← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ١٩٨ - ٢٠٢]. وَسَّعَ اللهُ لأُمَّتِهِ إذْ جعَلَ مَوْسِمَ الحجِّ واجتماعَ الناسِ فيه مَغْنَمًا لراغبِ الفضلِ بتجارةٍ أو إجارةٍ أو غيرِها، وقد امتَنَّ اللهُ على عبادِهِ بهذا في مواضعَ عديدةٍ؛ منها في دعاءِ إبراهيمَ: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٢٦]، ومكةُ ليستْ بذاتِ زَرْعٍ؛ كما قال إبراهيمُ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، ولكنَّ المقصودَ بدعائِهِ جبايةُ الثمراتِ مِن مَنابِتِها حولَ أُمِّ القُرَى ومِنْ عمومِ الأرضِ، وهذا ما امتَنَّ به اللهُ على قريشٍ في سورةِ القَصَصِ، فقال: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص: ٥٧]، وهذا رزقٌ يأتي هذا البَلَدَ المبارَكَ ولا يَنقطِعُ. التجارةُ في الحج: وقد كان الناسُ يَجِدُونَ حَرَجًا لمَّا جاء الإسلامُ أن يتَّخِذُوا الحجَّ موسمًا للتجارةِ، فرَخَّصَ اللهُ فيه بقولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ قال ابنُ عباسٍ: "في مواسمِ الحجِّ"؛

стр. 317

رواهُ البخاريُّ (١). وروى أبو داودَ؛ مِن حديثِ عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ: أنَّ الناسَ في أولِ الحجِّ كانوا يَتَبَايَعُونَ بمِنًى وعَرَفةَ وسُوقِ ذي المَجَازِ ومواسمِ الحجِّ، فخافُوا البيعَ وهم حُرُمٌ، فأنزَلَ اللهُ سبحانَهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسمِ الحجِّ، قال: فحدَّثَني عُبَيْدُ بنُ عُمَيْرٍ؛ أنَّه كان يقرؤُها في المصحفِ (٢). وروى عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ قال: "لا حرَجَ عليكم في الشراءِ والبيعِ قبلَ الإحرامِ وبعدَهُ" (٣). وسببُ نزولِ هذه الآيةِ رفعُ الحَرَجِ عن الأُمَّةِ بالانتفاعِ في دُنْياها مِن مَجْمَعِ الناسِ للحجِّ حينَما يأتُونَ مِن كلِّ مكانٍ، فيتبايَعونَ فيما بينَهم كلٌّ يبيعُ نِتَاجَ بلادِهِ مِن زَرْعٍ وثَمَرٍ، وصناعةٍ ونسيجٍ وحِدَادةٍ؛ فبهذا ينتفِعُ أهلُ مكةَ وما حولَها، وينتفعُ الحُجَّاجُ كلُّهم بِتَبَايُعِهم فيما بينَهم، فيَرْجِعونَ بأجرٍ وغنيمةٍ مِن الدُّنيا تَكْفِيهم مُؤْنَةَ الحجِّ ونفقةَ الطريقِ وقد تَزِيدُ، فقد روى أحمدُ في "مسندِهِ"؛ مِن حديثِ أبي أُمامةَ التَّيْمِيِّ؛ قال: قلتُ لابنِ عمرَ: إنَّا نُكْرِي، فهل لنا مِن حَجٍّ؟ قال: أليس تَطُوفُونَ بالبَيْتِ، وتأتُونَ المُعَرَّفَ، وتَرْمُونَ الجِمَارَ، وتَحْلِقُونَ رُؤُوسَكم؟ قال: قلْنا: بلى! فقال ابنُ عمرَ: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فسَأَلَهُ عن الذي سَأَلْتَني، فلم يُجِبْهُ حتى نزَلَ عليه جبريلُ ﵇ بهذه الآيةِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، فدَعَاهُ النبيُّ ﷺ , فقال: (أَنْتُمْ حُجَّاجٌ) (٤). ومن الأئمة من يرى أن ترك التجارة في الحج أخلص للعمل مع جوازها، وقد سئل أحمد عن التجارة في الحج؟ فقال: من الناس من يتأول

стр. 318

هذه الآية في مواسم الحج، ولكن لو لم يكن معه تجارة كان أخلص (١). وقولُهُ تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾. الإفاضةُ: الانصرافُ مِن عَرَفاتٍ، وقد غَيَّرَ زمانَها أهلُ الجاهليَّةِ، فكانوا يُفِيضُونَ قبلَ غروبِ الشمسِ إذا كانتِ الشمسُ على الجبالِ كأنَّها العمائِمُ، فجعَلَ اللهُ الإفاضةَ بعدَ غروبِ الشمسِ أنْ ينصرِفَ الناسُ إلى مُزْدَلِفَةَ، وهي (المَشْعَرُ الحَرَامُ). حكمُ الوقوفِ بعَرَفة وزمانُه ومكانُهُ: والوقوفُ بعَرَفَةَ ركنُ الحجِّ بلا خلافٍ، ويُستحَبُّ النزولُ بعُرَنَةَ قُبَيْلَ عَرَفَةَ بعدَ ارتفاعِ الشمسِ، كما فعَلَ النبيُّ ﷺ ، وليستْ عُرَنَةُ مِن عرفةَ، وإنَّما يَبقى فيها ويُصلِّي الظهرَ والعصرَ جَمْعَ تقديمٍ، ثمَّ يدخُلُ عرفةَ، ويخطُبُ الإمامُ الناسَ قبلَ جَمْعِ الصلاتَيْنِ. ومَن فَاتهُ الوقوفُ بعَرَفةَ ولو ساعةً مِن الليلِ أو النهارِ، فليس له حَجٌّ، ويبدأُ الوقوفُ بها مِن زوالِ الشمسِ يومَ التاسعِ مِن ذي الحِجَّةِ إلى طلوعِ الفجرِ مِن يومِ النحرِ، وهذا وقتُ الوقوفِ العامِّ فاضلُهُ ومفضولُهُ، وأفضلُ الوقوفِ وقوفُ النبيِّ ﷺ حيث دخَلَ عَرَفةَ بعدَ الزوالِ، ودَفَعَ منها بعدَ غروبِ الشمسِ. وصحَّحَ أحمدُ في روايةٍ الوقوفَ أيَّ ساعةٍ مِن النهارِ ولو قبلَ الزوالِ، وليلًا ولو قُبَيْلَ فجرِ يومِ النحرِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ في حديثِ عُرْوَةَ بنِ مُضَرِّسٍ، وهو بمُزْدَلِفَةَ: (مَنْ صَلَّى مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ فِي هَذَا المَكَانِ، ثُمَّ وَقَفَ مَعَنَا هَذَا المَوْقِفَ حَتَّى يُفِيضَ الإِمَامُ، أَفَاضَ قَبْلَ ذلك مِنْ عَرَفَاتٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ) (٢). وحكى بعضُهم الإجماعَ على عَدَمِ صحةِ الوقوفِ قبلَ الزوالِ وحدَهُ، مِن غيرِ وقوفٍ بعدَه ليلًا أو نهارًا.

стр. 319

وفي الإجماعِ نظرٌ، ولأحمدَ قولٌ بصِحَّتِه؛ لظاهرِ حديثِ عُرْوةَ بنِ مُضَرِّسٍ، ولكنَّ عَمَلَ النبيِّ ﷺ وخلفائِهِ مِن بعدِهِ وعَمَلَ الصحابةِ: أنَّهم لم يكونُوا يَقِفُونَ قبلَ زوالِ الشمسِ بِعَرَفةَ، ولا يُحفَظُ عن واحدٍ منهم أنَّه وقَفَ قبلَ الزوالِ، أو أمَرَ به. واختُلِفَ فيمَن دفَعَ قبلَ غروبِ الشمسِ: وجمهورُ العلماءِ على صحةِ وقوفِهِ وحَجِّه. وذهَبَ مالكٌ: إلى وجوبِ الوقوفِ ليلًا ولو قليلًا بعدَ غروب الشمسِ، ورَأَى على مَن أفاضَ قبلَ الغروبِ الرجوعَ إلى عَرَفةَ، أو إعادَةَ الحجِّ مِن قابِلٍ، مع الدمِ عليه من العامِ القابِلِ. ومَن صَحَّحُوا الحَجَّ اختَلَفُوا في وجوبِ الدمِ عليه؛ فأَوْجَبَهُ جمهورُهُمْ؛ وهو مرويٌّ عن أبي حنيفةَ والشافعيِّ وَأحمدَ وسُفْيانَ. واختَلَفَ هؤلاء فيه إذا رجعَ إلى عَرَفَةَ ليلًا فوقَفَ فيها؛ فأَوْجَبَ عليه الدمَ أبو حنيفةَ، ولم يَرَهُ عليه الباقُونَ؛ لأنَّهم يرَوْنَ وقوفَهُ بعدَ رجوعِهِ صحيحًا؛ كما لو كان باقيًا فيها لم يَخْرُجْ منها. ولا يجبُ للوقوفِ طهارةٌ أو يقظةٌ، فمَن وقَفَ مُحْدِثًا أو مَرَّ بها نائمًا كلَّ الوقوفِ، صحَّ وقوفُه عندَ السلفِ لا يَختَلِفُونَ في ذلك؛ وهو قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ. فضلُ الدعاءِ والذِّكْر بِعرفَة ومزدَلِفة: وليس في الآيةِ تفضيلُ الذِّكْرِ عندَ المَشْعرَ الحرامِ على الذِّكْرِ بعَرَفةَ؛ فإنَّ الذِّكْرَ والدعاءَ بعرفةَ أفضلُ، ولكنَّ اللهَ أرادَ بيانَ مشروعيَّةِ الإفاضةِ إلى مزدَلِفةَ والوقوفِ عندَها والمبيتِ فيها ذاكِرينَ اللهَ، لا كما يفعلُ أهلُ الجاهليَّةِ مِن تبديلٍ؛ فإنَّ قريشًا لا تَقِفُ بِعَرَفةَ، فكانت تشدِّدُ على نفسِها، ولا تخرُجُ في حجِّها مِن حدودِ الحرمِ، فتقفُ بمزدَلِفةَ ثمَّ تنصرِفُ إلى مِنًى، وكانوا يُسَمُّونَ أنفُسَهمُ الحُمْسَ مِن دونِ العربِ، إلا مَن تَحَمَّسَ

стр. 320

معها وهم قليلٌ، وكانت بقيةُ العربِ تقفُ بِعَرَفةَ وتنصرِفُ قبلَ غروبِ الشمسِ، فَبيَّنَ اللهُ هَدْيَهُ ومناسكَ الحجِّ للنَّاسِ على ما كان عليه الخليلُ إبراهيمُ؛ ولذا قال اللَّهُ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾، لا مِن مزدَلِفةَ؛ كما بَدَّلَتْ قريشٌ حيثُ كانت تُفِيضُ منها، ولمَّا ذكَرَ اللهُ الإفاضةَ مِن مزدَلِفةَ بعدَ عَرَفةَ، قال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾؛ يعني: العرب وقريشًا وغيرَهم، فكانوا كلُّهم يجتمعونَ في مزدَلِفةَ فيُفِيضُونَ منها؛ لأنَّهم لم يكونوا يختلِفونَ في الإفاضةِ من مُزْدَلِفةَ؛ وإنَّما يختلِفونَ في الإفاضةِ مِن عَرَفةَ. ولا خلافَ أنَّ المشعرَ الحرامَ هو مزدَلِفةُ؛ صَحَّ هذا عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، وابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، وسعيدِ بن جُبَيْرٍ، وعِكْرِمةَ، والحَسَنِ (١). وفي قولِهِ: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾: بيانُ فضلِ الذِّكْرِ عندَ تذكُّرِ النِّعَمِ، فمِن شُكْرِ النعمِ ذِكْرُ اللهِ عندَ تذكُّرِها؛ كما أنَّ تذكُّرَ الضلالِ بعدَ الهدايةِ، والجهلِ بعدَ العلمِ: يَكْسِرُ النَّفْسَ للخالقِ، وأنَّ مَن هَدَاها قادرٌ على إزاغتِها، ومَن عَلَّمَها قادرٌ على أنْ يُنْسِيَها. والمرادُ بالضلالِ في الآيةِ: الجهلُ وعَدَمُ العِلْمِ؛ كقولِهِ تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]. وبعدَما أمَرَ اللهُ بالإفاضةِ مِن مزدَلِفةَ، أمَرَ بالاستغفارِ: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ وفيه استحبابُ الاستغفارِ عندَ الانصرافِ مِن مزدَلِفةَ، والاستغفارُ في هذا الوقتِ أفضلُ الأذكارِ؛ فإنَّه يُستحَبُّ إظهارُ الافتقارِ بالاستغفارِ عندَ تمامِ الأعمالِ؛ حتى لا يُورِثَ تمامُ

стр. 321

الأعمالِ في النفوسِ تواكُلًا؛ فيَقَعَ الإنسانُ في الأمنِ والاتكالِ على عملِه؛ فيَنقطِعَ ويُسرِفَ على نَفْسِه. جمعُ الصلاتَيْن بمزدَلِفة: وفسَّرَ بعضُ السلفِ ذِكْرَ اللهِ بعدَ الإفاضةِ مِن عَرَفاتِ في الآيةِ بأنَّه جَمْعُ صَلَاتَيِ المغربِ والعشاءِ يومَ عَرَفةَ بمزدَلِفةَ؛ رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ، عن سفيانَ بنِ عُيَيْنَةَ (١). وقال به ابن جريرٍ، ورواهُ عن زكريَّا، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ: "أنَّها الصلاةُ بمزدَلِفةَ" (٢). وكلُّ ذلك: مقصودُ عمومِ الذِّكْرِ وإقامِ الصلاةِ فيها؛ ففِعلُ النبيِّ يُترجِمُ عمومَ القرآنِ، وكذا أصحابُهُ مِن بَعْدِه. وجمعُ الصلاتَيْنِ سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ عندَ عامَّةِ العلماءِ، تُجمَعانِ جمعَ تأخيرٍ بمزدَلِفةَ. وذهَبَ قلةٌ مِن الفقهاءِ: إلى وجوبِ الجمعِ. وكأنَّهم جعَلُوهُ مِن النُّسُكِ، أو جعَلُوا ذلك الجمعَ المؤخَّرَ بعَرَفةَ وقتًا للصلاةِ كمواقيتِ الصلاةِ الأُخرى، ومَن أدَّاها قبلَه كمَنْ أدَّى الصلاةَ قبلَ وقتِها، ولا قائلَ بذلك مِن السلفِ مِن الصحابةِ وكِبَارِ التابعينَ؛ وهو قولٌ لأبي حنيفةَ، وقال به ابنُ حَبِيبٍ مِن المالكيَّةِ؛ واستدَلُّوا بقولِ النبيِّ ﷺ لأسامةَ بنِ زَيْدٍ: (الصَّلَاةُ أَمَامَكَ) (٣)، فأمَرُوا مَن جَمَعَ بغيرِ مزدَلِفةَ وجاءَها قبلَ الفجرِ أنْ يُعِيدَ. وبعضُ الفقهاءِ يرى إعادةَ العشاءِ إنْ صلَّاها قبلَ مغيبِ الشَّفَقِ، وهو قولُ بعضِ أصحابِ مالكٍ وقولٌ للشافعيِّ.

стр. 322

والصحيحُ: أنَّ جَمْعَ الصلاتَيْنِ بمزدَلِفةَ، كالجمعِ بعَرَفةَ ومِنًى لغيرِ أهلِ مكةَ: جَمْعُ سَفَرٍ، لا جَمْعُ نُسُكٍ، ولكنْ يُقتدَى بالنبيِّ ﷺ في تقديمِ الصلاتَيْنِ بعَرَفةَ، وتأخيرِ الصلاتَيْنِ بمزدَلِفةَ؛ للانشغالِ بالدعاءِ، ولأنَّه أيسَرُ للمُفِيضِ مِن عَرَفةَ. المبيتُ بمزدَلِفةَ وحكم التعجُّلِ: ومزدَلِفةُ كلُّها مَبِيتٌ ومَوْقِفٌ، لا يفضُلُ بعضُها على بعضٍ باتِّفاقِ السلفِ؛ وإنَّما وقَفَ النبيُّ في مكانٍ منها اتِّفاقًا، لا اختيارًا وتفضيلًا عن بقيَّةِ المشعرِ الحرامِ. ويُستحَبُّ الوقوفُ بعدَ صلاةِ الفجرِ بمزدَلِفةَ قليلًا، ثمَّ يُفِيضُ الحاجُّ قبلَ طلوعِ الشمسِ إلى مِنًى ليَرْمِيَ الجمرةَ، والمَبِيتُ واجبٌ إلى صلاةِ الفجرِ، والوقوف بعدَ الفجرِ سُنَّةٌ. ويجوزُ الدفع للضَّعَفَةِ مِن المَرْضَى وكبارِ السنِّ والأطفالِ، وكذلك الصحيحُ إنْ كان مرافقًا لضعيفٍ أنْ يدفَعَ معه منتصَفَ الليلِ، أو بعدَ مَغِيبِ القمرِ، والقويُّ الحارسُ للضَّعَفَةِ والقائدُ لهم وخادمُهُمْ يأخُذُ حُكْمَهم، ومِثْلُهم مَن خَشِيَ فواتَ رُفْقَتِهِ مِن الضَّعَفَةِ يدفَعُ معهم متعجِّلًا ولو كان في نفسِهِ قويًّا؛ فقد كان مَوْلَى أسماءَ يدفَعُ معها؛ وهي مِن الضَّعَفَةِ، وهو قويٌّ. وقولُهُ تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾، المرادُ بقضاءِ المناسكِ: هي أعمالُ يومِ النَّحْرِ؛ قاله مجاهدٌ (١). قال عطاءٌ: قضَيْتُمْ حَجَّكم (٢). وبهذه الآيةِ يُستدَلُّ لمَنْ قال بركنيَّةِ الوقوفِ بمزدَلِفةَ؛ لأنَّ اللهَ جعَلَ

стр. 323

قضاءَ المناسكِ بها، وهو قولُ قِلَّةٍ مِن السلفِ، قال به بعضُ أصحابِ الشافعيِّ كابنِ خُزَيْمَةَ، وأظهَرُ ما استدَلُّوا به حديثُ عُرْوةَ بنِ المُضَرِّسِ؛ رواهُ أحمدُ، وأهلُ "السننِ"؛ مِن حديثِ الشَّعبيِّ، عن عُرْوةَ بنِ مضرِّسِ بنِ حارثةَ بنِ لَامٍ؛ قال: أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ وهو بجَمْعٍ، فقلتُ له: هل لي مِن حَجٍّ؟ فقال: (مَن صَلَّى مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ فِي هَذَا المَكَانِ، ثُمَّ وَقَفَ مَعنَا هذا المَوْقِفَ حَتَّى يُفِيضَ الإِمَامُ، أَفَاضَ قَبْلَ ذلك مِنْ عَرَفَاتٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ) (١). وفي المبيتِ بمزدَلِفةَ أقوالٌ، أشهرُها ثلاثةٌ: أنَّه ركنٌ؛ وقد سبَقَ. وقال الجمهورُ بوجوبِهِ، ويجبُ على تاركِه دمٌ. وقال بعضُهم بأنَّه سُنَّةٌ. والأظهرُ: وجوبُ المبيتِ بمزدَلِفةَ، واستحبابُ الوقوفِ بها. وقد صحَّ عن عُمَرَ: أنَّه أمَرَ رجلًا فَاتَهُ الوقوفُ بعَرَفةَ أنْ يذهَبَ ليلًا إلى عَرَفَةَ لِيَقِفَ ويَرجِعَ؛ فوقَفَ وصلَّى عمرُ الفجرَ، ولم يَرْجِعِ الرجلُ ووقَفَ عمرُ على راحلتِهِ ينتظرُهُ، ولو كان المَبِيتُ واجبًا، لَمَا انتَظَرَهُ ودفَعَ به مِن مزدَلِفةَ. والأَثَرُ رواهُ سعيدُ بنُ منصورٍ، ويتضمَّنُ صحةَ الوقوفِ ليلًا بعَرَفةَ ولو لم يقفْ مِن النهارِ شيئًا. وقولُه تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً

стр. 324

وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ كانتِ العربُ شديدةَ المُفاخَرةِ بأنسَابِها وأحسابِها، وصنائعِ آبائِها وأجدادِها، واتَّخَذَتْ مِن مَجَامِعِها في الحجِّ في الجاهليَّةِ مواضعَ لذلك تذكُرُ آباءَها وتفاخِرُ بهم؛ رُوِيَ هذا المعنى عن ابنِ عباسٍ، وأنسٍ، وابنِ الزبيرِ، ومحمدِ بنِ كعبٍ (١). وروى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: "كان أهلُ الجاهليَّةِ يَقِفُونَ في المَوْسِمِ، فيقولُ الرجلُ منهم: كان أبي يُطْعِمُ ويَحْمِلُ الحَمَالاتِ، ويَحْمِلُ الدِّيَاتِ، ليس لهم ذِكْرٌ غيرُ فِعَالِ آبائِهم، فأنزَلَ اللَّهُ على محمَّدٍ ﷺ : ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ " (٢). وذَكَّرَ اللهُ عِبادَهُ بأمرِ الآخِرَةِ، لا كما يفعلُهُ العربُ في الجاهليَّةِ مِن استغلالِ المناسِكِ للدعاءِ بالرخاءِ في الدُّنْيا والسَّعةِ فيها؛ فعن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: "كان قومٌ من الأعراب يَجِيئُونَ إلى المَوْقِفِ، فيقولونَ: اللهمَّ، اجْعَلْهُ عامَ غَيْثٍ، وعامَ خِصْبٍ، وعامَ وِلادٍ حَسَنٍ؛ لا يَذْكُرونَ مِن أمرِ الآخِرةِ شيئًا؛ فأنزَلَ اللَّهُ فيهم: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ " (٣). ثمَّ ذَكَرَ اللهُ الحالَ الصالحةَ، فمدَحَها في قولِهِ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. وهي حالُ قومٍ مِن الحاجِّ سَأَلُوا اللهَ دُنْيَا وآخِرةً؛ فجعَلَ اللهُ لهم نصيبًا ممَّا سَأَلُوا، ولم يَلُمْهُمْ على سؤالِ الدُّنيا مع الآخِرةِ، ولا في تقديمِ الدُّنيا في الدعاءِ على الآخِرةِ؛ رحمةً منه وسَعَةً على عِبَادِه. وفي الآيةِ: استحبابُ الإجمالِ في الدعاءِ، وسؤالِ اللهِ مِن عمومِ

стр. 325

فَضْلِه؛ فإنَّ سؤالَ اللهِ حَسَنةَ الدُّنْيا: كافٍ في قضاءِ اللهِ لمطلوبِ العَبْدِ؛ لأنَّ اللهَ أعلَمُ بما يُصلِحُهُ وما ينفَعُهُ، ومِثلُهُ سؤالُ اللهِ حَسَنةَ الآخِرةِ، فيه تسليمُ أمرِ العبدِ للهِ، وإيكالُ ذلك إلى كَرَمِ اللهِ وفَضْلِهِ وإحسانِه. وفي هذه الآياتِ: سَعَةٌ على الأُمَّةِ في العملِ للدُّنْيا في الحجِّ بما لا يفوِّتُ مَنَاسِكَهُ، ويَقْدَحُ في نِيَّتِه، مِنَ التجارةِ والإجارةِ والصناعةِ وغيرِ ذلك، وقد كان ابنُ عباسٍ يَستدِلُّ بهذه الآيةِ على كلِّ انتفاعٍ دنيويٍّ يحتاجُ إليه العبدُ في مَنَاسِكِهِ ولو وجَدَهُ في غيرِه؛ فقد روى ابنُ أبي حاتمٍ، والحاكمُ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، قال: "جاءَ رجلُ إلى ابنِ عباسٍ، فقال: إنِّي أَجَّرْتُ نفسي مِن قَوْمٍ على أنْ يَحْمِلُونِي، ووَضَعْتُ لهم مِن أُجْرَتِي على أنْ يَدَعُونِي أَحُجُّ معهم، أفيُجْزِي ذلك؟ فقال: أنتَ من الذين قال اللهُ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ " (١). * * * قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. في الآيةِ: استحبابُ ذِكْرِ اللهِ في الأيَّامِ المعدوداتِ، وهُنَّ أيامُ التشريقِ؛ أيامُ مِنًى؛ رُوِيَ هذا عن عليٍّ وابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ (٢). وأكثرُ الصحابةِ: على أنَّ الأيامَ المعدوداتِ أربعةٌ، ورُوِيَ عن عليٍّ أنَّها ثلاثةٌ: يومُ الأضحَى ويومانِ بعدَهُ (٣)، ولعلَّهُ قصَدَ حالَ المتعجِّلِ؛

стр. 326

لأنَّ الآيةَ ظاهِرةٌ في أنَّها ثلاثةُ أيامٍ بعدَ يومِ النحرِ؛ فلا خلافَ عندَ العلماءِ أنَّ التعجُّلَ يكونُ في اليومِ الثانيَ عشَرَ، وهو ثاني أيامِ التشريقِ بعدَ يومِ النحرِ، وأنَّ التأخُّرَ إنَّما هو في اليومِ الثالثِ. والمعدوداتُ هنَّ المعلوماتُ التي ذكَرَها اللهُ في سورة الحجِّ: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، وذِكْرُ اللهِ شكرٌ لِنِعَمِهِ، ومنها بهيمةُ الأنعامِ المنحورةُ والمطعومةُ في مِثْلِ هذه الأيامِ؛ لهذا كانت أيامُ التشريقِ أيامَ أَكْلٍ وشربٍ، وجاء النهيُ عن صومِها للحاجِّ وغيرِه، إلا لمَنْ لم يَجِدِ الهَدْيَ مِنَ المتمتِّعِ والقارِنِ، وفاتَهُ الصومُ قبلَ عَرَفةَ، فيصومُها أيامَ التشريقِ ثلاثةَ أيامٍ، وسبعةً إذا رجَعَ إلى أهلِهِ. وأفضلُ الذِّكْرِ أيامَ التشريقِ هو التكبيرُ، يكبِّرُ الناسُ مطلَقًا في كلِّ حِينٍ، وخاصَّةً أدبارَ الصلواتِ، بَدْءًا مِن صلاةِ الفجرِ يومَ عَرَفةَ حتى صلاةِ العصرِ مِن آخِرِ أيامِ التشريقِ، وهو الثالثَ عشرَ مِن ذي الحِجَّةِ. ويُستحَبُّ التكبيرُ في مواضعِ الصلاةِ في المسجدِ؛ كما رواهُ عمرُو بنُ دِينارٍ، عن ابنِ عباسٍ، ورواهُ الحَكَمُ، عن عِكْرِمةَ؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ وغيرُه (١). ويكبِّرُ الحاجُّ وغيرُ الحاجِّ فيها كذلك في المساجدِ والأسواقِ؛ صحَّ هذا عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وأبي هريرةَ، وغيرِهم مِن السَّلَفِ؛ فقد كان عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ يكبِّرُ في قُبَّتِهِ، فيكبِّرُ أهلُ السوقِ بتكبيرِهِ؛ حتى ترتجَّ مِنًى تكبيرًا (٢). وقولُه تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ

стр. 327

عَلَيْهِ﴾؛ يعني: لا ذَنْبَ عليه؛ صحَّ هذا عن ابنِ عباسٍ (١). وروى علقمةُ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: "قد غَفَرَ اللهُ له ذنوبَهُ" (٢). ومُرادُ ابنِ مسعودٍ: يعني: بتمامِ حَجِّهِ كغيرِهِ يستحقُّ تكفيرَ الذنوبِ وبلوغَ الفريضةِ؛ ولذا قَيَّدَ رَفْعَ الإثمِ بقولِه: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾؛ يعني: ترَكَ المحظوراتِ، وفعَلَ المأموراتِ، فلم يفرِّطْ في نُسُكِه؛ ولذا قال أبو العاليةِ، والربيعُ بنُ أنسٍ: "ذهَبَ إثمُهُ كلُّه إنِ اتَّقَى اللهَ فيما بَقِيَ" (٣). وفي هذا: تنبيهٌ إلى أنَّ الذنوبَ تؤثِّرُ في تكفيرِ الحجِّ للذنوبِ؛ كما في الحديثِ الذي في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: (مَنْ حَجَّ للهِ فَلَم يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) (٤). حكمُ التعجُّلِ ثاني أيام التشريق: وفي هذه الآيةِ: أنَّ مَن أرادَ النَّفْرَ يومَ الثانيَ عشَرَ مِن ذي الحِجَّةِ قبلَ غروبِ الشمسِ، فلا حَرَجَ عليه ما لم تغرُبْ عليه الشمسُ وهو في رَحْلِهِ باقيًا بِمنًى، فيجبُ عليه المَبِيتُ إلى الغدِ. قال هذا عمرُ، وابنُه ابنُ عُمَرَ، وعطاءٌ، وطاوُسٌ، والنَّخَعيُّ، وغيرُهم (٥). والأفضلُ التأخُّرُ؛ لفِعْلِهِ ﷺ . والتعجُّلُ يكونُ بعدَ الزوالِ؛ أيْ: بعدَ صلاةِ الظهرِ وقبلَ غروبِ الشمسِ مِن اليومِ الثانيَ عشرَ. ورخَّصَ بعضُ العلماءِ للمتعجِّلِ الخروجَ قبلَ الزوالِ؛ كأحمدَ، ورُوِيَ عن بعضِ السلفِ؛ كابنِ عباسٍ وعِكْرِمةَ.

стр. 328

حكمُ المبيتِ بمنًى: وفي الآيةِ: دليلٌ على وجوبِ المبيتِ أيامَ مِنًى؛ لأنَّ اللهَ رَخَّصَ للتعجِّلِ، ورفَعَ الإثمَ عنه، ولازِمُهُ: وقوعُ الحَرَجِ والإِثْمِ على تارِكِ المَبِيتِ كلِّه. ويرخَّصُ لِمَنْ يقومُ بشأنِ الحاجِّ مِن الرُّعَاةِ والسُّقَاةِ والسائِقِينَ والخَدَمِ والعُمَّالِ والحُرَّاسِ بتركِ المبيتِ؛ كما رخَّصَ النبيُّ ﷺ للرعاةِ والسقاةِ بتركِ المبيتِ لصالحِ الناسِ لا لصالحِهم. ومَن لم يَجِدْ موضعًا يَبِيتُ فيه، باتَ في أيِّ موضعٍ مِن مَكَّةَ على الصحيحِ، ولا يجبُ محاذاةُ مِنًى والقربُ منها؛ إذْ لا دليلَ عليه. والمَبِيتُ الذي يسقُطُ به الواجبُ هو المبيتُ ليلًا؛ فلا يصدِّقُ على البقاءِ نهارًا: مَبيتٌ؛ لا في لغةِ العربِ، ولا في اصطلاحِ الشرعِ، وأكثرُ الليلِ أو شَطْرُهُ يتحقَّقُ به المبيتُ، ولا يَلْزَمُ من المبيتِ النومُ ولا الاضطجاعُ. ولا يلزَمُ المَبِيتُ مَن لا يَجِدُ إلا سَكَنًا غاليًا، أو لا سَكَنَ له إلا الطُّرُقَاتُ؛ فليستْ موضعًا يجوزُ البقاءُ فيه؛ لِكَرَاهةِ ذلك؛ فالشارعُ نَهَى عن الجلوسِ في الطُّرُقاتِ إلَّا مِن بُدٍّ؛ فلا يُتعبَّدُ للهِ بذلك. ولا يقيَّدُ وجوبُ المَبِيتِ بأنْ يصلُحَ المكانُ لمِثْلِهِ؛ وهذا شرطٌ لا وجهَ له؛ فإنَّ مِنًى منذُ تاريخِ الإسلامِ، وهي مُنَاخُ مَن سبَقَ إليها بسَهْلِها وجَبَلِها، وليس مِثْلُها مَبِيتًا لأحدٍ عادةً، وكان الأمراءُ والعلماءُ والوُجَهاءُ والأغنياءُ يَبِيتُونَ في موضعٍ واحدٍ مع المأمورينَ والجُهَّالِ والضعفاءِ والفقراءِ، ومَنْ وجَدَ مكانًا يَبِيتُ فيه غيرَ الطريقِ وما فيه مصالحُ الناسِ مِن الميادينِ العامَّةِ، وجَبَ عليه ولو كان وزيرًا أو أميرًا أو مَلِكًا.

стр. 329

قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨]. ذكَرَ اللهُ صفاتِ الناسِ ومَرَاتِبَهم؛ منهم: مَنْ يُريدُ الدُّنْيا، ومنهم: مَنْ يُرِيدُ حَسَنةَ الدُّنْيا والآخِرةِ، ومنهم. مَنْ يَشْرِي نفسَهُ ابتغاءَ مَرْضاةِ اللهِ، ومنهم: مَنْ يُضمِرُ الشَّرَّ للناسِ والإفسادَ لهم، ويُقسِمُ على خلافِ ذلك، ثمَّ خاطَبَ اللهُ بندائِهِ أهلَ الإيمانِ أنْ يدخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً، والسِّلْمُ: بكسرِ السينِ وفتحِها، مع سكونِ اللامِ؛ قرَأَ نافعٌ وابنُ كَثِيرٍ والكِسَائيُّ وأبو جعفرٍ: بفتحِ السينِ، والباقونَ مِن العشرةِ: يَقرؤونَها بكسرِ السينِ، وهو مشتقٌّ مِن السَّلَامةِ، وهو الاستسلامُ والانقيادُ لِمَا أُمِرَ به الإنسانُ أو أَلْزَمَ به نفسَهُ. و"السِّلْمُ" في كلامِ المفسِّرينَ مِن السلفِ والخلفِ محمولٌ على مَعَانٍ، جِمَاعُها مَعْنَيَانِ: أوَّلُهما: الاستسلامُ للهِ والانقيادُ له؛ بالدخولِ في دِيِنِهِ وامتثالِ أمرِهِ ونهيِهِ: ويُطلَقُ السِّلْمُ في كلامِ العربِ، ويرادُ به: الانقيادُ لله والاستسلامُ له بدين الإسلام؛ قال امْرُؤُ القَيْسِ بنُ عابسٍ الكِنْدِيُّ، حينَما ارتَدَّ قومُهُ عن الإسلامِ: دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ لَمَّا … رَأَيْتُهُمُ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَا فَلَسْتُ مُبَدِّلًا بِاللهِ رَبًّا … وَلَا مُسْتَبْدِلًا بِالسِّلْمِ دِينَا وهذا الذي عليه المفسِّرونَ مِن السلفِ؛ رواهُ ابنُ جريرٍ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ؛ قال: "السِّلْمُ: الإسلامُ" (١). ورواهُ العَوْفِيُّ عن ابنِ عباسٍ.

стр. 330

وجاء عن قتادةَ والسُّدِّيِّ والضحَّاكِ والربيعِ (١). وروى ابنُ جريرٍ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عِكْرِمةَ؛ قولَه: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾؛ قال: نزَلَتْ في ثَعْلَبةَ، وعبدِ اللهِ بنِ سَلَامٍ، وابنِ يَامِينَ، وأَسَدٍ وأُسَيْدٍ ابنَيْ كعبٍ، وسَعْيَةَ بنِ عمرٍو، وقيسِ بنِ زَيْدٍ - كلُّهم مِن يَهُودَ - قالوا: يا رَسُولَ اللهِ، يومُ السبتِ يومٌ كُنَّا نُعَظِّمُهُ، فَدَعْنَا فَلْنُسْبِتْ فيه! وإنَّ التَّوْراةَ كتابُ اللهِ، فدَعْنا فلْنَقُمْ بها بالليلِ! فنزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (٢). وهذا المعنى في الآيةِ هو كمعنى الآياتِ الدالَّةِ على وجوبِ دخولِ الناسِ في الإسلامِ وحدَهُ لا سواهُ؛ كقولِهِ تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]، وما في البخاريِّ؛ قال النبيُّ ﷺ : (وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ) (٣). وما في "صحيحِ مسلمٍ"، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ ؛ قال: (وَالذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؛ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالذي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) (٤). ومعنى الآيةِ هذا: هو الصحيحُ، والذي عليه المفسِّرونَ مِن السلفِ؛ وهو الأرجحُ.

стр. 331

وأمَّا قولُه في الخِطَابِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فالمرادُ: مَن آمَنَ بمَنْ قبلَهُ مِن إخوانِهِ وآبائِهِ الأنبياءِ. وقيلَ: أُرِيدَ بالذين آمَنُوا الذين أظهَرُوا الإيمانَ نفاقًا؛ وذلك لأنَّ الآيةَ جاءت بعدَ قولِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢٠٤]، وهم مُنافِقونَ، وهو نوعُ تهكُّم بإيمانِهِمُ الظاهرِ الذي يكذِّبُونَ به باطنًا؛ كما في قولِهِ: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]؛ وهذا تهكُّمٌ باطلٌ مِن المشرِكِينَ بنبيِّ اللهِ ﷺ . ثانيهما: السِّلْمُ بمعنى تركِ الحربِ والقتالِ؛ قال زُهَيْرُ بنُ أبي سُلْمَى: وَقَدْ قُلْتُمَا إِنْ نُدْرِكِ السِّلْمَ وَاسِعًا … بِمَالٍ وَمَعْرُوفٍ مِنَ الأَمْرِ نَسْلَمِ الفرقُ بين السَّلْمِ والسِّلْمِ: وفرَّقَ بعضُهم بينَ السَّلْمِ بفتحِ السينِ، والسِّلْمِ بكسرِها؛ وهو قولُ أبي عمرِو بنِ العلاءِ؛ فجعَلَ السِّلْمَ بكسرِ السينِ: الإسلامَ، والسَّلْمَ بالفتح: المسالَمةَ؛ ولذلك قرَأَ الآيةَ في هذا الموضعِ بكسرِ السينِ: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ فقطْ، وقرَأ التي في سورةِ الأنفالِ، والتي في سورةِ محمدٍ ﷺ : بفتحِ السينِ، وفَتحُ السينِ عندَهُ مِن السلامةِ، وهي تركُ الحربِ. والمعنيانِ في الإسلامِ صحيحانِ، ولكنْ في هذه الآيةِ: فالأولُ هو الصحيحُ؛ وذلك أنَّ اللهَ لم يأمُرِ النبيَّ ﷺ في موضعٍ بالدخولِ في المسالَمَةِ مع كلِّ أحدٍ بإطلاقٍ؛ لأنَّ الأمرَ بالمسالَمَةِ بإطلاقٍ بلا تفريقٍ بينَ قوةٍ وضعفٍ، ومصلحةٍ ومفسدةٍ: يقتضي المحافظةَ على نِدِّيَّةِ الكفرِ للإسلامِ، وتساوِي الهيمنةِ بينَهما، وهذا يُخالِفُ الأصولَ والمقصدَ مِن دعوةِ التوحيدِ وأحكامِ الدِّينِ وحدودِه وفريضةِ الجهادِ.

стр. 332

ولذا قال ابنُ جَرِيرٍ: "أمَّا دُعَاؤُهُمْ إلى الصُّلْحِ ابتداءً، فغيرُ موجودٍ في القرآنِ" (١). وقد نُهِيَ النبيُّ ﷺ عن الدعوةِ إلى الصلح في بعضِ الأحوالِ؛ وذلك في قولِهِ تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]، وهذا يُنافي إطلاقَ الآيةِ في قولِه: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾. وحَمْلُ الآيةِ على معنى المصالَحةِ والمسالَمةِ في الحربِ: لا أعلمُ مَن قالَهُ مِن الصحابةِ والتابعينَ، وإنَّما هو قولٌ لبعضِ مَنْ جاء بعدَهم؛ فقد أشارَ إليه ابن جريرٍ، ولم يَنْسُبْهُ إلى أحدٍ، وقال به بعضُ المتأخِّرين. مهادنةُ العدوِّ ومسالَمَتُهُ: وعلى هذا المعنى - لو صَحَّ -: فليس المرادُ به الإطلاقَ قطعًا، فقد كان بينَ المؤمِنِينَ والمشرِكِينَ عهدُ سلامٍ في الحُدَيْبِيَةِ، واللهُ أمَرَ بقتالِهم عندَ عدمِ وفائِهم وعندَ نَقْضِهم للعهدِ وتربُّصِهم بالمؤمنينَ، ولكنْ لمَّا دخَلَ المؤمنونَ مكةَ مُعتَمِرِينَ، بَقيَ عهدُ الحُدَيْبِيَةِ على ما هو عليه، فوجَبَ على المؤمِنِينَ الالتزامُ به والدخولُ فيه كافَّةً عامَّتُهم وخاصَّتُهم؛ لأنَّهم يدٌ واحدةٌ على مَنْ سِوَاهُم. وعلى هذا المعنى أيضًا - "السلمُ"؛ أيِ: المسالَمَةُ -: ففي الأمرِ بالعهدِ للجميعِ خاصَّةً وعامَّةً: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾؛ أيْ: كلُّ مؤمنٍ - دليلٌ على أنَّ العهدَ يُنقَضُ ولو مِن فئةٍ قليلةٍ مِن الطرَفَيْنِ ولو لم يَقَعْ مِن جميعِهم، ويَقَعُ مِن الواحدِ منهم النقضُ لو سكَتَ الباقونَ، أو ظهَرَ ما يبدو معه رضاهُمْ عليه أو إعانتُهُمْ له، أو نقَضَ وهو بين ظَهْرَانَيْهِمْ وترَكُوهُ وآوَوْهُ أو مدَحُوهُ أو لم يُعاقِبُوهُ مع القُدْرةِ على ذلك.

стр. 333

تلازُمُ عهدُ الحليف يُلزِمُ جميعَ حلفائه: وإذا انتقَضَ عهدُ جماعةٍ، انتقَضَ عهدُ حُلَفَائِهم، إنْ لم يكن للحلفاءِ عهدٌ خاصٌّ لم ينقُضُوهُ؛ فقد ثبَتَ في "الصحيحِ"، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ؛ قال: "كانت ثَقِيفُ حُلَفَاءَ لِبَنِي عُقَيْلٍ، فَأسَرَتْ ثَقِيف رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَسَرَ أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلًا مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ، وَأَصَابُوا مَعَهُ العَضْبَاءَ، فَأَتَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ فِي الوَثَاقِ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! فَأَتَاهُ فَقَالَ: (مَا شَأْنُكَ؟ )، فَقَالَ: بِمَ أخَذْتَنِي وَبِمَ أَخَذْتَ سَابِقَةَ الحَاجِّ؟ فَقالَ إِعْظَامًا لِذلك: (أخَذْتُكَ بِجريرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيف)، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ، فنادَاهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ! وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَحِيمًا رَقِيقًا؛ فَرَجَعَ إِلَيهِ فَقَالَ: (مَا شَأْنُكَ؟ )، قَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ، قَالَ: (لَو قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ، أَفْلَحْتَ كُلَّ الفَلَاحِ)، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ. . ."، الحديثَ (١). وأَكَّدَ اللهُ لزومَ الوفاءِ بالعهدِ والسلمِ بقولِه: ﴿ادْخُلُوا﴾؛ لأنَّ الدخولَ انغماسٌ داخلَ الشيءِ، لا مجاوَرَةٌ له. أحوالُ طلبِ المسالَمَةِ: وطلبُ السلامِ بينَ المؤمنينَ والمشرِكِينَ على حالتَيْنِ: الحالةُ الأُولى: في حالِ ضعفِ المؤمنينَ وقِلَّتِهم، وقوةِ الكافرينَ قوةً ظاهرةً غالبةً؛ فهُنا: يَجْنَحُ المؤمنونَ للسَّلْمِ. قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]، وكما في قولِه: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ على التفسيرِ المتأخِّرِ لها، فهم سالَمُوا المشرِكِينَ لمصلحةِ دخولِهم المسجدَ الحرامَ، لا سلمًا يدفَعُونَ به شَرًّا عامًّا، ولكنْ لمَّا أرادَ المسلِمُونَ القُرْبَ مِن دارِهم وقرارِهِمْ، ودخولَ

стр. 334

بلدِهِمْ مكةَ، كانتِ المصلحةُ قائمةً بالمسالَمةِ؛ لِيَضْمَنُوا سلامةَ أنفُسِهم. ولم يأمُرِ اللهُ نبيَّهُ أن يطلُبَ المشرِكِينَ إلى المسالَمَةِ ابتداءً؛ لأنَّ طلَبَها نوعُ ضعفٍ، ويُورِثُ المسلِمِينَ ركونًا ودَعَةً وخِذْلانًا، وهذه الآيةُ على ضَعْفِ كونِها في سلمِ الحربِ، فهي وقعَتِ ابتداءً مِن المشرِكِينَ في الحُدَيْبِيَةِ. وبقاءُ المسلِمِينَ في حالةِ حربٍ مع عدوِّهم يجعلُهُم يُعِدُّونَ العُدَّةَ ويتقوَّوْنَ ويتهيَّبونَ عدوَّهم ويرقُبُونَ منه سُوءًا؛ وهذا يَزيدُ مِن لُحْمَتِهم في داخِلِهم وتآلُفِهم على دِينِهم؛ فوجودُ العدوِّ الخارجيِّ يحصِّنُ الأُمَّةَ مِن داخِلِها، وإنْ عُطِّلَ الجهادُ، انشغَلَ المسلِمُونَ فيما بينَهم بالخلافِ على الجزئيَّاتِ، واقتَتَلُوا على التفاهاتِ. ولأنَّ إطالةَ السلمِ يعني شِدَّةَ المخالَطةِ للمشرِكِينَ ودوامَها؛ فتذوبُ الفِطَرُ، ويُعجَبُ المؤمِنُ بالكافرِ، ويجسُرُ المسلِمُونَ على مساكَنَةِ المشرِكِينَ في بُلْدانِهم، وتظهَرُ الرِّدَّةُ ويظهرُ النِّفاقُ، وفي كلِّ زمنٍ يغيبُ فيه الجهادُ يضعُفُ الإيمانُ، وتظهرُ الردةُ، ويكثُرُ الوهنُ والاختلافُ في الفروعِ والجزئيَّاتِ؛ لأنَّ الإنسانَ جُبِلَ على الجدالِ والمنازَعةِ؛ ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]، فإذا غاب الجَدَلُ في الأصولِ، انشغَلُوا بما دُونَهُ. والحالةُ الثانيةُ: في حالِ قوةِ المؤمنينَ قوةً تمكِّنُهُمْ مِن تحصينِ أنفسِهِمْ ومدافَعَةِ المشرِكِينَ وصَدِّهم ولو لم يَغلِبُوهم؛ فهذا سلمٌ لا يجوزُ؛ قال تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]. وحذَّر اللهُ مِن مخالَفَةِ أمرِهِ، وأنَّ كلَّ خطواتٍ تخالِفُ دِينَهُ؛ فهي مِن مسالِكِ الشيطانِ ومَدَارِجِهِ، وسمَّاها اللهُ: خُطُواتٍ؛ لأنَّ الشيطانَ

стр. 335

يتدرَّجُ بِخُطَاهُ في الإغواءِ فلا يَجْرِي ولا يُسرِعُ بل بخُطًا بطيئةٍ؛ ولذا قال: ﴿خُطُوَاتِ﴾؛ تقليلًا لها؛ لأنَّ خُطَا إبليسَ منفِّرةٌ ومخالِفةٌ للفِطْرةِ، فتحتاجُ إلى تدرُّجٍ وإيناسٍ كإيناسِ الخائفِ النافِرِ بإدخالِهِ إلى ما يَخافُهُ، وكخُطَا الداخِلِ مِن الظُّلمَةِ إلى النورِ فيتدرَّج بالدخولِ، ولا يَعْجَلُ حتى يأنَسَ بنفسِهِ. واللهُ وصَفَ الشيطانَ بالعداوةِ للإنسانِ، والعداوةُ للإنسانِ على مَرَاتِبَ، أعلاها وأَبْيَنُها وضوحًا العداوةُ التي لا ينتفِعُ منها المعتدِي؛ وإنَّما يفعلُها كيدًا ومَكْرًا بالعدوِّ، وهذه عداوةُ إبليسَ، فليس له انتفاعٌ مِن عداوةِ الإنسانِ؛ ولذا وصَفَ اللهُ عداوتَهُ بالمُبِينةِ: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. وقد تقدَّم الكلامُ على عداوةِ إبليسَ عند قولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨]. * * * قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥]. قال بعضُهم كالسُّدِّيِّ: إنَّ الآيةَ نزَلَتْ قبلَ الزكاةِ، ثمَّ نسَخَتْها آياتُ الزكاةِ (١)؛ وهذا القولُ فيه نظرٌ، ولو قيلَ بذلك، لكانت آياتُ الزكاةِ ناسخةً لكلِّ حَثٍّ على النفقةِ والصدقةِ؛ وهذا لا يقولُ به قائلٌ. الصدقةُ وأفضَلُها: والآيةُ في فضلِ النفقةِ على الأَقْرَبِينَ والصدقةِ عليهم، ولا خلافَ

стр. 336

أنَّها أفضلُ من الأَبْعَدِينُ، بل دَلَّ الدليلُ أنَّ الهديَّةَ على الأقرَبِينَ أفضلُ مِنَ الصدقةِ على الأبعَدِينَ مِن غيرِ سرَفٍ في قريبٍ، ولا مَسْغَبَةٍ في بعيدٍ. ولم يذكُرِ اللهُ النفقةَ على النَّفْسِ؛ للعِلْمِ بها، فالنفسُ أحقُّ بمالِ صاحِبِها مِنْ غيرِه، والمرادُ: الكفايةُ، وسدُّ الحاجةِ، وقِوَامُ البَدَنِ، وسَتْرُ العورةِ، وسَتْرُ النفْسِ عن السؤالِ، وقد جاء في الحديثِ في "الصحيحِ"، عن جابرٍ؛ قال ﷺ : (ابْدَأْ بنَفْسِكَ، فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ، فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ، فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ، فَهَكَذَا وَهَكَذَا)؛ يَقُولُ: فَبَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ (١). ثمَّ بعدَ سَدِّ ضرورةِ النفسِ يُنفِقُ على الأقرَبِينَ، وأعظَمُهُمُ الوالدانِ بلا خلافٍ، ثمَّ أحقُّهُمْ في ذلك، وهم الأولَادُ والزَّوجةُ، فالإخوةُ والأخواتُ، والأعمامُ والأخوالُ. وفي "الصحيحَيْنِ"؛ قال ﷺ : (ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ) (٢). وروى النَّسَائيُّ؛ مِن حديثِ طارقٍ المُحَارِبِيِّ؛ قال: قَدِمْنَا المدينةَ فإذا رسولُ اللهِ ﷺ قائمٌ على المِنْبرِ يخطُبُ الناسَ وهو يقولُ: (يَدُ المُعْطِي العُلْيَا، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ: أُمَّكَ وَأبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ) (٣). وفي "المسندِ"؛ مِن حديثِ أبي رِمْثَةَ بنحوِهِ (٤). إعطاءُ الزكاةِ للأقرَبِينَ: وهذه الآيةُ في النفقةِ عامَّةً، فليست في أحكامِ الزكاةِ ومصارفِها،

стр. 337

وليس فيها دليلٌ على إعطاءِ مَنْ تجبُ نفقتُهُ مِنَ الزكاةِ كالوالدَيْنِ والأولادِ؛ فهذه الآيةُ نزلَتْ فيَ نزولِ سورةِ التوبةِ التي بها تعيينُ مصارفِ الزكاةِ وأهلِها، ومَنْ تجبُ على الإنسانِ نفقتُهُ لا يجوزُ أن يُعطِيَهُ نفقتَهُ مِن زكاةِ مالِهِ بالانِّفاقِ، ومَنْ لا تجبُ عليه نفقتُهُ ولا يرتدُّ إليه نفعُ زكاتِهِ كانتفاعِ الزوجةِ بزكاةِ مالِها لزوجِها، فاتَّفَقُوا أنَّ مَنْ لم تكنْ حالُهُ كذلك، فإنَّه يجوزُ أنْ يُعطَى مِن الزكاةِ. وإنَّما يختلِفُ العلماءُ في منع الزكاةِ؛ لاختلافِهم فيمَنْ تجبُ النفقةُ عليهم مع القُدْرةِ عليها؛ فهذه المسألةُ فرعٌ عن تلك غالبًا، وخلاصةُ ذلك: أنَّ ما اتَّفَقَ العلماءُ على أنَّه تجبُ نفقتُهُ على الإنسانِ: أنَّه لا يُعطَى نفقةً مِن زكاةِ مالِهِ، واتَّفَقُوا على الوالدَيْنِ والأولادِ في أمرِ النفقةِ؛ كما حكى إجماعَهم ابنُ المُنذِرِ، وأبو عُبيدِ القاسمُ بنُ سَلَّامٍ. وهذا الذي عليه الصحابةُ؛ كعليٍّ وابنِ عباسٍ، ولا مخالِفَ لهما مِن الصحابةِ. فقد روى البيهقيُّ في "سُنَنِهِ"، عن عبدِ اللهِ بنِ المختارِ، عن عليٍّ؛ قال: "لَيْسَ لِوَلَدٍ وَلَا لِوَالِدٍ حَقٌّ فِي صَدَقَةٍ مَفْرُوضَةٍ، وَمَن كَان لَهُ وَلَدٌ أَوْ وَالِدٌ فَلَم يَصِلْهُ، فَهُوَ عَاقٌّ" (١). وروى أبو عُبَيْدٍ وعبدُ الرَّزَّاقِ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ: "لَا بَأْسَ بأَنْ تَضَعَ زَكَاتَكَ فِي مَوْضِعِها، إذَا لم تُعْطِ مِنهَا أَحَدًا تَعُولُهُ أَنْتَ؛ فَلَا بَأْسَ بِهِ" (٢). واختَلفُوا في غيرِ النَّفقةِ على مَنْ تجبُ نفقتُهُ؛ كأنْ يكونَ أحدُ

стр. 338

الوالدَيْنِ أو الأولادِ مجاهِدًا في سبيلِ اللهِ أو غارِمًا، فهل يُعطَى الوالدُ مِن زكاةِ ابنِهِ، ويُعطَى الابنُ مِن زكاةِ والدِهِ؛ لكونِهِ مِنْ أهلِ ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] أو ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠]؛ فليس هذا مِن نففتِه؟ فهذا مِن مواضِعِ الخلافِ عندَهُمْ على قولَيْنِ: الأوَّل: ذهَبَ جماعةٌ مِن العلماءِ: إلى جوازِ إعطاءِ مَنْ تجبُ نفقتُهُ ولو كان والدًا أو ولدًا مِن غيرِ سَهْمِ الفقراءِ والمساكينِ؛ لأنَّ هذَيْنِ السهمَيْنِ نفقةٌ وحقٌّ، ويجوزُ إعطاؤُهُمْ في المكاتَبَةِ والغُرْمِ وفي سبيلِ اللهِ مِن الزَّكَاةِ؛ وهذا قولُ المالكيَّةِ والشافعيَّةِ، ورجَّحَهُ ابنُ تيميَّةَ. والثاني: ذهَبَ الحنابلةُ والحنفيَّةُ؛ فمَنَعُوا إعطاءَ الزكاةِ لِمَنْ تجبُ نفقتُهُ في جميع أَسْهُمِ الزكاةِ وأصنافِها، وأنَّ مَنِ احتاجَ منهم فيُعطَى من أصلِ المالِ حقًّا بما يقضِي حاجَتَهُ. وبعدَ اتِّفاقِهم في منعِ الزكاةِ نفقةً للوالدَيْنِ والأولادِ، اختلَفُوا فيمَن علا مِنَ الوالدَيْنِ؛ كالجَدِّ والجَدَّةِ، ومَن نزَلَ مِن الأولادِ كوَلَدِ الوَلَدِ، على قولَيْنِ: الأولُ: قالوا: إنَّ حُكْمَ الأجدادِ كحُكْمِ الآباءِ، وحُكْمَ الأحفادِ كحُكْمِ الأولادِ؛ وهذا قولُ الحنابلةِ والحنفيَّةِ وجماعةٍ مِن فقهاءِ الشافعيَّةِ. الثاني: قالوا: إنَّ النفقةَ تجبُ للوالدَيْنِ دونَ الجَدَّيْنِ، وللأولادِ دونَ الأحفادِ؛ فيجوزُ دفعُ الزكاةِ للجَدِّ ووَلَدِ الوَلَدِ. واختلَفوا في غيرِ الوالدَيْنِ والأولادِ في النفقةِ عليهم مِن الزكاةِ: وعامَّةُ السلفِ: على جوازِها، وفي غيرِ النفقةِ مِن بابِ أَوْلَى؛ كالجهادِ والغُرْمِ والمُكاتَبةِ: أنَّها تُعطَى الحَوَاشِيَ - وهم الإخوةُ والأعمامُ والأخوالُ - من الزكاةِ؛ وذلك لقولِه ﷺ : (الصَّدَقَةُ عَلَى المِسْكِينِ

стр. 339

صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ، وَصِلَةٌ)؛ رواهُ الترمذيُّ (١) وغيرُهُ. وقد رخَّص ابنُ مسعودٍ لامرأتِهِ أنْ تُعطِيَ زكاةَ خُلِيِّها لبَنِي أَخِيها؛ كما رواهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ، وعبدُ الرزَّاقِ (٢). ورخَّص الحسنُ في إعطاءِ الأخِ، وإبراهيمُ في إعطاءِ الأختِ؛ رواهُ عنهما أبو عُبَيْدٍ (٣). وقيَّد سعيدُ بن جُبَيْرٍ إعطاءَ الخالةِ مِن الزكاةِ بكونِها في غيرِ بيتِ المزكِّي يُنْفِقُ عليها؛ فقد روي عبدُ الرزَّاقِ وابنُ أبي شَيْبةَ؛ مِن حديثِ إبراهيمَ بنِ أبي حَفْصةَ؛ قال: قلتُ لسعيدِ بن جُبَيْرٍ: أُعْطِي الخَالَةَ مِن الزَّكَاةِ؟ قال: نَعَمْ؛ مَا لم تُغْلِقْ علَيْهَا بَابًا؛ يَعْنِي: مَا لم تَكُنْ فِي عِيَالِكَ (٤). ومَن وجَبَتْ نفقتُهُ، ولكنَّ صاحِبَ المالِ عاجزٌ عن النفقةِ، وعليه زكاةٌ، فجوَّزَ بعضُ الفقهاءِ إخراج الزكاةِ على مَنْ تجبُ نفقتُهُ عندَ العجزِ عنها ولو كان والدًا أو وَلَدًا، وهو قولٌ لأحمد رجَّحَهُ ابنُ تيميَّةَ. وإنَّما يمنعُ السلفُ والفقهاءُ مِنْ إعطاءِ الزكاةِ ذوي القَرَابةِ الذين تجبُ نفقتُهم؛ لاجتماعِ واجبَيْنِ عليه: واجبِ النفقةِ، وواجبِ الزكاةِ؛ فنُهي عن ذلك؛ حتى لا يقيَ مالَهُ ويحفَظَهُ مِن النفقةِ عليهم بزكاتِهِ.

стр. 340

قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. الكَتْبُ: هو الجَمْعُ عَلَى ما تقدَّم مِرَارًا، والمرادُ به هنا: جَمْعُ الأمرِ وتدوينُهُ شريعةً مِنَ اللهِ عَلَى أُمَّةِ محمَّدٍ ﷺ ؛ وهكذا كلُّ معاني قولِه: (كَتَبَ) أو (كَتَبْنَا) في القرآنِ. وذكَرَ اللهُ هنا القتالَ ولم يذكُرِ الجهادَ؛ مبالغةً في إيضاحِ المقصودِ؛ لأنَّ لفظَ القِتَالِ أصرَحُ مِن لفظِ الجهادِ؛ فالجهادُ يُطلَقُ في القرآنِ قبلَ فرضِ القتالِ: على المجاهدةِ باللسانِ، والصبرِ على الأَذَى؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢]، وذلك في مَكَّةَ، والمرادُ به القرآنُ. الجهادُ شريعةُ أكثرِ الأنبياء: ولم يكن القتال مِن خصائصِ الأُمَّةِ المحمديَّةِ؛ وإنَّما كان شِرْعةً لكثيرٍ مِن الأنبياءِ وأُمَمِهم؛ قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٦]. وما مِنْ نبيٍّ كانت له ولأُمَّتِه شَوْكةٌ إلا وشرَعَ اللهُ له الجهادَ لِمَنْ كابَرَ وعانَدَ؛ فقد فرَضَ اللهُ علي موسى ﵇ ومَنْ معَهُ مِن بني إسرائيلَ قتالَ الكَنْعَانِيِّينَ، وفرَضَ اللهُ كذلك على بني إسرائيلَ القتالَ مع طَالُوتَ وهو شاوُلُ مع نبيِّ اللهِ داودَ ﵇. ومَنْ لم تكنْ له شَوْكةٌ، لم يأمُرْهُ اللهُ بقتالِ مخالِفِيهِ والمعانِدِينَ له، بل كان اللهُ يأخُذُهُمْ بقُدْرتِهِ وإعجازِه، كقومِ نُوحٍ ولُوطٍ؛ فلم تكنْ لهم شوكةٌ وقوةٌ يأخُذُونَ بأسبابِها؛ فنُوحٌ ما ﴿آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠]، ولُوطٌ بيَّن عدَمَ قدرتِهِ على قومِهِ وعَجْزَهُ عن اتِّخاذِ أسبابِ القوةِ، فقال:

стр. 341

﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] , قال قتادةُ: يعني: العَشِيرة، وقال السُّدِّيُّ: آوِي إلى جُنْدٍ شديدٍ، لَقَاتَلْتُكم (١). وفيه: أنَّ القتالَ يسقُطُ مع الضعفِ والعجزِ، ويجبُ مع القوةِ والقدرةِ؛ ولذا قال ﷺ في قولِ لوطٍ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾: (كَانَ يَأْوِي إِلَى رَكْنٍ شَدِيدٍ؛ إِلَى رَبِّهِ ؛ فَمَا بُعِثَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ إِلَّا فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ)؛ رواهُ أحمدُ والترمذيُّ (٢)، والمرادُ بالثَّرْوةِ: الكثرةُ والمَنَعَةُ والقوةُ. فالجهادُ مشروعٌ في كلِّ الشرائعِ، ولكنْ تضعُفُ أسبابُهُ فلا يقومُ، وإذا قَوِيَتْ أُقِيمَ، وكلُّ نبيٍّ وأُمَّةٍ بحَسَبِها. وقد روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن ابنِ شهابٍ؛ قال: "الجهادُ مكتوبٌ عَلَى كلِّ أحدٍ، غَزَا أو قعَدَ؛ فالقاعدُ إنِ استُعِينَ به أعانَ، وإنِ استُغِيثَ به أغاثَ، وإنِ استُغنيَ عنه قعَدَ" (٣). وهو شريعةٌ لكلِّ الأممِ، لا كلِّ فردٍ منها، وفي هذه الأمَّةِ شريعةٌ على كلِّ فردٍ مِن الرجالِ، وأعلاهُ القتالُ بالنَّفْسِ، وأدناهُ بحديثِ النَّفْسِ، يسقُطُ الوجوبُ الأعلى بقيامِ مَن يكفِي، ولا يسقُطُ أدناهُ عن أحدٍ مكلَّفٍ مِن الرجالِ؛ ففي "الصحيحِ"؛ قال ﷺ : (مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ) (٤). وحكى ابنُ جَرِيرٍ: أنَّ عامةَ المسلِمِينَ على أنَّ الأصلَ وجوبُهُ على الأفرادِ عملًا حتى يسقُطَ بمَنْ فيه كفايةٌ، وعَدَّهُ كالصلاةِ على الجنازةِ،

стр. 342

وغَسْلِ المَوْتَى، ودَفْنِهم (١). وبعضُ السلفِ كعطاءٍ: يجعلُ الآيةَ على أعيانِ الصحابةِ في زمنِ النبيِّ ﷺ ؛ لحاجةِ النبيِّ إليهم في ذلك الزمانِ، ثمَّ كان على الكفايةِ في غيرِهم. ولا يظهرُ مِن قولِ عطاءٍ وفقهِهِ: أنْ يُخرِجَ الآيةَ مِن العمومِ، بل كلُّ مَن شابَهَتْ حالُهُ حالَ النبيِّ ﷺ ، أخَذَ الحُكْمَ في الآيةِ. على مَنْ يجبُ الجهادُ: وهو واجبٌ عَلَى الحُكَّامِ والأُمَراءِ بأعيانِهم أن يُقِيمُوهُ ما قَدَرُوا عليه، ويأثَمُونَ إنْ توافَرتْ شروطُهُ وانتفَتْ موانعُهُ، ولا خلافَ عندَ العلماءِ في هذا؛ فعن أبي إسحاقَ الفَزَارِيِّ، قال: سألتُ الأوزاعيَّ عن قولِ اللهِ : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾: أوَاجِبٌ الغزوُ عَلَى الناسِ كلِّهم؟ قال: لا أعلَمُهُ، ولكنْ لا ينبغِي للأئمَّةِ والعامَّةِ تَرْكُهُ، فأمَّا الرجلُ في خاصَّةِ نفسِهِ، فلا (٢). خصيصةُ الغنائمِ للأمَّةِ: وقد جعَلَ اللهُ مِن خصائصِ هذه الأُمَّةِ الغنائمَ؛ وذلك لقولِهِ تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩]، وفي الحديثِ: (وَأُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي) (٣)، وتخصيصُ الأُمَّةِ بالغنائمِ قرينةٌ على أنَّ القتالَ مشروعٌ للجميعِ بأسبابِه؛ لأنَّه لو لم يكنْ مشروعًا، لَمَا كان لتخصيصِ الغنائمِ بأُمَّةِ محمدٍ حِكْمةٌ ظاهرةٌ، لعدمِ قيامِ سببِ الغنائمِ على جميعِ الأممِ، وهو مشروعيَّةُ الجهادِ؛ فالغنيمةُ مِن ثمرةِ الجهادِ وتَبِعَاتِه.

стр. 343

الحكمةُ من تحريمِ الغنائمِ على السابقين: وإنَّما كانتِ الغنائمُ محرَّمةً على السابقينَ؛ لِحِكَمٍ؛ منها الابتلاءُ والاختبارُ، والرَّحْمةُ بهم؛ دفعًا لطمعِ النفسِ مِن أنْ تسوِّلَ لأهلِها قتالًا في ظاهرِهِ أنَّه للهِ، وفي باطنِه للغنيمةِ، وظاهرُهُ حرمانُ دُنْيَا، ولكنْ حرَّمَهُ اللهُ ليُحفَظَ دِينُ العبدِ، وتُؤمَنَ له العاقبةُ؛ وذلك أنَّ إيمانَ أتباعِ الأنبياءِ السابقينَ يختلِفُ عن إيمانِ أتباعِ أُمَّةِ محمدٍ ﷺ ، وكما فُضِّلَ نبيُّ الأمَّةِ عَلَى الأنبياءِ، فأُمَّتُهُ مفضَّلةٌ على أتباعِ الأنبياءِ، ولا خلافَ في فضلِ صحابةِ النبيِّ ﷺ على صحابةِ الأنبياءِ السابقين؛ وهذا على سبيلِ الإجمالِ، لا كلُّ صحابيٍّ مِن أُمَّتِهِ يفضَّلُ عَلَى كلِّ صحابيٍّ مِن صحابةِ جميعِ الأنبياءِ، ولكنَّ الفضلَ لجمهورِهِمْ ولآحادِ أفرادِهِمْ خصوصًا كأبي بكرٍ وعمرَ، واللهُ أعلمُ. ولذا جاء الدليلُ: أنَّ الغنائمَ تُنقِصُ أجرَ المقاتِلِ في سبيلِ اللهِ بمقدارِ تعلُّقِه بها؛ كما ثبَتَ في"صحيحِ مسلمٍ" عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: (مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ، فَيُصِيبُونَ الغَنِيمَةَ، إِلَّا تعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنَ الآخِرَةِ، وَيَبْقى لَهُمْ الثُّلُث، وَإِنْ لم يُصِيبُوا غَنِيمَةً، تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ) (١)؛ وهذا غالِبٌ لا مُطَّرِدٌ بمقدارِ تعلُّقِ القلبِ بالغنيمةِ، وهذا في الناسِ كثيرٌ، وربَّما لا يكادُ يَسْلَمُ منه إلا القليلُ، فالغنائمُ مالٌ وسَبْيُ نساءٍ، وثَمَرٌ ولِبَاسٌ، وهذا لا بدَّ أن يَعْلَقَ مِن القلبِ منه عالِقةٌ ولو قليلًا، وبمقدارِ ما عَلِقَ ينقُصُ مِن أجرِ الآخِرةِ، ولكنْ لا يأثَمُ به صاحِبُهُ ما دام قاصدًا إعلاءَ كَلِمةِ اللهِ؛ لأنَّ اللهَ ما أحَلَّ الغنيمةَ وهم يأثَمُونَ بها. ولمَّا كانت منزِلةُ أصحابِ الأنبياءِ أَقَلَّ مِن منزلةِ أصحابِ نبيِّنا

стр. 344

محمَّدٍ ﷺ ، ومنزِلةُ أتباعِهِمْ أقلَّ مِن منزِلةِ أتباعِ أصحابِ محمدٍ ﷺ : ﵏ بتحريمِ الغنيمةِ عليهم، وابتلاهُم بذلك؛ فهو ابتلاءٌ عاجِلٌ، ورحمةٌ آجِلةٌ. الحكمةُ من تأخيرِ القتالِ: ولم يكنِ القتالُ مأذونًا به في أولِ الأمرِ؛ لِضَعْفِ المؤمنينَ وقُوَّةِ المشرِكِينَ؛ فإنَّ فَرْضَهُ أولَ الأمرِ يُخالِفُ الأخذَ بالأسبابِ الحسيَّةِ، ثمَّ أُذِنَ بالقتالِ بقولِهِ تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩]، ثمَّ نزَلَتْ آيةُ قتالِ المُبَادِئِينَ بقتالِ المسلِمِينَ، كما تقدَّمَ في سورةِ البقرةِ في قولِه تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]. وهذه الآيةُ في ظاهرِ أمرِها أنَّها نزَلتْ مِن اللهِ بعدَ آياتِ الفرائضِ المكتوبةِ؛ كالصومِ والقِصاصِ والوصيَّةِ. ثم أَذِنَ اللهُ بالقتالِ ابتداءً، ولم يَفرِضْهُ ولم يأمُرْ به، ثمَّ فرَضَهُ في هذه الآيةِ، وبيَّنَ حُكْمَهُ، ودفَعَ ما يَجِدُهُ الإنسانُ في نفسِهِ مِن الكراهيةِ لفَقْدِ النفسِ والمالِ والأهلِ، وأنَّ ذلك يَعلَمُهُ اللهُ، ويجبُ ألَّا يؤثِّرَ على حكمِ اللهِ وتشريعِهِ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ إشارةً إلى الأمرِ الغيبيِّ مِن المصلحةِ التي تظهَرُ للإنسانِ بما يدركُهُ بحواسِّه. وقولُه تعالى: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾؛ يعني: لأجلِ خوفِ فقدِ النفسِ والمالِ، وهجرِ الأهلِ والأوطانِ. والكُرْهُ بضمِّ الكافِ هو: الكراهِيَةُ ونُفُورُ الطبعِ مِن الشيءِ حسًّا أو معنًى، وكذلك الكَرْهُ بفتحِ الكافِ: هو أيضًا نفورُ الطبعِ على الأصحِّ؛ لأنَّه جاء هنا بقراءةِ الوجهَيْنِ: الفتحِ والضمِّ. وقيل: الكُرْهُ بالضمِّ: المشقةُ ونفورُ الطبعِ، وبالفتحِ: هو الإكراهُ مِن غيرِه جَبْرًا وقَسْرًا.

стр. 345

أنواعُ الكرْه والمحبَّةِ: والكُرْهُ والمحبَّةُ كلاهما على نوعَيْنِ: كُرْهٌ ومحبَّةٌ طَبَعيَّةٌ، وكرهٌ ومحبَّةٌ شرعيَّةٌ: الأولُ: الكُرْهُ الطَّبعيُّ، والمحبَّةُ الطبعيَّةُ؛ وذلك كما في الآيةِ، وكقولِهِ تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وهذا النوعُ لو وجَدَهُ العبدُ في أمرٍ شرعيٍّ؛ ككراهةِ النفسِ للقتلِ ولو كان في سبيلِ اللهِ لِحُبِّ النفسِ للحياةِ، وشدةِ إخراجِ المالِ على النفسِ ولو كان زكاةً ونَفَقَةً، وكراهةِ الوضوءِ في اليومِ الباردِ، وكراهةِ المرأةِ أنْ يتزوَّجَ عليها زَوْجُها -: فلا يقَعُ فيه تكليفٌ، ما لم يُنزلْهُ الإنسانُ على التشريعِ وحُكْمِ اللهِ، فيَكْرَهَ التشريعَ وحُكْمَ اللهِ بعينِهِ، لا آثارَهُ عليه؛ وإلا فالأصلُ أنَّ حُكمَهُ حُكْمُ خَطَرَاتِ النفسِ وحديثِها. وعلامةُ ذلك: أنَّ المؤمِنَ قد يَجِدُ في نفسِهِ كُرْهًا لآثارِ الحُكْمِ، لا لذاتِ الحُكْمِ، فلو عَلِمَ أنَّه لن يُقتَلَ، لَزَالَ عنه ما يَجِدُ، ولو لم يَجِدْ شدةَ البَرْدِ، لَزَالَ عنه ما يجدُ مِن كُرْهِ الوضوءِ في الشتاءِ، والمراةُ تجدُ في نفسِها في زواجِ زوجِها عليها، ولا تجدُ في نفسِها عندَ زواجِ غيرِ زوجِها عَلَى زوجِته؛ فهذا الكُرْهُ طَبَعيٌّ، لا يُؤاخَذُ الإنسانُ عليه؛ بل يُؤجَرُ على مجاهدتِهِ والصبرِ عليه. فالنفورُ مِن الشيءِ في نفسِهِ يختلِفُ عن النفورِ مِن آثارِه؛ فمَن كَرِهَ الجهادَ ولو كان يقومُ له غيرُهُ، والنفقةَ ولو كانت مِن مالِ غيرِه، فهذا كرهُ التشريعِ، وكُرْهُهُ ليس كُرْهَ طَبْعٍ، ونفورُهُ ليس نفورَ نَفْسٍ. وهذا هو الكُرْهُ الطبعيُّ، فكذلك المحبَّةُ الطبعيَّةُ؛ وذلك كميلِ النفسِ إلى حُبِّ المالِ والتكثُّرِ منه ولو كان حقًّا للغبر، مع كرهِ السرقةِ ونحوِها واعتقادِ تحريمِها وكمَيْلِ النفسِ الأمَّارةِ بالسوءِ إلى شهوةِ الفرجِ

стр. 346

الحرامِ مع كُرْهِ الزِّنى واعتقادِ تحريمِهِ؛ فهذا لا يأثمُ به ما لم يَعْمَل أو يعتقِدْ؛ فإن عَمِلَ بلا اعتقادٍ، أَثِمَ، وإنِ اعتقَدَ ولو لم يَعْمَلْ، كفَرَ؛ ولكنْ ما يجِدُهُ في نفسِهِ مِن مَيْلٍ ومحبةٍ؛ فلا يُؤاخَذُ به، بل يُؤجَرُ عَلَى مجاهَدةِ النفسِ بطردِهِ والبعدِ عن أسبابِه؛ لأنَّ اللهَ ابتَلَى له النفوسَ اختبارًا وامتحانًا، ولِتُؤجَرَ عَلَى محاهدتِه ويعظُمَ لها الأجرُ بذلك، ولو كانتِ النفوسُ لا تشتهي الحرامَ مالًا ونساءً وطعامًا وشرابًا ولباسًا بطبعِها، ما كان للأجرِ على التركِ معنًى؛ لهذا يُؤجَرُ الإنسانُ على تركِ ما يُحِبُّه ويشتهِيهِ مِن الحرامِ؛ كلُبْسِ الحريرِ وشُرْبِ الخمرِ وأكلِ ما لم يُذكَرِ اسمُ اللهِ عليه، ولا يُؤجَرُ عَلَى تركِ ما لا يشتهِيهِ وما تَعَافُهُ النفسُ بطبعِها؛ كشُرْبِ النجاسةِ كالبولِ، وأَكْلِها كالعَذِرَةِ. الثاني: الكُرْهُ الشرعيُّ، والمحبَّةُ الشرعيَّةُ؛ وهي ما يعتقِدُهُ الإنسانُ ويتديَّنُهُ مِن محبَّةِ العقائدِ والأقوالِ والأعمالِ التي أمَرَ بها اللهُ ورسولُهُ ومحبَّةِ أهلِها، وكُرْهِ ما نَهَى اللهُ عنه وكُرْهِ مَن وقعَ في النهيِ. وهي المحبَّةُ والكراهِيَة الخارجةُ عن الطبعِ، وهي المكتسَبةُ، فيقَعُ عليها التكليفُ؛ كحُبِّ أوامرِ اللهِ وأحكامِهِ؛ كالصلاةِ والزكاةِ والصومِ والحجِّ والجهادِ والأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكَرِ، وحُبِّ أهلِها، ولو وجَدَ الإنسان بنفسِهِ كرهًا وتثاقلًا عنها لَحظِّ نفسِهِ ولا يجدُ في نفسِه هذا الشيءَ لحظِّ غيرِهِ بل يُحِبُّها، فمَن كَرِهَ إقامةَ حدِّ السرقةِ لكونِهِ سارِقًا لخوفِهِ القطعَ، ولم يَجِدْهُ في نفسِهِ لو كان الحدُّ على غيرِهِ، لم يكنْ مُؤاخَذًا، أو وجَدَهُ مِن رحمةٍ طَبَعيَّةٍ لا تؤثِّرُ عَلَى اعتقادِهِ وقولِه، فلا يؤثِّرُ هذا على إيمانِه. وعكسُ هذا كراهةُ ما نَهَى اللهُ عنه مِنَ الخمرِ والميسرِ والقِمَارِ والزِّنى والرِّبَا وغيرِها.

стр. 347

وذِكْرُ اللهِ كراهةَ القتالِ في هذه الآيةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾: دليلٌ على أنَّ أحكَامَ اللهِ لا تُؤخَذُ بما تَهْوَى النفوسُ أو تَنفِرُ منه؛ فإِنَّ النفوسَ قد تُحِبُّ ما تُسلِّمُ العقولُ بشرِّهِ؛ فلا يكونُ حلالًا لأجلِ حبِّ النَّفْسِ وقد تكرَهُ النفوسُ ما تسلِّمُ العقول بخَيْرِهِ؛ فلا يكون حرامًا لأجل كراهةِ النَّفْسِ؛ وهذا فيما بينَ النفسِ وعقلِها، مع ضعفِ العقلِ وقصورِهِ عن علمِ اللهِ وإحاطتِه بأحوالِ الأحكامِ ومآلاتِها وآثارِها؛ فكيف بعلمِ مَن لا يَخْفَى عَلَيْهِ شيءٌ، والسرُّ والجهرُ، والخفاءُ والعَلَنُ، والعاجِلُ والآجِلُ، والحاضِرُ والغائِبُ: عندَهُ في العلمِ سواءٌ؟ ! وقولُه تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: "عسى" في القرآنِ للتحقيقِ والوقوعِ، والمرادُ: ما تكرهونَهُ مِن أحكامِ اللهِ، ففيه الخيرُ الكثيرُ، ولكنْ حالَ دونَ إدراكِ ذلك النفسُ وقصورُ العلمِ. ومِثلُه قولُه: ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾؛ يعني: ما تُحِبُّهُ نفوسُكُمْ ممَّا يَنْهَى اللهُ عنه ففيه شَرٌّ لكم غالِبٌ؛ وبيَّنَ العلةَ مِن ذلك بقولِهِ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. والمرادُ بما يَكْرَهونَ هنا: هو الجهادُ، وما يُحِبُّونَ: هو القعودُ عنه؛ قاله سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ وغيرُهُ مِن السلفِ (١). وجهلُ البشرِ بسَعَةِ عِلمِ اللهِ وقصورِ عِلْمِهم: هو سببُ ضلالِهم ومخالفتِهِمْ لأمرِ اللهِ؛ لأنَّهم يُدرِكُونَ ما يَعلَمُونَ ويَظُنُّونَهُ كلَّ العِلمِ، ولو عَلِموا ما غابَ عنهم، لاحتَقَرُوا عِلْمَهم وسلَّمُوا لحُكْمِ اللهِ, ولكنِ ابتلاهُمُ اللهُ بإدراكِ ما يعلَمُونَ، ففُتِنُوا فيه، وجَحَدُوا غيرَهُ. وفي الآيةِ: إثباتٌ مِن اللهِ لمشيئةِ العبدِ، ولكنَّها بعدَ مشيئتِهِ تعالى، فهم قد يُحِبُّونَ ما يَكرَهُ اللهُ، وقد يَكرَهُونَ ما يُحِبُّ اللهُ؛ فيَفعَلونَ ما يَكرَهُهُ، ويَترُكونَ ما يُحِبُّه، مُخالِفينَ أَمْرَ اللهِ؛ لِضَعْفِهم وعِصْيانِهم.

стр. 348

قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]. سؤالُ النبيِّ ﷺ عنِ الشهرِ الحرامِ، وقَعَ مِن الصحَابةِ ومِن المشرِكينَ؛ مِن المشرِكِينَ تعنُّتًا، ومِن بعضِ الصحابةِ استعلامًا واستشكالًا. وقولُه: ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ عَلَى تقديرِ البَدَلِ مِن "الشهرِ الحرام"؛ أيْ: عن قتالٍ فيه. والأشهُرُ الحرُمُ معظَّمةٌ عند العرب حتَّى في الجاهليَّةِ؛ حتَّى إنَّ الرجلَ يجِدُ قاتِلَ أبيه، فلا يَقْدِرُ عَلَى رَفْعِ يدِهِ عليه؛ مِن تعظيمِ الشهرِ الحرامِ. والآيةُ نزَلَتْ في قتلِ ابنِ الحَضْرَميِّ وقاتلِهِ عندَ المفسِّرينَ؛ كما روى ابنُ أبي حاتمٍ، وابنُ جرِيرٍ؛ مِن حديثِ جُنْدبِ بنِ عبدِ اللهِ؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ بعَثَ رَهْطًا، وبعَثَ عليهِم عبدَ اللهِ بنَ جَحْشٍ، وكتَبَ له كتابًا، وأمَرَهُ ألَّا يَقرَأَ الكتابَ حتَّى يَبْلُغَ مكانَ كذا وكذا، وقال: (لَا تُكْرِهَنَّ أَحَدًا عَلَى السَّيْرِ مَعَكَ مِنْ أَصْحَابِكَ)، فلمَّا قرَأَ الكتابَ، استرجَعَ، وقال: سمعًا وطاعةً للهِ ولرسولِه، فخبَّرَهُمُ الخبَرَ، وقرَأَ عليهِمُ الكتابَ، فرجَعَ رَجُلانِ، وبَقِيَ بَقِيَّتُهم، فلَقُوا ابنَ الحَضْرَميِّ، فقَتَلُوه، ولم يَدْرُوا أنَّ ذلك اليومَ مِن رجَبٍ أو مِن جُمَادَى، فَقَالَ المشرِكونَ للمسلِمِينَ: قتَلْتُمْ في الشَّهْرِ الحرامِ؛ فأنزَلَ اللهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ

стр. 349

قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾؛ الآيةَ (١). وجاء عن أبي مالكٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ. وعَن مُرَّةَ عَنِ ابنِ مَسعودٍ، بنَحوِه. استغلالُ المشرِكِين لأخطاءِ المسلمين: واللهُ يرُدُّ على المشرِكِينَ استنكارَهُمْ قتالَ الصحابةِ في الشَّهْرِ الحرامِ، مع أنَّهم يَصُدُّونَ عَنِ المسجِدِ الحرامِ، فأخرَجُوا النبيَّ ﷺ وصَحْبَهُ مِن مَكَّةَ، بل توعَّدوهم إنْ لَقُوهم بالقتلِ، واللهُ إنَّما حرَّم القتالَ في الأشهُرِ الحُرُمِ؛ حتَّى لا يُقطَعَ سبيلُ السائِرِينَ إلى البيتِ، فما عُظِّمَتِ الأشهُرُ الحرُمُ لِذَاتِها، ولكنْ لتعظيمِ المسجدِ الحرامِ، فحُرْمَتُها تابِعةٌ لا ذاتيَّةٌ، وحرمةُ المسجِدِ الحرامِ ذاتيَّةٌ، والحرمةُ الذاتيَّةُ أقوى وأعظَمُ؛ لأنَّها لا ترتفِعُ بحالٍ، والحُرْمةُ التابِعةُ تُرفَعُ وتُوضَعُ بحسَبِ تحقُّقِ المقصدِ منها. والمشرِكُونَ صَدُّوا النبيَّ وصحابتَهُ عن المسجدِ الحرامِ سِنينَ عددًا متتالِيَةً، واسْتَنْكَروا قتالَ الصحابةِ يومًا في آخِرِ جُمادَى وأوَّلِ رجَبٍ. والمرادُ بالصَّدِّ هنا في قولِه: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يَعني: عن قاصدِ البيتِ الحرامِ للعبادةِ؛ صلاةً وطوافًا، واعتكافًا ومجاوَرةً، وصَدَقةً ونُسُكًا، والصدُّ عن المسجدِ الحرامِ؛ بالقتالِ وغيرِه، في الأشهُرِ الحُرُمِ وغيرِها: يَقطَعُ عن البيتِ الحرامِ السبيلَ والرِّزْقَ، وينفي عنه الأَمْنَ، فيُهجَرُ ويَزهَدُ الناسُ فيه، وهو أعظَمُ البقاعِ عندَ اللهِ، وأَحَبُّها إليه؛ وهذه الآيةُ أصلٌ في سَدِّ الذَّرَائعِ. وإنَّما عُظِّمَتْ أشهرٌ بعَيْنِها؛ لأنَّ رَجَبًا موضِعُ سَيْرِ الحاجِّ مِن الآفاقِ

стр. 350

إلى الحجِّ، وذا القَعْدةِ وذا الحِجَّةِ ومحرَّمًا موضِعُ الحجِّ وعودةِ الحاجِّ إلى أهلِه. وقولُ اللهِ: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيْلِ اللهِ﴾، قيل: رُفِعَ ﴿وَصَدٌّ﴾؛ للعطفِ على ﴿كَبِيْرٌ﴾، وقيلَ: رُفِعَ مبتدأً خبرُهُ قولُهُ: ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، وهذا الأرجَحُ، ولو عُطِفَ الصدُّ عَلَى ﴿كَبِيْرٌ﴾ لكانَ قولُهُ: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ معطوفًا عليه، والقتالُ في الأشهُرِ الحُرُمِ ليس كُفْرًا باللهِ يُخرِجُ مِن الملَّةِ، إلَّا لِمَن جحَدَ تحريمَهُ وقتَ التحريمِ، فهو مكذِّبٌ للهِ. ولو كان الصدُّ كُفْرًا، لَلَزِمَ أَنْ يكونَ إخراجُ أهلِ الحَرَمِ منه أكبَرَ مِن الكفرِ؛ وهذا لا يقولُ به أحدٌ. ويَظهَرُ التربُّصُ عندَ المحاجَجةِ والمجادَلةِ في كفَّارِ قُريشٍ، وتَرْكِ ما عليهم، وأَخْذِ الذي لهم؛ وهذه عادةُ أهلِ الأهواءِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا﴾ [النور: ٤٩، ٥٠]. وربَّما كان الحقُّ الذي عليهم أعظَمَ، وهو مُسقِطٌ للحقِّ الذي لهم، والجهلُ بهذه الأشياءِ سبَبٌ لاستِمرارِ كثيرٍ مِن أهلِ الأهواءِ في الضلالِ. مِن أنواعِ الجهلِ: والجهلُ على نوعَيْنِ: الأوَّلُ: جهلُ حقيقةِ الشيءِ بعيِنِه، وعدَم معرفةِ حُكْمِه. الثاني: جهلُ مرتبتِهِ مِن بين مَرَاتِبِ غيرِهِ، مع المعرِفةِ به بعينِهِ منفرِدًا. وهذانِ اجتَمَعَا في كفَّارِ قريشٍ كثيرًا، وإذا جَهِلَ الإنسانُ مَرَاتِبَ الأشياءِ, انشغَلَ بالأدنَى عن الأعلَى، ووجَدَ الهَوَى مِن ذلك مَدخَلًا؛ ليرتِّبَ الحقائقَ كما تَهوى النفسُ. وكفَّارُ قريشٍ أخرَجوا النبيَّ ﷺ وأصحابَهُ مِن مَكَّةَ، وصَدُّوهم عن

стр. 351

دخولِ الحَرَمِ، وهذا مِن جنسِ ما حُرِّمَ القتالُ في الأشهُرِ الحُرُمِ لأجلِه، ثمَّ هم أشرَكُوا مع اللهِ غَيْرَهُ، وهو أعظَمُ عند اللهِ مِن القتلِ الذي يَستنكِرونَهُ على محمَّدٍ. والهَوَى يَشغَلُ النفوسَ ويسلِّيها بتَعظيمِ الأدنى عنِ الأعلى؛ لأنَّ النفسَ تلومُ صاحِبَها عَلَى تركِ الحقِّ ولو كانت مُعانِدةً، فيَشْغَلُها بالأدنى لِتتغافَلَ عن غيرِهِ وتَرضَى وتسكُنَ، والنفسُ لا تَقْوَى عَلَى طَمْسِ الفِطْرةِ وتغييبِها؛ فتَجعَلَهُ يتجاهَلُ الحقَّ كلَّه، ولكنَّها تغيِّبُ الأعلى وتُظهِرُ الأدنى وتعظِّمُه، فيضعُفُ لومُ النفسِ الفطريُّ على صاحبِه. وهذا كسكونِ نفوسِ المشرِكِينَ وانشغالِها بسِقايةِ الحاجِّ وعِمَارةِ المسجدِ الحرامِ، وتعظيمُ ذلك مِن تسويلِ الشيطانِ لهم؛ هوَّن وحقَّر ما هو أعظَمُ منه، وهو التوحيدُ، فوقَعُوا في الشِّرْكِ غيرَ مُبالِينَ. وصدُّ كفَّارِ قريشٍ للنبيِّ عن المسجدِ الحرامِ، وإخراجُ أهلِهِ منه: أعظَمُ عندَ اللهِ مِن قتلِ ابنِ الحَضْرَميِّ، وكفرُهُمْ أعظَمُ عندَ اللهِ مِن ذلك كلِّه. واختُلِفَ في نسخِ هذه الآيةِ: فقال قومٌ بنَسْخِها؛ وهو قولُ عطاءِ بنِ مَيْسَرةَ، والزُّهْريِّ؛ وصَوَّبَهُ ابنُ جريرٍ الطَّبَريُّ. روى ابنُ جريرٍ الطَّبَريُّ، عنِ ابنِ جُرَيْجٍ؛ قال: قال عطاءُ بنُ مَيْسَرةَ: أحلَّ القتالَ في الشهرِ الحرامِ في "بَرَاءةَ" قولُهُ: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]؛ يقولُ: فيهن وفي غيرِهِنَّ (١).

стр. 352

وقال عطاءُ بنُ أبي رَبَاحٍ بعدَمِ النَّسْخِ، وكان يَحلِفُ عليه؛ كما رواه ابنُ جُرَيْجٍ عنه؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ بسَنَدٍ صحيحٍ (١). وقد تقدَّمَ الكلامُ على هذه المسألةِ. وبيَّن اللهُ سببَ قتالِ المُشرِكِينَ للمسلِمِينَ بقولِهِ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾؛ لِيَفْتِنُوهم عن دينِهم؛ ليَرْتَدُّوا طمَعًا في الأمنِ، وترهيبًا لِمَن يُرِيدُ اللَّحَاقَ بهم. معنى الرِّدَّة: والرِّدَّةُ هي الرجوعُ عنِ الحقِّ إلى ما كان عليه مِن الباطلِ، وغلَبَ استعمالُها على ذلك؛ لأمرَيْنِ: أوَّلًا: لمَّا كان كفَّارُ قريشٍ يُرِيدُونَ رَدَّ مَنْ أسلَمَ مِن الصحابةِ إلى ما كانوا عليه مِن الشِّرْكِ، سُمِّيَتْ رِدَّةً؛ يَعني: رجوعًا إلى الأمرِ السابقِ. ثانيًا: أنَّ المعروفَ فيمَن نشَأَ على الإيمانِ الحقِّ ووُلِدَ عليه: أنَّه لا يخرُجُ منه، ومِقْدارُ مَن يرتدُّ عن الإِسلامِ بعد النشأةِ عليه أقلُّ ممَّن يرتدُّ عن الإسلامِ ممَّن كان على الشِّرْكِ قبلَ ذلك بالنِّسْبةِ للأمَّةِ التي خرَجوا منها؛ ولذا يُخافُ على حديثِ العهدِ بالكُفْرِ مِن الخروجِ عن الإسلامِ أكثرَ ممَّن نشَأَ على الإسلامِ ولا يَعرِفُ الكفرَ؛ لأنَّ الإيمانَ امتزَجَ بقوَّةِ الفِطْرةِ، فتمكَّنَ الحقُّ منها ورسَخَ، وأَمَّا غيرُهُ فعلى فِطْرةٍ مبدَّلةٍ، مع دِينٍ صحيحٍ طارئٍ. فأصبحَتِ الرِّدَّةُ تُطلَقُ عَلَى كلِّ خارجٍ عن الإسلامِ إلى الكفرِ، ولو لم يكُنْ على الكُفْرِ مِن قَبْلُ. وفي الآيةِ: قوَّةُ بأسِ أهلِ الباطلِ على باطلِهم معَ جَلَائِهِ ووُضُوحِه،

стр. 353

واختيارُ الموتِ عليه، والكِبْرُ إذا استحكَمَ في القلبِ، عَمِيَ العقلُ عن الاختيارِ. وقولُهُ: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. إحباطُ العمل بالرِّدَّةِ: والرِّدَّةُ تُحبِطُ العملَ السابقَ بلا خلافٍ؛ وإنَّما الخلافُ في عودتِهِ عندَ العودةِ للإسلامِ بعد الرِّدةِ، وفي المسألةِ قولانِ مشهورانِ: الأوَّلُ: أنَّ الرِّدَّةَ لا تُحبِطُ العمَلَ السابقَ لِمَن عاد إلى الإسلامِ وأنابَ؛ وذلك أنَّ اللهَ قيَّد الإحباطَ في الآيةِ بقولِه: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾، فمَنِ ارتَدَّ ولم يَمُتْ عَلَى الرِّدَّةِ، عادَتْ حسَنَاتُهُ التي عَمِلَها؛ كالصلاةِ والزكاةِ وسائرِ الطاعاتِ، ولو كان قد أدَّى الحَجَّ، سقَطَ عنه؛ وهذا هو أحدُ القولَيْنِ عن أحمدَ، وقال به الشافعيُّ. الثاني: أنَّ الرِّدَّةَ تُحبِطُ العملَ بالكليَّةِ، ولا يَرجِعُ عمَلٌ منها إلى صاحِبهِ، ولو كان قد أَدَّى الحجَّ، لَوَجَبَ عليه أن يُعِيدَهُ؛ قال بهذا مالكٌ وأبو حنيفةَ؛ وهو روايةٌ عن أحمدَ. وقد أجرَى مَن قال بهذا القولِ عمومَ قولِهِ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥] على عمومِه، ولم يخصِّصْهُ بآيةِ البابِ. وفي حَمْلِ الآيةِ عَلَى عمومِها نظَرٌ؛ وذلك أنَّ اللهَ قال: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥]، ومَن عاد إلى الإسلامِ بعد رِدَّتِه، فليس مِن الخاسرين؛ وإنَّما المرادُ: مَن مات مرتدًّا. وتوسَّطَ بعضُ الفقهاءِ مِن الشافعيَّةِ وغيرِهِمْ؛ فقالوا: إنَّ الإحباطَ

стр. 354

للأجرِ فقَطْ، والعمَل في إجزائِهِ ليس بحابطٍ؛ فمَنْ حجَّ، لا يلزَمُهُ أنْ يُعِيدَهُ إذا ارتَدَّ بعدَهُ ثمَّ عاد. والحَقُّ: أنَّ الأجرَ ثابتٌ للمرتدِّ التائبِ؛ ففي الحديثِ: (إِذَا أَسْلَمَ الْعَبدُ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ، كَتَبَ اللهُ لَهُ كُلَّ حَسَنَةٍ كَانَ أَزْلَفَهَا)؛ أخرَجَهُ النَّسائيُّ عن أبي سعيدٍ (١) وأصلُه في الصحيحِ (٢). وفي "الصحيحَيْنِ"، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيْرِ، أنَّ حَكِيمَ بنَ حِزَامٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَيْ رَسُولَ اللهِ، أَرَأيْتَ أمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بها فِي الجَاهِلِيَّةِ؛ مِن صدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ أَوْ صِلةِ رَحِمٍ، أَفِيهَا أَجْرٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ) (٣). فهذا عمَلٌ عمِلَهُ حالَ الجاهليَّةِ، ولكنْ أخلَصَ فيه للهِ ولم يَصرِفْ منه لغيرِ اللهِ شيئًا، فاحتَسَبَهُ اللهُ له بعدَ إسلامِه؛ فالجاهليُّونَ مع كفْرِهم يُخلِصُونَ في بعضِ أعمالِهم، فيَخُصُّونَ بها اللهَ وحدَهُ؛ فهذه تُكْتَبُ لهم، فيتقبَّلُ اللهُ ذلك منهم وهم كفَّارٌ؛ فكيفَ بما فعَلَه المسلمُ حالَ إسلامِهِ، ثمَّ ارتَدَّ ثمَّ رجَع؟ ! فقَبُولُ عمَلِهِ حالَ إسلامِهِ أَوْلى مِن قَبُولِ عمَلِهِ حالَ إشراكِه. ولو قِيلَ بقَبُولِ عمَلِ المُشرِكِ حالَ شِرْكِهِ ممَّا أخلَصَهُ، ولا يُقبَلُ عمَلُ المسلمِ حالَ إسلامِه، للَزِمَ مِن ذلك قَبولُ عمَلِ المرتَدِّ حالَ رِدَّتِهِ ممَّا يُخلِصُ فيه. فالمسلمُ المرتَدُّ التائبُ له أحوالٌ ثلاثٌ: إسلامٌ ثمّض كفرٌ ثم إسلامٌ؛

стр. 355

فعلى هذا يُقبَلُ منه عمَلُهُ حالَ الرِّدَّةِ وهو مشرِكٌ مما يُخلِصُهُ للهِ، ولا يُقبَلُ عمَلُه حالَ إسلامِهِ قلَ الرِّدَّةِ؛ وهذا بعيدٌ. أحوالُ أهلِ الميزانِ في الآخرة: ولا يُحبِطُ العملَ كلَّه إلَّا الشِّرْكُ باللهِ، والكافرُ ليس له كِفَّةٌ في المِيزَانِ إلَّا واحدةٌ، وأهلُ الميزانِ على ثلاثِ أحوالٍ: الحالةُ الأُولى: مَن يُوزَنُ له عمَلُهُ بكِفَّتَيْنِ، كِفَّةِ الحسَنَاتِ، وكِفَّةِ السيِّئاتِ؛ وهُم عمومُ أهلِ الإيمانِ؛ لأنَّه لا يخلُو أحدٌ مِن ذنبٍ، إلَّا ما شاءَ اللهُ. ووَزْنُهم لِيَعْرِفُوا هم ما لهم وما عليهم، وتقومَ عليهمُ الحُجَّةُ، فلا يُجادِلوا ربَّهم؛ فاللهُ جعَلَ عَلَى العبادِ رقيبًا وعتيدًا يُحصِي عليهم أعمالَهُمْ؛ لِيَرَوْها ويَذكُروها إذا نَسُوها، فاللهُ لا يُحصي لِيَعلَمَ ما لم يكنْ يعلمُهُ، بل يُحصي لِيَعلَمَ العبادُ، وتُقطَعَ الحُجَجُ عنهم؛ فجعَلَ عليهم شهودًا مِن الملائكةِ ومِن الناسِ ومِن أنفُسِهم. الحالةُ الثَّانيةُ: مَنْ لا يُوزَنُ له إلَّا عمَلُهُ السيِّئُ، وهم المشرِكونَ؛ لأنَّه لا يَبقى مِن عمَلِهِمُ الصالحِ في الدنيا شيءٌ؛ لأنَّهم أحبَطُوهُ بالشِّرْكِ، وعُجِّلَ لهم الجزاءُ به في الدنيا: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]. وتُوزَنُ سيِّئاتُهم؛ لأنَّ الكفرَ يَتبايَنُ كما يَتبابَنُ الإيمانُ؛ يَزِيدُ وينقُصُ؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]، فالكُفْرُ يَزِيدُ وينقُصُ كما يزيدُ الإيمانُ وينقُصُ، ولكنَّ الكفرَ الأكبرَ يخلِّدُ صاحبَهُ في النَّارِ، ويُعذَّبُ الكفَّارُ بحسَبِ كُفْرِهم، كما ينعَّمُ المؤمِنونَ بحسَبِ إيمانِهم. الحالةُ الثَّالثةُ: مَنْ ليس له إلَّا كِفَّةٌ واحدةٌ، وهي كِفَّةُ الحسَنَاتِ،
следующие страницы →