← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وأمَّا إذا وجَدَ مالًا غيرَ مالِه، ولكنَّه يُساويهِ أو هو أقلُّ منه؛ هل له أن يَأخُذَهُ عن حقِّه أو بعضِهِ؟ هما قولانِ للعلماءِ، والصوابُ جوازُ ذلك إذا كان هذا لا يُفضِي إلى مَفْسَدةٍ عليه أشدَّ. قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أمَرَ اللهُ بتَقْواهُ، محذِّرًا من البغيِ في القتالِ، وأن يكونَ القتالُ بالقَدْرِ الذي يُدفَعُ به عُدْوانُهم وشَرُّهم، وبالتَّقوى يكونُ العبدُ مع اللهِ بحِفْظِهِ ورِعايتِهِ وتسديدِهِ والنَّظَرِ إليه، وفي ذلك: إشارةٌ إلى أنَّ معيَّةَ اللهِ لعبدِهِ بقَدْرِ تَمسُّكِهِ بتَقْواهُ وقُرْبِهِ منه، ولا يُصابُ عبدٌ إلَّا بسببِ ذنبٍ اقترفَهُ؛ لهذا فأحوَجُ ما يكونُ الإنسانُ في أزمنةِ الفِتَنِ وِالشدائِدِ إلى التقوى والاستغفارِ من الذنوبِ؛ حتَّى يزولَ الذنبُ، فتزولَ آثارُه. وقد ذكَرَ اللهُ الأمرَ بتَقْواهُ بعدَ أنْ ذكَرَ القتالَ؛ ليبيِّنَ أنَّ العِبْرةَ بتقوى الإنسانِ للهِ أكثرُ مِن العِبْرةِ بالعددِ والمالِ؛ فالأبدانُ والعُدَّةُ لا تكفي ما دامَتِ العزائمُ ضعيفةً لا تُقاتِلُ عقيدةً، وإنَّما تقاتِلُ حَمِيَّةً وعصبيَّةً لِنَسَبٍ أو مُلْكٍ. ولا تكونُ معيَّةُ اللهِ وعنايتُهُ وتأبيدُهُ للمقاتِلِ حتَّى يكونَ بتقوى؛ ولذا قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾، فإذا ضَعُفَتْ معيَّةُ اللهِ لعبدٍ، ضَعُفَ انتصارُهُ، ووكَلَهُ اللهُ إلى نفسِه، وكُلَّما زادَتِ التقوى والعبوديَّةُ، زادت كفايةُ اللهِ للعبدِ؛ كما قال اللهُ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]. والآيةُ دليلٌ على أهميَّةِ وصيَّةِ المجاهِدِ بنَفْسِهِ ومالِهِ بتقوى اللهِ، وتذكيرِهِ بوجوبِ التقرُّبِ إلى اللهِ؛ لِيَقرُبَ اللهُ منه، حتَّى لا يَتَّكِلَ على نفسِهِ وقوَّتِهِ، فيَكِلَهُ اللهُ إليها. حكمُ القتالِ في الأشهرِ الحُرُمِ: وتحريمُ القتالِ في الأشهُرِ الحُرُمِ منسوخٌ باتفاقِ العلماءِ - إلَّا شيئًا

стр. 282

قاله عطاءٌ - حكى الاتفاقَ جماعةٌ مِن العلماءِ؛ وقد كانت العلةُ التي منَعَ اللهُ لأجلِها القتالَ في الأشهُرِ الحُرُمِ هي أنَّ مَكَّةَ كانت بلادَ شِرْكٍ قبلَ الفتحِ، فإبقاءُ حُكْمِ التحريم كان لحِفْظِ طريقِ الحاجِّ والمعتمِرِ إلى البيتِ الحرامِ مِن القُطَّاعِ، ولمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ، ولم تكُنْ بعد ذلك بَلَدًا للكفرِ، وحرَّمَ اللهُ على المشركين دخولَها: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، بل أمَرَ اللهُ بإخراجِهِمْ مِن جزيرةِ العربِ؛ كما في الحديثِ في "الصحيحَيْنِ": (أخرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ) (١) - كان الحُجَّاجُ في مَأْمَنٍ. وأمَّا المشرِكونَ، فهم بحاجةٍ إلى تتبُّعٍ وقصدٍ وملاحَقةٍ؛ لدفعِ شرِّهم، ولتقويةِ شوكةِ المسلِمِينَ؛ لذا نسَخَ اللهُ تحريمَ القتالِ في الأشهُرِ الحُرُمِ بِزوالِ سببِهِ، بل لتمامِ الحاجةِ إلى القتالِ فيها، وهي حفظُ بلادِ المسلِمِينَ وطريقِ الحاجِّ مِن تربُّصِهم، وكلَّما اتَّسَعَتْ دائرةُ بلادِ الإسلامِ، كانتِ الحاجةُ ماسَّةً لحمايةِ الأطرافِ، ومع اتِّساعِها تتَّسِعُ الحاجةُ للقتالِ، فكان واجبُ القتالِ الاتِّساعَ وعدَمَ الضِّيقِ. مراحلُ القتالِ في الأشهر الحُرمِ: ولِذا فإنَّ الجهادَ في الأشهُرِ الحرُمِ مَرَّ بمَراحِلَ: أوَّلُها التحريمُ المطلَقُ؛ كما سبَقَ. ثمَّ خصَّصَهُ اللهُ بقولِه: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١]، إلى قولِه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾. ثمَّ نسَخَهُ اللهُ بقولِهِ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ١ - ٢]، إلى قولِه:

стр. 283

﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فاللهُ ضرَبَ لهُم أجَلًا، وهو انقضاءُ الأشهُرِ الحُرُمِ من العامِ التاسِعِ للهِجْرةِ في زَمَنِ حَجَّةِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ بالناسِ، ثمَّ جعَلَ اللهُ نهايةَ الأَجَلِ هو نهايةَ محرَّمٍ من العامِ العاشرِ من السنةِ التاليةِ، وهي العاشرةُ، ثمَّ أَحَلَّ القتالَ في كلِّ زمَنٍ. وهو منسوخٌ بقولِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]. وقد صحَّ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قاتَلَ في الأشهُرِ الحُرُمِ بعد ذلك؛ فقد غَزَا هَوَازِنَ بحُنَيْنٍ، وثَقِيفًا بالطائفِ في شهرِ ذي القَعْدةِ؛ كما في كُتُبِ الصحيحِ. وأَغْزَى أبا عامرٍ إلى أَوْطَاسٍ في الشهرِ الحرامِ. وغَزْوةُ ذاتِ الرِّقَاعِ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِن شَهْرِ المحرَّمِ، وغزا بني قُريْظةَ لسبعٍ بَقِينَ مِن ذي القَعْدةِ، وغزا غَزْوَتَهُ في تَبُوكَ لخَمْسٍ خَلَوْنَ مِن رجَبٍ. وقد بايَعَ النبيُّ ﷺ على قتالِ قُرَيْشٍ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ في ذي القَعْدةِ، لمَّا بلَغَهُ أنَّ قُرَيْشًا قتلَتْ رسولَهُ عُثْمانَ بنَ عَفَّانَ حِينَما أرسلَهُ إليهم، فغَدَرُوا به، فبايَعَهُمْ على القتالِ، فبانَ أنَّ عثمانَ لم يُقتَلْ فصالَحَهُمْ. والإجماعُ منعقِدٌ على جوازِ القتالِ في جميعِ أيَّامِ السَّنَةِ ولياليها، ولعطاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ قولٌ بعَدَمِ النَّسْخِ؛ فقد روى ابنُ جريرٍ، عن ابنِ جُرَيْجٍ؛ قال: قلتُ لِعَطَاءٍ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، قلتُ: ما لهم؛ وإذْ ذاكَ لا يَحِلُّ لهم أن يَغزُوا أهلَ الشِّرْكِ في الشهرِ الحرامِ، ثمَّ غَزَوْهُم بعدُ فيه؟ ! فحلَفَ لي

стр. 284

عطاءٌ باللهِ، ما يَحِلُّ للناسِ أن يَغْزُوا في الشهرِ الحرامِ، ولا أنْ يُقاتِلوا فيه، وما يُستَحَبُّ. قال: ولا يَدْعُونَ إلى الإسلامِ قبلَ أن يُقاتِلوا، ولا إلى الجِزْيةِ؛ تَرَكُوا ذلك (١). وقال أبو إسحاقَ الفَزَارِيُّ: "سألتُ سُفْيانَ الثَّوْريَّ عنِ القتالِ في الشهرِ الحرامِ؟ فقال: هذا منسوخٌ؛ فلا بأسَ بالقتالِ فيهِ وفي غيرِهِ" (٢). والإجماعُ انعقَدَ، والعمَلُ مَضَى على خلافِهِ. روى عبدُ الرَّزَّاقِ وابنُ جريرٍ، وابن أبي حاتمٍ، عن مَعْمَرٍ، عنِ الزُّهْريِّ؛ قال: "كان النبيُّ ﷺ فيما بلَغَنا يحرِّمُ القتالَ في الشهرِ الحرامِ، ثمَّ أُحِلَّ بعدُ" (٣). وقال بالنسخِ مِن مفسِّري السلفِ: ابنُ عبَّاسٍ، ومحاهِدٌ، وقتادةُ، وعطاءُ بنُ مَيْسَرةَ، والضَّحَّاكُ، وحبيبُ بنُ أبي ثابتٍ، وعبدُ الرحمنِ بنُ زَيْدٍ. * * * قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]. الخِطَابُ يتوجَّهُ إلى عمومِ مَن مَلَكَ مالًا؛ أن يبادِرَ بالنفقةِ في سبيلِ اللهِ، وخصَّ سبيلَ اللهِ، وهو صِراطُهُ المستقيمُ؛ أيِ: الطريقُ البَيِّنُ الذي لا لَبْسَ فيه، فيَجِبُ التحذيرُ مِنَ النفقةِ للرَّايَاتِ الجاهليَّةِ، والحميَّةِ النفسيَّةِ المجرَّدةِ مِن الدفاعِ عن حُرْمةٍ، ومِن الذَّبِّ عن دينِ اللهِ.

стр. 285

معنى "سبيلِ الله" في القرآن: وأغلبُ استعمالِ الكتابِ والسُّنَّةِ لسبيلِ اللهِ يرادُ به الجهادُ؛ تعظيمًا له، وبيانًا لكبيرِ مصلحةِ الدِّينِ بالقيامِ به؛ فبِه يَقْوَى المسلِمُونَ ويضعُفُ عدوُّهم، وما تركَتْ أمَّةُ الإسلامِ الجهادَ إلَّا ذَلَّتْ، فتَرْكُ الجهادِ إضعافٌ لسبيلِ اللهِ، وتقطيعٌ له، وزيادةُ حَيْرةٍ للسالِكينَ له؛ فالخلافُ سُنَّةٌ في البَشَرِ في حياتِهم، فالأمَّةُ تَتَخَاصَمُ فيما بينَها إن لم تَجِدْ خَصْمًا خارِجَها؛ لهذا شرَعَ اللهُ الجهادَ للانشغالِ بالخَصْمِ الأكبَرِ عنِ الخصوماتِ الفرعيَّةِ بين المسلِمِينَ، وإذا انصرَفَتِ الأُمَّةُ عن قتالِ عدوِّها الأكبرِ وخَصْمِها الأعلى، انشغَلَتْ فيما بينَها بخصوماتٍ أدنى، وكلَّما ترَكَتِ الخصوماتِ ومواضِعَ الخلافِ الأولى، نزلَت إلى الأدنى؛ حتَّى تَنشغِلَ الأمَّةُ بحِزْبيَّاتِ وعَصَبيَّاتِ اللَّوْنِ والنَّسَبِ والبلَدِ، حتَّى يكونَ الخلافُ في أهلِ الحيِّ الواحدِ؛ شرقيُّهُ يُخاصِمُ غربيَّهُ. وعدمُ شُغْلِ النفوسِ بعدوِّها الأعلى يَدْعُوها للانشغالِ بما دُونَهُ، ثمَّ تضعُفُ ويُصِيبُها الشقاقُ والنفاقُ، ثُمَّ تتفتَّتُ؛ ولهذا وجَبَ الانشغالُ بالغَزْوِ ولو بحديثِ النفسِ؛ لتنشغِلَ النفوسُ بعضُها عن بعضٍ، ولِتَعْمُرَ قلوبُ المسلِمِينَ ولو فِكْرًا بالعدوِّ الأكبَرِ؛ ففي الحديثِ: (مَنْ لم يَغْزُ، أَوْ يُجَهِّزُ غازِيًا، أَوْ يَخْلُفْ غازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ، أصَابَهُ اللهُ بِقَارِعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ)؛ رواهُ أبو داودَ وابنُ ماجه (١). قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٩]. وفي الحديثِ السابقِ: ما يوافِقُ الآيةَ؛ أنَّ ترْكَ الجهادِ والإنفاقِ عليه هلاكٌ للأُمَّةِ؛ ففي قولِهِ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، و"أصابَهُ اللهُ بقارِعةٍ" إشارةٌ إلى أنَّ الأُمَّةَ إن لم تجاهِدْ عَدُوَّها، أو لم تُعِنِ المجاهِدَ

стр. 286

وتركَتْهُ، أهلَكَها اللهُ وأصابَها بقارعةٍ، فيسلِّطُ اللهُ عليها سببًا يُهلِكُها به؛ إمَّا فِتْنةً مِن داخِلِها، أو عدوًّا مِن خارِجِها. روى ابنُ أبي حاتمٍ؛ مِن حديثِ منصورٍ؛ قال: سَمِعْتُ أبا صالِحٍ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ يقول فِي قَوْلِ اللهِ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؛ قالَ: "أَنْفِقْ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ لم تَجِدْ إِلَّا مِشْقَصًا" (١). وروى عنِ الأَعْمَشِ، عن أبي وائِلٍ، عن حُذَيْفةَ، في قَوْلِ اللهِ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، قَالَ: "يَعْنِي فِي تَرْكِ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ" (٢). وعامَّةُ المفسِّرينَ على هذا التأويلِ؛ كابنِ عَبَّاسٍ، وعِكْرِمةَ، والحسَنِ، ومجاهِدٍ، وعطاءٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وأبي صَالِحٍ، والضَّحَّاكِ، والسُّدِّيِّ، ومقاتِلِ بنِ حَيَّانَ، وقَتَادةَ، وغيرِهم. ويزعُمُ بعضُ الناسِ: أنَّ الآيةَ في عدَمِ الإضرارِ بالنفسِ في أسبابِ المرضِ أو الموتِ؛ كالتعرُّضِ لعدوٍّ، أو تَرْكِ التطبُّبِ، ونحوِ ذلك. وهذا التعيينُ لمعنى الآيةِ خطأٌ، وإنْ كان هذا المعنى يدخُلُ فيها، لكنَّه ليس مرادًا مِن نزولِ الآيةِ؛ فقد روى أبو إسحاقَ، عنِ البَرَاءِ؛ قال: سألَهُ رجلٌ: أَحْمِلُ على المشرِكِينَ وَحْدِي فيَقْتُلوني؛ أكنتُ أَلْقَيْتُ بيَدِي إلى التَّهْلُكةِ؟ فقال: لا؛ إنَّما التَّهْلُكةُ في النَّفَقَةِ؛ بعَثَ اللهُ رسولَهُ، فقال: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء: ٨٤] (٣). وقد صَحَّ عن عَبِيدةَ السَّلْمانِيِّ؛ قال: "هو الرَّجُلُ يُذنِبُ الذَّنْبَ فيَستسلِمُ، يقولُ: لا تَوْبَةَ لي! فيُلقي بيَدِه" (٤). وذلك أنَّه استدَلَّ بعمومِ الآيةِ، وهذا صحيحٌ، ولكنَّ أوَّلَ ما يدخُلُ في معانيها ما نزَلَتِ الآيةُ لأَجْلِهِ، وهو النفقةُ في سيبلِ اللهِ, والتحذيرُ مِن تَرْكِها.

стр. 287

والآيةُ تتضمَّنُ وعيدًا مِن اللهِ بإهلاكِ معطِّلِ الجهادِ وتاركِ الإنفاقِ عليه. فضلُ الجهادِ بالمالِ: والنَّفَقةُ في سبيلِ اللهِ بالمالِ قُدِّمَتْ في القرآنِ على الجهاد بالنفسِ؛ لأنَّ النفقةَ بالمالِ تُعِينُ كثيرًا مِن المجاهِدِينَ، بينَما الجهادُ بالنفسِ يكونُ بفردٍ فقط، والجمعُ بينَهما أفضلُ: قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١٠ - ١١]. فالجهادُ بالمالِ مقدَّمٌ في القرآنِ على الجهادِ بالنفسِ، إلَّا في قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١]. وتجهيزُ الغازي كالغزوِ بنفسٍ واحدةٍ، ومَن جَهَّزَ غُزَاةً، فله الأجرُ بعَدَدِهم، ومَنْ جَهَّزَهُ بسلاحٍ، فله أجرُ الرَّمْيِ به وما يُصِيبُ فيه؛ ففي "المسنَدِ" و"السُّنَنِ"؛ مِن حديثِ عُقْبةَ؛ يَقُولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (إنَّ اللهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الجَنَّةَ: صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَمُنْبِلَهُ. . .)؛ الحديثَ (١). وقال ﷺ : (مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا

стр. 288

فِي سَبِيلِ اللهِ بِخَيْرٍ، فَقَدْ غَزَا)؛ أخرَجَه البخاريُّ ومسلمٌ؛ مِن حديثِ زيدٍ (١). وقيمةُ الصَّدَقةِ بأَثَرِها في نَفْعِها، وبِقِيمَتِها عند صاحِبِها، وإنَّما عَظُمَتْ نفقةُ الجهادِ لِعَظَمَةِ الجهادِ في الدِّينِ. وقولُهُ تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: أمَرَ اللهُ بالإحسانِ، وبَيَّنَ أنَّه مع المحسِنِ في إحسانِه؛ يَكْفِيهِ ويُعِينُهُ ويسدِّدُهُ، والمرادُ في هذه الآيةِ: أنَّ المنفِقَ معانٌ مسدَّدٌ؛ بحَسَبِ إحسانِهِ وإنفاقِه، وهو يتضمَّنُ استحبابَ المسابَقةِ والمنافَسةِ في الإنفاقِ. * * * قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ذكَرَ اللهُ الحَجَّ والعُمْرةَ بعدَ ذِكْرِ الجهادِ والقتالِ وضوابطِهِ؛ لأنَّ المشرِكِينَ كانوا يَحُولُونَ بين المؤمنينَ وبين مَكَّةَ، فاحتاجُوا لمعرفةِ سُبُلِ الوصولِ إلى المسجِدِ الحرامِ، وحكمِ مقاتَلةِ مَن كان عَقَبةً في طريقِهم. وهذه الآيةُ نَزَلَتْ سَنةَ سِتٍّ بلا خلافٍ، وقد نزَلَتْ في الحُدَيْبِيَةِ بلا خلافٍ؛ قاله الشافعيُّ، وإنَّما ذكَرَ الحَجَّ ولم يكُنْ فُرِضَ بَعْدُ؛ لِيَعْلَمَ الناسُ مشروعيَّتَهُ، وأنَّه مِنَ الحنيفيَّةِ السَّمْحةِ الصحيحةِ، وليس مِن أعمالِ

стр. 289

الحاهليَّةِ، فالنبيُّ ﷺ كان قد حَجَّ قبلَ هِجْرَتِه، ويَعرِفُ ما بدَّلَهُ المشرِكُونَ مِن أعمالِ الحَجِّ ممَّا بَقِيَ مِن شريعةِ الحنيفيَّةِ؛ كما في حديثِ جُبَيْرِ بنِ مُطعِمٍ؛ قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي، فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ، فَقُلْتُ: هَذَا وَاللهِ مِنَ الحُمْسُ، فَمَا شأْنُهُ هَا هُنا؟ ! (١) معنى إتمامِ الحجِّ والعمرةِ: والمرادُ بالإتمامِ في الآيةِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ ضِدُّ الإنقاصِ؛ أي: ائتُوا بها كما شرَعَها اللهُ؛ كقولِه: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ أيْ: لا يتَخلَّلُها شيءٌ مِن النقصِ، بل يَنْبَغِي الإتمامُ. وقد تُحمَلُ الآيةُ على جميعِ معاني الإتمامِ ووجوهِه؛ لعمومِ مقاصدِ القرآنِ وغائيَّتِه؛ وهذا ما يَظهَرُ مِن تفسيرِ السلفِ للإتمامِ، وأوَّلُ معاني الإتمامِ وأَوْلَاها: هو صِدْقُ النِّيَّةِ وإخلاصُها مِن الشَّوْبِ؛ ولذا قال بعدَ الأمرِ بالإتمامِ: ﴿لِلَّهِ﴾؛ أيْ: لا لِغيْرِه. وقد روى ابنُ جريرٍ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقَمةَ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾؛ قال: هو في قراءةِ عبدِ اللهِ: (وَأَقِيمُوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ إِلى الْبَيْتِ)، قال: "لا تُجاوِزُوا بالعُمْرةِ البيتَ"؛ قال إبراهيمُ: "فذكَرْتُ ذلك لسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، فقال: كذلك قال ابنُ عبَّاسٍ" (٢). والمعنى: أنْ يحُجَّ ويعتَمِرَ قاصدًا للنُّسُكِ إلى مكَّةَ لا إلى غيرِها، وللهِ لا لغيرِه، ولا يَسُوغُ فيها نقصانُ العملِ، ولا نقصانُ القَصْدِ والنِّيَّةِ، وكلُّ ما أُمِرَ الإنسانُ بفِعلِهِ في النُّسُكِ، فالإتيانُ به مِن تمامِهِ؛ ولذا قال مجاهِدٌ في قولِه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾؛ قال: "ما أُمِرُوا فيهما" (٣). وروى ابنُ جريرٍ، عن عليِّ ينِ أبي طَلْحةَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ: ﴿وَأَتِمُّوا

стр. 290

الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾؛ يَقولُ: "مَنْ أحرَمَ بحَجٍّ أو بعُمْرةٍ، فليس له أنْ يَحِلَّ حتَّى يُتِمَّها، تمامُ الحَجِّ: يومَ النَّحْرِ إذا رَمَى جَمْرةَ العَقَبةِ، وزارَ البيتَ، فقد حَلَّ مِن إحرامِهِ كُلِّه، وتمامُ العُمْرةِ: إذا طافَ بالبيتِ وبالصَّفا والمروةِ فقد حَلَّ" (١). وروى ابن أبي شَيْبَةَ، وابنُ جريرٍ، والبيهقيُّ، عن عبدِ اللهِ بنِ سَلَمةَ، عن عليٍّ؛ أنَّه قال: جاءَ رَجُلٌ إلى عليٍّ، فقال له في هذه الآيةِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾: "أن تُحرِمَ مِن دُوَيْرةِ أهلِكَ" (٢). وروى ابنُ جريرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، قال: "مِن تَمَامِ العُمْرةِ: أن تُحرِمَ مِن دُوَيْرةِ أَهْلِكَ" (٣). وعن طاوسٍ؛ قال: "تَمامُهما: إفرادُهما مُؤْتَنَفَتَيْنِ مِن أهلِكَ" (٤). والمرادُ: أن يقومَ الإنسانُ بإنشاءِ القصدِ والعزمِ للحَجِّ والعُمْرةِ؛ كلُّ واحدٍ منهما بسَفَرٍ مِن بلَدِهِ الذي يسكُنُهُ، الحَجُّ بِسَفْرةٍ منفرِدةٍ، والعُمْرةُ بِسَفْرةٍ منفرِدةٍ، ويَبدَأُ القصدَ مِن دُوَيْرةِ أهلِه؛ قالَهُ سُفْيانُ الثَّوْريُّ وغيرُهُ. وليس المرادُ أن يُحرِمَ بالحَجِّ والعُمْرةِ مِن بَيْتِه، ولو كان قبلَ المواقيتِ، فيُمسِكَ مِن بَيْتِه عنِ المحظوراتِ؛ فهذا خلافُ السُّنَّةِ؛ لأنَّ إنشاءَ الإحرامِ شيءٌ، وقَصْدَهُ شيءٌ آخَرُ؛ فمَن خرَجَ مِن دِمَشْقَ أو بَغْدادَ أو مِن نَجْدٍ قاصدًا للحجِّ أو العمرةِ، فقد أتمَّ القصدَ. وقولُهُ في الأَثَرِ عن عليٍّ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ: "أن تُحرِمَ بها مِن دُوَيْرةِ

стр. 291

أهلِكَ"؛ أيْ: أن تَقصِدَ الإحرامَ للحجِّ، لا أن تُحْرِمَ، والمرادُ: ألَّا يُخرِجَهُ لمَكَّةَ مصلحةُ دُنيا يَخلِطُها بدِينٍ، أو تجارةٌ مَعَ نُسُكٍ، فهذا - وإن كان جائزًا وصحيحًا - إلَّا أنَّه ليس إتمامًا؛ فالصحابةُ كعَلِيٍّ، والتابعونَ كسَعِيدٍ: يَعلَمُونَ هَدْيَ النبيِّ وسُنَّتَهُ في هذا، وأنَّه لم يُحرِمْ من بيتِه؛ وإنَّما مِن مِيقَاتِهِ، وهو قريبٌ مِن المدينةِ، مع أنَّ الأسمَحَ له أنْ يتهيَّأَ مِن بَيْتِه، ويَغتسِلَ ويصلِّيَ، ثمَّ يشُدَّ رَحْلَهُ مَرَّةً واحِدةً إلى مكَّةَ، ولكنَّهُ قصَدَ الميقاتَ بالإحرامِ؛ لتأكيدِ اللهِ عليه. الإحرامُ قبلَ الميقاتِ: وأمَّا صِحَّةُ الإحرامِ مِن قَبْلِ المِيقَاتِ، فصحيحٌ عند عامَّةِ الفقهاءِ؛ أحرَمَ عِمْرانُ مِن مِصْرَ، وقد أنكَرَ عليه عُمَرُ. وأحرَمَ ابنُ عُمَرَ مِن بيتِ المَقْدِسِ. وقد أحرَمَ جماعةٌ مِن بيوتِهم؛ كالأَسْوَدِ وعَلْقَمةَ وعبدِ الرحمنِ وأبي إسحاقَ. وأحرَمَ وكيعٌ مِن بيتِ المقدِسِ. وإنَّما قُلْنا فيما سبَقَ: إنَّ الآيةَ نزَلَتْ قبلَ فرْضِ الحَجِّ بصِيغَةِ الأمرِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾؛ لنبيِّنَ أنَّ الإلزامَ بالإتمامِ لا يَنزِلُ على أصلِ التشريعِ، وهو الحَجُّ؛ وإنَّما على مَن بدَأَهُ أن يَقطَعَهُ، ولنبيِّنَ أنَّ الحجَّ إذا لم يَكُنْ واجبًا حِينَها، فمِن بابِ أَولى أنَّ إنشاءَ القصدِ مِن البيوتِ للحجِّ والعُمْرةِ ليس بواجبٍ، فلو سافَرَ لمصلَحَةِ دُنياهُ وأَتْبَعَها بمصلحةِ دِيِنِهِ، صحَّ؛ كالتاجرِ، وأجزَأَ عنه. ثمَّ إنَّ المواقيتَ المكانيَّةَ لم تكُنْ حُدِّدَتْ عندَ نزولِ آيةِ الإتمامِ؛ وهذا دليلٌ على أنَّ المقصودَ الإتمامُ، لا سَبْقُ الميقاتِ بالإحرامِ؛ وإنَّما عَقْدُ العزمِ وإنشاءُ السَّفرِ لأجلِ هذا العملِ أعظمُ أجرًا، وأتمُّ ثوابًا، وأكبرُ بَرَكةً.

стр. 292

فاللهُ قرَنَ العُمْرةَ بالحجِّ في وجوبِ الإتمامِ، لا في الابتِداءِ؛ لأنَّ الابتداءَ لم يُفرَضْ بعدُ. ولذا تعدَّدَتْ تفسيراتُ المفسِّرينَ مِن السلفِ لـ "الإتمامِ" في الآيةِ بما يحقِّقُ معنى إنشاءِ القصدِ والسَّفَرِ الخاصِّ للنُّسُكِ، وإنْ تغايَرَ التفسيرُ مع غيرِهم من المفسِّرين لفظًا، ولكنَّه يؤيِّدُ المعنى الواحدَ السالفَ؛ فقد روى ابنُ جريرٍ، عن طارقِ بنِ شِهَابٍ؛ قال: سألتُ ابنَ مسعودٍ عن امرأةٍ مِنَّا أرادَتْ أن تَجمَعَ معَ حجِّها عُمْرةً؟ فقال: أسمَعُ اللهَ يقولُ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]؛ ما أُراها إلَّا أشهُرَ الحجِّ (١). وروى ابنُ أبي حزمٍ القُطَعِيُّ، قال: سمعتُ محمدَ بنَ سِيرِينَ يَقولُ: "ما أحدٌ مِن أهلِ العلمِ شَكَّ أنَّ عُمْرةً في غيرِ أشهُرِ الحجِّ أفضَلُ مِن عُمْرةٍ في أشهُرِ الحجِّ" (٢). وروى عن سعيدٍ، عن قَتَادةَ قولَهُ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾؛ قال: "وتَمَامُ العُمْرةِ: ما كان في غيرِ أشهُرِ الحَجِّ" (٣). ومُرادُه: ألَّا تجعَلَ العُمْرةَ متَّصِلةً بنفسِ قصدِ الحجِّ وسَفَرِه، بل تُنشِئَ لها سَفَرًا منفرِدًا عنِ الحجِّ. وروى عن ابنِ عَوْنٍ؛ قالَ: سَمِعْتُ القاسمَ بنَ محمَّدٍ يقولُ: "إنَّ العُمْرةَ في أشهُرِ الحجِّ ليسَتْ بتامَّةٍ، قال: فقيلَ له: العُمْرةُ في المحرَّمِ؟ قال: كانوا يَرَوْنها تامَّةً" (٤). وذلك لأنَّ المحرَّمَ ليس مِن أشهُرِ الحَجِّ التي هي مَظِنَّةُ اشتراكِ القاصدِ لمَكَّةَ الجمعَ بينَ الحجِّ والعمرةِ.

стр. 293

قطعُ نيَّةِ الإحرامِ: ويتوجَّهُ الأمرُ بالإتمامِ في الآيةِ أيضًا إلى تحريمِ قَطْعِ النِّيَّةِ بلا سببٍ إلَّا المانعَ القاهرَ؛ كالإحصارِ بعدوٍّ؛ ولذا قالَ تعالى بعدَ الأمرِ بالإتمامِ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾؛ أيْ: طرَأَ ما يَمْنَعُكم من الإتمامِ، جازَ فسخُهُ وعدمُ إتمامِه. وقد قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ أسلَمَ: "ليستِ العمرةُ واجبةً على أحدٍ مِن الناسِ، قالَ: فقلتُ له: قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾؛ قال: ليس مِن الخَلْقِ أحدٌ يَنبغي له إذا دخَلَ في أمرٍ إلَّا أن يُتِمَّهُ، فإذا دخَلَ فيها، لم يَنْبَغِ له أن يُهِلَّ يومًا أو يومَيْنِ ثمَّ يَرجِعَ، كما لو صامَ يومًا، لم يَنبغِ له أن يُفطِرَ في نصفِ النَّهَارِ" (١). ومِن المفسِّرينَ مَن يحمِلُ الأمرَ هنا على الإيجابِ بفرضِ الحجِّ؛ وهدا مرويٌّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ جُبَيْرٍ وغيرِهما. معنى إحصارِ المحرمِ: وقولُهُ تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ , المرادُ بالإحصارِ: الحبسُ والمنعُ؛ فكلُّ ممنوعٍ مِن إرادتِهِ، فهو مُحصَرٌ، وقيل: إنَّ الإحصارَ هو المنعُ بلا حبسٍ. وقال أبو عُبَيْدةَ: "ما كان مِن مَرَضٍ أو ذَهَابِ نَفَقةٍ، قيل فيه: أُحْصِرَ، وما كان مِن سَجْنٍ أو حَبْسٍ، قيل فيه: حُصِرَ، فهو محصورٌ" (٢). وبعضُ العلماءِ لم يفرِّقْ بينَ الحَصْرِ والإحصارِ، وأنَّ المَرَدَّ إلى الأصلِ، وهو المنعُ قَهْرًا؛ ولذا قال ابنُ فارسٍ: "والكلامُ في (حَصَرَهُ) و (أَحْصَرَهُ) مُشتبِهٌ عندي غايةَ الاشتباهِ؛ لأنَّ ناسًا يَجمَعونَ بينَهما،

стр. 294

وآخَرُونَ يَفْرُقُونَ، وليس فَرْقُ مَن فرَقَ بين ذلك ولا جَمْعُ مَن جمَعَ ناقضًا القياسَ الذي ذكَرْنَاه، بل الأمرُ كلُّه دالٌّ على الحبْسِ" (١). والمرادُ في الآيةِ: إنْ حبَسَكُمْ شيءٌ عنِ الحجِّ والعُمْرةِ، فما تيسَّرَ ووُجِدَ في أَيْدِيكُم مِن الهَدْيِ الذي سُقتُمُوهُ إلى مَكَّةَ، أن يُذبَحَ في الموضعِ الذي تَمَّ الحصرُ فيه. وقولُه: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾؛ أيْ: وُجِدَ وسَهُلَ على الإنسانِ؛ روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ؛ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾؛ قال: "كُلٌّ بقَدْرِ يَسَارَتِهِ" (٢). وأدناهُ مِن الغَنَمِ: شَاةٌ أو مَعْزٌ؛ قال بهذا ابنُ عبَّاسٍ ومجاهِدٌ وعطاءٌ والحسَنُ وعَلْقَمةُ (٣)، وبهذا فسره أحمد (٤). وفسَّرَهُ ابنُ عُمَرَ بالجَزُورِ أوِ البَقَرةِ؛ وبهذا قال عُرْوةُ بنُ الزُّبَيْرِ وغيرُهُ (٥). ويتَّفِقُ الفقهاءُ مِن السلفِ على أنَّ أولى ما يقَعُ عليه الإحصارُ هو إحصارُ العَدُوِّ، واختَلَفُوا فيما يَحبِسُ الإنسانَ عن الحَرَمِ مِن غيرِ العدوِّ؛ كالمَرَضِ وضياعِ المالِ، والبحثِ عنه، وغيرِ ذلك، ومِن السلفِ مَن رأى كلَّ حابسٍ للإنسانِ يمنعُه مِن الوصولِ إلى الحَرَمِ، فهو إحصارٌ، له أن يتحلَّلَ به؛ وذلك للاشتراكِ في العِلَّةِ، وهي الحَبْسُ، والحُكْمُ يدورُ مع العِلَّةِ وجودًا وعدمًا، ثمَّ إنَّ الوحيَ لم يَربِطِ الإحصارَ بعدوٍّ؛ وإنَّما أطلَقَهُ؛ كما في الآيةِ، فقالَ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾، ثمَّ إنَّ غالِبَ أحكامِ القرآنِ تُؤخَذُ على عمومِها ما لم تُقيَّدْ.

стр. 295

وقد روى ابن جريرٍ، عن عليٍّ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قولَه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾؛ يقولُ: "مَنْ أحرَمَ بحَجٍّ أو بعُمْرةٍ، ثمَّ حُبِسَ عن البيتِ بمَرَضٍ يُجْهِدُهُ، أو عُذْرٍ يَحْبِسُهُ، فعليه قضَاؤُها" (١). وروى عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عَطَاءٍ؛ قال: "الإحصارُ كلُّ شيءٍ يَحْبِسُهُ" (٢). وروى عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ؛ أنَّه كان يقولُ: "الحَصْرُ: الحَبْسُ كلُّه" (٣). وقال به قتادةُ، وعروةُ بنُ الزُّبَيْرِ (٤)؛ وهو الصحيحُ. ويُغنِي عنِ الدليلِ على عمومِ الإحصارِ ما جاء في "المسنَدِ" و"السُّنَنِ"؛ عن عكرمةَ مِن حديثِ الحَجَّاجِ بنِ عَمْرٍو الأَنْصَاريِّ؛ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرَجَ، فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى)، قالَ عِكرِمةُ: فَذَكَرْتُ ذلك لِابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ؟ فَقَالَا: صدَقَ (٥). ورُوِيَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ خلافُ قولِه السابقِ، وأنْ لَا إحصارَ إلَّا إحصارُ العَدُوِّ؛ رواهُ طاوسٌ، وعَمْرُو بنُ دينارٍ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ (٦). وحمَلَ بعضُ الفقهاءِ قولَ ابنِ عبَّاسٍ هذا على أنه قصَدَ سبَبَ نزولِ الآيةِ؛ يعني: أنَّها لم تنزِلْ في حصرِ مَرَضٍ، ولم يُرِدِ ابنُ عبَّاسٍ حَصْرَ الحُكْمِ؛ وإنَّما أرادَ حَصْرَ سببِ النزولِ؛ والدليلُ على ذلك: أنَّه ثبَتَ عنهُ وعن غَيرِ واحدٍ مِن أصحابِه - العُذْرُ بحَصْرِ غيرِ العَدُوِّ على ما تقَدَّمَ. وقال بعدَمِ الإحصارِ بغيرِ العدوِّ: ابنُ عُمرَ، وثبَتَ عنه أيضًا

стр. 296

القولُ بالإحصارِ بالمرَضِ؛ فقد روى مالكٌ، عَن سُلَيمانَ بنِ يَسَارٍ: "أنَّ ابنَ عُمْرَ ومَرْوانَ وابنَ الزُّبَيْرِ أفْتَوُا ابنَ حُزَابَةَ المَخْزوميَّ، وقد صُرِعَ ببعضِ طريقِ مَكَّةَ وهو مُحرِمٌ: أنْ يتداوى بما لا بدَّ له منه، ويَفتدِيَ، فإذا صَحَّ، اعتَمَرَ؛ فحَلَّ مِن إحرامِه، وكان عليه أن يحُجَّ عامَ قابلٍ، ويُهدِيَ" (١). ولعلَّه أرادَ مَنْعَ قَبُولِ الإحصارِ مِن أيِّ مرَضٍ إلَّا المَرَضَ الذي يَحبِسُ الإنسانَ حبسًا يُشابِهُ حَبْسَ العدوِّ؛ فالعدوِّ يُخشى منه الهَلَكةُ، وأمَّا المَرَضُ الذي يستطِيعُ معه المُحرِمُ الوصولَ ولو محمولًا على دَابَّةٍ بلا كُلْفةٍ كبيرةٍ ولا خوفٍ على نَفْسِه، فلا يشابِهُهُ. وهذا هو الأليقُ بجمعِ الأقوالِ التي ظاهِرُها التعارضُ في هذه المسألةِ عن الصحابةِ. وفي هذا دفعٌ للتساهُلِ الذي يَعرِضُ للناسِ بِقطعِ النُّسُكِ عندَ كلِّ عارضٍ مِن العوارضِ الصِّحِّيَّةِ أو النفسيَّةِ أو الماليَّةِ. والهَدْيُ هو ما ساقَهُ أو بعَثَهُ أو قصَدَ الإنسانُ ذَبْحَهُ بمَكَّةَ مِن بهيمةِ الأنعامِ؛ مِن الإبلِ - وهي أعظَمُها - ثمَّ البَقَرِ، ثمَّ الغنَمِ، وكانتِ العربُ تعظِّمُها حتَّى في الجاهليَّةِ، ومِن العرَبِ مَن يُقسِمُ بها مِن دُونِ اللهِ تعظيمًا لها. قال قيسُ بنُ ذَرِيحٍ: وَلَوْ تَعْلَمِينَ الغَيْبَ أَيْقَنْتِ أَنَّنِي … لَكُمْ وَالهَدَايَا المُشْعَرَاتِ صَدِيقُ وقال الآخَرُ: حَلَفْتُ بِرَبِّ مَكَّةَ وَالهَدَايَا … وَأَيْدِي السَّابحَاتِ غَدَاةَ جَمْعِ

стр. 297

وقولُهُ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ جعَلَ بعضُ المفسِّرينَ النَّهيَ عن الحَلْقِ معطوفًا على قولِهِ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، لا على قولِهِ تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فقَطْ؛ أيْ: لا تتحلَّلُوا ممَّا كان قد حَرُمَ عليكُمْ حتَّى يبلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ ممَّا كتبَهُ اللهُ أن يُذبَحَ فيه زمانًا ومكانًا. وقتُ تحلُّلِ الحُجَّاجِ: أمَّا الزمانُ: فيومُ النَّحْرِ وما بعدَهُ مِن أيَّامِ التشريقِ، وأمَّا المكانُ: ففي مِنًى أو غيرِها مِن الحَرَمِ لِمَنْ قدَرَ على بَعْثِهِ أن يَبْعَثَهُ، ومَن لم يَقدِرْ على بَعْثِهِ هُناك، فَينحَرُهُ في موضعِهِ، كما فعَلَهُ النبيُّ ﷺ حيثُ نَحَرَ هَدْيَهُ بالحديبيةِ؛ لأنَّه أُحصِرَ فيها، ولم يَنتظِرِ النبيُّ يومَ النَّحْرِ؛ لأنَّه لم يَبعَثْ بِهَدْيِهِ إلى مكَّةَ، فسقَطَ عنه انتظارُ الذبحِ يومَ النحرِ؛ وهذا قولُ ابنِ جريرٍ. وذهَبَ بعضُ المفسِّرينَ إلى أنَّ قولَهُ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ معطوفٌ على قولِهِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وليس معطوفًا على قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾؛ وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ نحَرَ هَدْيَهُ في مكانِه، فيجوز نَحْرُ الهَدْيِ في أيِّ موضعٍ للمُحصَرِ؛ وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وغيرِهما. مكان ذبحِ هدي المحصَرِ: والذي يَظهَرُ: أنَّ المُحصَرَ الذي ساقَ الهَدْيَ وقدَرَ على بَعْثِهِ إلى مَكَّةَ؛ أنَّه يبعَثُهُ إلى مَن ينحَرُهُ هناك بمِنًى، وفِعْلُ النبيِّ يومَ الحديبيةِ كان لعجزِه عن الوصولِ إلى مِنًى، وقد كان يبعَثُ بِهَدْيِهِ إلى مَكَّةَ وهو غيرُ حرامٍ؛ ليُنحَرَ يومَ النحرِ بِمِنًى، والمُحصَرُ القادِرُ على بَعْثِ هَدْيِهِ مِن بابِ أَولى؛ قال بهذا عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وابنُ عبَّاسٍ، ومجاهِدٌ، وابنُ سِيرِينَ، وقتادةُ، ومُقاتِلُ بنُ حَيَّانَ، وحمَّادٌ، وأبو حنيفةَ، وغيرُهم.

стр. 298

روى ابنُ جريرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ سَلَمةَ؛ قال: سُئِلَ عليٌّ ﵁ عن قولِ اللهِ : ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: "فإذا أُحصِرَ الحاجُّ، بعَثَ بالهَدْيِ، فإذا نحَرَ عنه، حَلَّ، ولا يَحِلُّ حتَّى يَنحَرَ هَدْيَهُ" (١). وروى إسحاقُ بنُ رَاهَوَيْهِ في "تَفسيرِه"، والبخاريُّ معلَّقًا في "صحيحِهِ"، عن مجاهِدٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: "إِنَّمَا الْبَدَلُ عَلَى مَن نَقَضَ حَجَّهُ بِالتَّلَذُّذِ، فَأَمَّا مَنْ حَبَسَهُ عُذْرٌ أوْ غَيْرُ ذلك، فَإِنَّهُ يَحِلُّ، وَلَا يَرْجِعُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ وَهُوَ مُحْصَرٌ، نَحَرَهُ إِنْ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ، وَإنِ اسْتَطَاعَ أنْ يَبْعَثَ بِهِ، لم يَحِلَّ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ" (٢). ومِن العلماءِ مَن قال: إنَّ النبيَّ ﷺ نحَرَ هَدْيَهُ في الحَرَمِ يومَ الحديبيةِ؛ وهو قولُ عَطَاءٍ، ومحمَّدِ بنِ إسحاقَ؛ وفيه نَظرٌ؛ فالحديبيةُ ليست كلُّها مِن الحَرَمِ على الصحيحِ، بل منها مِن الحَرَمِ، ومنها مِن غيرِه، والنبيُّ ﷺ نحَرَ خَارِجَهُ؛ قالَهُ الشافعيُّ، وقريشٌ أرادَتْ صَدَّهُ عن حدودِ الحَرَمِ، وهي تَعرِفُ حدودَهُ، ورُوِيَ في أحاديثَ أنَّ النبيَّ ﷺ بعَثَ بهَدْيِهِ إلى حدودِ الحَرَمِ، ورُوِيَ أنَّ اللهَ أمَرَ رِيحًا، فأَخَذَتْ شعورَ الهَدْيِ، فأدخلَتْهُ الحرَمَ، وفيها نَظَرٌ، ولو كان ذلك لاشتَهَر. ولو كان النبيُّ ﷺ ذبَحَ في الحرَمِ مِن الحديبيةِ، ما جعَلَ اللهُ الصَّدَّ صَدًّا عن الحَرَمِ؛ حيثُ قال: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، ومَحِلُّ الهَدْيِ الحرَمُ، ولمَّا كانَ في غيرِ مَحِلِّهِ، فهو في غيرِ الحَرَمِ. ورُوِيَ عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عَن مجاهدٍ؛ في قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾: "يَمْرَضُ إنسانٌ أو يُكْسَرُ، أو يَحبِسُه أمرٌ، فغلَبَهُ كائنًا ما كان، فَلْيُرْسِلْ بما استيسَرَ مِن الهَدْيِ، ولا يَحلِقْ رأسَهُ، ولا يَحِلَّ، حتَّى يومِ النَّحْرِ" (٣).

стр. 299

وقولُه: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾: مَحِلُّ الهديِ الحرَمُ كلُّه، وأفضلُهُ مِنًى. والمُحصَرُ له أجرُ النُّسُكِ تامًّا، لكنَّه يجبُ عليه الحَجُّ مرَّةً أخرى؛ إذا كان لم يُؤَدِّ حَجَّةَ الإسلامِ. حجُّ المحصَرِ من قابلٍ: واختُلِفَ في المُحصَرِ: هل يجبُ عليه الحجُّ مِن قابلٍ أمْ لا؟ على قولَيْنِ للعلماءِ, والأظهرُ: أنَّه لا يجبُ عليه ذلك إلَّا إذا كان لم يُؤَدِّ حَجَّةَ الإسلامِ؛ لأنَّ الحجَّ على الفورِ على الصحيحِ، ولم يثبُتْ أنَّ النبيَّ ﷺ طلَبَ ممَّن كان معه في الحديبيةِ جميعًا أن يَحُجُّوا مِن قابلٍ؛ وهذا ظاهرُ قولِ ابنِ عبَّاسٍ؛ فإنَّه لم يجعَلِ الرجوعَ مِن قابِلٍ واجبًا إلَّا على مَن أفسَدَ حَجَّهُ بالتلذُّذِ، وهو الجِمَاعُ. فقد روى البخاريُّ معلَّقًا، وابنُ راهَوَيْهِ موصولًا، عن مجاهِدٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ قال: "إِنَّمَا الْبَدَلُ عَلَى مَنْ نَقَضَ حَجَّهُ بِالتَّلَذُّذِ، فَأَمَّا مَنْ حَبَسَهُ عُذْرٌ أَوْ غَيْرُ ذلك، فَإِنَّهُ يَحِلُّ، وَلَا يَرْجِعُ" (١). ورواهُ ابنُ جريرٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ، بنحوِه (٢). وقال به الشافعيُّ وغيرُه. وقد روى الواقديُّ في "المَغَازي"، عنِ الزُّهْريِّ وأبي مَعشَرٍ مُرسَلًا: "أنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ أصحابَهُ أنْ يَعتَمِروا، وألَّا يتخلَّفَ أحدٌ ممَّن شَهِدَ الحديبيةَ، فلم يتخلَّف مِنهم إلَّا مَن قُتِلَ بخَيْبَر أو ماتَ، وخرَجَ معه جماعةٌ مُعتمِرِينَ ممَّن لم يَشْهَدِ الحُدَيْبِيَةَ، وكانت عِدَّتُهم أَلْفَيْنِ" (٣).

стр. 300

وهذه مراسيلُ. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾: إنَّما ذكَرَ الحَلْقَ؛ لأنَّه أعمُّ مِن التقصيرِ، فكلُّ محلِّقٍ مقصِّرٌ، وليس كلُّ مقصِّرٍ محلِّقًا؛ والحَلْقُ أفضَلُ وأكمَلُ. وذكَرَ الرأسَ؛ لأنَّ اللِّحْيةَ لا تُحلَقُ، بل لا يجوز حَلْقُها بالاتِّفاقِ، وإنَّما تقصَّرُ في النسكِ على قولِ بعضِ السَّلَفِ مِن الصحابةِ وغيرِهم؛ فقد كان ابنُ عُمَرَ وابنُ عبَّاسٍ يقولانِ بالأخذِ منها عندَ التحلُّلِ، ويتأوَّلانِ قولَ اللهِ تعالى: ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]. ورواه ابنُ جريرٍ، عنِ ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]؛ قَالَ: "حَلْقُ الرَّأْسِ، وحَلْقُ العَانَةِ، وقَصُّ الأَظْفَارِ، وقَصُّ الشَّارِبِ، ورَمْيُ الجِمَارِ، وقَصُّ اللِّحْيةِ" (١). مشروعيَّةُ استيعاب حلْقِ الرأسِ: وذِكرُ الحَلْقِ في الآيةِ تنويهٌ بما هو أَولى بالنُّسُكِ، وهو الحَلْقُ، وأنَّ أَخْذَ شَعَراتٍ يسيراتٍ لا يسمَّى حلقًا ولا تقصيرًا، حتَّى يَستوعِبَ شعرَ الرأسِ أو أكثَرَهُ؛ أخذًا أو تَقصيرًا؛ ولذا ذكَرَ الرأسَ، ولم يذكُرِ الشَّعْرَ؛ فقال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ ولم يقلْ: "ولا تَحلِقوا الشَّعْرَ"؛ تنبيهًا على تأكيدِ استيعابِ الرأسِ، وأنَّ مَن أخَذَ مِن ناصيتِهِ، لم يأخُذْ مِن رأسِه؛ وإنَّما أخَذَ مِن شعرِهِ أو مِن ناصيتِهِ. والمرأةُ تأخُذُ مِن رأسِها قدرَ الأُنْمُلَةِ، فتجمَعُهُ بيَدِها، ثُمَّ تأخُذُ منه، ويُجزِئُها ذلك. والأَصْلَعُ يُمِرُّ المُوسَى على رأسِهِ؛ كما قاله ابنُ عُمَرَ.

стр. 301

وفي الآيةِ: دليلٌ على أنَّ الذَّبْحَ قبلَ الحَلْقِ؛ ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، واختَلَفُوا في وجوبِ الترتيبِ في ذلك، وقد قال بالوجوبِ ابنُ عبَّاسٍ، وعَلْقمةُ، وسعيدُ بنُ جُبيرٍ، والنَّخَعيُّ، وغيرُهم. روى ابنُ أبي حاتمٍ في "تفسيرِه"، عن إبرَاهِيمَ، عن عَلْقَمةَ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾: "فإِنْ عَجَّلَ فَحَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ نُسُكٍ، قال إِبْرَاهِيمُ: فَذَكَرْتُهُ لِسَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، فَفَالَ: هَذَا قَوْلُ ابنِ عَبَّاسٍ، وَعَقَدَ بِيَدِهِ ثَلاثِينَ" (١). قولُه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾: المرادُ بالمَرَضِ: أيُّ مرَضٍ يُضطَرُّ الإنسانُ معَهُ إلى ارتكابِ محظورٍ مِن محظوراتِ الإحرامِ؛ وذلك كمَرَضِ الرأسِ بالقَرْحِ والحِكَّةِ الشديدةِ، والأَذَى: كالقُمَّلِ الذي يؤذِي؛ لكثرتِهِ فيحتاجُ الإنسانُ لأجلِ ذلك إلى حَلْقِ شعرِ رأسِه. روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن عليِّ بن أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾: "يَعْنِي بِالْمَرَضِ: أَنْ يَكُونَ بِرَأْسِهِ أَذًى أَوْ قَرْحٌ" (٢). كفَّارةُ الأذى: والكفَّارة في ذلك على التخييرِ بين ثلاثةِ أشياءَ: أوَّلُها: الفِدْيةُ؛ وهو الدَّمُ ممَّا يُذبَحُ مِثلُهُ هَدْيًا، أدناهُ مِن الغنَمِ، وأعلاهُ مِن الإبلِ. ثانيها: الصيامُ. ثالثُها: الإطعامُ.

стр. 302

قال ابنُ عبَّاسٍ: "بأيِّها أخَذْتَ أجزَأَك"؛ رَواهُ لَيْثٌ، عن مجاهِدٍ، عنه؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ (١). وقال به مجاهِدٌ وعِكْرِمةُ وعطاءٌ، وطاوُسٌ والحسَنُ والنَّخَعيُّ وغيرُهم. والصيامُ ثلاثةُ أيَّامٍ، والإطعامُ لِسِتَّةِ مساكينَ، والفِدْيةُ أدناها شاةٌ؛ لما ثبَتَ في "الصحيحَيْنِ"، عن كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ ﵁، عن رسولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ قالَ: (لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ؟ )، قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ بِشَاةٍ) (٢). قولُه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: المرادُ إذا أَمِنَ الإنسانُ ممَّا يمنعُهُ مِن الإتيانِ بنُسُكِهِ كما أمَرَهُ اللهُ به؛ سواءٌ مَنْعًا تامًّا, وهو الإحصارُ بعدوٍّ أو مَرَضٍ حابسٍ، أو كان الإنسانُ صحيحًا آمِنًا مِن كلِّ أذًى في رأسِهِ أو نفسِهِ يُلزِمُهُ ارتكابَ المحظوراتِ؛ فإنَّه لا يجِبُ عليه عندَ التمتُّعِ إلَّا هَدْيٌ واحدٌ ممَّا تيسَّر. ومِن المفسِّرينَ: مَن فَسَّرَهُ بالأمانِ مِن الإحصارِ؛ وهو قولُ ابنِ الزُّبَيْرِ؛ رواهُ عنه عطاءٌ. والأرجَحُ عمومُ الأمانِ؛ وهذا هو المعروفُ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وغيرِهِ؛ كما رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ، عنِ ابنِ جُرَيْجٍ؛ قَالَ: "قُلْتُ لِعَطَاءٍ: "أَكَانَ ابنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾؛ أَمِنْتَ أَيُّهَا المُحْصَرُ، وَأَمِنَ النَّاسُ، ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾؟ فَقَالَ: لم يَكُنِ ابنُ عَبَّاسٍ يُفَسِّرُهَا كَذَا، وَلَكِنَّهُ يَقُولُ: تَجْمَعُ هَذِهِ الآيَةُ - آيَةُ المُتْعَةِ - كُلَّ ذلك؛ المُحْصَرَ وَالمُخَلَّى سَبِيلُهُ" (٣).

стр. 303

وهو محمولٌ على كلِّ مانعٍ مِن الوصولِ إلى البيتِ ولو مرَضًا، وكلِّ مانعٍ مِن إتمامِ الحجِّ كما شرَع اللهُ ممَّا دُونَ الحَبْسِ والإحصارِ. فقَد روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن إبراهِيمَ، عن عَلْقَمةَ؛ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾؛ يقولُ: "إِذَا بَرَأَ فَمَضَى مِنْ وَجْهِهِ ذلك حَتَّى يَأْتِيَ الْبَيْتَ، حَلَّ مِنْ حَجِّهِ بِعُمْرَةٍ، وَكَانَ عَلَيْهِ الحَجُّ مِنْ قَابِلٍ, فَإِنْ هُوَ رَجَعَ وَلَمْ يُتِمَّ إلَى الْبَيْتِ مِن وَجْهِهِ ذلك، كَانَ عَلَيهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ؛ لِتَأْخِيرِ الْعُمْرَةِ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَذَكَرْتُ ذلك لِسَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: هَكَذَا قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ فِي هَذَا كُلِّهِ" (١). وذكَرَ التمتُّعَ في الآيةِ: ﴿أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾؛ لأنَّه هو ما كان عليهِ عمَلُهم، فغالِبُ عَمَل النبيِّ والصحابةِ إمَّا كانوا قارِنينَ أو متمتِّعينَ، وكلُّ ذلك يسمَّى مُتْعةً؛ لأنَّه جَمْعٌ بينَ الحجِّ والعُمْرةِ في أشهُرِ الحجِّ. ثمَّ إنَّ ذلك هو النُّسُكُ (التمتُّعُ والقِرانُ) الذي يجِبُ معه الهَدْيُ، بخلافِ الإفرادِ؛ فالهَدْيُ فيه مستحَبٌّ غيرُ واجبٍ. وقد استدل أحمد بهذه الآية على أن السفر يقطع التمتع، فقد سئل عن الرجل يدخل مكة متمتعًا ثم يخرج لسفر؟ قال: إنما المتمتع الذي يقيم للحج، فإن لم يقم للحج فليس بمتمتع قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ (٢). حكمُ العاجزِ عنِ الهدي الواجبِ: قولُه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: ومن كان عاجزًا عن دمِ الهَدْيِ الواجِبِ على المتمتِّعِ، أو الواجِبِ على مَن أُصِيبَ بِأَذًى ممَّنْ وقَعَ في محظورٍ، فعليه أَنْ يصومَ بدلًا عن الهَدْيِ الذي عجَزَ عنه ثلاثةَ أيَّامٍ في حَجِّهِ، وسبعةً إذا رجَع إلى أهلِه؛ ومجموعُها عَشَرةٌ كامِلةٌ.

стр. 304

فأمَّا صيامُ الأيَّامِ الثلاثةِ في الحَجِّ: فوقتُها منذُ بدايتِهِ بالإهلالِ إلى يومِ عَرَفةَ، يصومُ أيَّ وقتٍ شاء؛ مجتمِعًا أو مفرَّقًا، ومَن عجَزَ أو نَسِيَ صيامَها قبل يومِ عَرَفةَ، جازَ أنْ يصومَ أيَّامَ التشريقِ. روى مالكٌ، عن عائشةَ؛ أنَّها كانت تقولُ: "الصِّيَامُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، لِمَنْ لم يَجِدْهَا مَا بَيْنَ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ، فَمَنْ لم يَصُمْهُ، صَامَ أَيَّامَ مِنًى" (١). ورُوِيَ هذا عنِ ابنِ عُمَرَ، وابنِ عبَّاسٍ، وعِكْرِمةَ والحسَنِ وعَطَاءٍ وطاوسٍ. ولطاوسٍ وعطاءٍ قولٌ آخَرُ: أنَّه يصومُها في العَشْرِ الأُوَلِ من ذي الحِجَّةِ، وآخِرُها عرَفةُ (٢). ورُوِيَ عن عُبَيدِ بنِ عُمَيْرٍ وعُرْوةَ بنِ الزُّبَيْرِ صيامُها في أيَّامِ التشريقِ (٣). ولا بأسَ بتفريقِها وصيامِ شيءٍ منها في شَوَّالٍ؛ وهو قولُ مجاهِدٍ وطاوُسٍ (٤)؛ لأنَّ شوَّالًا مِن أشهُرِ الحجِّ، وفيه يبدأُ إحرامَهُ للحجِّ إنْ تعجَّلَهُ. ويَظهَرُ أنه لو صامَها قبلَ عَرَفةَ، فهو أفضَلُ؛ لأنَّ النُّسُكَ بحاجةٍ إلى قوَّةٍ وجَلَادةٍ لأداءِ الشعائرِ، واجتهادٍ في الدعاءِ؛ ولذا لم يَصُمِ النبيُّ ﷺ وعامَّةُ أصحابِه في الحجِّ في يومِ عَرَفَةَ مع فضلِ صيامِه، وأنَّه يكفِّرُ سنةً ماضيةً وسنةً مستقبَلةً؛ لأنَّ الدعاءَ في عَرَفةَ والاجتهادَ فيه كما اجتهَدَ النبيُّ ﷺ : أفضَلُ مِن صيامِ عَرَفةَ؛ لأنَّ المرجُوَّ المغفرةُ، وأسبابُها بالدعاءِ في هذا اليومِ أقوى مِن الصيامِ، فربَّما صامَ الحاجُّ ولم يَجِدْ قُوَّةً على الاجتهادِ في الدعاءِ وطولِ الوقوفِ يومَ عَرَفةَ مِنَ الجوعِ والعَطَشِ؛ فيفوتُهُ فضلٌ كبير.

стр. 305

ومِن العلماءِ: مَن جعَلَ الأيَّامَ الثلاثةَ: اليومَ السابعَ، واليومَ الثامنَ، وهو يومُ التَّرْوِيَةِ، واليومَ التاسعَ، وهو يومُ عرَفةَ. وقد روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن جَعْفَرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن عليٍّ؛ أَنَّه كان يقولُ: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾: "قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ، وَيَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ" (١). ورُوِيَ عنِ الشَّعْبيِّ والنَّخَعيِّ والحَكَمِ وحَمَّادٍ. وأمَّا صيامُ السَّبْعةِ إذا رجَعَ: فيجوزُ صيامُها في الطريقِ، وإِن أخَّرَها عندَ رجوعِهِ واستقرارِهِ، فهو أفضَلُ؛ لأنَّ السفرَ ليس مَحِلًّا لصيامِ الفرضِ المطلَقِ، ولا صيامِ النافلةِ. وإنَّما جعَلَ الله صيامَها عندَ الرجوعِ إلى بَلَدِهِ؛ رُخصةً ورَحْمةً به؛ لأنَّه أمَرَ بصيامِ الثلاثةِ في الحجِّ، وجُعِلَتْ أقرَبَ شيءٍ لِعَرَفةَ في كلامِ أكثرِ المفسِّرينَ؛ لأنَّه قد وصَلَ إلى مَكَّةَ، وفي حالِ راحةٍ، لا في حالِ سَيْرٍ غالبًا، وجعلَ السبعةَ في حالِ رجوعِه وقَرارِه، ولو صامَها مسافِرًا في عَوْدَتِه، جازَ؛ روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن منصورٍ، عن مجاهِدٍ: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾؛ قال: "إِنْ شَاءَ صَامَهَا فِي الطَّرِيقِ؛ إِنَّمَا هِيَ رُخْصَةٌ" (٢). العمرةُ للمكِّيِّين: وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ لأنَّ العُمْرةَ لا تكونُ على المكِّيِّينَ، فمُتْعةُ الحجِّ لأهلِ الآفاقِ، لا للمَكِّيِّينَ. رُوِيَ هذا عنِ ابنِ عَبَّاسٍ وابنِ عُمَرَ وعَطَاءٍ وطاوُسٍ ومجاهِدٍ والحسَنِ والزُّهْريِّ (٣)، وبهذه الآية استدل أحمد على ذلك وأنه ليس على أهل مكة هدي ولا لمن كان بأطراف ما تقصر فيه الصلاة (٤).

стр. 306

المراد بـ "حاضري المسجِدِ الحرامِ": وتنوَّعَ تفسيرُ: ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ في كلامِ السَّلَفِ: فمِنهم مَن قال: "هم مَن سكَنَ حدودَ الحَرَمِ"؛ قاله مجاهِدٌ (١). وقال يحيى بنُ سعيدٍ الأنصارِيُّ: "مَن كانَ أهلُهُ على مسيرةِ يَوْمٍ" (٢). ويَظهَرُ مِن الآيةِ ومِن قولِ جمهورِ السَّلَفِ: أنَّهم لا يَختلِفونَ فيمَنْ كان في حدودِ الحَرَمِ؛ وإنَّما يَختلِفونَ فيمَن هو خارِجَها، ومكَّة اليومَ غيرُ مَكَّةَ في الصَّدْرِ الأوَّلِ؛ فقد اتَّسَعَتْ وتَغَيَّرَتْ مَعالِمُها، حتَّى بلَغَ البُنْيانُ متَّصِلًا إلى مَواضِعَ يقصُرُ فيها بعضُ السَّلَفِ الصلاةَ؛ فيَظْهَرُ أنَّ مَن كان دونَ القَصْرِ مِن مَكَّةَ، فهو مِن أهلِها وبهذا قيده أحمد، ومَرَدُّ ذلك إلى العُرْفِ. التحذيرُ من التساهُلِ في المناسِكِ: قولُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، أمَرَ بتَقْواهُ، بعدَ أنْ بيَّنَ حدودَهُ في الحَجِّ؛ حتَّى لا تُخرَمَ تلك الحدودُ، وللتأكيدِ على أهميَّةِ الإتيانِ بها. ثمَّ جاء تحذيرٌ ووعيدٌ مِن التفريطِ في تلك الحدودِ، وبيانٌ لِخَطَرِ تغييرِها والتساهُلِ بها، وأنَّ ما وضَحَتْ مَعالِمُه مِن حدودِ اللهِ في مَناسِكِ الحجِّ، لا ينبغي لأحدٍ أن يتساهَلَ فيه؛ متذرِّعًا بعمومِ قولِهِ ﷺ : (افْعَلْ وَلَا حَرَجَ) (٣)؛ فإنَّ ذلك كان في أعمالِ يومِ النَّحْرِ، لا في كلِّ مَناسكِ الحجِّ.

стр. 307

قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧]. جعَلَ اللهُ للحجِّ زمنًا يُعمَلُ فيه، ويسمَّى أَشْهُرَ الحجِّ، وهي: شَوَّالٌ، وذو القَعْدَةِ، وعَشْرٌ من ذي الحِجَّةِ، على قولِ جمهورِ العلماءِ؛ كأحمدَ وأبي حنيفةَ والشافعيِّ. وجعَلَ الشافعيُّ ليلةَ النَّحْرِ فقطْ مِن أشهُرِ الحَجِّ، لا يَوْمَهُ. روى ابنُ أبي شَيْبَةَ، عن عبدِ اللهِ قولَه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ قال: "شوالٌ، وذو القَعْدةِ، وعَشْرُ ذي الحِجَّةِ" (١). وقال له ابنُ عباسٍ وابنُ عُمَرَ، ومجاهِدٌ والشَّعْبيُّ والنَّخَعيُّ (٢). وظاهرُ الآيةِ: جعلُ الأشهرِ أكثَرَ مِن اثنَيْنِ، وهو أقلُّ الجمعِ على قولٍ؛ وذلك لأنَّه جعَلَ بعضَ الشهرِ بمنزلةِ الشهرِ؛ تقولُ: رأيتُك شهرَ كذا أو سنَةَ كذا أو يومَ كذا، والمقصودُ: رأيتَهُ فيه؛ أي: في أيَّامٍ منه لا كلِّه. وقد جعَلَ مالكٌ ذا الحجَّةِ كاملًا، وليس مرادُ مالكٍ: أنَّ الحَجَّ يصحُّ بعدَ ليلةِ النحرِ، ولا أنَّ المعتمِرَ بعدَها يُعتبَرُ متمتِّعًا؛ وإنَّما المرادُ بقاءُ فضلِ الأيامِ والسَّعَةُ في أعمالِها، وأنَّ العمرةَ في باقي ذي الحجةِ مفضولةٌ. وقد كان غيرُ واحدٍ مِن السلفِ يَكْرَهُ أداءَها في أشهُرِ الحجِّ لغيرِ المتمتِّعِ؛ رُوِيَ هذا عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ سِيرينَ، والقاسمِ بنِ محمدٍ: روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن طارقِ بنِ شهَابٍ؛ قال: قال عبدُ اللهِ:

стр. 308

"الحَجُّ أشهُرٌ معلوماتٌ؛ ليس فيها عُمْرةٌ" (١)؛ وهو صحيحٌ. قال محمدُ بنُ سِيرِينَ: "ما أحدٌ مِن أهلِ العلم يَشُكُّ في أنَّ عمرةً في غيرِ أشهرِ الحجِّ أفضلُ مِن عمرةٍ في أشهرِ الحجِّ" (٢). وليس المرادُ في ذلك تفضيلَ الإفرادِ على التمتُّعِ بكلِّ حالٍ، ولكنَّ المرادَ أنَّ فضلَ العمرةِ بسفرٍ قاصدٍ وَحْدَها أعظَمُ ممَّن قَصَدَ حَجَّتَهُ وعمرتَهُ بسفرةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ الغالبَ أنَّ مَن قصَدَ مكةَ بعمرةٍ في أشهرِ الحجِّ أنَّه يُتْبِعُها بحجٍّ مِن عامِه. وقد كان عمرُ بنُ الخَطَّابِ يَرَى فَضْلَ التمتُّعِ ولوِ اعتمَرَ بسفرٍ خاصٍّ مِن عامِه؛ كما صحَّ عنه عندَ ابنِ أبي شَيْبةَ؛ أنَّه قال: "لوِ اعْتَمَرْتُ ثمَّ اعْتَمَرْتُ ثمَّ حَجَجْتُ، لَتَمَتَّعْتُ" (٣). ولهذا ذكَرَ غيرُ واحدٍ مِن العلماءِ: أنَّ العمرةَ في غيرِ أشهرِ الحجِّ أفضلُ مِن العمرةِ في أشهرِ الحجِّ، ومرادُهم: قَصْدُ النُّسُكَيْنِ بسفَرَيْنِ؛ وإلا فعُمَرُ النبيِّ ﷺ كلُّها في أشهرِ الحجِّ، كان يقصدُ العمرةَ في ذي القَعْدةِ ويَرجِعُ، إلا لمَّا حَجَّ، قَرَنَ عمرتَهُ بحَجَّتِه. وروى أيُّوبُ، عن نافعٍ؛ قال: قال ابنُ عمرَ: "أنْ تَفْصِلُوا بينَ أشهُرِ الحجِّ والعمرةِ، فتجعَلُوا العمرةَ في غيرِ أشهرِ الحجِّ: أتمُّ لحجِّ أحدِكم، وأتمُّ لعُمْرتِهِ" (٤). فهم يَرَوْنَ التمامَ للنسك بالعملِ التامِّ مِن دارِ الرجلِ، قاصدًا إلى دارِهِ راجعًا، لحجِّهِ وعمرتِهِ، كلُّ واحدةٍ منفردة. لذا ذكَرَ مالكٌ أنَّ مِن أشهُرِ الحجِّ ذا الحِجَّةِ كاملًا؛ لأنَّ العمرةَ

стр. 309

عندَهُ بعدَ الحجِّ في ذي الحِجَّةِ كالعمرةِ قَبْلَهُ في التفاضُلِ مع غيرِ أشهرِ الحجِّ؛ لأنَّ الحاجَّ ما زالَ في سَفْرةِ حَجِّهِ لم يَرجِعْ إلى أهلِه. وقد رُوِيَ عن جماعةٍ مِن السلفِ؛ كعطاءٍ وطاوسٍ وابنِ شهابٍ: إطلاقُ ذي الحِجَّةِ أنَّه مِن أشهُرِ الحجِّ، ولعلَّهم أطلَقُوهُ كما أَطْلَقَهُ القرآنُ؛ للعِلْمِ بكونِهِ إلى العشرِ لأداءِ النُّسُكِ، أو أرادُوا إطلاقَهُ ومرادُهُمْ كالمعنى الذي ذهَبَ إليه بعدَهُمْ مالكٌ. ويؤيِّدُ هذا: أنَّ بعضَ المفسِّرينَ يُطلِقُ ذا الحِجَّةِ تارَةً، وَيُرِيدُ به العشرَ منها؛ ومِن ذلك: أنَّ مجاهِدًا أطلَقَها مرةً، وقيَّدَها أُخرى. و﴿مَعْلُومَاتٌ﴾ صفةٌ لـ ﴿أَشْهُرٌ﴾؛ أي: إنَّها بيِّنةٌ معروفةٌ مستفيضةٌ بين الناسِ؛ وهذا دليلٌ على أنَّ المشهورَ المستفيضَ البَيِّنَ الذي لم يطرَأْ عليه لبسٌ: لا تَثْقُلُ المسامعُ بذِكْرِه، وقد كانت هذه الأشهُرُ معلومةً في الجاهليَّةِ والإسلامِ. والتقديرُ في قولِهِ تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾: يعني ما شرَعَهُ اللهُ لعِبادِهِ لا يكونُ إلا في هذه الأشهرِ، وما عَدَاهُ لا يكونُ حَجًّا مقصودًا مشروعًا، وإنْ أُطلِقَ اسمُ الحجِّ على العمرةِ مِن جهةِ اللُّغَةِ، فمعناهُ القصدُ، ولكنَّ الحَجَّ في الآيةِ بمعناهُ الضَّيِّقِ، لا بمعناه الواسعِ. التأكيدُ على المواقيت الزمانية: وفي الآيةِ دليلٌ على أنَّ المواقيتَ الزمانيَّةَ آكَدُ مِن المواقيتِ المكانيَّةِ؛ وذلك أنَّ اللهَ لم يذكُرِ المواقيتَ المكانيَّةَ في كتابِهِ. وكذلك: فإنَّ المواقيتَ الزمانيَّةَ مواقيتُ للأممِ قبلَ الإسلامِ وبعدَهُ منذُ شرَعَ اللهُ الحجَّ، بخلافِ المواقيتِ المكانيَّةِ؛ فإنَّها شِرْعَةٌ لأُمَّةِ محمَّدٍ ﷺ خاصَّةً. وكذلك: فإنَّ الحجَّ لا يَصِحُّ إلا في مواقيتِهِ الزمانيَّةِ، فلو وقَعَ

стр. 310

الوقوفُ بعَرَفةَ والمبيتُ والنحرُ وأيامُ مِنًى وغيرُها ممَّا عُيِّنَ، في غيرِ أشهُرِ الحجِّ، فهو باطلٌ بلا خلافٍ؛ بل مَنْ قال بِصِحَّتِها في غيرِ أيَّامِها, فهو كافرٌ؛ لإنكارِهِ معلومًا مِن الدينِ بالضرورةِ، وأمَّا الإهلالُ بالحجِّ مِن غيرِ المواقيتِ المكانيَّةِ، فلا يُبطِلُ الحجَّ؛ وإنَّما يأثَمُ صاحِبُهُ بلا خلافٍ؛ وإنَّما الخلافُ في وجوبِ الدمِ عليه. ثمَّ قال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾؛ أيْ: مَن أوجَبَهُ على نفسِهِ ودخَلَ فيه، وجَبَ عليه اجتنابُ ما نَهَى اللهُ عنه، وفِعْلُ ما أمَرَ اللهُ به، وله الترخُّصُ برُخَصِ اللهِ فيه. حكمُ عقد نيَّةِ الحجِّ من أشهر الحج: وفيه أهميةُ عَقْدِ نيةِ الحجِّ في أشهُرِهِ؛ وهذا ظاهرٌ مِن قولِه: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾، واختلَفَ العلماءُ في عَقْدِ النيةِ قبلَ أشهرِ الحجِّ وانتظارِ الحجِّ: القولُ الأولُ: ما ذهَبَ إليه جمهورُ العلماءِ؛ وهو أنَّ الإحرامَ صحيحٌ؛ وهو خلافُ الأَوْلى؛ وهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ وأحمدَ. وأنَّ اللهَ إنَّما ذكَرَ أفضَلَ الأحوالِ، ولم يَفرِضْها، فمَن أَحْرَمَ مِن بيتِ المَقْدِسِ أو مِن الصِّينِ أو مِن الأندلس في رمضانَ أو قبلَهُ وسارَ، فحجُّهُ صحيحٌ ولو أحرَمَ قبلَ الميقاتِ المكانيِّ والزمانيِّ جميعًا؛ فقد رخَّصَ اللهُ بالإهلالِ في جميعِ الأشهرِ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]. القولُ الثاني - وهو قولُ الشافعيِّ -: أنَّ الإهلالَ للحجِّ لا يصحُّ إلا في أشهُرِهِ؛ لظاهرِ التقييدِ في الآيةِ، وعندَهُ: أنَّ مَن أهَلَّ قبلَ أشهرِ الحجِّ، لم يَنعقِدْ إحرامُهُ، وعنه قولانِ في انقلابِهِ إلى عُمْرةٍ؛ ورُوِيَ هذا القولُ عن جماعةٍ مِن السلفِ مِن الصحابةِ والتابعِينَ.

стр. 311

قال به جابرٌ وابنُ عباسٍ وأصحابُهُ كعطاءٍ وطاوسٍ ومجاهدٍ (١). وقولُ ابنِ عباسٍ فيه: "مِن السُّنَّةِ ألَّا يُحرِمَ بالحَجِّ إلا في أشهرِ الحجِّ"؛ رواهُ ابنُ مَرْدَوَيْهِ. وفي لفظٍ عنه: "لا ينبغي لأحدٍ أنْ يُحرِمَ بالحجِّ إلا في شهورِ الحجِّ" (٢). وسُئِلَ جابرٌ: "أيُحرَمُ بالحجِّ في غيرِ أشهرِ الحجِّ؟ قال: لا". رواهُما الشافعيُّ (٣). والعِبْرةُ في فرضِ الحجِّ بعَقْدِ النِّيَّةِ فيه؛ لأنَّ العملَ لا بدَّ أنْ يكونَ في أشهُرِه، ومَن عقَدَ نيةَ الحجِّ في آخِرِ يومٍ مِن رمضانَ قبلَ غروبِ الشمسِ: لم يَفرِضْهُ في أشهرِ الحجِّ؛ وهذا قولُ جابرٍ مِن الصحابةِ، ولا مخالفَ له، ومِثلُ هذا مَن عقَدَ النيةَ قبلَ غروبِ شمسِ آخِرِ يومٍ مِن شعبانَ للعمرةِ: لم تكنْ عُمرتُهُ في رمضانَ ولو كان عَمِلَها فيه. وقولُه: ﴿فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ دليلٌ على وجوبِ إتمامِ الحجِّ بمجردِ الدخولِ فيه؛ وهذا كقولِهِ تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ فسمَّى الدخولَ في الحجِّ فرضًا. والمرادُ بالفرضِ عَقدُ نيةِ النُّسُكِ على الصحيحِ؛ وهو قولُ أكثرِ السلفِ؛ كابنِ عباسٍ وعطاءٍ وإبراهيمَ، ورُوِيَ عن بعضِ السلفِ: أنَّ الفرضَ هنا التلبيةُ؛ وهو قولُ طاوسٍ والقاسمِ بنِ محمدٍ، والتلبيةُ سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ على الصحيحِ، وعلامةٌ ظاهرةٌ لفرضِ النُّسُكِ، وليستْ هي فرضَهُ، فيدخُلُ بالنيةِ ولو لم يُلَبِّ، ولا يدخُلُ بالتلبيةِ إذا لم يَنْوِ، وقد كان بعضُ

стр. 312

السلفِ يلبِّي وهو غيرُ مُحرِمٍ؛ كابنِ مسعودٍ، ولم يكنْ داخلًا في النسكِ، ولا فارضًا على نفسِهِ شيئًا مِن لوازمِه. ثمَّ لمَّا ذكَرَ اللهُ أزمنةَ الحجِّ، ذكَرَ المحظوراتِ على الحاجِّ بعدَ دخولِهِ في الحجِّ: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. حكمُ مباشَرَة المحرِمِ لزوجتهِ: والمرادُ بالرَّفَثِ: الجِمَاعُ؛ كما في قولِ اللهِ تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ويسمَّى في القرآنِ: لَمْسًا ومَسًّا، ورَفَثًا وغِشْيَانًا، وحَرْثًا ونِكاحًا، ووَطْئًا ودُخُولًا وإفضاءً. وكما يحرُمُ الجماعُ تحرُمُ دواعِيهِ مِن المباشَرةِ والتقبيلِ لشهوةٍ، وقد روى نافعٌ؛ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يقولُ: "الرَّفَثُ إتيانُ النساءِ, والتكلُّمُ بذلك للرجالِ والنساءِ إذا ذكَرُوا ذلك بأفواهِهم" (١). ورُوِيَ هذا المعنى عن جماعةٍ؛ كابنِ عباسٍ وطاوسٍ، وعطاءٍ وغيرِهم (٢). ونَصَّ بعضُ السلفِ على الفرقِ بين الكلامِ بدواعِي الجماعِ بحضرةِ المرأةِ وبغيابِها، فيَمنَعُ منه بحضرتِها، ويُجِيزُهُ في غيابِها؛ وهذا مرويٌّ عن ابنِ عباسٍ (٣)، وأبي العاليةِ (٤)، وحكاهُ ابنُ جريرٍ إجماعًا (٥). وقولُهُ تعالى: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾؛ كلُّ محرَّمٍ مِن الأقوالِ والأفعالِ في غيرِ الحجِّ، فهو في الحجِّ آكَدُ، وهو المرادُ هنا، وأكثرُ ما يدخُلُ فيه: الأقوالُ؛ لعمومِ البَلْوَى بها؛ كما في قولِه ﷺ : (سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ،

стр. 313

وَقِتَالُهُ كُفْرٌ) (١). وقولُهُ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾: الجدالُ يرادُ به: المجادَلةُ والمقاوَلةُ والملاحَاةُ، وبُقصَدُ به هنا: ما يؤدِّي إلى محرَّمٍ؛ كغضبٍ وخصومةٍ وسَبٍّ، وأصلُهُ يُطلَقُ على كلِّ ملاحاةٍ ومقاوَلةٍ بفائدةٍ أو بغيرِ فائدةٍ؛ فيُطْلَقُ على ما ينفعُ؛ كقولِه تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١]، وقولِهِ: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وعلى ما لا ينفعُ؛ كما في هذه الآيةِ. معنى الجدالِ في الحجِّ: وحُمِلَ النهيُ عن الجدال في هذه الآيةِ على أمرَيْنِ: الأولُ: النهيُ عن المِرَاءِ في الحجِّ؛ وصَحَّ هذا عن ابنِ مسعودٍ وابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ وكثيرٍ مِن السلفِ (٢). الثاني: النهيُ عن الجدالِ في أحكامِ الحجِّ بعدَ بيانِها؛ وجاء هذا عن مجاهدٍ والسُّدِّيِّ والقاسمِ بنِ محمدٍ ومالكِ بنِ أنسٍ. والأولُ أعَمُّ، وكلا المَحْمَلَيْنِ صحيحٌ؛ فالاختلافُ هنا اختلافُ تنوُّعٍ لا تَضَادٍّ؛ ولكنَّ بعضَ السلفِ يُخصِّصُهُ بمسائلِ الحجِّ، وبعضَهم يجعلُهُ فيها وفي غيرِها، وظاهرُ الخلافِ عندَهم إنَّما هو في سببِ النزولِ ومقصدِهِ، لا في دخولِ الحكمِ وشمولِهِ للأمرَيْنِ جميعًا. وفي الآيةِ تخصيصُ المُحرِمِ بالنهي عن الفسقِ والمِرَاءِ مع عمومِ النهيِ لغيرِه؛ تأكيدًا على أنَّ الحجَّ يتأثَّرُ بالفسوقِ، وربَّما تنقصُهُ أو تُذهِبُ أَجْرَهُ إنْ كَثُرَتْ، وأنَّ عظمةَ الأجرِ تكونُ للعبادةِ التامَّةِ السالِمةِ مِن

стр. 314

المحرَّماتِ؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: (مَنْ حَجَّ للهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رجَعَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) (١)، فجعَلَ السلامةَ مِن الرَّفَثِ والفسوقِ شرطًا لتكفيرِ الذنوبِ؛ فإنَّ المعاصيَ من الرَّفَثِ والفسوقِ تخفِّفُ الحجَّ فلا يَقْوَى على مغالبةِ الذنوبِ وتكفيرِها عندَ الميزانِ. وفي الآيةِ والحديثِ: إشارةٌ إلى أنَّ الذنوبَ تَنقُصُ الحسناتِ وتَمْحُوها، كما تَنقُصُ الحسناتُ الذنوبَ وتَمْحُوها، وفيها أنَّ الذنوبَ التي تقترنُ بعملٍ صالحٍ أَعظمُ منَ الذنوبِ المجرَّدةِ؛ فالذنوبُ للمُحرِمِ والصائمِ والمجاهِدِ والمرابِطِ أعظمُ مِن غيرِها؛ لاقترانِها بعبادةٍ، فخَصَّ اللهُ الحجَّ بالذِّكْرِ والتأكيدِ؛ لطولِ أيامِه، بخلافِ الصلاةِ وإنْ كانت أعظَمَ إلا أنَّ وقتَها قصيرٌ؛ فلا يقترنُ معها محرَّمٌ غالبًا؛ لحالِها ولقِصَرِ زمانِها. دَلَالةُ الاقتران: وفي الآيةِ: دليلٌ على أنَّ دَلَالةَ الاقترانِ تدُلُّ على الاشتراكِ بأدنى معاني الحُكْمِ، لا بأَقْصَاهُ، فقرَنَ اللهُ الرفَثَ والفسوقَ والجدالَ بنهيٍ واحدٍ مع اختلافِها في مَرْتَبَتِه؛ فدلالةُ الاقترانِ تدُلُّ على اشتراكِ المقروناتِ في أصلِ الحُكْمِ، لا في مقدارِه؛ فضلًا عن لوازمِه؛ كاشتراكِ هذه المنهيَّاتِ في أصلِ الحُكْمِ. وأمَّا الاستدلالُ بها على الاشتراكِ في الحُكمِ كلِّه، فلا يصحُّ في قولِ جمهورِ العلماءِ، وظواهرُ الأدلةِ تؤيِّدُهُ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وقولِه: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]. والاشتراكُ في أصلِ الحكمِ غالبٌ لا مُطَّرِدٌ أيضًا؛ وهذا خلافًا

стр. 315

لقولِ المُزَنِيِّ صاحِبِ الشافعيِّ، وأبي يوسفَ صاحِبِ أبي حنبفةَ، وأهلُ اللغةِ يفرِّقون بينَ واوِ العطفِ وواوِ النظمِ. واستدلالُ بعضِ الفقهاءِ بالاقترانِ في بعضِ المواضعِ: لا يَعني أنَّه يجعلُها قاعدةً؛ فربَّما جعَلَها قرينةً تَقْوَى في موضعٍ، ولا تَقْوَى في موضعٍ آخَرَ، ولا يُلزَمُ فقيهٌ بما لم يَلتَزِمْهُ وينُصَّ عليه. وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾: تنبيهٌ إلى عمارةِ الوقتِ بالعملِ الصالحِ، وكما نَهَى عن الرَّفَثِ والفسوقِ والجدالِ، فقد أمَرَ بضِدِّهِ؛ ليُعمَرَ وقتُ الحاجِّ؛ فلا يَجِدَهُ خاليًا فيَعْمُرَهُ شيطانُهُ بالوسواسِ المحرَّمِ وخَطَراتِ السوءِ؛ فإنَّ الإثمَ يبدأُ وسواسًا قبلَ أنْ يكونَ عملًا، وكذلك فإنَّ السيئةَ تُزاحَمُ بالحسنةِ. وفي الآيةِ: تنبيهٌ إلى طلبِ الإخلاصِ واستدعائِهِ؛ قال: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾؛ فإنَّ اللهَ أعلَمُ وأشَدُّ اطِّلاعًا على حالِكُمْ، فراقِبُوا عِلمَ اللهِ بعَمَلِكم، لا عِلْمَ غيرِهِ بكم. ثمَّ أمَرَ اللهُ بالأخذِ بالأسبابِ الماديَّةِ والشرعيَّةِ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، تزوَّدُوا بما يُصلِحُ أنفُسَكم ودُنْياكم، وخيرٌ مِن ذلك زادُ الدِّينِ، وهو التَّقْوَى بالعملِ الصالحِ وتَرْكِ المحرَّمِ، وفي الآيةِ: نهيٌ عن التواكُلِ، وإيجابٌ للأخذِ بالأسبابِ؛ فهي مِن صُنْعِ الله وحُسْنِ تدبيرِه في كَوْنِه. قال عِكْرِمةُ: "كان أناسٌ يَحُجُّونَ بلا زادٍ؛ فأنزَلَ اللهُ هذه الآيةَ" (١). وفي الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ أَعْقَلَ الناسِ أكثرُهُمْ عبادةً وتَقْوَى؛ فإنَّ العقولَ تدُلُّ على اللهِ، وتهدي إليه إلا مَن عطَّلَها بالهَوَى والشهواتِ.

стр. 316

قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ١٩٨ - ٢٠٢]. وَسَّعَ اللهُ لأُمَّتِهِ إذْ جعَلَ مَوْسِمَ الحجِّ واجتماعَ الناسِ فيه مَغْنَمًا لراغبِ الفضلِ بتجارةٍ أو إجارةٍ أو غيرِها، وقد امتَنَّ اللهُ على عبادِهِ بهذا في مواضعَ عديدةٍ؛ منها في دعاءِ إبراهيمَ: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٢٦]، ومكةُ ليستْ بذاتِ زَرْعٍ؛ كما قال إبراهيمُ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، ولكنَّ المقصودَ بدعائِهِ جبايةُ الثمراتِ مِن مَنابِتِها حولَ أُمِّ القُرَى ومِنْ عمومِ الأرضِ، وهذا ما امتَنَّ به اللهُ على قريشٍ في سورةِ القَصَصِ، فقال: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص: ٥٧]، وهذا رزقٌ يأتي هذا البَلَدَ المبارَكَ ولا يَنقطِعُ. التجارةُ في الحج: وقد كان الناسُ يَجِدُونَ حَرَجًا لمَّا جاء الإسلامُ أن يتَّخِذُوا الحجَّ موسمًا للتجارةِ، فرَخَّصَ اللهُ فيه بقولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ قال ابنُ عباسٍ: "في مواسمِ الحجِّ"؛

стр. 317

رواهُ البخاريُّ (١). وروى أبو داودَ؛ مِن حديثِ عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ: أنَّ الناسَ في أولِ الحجِّ كانوا يَتَبَايَعُونَ بمِنًى وعَرَفةَ وسُوقِ ذي المَجَازِ ومواسمِ الحجِّ، فخافُوا البيعَ وهم حُرُمٌ، فأنزَلَ اللهُ سبحانَهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسمِ الحجِّ، قال: فحدَّثَني عُبَيْدُ بنُ عُمَيْرٍ؛ أنَّه كان يقرؤُها في المصحفِ (٢). وروى عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ قال: "لا حرَجَ عليكم في الشراءِ والبيعِ قبلَ الإحرامِ وبعدَهُ" (٣). وسببُ نزولِ هذه الآيةِ رفعُ الحَرَجِ عن الأُمَّةِ بالانتفاعِ في دُنْياها مِن مَجْمَعِ الناسِ للحجِّ حينَما يأتُونَ مِن كلِّ مكانٍ، فيتبايَعونَ فيما بينَهم كلٌّ يبيعُ نِتَاجَ بلادِهِ مِن زَرْعٍ وثَمَرٍ، وصناعةٍ ونسيجٍ وحِدَادةٍ؛ فبهذا ينتفِعُ أهلُ مكةَ وما حولَها، وينتفعُ الحُجَّاجُ كلُّهم بِتَبَايُعِهم فيما بينَهم، فيَرْجِعونَ بأجرٍ وغنيمةٍ مِن الدُّنيا تَكْفِيهم مُؤْنَةَ الحجِّ ونفقةَ الطريقِ وقد تَزِيدُ، فقد روى أحمدُ في "مسندِهِ"؛ مِن حديثِ أبي أُمامةَ التَّيْمِيِّ؛ قال: قلتُ لابنِ عمرَ: إنَّا نُكْرِي، فهل لنا مِن حَجٍّ؟ قال: أليس تَطُوفُونَ بالبَيْتِ، وتأتُونَ المُعَرَّفَ، وتَرْمُونَ الجِمَارَ، وتَحْلِقُونَ رُؤُوسَكم؟ قال: قلْنا: بلى! فقال ابنُ عمرَ: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فسَأَلَهُ عن الذي سَأَلْتَني، فلم يُجِبْهُ حتى نزَلَ عليه جبريلُ ﵇ بهذه الآيةِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، فدَعَاهُ النبيُّ ﷺ , فقال: (أَنْتُمْ حُجَّاجٌ) (٤). ومن الأئمة من يرى أن ترك التجارة في الحج أخلص للعمل مع جوازها، وقد سئل أحمد عن التجارة في الحج؟ فقال: من الناس من يتأول

стр. 318

هذه الآية في مواسم الحج، ولكن لو لم يكن معه تجارة كان أخلص (١). وقولُهُ تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾. الإفاضةُ: الانصرافُ مِن عَرَفاتٍ، وقد غَيَّرَ زمانَها أهلُ الجاهليَّةِ، فكانوا يُفِيضُونَ قبلَ غروبِ الشمسِ إذا كانتِ الشمسُ على الجبالِ كأنَّها العمائِمُ، فجعَلَ اللهُ الإفاضةَ بعدَ غروبِ الشمسِ أنْ ينصرِفَ الناسُ إلى مُزْدَلِفَةَ، وهي (المَشْعَرُ الحَرَامُ). حكمُ الوقوفِ بعَرَفة وزمانُه ومكانُهُ: والوقوفُ بعَرَفَةَ ركنُ الحجِّ بلا خلافٍ، ويُستحَبُّ النزولُ بعُرَنَةَ قُبَيْلَ عَرَفَةَ بعدَ ارتفاعِ الشمسِ، كما فعَلَ النبيُّ ﷺ ، وليستْ عُرَنَةُ مِن عرفةَ، وإنَّما يَبقى فيها ويُصلِّي الظهرَ والعصرَ جَمْعَ تقديمٍ، ثمَّ يدخُلُ عرفةَ، ويخطُبُ الإمامُ الناسَ قبلَ جَمْعِ الصلاتَيْنِ. ومَن فَاتهُ الوقوفُ بعَرَفةَ ولو ساعةً مِن الليلِ أو النهارِ، فليس له حَجٌّ، ويبدأُ الوقوفُ بها مِن زوالِ الشمسِ يومَ التاسعِ مِن ذي الحِجَّةِ إلى طلوعِ الفجرِ مِن يومِ النحرِ، وهذا وقتُ الوقوفِ العامِّ فاضلُهُ ومفضولُهُ، وأفضلُ الوقوفِ وقوفُ النبيِّ ﷺ حيث دخَلَ عَرَفةَ بعدَ الزوالِ، ودَفَعَ منها بعدَ غروبِ الشمسِ. وصحَّحَ أحمدُ في روايةٍ الوقوفَ أيَّ ساعةٍ مِن النهارِ ولو قبلَ الزوالِ، وليلًا ولو قُبَيْلَ فجرِ يومِ النحرِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ في حديثِ عُرْوَةَ بنِ مُضَرِّسٍ، وهو بمُزْدَلِفَةَ: (مَنْ صَلَّى مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ فِي هَذَا المَكَانِ، ثُمَّ وَقَفَ مَعَنَا هَذَا المَوْقِفَ حَتَّى يُفِيضَ الإِمَامُ، أَفَاضَ قَبْلَ ذلك مِنْ عَرَفَاتٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ) (٢). وحكى بعضُهم الإجماعَ على عَدَمِ صحةِ الوقوفِ قبلَ الزوالِ وحدَهُ، مِن غيرِ وقوفٍ بعدَه ليلًا أو نهارًا.

стр. 319

وفي الإجماعِ نظرٌ، ولأحمدَ قولٌ بصِحَّتِه؛ لظاهرِ حديثِ عُرْوةَ بنِ مُضَرِّسٍ، ولكنَّ عَمَلَ النبيِّ ﷺ وخلفائِهِ مِن بعدِهِ وعَمَلَ الصحابةِ: أنَّهم لم يكونُوا يَقِفُونَ قبلَ زوالِ الشمسِ بِعَرَفةَ، ولا يُحفَظُ عن واحدٍ منهم أنَّه وقَفَ قبلَ الزوالِ، أو أمَرَ به. واختُلِفَ فيمَن دفَعَ قبلَ غروبِ الشمسِ: وجمهورُ العلماءِ على صحةِ وقوفِهِ وحَجِّه. وذهَبَ مالكٌ: إلى وجوبِ الوقوفِ ليلًا ولو قليلًا بعدَ غروب الشمسِ، ورَأَى على مَن أفاضَ قبلَ الغروبِ الرجوعَ إلى عَرَفةَ، أو إعادَةَ الحجِّ مِن قابِلٍ، مع الدمِ عليه من العامِ القابِلِ. ومَن صَحَّحُوا الحَجَّ اختَلَفُوا في وجوبِ الدمِ عليه؛ فأَوْجَبَهُ جمهورُهُمْ؛ وهو مرويٌّ عن أبي حنيفةَ والشافعيِّ وَأحمدَ وسُفْيانَ. واختَلَفَ هؤلاء فيه إذا رجعَ إلى عَرَفَةَ ليلًا فوقَفَ فيها؛ فأَوْجَبَ عليه الدمَ أبو حنيفةَ، ولم يَرَهُ عليه الباقُونَ؛ لأنَّهم يرَوْنَ وقوفَهُ بعدَ رجوعِهِ صحيحًا؛ كما لو كان باقيًا فيها لم يَخْرُجْ منها. ولا يجبُ للوقوفِ طهارةٌ أو يقظةٌ، فمَن وقَفَ مُحْدِثًا أو مَرَّ بها نائمًا كلَّ الوقوفِ، صحَّ وقوفُه عندَ السلفِ لا يَختَلِفُونَ في ذلك؛ وهو قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ. فضلُ الدعاءِ والذِّكْر بِعرفَة ومزدَلِفة: وليس في الآيةِ تفضيلُ الذِّكْرِ عندَ المَشْعرَ الحرامِ على الذِّكْرِ بعَرَفةَ؛ فإنَّ الذِّكْرَ والدعاءَ بعرفةَ أفضلُ، ولكنَّ اللهَ أرادَ بيانَ مشروعيَّةِ الإفاضةِ إلى مزدَلِفةَ والوقوفِ عندَها والمبيتِ فيها ذاكِرينَ اللهَ، لا كما يفعلُ أهلُ الجاهليَّةِ مِن تبديلٍ؛ فإنَّ قريشًا لا تَقِفُ بِعَرَفةَ، فكانت تشدِّدُ على نفسِها، ولا تخرُجُ في حجِّها مِن حدودِ الحرمِ، فتقفُ بمزدَلِفةَ ثمَّ تنصرِفُ إلى مِنًى، وكانوا يُسَمُّونَ أنفُسَهمُ الحُمْسَ مِن دونِ العربِ، إلا مَن تَحَمَّسَ

стр. 320

معها وهم قليلٌ، وكانت بقيةُ العربِ تقفُ بِعَرَفةَ وتنصرِفُ قبلَ غروبِ الشمسِ، فَبيَّنَ اللهُ هَدْيَهُ ومناسكَ الحجِّ للنَّاسِ على ما كان عليه الخليلُ إبراهيمُ؛ ولذا قال اللَّهُ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾، لا مِن مزدَلِفةَ؛ كما بَدَّلَتْ قريشٌ حيثُ كانت تُفِيضُ منها، ولمَّا ذكَرَ اللهُ الإفاضةَ مِن مزدَلِفةَ بعدَ عَرَفةَ، قال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾؛ يعني: العرب وقريشًا وغيرَهم، فكانوا كلُّهم يجتمعونَ في مزدَلِفةَ فيُفِيضُونَ منها؛ لأنَّهم لم يكونوا يختلِفونَ في الإفاضةِ من مُزْدَلِفةَ؛ وإنَّما يختلِفونَ في الإفاضةِ مِن عَرَفةَ. ولا خلافَ أنَّ المشعرَ الحرامَ هو مزدَلِفةُ؛ صَحَّ هذا عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، وابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، وسعيدِ بن جُبَيْرٍ، وعِكْرِمةَ، والحَسَنِ (١). وفي قولِهِ: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾: بيانُ فضلِ الذِّكْرِ عندَ تذكُّرِ النِّعَمِ، فمِن شُكْرِ النعمِ ذِكْرُ اللهِ عندَ تذكُّرِها؛ كما أنَّ تذكُّرَ الضلالِ بعدَ الهدايةِ، والجهلِ بعدَ العلمِ: يَكْسِرُ النَّفْسَ للخالقِ، وأنَّ مَن هَدَاها قادرٌ على إزاغتِها، ومَن عَلَّمَها قادرٌ على أنْ يُنْسِيَها. والمرادُ بالضلالِ في الآيةِ: الجهلُ وعَدَمُ العِلْمِ؛ كقولِهِ تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]. وبعدَما أمَرَ اللهُ بالإفاضةِ مِن مزدَلِفةَ، أمَرَ بالاستغفارِ: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ وفيه استحبابُ الاستغفارِ عندَ الانصرافِ مِن مزدَلِفةَ، والاستغفارُ في هذا الوقتِ أفضلُ الأذكارِ؛ فإنَّه يُستحَبُّ إظهارُ الافتقارِ بالاستغفارِ عندَ تمامِ الأعمالِ؛ حتى لا يُورِثَ تمامُ
следующие страницы →