← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

حاضَتِ المرأةُ منهم، لم يؤاكِلُوها ولم يجامِعُوها في البيوتِ، فسَأَلَ أصحابُ النبيِّ ﷺ فأنزَلَ اللهُ : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، حتى فَرَغَ مِن الآيةِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : (اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النكاحَ)، فبلَغَ ذلك اليهودَ، فقالوا: ما يُرِيدُ هذا الرجلُ أنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنا شيئًا إلا خالَفَنَا فيه! فجاء أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بنُ بِشْرٍ، فقالا: يا رسولَ اللهِ، إنَّ اليهودَ قالتْ كذا وكذا؛ أفلا نُجَامِعُهُنَّ؟ فتَغَيَّرَ وجهُ رسولِ اللهِ ﷺ ، حتى ظَنَنَّا أنْ قد وَجَدَ عليهما، فخرَجَا فاستقبَلَتهُمَا هديَّةٌ مِن لَبَنٍ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فأرسَلَ في آثارِهما فسَقَاهُما، فعَرَفَا أنْ لم يَجِدْ عليهما (١). والحيضُ كتَبَهُ اللهُ على جميعِ بناتِ آدَمَ؛ فلا يَخْتَصُّ بجنسٍ ولا بِبَلَدٍ ولا عِرْقٍ منهنَّ؛ ففي "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ عائشةَ، قال ﷺ : (ذَلِكِ شَيْءٌ كَتبَهُ اللهُ عَلى بَنَاتِ آدَمَ) (٢). والمرادُ باعتزالِ الحائضِ: اعتزالُ الوطءِ، وليس اعتزالَ المجالَسةِ والمماسَّةِ والمؤاكَلةِ والمضاجَعةِ، كما يفعلُ اليهودُ؛ فقولُه تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ مفسَّرٌ ومبيَّنٌ بقولِهِ تعالى بعدَهُ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، فأمَرَ اللهُ بإتيانِ موضعِ الوطءِ وليس إتيانَها كلِّها؛ لأنَّها لم تحرُمْ كلُّها عليهم مِن قبلُ. وقولُ اللهِ تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾؛ يعني: يَنقَيْنَ مِن نزولِ الدمِ، وقولُهُ بعدَهُ: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾؛ يعني: اغتسَلْنَ مِن بقيَّةِ الأذَى؛ وعلى هذا: فلا يجوزُ وطءُ المرأةِ بعدَ طُهْرِها حتى تغتسِلَ؛ لأنَّ اللهَ ذكَرَ الطُّهْرَ والتطهُّرَ. وهذا قولُ أحمد وجمهورِ العلماءِ، وعليه فتوى الصحابةِ والتابعين،

стр. 387

ولا يُعرَفُ مَن أَفْتَى بخلافِهِ أو قال بجوازِ وطءِ المرأةِ قبلَ غُسْلِها؛ روى عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ: "إذا طَهُرَتْ مِن الدمِ، وتطهَّرَتْ بالماءِ"؛ وبهذا فسَّرَهُ مجاهِدٌ وعِكْرِمةُ، والحسنُ والليثُ (١). حكمُ جماع الحائضِ: وحكى ابنُ جريرٍ وغيرُهُ الاتِّفاقَ على أنَّه لا يجوزُ وطءُ المرأةِ الحائضِ بعدَ انقطاعِ الدمِ وقبلَ الغُسْلِ أو التيمُّمِ لعادمِ الماءِ؛ لظاهرِ الآيةِ (٢). وذهَبَ أبو حنيفةَ: إلى جوازِ الوطءِ قَبلَ الغُسْل، لكنْ قيَّده بما إذا انقطَعَ الدمُ بأكثرِ الحيضِ عَشَرةِ أيامٍ؛ فقال: إنَّه لا يجبُ عليها الغُسْلُ في هذه الحالةِ. والحقُّ: أنَّه لا دليلَ يعضُدُ هذا التقييدَ، ولا سلفَ ينصُرُهُ. وإنَّما اختُلِفَ في القَدْرِ الذي يُطلَقُ عليه الغُسْلُ، وتُستحَلُّ به المرأةُ بعدَ انقطاعِ دَمِها: والأكثرون: على أنَّه الغُسْلُ التامُّ كغُسْلِ الجنابةِ؛ وعلى هذا أصحابُ ابنِ عباسٍ؛ كمجاهِدٍ وعِكْرِمةَ، وقال به مِن البصريِّينَ: الحَسَنُ، ومِن الكوفيِّينَ: النَّخَعيُّ. وقيل: وضوءُ الصلاةِ. وقيل: غَسْلُ الفَرْجِ وتنقيتُهُ مِن الدمِ. فقولُه تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾؛ يعني: الوطءَ في موضعِ القُبُلِ، وهو الموضِعُ الذي نُهِيتُمْ عنه تُؤْمَرونَ به دونَ مجاوزتِهِ؛ روى سعيدُ بن جبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: "مِنْ حيثُ جاء الدمُ مِن ثَمَّ أُمِرْتَ

стр. 388

أنْ تأتيَ (١) "؛ وبهذا قال مجاهدٌ والنَّخَعيُّ، وعِكْرِمةُ وقتادةُ (٢). حكمُ إتيان الزوجة في دُبُرِها: وهذه الآيةُ تتضمَّنُ النهيَ عن إتيانِ المرأةِ في دُبُرِها، مِن وجهَيْنِ: الأولُ: أنَّ اللهَ نَهَى عن قُرْبِ النساءِ زَمَنَ الحَيْضِ بالجِمَاعِ، ولو جاز الدُّبُرُ، لَمَا كان للنهيِ عن القُرْبِ معنًى؛ فاللهُ نَهَاهُ عن قُرْبِها بجِمَاعِ القُبُلِ؛ لأنَّه لا يَحِلُّ إلا هو. الثاني: أنَّ النهيَ عن جِمَاعِ الحائضِ في قُبُلِها؛ لأنَّه مَحَلُّ نجاسةٍ، وهو دمُ الحَيْضِ؛ وذلك ظاهرٌ في تعليلِ النهيِ بقولِه: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾، والدُّبُرُ محلُّ نجاسةٍ وأذًى أشدَّ مِنَ الدمِ، وهو العَذِرَةُ؛ فالنهيُ عنه دائِمٌ؛ لأنَّه محلٌّ دائمٌ لا يتوقَّفُ ولا ينقطِعُ، ولا يمكِنُ تطهيرُ مَحَلِّهِ الباطنِ، كما يتوقَّفُ ويتطهَّرُ محلُّ الجِمَاعِ في القُبُلِ ظاهرًا وباطنًا؛ فدلَّ على أنَّ التحريمَ في الدُّبَرِ أَولى مِن النهيِ والتحريمِ في القُبُلِ وأشَدُّ. وقد علَّل اللهُ الحِكْمةَ مِن النهيِ في الآيةِ بالنجاسةِ في ألفاظٍ؛ منها قولُه: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، وقولُه: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾، وقولُه: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، ولا يمكِنُ أنَّ اللهَ يَنْهَى عن القُبُلِ لعلَّةِ التنجُّسِ ثمَّ يَأْذَنُ بالدُّبُرِ ويَصِفُ مَن كانت حالُهُ كذلك بالمتطهِّرِ؛ ولذا قال مجاهدٌ: "مَن أَتَى امرأتَهُ في دُبُرِها، فليس مِن المتطهِّرينَ" (٣). ويأتي الدليلُ أصرَحَ في الآيةِ التاليةِ، وقد رُوِيَ أنَّهم كانوا يَأُتُونَ المرأةَ في دُبُرِها عندَ حَيْضِها؛ فانزَلَ اللهُ الآيةَ للدلالةِ على تحريمِ ذلك؛ كما رَوَاهُ خُصَيْفٌ، عن مجاهِدٍ؛ رواهُ ابنُ جريرٍ (٤).

стр. 389

وتطهُّرُ المرأةِ للجِمَاعِ بعدَ حَيْضِها واجبٌ على المسلِمةِ والكتابيَّةِ سواءً؛ لأنَّ العِلَّةَ تَعَلَّقَتْ بالزوجِ أنْ يُصِيبَهُ الأذى؛ فهو مخاطَبٌ بعدمِ القُرْبِ، والمرأةُ لا يَجِبُ عليها الغُسْلُ إلا عنَد قيامِ المُوجِبِ مِن الصلاةِ وغيرِها، فالسؤالُ إنَّما كان مِن الرجالِ؛ فتَعَلَّقَ بهم، وإنِ اختلَفَ دِينُ المرأةِ فكانت لا تستحِلُّ صلاةً كالكتابيَّةِ. ثمَّ قال اللهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾؛ إشارةً إلى أنَّ المخالِفَ لأمرِهِ ذلك عاصٍ متنجِّسٌ. والتَّوَّابُونَ: المُقْلِعُونَ عن الذنوبِ الراجِعُونَ إلى اللهِ، والمتطهِّرونَ: المبتعِدُونَ عن النَّجَسِ المتوضِّئُونَ منه. وتجوزُ مماسَّةُ الحائضِ ومضاجَعَتُها ومؤاكَلَتُها، وحُكْمُها كالطاهرةِ في ذلك، وإنَّما حَرُمَ وطءُ الفَرْجِ، ومباشَرَتُها فيما دونَ الفرجِ جائزةٌ؛ ففي البخاريِّ، عن عائشةَ، قالتْ: "كان النبيُّ ﷺ يُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ" (١). وفي "الصحيحَيْنِ"، عن ميمونةَ بنتِ الحارثِ الهِلَاليَّةِ؛ قالتْ: "كان النبيُّ ﷺ إذا أراد أن يُباشِرَ امرأةً مِن نسائِهِ، أمَرَهَا فاتَّزَرَتْ وهي حائضٌ" (٢). وفي "المسنَدِ" والدارِميِّ، عن عائشةَ؛ قالتْ: "كان النبيُّ ﷺ يُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ، وَيَدْخُلُ مَعِي فِي لِحَافِي وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَكِنَّهُ كَانَ أمْلَكَكُم لِإِرْبِهِ" (٣). وسأَلَ مسروقٌ عائشةَ: ما يَحِلُّ للرجُلِ مِن امرأتِهِ وهي حائضٌ؟ فقالتْ: "كلُّ شيءٍ إلا فَرْجَها" (٤).

стр. 390

وهذا الذي عليه الدليلُ، وعليه أكثرُ الصحابةِ والتابِعِينَ. ومِن السلفِ والفقهاءِ: مَن نَهَى عمَّا دونَ الإزارِ؛ لأنَّه حَرِيمُ الفَرْجِ، وقد يكونُ ذريعةً للوصولِ إلى الفرجِ والوطءِ؛ وهو قولٌ للشافعيِّ. وما رُوِيَ عن بعضِ السلفِ مِنْ كراهةِ مضاجَعةِ الحائضِ في لحافٍ واحدٍ؛ كما جاءَ عن عَبِيْدةَ السَّلْمَانِيِّ، وكراهةِ بعضِ السلفِ مُضاجعتَها في فراشٍ واحدٍ، كما جاء عن ابنِ عباسٍ: فهذا محمولٌ على الاحتياطِ؛ إمَّا لحالِ السائلِ، وإمَّا لحالِ المرأةِ أنْ تكونَ لا تَجِدُ ما تَسْتَثْفِرُ به، فتُنجِّسَ الفِرَاشَ ولباسَ زَوْجِها. وهذا لا يقعُ على أصلِ المسألةِ؛ وإنَّما على الحالِ الخاصَّةِ، فمَن خَشِيَ على نفسِهِ المواقَعةَ، نُهِيَ عن المضاجَعةِ، كما يُنهَى الصائمُ عن القُبْلةِ وأصلُها مباحٌ. ولهذا رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ: جوازُ ما فوقَ الإزارِ للرجلِ مِن امرأتِهِ الحائضِ، بل ما دُونَ ذلك؛ كما رواهُ عنه عِكْرِمةُ (١). كَفَّارةُ وَطْءِ الحائضِ: ومَن وَطِئَ امرأتَهُ زمنَ الحيضِ، فقد أَثِمَ بلا خلافٍ، واختلَفَ العلماءُ في لزومِ الكفارةِ عليه، وهي الصدقةُ، على قولَيْنِ: الأولُ: عدمُ لزومِ شيءٍ إلا التوبةَ؛ وهو قولُ جمهورِ السلفِ والفقهاءِ، وبعضُ هؤلاء الفقهاءِ يَرَى أنَّ الكفارةَ بالصَّدَقةِ مستَحَبَّةٌ لا واجِبةٌ؛ وهو قولُ الحنفيَّةِ، والشافعيِّ في الجديدِ. والثاني: يلزمُهُ الكفارةُ، وهي الصَّدَقةُ، وهو قولُ أحمدَ؛ لما في

стр. 391

"المسندِ" و"سنن أبي داود"، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ في الذي يأتي امرأتَهُ وهي حائضٌ: يتصدَّقُ بدينارٍ أو نصفِ دينارٍ (١). وهذا الحديثُ صحَّحَهُ أحمدُ فيما نقَلَهُ أبو داودَ عنه. والذين قالوا بالصدقةِ اختَلَفُوا في مقدارِها: فمنهم: مَن أطلَقَ، ولم يُعيِّنْ. ومنهم: مَن خيَّرَ بِينَ الدينارِ ونصفِ الدينارِ. ومنهم: مَن جعَل في الجماعِ زمنَ الدمِ الشديدِ دينارًا، وزمنَ الدمِ الخفيفِ كالأصفرِ نصفَ دينارٍ؛ وهذا إنَّما قالوه للتخييرِ أو الشكِّ في الحديثِ. ورُوِيَ في ذلك أقوالٌ لا يعضُدُها خبرٌ ولا قياسٌ صحيحٌ؛ كالقولِ بأنَّ الكفارةَ بَدَنَةٌ؛ وهو مرويٌّ عن سعيدٍ، وكالقولِ بأنَّ الكفارةَ ككَفَّارةِ المُجامِعِ في نهارِ رمضانَ. وحديثُ ابنِ عباسٍ جاء موقوفًا ومرفوعًا، وموصولًا ومرسَلًا؛ والصوابُ فيه الوقفُ. والأظهرُ: عدَمُ وجوبِ الكفَّارةِ، وإنَّما كان السلفُ يَحُثُّونَ على الصدقةِ مع التوبةِ؛ لأنَّ الصدقةَ ثَبَتَ في الخبرِ مَحْوُها للذنوبِ، وأثرُها في التكفيرِ عظيمٌ، ولا يعني ذلك اختصاصَ الصدقةِ بالجِمَاعِ للحائضِ، كاختصاصِ كفَّارةِ الظِّهَارِ للمظاهِرِ، وكفَّارةِ اليمينِ للحانِثِ. والتخييرُ في الحديثِ قرينةٌ على ذلك، والصَّدَقةُ مستحبَّةٌ في كلِّ حينٍ، ومع كلِّ ذنبٍ، وهي عندَ المغلَّظاتِ آكَدُ.

стр. 392

قال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. نزَلَتْ هذه الآيةُ بيانًا لبطلانِ ما تعتقدُهُ يهودُ مِن ضَرَرِ إتيانِ المرأةِ مِن ورائِها في قُبُلِها، واقتدَى بهم أهلُ المدينةِ مِن الأنصارِ؛ فقد جاء في "الصحيحَيْنِ"، عن جابرٍ ﵁؛ قال: كانتِ اليهودُ تقولُ: "إذا جامَعَها مِن وَرَائِها، جاءَ الوَلَدُ أحْوَلَ"؛ فنزَلَتْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (١). ما يَحِلُّ للرجلِ من زوجتِهِ: ثمَّ إنَّ الآيةَ قد دَلَّت على أنَّ الأصلَ في النساءِ الحِلُّ لأزواجِهنَّ، وكنَّى اللهُ عن الجِمَاعِ والوَطْءِ بالحَرْثِ، فشَبَّهَ الزوجةَ بالأرضِ، والوَطْءَ بالحرثِ فيها، والولدَ بالزَّرْعِ، وفي الآيةِ: أنَّ النهيَ عن الوطءِ إنَّما هو استثناءٌ؛ وذلك في أوقاتٍ مخصوصةٍ؛ كالصيامِ، وأحوالِ مخصوصةٍ؛ كالإحرامِ والاعتكافِ، وأماكنَ مخصوصةٍ؛ كالمساجدِ، وفي مواضعَ مخصوصةٍ منها؛ كالدُّبُرِ، ونزولِ الحَيْضِ؛ لاشتراكِهما في عِلَّةِ الأذَى؛ فالقُبُلُ أَذًى عارضٌ، والدُّبُرُ أذًى دائمٌ. وجاءت هذه الآيةُ لعد تحريمِ الوطءِ زَمَنَ الحيضِ؛ ليبيِّنَ اللهُ مِنَّتَهُ على عبادِهِ أنَّ النهيَ عارِضٌ لا دائِمٌ، فلا يَغِيبُ عن النفوسِ ما أحَلَّهُ اللهُ لهم في أكثرِ الزمانِ؛ فهم يستثقِلُونَ التحريمَ وهو عارضٌ، ويستخِفُّونَ التحليلَ لأنَّه غائبٌ. وذكَرَ اللهُ النساءَ في قولِه: ﴿نِسَاؤُكُمْ﴾، ولم يَخُصَّ الزوجاتِ؛ لِيَعُمَّ ذلك الزوجاتِ والإماءَ، فالحُكْمُ فيهنَّ واحدٌ، وكلُّ ذلك من النساءِ.

стр. 393

وفي الآيةِ: دليلٌ على أنَّ حقَّ الوطءِ للرجلِ على المرأةِ؛ للفِطْرةِ الغالِبةِ في الشهوةِ منه عليها، ولم يتوجَّهِ الخطابُ إليها؛ لِغَلَبةِ حيائِها وإنِ اشترَكَا في الحَقِّ، فيجبُ على الزوجةِ أنْ تمكِّنَ زَوْجَها متى ما رَغِبَها؛ ففي "المسندِ"، والتِّرْمِذيِّ، والنَّسَائيِّ؛ مِن حديثِ طَلْقِ بنِ عليٍّ، عن النبيِّ ﷺ ؛ قال: (إِذَا الرَّجُلُ دَعَا زَوْجَتَهُ لِحَاجَتِهِ، فَلْتَأْتِهِ وَإِنْ كانت عَلَى التَّنُّورِ) (١). فإنَّ في ذلك أداءً للحقِّ، وقضاءً للوَطَرِ، وتأليفًا للقلبِ، ودَفْعًا للشرِّ؛ فإنَّ الرجلَ أكثَرُ عُرْضةً لفتنِ النساءِ مِن المرأةِ لفتنِ الرجالِ؛ وذلك لأنَّ اللهَ كتَبَ عليه الضَّرْبَ في الأرضِ، فيَغْدُو وَيَرُوحُ، ويبيعُ ويشترِي، ويَعْرِضُ له ما لا يَعْرِضُ للمرأةِ، وفي "صحيحِ مسلمٍ"؛ مِن حديثِ جابرٍ؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رَأَى امْرَأَةً، فَأَتَى امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ، وَهِيَ تَمْعَسُ مَنيئَةً لَهَا، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ خَرَجَ الَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: (إنَّ المَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، فَإِذَا أبْصَرَ أحَدُكُمُ امْرَأةً، فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ؛ فَإِنَّ ذلك يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ) (٢). وفي قولِهِ تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ دليلٌ على الإتيانِ مِن القُبُلِ؛ لأنَّه مَنْبَتُ الوَلَدِ؛ كما رواهُ عِكْرِمةُ، عن ابنِ عباسٍ؛ قال: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾: مَنْبَتَ الولدِ" (٣). فالحَرْثُ: الجِمَاعُ، والأرضُ: الزوجة، والولَدُ: الزَّرْعُ، وكما أنَّه لا يُزرَعُ عقلًا في غيرِ أرضِ الحرثِ، فكذلك لا يُوضَعُ البُضْعُ في غيرِ القُبُلِ، فإذا كان وضعُ الزرعِ على الحَصَى نقصًا في العقلِ، فكذلك وضعُ البُضْعِ في غيرِ القُبُلِ نقصٌ في الدِّينِ.

стр. 394

وقولُهُ تعالى: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾؛ يعني: على أيِّ صفةٍ تُؤتَى المرأةُ، ما دامَ في الموضعِ الذي أمَرَ اللهُ به؛ روى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قولَهُ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، قال: "ائْتِهَا أَنَّى شِئْتَ، مُقْبِلَةً وَمُدْبِرَةً، مَا لم تَأْتِهَا فِي الدُّبُرِ وَالمَحِيضِ" (١). وبنحوِه رواهُ عليٌّ، عن ابنِ عباسٍ. وبنحوِه قال عِكْرِمةُ ومجاهِدٌ وقتادةُ والسُّدِّيُّ (٢). وقيل: إنَّ معنى قولِهِ: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾: متى شِئْتُمْ؛ قاله الضَّحَّاكُ وغيرُه (٣). وتشبيهُ اللهِ الوطءَ بالحرثِ، والمرأةَ بالأرضِ، والولدَ بالزرعِ: لا يُؤخَذُ منه النهيُ عن مباشرةِ الرجلِ لزوجتِه في فَخِذَيْها وغيرِ ذلك منها ولو أَنْزَلَ؛ لأنَّ الصحابةَ والتابعينَ لم يَرِدْ عنهم خلافٌ في هذا، ولو كان ذلك في غيرِ موضعِ الزَّرْعِ، فكما أنَّه يجوزُ له العَزْلُ وعدَمُ طلبِ الولدِ، فكذلك يجوزُ له الإنزالُ في غيرِ الفَرْجِ مِن غيرِ إيلاجٍ. وأمَّا المنعُ مِن إتيانِ المرأةِ في دُبُرِها، فلأدلةٍ؛ منها: أنَّه ليس بموضعِ زرعٍ، وليس هذا دليلًا منفردًا في الباب لِيَضْعُفَ مقابِلَهُ القولُ بجوازِ المباشَرةِ والإنزالِ في غيرِ القبُلِ؛ بجامِعِ أنَّ كلَّ واحدٍ منهما غيرُ موضعِ زرعِ؛ لأنَّ المباشَرةَ مع الإنزالِ في غيرِ الفرجِ لا يختلِفونَ فيها، فقد قال لَيْثٌ: "تَذَاكَرْنَا عِنْدَ مُجَاهِدٍ الرَّجُلَ يُلَاعِبُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، قَالَ: اطْعُنْ بِذَكَرِكَ حَيْثُمَا شِئْتَ فِيمَا بَيْنَ الفَخِذَيْنِ وَالأَلْيَتَيْنِ وَالسُّرَّةِ، مَا لم يَكُنْ فِي الدُّبُرِ أَوِ الحَيْضِ"؛ رواهُ ابنُ جريرٍ (٤).

стр. 395

إتيانُ المرأةِ في دبرِهَا عند السلف: ولا يَختلِفُ السلفُ مِن الصحابةِ والتابعينَ والأئمةِ الأربعةِ: في تحريمِ إتيانِ المرأةِ في دُبُرِها، إلا شيئًا ورَدَ في ذلك عن ابنِ عمرَ، ومحمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ، ومالكٍ. أمَّا ما جاء عنِ ابنِ عمرَ: فما مِن راوٍ عن ابنِ عمرَ يروِي عنه جوازَ إتيانِ المرأةِ في دُبُرِها إلا وله روايةٌ في تحريمِ ذلك مِن وجهٍ آخَرَ؛ فرَوَى سالمٌ ونافعٌ، عن ابنِ عمرَ: المنعَ؛ كما رُوِيَ عنهما عن ابنِ عمرَ: روايةُ الجوازِ، ومِثلُه: أبو الحُبَابِ سعيدُ بنُ يَسَارٍ رَوَى المنعَ عن ابنِ عمرَ، ورُوِيَ عنه عن ابنِ عمرَ: الجوازُ، وحَمْلُ رأيِهِ على روايةِ الجماعةِ أَوْلى مِن حَمْلِهِ على المُخالِفِ. وهذا القولُ عن ابنِ عمرَ مع مخالفتِه الصحابةَ والتابعينَ لا يُشارُ إليه، فضلًا عن أنْ يُصارَ إليه؛ كيف وقد جاء عنه ﵁ ما يوافِقُ الصحابةَ ويَجْرِي مع ظاهرِ الدليلِ؟ ! وقد جاء عنه التشديدُ في النهيِ، كما رَوى سعيدُ بنُ يسارٍ: "أنَّه سأَلَ ابنَ عمرَ، فقال له: يا أبا عبدِ الرحمنِ، إنَّا نشترِي الجوَارِيَ فنُحَمِّضُ لَهُنَّ؟ فقال: وما التحميضُ؟ قال: الدُّبُرُ، فقال ابنُ عمرَ: أُفٍّ أفٍّ! يفعلُ ذلك مؤمنٌ؟ ! " (١). وهكذا جماعةٌ مِن الصحابةِ كما روى قتادةُ عن أبي الدرداءِ؛ قال: "هل يفعلُ ذلك إلا كافرٌ؟ ! " (٢). يعني: الكفرَ الأصغرَ؛ كالطَّعْنِ في النَّسَبِ، والنياحةِ على المَيِّتِ، والانتسابِ لغيرِ الأبِ، ونحوِ ذلك مما دلَّ الدليلُ على تسميتِه كُفْرًا، ورفَعَتْ عنه الأدلةُ الأُخرى الخروجَ مِن الدِّينِ كلِّه. ويظهَرُ أنَّ الجوازَ الوارِدَ عن ابنِ عمر، أراد به: إتيانَ المرأةِ مِن

стр. 396

دُبُرِها؛ يعني: مُدْبِرَةً في قُبُلِها، وهذا كانت تَكْرَهُهُ يهودُ، ويقتدِي بهم بعضُ أهلِ المدينِةِ؛ فبيَّنَ ابنُ عمرَ جوازَ هذا الفعلِ بهذه الآيةِ؛ فرواهُ عنه نافعٌ وغيرُه، وقرينةُ ذلك: أنَّ غيرَ واحدٍ مِن الأئمَّةِ المصنِّفينَ كالبخاريِّ وغيرِه يَرْوُونَ ذلك عن ابنِ عمرَ في تفسيرِ هذه الآيةِ، وهذه الآيةُ في إتيانِ المرأةِ مُدْبِرَةً في قُبُلِها لا في دُبُرِها، وهذا سببُ النزولِ؛ كما سلَفَ في حديثِ جابرٍ وغيرِه؛ ففَهِمَ بعضُ أصحابِ ابنِ عمرَ وبعضُ أصحابِ أصحابِه هذا على المعنى غيرِ المرادِ؛ وإلَّا فإنَّ تشديدَ ابنِ عمرَ - كما سلَفَ - في إتيانِ المرأةِ في دُبُرِها: لا يَحْتَمِلُ منه قولًا آخَرَ بالجوازِ، وهكذا يُفهَمُ مِن سياقِ مَن رواهُ عن نافعٍ؛ كابنِ عونٍ عن نافعٍ؛ قال: "قرأتُ ذاتَ يومٍ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، فقال ابنُ عمرَ: أتدري فيمَن نزَلَتْ؟ قلتُ: لا، قال: نزلَتْ في إتيانِ النساءِ في أَدْبَارِهِنَّ" (١). فإنَّ سبَبَ النزولِ في الإتيانِ مِن الدُّبُرِ في القُبُلِ؛ كما رواهُ جماعةٌ مِن الصحابةِ والتابعينَ، ومِثلُهُ ينبغي حَمْلُ كلامِ ابنِ عمرَ عليه؛ فإنَّ إتيانَ المرأةِ في دُبُرِها لا حاجةَ فيه إلى إقبالِها أو إدبارِها، ولأنَّ الحُكُمَ لم تَنْزِلْ فيه هذه الآيةُ باتِّفاقِهم. وعلى هذا تُحْمَلُ روايةُ أيُّوبَ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ، في هذه الآيةِ؛ قال: "في الدُّبُرِ" (٢)؛ يعني: مُدبِرةً لا مُقبِلةً، ولم يُرِدِ الصمامَ الذي يُوضَعُ فيه؛ فإنَّ الآيةَ لم تَنزِلْ في حُكمِهِ أصلًا، وإنَّما تَبَعًا. ومِثلُ أيوبَ عن نافعٍ: مَنْ رواهُ عن نافعٍ بنحوِ هذا اللفظِ والسياقِ؛ كابنِ عَوْنٍ، وعُبَيْدِ اللهِ بنِ عمرَ بنِ حَفْصٍ، ومحمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ذِئْبٍ، وكذلك روايةُ مالكٍ التي صحَّحَها عن نافعٍ الدارقطنيُّ بنحوِ روايةِ غيرِه.

стр. 397

ونافعٌ روى عن ابنِ عمرَ هذا السياقَ في تفسيرِ الآيةِ، لا رأيًا مستقلًّا في الفقهِ والفتوى، وكلُّ مَن رواه عنه رواهُ في هذه الآيةِ لا في غيرِها، وكلُّ ما جاء عن ابنِ عمرَ في الرواياتِ: أنَّه قال في إتيانِ المرأةِ مِن دُبُرِها في غيرِ هذه الآيةِ، فلا يثبُتُ منها شيءٌ، إلا ما رواهُ النَّسَائيُّ عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسمِ؛ قال: "قلتُ لمالكٍ: إنَّ عندَنا بمِصْرَ اللَّيْثَ بنَ سَعْدٍ يحدِّثُ عن الحارثِ بنِ يعقوبَ، عن سعيدِ بنِ يسارٍ؛ قال: قلتُ لابنِ عمرَ: إنَّا نشترِي الجواريَ، فنُحَمِّضُ لَهُنَّ، قال: وما التحميضُ؟ قال: نَأْتِيهِنَّ في أدبارِهِنَّ، قال: أُفّ! أَوَ يَعْمَلُ هذا مسلِمٌ؟ ! فقال لي مالكٌ: فأَشهَدُ على ربيعةَ لَحَدَّثَنِي عن سعيدِ بنِ يسارٍ؛ أنَّه سأَلَ ابنَ عُمَرَ عنه؟ فقال: لا بأسَ به" (١). وهو صحيحٌ عن ابنِ عمرَ بلفظَيْهِ، وحَمْلُهُ على قولِ الجماعةِ وفتواهُمْ وتفسيرِهِمْ أَوْجَهُ وأَسْلَمُ وأَقْوَمُ. ورواهُ سالمٌ وعبيدُ اللهِ أبناءُ ابنِ عمرَ عن أبِيهم، وروايتُهم معلولةٌ. وقد جاء عن نافعٍ - وعنه عن ابنِ عمرَ - المعنى الموافقُ لتفسيرِ السلفِ للآيةِ، كما رواهُ النَّسَائيُّ في "الكُبْرى"، عن عبدِ اللهِ بنِ سُلَيْمانَ الطويلِ، عن كَعْبِ بنِ عَلْقَمةَ، عن أبي النَّضْرِ؛ أنَّه قال لنافعٍ مَوْلَى ابنِ عمرَ: قد أَكْثَرَ عليك القولَ أنَّك تقولُ عن ابنِ عمرَ أنَّه أَفْتَى بأنْ يُؤتَى النساءُ في أدبارِهِنَّ! قال نافعٌ: لقد كَذَبُوا عَلَيَّ! ولكنْ سأُخبِرُك كيف كان الأمرُ: إنَّ ابنَ عمَرَ عَرَضَ عليَّ المُصْحَفَ يومًا، وأنا عندَهُ حتى بلَغَ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾، قال: يا نافعُ، هل تَعْلَمُ ما أمرُ هذه الآيةِ؟ إنَّا كنَّا معشرَ قريشٍ نُجَبِّي النساءَ، فلمَّا دخَلْنا المدينةَ ونَكَحْنا نساءَ الأنصارِ أَرَدْنا مِنْهُنَّ ما كنَّا نُرِيدُ مِن نسائِنا؛ فإذا هُنَّ قد كَرِهْنَ ذلك وأَعْظَمْنَهُ، وكان

стр. 398

نساءُ الأنصارِ إنَّما يُؤْتَيْنَ على جُنُوبِهِنَّ؛ فأنزَلَ اللهُ سبحانَه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (١). والطويلُ يُحْتَمَلُ حديثُه. ويَحْتمِلُ أنَّ هذا القولَ ظَنَّهُ ابنُ عمرَ على معنى الإتيانِ في الدُّبُرِ، لا مِن الدُّبُرِ في القُبُلِ، فوَهِمَ في المعنى؛ ولذا صحَّ عن ابنِ عباسٍ أنَّه قال: "إنَّ ابنَ عمرَ - واللهُ يَغْفِرُ له - أَوْهَمَ" (٢). ثمَّ ذكَرَ ابنُ عباسٍ سبَبَ نزولِ الآيةِ، وقد صحَّ هذا عن ابنِ عباسٍ؛ رواهُ أبَانُ بنُ صالحٍ، عن مجاهدٍ، عنه، ولعلَّ ابنَ عُمَرَ لمَّا بانَ له الأمرُ ترَكَهُ، وهكذا مَنْ نقَلَ قولَهُ وأخَذَ به، فله قولٌ يُخالِفُهُ؛ كنافعٍ ومالكٍ يُوافِقُ الجماعةَ، وحَمْلُ أقوالِهم على ما اتَّفَقَتْ عليه كلمةُ عامَّةِ المفسِّرينَ الذين رُوِيَ عنهم القولُ فيها مِن الصحابةِ والتابعينَ وفَهِمُوهُ مِن الآيةِ: أحْرَى وأَوْلَى. وأمَّا ما جاءَ عن ابنِ المُنْكَدِرِ: فقد رواهُ عبدُ المَلِكِ بنُ مَسْلَمةَ، عن الدَّرَاوَرْدِيِّ؛ قال: قيل لزَيْدِ بنِ أَسْلَمَ: إنَّ محمَّدَ بنَ المنكَدِرِ يَنْهَى عن إتيانِ النساءِ في أدبارِهِنَّ، فقال زيدٌ: أَشْهَدُ على محمَّدٍ لَأَخْبَرَني أنَّه يفعَلُهُ (٣). وعبدُ الملِكِ منكَرُ الحديثِ؛ قاله أبو زُرعةَ وغيرُهُ، وقال أبو حاتمٍ: "مضطرِبُ الحديثِ، ليس بالقويِّ" (٤). والأحاديثُ الواردةُ في النهي عن إتيانِ المرأةِ في الدُّبُرِ وإنْ كانت معلولةً منفرِدةً، فكَثْرَتُها تدُلُّ على أَصلِها، وفي ظاهرِ القرآنِ وإطباقِ عامَّةِ السلفِ غُنْيَةٌ وكفايةُ. وقد أخَذَ بعضُ السلفِ مِنْ قولِهِ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾: جوازَ

стр. 399

العَزْلِ، فكما أَذِنَ اللهُ بالإتيانِ عدَ الحاجةِ، فكذلك الولدُ - وهو الزرعُ - يُطلَبُ عندَ الحاجةِ؛ ومِن هذا قولُ ابنِ عباسٍ في هذه الآيةِ: "إِن شِئْتَ فَاعْزِلْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَعْزِلْ"؛ وبنحوِه عن ابنِ المسيَّبِ (١). وقولُه تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾: قيل: المرادُ به ما شَرَعَهُ اللهُ عندَ الجِمَاعِ مِن ذِكْرِ اللهِ، وحُسْنِ القَصْدِ، وطبِ الولدِ؛ رجاءَ عَوْنِهِ وعبادتِهِ للهِ وطاعتِهِ له؛ رَوَى عطاءٌ عن ابنِ عباسِ: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾؛ قال: "يقولُ: باسمِ اللهِ" (٢). ورُوِيَ عن عِكْرِمةَ؛ أنَّ المرادَ بـ ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾؛ يعني: الولَدَ (٣). * * * قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٤]. دَلَّتِ الآيةُ على النهيِ عن النَّذْرِ واليمينِ الي تُتَّخَذُ مُلزِمةً للعبدِ ألَّا يُطِيعَ اللهَ، ولا يعملَ البِرَّ ولا يُحسِنَ إلى الناسِ، فإذا أراد أحدٌ عدَمَ فعلِ الخيرِ، أقَسَمَ على نفسِه أنْ يترُكَ الخيرَ، فيجعَلُ اليمينَ حائلةً بينَهُ وبينَ الطاعةِ والإحسانِ؛ فهو يعظِّمُ اليمينَ لأجلِ أنَّه حلَفَ باللهِ، ولا يعظِّمُ أمرَ اللهِ الذي أمَرَ بالطاعةِ والمعروفِ والإحسانِ؛ فكأنَّه يَضرِبُ أمرَ اللهِ بتعظيمِ اللهِ؛ ليحقِّقَ رغْبَتَهُ وهواهُ في تركِ ما لا يُرِيدُ مِن الخيرِ والبِرِّ والإحسانِ إلى الناسِ. فقولُهُ: ﴿عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾؛ يعني: عارِضًا قويًّا تتَّخِذُونَهُ وتتساهَلُونَ به، في إلزامِ أنفُسِكُمْ بتركِ الخيرِ والِبرِّ.

стр. 400

وقد جاء في "الصحيحَيْنِ"، واللفظُ للبخاريِّ، عن أبي هُرَيْرةَ؛ قال. قال رسولُ اللهِ ﷺ : (مَنِ اسْتَلَجَّ فِي أَهْلِهِ بِيَمِينٍ، فَهُوَ أَعْظَمُ إِثْمًا، لِيَبَرَّ)؛ يَعْنِي: الكَفَّارةَ (١). وروى عليُّ بن أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ قولَهُ: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾، يقولُ: "لَا تَجْعَلْنِي عُرْضَةً لِيَمِينِكَ أَلَّا تَصْنَعَ الخَيْرَ؛ وَلَكِنْ كَفِّرْ عَن يَمِينِكَ، وَاصْنَعِ الخَيْرَ" (٢). وقال مجاهدٌ في قولِهِ: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾: "فأُمِرُوا بِالصِّلَةِ، والمَعْرُوفِ، والإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، فإِنْ حَلَفَ حَالِفٌ أَلَّا يَفْعَلَ ذلك، فَلْيَفْعَلْهُ وَلْيَدَعْ يَمِينَهُ" (٣). ورُوِيَ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وعطاءٍ وطاوسٍ والنَّخَعيِّ نحوُهُ (٤). اليمينُ على المعصيةِ: وكلُّ يمينٍ تكونُ سببًا في تركِ الطاعةِ؛ كالصلاةِ والصدقةِ وصِلَةِ الرحمِ، فلا يجوزُ إمضاؤُها ولا العملُ بها، بل يكفِّرُ صاحبُها عن يمينِه ويأتي الذي هو خيرٌ، وهذا إذا كان في يمينِ الإنسانِ لنفسِهِ؛ فإنَّ يمينَ غيرِه عليه أَوْلَى بالتركِ وعدمِ إبرارِها. وكلُّ يمينٍ تَحُولُ بينَ الإنسانِ وبينَ عملِ بِرٍّ أمَرَ اللهُ به أو حَثَّ عليه ولو لم يكنْ واجبًا، فلا يَلْزَمُ صاحِبَها الوفاءُ بها، ويتأكَّدُ نقضُها بحسَبِ منزلةِ الطاعةِ التي حالَتْ يمينُهُ بينَهُ وبينَها؛ فإنْ كانتِ الطاعةُ واجِبةً، وجَبَ عليه نقضُ اليمينِ؛ لأنَّ اليمينَ إنَّما عُظِّمَتْ لأجلِ المحلوفِ به، وهو اللهُ، واللهُ لا يَحُولُ بينَ الجدِ وبينَ أوامرِه، وإنْ كانت مستَحَبَّةً،

стр. 401

فنقضُها مستحَبٌّ؛ ففي "الصحيحَيْنِ"، عن أبي موسى الأشعريِّ ﵁؛ فال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (وَإِنِّي وَاللهِ - إِنْ شَاءَ اللهُ - لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الذي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا" (١). وبنحوِه عندَهما عن عبدِ الرحمنِ بنِ سَمُرةَ (٢). وعندَ مسلمٍ عن أبي هريرةَ (٣). والأحاديثُ في هذا البابِ كثيرةٌ. وقولُه: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾؛ يعني: بَسْمَعُ أيمانَكُم، ويَعلَمُ مَقاصِدَكُمْ بها، فما أمَرَ اللهُ بالطاعةِ والبِرِّ والإحسانِ لِيَحُولَ الإنسانُ بينَه وبينَها بيمينِهِ؛ فإنَّ هدا ليس مِن تعظيمِ أمرِ اللهِ. * * * فال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. الأصلُ في اللَّغْوِ: أنَّه ما لا قِيمَةَ له مِنَ الكلامِ، أو الساقطُ مِن القولِ، ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]. وَرَبِّ أَسْرَابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ … عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ (٤) واللُّغَةُ: ما يُتَكَلَّمُ به، وعمومُ الأصواتِ تسمَّى لُغَاتٍ، وفي الحديثِ: (مَنْ قَالَ فِي الجُمُعَةِ: صَهْ، فَقَدْ لَغَا) (٥)؛ أيْ: تكلَّمَ، واستَلْغَاهُ: استَنْطَقَهُ ليتكلَّمَ؛ يقالُ: إذا أردتَّ أنْ تَسمَعَ مِن الأعرابِ، فاسْتَلْغِهم.

стр. 402

معنى لغوِ الأيمانِ: واللَّغْوُ هنا: هو ما يَجْرِي على اللِّسَانِ مِن غيرِ إرادةٍ لمعناهُ، ولا قصدٍ لظاهرِهِ، فيُطلَقُ بلا رَوِيَّةٍ ولا فِكْرٍ، ويدخُلُ في اللَّغْوِ: الإشارةُ والعبارةُ، ومِن اللَّغْوِ: الكتابةُ لِما تَخُطُّهُ اليدُ ولا تريدُ معناهُ، إلَّا أنَّ اللسانَ أقرَب إلى ورودِ اللَّغْوِ عليه مِن القلَمِ؛ لأنَّ اللسانَ يَجري عليه الكلامُ أسرعَ مِن القَلَمِ، والقلَمَ يصاحِبُهُ غالبًا التأمُّلُ وحضورُ الذِّهْنِ. فاللسانُ يَسبِقُ القصدَ لسرعتِه، فما خرَجَ منه سابقًا للقصدِ، فهو لَغْوٌ، وتتأكَّدُ اليمينُ إذا صاحَبَ القصدُ القولَ، أو سبَقَ خروجَ القولِ. ومِن اللَّغْوِ الذي يَسبِقُ به اللسانُ القصدَ، قولُ: (لا، واللهِ) و (بَلَى واللهِ)، و (أفعَلُ واللهِ)، في حديثِ الناسِ، ولو كانت صورتُهُ الظاهرةُ صورةَ يمينٍ؛ لاعتبارِ القصدِ في الشريعةِ؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾؛ يَعني: ما انعقَدَتْ قلوبُكُمْ على قَصْدِه، كما في قولِهِ تعالى في المائدةِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [٨٩]. فسَّر اللَّغْوَ بذلك أكثرُ المفسِّرينَ مِن السلفِ؛ روى عُرْوةُ، عن عائشةَ: "اللَّغْوُ: لا واللهِ، وبَلَى واللهِ"؛ أخرَجَهُ البخاريُّ (١). وروى ابنُ جريرٍ نحوَهُ عنِ ابنِ عبَّاسٍ (٢) وابنِ عُمرَ، وعن الشَّعْبيِّ وأبي قِلَابةَ (٣) ومُجاهِدٍ والنَّخَعيِّ والزُّهْريِّ (٤)؛ وبهذا قال الشافعيُّ. وصحَّ عنِ النَّخَعيِّ؛ أنَّه جعَلَ اليمينَ لأجلِ الإكرامِ بالإطعامِ والضِّيَافةِ مِن اللَّغْوِ؛ كقولِهِ: "واللهِ لَيَأْكُلَنَّ، واللهِ لَيَشْرَبَنَّ" (٥).

стр. 403

ومَن قال: "لا واللهِ، وبَلَى واللهِ"، ونحوَ هذا، قاصدًا اليمينَ، فهي يمينٌ ولو كانت ممَّا تجري مجرَى اللَّغْوِ عادةً؛ لانعقادِ القصدِ، وقد قيَّدَتْ عائشةُ وغيرُها لَغْوَ اليمينِ بعدَمِ القصدِ، قالتْ: "ما لم يَعقِدْ عليه قَلْبَه" (١). لأنَّ الأصلَ في هده الألفاظِ أنَّها يمينٌ، ورُفِعَ انعقادُها؛ لانتفاءِ القصدِ. ومِن السلفِ مَن فسَّر اللَّغْوَ بالحَلِفِ على شيءٍ يظُنُّهُ كذلك، وهو ليس كذلك، فهو خطأٌ مِن الحالفِ وليس بعمدٍ؛ قال أبو هريرةَ في لَغْوِ اليمينِ: "حَلِفُ الإنسانِ على الشيءِ يَظُنُّ أنَّه الذي حلَفَ عليهِ، فإذا هو غيرُ ذلك"؛ رواهُ ابنُ جريرٍ (٢). ورُوِيَ هذا القولُ عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، به (٣)، وجاء عن مجاهِدٍ (٤) والزُّهْريِّ والنَّخَعيِّ (٥) وقتادةَ (٦)، وقال به أبو حَنِيفةَ ومالكٌ وجماعةٌ مِن فقهاءِ الحنابلةِ، وقال مالكٌ في هذا المعنى، كما في "الموطَّإِ": "هذا أحسنُ ما سَمِعْتُ" (٧)؛ أيْ: في تفسيرِ الآيةِ. وحمَلَهُ بعضُ السلفِ على يمينِ الغَضْبانِ؛ وهو قولٌ قالَهُ ابنْ عبَّاسٍ وطاوُسٌ (٨). وهذه الأقوالُ يجمَعُها انتفاءُ القصدِ من الحالفِ، وهي مِن التنوُّعِ لا التضادِّ؛ فقد فسَّر الواحدُ مِن السلفِ اللَّغْوَ بجميعِ ما سبَقَ، وبعضُهم بأكثَرِهِ؛ وذلك أنَّ اللَّغْوَ ما كانت صورتُهُ صورةَ يمينٍ، ولكنِ انتَفَى القصدُ الموجِبُ لانعقادِهِ يمينًا.

стр. 404

والأصلُ: أنَّ النِّيَّةَ معتبَرةٌ لانعِقادِ الأقوالِ والأعمالِ، والثوابِ والعقابِ عليها؛ كما في "الصَّحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ عمرَ؛ قال ﷺ : (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) (١). ويدخُلُ في لغوِ اليمينِ: ما حلَفَ علبه الإنسانُ، ثُمَّ نَسِيَهُ قبلَ التمكُّنِ مِن الوفاءِ به؛ قال به النَّخَعيُّ (٢)؛ وذلك كمَن حلَفَ على شيءٍ، ثمَّ نَسِيَ أيُّ شيءٍ حلَفَ عليه، فهو لا يذكُرُ إلَّا اليمينَ، ولا يذكُرُ ما حلَفَ عليه لِيَفِيَ به. ويدخُلُ في اللغوِ ذِكْرُ اليمينِ على شيءٍ نسيانًا، وهو يقصِدُ شيئًا آخَرَ. معنى عَدَمِ المؤاخذةِ في لغوِ اليمين: وقولُه تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾؛ المؤاخَذةُ في الآيةِ محمولةٌ على المؤاخَذةِ في الآخِرةِ، وعلى المؤاخَذةِ في الدُّنيا بعَدَمِ الكفَّارةِ، وهما قولانِ للمفسِّرينَ، ويَظهَرُ تفسيرُ ذلك كما في قولِه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ الآيةَ [المائدة: ٨٩]، على خلافٍ عند المفسِّرينَ في رجوعِ قولِهِ تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾؛ هل هو راجعٌ إلى لغوِ اليمينِ، أو إلى ﴿مَا﴾ في قولِه: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ﴾؟ وهذا الخلافُ في المؤاخَذةِ في الآيةِ، على معنيَيْنِ متَّسِعٍ وضيِّقٍ: فمِن العلماءِ: مَن قال: نَفَى اللهُ المؤاخَذةَ كلَّها في الدُّنيا والآخِرةِ؛ وهذا المعنى المتَّسِعُ؛ فلا إثمَ ولا كفَّارةَ. ومِنهم: مَن قال: نَفَى اللهُ المؤاخَذةَ الأُخرويَّةَ فقَطْ؛ وهذا المعنى الضَّيِّقُ؛ فلا إثمَ في الآخِرةِ، وتجِبُ الكفَّارةُ.

стр. 405

وقال بالمعنى الضيِّقِ جماعةٌ مِن السلفِ؛ صَحَّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ رواهُ عنهُ عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، قال: "اللَّغْوُ مِن الأَيْمانِ: هي التي تُكَفَّرُ، لا يُؤَاخِذُ اللهُ بها" (١). وصَحَّ عن النَّخَعيِّ، وجاء عنِ الضَّحَّاكِ وغيرِه؛ أخرَجَه ابنُ جريرٍ (٢). وجاء عن عليِّ بن أبي طَلْحةَ خلافُ ما رواهُ عنِ ابنِ عبَّاسٍ هنا (٣). وقال بالمعنى المتَّسِعِ أكثَرُ المفسِّرينَ مِنَ السَّلَفِ؛ صحَّ عن عائشةَ والشَّعْبيِّ والحسَنِ والنَّخَعيِّ ويحيى بنِ سعيدٍ وعليِّ بنِ أبي طَلْحةَ (٤)، وقال به ابنُ جريرٍ الطبريُّ (٥). وحمَلَ بعضُ السلفِ لغوَ اليمينِ التي لا يؤاخَذُ عليها الإنسانُ على يمينِ المعصيةِ؛ فلا يؤاخَذُ بتركِهِ للوفاءِ بها؛ لتحريمِ عملِ المحرَّمِ، واليمينُ لا تَرفعُ التحريمَ، وهو قولٌ مرويٌّ عن الشَّعْبيِّ ومسروقٍ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ (٦). وهو داخلٌ في اعتبارِ القصدِ على ما سَبَقَ؛ لأنَّ عقدَ القلبِ على المحرَّمِ باطلٌ، ووجودُ العقودِ المحرَّمةِ الباطِنةِ والظاهِرةِ كعَدَمِها. تكفيرُ يمينِ المعصيةِ: إلَّا أنَّ العلماءَ اختَلَفُوا في الكفَّارةِ في اليمينِ على فِعْلِ الحرامِ، مع اتفاقِهم على دخولِها في عدمِ المؤاخَذةِ بتركِ الوفاءِ بها، بل تحريمِ فعلِ المحرَّمِ ولو بيمينٍ:

стр. 406

رُوِيَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ومسروقٍ وابنِ جُبَيْرٍ: عدَمُ الكفَّارةِ. روى شُعْبَةُ، عن عاصِمٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ: "أَيُكفِّرُ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ؟ ! لَيْسَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ". وقال مسروقٌ: "كُلُّ يَمِينٍ لَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَفِيَ بِهَا، فَلَيْسَ فِيهَا كَفَّارَةٌ". أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ (١). وأمَّا ما أخرَجَهُ أحمَدُ والطَّيَالِسيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجَهْ مِن طريقِ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه؛ الحديثَ، وفيه عِندَهم: (فَلْيَدَعْهَا، وَلْيَأْتِ الذي هُوَ خَيْرٌ؛ فَإِنَّ تَرْكَهَا كَفَّارَتُهَا) (٢). فهدا اللفظُ منكَرٌ؛ أنكَرَهُ الحُفَّاظُ كأبي داودَ؛ قال: "الأحاديثُ كلُّها: (فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ)، إلَّا شيئًا لا يُعبَأُ به" (٣). ولفظُ النَّسَائيِّ: (فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَأْتِ الذي هُوَ خَيْرٌ) (٤)، وهو أصحُّ. ورُوِيَ نحوُ اللفظِ المنكَرِ السابقِ مِن حديثِ عائشةَ وأبي هُرَيْرةَ، ولا يصحُّ منها شيءٌ. وفي مسلمٍ؛ مِن حديثِ عدِيِّ مِن وجهَيْنِ: ذِكْرُ التَّرْكِ، وليس فيه ذِكْرُ الكفَّارةِ؛ ولكن أخرَجَهُ مِن وجهٍ آخَرَ بذِكْرِ الكفَّارةِ (٥). وذِكْرُ الكفَّارةِ عند تركِ اليمينِ، وفِعْلُ الأَخْيَرِ مِن الأمرَيْنِ: صَحَّ في

стр. 407

مسلمٍ عن أبي هريرةَ مرفوعًا (١). وجاء مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو؛ عندَ أحمدَ (٢). ومِن حديثِ أمِّ سَلَمةَ؛ عندَ الطَّبَرانيِّ (٣). وقيلَ: إنَّ آيةَ المائدةِ في عدَمِ المؤاخَذةِ بلغوِ اليمينِ إنَّما نزَلَتْ في تحريمِ الحلالِ على الدَّوَامِ، وهذا مِن الأَيْمانِ المحرَّمةِ؛ كما روى ابنُ جريرٍ، عن العَوْفِيِّ، عن ابنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: لمَّا نَزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] في الْقَوْمِ الذينَ كانُوا حَرَّمُوا النِّسَاءَ وَاللَّحْمَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ نَصْنَعُ بِأَيْمَانِنَا التي حَلَفْنَا عَلَيْهَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ -: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ الآيَةَ (٤). وقال ابنُ المسيَّبِ، وعُرْوةُ، وأبو بكرٍ: بعَدمِ الكفَّارةِ؛ فقد روى ابنُ جريرٍ، عن إسحاقَ بن عِيسَى ابنِ بِنْتِ دَاوُدَ بنِ أبِي هِنْدٍ؛ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بنُ إِلْيَاسَ، عَنْ أُمِّ أَبِيهِ: أَنَّهَا حَلَفَتْ أَلَّا تُكَلِّمَ ابْنَةُ ابْنِهَا ابْنَةَ أَبِي الْجَهْمِ، فَأَتَتْ سَعِيدَ بنَ المُسَيَّبِ، وَأبَا بَكْرٍ، وَعُرْوَةَ بنَ الزُّبَيْرِ، فَقَالُوا: لَا يَمِينَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا (٥). كفارةُ اليمين الغموسِ: ومِن هذا: خِلافُهم في اليمينِ الغَمُوسِ فيمَن يَحْلِفُ كاذبًا، وهو يعلَمُ كَذِبَ نفسِهِ، كمَنْ يحلِفُ أنَّه فعَلَ وهو يعلمُ أنه لم يَفعَل، أو رَأَى وهو يعلمُ أنه لم يَرَ؛ قال قتادةُ وعطاءٌ والحكَمُ: بالكَفَّارةِ؛ لأنَّها يمينٌ انعقَدَ القلبُ عليها، وهي داخِلةٌ في عمومِ قولِه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ

стр. 408

قُلُوبُكُمْ﴾؛ وقال بهذا الشافعيُّ وغيرُهُ، خلافًا لجمهورِ الفقهاءِ، فقد قالوا بعدَمِ انعقادِها؛ وهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ وأحمدَ والأوزاعيِّ؛ وذلك لعَدَمِ انعقادِ القلبِ على عزمِ أن يَفعَلَ أو لا يفعَلَ، والأدلَّةُ مِن الكتابِ والسُّنةِ في الكفَّارةِ إنَّما هي في عقدِ العزمِ على المستقبَلِ فِعْلًا أو تَرْكًا، وليس فيها شيءٌ عن الماضي، وليس في الأدلَّةِ ما يؤيِّدُ ذلك، وقد قال ابنُ المنذِرِ: "ليس في الأدلَّةِ خبَرٌ يدلُّ على هذا". ويأتي مزيدُ كلامٍ في اليمينِ الغَمُوسِ في تفسيرِ سورةِ آل عمران في قولِ اللهِ تعالى: ﴿يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [٧٧]. ومِن العلماءِ: مَن قيَّدَ المؤاخَذةَ في الآيةِ بالمؤاخذةِ في الآخِرةِ فحَسْبُ، وأمَّا الكفَّارةُ فهي تثبُتُ لأَيْمانٍ مخصوصةٍ دلَّ عليها الدليلُ بغيرِ هذه الآيةِ، وأنَّ الكفَّارةَ الواردةَ في آيةِ المائدةِ خاصَّةٌ ببعضِ الأيمانِ التي انعقَدَ عليها القلبُ لا كُلِّها. وقولُه تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. كَسْبُ القلبِ: قَصْدُهُ، وللقلبِ كَسْبٌ، وهو كلُّ ما يُؤاخَذُ به، فإذا اجتمَعَ القصدُ القلبيُّ، ولفظُ اليمينِ، كانت يمينًا، وقد جاء عن عَطَاءٍ، قال: "لا تُؤَاخَذُ حَتَّى نَقصِدَ الأَمْرَ، ثُمَّ تَحْلِفَ عَلَيْهِ بِاللهِ الذي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَتَعْقِدَ عَلَيْهِ يَمِينَكَ" (١). ثمَّ ذكَرَ اللهُ غُفْرانَهُ لِعبادِهِ وحِلْمَهُ عليهم؛ بعدمِ التشديدِ بالمؤاخَذةِ في كلِّ ما يقولونَ ولو كان لَغْوًا. ويأتي في سورةِ المائدةِ ذِكْرٌ لبعضِ مسائلِ اليمينِ وعَقْدِها وكفَّارتِها بإذنِ اللهِ. * * *

стр. 409

قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧]. الإيلاءُ: الحَلِفُ، ويُؤْلُونَ: يَحلِفونَ. قال الشاعرُ: قَلِيلُ الأَلَايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ … وَإِنْ سَبَقَتْ مِنْهُ الأَلِيَّةُ بَرَّتِ والإيلاءُ دونَ أربَعةِ أشهُرٍ بلا قصدِ الإضرارِ: جائِزٌ، وقد آلَى النبيُّ ﷺ مِن نِسَائِهِ شَهْرًا؛ كما في "الصحيحِ" (١). الإيلاءُ لهجرِ الزوجةِ: وقد كانتِ العرَبُ في الجاهليَّةِ إذا أرادَ الرجلُ منهم إيذاءَ زوجتِهِ، حلَفَ ألَّا يدخُلَ عليها سنةً أو أكثرَ؛ يُضِرُّ بها ويَنكِحُ غيرها، فجعلَ اللهُ لذلك حدًّا يَفصِلُ فيه، فلم يحرِّمِ الإيلاءَ كلَّه؛ لأنَّ النفوسَ ربَّما تحتاجُ إليه وتَلجَأُ إليه وتُبتَلَى به، فهو يَصُدُّ الرَّجُلَ عنِ الطلاقِ وعن فِرَاقِ زوجتِهِ، فيجعل له حَدًّا يُفارِقُ زوجتَهُ فيه؛ وذلك في حالَيْنِ: الأُولى: الهَجْرُ بلا إيلاءٍ؛ وهذا له حدٌّ يأتي الكلامُ عليه في سورةِ النِّسَاءِ بإذنِ اللهِ. الثانيةُ: الإيلاءُ؛ وهو الحَلِفُ ألَّا يدخُلَ عليها، أو لا يَقْرَبَها؛ وهدا هو المرادُ في الآيةِ. ولو حرَّم اللهُ الهجرَ والإيلاءَ بإطلاقٍ، لَاندَفعَتِ النفوسُ إلى الطلاقِ عندَ أدنى حاجةٍ للبُعْدِ، وفي هذا مِن العَنَتِ والأَذَى على الزوجَيْنِ والذُّرِّيَّةِ، ما يَدْفَعُ إلى النَّدَمِ والفِتْنةِ؛ فجعَلَ اللهُ لحكمَتِه الفُرْقةَ بين

стр. 410

الزوجَيْنِ على قَدْرٍ مفصَّلٍ يعالِجُ النفوسَ، ويُبقِي الصلةَ بينَ الزوجَيْنِ. وقد حَفِظَ اللهُ حقَّ الزوجةِ مِن زوجِها، ورفَعَ ظُلْمَهُ عنها؛ لأنَّ الرَّجُلَ يَقضِي وطَرَهُ بزوجةٍ أخرى، وله في ذلك ثلاثُ زوجاتٍ غيرُها، أو بأَمَتِهِ، ولا حَدَّ له في ذلك، وأمَّا الزوجةُ، فلا تَقضِي حاجتَها إلَّا بزَوْجِها، ولا يَحِلُّ لها أن يَقرَبَها عبدُها، فكانَ الأذى عليها في ذلك ظاهرًا، فجَعَلَ اللهُ حَدًّا لذلك؛ حتَّى لا تُظلَمَ ويفسُدَ دِينُها. وهذه الآيةُ. ممَّا ليس في السُّنَّةِ شيءٌ يبيِّنُ فيها صفةَ الإيلاءِ وكيفيَّةَ الفَيْءِ، ووقوعَ الطلاقِ وصفتَهُ؛ ولذا قال الشافعيُّ في "رسالَتِهِ": "لم يُحفَظْ عن رسولِ اللهِ فىِ هذا شيئًا" (١). أنواعُ الإيلاءِ: والإيلاءُ على نوعَيْنِ؛ مشروعٍ، وممنوعٍ: الأولُ: الجائِزُ المشروعُ، ويكونُ بشرطَيْنِ: ألَّا يتجاوَزَ أربعةَ أشهرٍ، وألَّا يُقصَدَ به الإضرارُ بالزوجةِ، فإنْ قُصِدَ به الإضرارُ بالزوجةِ، فلا يجوزُ ولو كان دونَ أربعةِ أشهرٍ؛ كمَنْ يُؤْلِي مِنْ نسائِهِ ثلاثةَ أشهرٍ وشيئًا، ثُمَّ يَفِيءُ، ثُمَّ يُؤْلِي مِثلَها، ثُمَّ يَفِيءُ، فيُجامِعُ زوجتَهُ في العامِ ثلاثَ أو أربعَ مرَّاتٍ؛ فالضَّرَرُ محرَّمٌ ولو كان في صُورةِ الجائِزِ، ولا عِبْرةَ بالمُدَّةِ ولو كانت أيَّامًا معدوداتٍ؛ كمَن يَعلَمُ ضَرَرَ زوجتِهِ بتَرْكِها أيَّامًا، فقصَدَ ذلك. وأمَّا الإيلاءُ دونَ أربعةِ أشهُرٍ بلا ضَرَرٍ، وبمقصدٍ شرعيٍّ؛ كقصدِ التأديبِ والتهذيبِ والإصلاحِ، فلا حرَجَ فيه؛ لفِعلِ النبيِّ ﷺ له، فقد آلَى النبيُّ ﷺ مِن نِسَائِهِ شَهْرًا؛ كما ثبَتَ في "الصحيحِ"؛ مِنْ حديثِ أنسٍ (٢)، وأُمِّ سَلَمةَ (٣).

стр. 411

والثاني: الممنوعُ؛ وهو: الإيلاءُ فوقَ أربعةِ أشهرٍ؛ قُصِدَ به الإضرارُ أم لم يُقصَدْ به؛ لتحقُّقِ الضررِ غالبًا، ولو لم يَقصِدْهُ، ولمخالَفَتِهِ لأمرِ اللهِ وحُكْمِه. وقيَّد بعضُ المفسِّرينَ الإيلاءَ بقصدِ إصرارِ الزوجِ بزوجتِهِ؛ قالوا: وإذا لم يقصدِ الإضرارَ بها، فهو قَسَمٌ ويمينٌ كسائرِ الأيمانِ، وبعضُهم: جعَلَ كُلَّ حَلِفٍ بعدمِ قُرْبِها إيلاءً ولو لم يقصِدِ الإضرارَ بها: ذهَبَ إلى المعنى الأوَّلِ: عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وابنُ عبَّاسٍ، والحسنُ، وعطاءُ بنُ أبي رَبَاحٍ، وابنُ شهَابٍ الزُّهْريُّ. رُوِيَ عن عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ مِنْ وجوهٍ؛ قالا: "لا إيلاءَ إلَّا بغَضَبٍ" (١). ولذا فهم يَجْعَلُونَ كُلَّ حَلِفٍ سبَبُهُ غيرُ الغَضَبِ يمينًا لا إيلاءً؛ كمَن يَحلِفُ ألَّا يَقرَبَ زوجتَهُ لأنَّها تُرضِعُ أو لمَرَضِها؛ يُرِيدُ حَبْسَ نفسِهِ عنها؛ روى اينُ جريرٍ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عَطَاءٍ؛ قَالَ: "إذا حَلَفَ مِنْ أَجْلِ الرَّضَاعِ، فَلَيْسَ بِإِيلَاءٍ" (٢). وإنَّما قيَّدَ بعضُ السلفِ الإيلاءَ بما كان في الغَضَبِ والضِّرَارِ؛ لأنَّ اللهَ إنَّما جعَلَ الإيلاءَ مَخْرَجًا للمرأةِ مِن أذِيَّةِ زوجِها لها بتَرْكِ قُرْبِها، وإذا كان حَلِفُهُ بغيرِ غَضَبٍ ولا إضرارٍ، فإنَّما فعَلَ ذلك لمصلحةِ زوجَتِه لِتُتِمَّ رَضَاعَها أو تَشْفَى مِن مَرَضِها، فهذا لحظِّ الزوجةِ، وطلبًا لرِضَاها، وليس للإضرارِ بها. وذهَبَ إلى المعنى الثاني؛ أيْ: أنَّ كُلَّ حَلِفٍ مِن الزوجِ ألَّا يَقرَبَ زوجتَهُ، فهو إيلاءٌ أيًّا كان سبَبُهُ - قصَدَ الإضرارَ أو لم يَقصِدْهُ، كان عن غَضَبٍ أو عن رضًا - وقال له الشَّعْبيُّ والنَّخَعيُّ.

стр. 412

روى ابنُ جريرٍ، عن الأَعْمَشِ، عن إِبراهيمَ؛ قَالَ: "كُلُّ يَمِينٍ مَنَعَتْ جِمَاعًا حَتَّى تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَهِيَ إِيلَاءٌ" (١). وإنَّما قالوا بدخولِ كُلِّ قسَمٍ ويمينٍ في الإيلاءِ، ما دام متعلِّقًا بعدمِ قربِ الزوجةِ، مهما كان سبَبُه؛ لعمومِ الآيةِ؛ فقد عَمَّتْ كُلَّ مُؤْلٍ مُقْسِمٍ. والصوابُ: أنَّ الإيلاءَ ما أَضَرَّ بالزوجةِ مِن يمينِ زوجِها ألَّا يقْرَبَها، وإنَّما قَيَّدَ بعضُ المفسِّرينَ ذلك بالغَضَبِ؛ لأنَّ اليمينَ غالبًا إذا كانت تَضُرُّ الزوجةَ، فهي لا تصدُرُ إلَّا عن غَضَبٍ. وصِيَغُ الإيلاءِ لا حَدَّ لها، وتختلِفُ مِن شخصٍ إلى شخصٍ، ومِن بلدٍ إلى آخَرَ، ومِن عُرْفٍ إلى عُرْفٍ؛ كقولِهم: واللهِ لا أقرَبُكِ، أو واللهِ لا اجتَمعْنَا في لِحَافٍ ولا فِرَاشٍ، ونحوِ ذلك وما في معناه؛ فهو إيلاءٌ. إيلاءُ العبدِ: واختلَفَ الفقهاءُ في إيلاءِ العبدِ؛ هل يستوِي في مُدَّةِ الإيلاءِ مع الحُرِّ أوْ لا؟ على قولَيْنِ عندَهم: القولُ الأوَّلُ: أنَّ مُدَّةَ إيلائِهِ نِصْفُ الحُرِّ؛ وبهذا قال الزُّهْريُّ وعَطَاءٌ ومالكٌ، وعَلَّلَ بعضُ الفقهاءِ ذلك بالقياسِ على تنصيفِ الحَدِّ عليه، وتنصيفِ طلاقِه كذلك. القولُ الثاني: أنَّ المُدَّةَ في ذلك تتعلَّقُ بالمرأةِ لا بالرجلِ، فإنْ كانتِ المرأةُ أمَةً، فنصفُ مُدَّةِ الإيلاءِ، وإلَّا فالإيلاءُ كاملٌ ولو كان الزَّوْجُ عبدًا؛ لأنَّ العِدَدَ تتعلَّقُ بالنساءِ، لا بالرجالِ؛ وبهذا القولِ قال الثَّوْريُّ وأبو حنيفةَ، ومِن السَّلَفِ رُوِيَ عن الشَّعْبيِّ والحَكَمِ. والأظهَرُ: أنَّ الإيلاءَ مُدَّةٌ واحدةٌ لا يختلِفُ الزوجُ الحُرُّ والعبدُ

стр. 413

فيها؛ وذلك لاستوائِهما في مُدَّةِ العُنَّةِ، فإنْ عَجَزَ الزَّوْجُ العبدُ عَنْ جِمَاعِ زوجتِهِ لِعُنَّةٍ، فيُمهَلُ مِثلَ الحُرِّ، وهذه أشبَهُ بمسألَتِنا مِنْ قِياسِهِ على الحَدِّ؛ لأنَّ الحدودَ عقوبةٌ، وأصلُ العقوباتِ حَقٌّ للهِ تعالى، والإيلاءُ والعُنَّةُ حَقٌّ للزوجةِ. واللهُ يُسقِطُ مِن حقِّهِ ما يشاءُ، وحُكْمُهُ بين عِبَادِهِ في الحقوقِ واحدٌ. واللهُ عَلَّقَ الحُكْمَ في الإيلاءِ بالرجالِ؛ كما في قولِه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، ولو عَلَّقَ الحُكْمَ بالنساءِ، ورَبَطَهُ بهنَّ، لَوَجَّهَ الخطابَ إليهنَّ؛ كما في قولِهِ: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤]، وغيرِ ذلك مِن صِيَغِ خطابِ النساءِ في القرآنِ، وتعليقُ أبي حنيفةَ الحُكْمَ بالنساءِ، ثُمَّ قياسُهُ على عِدَّتِهِنَّ: فيه نظرٌ. والإيلاءُ يتحقَّقُ بالحَلِفِ باللهِ بالإجماعِ، وإنَّما الخِلافُ فيمَنْ حلَفَ بغيرِ اللهِ ألَّا يَقْرَبَ زوجتَهُ؛ فهل يُعدُّ مُؤْلِيًا أو لا؟ هما قولانِ للفقهاءِ: ذهَبَ الجمهورُ: إلى أنَّه إيلاءٌ بأيِّ شيءٍ حَلَفَ. وقال أحمدُ في روايةٍ: إنَّ الإيلاءَ لا يكونُ إلَّا بالحَلِفِ، باللهِ. ومَن ترَكَ جماعَ زوجتِهِ بلا يمينٍ، فلا يُعَدُّ مُؤْلِيًا عندَ الجمهورِ؛ وهو قولُ الشافعيَّةِ وجمهورِ الفقهاءِ مِن الحنابِلةِ والمالكِيَّةِ. وثَمَّةَ قولٌ لمالكٍ، وهو قولٌ في مذهِب الحنابلةِ: أنَّه مُؤْلٍ، ولو لم يَحلِفْ. وقولُه تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ لا خلافَ عندَ الفقهاءِ: أنَّ المرادَ بالنساءِ الأزواجُ، وليس الإماءَ، وأمَّا الأَمَةُ، فحقُّها على سيِّدها مؤنتُها لا جِماعُها. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: الفَيْءُ: الرجوعُ؛ ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾

стр. 414

[الحجرات: ٩]، والفيءُ يكون بما يخالِفُ معنى الإيلاءِ وينقُضُهُ، وهو الجماعُ؛ قال بذلك ابنُ عبَّاسٍ ومسروقٌ وابنُ المسيَّبِ والشَّعْبيُّ وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ. الرجوعُ بعد الإيلاءِ، وكيف يتحقَّقُ: ولا خِلافَ عندَ العلماءِ: أنَّ الفيءَ في الآيةِ ينصرِفُ إلى الجماعِ، حكى الإجماعَ غيرُ واحدٍ؛ كابنِ عبدِ البَرِّ (١)، وإنَّما اختلَفوا فيما يقومُ مقامَهُ. وقد قيَّد بعضُهم ذلك بالقُدْرةِ على الجِمَاعِ وانتفاءِ العُذْرِ، ولكنَّ المحبوسَ والعاجِزَ بمرضٍ يطولُ يكفِيهِ الإشهادُ؛ وبهذا قال جماعةٌ مِن السلفِ؛ كابنِ المسيَّبِ، وهو قولُ أحمدَ وأبي ثَوْرٍ. قال ابنُ شهابٍ: "حَدَّثَنِي سَعِيدُ بنُ المسَيِّبِ: أَنَّهُ إِذَا آلَى الرَّجُلُ مِنِ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ بِهِ مَرَضٌ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمَسَّهَا، أَوْ كَانَ مُسَافِرًا فَحُبِسَ، قَالَ: فَإذَا فَاءَ، وَكَفَّرَ عَن يَمِينِهِ، فَأَشْهَدَ عَلَى فَيْئِهِ قَبْلَ أَنْ تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَلَا نَرَاهُ إِلَّا قَدْ صَلَحَ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ امْرَأَتَهُ، وَلَمْ يَذْهَبْ مِنْ طَلَاقِهَا شَيْءٌ" (٢). ومِن السَّلَفِ: مَن جعَلَ الفيءَ بالجماعِ، ويُغنِي عنه التصريحُ باللسانِ ولو لم يجامِعْ لعذرٍ، ولو كان عُذْرُهُ يسيرًا؛ كسَفَرٍ أو مَرَضٍ، أو عدَمِ حاجةٍ، أو لعذرِ المرأةِ بحيضٍ أو نفاسٍ؛ قال بهذا أصحابُ ابنِ مسعودٍ؛ كعَلْقَمةَ والأسودِ وغيرِهِما، وكذلك عِكْرِمةُ والحسَنُ والنَّخَعيُّ وأبو وائلٍ والزُّهْريُّ. وَرأى بعض السلفِ: الإشهادَ على ذلك؛ حتَّى لا يُؤخَدَ بإيلائِهِ الأوَّلِ، فتَظُنَّ زوجتُهُ ويظنَّ الناسُ أنَّه على يمينِهِ، فتطلَّقَ منه، قال

стр. 415

بالإشهادِ علقمةُ وابنُ المُسيَّبِ والحسنُ وعِكْرِمةُ والنَّخَعيُّ. ومِن هؤلاءِ المفسِّرينَ: مَن جعَلَ اللسانَ كافيًا في الرَّجْعةِ ولو كان قادرًا على الجماعِ. والأظهرُ: أنَّ الفيءَ لا يكونُ إلَّا بجماعٍ؛ لأنَّ اللهَ ذكَرَ الفيءَ وهو الرجوعُ، والرجوعُ يكونُ إلى ما ذهَبَ عنه الحالِفُ، وهو الجِمَاعُ، ويُستثنَى مِن ذلك: مَن كان معذورًا؛ لأنَّ اللهَ لا يكلِّفُ نفسًا إلَّا وُسْعَها، ثُمَّ إنَّ المَقصِدَ هو عدَمُ الإضرارِ بالزوجةِ، وعدمُ العَنَتِ على الرَّجُلِ؛ ولذلك فإنَّ عدَمَ عُذْرِ المحبوسِ والمريضِ مرضًا طويلًا أطولَ مِن مُدَّةِ الإيلاءِ: لا يستقيمُ على قواعدِ الشرعِ. ثُمَّ إنَّ الأمرَ بالفيءِ لحقِّ الغيرِ، وهي الزوجةُ، وحقُّها لا يتحقَّقُ إلَّا بالجمَاعِ، لا بمجرَّدِ الفيئةِ باللسانِ. ومَن عزَمَ الفيءَ والرجوعَ عَن يمينِهِ في آخِرِ المُدَّةِ، فوجَدَ زوجتَهُ حائِضًا أو نُفَساءَ، وانتِظَارُها يُخرِجُها مِن مُدَّةِ الإيلاءِ، فيَكفِيهِ الفيءُ باللسانِ، والإشهادُ على ذلك؛ لأنَّه أرادَ الرجوعَ، ومنَعَهُ الشارعُ، فجماعُ الحائِضِ والنُّفَساءِ لا يجوزُ؛ فهو فاءَ لأمرِ اللهِ، وامتنَعَ لأمرِه. ومِثلُ ذلك: مَن أرادَ الرجوعَ قبلَ نهايةِ مُدَّةِ الإيلاءِ، فامتَنعَتْ منه زوجتُهُ أو احتَجَبَتْ واختفَتْ عنه، فرجوعُهُ صحيحٌ؛ لأنَّ مُدَّةَ الإيلاءِ لرفعِ الحَرَجِ عنها، وهي أسقَطَتْ حقَّها بذلك. وأمَّا مَن توسَّعَ في معنى الإيلاءِ مِن السلفِ، فجعَلَ كُلَّ يمينٍ يهجُرُ الرجلُ بها مِن زوجتِهِ شيئًا، فهو إيلاءٌ؛ كتَرْكِ كلامِها، أو الأكلِ معَها، فهؤلاءِ توسَّعوا فيما يتحقَّقُ به الرجوعُ؛ تبعًا لتوسُّعِهم فيما يكونُ الإيلاءُ. وقولُه تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: إنْ رجَعَ الزَّوْجُ إلى جماعِ زوجتِهِ بعدَ إيلائِهِ ألَّا يَقْرَبَها، فاللهُ غفورٌ

стр. 416

رحيمٌ؛ إشارةً إلى ذنبِهِ، فاللهُ يذكُرُ المَغفِرةَ عندَ المخالَفةِ؛ لبيانِ الذنبِ؛ وهذا دليلٌ على إثمِ المُؤلِي بقصدِ الإضرارِ لمجرَّدِ قصد، والوفاءُ بذلك محرَّمٌ، واللهُ يعفُو عمَّنْ ترَكَ يمينَهُ وعَمِلَ بحُكْمِ اللهِ في تركِ الإيلاءِ. كفارةُ الإيلاءِ: وقِيلَ: معنى ذلك: لا كفَّارةَ عليكُم، وعفا اللهُ عن خَطَئِكُمْ في حقِّ أنفُسِكُمْ وأزواجِكُمْ، وكفارةُ الإيلاءِ هو رجوعُكُمْ عنه إلى أزواجِكُمْ والعدلُ مَعَهُنَّ، فكان معنى المَغْفِرةِ محوَ الذَّنْبِ بمجرَّدِ العودةِ، والرَّحْمةَ بكُم بعدَمِ إلزامِكُمْ بالوفاءِ بمُدَّةِ الإيلاءِ ولا تكليفِكُمْ على ذلك كَفَّارةً، وقال بهذا الحَسَنُ والنَّخَعيُّ. ويقولُ بهذا القولِ كلُّ مَن قال: "لا كَفَّارَةَ على كلِّ يمينٍ في البقاءِ عليها حَرَجٌ". وأكثرُ المفسِّرينَ: على وجوبِ الكفَّارةِ، وحَمَلُوا المعنى في ذكرِ اسمِ الغفورِ والرحيمِ في الآيةِ: على عَدَمِ الإلزامِ بالوفاءِ باليمينِ؛ رحمةً بالزوجةِ والزوجِ، وعدَمِ مُؤاخَذةِ اللهِ لعبادِهِ بما كسَبُوهُ مِن التعدِّي على ما لا يَرْضاه مِن الزوجِ بزوجتِهِ. وهذا هو الأقرَبُ للصوابِ؛ صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ، وابنِ المسيِّبِ، والنَّخَعيِّ، وقتادةَ؛ وهو قولُ الشافعيِّ في الجديد. وهو الذي يَجرِي على القاعدةِ في الأَيْمانِ؛ أنَّ الأصلَ في كلِّ يمينٍ يَحْنَثُ صاحبُها بها تَجِبُ فيها الكَفَّارةُ إلَّا ما استَثْناهُ الدليلُ مِن وجهٍ صحيحٍ صريحٍ. مضِيُّ أربعةِ أشهرٍ على الإيلاء: وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: إنْ مضَتْ أربعةُ أشهرٍ، ولم يَرجِعِ الزوجُ إلى زوجتِهِ؛ سواءٌ كان

стр. 417

إيلاؤُهُ أربعةَ أشهرٍ أو أكثرَ مِن ذلك، فيُوقَفُ ويُؤمَرُ بالرجوعِ إلى زوجتِهِ أو تطليقِها، وهذا ظاهرُ الآيةِ؛ وبهذا قال أكثرُ الفقهاءِ مِن السلفِ والخلفِ، وقال به مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ. ومِن الفقهاءِ: مَن جعَلَ انقضاءَ الأربعةِ الأشهرِ التي عليها الإيلاءُ كافيةً بنفسِها في كونِها طلاقًا لامرأتِهِ منه؛ فهي تقومُ مقامَ الطلاقِ، ولا يَملِكُ الزوجُ بعدَ هذه المُدَّةِ زمنًا يَبقَى له فيه حقُّ الطلاقِ؛ وبهذا القولِ قال أبو حنيفةَ. وذلك أنَّ أبا حنيفةَ يَرى أنَّ المُؤْلِيَ على امرأتِهِ لا يكونُ مؤليًا إلَّا إذا حَلَفَ ألَّا يَقْرَبَها مُدَّةَ أربعةِ أشهُرٍ فأكثَرَ، وما دونَ ذلك لا يَعُدُّهُ إيلاءً؛ لأنَّه لو عَدَّهُ إيلاءً، لَلَزِمَ على قولِه أنَّ تطلُقَ منه امرأتُهُ عندَ نهايةِ الإيلاءِ ولو كان يومًا؛ لأنَّه يَجْعَلُ نهايةَ الأجلِ طلاقًا. والصوابُ: القولُ الأوَّلُ؛ فاللهُ ذكَرَ الفيءَ والطلاقَ بعدَ تربُّصِ الأربعةِ الأشهُرِ؛ ممَّا يدلُّ على أنَّ الزوجةَ لا تطلُقُ بمجرَّدِ انقضاءِ الأجلِ؛ حيث ذكَرَ الحُكْمَيْنِ معًا؛ أيْ: يُوقَفُ الزوجُ ويخيَّرُ بينَ الفيءِ والطلاقِ بعدَ الأجلِ. وجَعْلُ الخيارِ له بعدَ الأَجَلِ ظاهرٌ في عدمِ بَيْنُونةِ زوجتِهِ منه بعدَ الأربعةِ الأشهُرِ. واللهُ قد بَيَّنَ الطلاقَ في كتابِهِ وفي سُنَّةِ نبيِّهِ ﷺ ، وليس فيهما شيءٌ يدلُّ على أنَّ الطلاقَ يكونُ بغيرِ ألفاظِهِ، ولا أنَّ انقضاءَ مُدَّةٍ بعينِها بلا نِيَّةٍ ولا لفظٍ يكونُ طلاقًا في ذاتِه. وهذا لا يَجْعَلُ الزوجَ مخيَّرًا بتركِ زوجتِهِ مُدَّةَ أربعةِ أشهرٍ بالإيلاءِ، وهو عازمٌ على طلاقِها بعدَ هذه الأشهُرِ بلا تردُّدٍ، فيريدُ بالإيلاءِ مزيدَ إضرارٍ يَسبِقُ الطلاقَ ليطولَ أَمَدُ بقائِها بلا زوجٍ بعدَهُ، فهذا عَضْلٌ محرَّمٌ

стр. 418

في صورةِ إيلاءٍ؛ لأنَّ اللَّهَ قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾؛ أيْ: بعدَ الأربعةِ الأشهُرِ، لا قبلَها، فالطلاقُ لم يكن عليه العَزْمُ إلَّا بعد انقضاءِ الأجَلِ. والفاءُ في قولِه: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ , وعطفُ عزمِ الطلاقِ على الفيءِ في قولِه: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾: دليلٌ على عدمِ تبييتِ عزمِ الطلاقِ قبلُ، وعطفُ عزمِ الطلاقِ والفيءِ؛ لكونِهما في زمنٍ واحدٍ بعدَ الأجلِ، ويخيَّرُ بينَهما الزوجُ، والفاءُ جوابٌ للشرطِ وما هو في معنى الشرطِ. * * * قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. الطلاقُ: مأخوذٌ مِن الإطلاقِ بعدَ قَيْدٍ، وهو الفَكُّ والحَلُّ بعدَ عقدٍ؛ فعِصْمةُ المرأةِ مقيَّدةٌ بيدِ زَوْجِها، وأمرُها في حقِّها بالاستمتاعِ ينفسِها معقودٌ بزَوْجِها، وفَكُّ القيدِ وحَلُّ العَقدِ هو الطلاقُ في الشريعةِ. طلاق الجاهلية: وكان الرَّجُلُ في الجاهليَّةِ إذا أرادَ طلاقَ امرأتِهِ، قالَ لها: "اذْهَبِي؛ فلا أَنْدَهُ سَرْبَكِ"؛ ومعنى دلك: لا أَرُدُّ إِبِلَكِ الذَّاهِبَةَ في سَرْبِها، بل أترُكُها لتذهَبَ حيثُ شاءَتْ. ويطلِّقونَ كذلك بقولِهم: "حَبْلُكِ على غَارِبِكِ". وربَّما طَلَّقَتِ المرأةُ في الجاهليَّةِ زَوْجَها إذا غابَ عنها؛ تقومُ بتحويلِ باب بيتِها إلى جهةٍ أخرى فتطلُقُ منه؛ كما ذكرَهُ الزُّبَيْرُ بنُ بَكَّارٍ. والتربُّصُ هو الانتظارُ، وإنَّما جُعِلَ بصيغةِ الخبرِ والمرادُ به الأمرُ؛

стр. 419

كما في قولِه تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وإنَّما جعَلَ اللهُ ذلك لَهُنَّ وبأنفُسِهِنَّ؛ لأنَّ الرَّجُلَ لا يَعْتَدُّ بطلاقِ امرأتِهِ، إلَّا الرابعةَ منهُنَّ، فيعتدُّ معها حتَّى تخرُجَ مِن عِدَّتِها، فيتزوَّجَ غيرَها؛ حتَّى لا يأخُذَ خامسةً والرابعةُ زوجةٌ له ما دامَتْ في العِدَّةِ. والقولُ قولُ المرأةِ ما دامَتْ ثقةً في دِينِها في بَدْءِ حَيْضِها وانتهائِه؛ لأنَّ هذا الأمرَ لا يُعلَمُ إلَّا بِها، وهي مستأمَنَةٌ عليه، وعلى ما في بَطْنِها لو كانت حاملًا مِن زوجِها؛ أن تُخبِرَ بذلك ولو كرِهَتْهُ؛ حتَّى لا تَختلِطَ الأنسابُ، وعِدَّةُ الحاملِ غيرُ عِدَّةِ غيرِها، فلا يَحِلُّ لها كتمانُ ما في بطنِها مِنْ حَمْلٍ، أو طُهْرٍ أو حَيْضٍ؛ استعجالًا لخروجِها مِنْ عِصْمةِ زَوْجِها. والقولُ قولُها ما لم تُخبِرْ بمُحَالٍ أو أمرٍ بعيدٍ؛ كحيضِها في مُدَّةٍ لا تحيضُ النِّسَاءُ فيها، قال ابنُ المُنذِرِ: "وقال كلُّ مَن حَفِظْتُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ: إذا قالَتِ المرأةُ في عَشَرةِ أيَّامٍ: قد حِضْتُ ثلاثَ حِيَضٍ، وانقضَتْ عِدَّتِي: إنَّها لا تصدَّقُ، ولا يُقبَلُ ذلك منها" (١). ولو قالَتْ: إنَّها حاضَتْ ثلاثًا في شهرٍ، وكان عادةُ نِسائِها ذلك، صُدِّقَتْ، وقد قَضَى به شُرَيْحٌ، وصَدَّقَهُ عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وقال به مالكٌ. وقال أبو حنيفةَ والشافعيُّ: لا تصدَّقُ في أقلَّ مِن السِّتينَ يومًا (٢). والآيةُ في عِدَّةِ المرأةِ مِن زَوْجِها، والأصلُ في الحِكْمةِ مِن مشروعيَّةِ عِدَدِ الأزواجِ: استبراءُ الرَّحِمِ، إلَّا عِدَّةَ الوفاةِ؛ فقد جعلَهَا اللهُ عبادةً تَشمَلُ الاستِبْراءَ، وتعظيمَ حقِّ الزوجِ، وغيرَ ذلك. والمقصودُ بالمطلَّقاتِ في الآيةِ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ

стр. 420

قُرُوءٍ﴾: هُنَّ الحُيَّضُ اللَّاتي دخَلَ بهنَّ أزواجُهُنَّ، وإنَّما قدَّمَهُنَّ في بيانِ حُكْمِهِنَّ؛ لأنَّ أكثرَ أحوالِ النساءِ المطلَّقاتِ: المدخولُ بهنَّ؛ يُدْخَلُ بهنَّ، ثُمَّ يطلَّقْنَ وهُنَّ حُيَّضٌ، والمرأةُ لا تخلو مِن أحوالٍ: إمَّا حائِضٌ، أو غيرُ حائضٍ لصِغَرٍ ويأسٍ وغيرِهِ، أو حاملٌ. والمرادُ هنا المطلَّقةُ الحائضُ، والمطلَّقةُ الحائِضُ إمَّا أنْ تكونَ: مدخولًا بِها، أو غيرَ مدخولٍ بِها. والمرادُ في الآيةِ: المطلَّقةُ الحائضُ المدخولُ بها؛ لأنَّ اللهَ قالَ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾، وهذا الخِطابُ لا يَتَوجَّهُ إلَّا للمدخولِ بِها، فيُظَنُّ منها حَمْلٌ. وقد بيَّن اللهُ حُكْمَ الحامِلِ في سُورةِ الطلاقِ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. وبيَّن حُكْمَ الآيسةِ والتي لا تحيضُ لصِغرٍ وغيرِه فيها: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ الآيةَ [الطلاق: ٤]. وبيَّن اللهُ حُكْمَ غيرِ المدخولِ بها في قولِه في سورةِ الأحزابِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. وآيةُ البقرةِ: لا يدخُلُ في حُكْمِها غيرُ المطلَّقةِ الحائضِ المدخولِ بها على الصحيحِ؛ لذِكْرِ اللهِ للطلاقِ والأَقْرَاءِ والحَمْلِ فيها. معنى القرءِ: وقولُه تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾: القَرْءُ في لُغَةِ العَرَبِ يُطلَقُ على الزَّمَنِ؛ سواءٌ كان حَيْضًا أو طُهْرًا، فيُقالُ: أَقْرَأَتِ المَرْأَةُ: إذا دنا حَيْضُها، وأَقْرَأَتْ: إذا دنا طُهْرُها؛ كما يقولُ الشاعرُ:

стр. 421

إِذَا هَبَّتْ لِقَارِئِهَا الرِّيَاحُ فهو مِن الأسماءِ المشتَرَكةِ، يقولُ بهذا أهلُ اللُّغَةِ؛ كأبي عُبَيْدٍ، والأصمَعيِّ، وأبي عَمْرِو بنِ العَلاءِ، وحكى الاتفاقَ عليه ابنُ جريرٍ (١)، وإنَّما الخلافُ في نزولِ حُكْمِ اللهِ على أحدِ المعنيَيْنِ؛ زمَنِ الطُّهْرِ أَمْ زمَنِ الحيضِ؟ على قولَيْنِ؛ هما رِوايتانِ عن أحمدَ: الأوَّلُ: المرادُ به الأطهارُ؛ وهو قولٌ صحَّ عن عائشةَ، وزيدٍ، وابنِ عمرَ، وفقهاءِ المدينةِ، وقال به ربيعةُ ومالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ. الثاني: المرادُ به الحِيَضُ؛ وهو قولُ عمرَ، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عبَّاسٍ، وعِكْرِمةَ، ومجاهِدٍ، وقَتادةَ، وهو قولُ أبي حَنِيفةَ وأهلِ الرأيِ، وجماهيرِ الحنابلةِ. وصحَّ عن عمرِو بنِ دينارٍ قولُهُ: "الأَقْرَاءُ: الحِيَضُ؛ عن أصحابِ النبيِّ ﷺ " (٢). ورواهُ الأسوَدُ وعَلْقمةُ، عن عمرَ وابنِ مسعودٍ؛ وهو صحيحٌ عنهما (٣). ورواهُ ابنُ المُسَيَّبِ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ؛ وهو صحيحٌ عنه (٤). ورواهُ زيدُ بنُ رُفَيْعٍ، عن أبي عُبَيْدةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، عن أبيه وعُثْمانَ (٥)، وزيدٌ ليس بالقويِّ، ولم يَسمعْ أبو عُبَيْدةَ مِن عُثْمانَ. وهذا مِن مواضعِ النزاعِ القويِّ؛ لِقِدَمِ الخلافِ، وجلالةِ المخالِفِينَ، واحتمالِ اللُّغةِ والوضعِ للمعنيَينِ جميعًا. والنَّفْسُ تميلُ إلى الأوَّلِ؛ لأنَّ عليه قولَ أهلِ الصَّدْرِ الأوَّلِ مِن أهلِ

стр. 422

الحجازِ؛ قال أبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ: "ما أَدْرَكْنا أحَدًا مِنْ فُقَهَائِنا إلَّا يَقُولُ بقولِ عائِشَةَ في أنَّ الأقراءَ هي الأطهارُ" (١). وقد استَدَلَّ بعضُ مَن قال بأنَّ القُرُوءَ الأطهارُ بما ثبَتَ في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال له عندَما طَلَّقَ أمرأتَهُ وهي حائضٌ: (مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ التي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ) (٢). حيثُ أحالَهُ النبيُّ ﷺ إلى الطُّهْرِ، فإذا كان الطُّهْرُ مَحَلَّ الطلاقِ، فهو محلُّ العِدَّةِ. ثمَّ إنَّ اللهَ جمَعَ، فقالَ: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، وهو جمعٌ للقَرْءِ لا القُرْءِ، فالأولُ الطُّهْرُ، والثاني الحَيْضُ. واللهُ ذكَرَ العددَ مؤنَّثًا؛ وهذا يَدُلُّ أنَّ المرادَ بالقروءِ: الأطهارُ؛ فالطُّهْرُ مذكَّرٌ، والحَيْضُ مؤنَّثٌ. وقال غيرُ واحدٍ: إنَّ القَرْءَ بفتحِ القافِ وضَمِّها: سواءٌ. وأمَّا القولُ الثاني: وهو القولُ بأنَّ الأَقْراءَ الحِيَضُ، فاستَدَلَّ مَن قال به: بأنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ في سَبْيِ أَوْطَاسٍ أنْ يُسْتَبْرَأْنَ قبلَ أن يُوطَأْنَ بِحَيْضةٍ؛ كما أخرَجَهُ أحمدُ؛ مِن حديثِ أبي سعيدٍ (٣). ثمَّ إنَّ الطُّهْرَ أصلٌ لا حَدَّ له، والحَيْضُ هو العارضُ المحدودُ، والضَّبْطُ به أدقُّ، والقرءُ ضبطٌ لِزَمَنٍ، والأزمانُ الضيِّقةُ المحدودةُ أزمانُ الحَيْضِ، لا أزمانُ الطُّهْرِ الذي هو الأصلُ المُتَّسِعُ، فأكثَرُ عُمْرِ المرأةِ طاهِرًا لا حائِضًا.

стр. 423

والحَيْضُ هو الذي يَقذِفُ ما في الرَّحِمِ وينقِّيهِ، ويحصُلُ المقصودُ بنهايةِ الحَيْضِ، لا بنهايةِ الطُّهْرِ؛ فإنَّ الاستبراءَ لا يُحتاجُ معه إلى نهايةِ الطُّهْرِ، بل نهايةِ الحَيْضِ، وبِدايةُ الطُّهْرِ كافيةٌ في ذلك. وللشافعيِّ قولٌ ذكَرَهُ القرطبيُّ (١)، وذكَرَه أيضًا الغزاليُّ (٢) قَولًا لبعضِ فقهاء الشافعيَّة: أنَّ القرء هو الانتقالُ مِن الطُّهْرِ إلى الحَيْضِ، وليس الانتقالَ مِن الحَيْضِ إلى الطُّهْرِ؛ لأنَّ الحَيضَ ليس زمَنًا مشروعًا للطلاقِ فلا يَنزِلُ عليه لفظُ القرءِ هنا، مع دخولِهِ في عمومِ اللُّغَةِ؛ لأنَّه وقتٌ كغيرِهِ، وهو قولٌ حَسَنٌ لو كان له سَلَفٌ. المقصدُ مِن عدَّةِ المطلَّقةِ: والمقصدُ الشرعيُّ الأكبرُ - وهو الاستبراءُ - يحصُلُ بجميعِ هذه الأقوالِ الثلاثةِ، وما عداهُ مِن المقاصدِ - كإنظارِ الزَّوجَيْنِ أن يتفكَّرَا في الرجعةِ ويتصالَحَا، ويَذهَبَ ما بالنفوسِ - فهو مُدَّةٌ تحصُلُ بأدنى الأقوالِ زمنًا مع النفوسِ المعتدِلةِ، واللهُ أعلمُ. عدةُ الأمَةِ المطلَّقةِ: ولا خلافَ عندَ العلماءِ: أنَّ الحُرَّةَ المطلَّقةَ الحائضَ المدخولَ بها: تعتدُّ ثلاثةَ قروءٍ؛ للآيةِ. وقدِ اختلَفَ العلماءُ في عِدَّةِ الأَمَةِ على قولَيْنِ: القولُ الأوَّلُ: أنَّ عِدَّتَها أقلُّ مِن عِدَّةِ الحُرَّةِ، وهي قُرْءَانِ؛ لأنَّ القُرْءَ لا يُنصَّفُ، ولأنَّ الأمَةَ في الحدودِ على النِّصْفِ مِن الحُرَّةِ. وهذا القولُ هو قولُ عُمَرَ وجمهورِ العلماءِ مِن بَعْدِه؛ روى سعيدُ بنُ منصورٍ عنه، قال: "لوِ استَطَعْتُ أنْ أجعَلَ عِدَّةَ الأمَةِ حَيْضةً ونِصْفًا، لفَعَلْتُ" (٣).

стр. 424

القولُ الثاني: عِدَّتُها كالحُرَّةِ؛ وهو قولُ أهلِ الظاهرِ؛ أخذًا بعمومِ الآيةِ. والأرجَحُ الأَوَّلُ؛ لأنَّ أعظمَ مقاصدِ العِدَّةِ براءةُ الرَّحِمِ، وقد جعَلَ اللهُ استبراءَ الأَمَةِ بحَيْضةٍ، فلا تُوطَأُ سُرِّيَّةٌ إلَّا بعدَ استبرائِها بها، ولكنْ لمَّا كانَتِ الحُرَّةُ ثلاثةَ قُروءٍ، واجتمَعَ في عِدَّةِ المطلَّقةِ مقاصدُ غيرُ مَقصَدِ الاستبراءِ؛ كالأمَدِ بالتفكيرِ في المراجَعةِ بينهما، نقَصَتِ الأمَةُ عنِ الحُرَّةِ؛ فلا تعتدُّ ثلاثةَ قروءٍ، وارتفَعَتْ عن مَقْصَدِ الاستبراءِ وَحْدَهُ؛ كالسُّرِّيَّةِ؛ فلا تعتدُّ بحَيْضةٍ، فكانت عِدَّتُها قُرْأَيْنِ. ويدخُلُ في الآيةِ: المرأةُ التي ينقطِعُ حَيْضُها انقطاعًا عارضًا باختيارِها؛ كالمُرْضِعِ ومَن تأخُذُ دواءً يتسبَّبُ في قَطْعِ الدَّمِ، أو بغيرِ اختيارِها، لكنَّه عارِضٌ؛ كمَرَضٍ يُرْجَى بُرْؤُهُ جَفَّفَ الدَّمَ عنها، فتتربَّصُ بالأقراءِ؛ لعمومِ الآيةِ، ولعدَمِ دخولِها في حُكْمِ غيرِها مِن الآيِسِ والحامِلِ. وهذا قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ، وقال بِه مِن الصحابةِ: عثمانُ وعليٌّ وابنُ مسعودٍ وزيدٌ. انقطاعُ دمِ المطلَّقةِ في عِدتها: ومَنِ انقَطَعَ دَمُها لغيرِ عارضٍ، ولم تبلُغْ سِنَّ الإياسِ بعدُ، ففي المسألةِ قولانِ مشهورانِ: الأوَّلُ: وهو أعلى ما جاء في ذلك، عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ؛ كما رواهُ مالِكٌ وعبدُ الرزَّاقِ، عنه؛ قال: "أيُّما امرأةٍ طُلِّقَتْ ثمَّ حاضَتْ حَيْضةً أو حيضتَيْنِ، ثمَّ ارتفعَتْ حَيْضَتُها، فإنَّها تنتظِرُ تسعةَ أشهُرٍ؛ فإنْ بان بها حملٌ فذلك؛ وإلَّا اعتَدَّتْ بعدَ التِّسْعةِ ثلاثةَ أشهُرٍ، ثمَّ حَلَّتْ" (١).

стр. 425

وهو قولُ مالكٍ وأحمدَ، وهو قولُ الشافعيِّ في القديمِ. والثاني: تنتظِرُ حتَّى الإياسِ، ثمَّ تعتَدُّ بالشهورِ؛ وهذا القولُ لأبي حنيفةَ والشافعيِّ، ورُوِيَ عن عليٍّ وابنِ مسعودٍ. والأرجَحُ الأوَّلُ، والقولُ الثاني فيه ضَرَرٌ، ولا نصَّ يعضُدُهُ إلَّا التعليلَ أنَّ المرأةَ إمَّا أن تكونَ حائضًا، أو آيسًا، أو حاملًا، أو صغيرةً لا تحيضُ، وانتظارُها للإياسِ لا حَدَّ له، وفيه ضررٌ عليها. وقولُ عُمَرَ أقربُ، وسُنَّتُهُ أَوْلى بالأخذِ والقبول. وبيانُ الحملِ لا يطولُ، والنُّطْفةُ إذا لم تتكوَّنْ وتتخلَّقْ، ماتَتْ وسقَطَتْ لا يحفَظُها الرَّحِمُ، وأهلُ الطِّبِّ يَقطَعونَ بمِثْلِ هذا اليومَ، والاستئناسُ بقولِ الثِّقَةِ منهم أَوْلَى مِن تَربُّصِ المرأةِ إلى الإياسِ بلا حدٍّ. ومَن طلَّقَ زوجتَهُ في حالِ الحَيْضِ، فلا تَعتَدُّ بتلك الحَيْضةِ عندَ مَن أمضَى طلاقَهُ، وحُكِيَ الاتِّفاقُ على ذلك، وأمَّا مَن لم يُمْضِ الطلاقَ، فهو لا يُمضِي العِدَّةَ تبَعًا. احتسابُ طهر المطَلَّقَةِ: وأمَّا مَن طلَّقَها في حالِ طُهْرٍ لم يَمَسَّها فيه، فإنَّها تَعْتَدُّ عندَ جمهورِ الفقهاءِ بذلك الطُّهْرِ، ولو بَقِيَ منه ساعةٌ. وبعضُ الفقهاءِ لا يَرَى للمطلَّقةِ في طُهْرٍ أن تعتدَّ ببقيَّةِ طُهْرِها هذا، بل تحسُبُ غيرَهُ، وقال الزُّهْريُّ في امرأةٍ طُلِّقَتْ في بعضِ طُهْرِها: "إنَّها تعتدُّ بثلاثةِ أطهارٍ سوى بقيَّةِ ذلك الطُّهْرِ". ولم يوافِقْهُ ممَّن يقولُ بأنَّ الأقراءَ الأطهارُ على قولِه هذا أحدٌ؛ كما قالَهُ ابنُ عبدِ البرِّ (١).
следующие страницы →