحِ. وأَغْزَى أبا عامرٍ إلى أَوْطَاسٍ في الشهرِ الحرامِ. وغَزْوةُ ذاتِ الرِّقَاعِ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِن شَهْرِ المحرَّمِ، وغزا بني قُريْظةَ لسبعٍ بَقِينَ مِن ذي القَعْدةِ، وغزا غَزْوَتَهُ في تَبُوكَ لخَمْسٍ خَلَوْنَ مِن رجَبٍ. وقد بايَعَ النبيُّ ﷺ على قتالِ قُرَيْشٍ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ في ذي القَعْدةِ، لمَّا بلَغَهُ أنَّ قُرَيْشًا قتلَتْ رسولَهُ عُثْمانَ بنَ عَفَّانَ حِينَما أرسلَهُ إليهم، فغَدَرُوا به، فبايَعَهُمْ على القتالِ، فبانَ أنَّ عثمانَ لم يُقتَلْ فصالَحَهُمْ. والإجماعُ منعقِدٌ على جوازِ القتالِ في جميعِ أيَّامِ السَّنَةِ ولياليها، ولعطاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ قولٌ بعَدَمِ النَّسْخِ؛ فقد روى ابنُ جريرٍ، عن ابنِ جُرَيْجٍ؛ قال: قلتُ لِعَطَاءٍ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، قلتُ: ما لهم؛ وإذْ ذاكَ لا يَحِلُّ لهم أن يَغزُوا أهلَ الشِّرْكِ في الشهرِ الحرامِ، ثمَّ غَزَوْهُم بعدُ فيه؟ ! فحلَفَ لي

стр. 284

عطاءٌ باللهِ، ما يَحِلُّ للناسِ أن يَغْزُوا في الشهرِ الحرامِ، ولا أنْ يُقاتِلوا فيه، وما يُستَحَبُّ. قال: ولا يَدْعُونَ إلى الإسلامِ قبلَ أن يُقاتِلوا، ولا إلى الجِزْيةِ؛ تَرَكُوا ذلك (١). وقال أبو إسحاقَ الفَزَارِيُّ: "سألتُ سُفْيانَ الثَّوْريَّ عنِ القتالِ في الشهرِ الحرامِ؟ فقال: هذا منسوخٌ؛ فلا بأسَ بالقتالِ فيهِ وفي غيرِهِ" (٢). والإجماعُ انعقَدَ، والعمَلُ مَضَى على خلافِهِ. روى عبدُ الرَّزَّاقِ وابنُ جريرٍ، وابن أبي حاتمٍ، عن مَعْمَرٍ، عنِ الزُّهْريِّ؛ قال: "كان النبيُّ ﷺ فيما بلَغَنا يحرِّمُ القتالَ في الشهرِ الحرامِ، ثمَّ أُحِلَّ بعدُ" (٣). وقال بالنسخِ مِن مفسِّري السلفِ: ابنُ عبَّاسٍ، ومحاهِدٌ، وقتادةُ، وعطاءُ بنُ مَيْسَرةَ، والضَّحَّاكُ، وحبيبُ بنُ أبي ثابتٍ، وعبدُ الرحمنِ بنُ زَيْدٍ. * * * قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]. الخِطَابُ يتوجَّهُ إلى عمومِ مَن مَلَكَ مالًا؛ أن يبادِرَ بالنفقةِ في سبيلِ اللهِ، وخصَّ سبيلَ اللهِ، وهو صِراطُهُ المستقيمُ؛ أيِ: الطريقُ البَيِّنُ الذي لا لَبْسَ فيه، فيَجِبُ التحذيرُ مِنَ النفقةِ للرَّايَاتِ الجاهليَّةِ، والحميَّةِ النفسيَّةِ المجرَّدةِ مِن الدفاعِ عن حُرْمةٍ، ومِن الذَّبِّ عن دينِ اللهِ.

стр. 285

معنى "سبيلِ الله" في القرآن: وأغلبُ استعمالِ الكتابِ والسُّنَّةِ لسبيلِ اللهِ يرادُ به الجهادُ؛ تعظيمًا له، وبيانًا لكبيرِ مصلحةِ الدِّينِ بالقيامِ به؛ فبِه يَقْوَى المسلِمُونَ ويضعُفُ عدوُّهم، وما تركَتْ أمَّةُ الإسلامِ الجهادَ إلَّا ذَلَّتْ، فتَرْكُ الجهادِ إضعافٌ لسبيلِ اللهِ، وتقطيعٌ له، وزيادةُ حَيْرةٍ للسالِكينَ له؛ فالخلافُ سُنَّةٌ في البَشَرِ في حياتِهم، فالأمَّةُ تَتَخَاصَمُ فيما بينَها إن لم تَجِدْ خَصْمًا خارِجَها؛ لهذا شرَعَ اللهُ الجهادَ للانشغالِ بالخَصْمِ الأكبَرِ عنِ الخصوماتِ الفرعيَّةِ بين المسلِمِينَ، وإذا انصرَفَتِ الأُمَّةُ عن قتالِ عدوِّها الأكبرِ وخَصْمِها الأعلى، انشغَلَتْ فيما بينَها بخصوماتٍ أدنى، وكلَّما ترَكَتِ الخصوماتِ ومواضِعَ الخلافِ الأولى، نزلَت إلى الأدنى؛ حتَّى تَنشغِلَ الأمَّةُ بحِزْبيَّاتِ وعَصَبيَّاتِ اللَّوْنِ والنَّسَبِ والبلَدِ، حتَّى يكونَ الخلافُ في أهلِ الحيِّ الواحدِ؛ شرقيُّهُ يُخاصِمُ غربيَّهُ. وعدمُ شُغْلِ النفوسِ بعدوِّها الأعلى يَدْعُوها للانشغالِ بما دُونَهُ، ثمَّ تضعُفُ ويُصِيبُها الشقاقُ والنفاقُ، ثُمَّ تتفتَّتُ؛ ولهذا وجَبَ الانشغالُ بالغَزْوِ ولو بحديثِ النفسِ؛ لتنشغِلَ النفوسُ بعضُها عن بعضٍ، ولِتَعْمُرَ قلوبُ المسلِمِينَ ولو فِكْرًا بالعدوِّ الأكبَرِ؛ ففي الحديثِ: (مَنْ لم يَغْزُ، أَوْ يُجَهِّزُ غازِيًا، أَوْ يَخْلُفْ غازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ، أصَابَهُ اللهُ بِقَارِعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ)؛ رواهُ أبو داودَ وابنُ ماجه (١). قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٩]. وفي الحديثِ السابقِ: ما يوافِقُ الآيةَ؛ أنَّ ترْكَ الجهادِ والإنفاقِ عليه هلاكٌ للأُمَّةِ؛ ففي قولِهِ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، و"أصابَهُ اللهُ بقارِعةٍ" إشارةٌ إلى أنَّ الأُمَّةَ إن لم تجاهِدْ عَدُوَّها، أو لم تُعِنِ المجاهِدَ
следующие страницы →