دخولِ الحَرَمِ، وهذا مِن جنسِ ما حُرِّمَ القتالُ في الأشهُرِ الحُرُمِ لأجلِه، ثمَّ هم أشرَكُوا مع اللهِ غَيْرَهُ، وهو أعظَمُ عند اللهِ مِن القتلِ الذي يَستنكِرونَهُ على محمَّدٍ.
والهَوَى يَشغَلُ النفوسَ ويسلِّيها بتَعظيمِ الأدنى عنِ الأعلى؛ لأنَّ النفسَ تلومُ صاحِبَها عَلَى تركِ الحقِّ ولو كانت مُعانِدةً، فيَشْغَلُها بالأدنى لِتتغافَلَ عن غيرِهِ وتَرضَى وتسكُنَ، والنفسُ لا تَقْوَى عَلَى طَمْسِ الفِطْرةِ وتغييبِها؛ فتَجعَلَهُ يتجاهَلُ الحقَّ كلَّه، ولكنَّها تغيِّبُ الأعلى وتُظهِرُ الأدنى وتعظِّمُه، فيضعُفُ لومُ النفسِ الفطريُّ على صاحبِه.
وهذا كسكونِ نفوسِ المشرِكِينَ وانشغالِها بسِقايةِ الحاجِّ وعِمَارةِ المسجدِ الحرامِ، وتعظيمُ ذلك مِن تسويلِ الشيطانِ لهم؛ هوَّن وحقَّر ما هو أعظَمُ منه، وهو التوحيدُ، فوقَعُوا في الشِّرْكِ غيرَ مُبالِينَ.
وصدُّ كفَّارِ قريشٍ للنبيِّ عن المسجدِ الحرامِ، وإخراجُ أهلِهِ منه: أعظَمُ عندَ اللهِ مِن قتلِ ابنِ الحَضْرَميِّ، وكفرُهُمْ أعظَمُ عندَ اللهِ مِن ذلك كلِّه.
واختُلِفَ في نسخِ هذه الآيةِ:
فقال قومٌ بنَسْخِها؛ وهو قولُ عطاءِ بنِ مَيْسَرةَ، والزُّهْريِّ؛ وصَوَّبَهُ ابنُ جريرٍ الطَّبَريُّ.
روى ابنُ جريرٍ الطَّبَريُّ، عنِ ابنِ جُرَيْجٍ؛ قال: قال عطاءُ بنُ مَيْسَرةَ: أحلَّ القتالَ في الشهرِ الحرامِ في "بَرَاءةَ" قولُهُ: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]؛ يقولُ: فيهن وفي غيرِهِنَّ (١).
стр. 352
وقال عطاءُ بنُ أبي رَبَاحٍ بعدَمِ النَّسْخِ، وكان يَحلِفُ عليه؛ كما رواه ابنُ جُرَيْجٍ عنه؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ بسَنَدٍ صحيحٍ (١).
وقد تقدَّمَ الكلامُ على هذه المسألةِ.
وبيَّن اللهُ سببَ قتالِ المُشرِكِينَ للمسلِمِينَ بقولِهِ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾؛ لِيَفْتِنُوهم عن دينِهم؛ ليَرْتَدُّوا طمَعًا في الأمنِ، وترهيبًا لِمَن يُرِيدُ اللَّحَاقَ بهم.
معنى الرِّدَّة:
والرِّدَّةُ هي الرجوعُ عنِ الحقِّ إلى ما كان عليه مِن الباطلِ، وغلَبَ استعمالُها على ذلك؛ لأمرَيْنِ:
أوَّلًا: لمَّا كان كفَّارُ قريشٍ يُرِيدُونَ رَدَّ مَنْ أسلَمَ مِن الصحابةِ إلى ما كانوا عليه مِن الشِّرْكِ، سُمِّيَتْ رِدَّةً؛ يَعني: رجوعًا إلى الأمرِ السابقِ.
ثانيًا: أنَّ المعروفَ فيمَن نشَأَ على الإيمانِ الحقِّ ووُلِدَ عليه: أنَّه لا يخرُجُ منه، ومِقْدارُ مَن يرتدُّ عن الإِسلامِ بعد النشأةِ عليه أقلُّ ممَّن يرتدُّ عن الإسلامِ ممَّن كان على الشِّرْكِ قبلَ ذلك بالنِّسْبةِ للأمَّةِ التي خرَجوا منها؛ ولذا يُخافُ على حديثِ العهدِ بالكُفْرِ مِن الخروجِ عن الإسلامِ أكثرَ ممَّن نشَأَ على الإسلامِ ولا يَعرِفُ الكفرَ؛ لأنَّ الإيمانَ امتزَجَ بقوَّةِ الفِطْرةِ، فتمكَّنَ الحقُّ منها ورسَخَ، وأَمَّا غيرُهُ فعلى فِطْرةٍ مبدَّلةٍ، مع دِينٍ صحيحٍ طارئٍ.
فأصبحَتِ الرِّدَّةُ تُطلَقُ عَلَى كلِّ خارجٍ عن الإسلامِ إلى الكفرِ، ولو لم يكُنْ على الكُفْرِ مِن قَبْلُ.
وفي الآيةِ: قوَّةُ بأسِ أهلِ الباطلِ على باطلِهم معَ جَلَائِهِ ووُضُوحِه،
стр. 353
واختيارُ الموتِ عليه، والكِبْرُ إذا استحكَمَ في القلبِ، عَمِيَ العقلُ عن الاختيارِ.
وقولُهُ: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
إحباطُ العمل بالرِّدَّةِ:
والرِّدَّةُ تُحبِطُ العملَ السابقَ بلا خلافٍ؛ وإنَّما الخلافُ في عودتِهِ عندَ العودةِ للإسلامِ بعد الرِّدةِ، وفي المسألةِ قولانِ مشهورانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الرِّدَّةَ لا تُحبِطُ العمَلَ السابقَ لِمَن عاد إلى الإسلامِ وأنابَ؛ وذلك أنَّ اللهَ قيَّد الإحباطَ في الآيةِ بقولِه: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾، فمَنِ ارتَدَّ ولم يَمُتْ عَلَى الرِّدَّةِ، عادَتْ حسَنَاتُهُ التي عَمِلَها؛ كالصلاةِ والزكاةِ وسائرِ الطاعاتِ، ولو كان قد أدَّى الحَجَّ، سقَطَ عنه؛ وهذا هو أحدُ القولَيْنِ عن أحمدَ، وقال به الشافعيُّ.
الثاني: أنَّ الرِّدَّةَ تُحبِطُ العملَ بالكليَّةِ، ولا يَرجِعُ عمَلٌ منها إلى صاحِبهِ، ولو كان قد أَدَّى الحجَّ، لَوَجَبَ عليه أن يُعِيدَهُ؛ قال بهذا مالكٌ وأبو حنيفةَ؛ وهو روايةٌ عن أحمدَ.
وقد أجرَى مَن قال بهذا القولِ عمومَ قولِهِ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥] على عمومِه، ولم يخصِّصْهُ بآيةِ البابِ.
وفي حَمْلِ الآيةِ عَلَى عمومِها نظَرٌ؛ وذلك أنَّ اللهَ قال: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥]، ومَن عاد إلى الإسلامِ بعد رِدَّتِه، فليس مِن الخاسرين؛ وإنَّما المرادُ: مَن مات مرتدًّا.
وتوسَّطَ بعضُ الفقهاءِ مِن الشافعيَّةِ وغيرِهِمْ؛ فقالوا: إنَّ الإحباطَ
стр. 354
للأجرِ فقَطْ، والعمَل في إجزائِهِ ليس بحابطٍ؛ فمَنْ حجَّ، لا يلزَمُهُ أنْ يُعِيدَهُ إذا ارتَدَّ بعدَهُ ثمَّ عاد.
والحَقُّ: أنَّ الأجرَ ثابتٌ للمرتدِّ التائبِ؛ ففي الحديثِ: (إِذَا أَسْلَمَ الْعَبدُ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ، كَتَبَ اللهُ لَهُ كُلَّ حَسَنَةٍ كَانَ أَزْلَفَهَا)؛ أخرَجَهُ النَّسائيُّ عن أبي سعيدٍ (١) وأصلُه في الصحيحِ (٢).
وفي "الصحيحَيْنِ"، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيْرِ، أنَّ حَكِيمَ بنَ حِزَامٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَيْ رَسُولَ اللهِ، أَرَأيْتَ أمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بها فِي الجَاهِلِيَّةِ؛ مِن صدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ أَوْ صِلةِ رَحِمٍ، أَفِيهَا أَجْرٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ) (٣).
فهذا عمَلٌ عمِلَهُ حالَ الجاهليَّةِ، ولكنْ أخلَصَ فيه للهِ ولم يَصرِفْ منه لغيرِ اللهِ شيئًا، فاحتَسَبَهُ اللهُ له بعدَ إسلامِه؛ فالجاهليُّونَ مع كفْرِهم يُخلِصُونَ في بعضِ أعمالِهم، فيَخُصُّونَ بها اللهَ وحدَهُ؛ فهذه تُكْتَبُ لهم، فيتقبَّلُ اللهُ ذلك منهم وهم كفَّارٌ؛ فكيفَ بما فعَلَه المسلمُ حالَ إسلامِهِ، ثمَّ ارتَدَّ ثمَّ رجَع؟ ! فقَبُولُ عمَلِهِ حالَ إسلامِهِ أَوْلى مِن قَبُولِ عمَلِهِ حالَ إشراكِه.
ولو قِيلَ بقَبُولِ عمَلِ المُشرِكِ حالَ شِرْكِهِ ممَّا أخلَصَهُ، ولا يُقبَلُ عمَلُ المسلمِ حالَ إسلامِه، للَزِمَ مِن ذلك قَبولُ عمَلِ المرتَدِّ حالَ رِدَّتِهِ ممَّا يُخلِصُ فيه.
فالمسلمُ المرتَدُّ التائبُ له أحوالٌ ثلاثٌ: إسلامٌ ثمّض كفرٌ ثم إسلامٌ؛
стр. 355
فعلى هذا يُقبَلُ منه عمَلُهُ حالَ الرِّدَّةِ وهو مشرِكٌ مما يُخلِصُهُ للهِ، ولا يُقبَلُ عمَلُه حالَ إسلامِهِ قلَ الرِّدَّةِ؛ وهذا بعيدٌ.
أحوالُ أهلِ الميزانِ في الآخرة:
ولا يُحبِطُ العملَ كلَّه إلَّا الشِّرْكُ باللهِ، والكافرُ ليس له كِفَّةٌ في المِيزَانِ إلَّا واحدةٌ، وأهلُ الميزانِ على ثلاثِ أحوالٍ:
الحالةُ الأُولى: مَن يُوزَنُ له عمَلُهُ بكِفَّتَيْنِ، كِفَّةِ الحسَنَاتِ، وكِفَّةِ السيِّئاتِ؛ وهُم عمومُ أهلِ الإيمانِ؛ لأنَّه لا يخلُو أحدٌ مِن ذنبٍ، إلَّا ما شاءَ اللهُ.
ووَزْنُهم لِيَعْرِفُوا هم ما لهم وما عليهم، وتقومَ عليهمُ الحُجَّةُ، فلا يُجادِلوا ربَّهم؛ فاللهُ جعَلَ عَلَى العبادِ رقيبًا وعتيدًا يُحصِي عليهم أعمالَهُمْ؛ لِيَرَوْها ويَذكُروها إذا نَسُوها، فاللهُ لا يُحصي لِيَعلَمَ ما لم يكنْ يعلمُهُ، بل يُحصي لِيَعلَمَ العبادُ، وتُقطَعَ الحُجَجُ عنهم؛ فجعَلَ عليهم شهودًا مِن الملائكةِ ومِن الناسِ ومِن أنفُسِهم.
الحالةُ الثَّانيةُ: مَنْ لا يُوزَنُ له إلَّا عمَلُهُ السيِّئُ، وهم المشرِكونَ؛ لأنَّه لا يَبقى مِن عمَلِهِمُ الصالحِ في الدنيا شيءٌ؛ لأنَّهم أحبَطُوهُ بالشِّرْكِ، وعُجِّلَ لهم الجزاءُ به في الدنيا: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠].
وتُوزَنُ سيِّئاتُهم؛ لأنَّ الكفرَ يَتبايَنُ كما يَتبابَنُ الإيمانُ؛ يَزِيدُ وينقُصُ؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]، فالكُفْرُ يَزِيدُ وينقُصُ كما يزيدُ الإيمانُ وينقُصُ، ولكنَّ الكفرَ الأكبرَ يخلِّدُ صاحبَهُ في النَّارِ، ويُعذَّبُ الكفَّارُ بحسَبِ كُفْرِهم، كما ينعَّمُ المؤمِنونَ بحسَبِ إيمانِهم.
الحالةُ الثَّالثةُ: مَنْ ليس له إلَّا كِفَّةٌ واحدةٌ، وهي كِفَّةُ الحسَنَاتِ،
стр. 356
وهم مَن غفَرَ لهم اللهُ كلَّ ذنبٍ، ما تقدَّم وما تأخَّر؛ كالنبيِّ ﷺ : ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢].
ويَلحَقُ بهذه الحالةِ الشهيدُ الذي لا حقوقَ للآدَميِّينَ عليه، ويدخُلُ أيضًا في هذا السبعونَ ألفًا الذينَ لا حِسابَ عليهم ولا عذابَ.
والحَسَناتُ تُذهِبُ السيِّئاتِ بلا خلافٍ، والسيِّئاتُ تُذهِبُ الحَسَناتِ عَلَى الأرجَحِ، والإذهابُ يكونُ بمقدارِ السيِّئةِ وعِظَمِها ومقدارِ الحَسَنةِ؛ فلا يُذهِبُ اللهُ حَسَنةً عظيمةً بسيِّئةٍ مِنَ المحقَّراتِ أوِ الصغائرِ، وقد تتكاثَرُ المحقَّراتُ حتَّى تعاظَمَ فتثقُلَ فتُذهِبَ الحَسَنةَ العظيمةَ.
* * *
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩].
وهذا مِن أسئلةِ الصحابةِ للنبيِّ ﷺ ، وهي نحوُ ثلاثةَ عشَرَ سؤالًا، وهذا المذكورُ في القرآنِ، والأسئلةُ كثيرةٌ، والسُّنَّةُ مليئةٌ بذلِك.
وأخرَجَ الدارِمِيُّ، وأبو يَعْلَى، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: "ما رأيتُ قومًا كانوا خيرًا مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ؛ ما سَأَلُوهُ إلَّا عن ثلاثَ عَشْرةَ مسألةً حتَّى قُبِضَ؛ كُلُّهُنَّ في القرآنِ" (١).
وكان النبيُّ ﷺ يَنْهَى عن كثرةِ السؤالِ؛ خشيةَ أن يَنزِلَ تحريمٌ، فيَشُقَّ ذلك على الناسِ؛ ولذا كانوا يُحِبُّون أنْ يأتِيَ الرجلُ مِن الأعرابِ أو مِن الغُرَباءِ، فيسألوا النبيَّ عن شيءٍ مِن الدِّينِ فيستفيدوا، ويأمَنوا مِن الحرَجِ الذي لا يُرِيدُهُ النبيُّ ﷺ عليهم؛ رحمةً بهم وشَفَقةً بالمؤمنينَ مِن
стр. 357
بعدِهم، واليومَ وبعدَ انقطاعِ الوحيِ أصبحَ رفعُ الجهلِ. بالسؤالِ مؤكَّدًا.
والسؤالُ هنا عَنِ الخمرِ والمَيْسِرِ، ويَحتمِلُ أنَّ السؤالَ عنهُما جميعًا مرَّةً واحدةً، ويَحْتَمِلُ تفرُّقَ السؤالِ عنهما، واجتماعَ الجوابِ؛ للمصلحةِ في ذلك.
اقترانُ الخمرِ بالميسِرِ:
وذلك أنَّ الخمرَ والمَيْسِرَ مِن الأمورِ التي تَمَسُّ حياتَهُما كلَّ يومٍ غالبًا، وربَّما كانا متلازِمَيْنِ؛ فمَن شَرِبَ الخمرَ، فهو مِن أهلِ المَيْسِرِ، ومَن تعامَلَ بالمَيْسِرِ، فهو مِن أهلِ الخمرِ، واجتماعُ بيانِ الحُكمَيْنِ الشرعيَّيْنِ المتلازِمَيْنِ وقوعًا ولو غالبًا: واجبٌ؛ ولذا تلازَمَ الكلامُ عنهما هنا، وتَلازَمَ في الآيةِ الأُخرى المبيِّنةِ لقَطْعِيَّةِ التحريمِ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
والتلازُمُ بينهما ظاهرٌ وباطنٌ؛ فالظاهرُ مِن جهةِ العَمَلِ؛ فمَن بُلِيَ بالخمرِ يُبلَى بالقمارِ غالبًا، وفي الباطنِ فكِلَاهُما مِن المُوبِقاتِ الموجِبةِ للفِسْقِ وضَعْفِ الإيمانِ ضعفًا شديدًا؛ فمَن ترَكَ الميسِرَ ظاهرًا، وهو يشرَبُ الخمرَ، فهو يترُكُ المَيسِرَ بلا تسليمٍ باطنٍ غالبًا، بل مع حبٍّ وشهوةٍ له، وكذلك مَن تعامَلَ بالميسِرِ، وترَكَ الخمرَ ظاهرًا، فهو يترُكُهُ بلا تسليمٍ باطنٍ غالبًا، بل مع حبٍّ وشهوةٍ له؛ فجاءتِ الشريعةُ بإصلاحِ الظاهرِ والباطنِ جميعًا؛ بالنهيِ عنِ العمَلَيْنِ المتلازِمَيْنِ.
وقد أنزَلَ اللهُ في تلازُمِ الإثمَيْنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قولَهُ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣].
روى ابنُ جريرٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحَةَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ، قالوا: يا رسولَ اللهِ، ما نَقولُ لإخوانِنا الذين مَضَوْا؟ كانوا يَشْرَبونَ الخمرَ، ويأكُلُونَ المَيسِرَ؟ ! فأنزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ
стр. 358
فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] (١).
وهما مِمَّا عمَّتْ بهِما البَلْوى، فاحتاجا إلى التدرُّجِ بالتنفيرِ منهما، والعمَلُ الذي تعُمُّ به البلوى يشُقُّ على الناسِ الإقلاعُ عنه مرَّةً واحدةً، فجاء الحُكْمُ مبيِّنًا غلَبَةَ شَرِّهِ على خيرِه.
ولمَّا كان المَيسِرُ والخمرُ يتَلبَّسُ بهما العامَّةُ والخاصَّةُ؛ جاء تحريمُهما على سبيلِ التدرُّجِ؛ حتَّى لا يَنفِرَ ضعيفُ الإيمانِ مِن تحريمِهما.
وكانت عملًا مشهورًا في أسواقِهم؛ تشرَّبَتْهُ قلوبُهم حتَّى بلَغَ أنَّهم يتَقامَرُونَ عَلَى أموالِهم وأولادِهم وأهلِيهم! فقد روى ابنُ جريرٍ، عن عليٍّ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: المَيسِرُ: القِمَارُ؛ كان الرَّجُلُ في الجاهليَّةِ يُخاطِرُ عَلَى أهلِهِ ومالِهِ، فأيُّهما قَمَرَ صاحِبَهُ، ذهَبَ بأهلِهِ ومالِه (٢).
وكثيرًا ما يُقامِرونَ مع حضورِ الخَمْرِ؛ قال سَبْرَةُ بنُ عمرٍو الفَقْعَسيُّ:
نُحَابِي بها أَكفَاءَنَا وَنُهِينُهَا … وَنَشْرَبُ فِي أَثْمَانِهَا وَنُقَامِرُ
والخَمْرُ أكثرُ شيوعًا - في الأغنياءِ والفقراءِ - في الجاهليَّةِ، وهِي مِن غايةِ اللَّذَّاتِ عِندَهم؛ قال طَرَفَةُ بنُ العبدِ:
وَلَوْلَا ثَلَاثٌ هُنَّ مِنْ عِيْشَةِ الْفَتَى … وَجَدِّكَ لم أَحْفِلْ مَتَى قَامَ عُوَّدِي
فَمِنْهُنَّ سَبْقِي العَاذِلَاتِ بِشَرْبَةٍ … كُمَيْتٍ مَتَى مَا تَعْلُ بِالمَاءِ تُزْبِدِ
التدرُّجُ بتحريمِ الخمرِ والميسِرِ:
وقَد كان التدرُّجُ بتحريمِ الخمرِ والمَيْسِرِ؛ حتَّى يخرُجَ قويُّ الإيمانِ منها بالتلميحِ ويتجنَّبَها، فيكثُرَ سَوَادُ التارِكِينَ لها؛ لأنَّ قويَّ الإيمانِ يترُكُ
стр. 359
المتشابِهاتِ وَرَعًا، وضعيفَ الإيمانِ يقَعُ فيها ولا يُبالي، ثُمَّ يَقِلَّ العامِلُ بها فيَنزِلَ عليهِمْ النصُّ، فيَستثقِلُوا البقاءَ على الفِعْلِ المحرَّمِ، ولا يَجِدوا من يأنَسُونَ به مِن الثِّقاتِ على البقاءِ عليها، فيرَوْهُمْ قد سبَقُوهُم بالتَّرْكِ، فإنْ لم يترُكُوها إيمانًا، ترَكُوها حياءً ومسايَرةً، والتروكُ في الإِسلامِ يهتمُّ الشارعُ بتركِها ولو بلا نِيَّةٍ؛ بخلافِ الأفعالِ.
وفي الآيةِ: أنَّه عند اشتِهارِ الشرِّ، وتلبُّسِ الناسِ به: تُذكَرُ الموارَنةُ فيما عَظُمَ شَرُّهُ على خيرِه، وتقريرُ ذلك ولو كانَ قطعيَّ التحريمِ في الشريعةِ؛ لأنَّ النَّاسَ لا تُوغِلُ في عمَلٍ محرَّمٍ إلَّا وهي ترى نفْعَهُ في دنياها غالبًا، فذِكْرُ الموازَنةِ إقرارٌ بصِحَّةِ عقولِهم مع قِصَرِ نظَرِهم، فإلغاءُ النفعِ الذي يرَوْنَهُ إلغاءً تامًّا يَحمِلُهم على ازدراءِ المخالِفِ واتِّهامِه بالمكابَرةِ والمعانَدةِ المَحضةِ؛ فالإقرارُ بما يُؤمِنونَ بِنَفْعِهِ وصِحَّةِ ذلك: أَدْعَى لقَبُولِ الحقِّ وتمييزِه؛ لأنَّ أخطرَ وجوهِ الصدِّ عن الحقِّ جَحْدُ سلامةِ عقلِ المخالِفِ بالجملةِ وإنكارُه، فيحضُرُ العِنادُ والمكابَرةُ، وتَغِيبُ الحُجَّةُ فلا تُرى صحيحةً.
فاللهُ بين صِحَّةَ ما يرَوْنَهُ مِن منافِعَ في الخمرِ والمَيسِرِ، وسلامةَ ذلك النَّظَرِ، ولكنْ بَيَّنَ ما غاب عنهم مِن مَفاسدِهما الغالبةِ، وهذا إيناسٌ للنفوسِ أنْ تُقبِلَ ولا تُعانِدَ وتُكابِرَ.
وهذه الموازَنةُ في الأمرِ المحرَّمِ الذي تثبُتُ مَنافِعُه، لا في المحرَّمِ الذي مَنافِعُهُ متوهَّمةٌ فتُصنَعُ له مَنافعُ تأليفًا وتقريبًا؛ فهذا غِشٌّ وتدليسٌ وظُلْمٌ، ولا كذلك في المحرَّمِ غيرِ المستقِرِّ في الناسِ ولا الراسخِ فيهم، فتبيينُ مَنافِعِهِ لهم تَرغيبٌ لهم في البقاءِ وإيناسٌ لهم على باطلِهم، وهذه الأحوالُ تقَعُ بحسَبِ ميزانِ العالِمِ لها، وتَختلِفُ بحسَبِ نوعِ المحرَّمِ وزمَنِهِ وبلَدِهِ.
стр. 360
والخمرُ مأخوذٌ مِن التخميرِ، وهو التغطيةُ؛ فكلُّ ما خامَرَ العقلَ وغيَّبَهُ، فهو خَمْرٌ، وتخميرُ الإناءِ: تغطيتهُ، وخِمَارُ المرأةِ: ما ستَرَها، وكلُّ مشروبٍ أو مطعومٍ أو مُسَتنشَقٍ يغيِّبُ العقلَ: داخِلٌ في معنَى الخَمْرِ.
إقامةُ الحدِّ على آكلِ المخدِّرات:
واختلَفَ الفقهاءُ في المخدِّراتِ والحَشيشةِ؛ هل يُقامُ على متناوِلها حَدُّ شاربِ الخَمْرِ أم لا؟ ! على أقوالٍ ثلاثةٍ:
قيلَ: بِأخذِها حُكْمَ الخمرِ في الحدِّ.
وقيلَ: لا تأخُذُ حُكمَه.
وقِيل: تأخُذُ حُكْمَهُ، ويُزادُ على ذلك تعزيرًا؛ للإضرارِ بالنفسِ؛ فإنَّ الخمرَ يغيِّبُ العقلَ ولا يُتلِفُهُ، وأمَّا المخدِّراتُ والحشيشةُ، فغالِبُها يغيِّبُ العقلَ ويُتلِفُهُ، فهو كمَنْ شَرِبَ خمرًا وتَناوَلَ سُمًّا؛ يُجلَدُ حدَّ السُّكْرِ، ويعزَّرُ على تناوُلِ السُّمِّ.
والنصوصُ جاءتْ عامَّةً في إشراكِ كُلِّ مُسْكِرٍ في الحدِّ، ولم يقيَّدْ بنوعٍ دونَ نوعٍ، ولا بصفةِ تناوُلٍ معيَّنةٍ، فالمشروبُ والمأكولُ والمستنشَقُ في ذلك سواءٌ؛ فقد جاءَ في "الصحيحَيْنِ" عن عائشةَ ﵂، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: (كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ، فَهُوَ حَرَامٌ) (١).
وفي "الصحيحَيْنِ", عنْ أبي مُوسَى، عنِ النبيِّ ﷺ ؛ أنَّه سُئِلَ فقيل له: عِنْدَنَا شَرَابٌ مِنَ العَسَلِ يُقالُ لَهُ: البِتْعُ، وشَرابٌ مِنَ الذُّرَةِ يُقَالُ لَهُ: المِزْرُ؟ قَالَ: فقال: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ) (٢).
والشريعةُ وإنْ غلَبَ إطلاقُها السُّكْرَ على المشروبِ؛ فلأنَّ عُرْفَ
стр. 361
الناسِ في الجاهِليَّةِ على هذا، والشريعةُ تنزِّلُ ألفاظَ اللُّغَةِ العامَّةَ على عُرْفِ الناسِ، ولا يَعني هذا تقييدًا للحكم على الصُّورَةِ التي يعرِفُها الناسُ؛ بل يشترِكُ مَعَها ما في حُكْمِها، إلَّا العباداتِ؛ فهي مقيَّدةٌ بما وصَفَهُ الشارِعُ.
معنى القِمَارِ والميسِرِ:
وأمَّا المَيْسِرُ: فهو على وزنِ "مَفْعِلٍ"، بكسرِ العَيْنِ، وهو ضِدُّ العُسْرِ، وقولُهُمْ: "يَسَرَ لي هذا الأمْرُ"؛ يَعْنِي: وَجَبَ لِي حَقًّا، وَالياسِرُ: الواجِبُ؛ ولذا يسمَّى من يَتعامَلُ بالقِمَارِ: يَاسِرًا وَيَسَرًا.
والقِمَارُ والمَيْسِرُ: هو المراهَنةُ على غَرَرٍ مَحْضٍ.
والقِمَارُ: هو المَيسِرُ؛ قاله ابن عُمَرَ، ومجاهِدٌ، وعطاءٌ، وطاوسٌ، والحَسَنُ، وقَتَادةُ، والسُّدِّيُّ، والضَّحَّاكُ؛ روى ابنُ جريرٍ، عن ابنِ أبِي نَجِيحٍ، عن مجاهِدِ في قَولِهِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾، قال: "القِمَارُ".
وعن لَيْثٍ، عن مجاهِدٍ؛ قال: "كُلُّ القِمَارِ مِن المَيْسِرِ، حَتَّى لَعِبُ الصِّبْيانِ بالجَوْزِ".
وعن أبِي الأَحْوَصِ، عن عبدِ اللهِ؛ أنَّه قالَ: "إيَّاكُمْ وهَذِهِ الكِعَابَ التي تَزْجُرونَ بها زَجْرًا؛ فإنَّها مِن المَيْسِرِ".
أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ (١).
والمرادُ بالزَّجْرِ: هو الضَّرْبُ مِنَ التوقُّعِ والخَرْصِ.
والمحرَّمَاتُ في المعامَلاتِ على نوعَيْنِ: رِبًا، ومَيْسِرٌ:
والرِّبَا: أَكْلُ مالِ الناسِ بالباطِلِ، مع العِلْمِ بمَن يأخذُ المالَ، ومِقْدارِ أخذِهِ، ووَقْتِ أخذِهِ.
стр. 362
وعِلَّةُ تحريمِ الرِّبَا: أنَّه أَخْذُ المالِ بِلا حَقٍّ, وفيه استغلالُ ضَعْفِ الفقيرِ وحاجةِ المحتاجِ؛ فهو لم يأخُذْهُ مختارًا؛ وإنَّما مضطَرًّا.
وفي المنعِ مِن الرِّبا: وَأْدٌ لِشَرَهِ الأغنياءِ، وكَسْرٌ لطغيانِ الكُبَراءِ، ومنعٌ لزيادةِ فقرِ الفقيرِ لِيَزدادَ غِنَى الغنيِّ.
وأمَّا المَيْسِرُ، فهو: أكلُ أموالِ الناسِ بالباطلِ؛ للجَهَالةِ فيه، فلا يُعرَفُ آخِذُ المالِ، وربَّما لا يُعرَفُ عينُ المالِ ومِقْدارُهُ.
الفرقُ بينَ الربا والميسِرِ:
ويَختلِفُ الميسِرُ عنِ الرِّبَا: أنَّ الرِّبَا معلومُ المقدارِ وآخِذِ المالِ، ولكنَّه أخِذَ بلا حقٍّ، وأمَّا المَيسِرُ فلا يُعرَفُ آخِذُ المالِ، وقد لا يُعرَفُ مِقدارُهُ، ويُؤخَذُ بلا حقٍّ.
والغالِبُ في الميسرِ: أنَّ المتعامِلَ يفعلُهُ مختارًا بلا حاجةٍ، ويكونُ بين الأغنياءِ غالبًا، وأمَّا الرِّبَا: فيكونُ بين غنيٍّ وفقيرٍ أو محتاجٍ؛ ولذا عَظُمَ أمرُهُ مِن هذا الوجهِ.
الرضا بالرِّبَا والميسِرِ:
ولا أثَرَ للتراضِي بين الأطرافِ في ثبوتِ الحُكْمِ وعدَمِه؛ لأنَّ الرِّبا لم يَرْضَهُ المحتاجُ إلَّا لحاجَتِهِ؛ فهو يَرضى ظاهرًا لا باطنًا؛ ليَقضِيَ حاجتَهُ، وكذلك المتعامِلونَ بالمَيْسِرِ؛ لا أثَرَ لرِضَاهُم في ثبوتِ مَفاسدِه، فهم يَرضَوْنَ ابتداءً، ويتنازعونَ عندَ غلَبةِ أحَدِهم، وإن لم يُوجَدِ النِّزاعُ والاعتراضُ ظاهرًا، فهو موجودٌ باطنًا، فتقَعُ العداوةُ؛ فالشريعةُ جاءَتْ بمُعالَجةِ الظواهرِ والبواطنِ وتطهيرِها.
ثمَّ إنَّ المالَ الذي يُؤخَذُ بالمغالَبةِ الذِّهنيَّةِ بينَ طرفَيْنِ - أو البدَنيَّةِ، أو بالحظِّ والجَهَالةِ - يحصُلُ فيه منافَسةٌ وترقُّبٌ للفوزِ، فالنفسُ الخاسرةُ تحزَنُ وتتألَّمُ، وتُبغِضُ وتَكرَهُ، فتحسُدُ وتَحقِدُ، بخلافِ المالِ الذي يُؤخَذُ
стр. 363
بلا مغالَبةٍ كالهَدِيَّةِ؛ فالإنسانُ يُعطيها أَحَدًا, ولا يترقَّبُ شيئًا, ولا تتشوَّفُ نفسُهُ إلَّا إلى المودَّةِ؛ ولهذا جاز للإنسانِ أن يُهدِيَ ألفَ دينارٍ، ولا يجوزُ أن يُقامِرَ على دِرْهَمٍ.
ويعلِّلُ العلماءُ التحريمَ: بعَدَمِ وجودِ عَيْنِ عِوَضٍ ومُعامَلةٍ ومستحِقٍّ للمالِ، وهذه جَهَالةٌ، وهذا تعليلٌ صحيحٌ؛ لأنَّ وجودَ هذه الجهالةِ هو سببُ وجودِ المغالَبةِ النفسيَّةِ، وتُوجِدُ البغضاءَ في النفوسِ؛ لأنَّ النفسَ ترى أنَّها أَوْلى مِن غيرِها، بِخلافِه في البيعِ فيتفرَّقُ المتبايِعانِ, وكلٌّ فَرِحٌ بما لدَيْهِ؛ البائِعُ فَرِحٌ بما باع، والمشتري فَرِحٌ بما اشتَرى؛ لأنَّ البيعَ لا جَهَالةَ فيه تُوجِدُ المغالَبةَ، وهناك حقٌّ متبادَلٌ يُطفِئُ نارَ الغَبْنِ والحِقْدِ.
ويعظُمُ المَيسِرُ بعِظَمِ المالِ المأخوذِ؛ لأنَّه بعِظَمِهِ تعظُمُ البغضاءُ والعَدَاوةُ، وكذلك بِعِظَمِ المأخوذِ رِبًا يعظُمُ الرِّبا؛ لعِظَمِ الضَّرَرِ الواقعِ على الفقيرِ والمحتاجِ.
ويدخُلُ في حُكْمِ المَيْسِرِ وفي معناهُ: كلُّ جَهَالةٍ في البيوعِ؛ كالمنابَذةِ والمزابَنةِ والملامَسةِ وبَيْعِ الحَصَاةِ، ولكنَّ الميسِرَ غلَبَ مصطلَحًا على صورةٍ من أنواعِ الجَهَالةِ.
والقِمَار لا تقيَّدُ صورتُهُ بعمَلٍ أو آلةٍ معيَّنةٍ، فلا يَنْزِلُ القِمارُ إلَّا عليها؛ فهو نازِلٌ على القولِ والعملِ، صغيرًا أو جليلًا؛ فعن ابنِ سِيرينَ؛ قال: "كلُّ لَعِبٍ فيه قِمَارٌ مِن شُرْبٍ أو صِيَاحٍ أو قيامٍ، فهو مِنَ الميسِرِ" (١).
فما كان مِن رميِ القِدَاحِ أو الجَوْزِ أو الحَصَى أو المكعَّباتِ أو الألعابِ الإلكترونيَّةِ الحديثةِ أو الورَقيَّةِ، فهي داخِلةٌ في ذلك.
والميسِرُ والقِمَارُ يَتَّفِقُ في صورتِهِ، ولكنَّه يختلِفُ في آلتِهِ مِن زمَنٍ
стр. 364
إلى زمنٍ، ومِن بلدٍ إلى بلدٍ، فتختلِفُ الآلةُ بحسَبِ البُلْدانِ؛ فمِنهم مَن يستعمِلُ المكعَّباتِ، ومنهُمُ الشِّطرَنْجَ، ومِنهمُ الحَصَى، ومِنهمُ السِّهَامَ، ومِنهم آلاتٍ إلكترونيَّةً أو أوراقًا حديثةً.
وأشدُّه تحريمًا: ما يضمَنُ الرِّبْحَ فيه واحدٌ بعَيْنِه، ويَخسَرُ الباقونَ، فهذا جمَعَ لَعْنَ الرِّبا وشِدَّةَ المَيْسِرِ، وهو أن يَقُومَ أحدٌ بجَمْعِ الأموالِ مِن الناسِ ليُعطِيَ واحدًا منهم بعضَها، وهو بنَفْسِهِ واحدٌ منهم، فيأخُذُ مِن المالِ حقَّ جمعِهِ ورعايتِه، ويُعطِي واحدًا مِنهم بالقُرْعةِ جُزءًا منها، فهو رابحٌ في كلِّ حالٍ، وهذا ما تفعَله الشَّرِكاتُ والمؤسَّساتُ.
والشريعةُ إنَّما حَرَّمَتِ المَيسِرَ؛ لأنَّه أخذٌ للمالِ بصورةٍ باطلةٍ ولو رَضِيَها الإنسانُ؛ لِمَا تتضمَّنُهُ مِن أخذِ المالِ بلا حقٍّ ومعاوَضةٍ، والمالُ محتَرَمٌ، فكما حَرَّمَ اللهُ إتلافَهُ وحَرْقَه، فقد ضبَطَ اللهُ التعامُلَ فيه، فلا يُؤخَذُ إلَّا بمبادَلةٍ شرعيَّةٍ، أو عن طِيبِ نفسِه بهِبَةٍ أو عطيَّةٍ أو صَدَقةٍ.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾.
النَّفْعُ, ما يَجِدونَهُ في الخمرِ والميسِر مِن تجارةٍ ورِبْحٍ، وتسليةٍ وإهدارِ وقتٍ.
نفعُ الخمرِ والميسِرِ وإثمهما:
واستَعمَلَ في الآيةِ قولَهُ: "النَّفْعَ" في بيانِ الخيرِ فيهما، و"الإثمَ" في بيانِ الشرِّ، وما يُقابِلُ النَّفْعَ هو الضرُّ؛ لأنَّ النَّفْعَ عاجِلٌ، ولا يَلزَمُ مِن الانتفاعِ الإثابةُ عليه في الآخِرةِ، وأمَّا الإثمُ: فيَلزَمُ منه الشرُّ في الدُّنيا، والعقابُ في الآخِرةِ.
ويَظهَرُ في هذا: التخويفُ، وأنَّ النَّفْعَ إنَّما هو عاجِلٌ زائِلٌ، والشرَّ غالبٌ، والإثمَ باقٍ، واستعمالُ الترهيبِ والوعظِ والتخويفِ مِن العاقبةِ يُحْيي الإيمانَ ويُوقِظُه، واستعمالُ الموازينِ الماديَّةِ لإحقاقِ الحقِّ وتبيينِ
стр. 365
المحرَّمِ وإثباتِهِ، والاقتصارُ على ذلك: خطأٌ؛ فهو يعلِّقُ القلبَ والعقلَ ألَّا يُؤمِنَ إلَّا بما تثبُتُ عِلَّتُه، وينفِّرُ مِن الأحكامِ التي يحرِّمُها الشرعُ عندَ غيابِ عِلَّةِ التحريمِ، ولا تُترَكُ الموازنةُ العقليَّةُ، ولكنْ لا يجوزُ تغليبُها على وجوبِ التسليمِ بالحُكْمِ الإلهيِّ.
وربطُ الناسِ بالتسليمِ ليس تعطيلًا للعقلِ، بل تعظيمًا للخالقِ وسَعَةِ عِلْمِه؛ فإنَّ الإنسانَ إذا رجَعَ كلَّ شيءٍ إلى نَفْسِهِ، تَكبَّرَ، وإذا رجَعَهُ إلى غيرِهِ، عَلِمَ ما لم يَعلَمْ، فهذا في البشَرِ، والفارِقُ بين البشرِ في العِلْمِ والحِكْمةِ محدودٌ، والفارقُ في العلمِ والحِكْمةِ بين الإنسانِ وربِّه ليس له حَدٌّ، وتسليمُ الإنسانِ بحُكْمِ رَبِّهِ قوةُ إيمانٍ، وأَثْبَتُ على التمسُّكِ بالحقِّ؛ فإنَّ العقولَ تتمسَّكُ بما ترى نفعَهُ، فإذا زالَ النفعُ، انتكَسَتْ عنه، وأمَّا مَن سلَّم للهِ، فما عندَ اللهِ ثابتٌ لا يزولُ؛ روى ابنُ جريرٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عنِ ابنِ عَباسٍ؛ قولَهُ: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾؛ يقولُ: "ما يَذهَبُ مِنَ الدِّينِ، والإثمُ فيه: أكبَرُ مِمَّا يُصِيبُونَ في فَرَحِها إذا شَرِبُوهَا" (١).
وهذه الآيةُ تمهيدٌ لما أَتَى بعدَها مِن التحريمِ؛ حيثُ أنزَلَ اللهُ قولَهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]؛ وذلك لبيانِ التحريمِ ووضوحِه، وقَطْعِ الرَّيْبِ والشكِّ الواقعِ في النفوسِ من حُكْمِ الخمرِ والميسِرِ.
وأكثرُ المفسِّرينَ: على أنَّ آيةَ البابِ لم يثبُتْ بها تحريمُ الخمرِ قطعًا؛ وإنَّما إلماحًا، وروى ابنُ جريرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ؛ قالَ: "لمَّا نزَلَتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾،
стр. 366
فكَرِهَها قومٌ؛ لقولِه: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، وشَرِبها قومٌ، لقوله: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾، حتَّى نزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] , قال: فكانُوا يَدَعُونها في حِينِ الصلاةِ، ويَشرَبونَها في غيرِ حينِ الصلاةِ، حتَّى نزلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] , فقال عمرُ: ضَيْعَةً لَكِ! اليومَ قُرِنْتِ بالميسِرِ! " (١)
والخمرُ ممَّا وقَعَ الخلافُ في تحريمِ الشرائعِ السابِقةِ لها، والكتُبُ السابقةُ فيها ما يُشِيرُ إلى هذا وهذا، واللهُ أعلَمُ.
وقولُه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾.
المرادُ بالعفوِ: ما زادَ وفضَلَ عن حاجةِ النَّفْسِ والزَّوْجةِ والوَلَدِ؛ روى مِقسَمٌ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: "العفوُ: ما فضَلَ عن أهلِك".
وقال بهذا عطاءٌ وقتادةُ وغيرُهما (٢).
التوسُّطُ في النفقةِ:
وفيه: الحَثُّ على التوسُّطِ في النَّفَقةِ، وعدَمِ السَّرَفِ، والسَّرَفُ بالنفقةِ: أنْ يُنفِقَ الإنسانُ نفقةً تَضُرُّ مَن تجبُ عليه كِفَايَتُهم؛ كوالِدَيْهِ وأولادِه وزَوْجِه؛ فهو يقدِّمُ مستحَبًّا على واجبٍ.
وأمَّا تقديمُ أبي بكرٍ لمالِهِ كلِّه ولم يُبْقِ لهم إلَّا اللهَ ورسولَهُ، فذلك أنَّ النبيَّ ﷺ استَنْفَقَ الناسَ، وهو في حُكْمِ النَّفِيرِ، ثمَّ إنَّ أبا بكرٍ لم يجرِّدْ أهلَهُ مِن المالِ الذي يقومُونَ به مِن مَلْبَسِهم ومَرْكَبِهم ومَسْكَنِهم القائِمِينَ عليه، فهو لم يَبِعْ بيتًا ولا بِسَاطًا ولا مَرْكَبًا؛ وإنَّما أنفَقَ مالَهُ ممَّا زاد عى ذلك من نَقْدٍ وعَيْنٍ.
стр. 367
وفي الحثِّ على النفقةِ بفضلِ المالِ: إشارةٌ إلى النهيِ عنِ الخمرِ والميسرِ بلا تصريحٍ؛ فاللهُ نَهَى عنِ الإنفاقِ للهِ بإسرافٍ مع كونِهِ قُرْبةً، فكيف بما يفعَلُهُ الناسُ مِن إهدارِ المالِ لغيرِ اللهِ؟ !
وفي ذلك: أنَّ اللهَ لمَّا حَرَّمَ عليهِم إهدارَ المالِ في الخمرِ والميسِرِ، أرشَدَهُم إلى إنفاقِه؛ وذلك أنَّ بعضَ النفوسِ تميلُ إلى الميسِرِ؛ لفَضْلِ مالٍ عِنْدَهُ وزيادةٍ فيه، فالنفقةُ في ذلك خيرٌ وأَبْقَى مِن الميسِرِ.
وفيه امتحانٌ للنفوسِ؛ فما تُنْفِقُهُ في حرامٍ بحُجَّةِ رضا النفسِ وطِيبِها به، فما تفعلُ فيما يجبُ عليها ويُستحَبُّ؟ ! هل تَطِيبُ النفسُ به وتَدْفَعُهُ فيه كذلك، أم تَشُحُّ وتُمسِكُ؟ !
وفي ذلك: إشارةٌ إلى أنَّ المالَ إذا صُرِفَ في حرامٍ، تعطَّلَتْ مصالِحُ النفقةِ الواجبةِ والمستحَبَّةِ فيه.
وقيلَ: المرادُ بالعفوِ: أفضلُ المالِ وأطيَبُهُ؛ قاله الربيعُ وقتادةُ (١).
وقولُه: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾.
وفي الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ إعمالَ الفِكْرِ والعَقْلِ لا يَنتَهِي بالإنسانِ إلَّا إلى مرادِ اللهِ؛ وإنَّما العَيْبُ في قصورِ الفِكْرِ وضَعْفِ النَّظَرِ.
واللهُ يبيِّنُ للناسِ الغاياتِ، ويختصِرُ لهم توضيحَ النهاياتِ؛ ليَصِلُوا بعقولِهِم إليها بإدنى تأمُّلٍ، وأقربِ تفكُّرٍ.
وإنَّما ذكَرَ اللهُ ﴿الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ كما في الآيةِ التالية [البقرة: ٢٢٠]؛ لأنَّ التفكُّرَ فيهما والتوازُنَ بينهما هو طريقُ الوصولِ إلى النتائجِ الحَقَّةِ؛ فالتفكُّرُ في المادِّيَّاتِ - وهي الدُّنيا - مجرَّدًا عن أمرِ الآخِرةِ: يُورِثُ جَهَالةً في الدِّينِ، والتفكُّرُ في أمرِ الآخِرةِ وتعطيلُ التفكُّرِ في منافعِ الدُّنيا: يُورِثُ تعطيلًا للدُّنيا.
стр. 368
وأكثرُ الخَلَلِ في نتاتجِ تفكُّرِ العقولِ, أنَّها تضعُفُ في تأمُّلِ الحقيقةِ؛ إمَّا في الدُّنيا أوِ الآخِرةِ؛ فتضطَرِبُ نتائجُها، فمَن لا يُؤمِنُ بجَدْوَى حُكْمِ اللهِ، فهو تفكَّرَ فيما يَراهُ مِن دُنْياهُ، لا فيما يراهُ مِن عاقبتِهِ ممَّا غاب عنه في الدُّنيا والآخِرةِ.
* * *
قال تعالى: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
كانتِ العربُ تتوسَّعُ في مالِ الأيتامِ، ومالُهُمْ في غالبِهِ يحتاجُ إلى إدارةٍ وتصرُّفٍ؛ لأنَّه لا يُنتفَعُ به إلَّا بذلك؛ فغالِبُ مالِ العربِ إمَّا زَرْعٌ وغَرْسٌ أو ماشِيَةٌ، والنَّقْدانِ فيهم قليلٌ, والزَّرْعُ والغَرْسُ والماشيةُ تحتاجُ إلى رعايةٍ حتَّى تُخرِجَ وتُدِرَّ وتُنتِجَ، فكان لا بُدَّ مِن عائلٍ لها، وربَّما تَساهَلَ أقوامٌ بأَخْذِ أموالِ اليتامى، وزادُوا في أخذِ حقِّهم، وترخَّصوا بالزِّيَادةِ على ما يَستحِقُّونَ، وربَّما جعَلُوها خُلْطةً مع مالِهم بلا تمييزٍ، وغلَبَ تقديرُهُمْ لحظِّ أنفُسِهِمْ على أيتامِهم؛ فأنزَلَ اللهُ على نبيِّهِ قولَهُ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] , فخاف كثيرٌ منهم لإيمانِهِ، وتورَّعَ عن قربِ مالِ اليتيمِ، وتردَّدَ كثيرٌ، حتَّى زهِدَ الناسُ في رعايةِ الأيتامِ وتنميةِ مالِهم.
روى ابنُ المنذِرِ، وابنُ جريرٍ، عن عَلِيٍّ، عن ابنِ عَبَّاسٍ؛ فِي قولِهِ : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ قَالَ: ذلك أَنَّ اللهَ - جَلَّ وَعَزَّ - لمَّا أَنْزَلَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ الآيةَ [النساء: ١٠] , كَرِهَ المُسْلِمونَ أَنْ يَضُمُّوا الْيَتَامَى إِلَيْهِمْ، وَتَحَرَّجُوا أَنْ يُخَالِطُوهُمْ فِي شَيْءٍ، وَسَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ - جَلَّ وَعَزَّ -:
стр. 369
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ إِلَى قولِهِ: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾؛ لأَحْرَجَكُمْ وضَيَّقَ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنَّهُ وَسَّعَ وَيَسَّرَ، فَقَالَ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] (١).
وقال بهذا المعنى وأنَّ الآيةَ المحذِّرةَ من مالِ اليتيمِ هي آيةُ النِّساءِ جماعةٌ؛ كالشَّعْبيِّ وعَطَاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ (٢).
والمشهورُ: أنَّ النِّساءَ نزَلَتْ بعدَ البقرةِ، ولعلَّ الآيةَ المحذِّرةَ مِن قُرْبِ مالِ اليتيمِ والتشديدَ في ذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢].
فقد روى ابنُ جريرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيْرٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ؛ قال: لمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] عزَلُوا أموالَ اليتامى، فذكَرُوا ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ ، فنزَلَتْ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ , فخَالَطُوهم (٣).
وقال: بأنَّ الآيةَ المحذِّرةَ التي لِأَجْلِها نزَلَتْ آيةُ البابِ هي قولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] جماعةٌ مِن السَّلَفِ؛ كابنِ أبي ليلى، وسعدٍ، وقتادةَ، والرَّبِيعِ (٤).
التشديدُ في مالِ اليتيمِ:
وقيل: إنَّ الجَاهِلِينَ مِن العَرَبِ كانوا يعظِّمونَ أمرَ اليتيمِ حتَّى في جاهِليَّتِهم، ويَحترِزونَ منه احترازًا يُضِرُّ باليتيمِ ويَمنَعُه مِن الانتِفاعِ بمالِهِ وتنميتِهِ؛ روى أسباطٌ، عنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾، قال: كانتِ
стр. 370
العربُ يُشَدِّدونَ في اليتِيمِ حتَّى لا يَأكُلُوا معه في قَصْعةٍ واحدةٍ، ولا يَرْكَبُوا له بعيرًا, ولا يَستَخدِمُوا له خادِمًا، فجاؤوا إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَألُوه عنه؟ فقال: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾؛ يُصلِحُ له مالَهُ وأَمْرَهُ له خيرٌ، وإنْ يُخالِطْهُ فيأكُلْ معه ويُطعِمْهُ ويَرْكَبْ رَاحِلَتَهُ ويَحمِلْهُ، ويَستخدِمْ خَادِمَهُ ويَخْدُمْهُ، فهو أَجْودُ، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ (١).
ورواهُ العَوْفِيُّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ بنحوِه (٢).
ورُوِيَ عنِ الضَّحَّاكِ كذلك (٣).
ولعلَّ العرَبَ لم يكونوا على حالٍ واحدةٍ؛ ففيهِمُ المتساهِلُ، وهم الأكثرُ، وفيهِمُ المتشدِّدُ على نَفْسِهِ وعلى اليتيمِ بما يَضُرُّه ويَضُرُّ اليتيمَ، وهم قِلَّةٌ، وكِلا الحالَيْنِ بحاجةٍ إلى بيانٍ.
وقد بَيَّنَ اللهُ حالَ مُخالَطتِهم كمُخالطَةِ الإخوةِ بلا حَرَجِ؛ ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾؛ فعن ابن وهبٍ؛ قال: قال ابنُ زَيْدٍ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾، قال: "قد يُخالِطُ الرَّجُلُ أخَاهُ" (٤).
ومُخالَطةُ الإخوةِ فيها مِن المُسامَحةِ والمَوَدَّةِ التي لا يُحِبُّ الإنسانُ معها أنْ يُضِرَّ بمالِ أخيه كمالِهِ؛ كما في الحديث: (لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) (٥)، فهو يُحِبُّ في مالِهِ الحفظَ، ويَرضى فيه المسامَحَةَ، وعلامةُ صدقِ الإنسانِ في ذلك: نِيَّتُهُ الحَسَنةُ؛ ولذا قال اللهُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾؛ يَعني: مَن بَيَّتَ إصلاحَ المالِ وحِفظَهُ بمسامَحةٍ، ومَن بَيَّتَ إفسادَه وجعَلَ المسامَحةَ في الخُلْطةِ بابًا للتزيُّدِ والتكثُّرِ والتربُّصِ بمالِ اليتيمِ.
стр. 371
وقد روى حَمَّادٌ، عنْ إبراهيمَ، عن عائشةَ؛ قالتْ: "إنِّي لأَكْرَهُ أنْ يَكونَ مالُ اليتيمِ عندي عُرَّةً، حتَّى أَخْلِطَ طعامَهُ بطَعَامي، وشَرابَه بشَرابي".
وعن أبي مِسكينٍ، عن إبراهيمَ؛ قال: "إنِّي لَأَكْرَهُ أنْ يَكُونَ مالُ اليتيمِ كالعُرَّةِ".
رَواهُما ابنُ جريرٍ (١).
وكالعُرَّةِ؛ يَعني: كالقَذَرِ؛ يَأنَف الإنسان مِن قُرْبِهِ ومِنْ مماسَّتِهِ.
واللهُ أرادَ حَثَّ الناسِ على خُلْطةِ اليتيمِ مع حُسْنِ قصدٍ؛ دفعًا للمشقَّةِ والحَرَجِ لكافِلِ اليتيمِ؛ مِن أن يتكلَّفَ الحسابَ، وربَّما دَفَعَهُ ذلك إلى الوَسْوَسةِ، وربَّما حَمَلَهُ على تركِ مالِ اليتيمِ والزُّهْدِ في تنميتِهِ، فيُضِرُّ ذلك باليتيمِ.
أثرُ النِّيَّةِ في التعاملِ مع مال اليتيمِ:
وقولُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾.
فيه: أثرُ النِّيَّةِ والقصدِ على العملِ، واللهُ رجَعَ الناسَ إلى صالِحِ نِيَّاتِهم وفاسِدِها، وعليها يُحاكَمُونَ، وأنَّ القصدَ يؤثِّرُ في حُكْمِ أَخْذِ مالِ اليتيمِ؛ فقاصِدُ السُّوءِ يتحيَّنُ الأخذَ ويستكثِرُ، وقاصِدُ الخيرِ لا يتحيَّنُ ويقلِّلُ؛ فأرادَ اللهُ مِن الناسِ إصلاحَ المقاصِدِ؛ لتؤثِّرَ على التوازنِ في العملِ، الذي لا يشعُرُ صاحِبُهُ باختلالِهِ إلَّا بشعورِه بحقيقةِ قصدِهِ ونِيَّتِهِ.
والنِّيَّةُ هي مدارُ الثوابِ والعقابِ، وإنِ اختلَفَ العملُ الظاهِرُ؛ فاللهُ لا يجازِي قاصِدَ الخيرِ الذي أضَرَّ بمالِ اليتيمِ بحُسْنِ قصدٍ ضَرَرًا عظيمًا إلَّا خيرًا؛ لقَصْدِهِ الحَسَنِ, ويجازِي قاصِدَ الشرِّ الذي أَضَرَّ بمالِ اليتيمِ ضَرَرًا يسيرًا بالإثمِ؛ لقصدِه السُّوء.
стр. 372
روى ابنُ وَهْبٍ؛ قال: قال ابنُ زَيْدٍ, في قولِ اللهِ - تعالى ذِكْرُه -: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾؛ قال: "اللهُ يَعْلَمُ حِينَ تَخلِطُ مالَكَ بمالِهِ: أتُرِيدُ أن تُصلِحَ مالَهُ، أو تُفسِدَهُ فتأْكُلَهُ بغيرِ حَقٍّ" (١).
وقال الشَّعْبيُّ: "مَن خالَطَ يَتيمًا، فلْيتَوَسَّعْ عليه، ومَن خالَطَهُ ليأكُلَ مالَهُ، فلا يَفعَلْ" (٢).
وقولُه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾؛ أيْ: شَقَّ عليكم في مالِ اليتيمِ وشدَّد، وكلَّفَكُمْ ما يَضُرُّ بكم وبه، ولكنَّ اللهَ رحيمٌ لطيفٌ بعبادِه، والعنَتُ هو المشقَّةُ؛ كقولِهِ تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]؛ أيْ: ما يَشُقُّ عليكم.
فعن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾؛ يقولُ: "لو شاءَ اللهُ، لَأَحْرَجَكم فضَيَّقَ عليكم، ولكنَّهُ وَسَّعَ ويَسَّرَ، فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] " (٣).
وعن مِقْسَمٍ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قولَهُ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾؛ قال: "ولو شاء اللهُ، لَجَعَلَ ما أَصَبْتُم مِن أموالِ اليتامى مُوبِقًا" (٤).
الاحتياطُ في مالِ اليتيمِ عند المتاجرة به:
ويَحتاطُ كافلُ اليتيمِ لمالِ اليتيمِ، ويَجتنِبُ ما يُضِرُّ به، وما هو مِن حظوظِ نَفْسِه، فيَجتنِبُ شراءَ مالِ اليتيم لِحَظِّ نفسِه، أو الشراءَ بمالِ اليتيمِ مِن مالِه؛ حتَّى لا يَدْفَعَهُ ذلك إلى الزيادةِ في حقِّ نَفْسِه، والنقصانِ في حقِّ اليتيمِ؛ فإنَّ النفسَ الصالحةَ تحِبُّ لنفسِها الخيرَ ولغيرِها, ولكنَّها عندَ المزاحَمةِ قلَّما تُغلِّبُ نَفْسَها، فتُؤثِرُ غيرَها على حظِّ نَفْسِها.
стр. 373
فكافِل اليتيمِ يكونُ في مقامِ البائعِ والمشتري؛ أصيلًا عن نفسِه، ووكيلًا عنِ اليتيمِ، وربَّما وقَعَ في البيعِ نوعُ شائبةٍ ولو دقيقةً لا يُدْرِكُها الإنسانُ، ورُبَّما كان ثَمَّةَ ظِنَّةُ سُوءٍ في عمَلِهِ مِن اليتيم إذا كَبِرَ ورَشَدَ، أو مِن قَرَابَاتِه، فأدَّى ذلك إلى خصومةٍ ونزاعٍ.
وهذا على الاحتياطِ والاحترازِ، وأمَّا جوازُ أصلِ البيعِ في مالِه، فهو موضِعُ خلافٍ عندَ الفقهاءِ:
فعن مالكٍ في المشهورِ عنه: الجَوَازُ.
ورُوِيَ عن عمرَ وعائشةَ وابنِ عمرَ والحسنِ بنِ عليِّ والنَّخَعيِّ.
روى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عنِ القاسمِ؛ قال: "كنَّا أيتامًا في حَجْرِ عائشةَ، فكانت تُزَكِّي أموالنَا، وتُبضِعُها في البَحْرِ" (١).
وقال أبو حَنِيفةَ: "له أن يَشترِيَ مالَ الطِّفْلِ اليتيمِ لنَفْسِهِ بأكثَرَ مِن ثَمَنِ المِثْلِ؛ لأنَّه إصلاحٌ دلَّ عليهِ ظاهرٌ القرآنِ".
ومنَعَ منه الشافعيُّ في النكاحِ، وفي البيعِ؛ لأنَّ اللهَ لم يذكُرْ في الآيةِ التصرُّفَ، بل قال: ﴿إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾؛ فذكَرَ الإصلاحَ، ولم يذكُرِ التصرُّفَ.
وعلى قولِ الشافعيِّ: يجوز البيعُ منه والشِّرَاءُ له؛ إذا كان ذلك برِبْحٍ بيِّنٍ؛ كالمِثْلِ وشِبْهِه.
قال محمَّدُ بنُ عبدِ الحَكَمِ: "وله أنا يبيعَ له بالدَّيْنِ؛ إن رَأَى ذلك نَظَرًا".
تزويجُ اليتيمِ:
واختُلِفَ كذلك في تزويجِه؛ لأنَّ في تزويجِهِ مَهْرًا يُدفَعُ مِن مالِ اليتيمِ، وهو تصرُّفٌ في مالِه:
стр. 374
وقد جوَّز مالكٌ وأبو حنيفةَ وأحمدُ: تزويجَهُ؛ لأنَّ الزواجَ إصلاحٌ له وتقويمٌ وتثبيتٌ، وإعانةٌ له في تدبيرِ شأنِهِ ورعايتِه.
والشافعيُّ لا يَرَى في التزويجِ إصلاحًا إلَّا مِن جِهةِ دفعِ الحاجةِ، ولا حاجةَ قبلَ البلوغِ.
والأظهَرُ: جوازُ إنكاحِهِ إذا كان في ذلك صلاحُ أمرِهِ وشأنِهِ ورِعَايتُه، وصيانةُ عِرْضِهِ وسَترُه، وحِفْظُ مالِه، ويدخُلُ في ذلك ما يَتبَعُ التزويجَ مِن نفقةِ العُرْسِ ووَلِيمَتِهِ وضَرْبِ الدُّفِّ، وتطبيبِ الزَّوْجةِ عندَ مَرَضِها، ونَفَقتِها، ونحو ذلك.
قال ابنُ كِنَانةَ: "وله أنْ يُنفِقَ في عُرْسِ اليتيمِ ما يصلُحُ مِن صنيعٍ وطِيبٍ، ومصلَحَتُهُ بقَدْرِ حالِهِ وحالِ مَن يزوَّجُ إليه، وبقدرِ كَثْرةِ مالِهِ" (١).
* * *
قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢١].
هذه الآيةُ نصٌّ في تحريمِ نكاحِ المشرِكاتِ، وقد كان للصحابةِ في أولِ الأمرِ قراباتٌ مِن المشرِكينَ، وجاءتِ الآيةُ بعد الوصيَّةِ بإصلاحِ مالِ اليتيمِ؛ لأنَّ في أبناءِ المشرِكينَ قراباتٍ أيتامًا قُتِلَ آباؤُهُمْ يومَ بَدْرٍ وغيرَهُ، وفيهم ذكورٌ وإناثٌ، والأصلُ بقاؤُهُمْ على مِلَّةِ آبائِهم، حتى يستبِينَ أمرُهم، فَبيَّنَ اللهُ حُكْمَ نكاحِ المشرِكينَ وإنكاحِهم.
والزواجُ مِن أظهَرِ صُوَرِ المخالَطةِ والمقارَبةِ، وقد حَرَّمَهُ اللهُ مِن المشركينَ على أيِّ وجهٍ.
стр. 375
والمرادُ بالنكاحِ في قولِهِ في الموضعَيْنِ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾، ﴿وَلَا تُنْكِحُوا﴾: العقدُ بين الرجلِ والمرأةِ، ويُستعمَلُ مجازًا بمعنى الوَطْءِ، وقال بعضُ الفقهاءِ: هو الوطءُ على الحقيقةِ، والأرجحُ الأوَّلُ.
حكمُ نكاحِ المشركاتِ:
والنهيُ عن نكاحِ المشرِكاتِ وإنكاحِ المشرِكينَ واقعٌ على العقدِ بلا خلافٍ؛ فلا يجوزُ العقدُ على مشرِكةٍ، ولا العقدُ لمُشرِكٍ على مسلِمةٍ، ولو اتَّفَقُوا على عدمِ المَسِيسِ، إلا بإسلامِهما.
والشركُ إذا أُطلِقَ في القرآنِ يرادُ به: مَنْ عبَدَ الأصنامَ والأوثانَ مِن العربِ، ويدخُلُ في ذلك غيرُهُمْ ممَّن شارَكَهُمْ؛ كالبُوذِيِّينَ وغيرِهم، ومِن بابِ أَولى المُلْحِدُ الذي يجحَدُ وجودَ اللهِ.
والكفار على نوعَيْنِ: مشرِكونَ، وأهلُ كتابٍ:
واختلَفَ المفسِّرونَ في هذه الآيةِ: هل نزَلَتْ عامةً وخُصِّصَتْ بآيةِ المائدةِ، أم نزَلَتْ خاصَّةً أولَ نزولِها، فكانت خاصَّةً بالمشركينَ عُبَّادِ الأوثانِ، كما هي عادةُ إطلاقِ الشركِ في القرآنِ في غالبِهِ عليهم، فتكون الآيةُ عامَّةَ اللفظِ خاصَّةَ القصدِ؛ فالآيةُ باقيةٌ لم تُنْسَخْ، وآيةُ المائدةِ جاءت بحكمٍ جديد، أم نزَلَتْ عامَّةً وهي باقيةٌ على عمومِها؟ هذه ثلاثةُ أقوالٍ:
القولُ الأوَّلُ: قولُ من قال بعمومِها، ثمَّ نُسِخَ العمومُ أو خُصِّصَ بآيةِ المائدةِ؛ قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [٤] , إلى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [٥].
وعلى هذا؛ فالآيةُ شامِلةٌ لكلِّ كافرةٍ، سواءٌ كانت عابِدةَ وَثَنٍ، أو كانت كتابيَّةً، يهوديَّةً أو نصرانيَّةً أو مجوسيَّةً، أو كانت مُلْحِدةً لا تُؤمِنُ بخالقٍ، أو مِن غيرِهم مِن أصنافِ الكَفَرَةِ والمشرِكينَ.
стр. 376
وبهذا قال أكثرُ المفسِّرينَ مِن السلفِ؛ كابنِ عباسٍ، ومجاهِدٍ، وعِكْرِمةَ، والحَسَنِ، والربيعِ، وغيرِهم.
روى عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَهُ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، ثمَّ استثنَى نساءَ أهل الكتابِ، فقال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ حِلٌّ لكم ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥] (١).
وروى يزيدُ النَّحْويُّ، عن عِكْرِمةَ والحَسَنِ البَصْريِّ؛ قالا: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، فنُسِخَ مِن ذلك نساءُ أهلِ الكتابِ، أَحَلَّهُنَّ للمسلِينَ (٢).
وروى ابنُ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ؛ في قولِه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، قال: "نساءُ أهلِ مَكَّةَ ومَن سِوَاهُنَّ مِن المشرِكينَ، ثمَّ أحَلَّ منهنَّ نساءَ أهلِ الكتابِ" (٣).
وقال به الربيعُ وغيرُهُ.
أخرَجَ ذلك ابنُ جريرٍ الطبريُّ وغيرُه (٤).
القولُ الثاني: أنَّ الآيةَ نزلَتْ خاصَّةً أوَّلَ نزولِها بالمشرِكينَ عُبَّادِ الأوثانِ، فهي عامةُ اللفظِ خاصَّةُ القصدِ؛ فيُقيِّدُ العمومَ النزولُ ومناسبتُهُ وزمَنُهُ.
وعلى هذا القولِ: فهي باقيةٌ لم تُنسَخْ، وآيةُ المائدةِ جاءَتْ بحُكْمٍ جديدٍ.
قال بهذا سعيدُ بن جُبَيْرٍ، ومجاهِدٌ، وقتادةُ، وحمَّادٌ؛ وبهذا فسَّرَ الآيةَ الشافعيُّ كما نقَلَهُ عنه البيهقيُّ، وكذلك أحمدُ بنُ حنبلٍ كما أسنَدَهُ عنه الخَلَّالُ.
стр. 377
القولُ الثالثُ: أنَّ الآيةَ عامَّةٌ في كلِّ صاحبِ مِلَّةٍ غيرِ الإِسلامِ ألَّا يزوِّجَهُ المسلِمونَ رجلًا أو امرأةً، ولم يُنسَخْ شيءٌ منها، وعلى هذا فهي محرِّمةٌ حتى للكتابيَّاتِ.
حكمُ وطءِ الإماءِ غير الكتابيَّاتِ:
وعامَّةُ العلماءِ على تحريمِ نكاحِ غيرِ الكتابيَّاتِ مهما كانت مِلَّتُها.
وروى ابن جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ وعمرِو بنِ دينارٍ: حِلَّ إماءِ المَجُوسِ.
ويَحتَجُّ مَن يقولُ بِحِلِّهِنَّ بسَبْيِ أَوْطَاسٍ، وكانوا مجوسًا.
وهذا فيه نظرٌ؛ فما كلُّ مَسْبيَّةٍ تُوطَأُ، وما كلُّ مَسْبِيَّةٍ تَبْقَى على مِلَّتِها، والنصوصُ غيرُ صريحةٍ في هذا، وكان ابنُ شِهَابٍ - وهو مِن أَبْصَرِ الناسِ بالسِّيَرِ - يَنْهَى عن نكاحِ المَجُوسِيَّةِ.
وكان السلفُ لا يَطَؤُونَ المَسْبِيَّةَ حتى تُسلِمَ ويُعلِّموها الإسلامَ ويستنطِقُوها الشهادتَيْنِ؛ كما رَوَى يونُسُ، عن الحسنِ؛ قال: "قال رجلٌ له: يا أبا سعيدٍ، كيف كنتُمْ تَصْنَعونَ إذا سَبَيْتُمُوهُنَّ؟ قال: كنَّا نُوجِّهُها إلى القِبْلةِ ونأمُرُها أنْ تُسلِمَ، وتشهَدَ أنْ لا الهَ إلا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، ثمَّ نأمُرُها أنْ تغتسِلَ، وإذا أرادَ صاحِبُها أنْ يُصِيبَها لم يُصِبْها حتى يَسْتَبْرِئَها" (١).
الزواجُ من الكتابيَّة:
ويَحِلُّ نكاحُ الكتابيَّاتِ عندَ عامَّةِ علماءِ السلفِ، وعليه إجماعُ الخَلَفِ، ولا يثبُتُ القولُ بالتحريمِ عن أحدٍ مِن الصحابةِ إلا عن ابنِ عمرَ، وأمَّا في التابِعِينَ، فلأفرادٍ منهم، وهجَرَ قولَهُمْ أصحابُهُمْ، وأمَّا كراهةُ نكاحِ الكتابيَّةِ وعدمُ استحسانِهِ لا تحريمُهُ، فلِقِلَّةٍ مِن السلفِ، وقد جاء
стр. 378
عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ النهيُ عن نكاحِ الكتابيَّاتِ؛ ففي "البخاريِّ", عنه: "لا أعلَمُ مِنَ الإشراكِ شيئًا أكبرَ مِن أنْ تقولَ المرأةُ: رَبُّهَا عيسى" (١).
وقد يَجْرِي قولُ ابنِ عمرَ هذا على مَنْ يُظهِرُ تألِيهَ عيسى لدى النصارى؛ وهذا غالبٌ فيهم معروفٌ؛ وهو كُفْرٌ وشِرْكٌ، ولكن مَن يقولُ مِنَ اليهودِ بأنَّ عُزَيْرًا ابنُ اللهِ أتباعُ فِنْحَاصَ؛ وهم قلةٌ مِن اليهودِ.
ورُوِيَ عن عمرَ بنِ الخطَّابِ: منعُ الزواجِ مِن الكتابيَّاتِ مِن وجهٍ فيه نظرٌ، رواهُ شَهْرُ بنُ حَوْشَبٍ؛ قال: سَمِعْتُ عبدَ اللهِ بنَ عبَّاسٍ يقولُ: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن أصنافِ النِّسَاءِ، إلا ما كان مِن المؤمِناتِ المهاجِراتِ، وحَرَّمَ كلَّ ذاتِ دِينٍ غيرِ الإِسلامِ، وقال اللهُ - تعالى ذِكْرُهُ -: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] , وقد نَكَحَ طَلْحةُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ يهوديَّةً، ونكَحَ حُذَيْفةُ بنُ اليَمَانِ نصْرانيَّةً، فغَضِبَ عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁ غضبًا شديدًا، حتى همَّ بأنْ يَسْطُوَ عليهما، فقالا: نحن نُطلِّقُ يا أميرَ المؤمنِينَ، ولا تغضب! فقال: لَئِنْ حَلَّ طلاقُهُنَّ لقد حَلَّ نكاحُهُنَّ، ولكنْ أَنْتَزِعُهُنَّ منكم صَغَرَةً قِمَاءً.
أخرَجَهُ الطبرانيُّ في "معجمِه"، وابنُ جريرٍ الطبريُّ في "تفسيرِه"، وروى الترمذيُّ المرفوعَ منه (٢).
ولا يصحُّ؛ شَهْرٌ في حفظِه ضعفٌ.
وهو مخالِفٌ للثابتِ عن عُمَرَ في صحةِ زواجِ المسلِمِ مِن كتابيَّةِ؛ فعن زيدِ بنِ وهبٍ؛ قال: قال عمرُ: "المسلِمُ يتزوَّجُ النصرانيَّةَ، ولا يتزوَّجُ النصرانيُّ المسلِمةَ".
стр. 379
وروى الصَّلْتُ بنُ بَهْرَامَ، عن شقيقٍ؛ قال: تزوَّجَ حُذَيْفةُ يهوديَّةً، فكتَبَ إليه عمرُ: "خَلِّ سَبِيلَها"، فكتَبَ إليه "أتزعُمُ أنَّها حرامٌ فأُخْلِيَ سبيلَها؟ "، فقال: "لا أزعُمُ أنَّها حَرَامٌ، ولكنْ أخافُ أنْ تَعَاطَوُا المُومِسَاتِ مِنْهُنَّ" (١).
وقد قال بِجَوَازِ زواجِ المسلِمِ مِن كتابيَّةٍ عامَّةُ السلفِ والخلفِ، وهو قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ، وقولُ الثوريِّ والأوزاعيِّ.
ورُوِيَ عن قلةٍ مِن فقهاءِ السلفِ: المنعُ مِن زواجِ المسلِمِ مِن كتابيَّةٍ، فقد روى مَعْمَرٌ، عن قَتَادةَ والزُّهْريِّ؛ في قولِهِ: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، قال: "لا يَحِلُّ لك أنْ تُنْكِحَ يهوديًّا أو نصرانيًّا ولا مشرِكًا مِن غيرِ أهلِ دِيِنِك" (٢).
وروى ابنُ حَبِيبٍ، عن مالكٍ: كراهةَ الزواجِ مِن الكتابيَّةِ.
ولا يَقصِدُ مالكٌ التحريمَ؛ لظهورِ الآيةِ بالجوازِ وعملِ أهلِ المدينةِ، وربَّما كَرِهَهُ لقولِ ابنِ عمرَ ولكراهةِ عمرَ بنِ الخطابِ له، ولم يقصِدْ تحريمَهُ، فعِلَّتُهُ في ذلك كعلةِ عمرَ بالنهيِ عنه، ومالكٌ إنْ صحَّ الخبرُ عن عمرَ، لم يقدِّمْ عليه قولَ ابنِ عمرَ.
وروى الحسَنُ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (نَتَزَوَّجُ نِسَاءَ أَهْلِ الكِتَابِ، وَلَا يَتَزَوَّجُونَ نِسَاءَنَا) (٣).
وقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾: دليلٌ على أنَّ النَّهْيَ لأجلِ الشركِ، وهو غايةُ النهي وعِلَّتُهُ، فإذا آمَنَّ، جازَ النكاحُ، وإذا لم يَصِحَّ زواج المسلِمةِ مِن كافرٍ ابتداءً، فلا يجوزُ البقاءُ عندَ مَن كفَرَ بعد إسلامِهِ بالاتِّفاقِ.
стр. 380
ردةُ أحد الزوجَيْنِ:
فالرِّدَّةُ مِن أحدِ الزوجَيْنِ تُوجِبُ الحيلولةَ بينَهما بلا خلافٍ؛ كانتِ الردةُ قبلَ الدخولِ أو بعدَه.
وإنِ ارْتَدَّ أحدُ الزوجَيْنِ قبلَ الدخولِ، انفسَخَ النكاحُ ولم يُعْتَدَّ به، ولا عِدَّةَ بينهما.
وأمَّا الردَّةُ بعدَ الدخولِ، فقد جعَلَها فسخًا وليست طلاقًا أبو حنيفةَ والشافعيُّ وأحمدُ، وروايةٌ عن مالكٍ حكَاها ابنُ المَاجِشُونِ.
وقال المالكيَّةُ ومحمدُ بنُ الحسنِ: إنَّها طَلْقَةٌ بائنةٌ.
وعلى القولِ بأنَّها فسخٌ لا طلاقٌ، فطلاقُ الزوجِ بعدَ رِدَّتِهِ لا يقعُ؛ لأنَّه وقَعَ على غيرِ زَوْجَتِه؛ وإنَّما على أجنبيَّةٍ عنه، وكذا لو ارتَدَّتِ الزوجةُ قبلَ الدخولِ بها أو خرَجَتْ من عِدَّتِها، فلا يقعُ الطلاقُ عليها حينَئذٍ باتِّفاقِ الأئمَّةِ الأربعةِ.
وإذا عاد الزوجُ بعدَ رِدَّتِهِ إلى إسلامِه، رجَعَتْ إليه، ولا يخلو مِن حالَيْنِ:
إمَّا أنْ يَرجِعَ إلى إسلامِهِ بعدَ انقضاءِ عِدَّتِها، فتعودُ إليه بعقدٍ جديدٍ عندَ عامةِ العلماءِ.
وإمَّا أنْ يَرْجِعَ إلى إسلامِهِ قبلَ انقضاءِ عِدَّتِها؛ فقولانِ للعلماءِ في رجوعِها بعقدٍ جديدٍ أو بعقدِها الأوَّلِ، قال بالثاني الشافعيَّةُ، وهو قولٌ لجماعةٍ مِن الحنابلةِ، خلافًا للمالكيَّةِ الذين جعَلُوا الرِّدَّةَ طلقةً بائنةً حالَ وقوعِ الرِّدَّةِ، ولا عِبْرةَ بالعِدَّةِ، وكذا الحنفيَّةُ الذين أَوْجَبُوا العقدَ الجديدَ ولو عادتْ في أثناءِ العِدَّةِ خلافًا لمحمدِ بنِ الحسنِ منهم.
ولأبي حنيفةَ قولٌ في أنَّ الزَّوْجةَ إنِ ارتدَّتْ بعدَ الدخولِ بها: أنَّه ينفسِخُ نكاحُها، وتكونُ رقيقةً مملوكةً، ولزوجِها تملُّكُها مِن إمامِ
стр. 381
المسلِمينَ مِلْكَ يمينٍ، وهذا يستقيمُ مع قولِ مالكٍ في عدمِ قتلِ المرأةِ إنِ ارتَدَّت بخلافِ الرجلِ.
وقولُه: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾:
أيْ: نكاحُ الأَمَةِ الرقيقةِ المؤمِنةِ خيرٌ وأَحَبُّ إلى اللهِ مِن الزواجِ مِن حُرَّةٍ مشرِكةٍ، فالعربُ تأنَفُ مِن الزواجِ مِن الإماءِ، وإنَّما كانت تتَسَرَّى بِهِنَّ، والرجالُ يَنْكِحُونَ المرأةَ لنَسَبِها وحَسَبِها وجمالِها، وهذا ما أشارَ اللهُ إليه في قولِه: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾، فهم يُعجَبُونَ بذلك منهنَّ، وقد أثْبَتَهُ اللهُ مُقِرًّا لوجودِهِ في النفوسِ والفِطَرِ، ومانعًا مِن تقديمِهِ على حُكْمِ اللهِ وقضائِه؛ لأنَّ حقَّ اللهِ - وهو توحيدُهُ - أَوْلى بالتقديمِ مِن حظِّ النفسِ وحقِّها؛ فمَن يقدِّمْ حَظَّ نفسِهِ على حظِّ غيرِهِ ممَّن له حقٌّ عليه، فهذا علامةٌ على ضعفِ تعظيمِهِ لصاحِب الحقِّ عليه، فالابنُ لا يُحِبُّ مَن آذَى والدَهُ وسَبَّهُ ولَعَنَهُ ولو أحَسَنَ إليه وَأكرَمَهُ، فكُرْهُهُ له وعدَمُ محبَّتِهِ له لأنَّه ظالِمٌ لوالدِه؛ وذلك لِعِظَمِ حقِّ الوالدِ على ابنِه، وربَّما أَحَبَّ الإنسانُ مَنْ أحسَنَ إليه إذا كان يُسِيءُ للأَبْعَدِينَ منه؛ لضَعْفِ حقِّ الأبعدِينَ عليه.
وحقُّ اللهِ أَوْلَى وأعظَمُ مِنْ حقِّ الوالدَيْنِ وكلِّ أحَدٍ.
وقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾:
خالَفَ في الخِطَابِ، ففي نكاحِ المشرِكاتِ وجَّهَ الخِطَابَ للأزواجِ؛ لأنَّهم يَملِكونَ أمرَ أنفسِهم وعِصْمَتَهم، وأمَّا في إنكاحِ المشرِكينَ فوَجَّهَ الخطابَ للرجالِ الأولياءِ؛ فقال: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا﴾، ولم يقلْ: تَنْكِحْنَ؛ لأنَّ الوَلِيَّ هو الذي يزوِّجُ، وليستِ المرأةُ تزوِّجُ نفسَها.
الوليُّ في النكاح:
وهذا دليلٌ على أنَّ النكاحَ المشروعَ لا يكونُ إلا بوَلِيٍّ، وهذا ظاهِرُ القرآنِ؛ عندَ الكلامِ على تزويجِ النساءِ يقولُ: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾
стр. 382
[٢٥]، ويقولُ: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، ويقولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾.
قال ابنُ أبي حاتمٍ في هذه الآيةِ: أصلٌ بأنَّ النكاحَ لا يجوزُ إلا بوليٍّ؛ لمخاطبتِهِ الوليَّ: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا﴾: لا تزوِّجُوا (١).
وقد اختلَفَ أهلُ العلمِ في النكاحِ بغيرِ وليٍّ، على قولَيْنِ:
القولُ الأولُ: أنْ لا نكاحَ إلا بوليٍّ؛ وهو قولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ، وهو قولُ سعيدِ بنِ المسيَّبِ، والحسنِ البصريِّ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وجابرِ بنِ زيدٍ، وسفيانَ الثَّوْريِّ، وابنِ أبي ليلى، وابنِ شُبْرُمَةَ، وابنِ المبارَكِ، ومالكٍ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبي عُبَيْدٍ، وأبي ثَوْرٍ، والطبريِّ.
وغيرُ واحدٍ مِن الأئمةِ؛ كأحمدَ، وابنِ بَطَّةَ: يذكُرُ النكاحَ بوليٍّ في مسائلِ العقيدةِ والسُّنَّةِ؛ للمُفارَقةِ بينَ أهلِ السُّنَّةِ وأهلِ الِبدَعِ، مِن الرافضةِ وغيرِهم الذين جعَلُوهُ بابًا للزِّنَى، يترخَّصُونَ به للمُتْعةِ.
والنهيُ في ذلك؛ لظاهرِ القرآنِ، ولقولِهِ ﷺ : (لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَليٍّ)؛ وهذا حديثٌ مشهورٌ رواهُ جماعةٌ مِن الصحابةِ عن النبيِّ ﷺ ، منهم: أبو موسى الأشعريُّ، وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، وعِمْرانُ بنُ الحُصَيْنِ، وجابرُ بنُ عبدِ اللهِ، وعبدُ اللهِ بنُ عباسٍ، وأبو هريرةَ، وعائشةُ، وعليُّ بنُ أبي طالبٍ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرٍو, وأنسُ بنُ مالكٍ، وأبو أُمَامةَ، وسمُرةُ بن جُنْدُبٍ.
ولا تخلو هذه الأحاديثُ مِن ضعفٍ، وأصحُّها وأشهَرُها: حديثُ أبي موسى؛ رواهُ إسرائيلُ، وأبو عَوَانةَ، ويونُسُ، وشَرِيكٌ النَّخَعيُّ، وقيسُ بنُ الربيعِ، وزهيرُ بنُ معاويةَ، ورَقَبَةُ بنُ مَصْقَلَةَ: كلُّهم عن
стр. 383
أبي إسحاقَ، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى، عن النبيِّ ﷺ ؛ أنَّه قال: (لَا نِكاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ) (١).
وقد اختُلِفَ في وَصْلِهِ؛ فقد أرسَلَهُ شُعْبةُ وسُفْيانُ وأبو الأحوصِ؛ كلُّهم عن أبي إسحاقَ، عن أبي بُرْدةَ، عن النبيِّ ﷺ ؛ مُرسَلًا.
وروى ابنُ ماجه، والدارَقُطْنيُّ، عن أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (لَا تُزَوِّجُ المَرْأَةَ المَرْأَةَ وَلَا تُزَوِّجُ المَرْأَةُ نَفْسَهَا؛ فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ التي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا) (٢).
وصحَّحَهُ مرفوعًا غيرُ واحدٍ؛ كالدارقطنيِّ وغيرِه، وصوَّبَ وَقْفَهُ أبو حاتمٍ وغيرُه.
وروى أحمدُ وأهلُ السُّنَنِ؛ مِن حديثِ عُرْوةَ، عن عائشةَ؛ قالتْ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - فَإِنْ دَخَلَ بِهَا، فَالمَهْرُ لَهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، فَإِنْ تَشَاجَرُوا، فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ) (٣).
وفي الحديثِ اختلافٌ كثيرٌ.
القولُ الثاني: قالوا: النكاحُ بلا وليٍّ صحيحٌ.
وبعضُهم يشترِطُ شاهِدَيْنِ، ومنهم مَن يشترِطُ إشهارَ النكاحِ وإعلانَهُ؛ سواءٌ كان الوليُّ موجودًا أو غيرَ موجودٍ.
ولا أعلَمُ فقيهًا أسقَطَ وجوبَ اشتراطِ الوليِّ والشاهدَيْنِ وإعلانِ النكاحِ جميعًا.
стр. 384
وقد كان الزُّهْريُّ والشَّعْبيُّ يقولانِ: "إذا زوَّجَتِ المرأةُ نفسَها كُفُؤًا بشاهدَيْنِ، فذلك نكاحٌ جائزٌ".
وكذلك كان أبو حَنِيفةَ يقولُ: "إذا زوَّجَتِ المرأةُ نفسَها كُفُؤًا بشاهدَيْنِ، فذلك نكاحٌ جائزٌ".
وهو قولُ زُفَرَ (١)، ولكنَّه مخالفٌ للقرآنِ والسُّنَّة والأثرِ:
قال ابنُ المُنذِرِ: "وأمَّا ما قاله النُّعْمانُ، فمُخالِفٌ للسُّنَّةِ، خارِجٌ عن قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ" (٢).
وفي "الموطَّإِ": أنَّ عائشةَ ﵂ زَوَّجَتْ بنتَ أخِيها عبدِ الرحمنِ، وهو غائبٌ. . . الحديثَ (٣).
وقد رواهُ ابن جُرَيْجٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسمِ بنِ محمدِ بنِ أبي بكرٍ، عن أبيه، عن عائشةَ ﵂؛ أنَّها أَنْكَحَتِ المنذِرَ بنَ الزبيرِ امرأةً مِن بني أخِيها، فضَرَبَتْ بينَهُمْ بسِتْرٍ، ثمَّ تَكَلَّمَتْ حتى إذا لم يَبْقَ إلا العقدُ أمَرَتْ رجلًا فأَنْكَحَ، ثمَّ قالتْ: ليس على النساءِ إنكاحٌ (٤).
ولا حُجَّةَ في المرويِّ عن عائشةَ؛ فهي فَعَلَتْ؛ لعِلْمِها أنَّ قولَها لا يُرَدُّ، ووكَلَتِ العقدَ إلى رجلٍ، فنُسِبَ الإنكاحُ إليها.
والنكاحُ بلا وَليٍّ لا يَصِحُّ، ولا حُكْمَ للنكاحِ ولا أثَرَ على الصحيحِ، ولو رَضِيَ الوليُّ بعدَ ذلك، فليس له أن يُمضِيَهُ؛ لأنَّه لم يَنعقِدْ أصلًا.
стр. 385
وقولُهُ تعالى في الأَمَةِ المشرِكةِ: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾، وفي المبدِ المشرِكِ: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾: فيه العفوُ عمَّا يَجِدُهُ العبدُ مِن استحسانٍ قلبيٍّ لكافرٍ وتفضيلِهِ على مسلمٍ لبعضِ ما خُصَّ به مِن جمالِ خِلْقةٍ، وقوةِ بَسْطَةٍ، أو حُسْنِ صَنْعةٍ؛ فاللهُ أثبَتَ وجودَ ذلك ولم يَنْهَ عنه، ولكنَّه نَهَى عن الانقيادِ له وتَرْكِ حُكْمِ اللهِ لأجلِهِ.
وقولُهُ تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾:
هذا بيانٌ لِعِلَّةِ التحريمِ وعلةِ التفاضُلِ بين المؤمِنةِ والمشرِكةِ، والمؤمِنِ والمشرِكِ، وهو الظلمُ في حقِّ اللهِ وسوءُ العاقبةِ عندَ اللهِ؛ وذلك أنَّ المشرِكةَ والمشرِكَ يَدْعُونَ إلى الكُفْرِ ولو بلسانِ حالِهِمْ، ودوامُ المخالَطةِ يؤثِّرُ في النفوسِ.
* * *
قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
كان اليهودُ يهجُرُونَ الحائضَ حالَ حَيْضِها؛ فلا مؤاكَلةَ ولا مضاجَعةَ؛ لأنَّها نَجِسةٌ عندَهم، وبهذا أخَذَ بعضُ المسلِمِينَ في المدينةِ، فبيَّن اللهُ حُكْمَ الحائضِ وقُرْبِها، وما يَحِلُّ منها وما يحرُمُ، وأنَّها طاهِرةُ البدنِ، نَجِسةُ الخارجِ، فدمُ الحيضِ نَجِسٌ بلا خلافٍ؛ ولذا قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾، والمرادُ به القذرُ النَّجِسُ، ولنجاسةِ دمِ الحيضِ حرَّمَ اللهُ وَطْءَ الحائضِ؛ ولذا قال: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾.
ففي "المسندِ"، و"الصحيحِ"؛ مِن حديثِ أنسٍ: أنَّ اليهودَ كانت إذا
стр. 386
حاضَتِ المرأةُ منهم، لم يؤاكِلُوها ولم يجامِعُوها في البيوتِ، فسَأَلَ أصحابُ النبيِّ ﷺ فأنزَلَ اللهُ : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، حتى فَرَغَ مِن الآيةِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : (اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النكاحَ)، فبلَغَ ذلك اليهودَ، فقالوا: ما يُرِيدُ هذا الرجلُ أنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنا شيئًا إلا خالَفَنَا فيه! فجاء أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بنُ بِشْرٍ، فقالا: يا رسولَ اللهِ، إنَّ اليهودَ قالتْ كذا وكذا؛ أفلا نُجَامِعُهُنَّ؟ فتَغَيَّرَ وجهُ رسولِ اللهِ ﷺ ، حتى ظَنَنَّا أنْ قد وَجَدَ عليهما، فخرَجَا فاستقبَلَتهُمَا هديَّةٌ مِن لَبَنٍ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فأرسَلَ في آثارِهما فسَقَاهُما، فعَرَفَا أنْ لم يَجِدْ عليهما (١).
والحيضُ كتَبَهُ اللهُ على جميعِ بناتِ آدَمَ؛ فلا يَخْتَصُّ بجنسٍ ولا بِبَلَدٍ ولا عِرْقٍ منهنَّ؛ ففي "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ عائشةَ، قال ﷺ : (ذَلِكِ شَيْءٌ كَتبَهُ اللهُ عَلى بَنَاتِ آدَمَ) (٢).
والمرادُ باعتزالِ الحائضِ: اعتزالُ الوطءِ، وليس اعتزالَ المجالَسةِ والمماسَّةِ والمؤاكَلةِ والمضاجَعةِ، كما يفعلُ اليهودُ؛ فقولُه تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ مفسَّرٌ ومبيَّنٌ بقولِهِ تعالى بعدَهُ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، فأمَرَ اللهُ بإتيانِ موضعِ الوطءِ وليس إتيانَها كلِّها؛ لأنَّها لم تحرُمْ كلُّها عليهم مِن قبلُ.
وقولُ اللهِ تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾؛ يعني: يَنقَيْنَ مِن نزولِ الدمِ، وقولُهُ بعدَهُ: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾؛ يعني: اغتسَلْنَ مِن بقيَّةِ الأذَى؛ وعلى هذا: فلا يجوزُ وطءُ المرأةِ بعدَ طُهْرِها حتى تغتسِلَ؛ لأنَّ اللهَ ذكَرَ الطُّهْرَ والتطهُّرَ.
وهذا قولُ أحمد وجمهورِ العلماءِ، وعليه فتوى الصحابةِ والتابعين،
стр. 387
ولا يُعرَفُ مَن أَفْتَى بخلافِهِ أو قال بجوازِ وطءِ المرأةِ قبلَ غُسْلِها؛ روى عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ: "إذا طَهُرَتْ مِن الدمِ، وتطهَّرَتْ بالماءِ"؛ وبهذا فسَّرَهُ مجاهِدٌ وعِكْرِمةُ، والحسنُ والليثُ (١).
حكمُ جماع الحائضِ:
وحكى ابنُ جريرٍ وغيرُهُ الاتِّفاقَ على أنَّه لا يجوزُ وطءُ المرأةِ الحائضِ بعدَ انقطاعِ الدمِ وقبلَ الغُسْلِ أو التيمُّمِ لعادمِ الماءِ؛ لظاهرِ الآيةِ (٢).
وذهَبَ أبو حنيفةَ: إلى جوازِ الوطءِ قَبلَ الغُسْل، لكنْ قيَّده بما إذا انقطَعَ الدمُ بأكثرِ الحيضِ عَشَرةِ أيامٍ؛ فقال: إنَّه لا يجبُ عليها الغُسْلُ في هذه الحالةِ.
والحقُّ: أنَّه لا دليلَ يعضُدُ هذا التقييدَ، ولا سلفَ ينصُرُهُ.
وإنَّما اختُلِفَ في القَدْرِ الذي يُطلَقُ عليه الغُسْلُ، وتُستحَلُّ به المرأةُ بعدَ انقطاعِ دَمِها:
والأكثرون: على أنَّه الغُسْلُ التامُّ كغُسْلِ الجنابةِ؛ وعلى هذا أصحابُ ابنِ عباسٍ؛ كمجاهِدٍ وعِكْرِمةَ، وقال به مِن البصريِّينَ: الحَسَنُ، ومِن الكوفيِّينَ: النَّخَعيُّ.
وقيل: وضوءُ الصلاةِ.
وقيل: غَسْلُ الفَرْجِ وتنقيتُهُ مِن الدمِ.
فقولُه تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾؛ يعني: الوطءَ في موضعِ القُبُلِ، وهو الموضِعُ الذي نُهِيتُمْ عنه تُؤْمَرونَ به دونَ مجاوزتِهِ؛ روى سعيدُ بن جبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: "مِنْ حيثُ جاء الدمُ مِن ثَمَّ أُمِرْتَ
стр. 388
أنْ تأتيَ (١) "؛ وبهذا قال مجاهدٌ والنَّخَعيُّ، وعِكْرِمةُ وقتادةُ (٢).
حكمُ إتيان الزوجة في دُبُرِها:
وهذه الآيةُ تتضمَّنُ النهيَ عن إتيانِ المرأةِ في دُبُرِها، مِن وجهَيْنِ:
الأولُ: أنَّ اللهَ نَهَى عن قُرْبِ النساءِ زَمَنَ الحَيْضِ بالجِمَاعِ، ولو جاز الدُّبُرُ، لَمَا كان للنهيِ عن القُرْبِ معنًى؛ فاللهُ نَهَاهُ عن قُرْبِها بجِمَاعِ القُبُلِ؛ لأنَّه لا يَحِلُّ إلا هو.
الثاني: أنَّ النهيَ عن جِمَاعِ الحائضِ في قُبُلِها؛ لأنَّه مَحَلُّ نجاسةٍ، وهو دمُ الحَيْضِ؛ وذلك ظاهرٌ في تعليلِ النهيِ بقولِه: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾، والدُّبُرُ محلُّ نجاسةٍ وأذًى أشدَّ مِنَ الدمِ، وهو العَذِرَةُ؛ فالنهيُ عنه دائِمٌ؛ لأنَّه محلٌّ دائمٌ لا يتوقَّفُ ولا ينقطِعُ، ولا يمكِنُ تطهيرُ مَحَلِّهِ الباطنِ، كما يتوقَّفُ ويتطهَّرُ محلُّ الجِمَاعِ في القُبُلِ ظاهرًا وباطنًا؛ فدلَّ على أنَّ التحريمَ في الدُّبَرِ أَولى مِن النهيِ والتحريمِ في القُبُلِ وأشَدُّ.
وقد علَّل اللهُ الحِكْمةَ مِن النهيِ في الآيةِ بالنجاسةِ في ألفاظٍ؛ منها قولُه: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، وقولُه: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾، وقولُه: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، ولا يمكِنُ أنَّ اللهَ يَنْهَى عن القُبُلِ لعلَّةِ التنجُّسِ ثمَّ يَأْذَنُ بالدُّبُرِ ويَصِفُ مَن كانت حالُهُ كذلك بالمتطهِّرِ؛ ولذا قال مجاهدٌ: "مَن أَتَى امرأتَهُ في دُبُرِها، فليس مِن المتطهِّرينَ" (٣).
ويأتي الدليلُ أصرَحَ في الآيةِ التاليةِ، وقد رُوِيَ أنَّهم كانوا يَأُتُونَ المرأةَ في دُبُرِها عندَ حَيْضِها؛ فانزَلَ اللهُ الآيةَ للدلالةِ على تحريمِ ذلك؛ كما رَوَاهُ خُصَيْفٌ، عن مجاهِدٍ؛ رواهُ ابنُ جريرٍ (٤).
стр. 389
وتطهُّرُ المرأةِ للجِمَاعِ بعدَ حَيْضِها واجبٌ على المسلِمةِ والكتابيَّةِ سواءً؛ لأنَّ العِلَّةَ تَعَلَّقَتْ بالزوجِ أنْ يُصِيبَهُ الأذى؛ فهو مخاطَبٌ بعدمِ القُرْبِ، والمرأةُ لا يَجِبُ عليها الغُسْلُ إلا عنَد قيامِ المُوجِبِ مِن الصلاةِ وغيرِها، فالسؤالُ إنَّما كان مِن الرجالِ؛ فتَعَلَّقَ بهم، وإنِ اختلَفَ دِينُ المرأةِ فكانت لا تستحِلُّ صلاةً كالكتابيَّةِ.
ثمَّ قال اللهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾؛ إشارةً إلى أنَّ المخالِفَ لأمرِهِ ذلك عاصٍ متنجِّسٌ.
والتَّوَّابُونَ: المُقْلِعُونَ عن الذنوبِ الراجِعُونَ إلى اللهِ، والمتطهِّرونَ: المبتعِدُونَ عن النَّجَسِ المتوضِّئُونَ منه.
وتجوزُ مماسَّةُ الحائضِ ومضاجَعَتُها ومؤاكَلَتُها، وحُكْمُها كالطاهرةِ في ذلك، وإنَّما حَرُمَ وطءُ الفَرْجِ، ومباشَرَتُها فيما دونَ الفرجِ جائزةٌ؛ ففي البخاريِّ، عن عائشةَ، قالتْ: "كان النبيُّ ﷺ يُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ" (١).
وفي "الصحيحَيْنِ"، عن ميمونةَ بنتِ الحارثِ الهِلَاليَّةِ؛ قالتْ: "كان النبيُّ ﷺ إذا أراد أن يُباشِرَ امرأةً مِن نسائِهِ، أمَرَهَا فاتَّزَرَتْ وهي حائضٌ" (٢).
وفي "المسنَدِ" والدارِميِّ، عن عائشةَ؛ قالتْ: "كان النبيُّ ﷺ يُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ، وَيَدْخُلُ مَعِي فِي لِحَافِي وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَكِنَّهُ كَانَ أمْلَكَكُم لِإِرْبِهِ" (٣).
وسأَلَ مسروقٌ عائشةَ: ما يَحِلُّ للرجُلِ مِن امرأتِهِ وهي حائضٌ؟ فقالتْ: "كلُّ شيءٍ إلا فَرْجَها" (٤).
стр. 390
وهذا الذي عليه الدليلُ، وعليه أكثرُ الصحابةِ والتابِعِينَ.
ومِن السلفِ والفقهاءِ: مَن نَهَى عمَّا دونَ الإزارِ؛ لأنَّه حَرِيمُ الفَرْجِ، وقد يكونُ ذريعةً للوصولِ إلى الفرجِ والوطءِ؛ وهو قولٌ للشافعيِّ.
وما رُوِيَ عن بعضِ السلفِ مِنْ كراهةِ مضاجَعةِ الحائضِ في لحافٍ واحدٍ؛ كما جاءَ عن عَبِيْدةَ السَّلْمَانِيِّ، وكراهةِ بعضِ السلفِ مُضاجعتَها في فراشٍ واحدٍ، كما جاء عن ابنِ عباسٍ: فهذا محمولٌ على الاحتياطِ؛ إمَّا لحالِ السائلِ، وإمَّا لحالِ المرأةِ أنْ تكونَ لا تَجِدُ ما تَسْتَثْفِرُ به، فتُنجِّسَ الفِرَاشَ ولباسَ زَوْجِها.
وهذا لا يقعُ على أصلِ المسألةِ؛ وإنَّما على الحالِ الخاصَّةِ، فمَن خَشِيَ على نفسِهِ المواقَعةَ، نُهِيَ عن المضاجَعةِ، كما يُنهَى الصائمُ عن القُبْلةِ وأصلُها مباحٌ.
ولهذا رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ: جوازُ ما فوقَ الإزارِ للرجلِ مِن امرأتِهِ الحائضِ، بل ما دُونَ ذلك؛ كما رواهُ عنه عِكْرِمةُ (١).
كَفَّارةُ وَطْءِ الحائضِ:
ومَن وَطِئَ امرأتَهُ زمنَ الحيضِ، فقد أَثِمَ بلا خلافٍ، واختلَفَ العلماءُ في لزومِ الكفارةِ عليه، وهي الصدقةُ، على قولَيْنِ:
الأولُ: عدمُ لزومِ شيءٍ إلا التوبةَ؛ وهو قولُ جمهورِ السلفِ والفقهاءِ، وبعضُ هؤلاء الفقهاءِ يَرَى أنَّ الكفارةَ بالصَّدَقةِ مستَحَبَّةٌ لا واجِبةٌ؛ وهو قولُ الحنفيَّةِ، والشافعيِّ في الجديدِ.
والثاني: يلزمُهُ الكفارةُ، وهي الصَّدَقةُ، وهو قولُ أحمدَ؛ لما في