← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

إِذَا هَبَّتْ لِقَارِئِهَا الرِّيَاحُ فهو مِن الأسماءِ المشتَرَكةِ، يقولُ بهذا أهلُ اللُّغَةِ؛ كأبي عُبَيْدٍ، والأصمَعيِّ، وأبي عَمْرِو بنِ العَلاءِ، وحكى الاتفاقَ عليه ابنُ جريرٍ (١)، وإنَّما الخلافُ في نزولِ حُكْمِ اللهِ على أحدِ المعنيَيْنِ؛ زمَنِ الطُّهْرِ أَمْ زمَنِ الحيضِ؟ على قولَيْنِ؛ هما رِوايتانِ عن أحمدَ: الأوَّلُ: المرادُ به الأطهارُ؛ وهو قولٌ صحَّ عن عائشةَ، وزيدٍ، وابنِ عمرَ، وفقهاءِ المدينةِ، وقال به ربيعةُ ومالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ. الثاني: المرادُ به الحِيَضُ؛ وهو قولُ عمرَ، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عبَّاسٍ، وعِكْرِمةَ، ومجاهِدٍ، وقَتادةَ، وهو قولُ أبي حَنِيفةَ وأهلِ الرأيِ، وجماهيرِ الحنابلةِ. وصحَّ عن عمرِو بنِ دينارٍ قولُهُ: "الأَقْرَاءُ: الحِيَضُ؛ عن أصحابِ النبيِّ ﷺ " (٢). ورواهُ الأسوَدُ وعَلْقمةُ، عن عمرَ وابنِ مسعودٍ؛ وهو صحيحٌ عنهما (٣). ورواهُ ابنُ المُسَيَّبِ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ؛ وهو صحيحٌ عنه (٤). ورواهُ زيدُ بنُ رُفَيْعٍ، عن أبي عُبَيْدةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، عن أبيه وعُثْمانَ (٥)، وزيدٌ ليس بالقويِّ، ولم يَسمعْ أبو عُبَيْدةَ مِن عُثْمانَ. وهذا مِن مواضعِ النزاعِ القويِّ؛ لِقِدَمِ الخلافِ، وجلالةِ المخالِفِينَ، واحتمالِ اللُّغةِ والوضعِ للمعنيَينِ جميعًا. والنَّفْسُ تميلُ إلى الأوَّلِ؛ لأنَّ عليه قولَ أهلِ الصَّدْرِ الأوَّلِ مِن أهلِ

стр. 422

الحجازِ؛ قال أبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ: "ما أَدْرَكْنا أحَدًا مِنْ فُقَهَائِنا إلَّا يَقُولُ بقولِ عائِشَةَ في أنَّ الأقراءَ هي الأطهارُ" (١). وقد استَدَلَّ بعضُ مَن قال بأنَّ القُرُوءَ الأطهارُ بما ثبَتَ في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال له عندَما طَلَّقَ أمرأتَهُ وهي حائضٌ: (مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ التي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ) (٢). حيثُ أحالَهُ النبيُّ ﷺ إلى الطُّهْرِ، فإذا كان الطُّهْرُ مَحَلَّ الطلاقِ، فهو محلُّ العِدَّةِ. ثمَّ إنَّ اللهَ جمَعَ، فقالَ: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، وهو جمعٌ للقَرْءِ لا القُرْءِ، فالأولُ الطُّهْرُ، والثاني الحَيْضُ. واللهُ ذكَرَ العددَ مؤنَّثًا؛ وهذا يَدُلُّ أنَّ المرادَ بالقروءِ: الأطهارُ؛ فالطُّهْرُ مذكَّرٌ، والحَيْضُ مؤنَّثٌ. وقال غيرُ واحدٍ: إنَّ القَرْءَ بفتحِ القافِ وضَمِّها: سواءٌ. وأمَّا القولُ الثاني: وهو القولُ بأنَّ الأَقْراءَ الحِيَضُ، فاستَدَلَّ مَن قال به: بأنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ في سَبْيِ أَوْطَاسٍ أنْ يُسْتَبْرَأْنَ قبلَ أن يُوطَأْنَ بِحَيْضةٍ؛ كما أخرَجَهُ أحمدُ؛ مِن حديثِ أبي سعيدٍ (٣). ثمَّ إنَّ الطُّهْرَ أصلٌ لا حَدَّ له، والحَيْضُ هو العارضُ المحدودُ، والضَّبْطُ به أدقُّ، والقرءُ ضبطٌ لِزَمَنٍ، والأزمانُ الضيِّقةُ المحدودةُ أزمانُ الحَيْضِ، لا أزمانُ الطُّهْرِ الذي هو الأصلُ المُتَّسِعُ، فأكثَرُ عُمْرِ المرأةِ طاهِرًا لا حائِضًا.

стр. 423

والحَيْضُ هو الذي يَقذِفُ ما في الرَّحِمِ وينقِّيهِ، ويحصُلُ المقصودُ بنهايةِ الحَيْضِ، لا بنهايةِ الطُّهْرِ؛ فإنَّ الاستبراءَ لا يُحتاجُ معه إلى نهايةِ الطُّهْرِ، بل نهايةِ الحَيْضِ، وبِدايةُ الطُّهْرِ كافيةٌ في ذلك. وللشافعيِّ قولٌ ذكَرَهُ القرطبيُّ (١)، وذكَرَه أيضًا الغزاليُّ (٢) قَولًا لبعضِ فقهاء الشافعيَّة: أنَّ القرء هو الانتقالُ مِن الطُّهْرِ إلى الحَيْضِ، وليس الانتقالَ مِن الحَيْضِ إلى الطُّهْرِ؛ لأنَّ الحَيضَ ليس زمَنًا مشروعًا للطلاقِ فلا يَنزِلُ عليه لفظُ القرءِ هنا، مع دخولِهِ في عمومِ اللُّغَةِ؛ لأنَّه وقتٌ كغيرِهِ، وهو قولٌ حَسَنٌ لو كان له سَلَفٌ. المقصدُ مِن عدَّةِ المطلَّقةِ: والمقصدُ الشرعيُّ الأكبرُ - وهو الاستبراءُ - يحصُلُ بجميعِ هذه الأقوالِ الثلاثةِ، وما عداهُ مِن المقاصدِ - كإنظارِ الزَّوجَيْنِ أن يتفكَّرَا في الرجعةِ ويتصالَحَا، ويَذهَبَ ما بالنفوسِ - فهو مُدَّةٌ تحصُلُ بأدنى الأقوالِ زمنًا مع النفوسِ المعتدِلةِ، واللهُ أعلمُ. عدةُ الأمَةِ المطلَّقةِ: ولا خلافَ عندَ العلماءِ: أنَّ الحُرَّةَ المطلَّقةَ الحائضَ المدخولَ بها: تعتدُّ ثلاثةَ قروءٍ؛ للآيةِ. وقدِ اختلَفَ العلماءُ في عِدَّةِ الأَمَةِ على قولَيْنِ: القولُ الأوَّلُ: أنَّ عِدَّتَها أقلُّ مِن عِدَّةِ الحُرَّةِ، وهي قُرْءَانِ؛ لأنَّ القُرْءَ لا يُنصَّفُ، ولأنَّ الأمَةَ في الحدودِ على النِّصْفِ مِن الحُرَّةِ. وهذا القولُ هو قولُ عُمَرَ وجمهورِ العلماءِ مِن بَعْدِه؛ روى سعيدُ بنُ منصورٍ عنه، قال: "لوِ استَطَعْتُ أنْ أجعَلَ عِدَّةَ الأمَةِ حَيْضةً ونِصْفًا، لفَعَلْتُ" (٣).

стр. 424

القولُ الثاني: عِدَّتُها كالحُرَّةِ؛ وهو قولُ أهلِ الظاهرِ؛ أخذًا بعمومِ الآيةِ. والأرجَحُ الأَوَّلُ؛ لأنَّ أعظمَ مقاصدِ العِدَّةِ براءةُ الرَّحِمِ، وقد جعَلَ اللهُ استبراءَ الأَمَةِ بحَيْضةٍ، فلا تُوطَأُ سُرِّيَّةٌ إلَّا بعدَ استبرائِها بها، ولكنْ لمَّا كانَتِ الحُرَّةُ ثلاثةَ قُروءٍ، واجتمَعَ في عِدَّةِ المطلَّقةِ مقاصدُ غيرُ مَقصَدِ الاستبراءِ؛ كالأمَدِ بالتفكيرِ في المراجَعةِ بينهما، نقَصَتِ الأمَةُ عنِ الحُرَّةِ؛ فلا تعتدُّ ثلاثةَ قروءٍ، وارتفَعَتْ عن مَقْصَدِ الاستبراءِ وَحْدَهُ؛ كالسُّرِّيَّةِ؛ فلا تعتدُّ بحَيْضةٍ، فكانت عِدَّتُها قُرْأَيْنِ. ويدخُلُ في الآيةِ: المرأةُ التي ينقطِعُ حَيْضُها انقطاعًا عارضًا باختيارِها؛ كالمُرْضِعِ ومَن تأخُذُ دواءً يتسبَّبُ في قَطْعِ الدَّمِ، أو بغيرِ اختيارِها، لكنَّه عارِضٌ؛ كمَرَضٍ يُرْجَى بُرْؤُهُ جَفَّفَ الدَّمَ عنها، فتتربَّصُ بالأقراءِ؛ لعمومِ الآيةِ، ولعدَمِ دخولِها في حُكْمِ غيرِها مِن الآيِسِ والحامِلِ. وهذا قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ، وقال بِه مِن الصحابةِ: عثمانُ وعليٌّ وابنُ مسعودٍ وزيدٌ. انقطاعُ دمِ المطلَّقةِ في عِدتها: ومَنِ انقَطَعَ دَمُها لغيرِ عارضٍ، ولم تبلُغْ سِنَّ الإياسِ بعدُ، ففي المسألةِ قولانِ مشهورانِ: الأوَّلُ: وهو أعلى ما جاء في ذلك، عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ؛ كما رواهُ مالِكٌ وعبدُ الرزَّاقِ، عنه؛ قال: "أيُّما امرأةٍ طُلِّقَتْ ثمَّ حاضَتْ حَيْضةً أو حيضتَيْنِ، ثمَّ ارتفعَتْ حَيْضَتُها، فإنَّها تنتظِرُ تسعةَ أشهُرٍ؛ فإنْ بان بها حملٌ فذلك؛ وإلَّا اعتَدَّتْ بعدَ التِّسْعةِ ثلاثةَ أشهُرٍ، ثمَّ حَلَّتْ" (١).

стр. 425

وهو قولُ مالكٍ وأحمدَ، وهو قولُ الشافعيِّ في القديمِ. والثاني: تنتظِرُ حتَّى الإياسِ، ثمَّ تعتَدُّ بالشهورِ؛ وهذا القولُ لأبي حنيفةَ والشافعيِّ، ورُوِيَ عن عليٍّ وابنِ مسعودٍ. والأرجَحُ الأوَّلُ، والقولُ الثاني فيه ضَرَرٌ، ولا نصَّ يعضُدُهُ إلَّا التعليلَ أنَّ المرأةَ إمَّا أن تكونَ حائضًا، أو آيسًا، أو حاملًا، أو صغيرةً لا تحيضُ، وانتظارُها للإياسِ لا حَدَّ له، وفيه ضررٌ عليها. وقولُ عُمَرَ أقربُ، وسُنَّتُهُ أَوْلى بالأخذِ والقبول. وبيانُ الحملِ لا يطولُ، والنُّطْفةُ إذا لم تتكوَّنْ وتتخلَّقْ، ماتَتْ وسقَطَتْ لا يحفَظُها الرَّحِمُ، وأهلُ الطِّبِّ يَقطَعونَ بمِثْلِ هذا اليومَ، والاستئناسُ بقولِ الثِّقَةِ منهم أَوْلَى مِن تَربُّصِ المرأةِ إلى الإياسِ بلا حدٍّ. ومَن طلَّقَ زوجتَهُ في حالِ الحَيْضِ، فلا تَعتَدُّ بتلك الحَيْضةِ عندَ مَن أمضَى طلاقَهُ، وحُكِيَ الاتِّفاقُ على ذلك، وأمَّا مَن لم يُمْضِ الطلاقَ، فهو لا يُمضِي العِدَّةَ تبَعًا. احتسابُ طهر المطَلَّقَةِ: وأمَّا مَن طلَّقَها في حالِ طُهْرٍ لم يَمَسَّها فيه، فإنَّها تَعْتَدُّ عندَ جمهورِ الفقهاءِ بذلك الطُّهْرِ، ولو بَقِيَ منه ساعةٌ. وبعضُ الفقهاءِ لا يَرَى للمطلَّقةِ في طُهْرٍ أن تعتدَّ ببقيَّةِ طُهْرِها هذا، بل تحسُبُ غيرَهُ، وقال الزُّهْريُّ في امرأةٍ طُلِّقَتْ في بعضِ طُهْرِها: "إنَّها تعتدُّ بثلاثةِ أطهارٍ سوى بقيَّةِ ذلك الطُّهْرِ". ولم يوافِقْهُ ممَّن يقولُ بأنَّ الأقراءَ الأطهارُ على قولِه هذا أحدٌ؛ كما قالَهُ ابنُ عبدِ البرِّ (١).

стр. 426

وقولُهُ تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ إشارةٌ إلى ما سبَقَ أنَّ أمرَ العِدَّةِ موكولٌ إلى المرأةِ والقولَ في ذلك قَوْلُها، تُوكَلُ إلى دينِها، وعند الشكِّ تخوَّفُ باللهِ، ويَظهَرُ تخويفُها مِن عِظَمِ أمرِ الكِتْمانِ بقولِهِ: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ وهذا وعيدٌ شديدٌ ذكَرَهُ اللهُ في غيرِ ما موضعٍ تشديدًا؛ فقد ذكَرَهُ في عَضْلِ النساءِ أن يَرجِعْنَ إلى أزواجِهِنَّ بعد آياتٍ، وذكَرَهُ عند الأمرِ بِرَدِّ الأمرِ عند التنازُعِ إلى اللهِ ورسولِهِ كما في سورةِ النساءِ، وعند الأمرِ بإقامةِ حدِّ الزِّنَى في سورةِ النُّورِ، وعند الاقتداءِ بالنبيِّ ﷺ في سورةِ الأحزابِ، وعند إقامةِ الشهادةِ للهِ في الطلاقِ، وفي مواضعَ أُخرى عند التحذيرِ مِن عمَلٍ يؤكِّدُهُ بالتذكيرِ بالإيمانِ باللهِ وعظمتِه، والآخِرةِ والحِسَابِ فيها، كما في موالاةِ مَن حَادَّ اللهَ ورسولَهُ في المجادَلةِ، وغيرِ ذلك. وقيل: المرادُ بما في أرحامِهِنَّ: الحَمْلُ؛ قاله عمرُ وابنُ عبَّاسٍ (١)، وقيلَ: الحَيْضُ؛ قاله عِكْرِمةُ والزُّهْريُّ والنَّخَعيُّ (٢). وكلاهُما مقصودٌ؛ فلا يَحِلُّ لها كِتْمانُ حَمْلِها ولا حَيْضِها، فلا يَحِلُّ لها الكَذِبُ بِحَمْلِها أو حَيْضِها أو طُهْرِها، فتقولَ: أنا حاملٌ، أو حائضٌ، أو طاهرٌ، وليست كذلك؛ رغبةً في فِرَاقٍ أو لَحَاقٍ، فإذا عَلِمَتْ أنَّ زوجَها يُحِبُّ الولَدَ، كذَبَتْ بِحَمْلِها لِتَرجِعَ، وكذَبَتْ لأجلِ أن يَمْتَدَّ أجلُ عِدَّتِها ليُراجِعَها، وأَشَدُّ مِن ذلك: الكَذِبُ في كِتْمانِ الحملِ؛ لِيَلْحَقَ الولَدُ بغيرِ أبيه. إرجاعُ الرجلِ زوجتَهُ في عدَّتها: وقولُه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾: والحَقُّ لِزَوْجِها في إرجاعِها ما دامَتْ في العِدَّةِ، وإرجاعُهُ لها على حالَيْنِ:

стр. 427

الأُولى: إذا أرادَ الإصلاحَ، فيُستحَبُّ له ذلك. الثانيةُ: إذا أرادَ الإضرارَ بالزوجةِ؛ إمَّا ليُسِيءَ إليها في معامَلتِهِ وهي عندَهُ، أو ليُمْسِكَها ثُمَّ يُطلِّقَها حتَّى يطولَ أَمَدُها بلا زوجٍ؛ فهذا إمساكٌ محرَّمٌ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]. ورَدُّ الزوجةِ: إمَّا أن يكونَ في العِدَّةِ، فهو حقٌّ للزَّوْجِ فقَطْ ولو لم تُرِدِ الزوجةُ، ولا يَلزَمُهُ عقدٌ ولا مهرٌ بالاتفاقِ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ يَعني: في عِدَّتِهِنَّ. واختُلِفَ في وجوبِ الإشهادِ، والأرجَحُ: عدمُ وجوبِهِ في الرَّجْعةِ في العِدَّةِ، ووجوبُه بعدَ الخروجِ مِن العِدَّةِ وبلوغِ الأَجَلِ؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. وإمَّا أن يكونَ في غيرِ العِدَّةِ، فهو حقٌّ للزوجَيْنِ جميعًا، وللوليِّ أيضًا. وتَرجِعُ الزوجةُ في العِدَّةِ بالإشهادِ على ذلك منه، بلا خلافٍ؛ وإنَّما الخلافُ ما لو جامَعَها أو قبَّلَها أو لَمَسَها أو فعَلَ مَعَها ما لا يَحِلُّ إلَّا للزوجِ مِن زوجتِهِ؛ هل تَرجِعُ بمجرَّدِ هذا الفعلِ أم لا؟ والصحيحُ: أنَّها تَرجِعُ بالجِمَاعِ؛ وهو قولُ ابنِ المسيَّبِ والحسَنِ وابنِ سِيرِينَ؛ وهو قولُ طائفةٍ مِن أصحابِ مالكٍ. ويَرى أبو حَنيفةَ وأهلُ الرأيِ: أنَّ اللَّمْسَ رَجْعةٌ أيضًا؛ خلافًا للجمهورِ الذين لا يَرَوْنَ الجماعَ ولا ما دُونَهُ رَجْعةً؛ وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وإسحاقَ. وقال مالكٌ: هو رجعةٌ لو نَوَاها، ويَجِبُ أن يُشهِدَ. والشافعيُّ لا يَرَى رَجْعةً إلَّا بالقولِ.

стр. 428

النَّفَقَةُ والكِسْوَة والسُّكْنى للمطلَّقة: وقولُه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: قيل: المرادُ بالذي لَهُنَّ: النَّفَقةُ والكِسْوةُ والسُّكْنى، كما أنَّ اللهَ أوحَبَ عليهِنَّ الرَّجْعةَ لأزواجِهِنَّ؛ فعلى أزواجِهِنَّ لَهُنَّ حَقُّ النَّفَقةِ والسُّكْنَى والكِسْوةِ. وقيل: المرادُ بذلك: حُسْنُ المَعْشَرِ، وطِيبُ الصُّحْبةِ. فما يُريدُهُ الرَّجُلُ مِن المرأةِ مِن حُسْنِ المَعْشَرِ والمَلْبَسِ، فعليه كذلك لها؛ فلها حَقٌّ منه، كما له حقٌّ منها. واتَّفَقَ الفقهاءُ على وجوبِ النفقةِ والكِسْوةِ والمعاشَرةِ بالمعروفِ؛ لعمومِ قولِهِ: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ويأتي الكلامُ على حَقِّ المطلَّقَةِ في السُّكْنَى في سورة الطلاقِ. ولا خلافَ أنَّ على الزوجةِ طاعةَ زَوْجِها لفِرَاشِه، ومعاشرَتَهُ بالمعروفِ. ودرجةُ الرجالِ التي جعَلَها اللهُ لهم هي القِوَامةُ ولوازِمُها؛ مِن الطاعةِ بالمعروفِ، والجهادِ، والعملِ، وما بنى اللهُ فيهِ مِن بَسْطةِ جَسَدٍ وخِلْقةٍ تَختلِفُ عنها؛ بالقُوَّةِ واللِّحْيةِ وغيرِ ذلك. وذكَرَ اللهُ اسمَ العزيزِ والحكيمِ؛ فإنَّه لعِزَّتِهِ قضى بين عبادِهِ وانفرَدَ بالحُكْمِ، ولحِكْمتِهِ العظيمةِ قَضَى فيما لا يُدْرِكونَ جميعَ عِلَلِهِ ومنافعِه، فكان حكيمًا مستحِقًّا للطاعةِ؛ لكمالِ عِلْمِهِ وحكمتِه. * * *

стр. 429

قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. كان الطلاقُ يُتَّخَذُ للإضرارِ بالزوجةِ، فيطلِّقُ الزوجُ فتعتَدُّ الزوجةُ، فإذا قَرُبَ خروجُها مِن عِدَّتِها، أرجَعَها ثم طلَّقَها، وانتظَرَ حتَّى تقرُبَ مِن نهايةِ عِدَّتِها، ثمَّ يُرجِعُها ليطلِّقَها ولتستأنِفَ عِدَّةً جديدةً؛ فتبقى لا معه ولا مع زوجٍ غيرِه، كما كان يَفْعَلُ أهل الجاهليَّةِ وبعضُ العرَبِ في صدرِ الإِسلامِ؛ ولذلك: فقد جعلَ اللهُ الطلاقَ الذي يَملِكُ فيه الرجلُ إرجاعَ زوجتِه مرَّتَيْنِ؛ ولذا قال: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. ومِن العلماءِ مَن جعَلَ هذه الآيةَ ناسخةً للآيةِ السابقةِ، وهي قولُهُ تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ وهذا يحتاجُ إلى نصٍّ، وربَّما نزلَتِ الآيتانِ جميعًا، فقيَّدَتِ الثانيةُ إطلاقَ الأُولى، وخَصَّصَتْ عمومَها، إلَّا على قولِ مَن يَرى التخصيصَ نسخًا. عَدَدُ طلقاتِ الأحرارِ والعبيدِ: ولا خلافَ عند العلماءِ: على أنَّ طلاقَ الأحرارِ ثلاثُ طلقاتٍ، وأمَّا عددُ طلاقِ العبيدِ، ففيه خلافٌ: فذهَبَ أهلُ الظاهرِ: إلى أنَّ العبيدَ كالأحرارِ في الطلاقِ؛ أخذًا بعمومِ الآيةِ. وجمهورُ العلماءِ: على خلافِ هذا القولِ؛ فيَرَوْنَ أنَّ الطلاقَ طَلْقتانِ؛ على النصفِ من طلاقِ الحُرِّ؛ وهو إجماعُ الصحابةِ والتابعينَ؛ وإنَّما يَختلِفُونَ في مَحَلِّ الاعتبارِ، على قولَيْنِ مشهورَيْنِ:

стр. 430

الأوَّلُ: يعتبرونَهُ بالزوجِ لا بالزوجةِ؛ فإنْ كان الزوجُ عبدًا، فالطلاقُ على النِّصْفِ ولو كانت الزَّوْجةُ حُرَّةً، وعكسُ ذلك لو كان الزوجُ حرًّا، فللزوجِ ثلاثُ طلقاتٍ ولو كانتِ الزوجةُ أَمَةً؛ وهذا قولُ جمهورِهم، وهو قولُ عُثْمانَ بنِ عَفَّانَ وزَيدٍ وابنِ عبَّاسٍ وعِكْرِمةَ وسُلَيْمانَ بنِ يَسَارٍ وابنِ المسيَّبِ، وقولُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ. الثَّاني: يعتبرونَهُ بالزوجةِ لا بالزوجِ؛ وهو قولُ عليٍّ وابنِ مسعودٍ، وهو رأيُ أبي حَنِيفةَ. وفي المسألةِ قولٌ ضعيفٌ قَلَّ الآخِذونَ به، وهو رأيُ عُثْمانَ البَتِّيِّ، ويُنسَبُ لابنِ عُمَرَ وابنِ عَبَّاسٍ: أنَّ العِبْرةَ بالرِّقِّ، فإن وُجِدَ في أحدِ الجهتَيْنِ: الزَّوْجِ أوِ الزَّوْجةِ، فالطَّلَاقُ طَلْقتانِ. والأظهَرُ: كونُ الطلاقِ باعتبارِ الزوجِ؛ لأنَّ اللهَ عَلَّقَ الطلاقَ بالزوجِ، والعِدَّةَ بالنِّسَاءِ، فاللهُ تعالى إنَّما شرَعَ العدَدَ في الطلاقِ تشوُّفًا إلى الرَّجْعةِ، وإبعادًا للطلاقِ، ودفعًا لِنَدَمِ الزوجِ مِن العجَلةِ بالبَيْنونةِ؛ ولذا فقد جعَلَ اللهُ له أَجَلًا وعددًا للمراجَعةِ بينَهُ وبينَ زوجتِه. وحَدَّ اللهُ له عدَدًا مِن الطلاقِ؛ حتَّى لا يُضِرَّ بالزَّوْجةِ فيعلِّقَها. وإلحاقُ المسألةِ بنُقْصانِ الحدودِ على العبيدِ فيه نظَرٌ؛ لأنَّ نُقْصانَ الحدودِ فيه تخفيفٌ في العقوبةِ، وتخفيفُ الطلاقِ يُعتبَرُ نقصانًا في الحقِّ، وتفويتًا لحظِّ النَّفْسِ الذي ربَّما يُحتاجُ إليه في رَجْعةِ الزوجةِ، ولكنَّ الأَوْلَى أنْ يكونَ مأخَذُ الإلحاقِ: أنَّ تشوُّفَ بقاءِ الزوجَيْنِ مِن المَوَالِي أقلُّ مِن تشوُّفِ الأحرارِ، وتشوُّفَ بقاءِ الحُرَّةِ مع العبدِ أقلُّ مِن تشوُّفِ بقاءِ الحُرِّ معَ الحُرَّةِ. وذَهَابُ بعضِ الخلفاءِ إلى نُقْصانِ طلاقِ العبيدِ معتبَرٌ مِن وجوهِ الترجيحِ؛ فقولٌ يَمِيلُ إليه خليفةٌ أَوْلَى مِن قولٍ يَذهَبُ إليه مَن دونَهُ.

стр. 431

والرقيقُ بحاجةٍ إلى التيسيرِ في تَبِعةِ الزواجِ؛ مِن النفقةِ على الزوجةِ، وكِسْوتِها في عِدَّتِها؛ فاحتاجَ للتيسيرِ في الطلاق والتيسيرِ في العِدَّةِ. والطَّلاقُ سُلْطانٌ، وسلطانُ العبدِ دُونَ سُلْطانِ الحرِّ، وقِوامتُهُ دونَ قِوامةِ الحرِّ، والطلاقُ فرعٌ مِن فروعِ القِوامةِ. وقولُه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ عمومٌ تفصِّلُهُ السُّنَّةُ، وهو أنَّ بينَ كلِّ طلاقٍ عِدَّةً، فلا تُجمَعُ الطَّلْقتانِ جميعًا ولا الثلاثُ؛ وذلك كما في "الصحيحِ": (مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ التي أَمَرَ اللهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ) (١). الطلاقُ ثلاثًا: والطلاقُ أكثرَ مِن طَلْقةٍ واحدةٍ، أو ثلاثًا بلفظٍ واحدٍ، أو طلقاتٍ متفرِّقاتٍ في عِدَّةٍ واحدةٍ بلا رَجْعةٍ بينَهما - خلافُ السُّنَّةِ باتفاقِ السلفِ؛ وقد كانوا يَنْهَوْنَ عنه، ويؤدِّبونَ عليه؛ فقد أخرَجَ سعيدُ بنُ منصورٍ، عن أنسٍ أنَّ عُمَرَ كان إذا أُتِيَ برَجُلٍ طَلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا، أوجَعَ ظَهْرَهُ (٢). وهو صحيحٌ عنه. وذلك أنَّ الطلاقَ مِن حدودِ اللهِ، فاللهُ حينَما بيَّنَهُ وفصَّلَ أمْرَهُ، قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾، والطلاقُ الثلاثُ تَعَدٍّ يُوجِبُ التأديبَ والزَّجْرَ، فاللهُ أقامَ الزوجَ على حَدِّ الطلاقِ، وجعَلَ له سلطانًا لِيُقيمَهُ كما أمرَ اللهُ، كما أقامَ السلطانَ على حدودِ اللهِ بين الناسِ ليُقيمَها كما أمَرَ اللهُ، وإن كان تعدِّي السلطانِ أشدَّ؛ لعِظَمِ أَثَرِه، إلَّا أنَّ تعدِّيَ الزوجِ يعَدُّ تعدِّيًا وظُلْمًا ولكنْ بقَدْرٍ.

стр. 432

ومَن طَلَّقَ ثلاثًا أو اثنتَيْنِ بكلمةٍ واحدةٍ، فقدِ اختلَفَ العلماءُ في وقوعِ هذا الطلاقِ: القولُ الأوَّلُ: تقَعُ طَلْقةً واحدةً؛ وهو قولُ طاوُسٍ ومحمَّدِ بنِ إسحاقَ والحَجَّاجِ بنِ أرطاةَ، وهو قولٌ لأحمدَ قال به أهلُ الظاهرِ، وذهَبَ إليه ابنُ تيميَّةَ. وهو قولٌ ثابتٌ لبعضِ السلفِ، وبعضُهم يَنْفِيهِ؛ وليس كذلك، وقد ترجَمَ البخاريُّ في "صحيحِه" مثبِتًا له، فقال: (بابُ: مَن جَوَّزَ الطلاقَ الثلاثَ) (١)، ويُنسَبُ لعليِّ بنِ أبي طالبٍ وابنِ مسعودٍ وابنِ عبَّاسٍ وابنِ عوفٍ؛ لِمَا روى مسلمٌ في "صحيحِه"؛ مِن حديثِ ابنِ طَاوُسٍ، عن أَبِيهِ؛ أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: "أَتَعْلَمُ أَنَّمَا كَانَتِ الثَّلَاثُ تُجْعَلُ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَثَلَاثًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ؟ فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ" (٢). وذلك أنَّ الشريعةَ لم تجعَلِ العَدَدَ إلَّا لحِكْمةٍ؛ وهي التربُّصُ ودفعُ المشقَّةِ؛ وهذا يُلْغِي الأخذَ بحِكْمةِ اللهِ الظاهرةِ، ويعطِّلُ حكمًا شرعيًّا، وهو اعتبارُ العدَدِ المقصودِ منه في الآيةِ. التطليقُ عددًا ورقمًا: وذِكْرُ الأعدادِ رَقْمًا لا يُعتَبَرُ إلَّا بإلحاقِها وَصْفًا وعَدًّا؛ كما جاء في الشَّرْعِ؛ فمَن رَمَى الجِمَارَ بسَبْعِ حصَيَاتٍ مرَّةً واحدةً، عُدَّت واحدةً، ومَن قال: "سُبْحانَ اللهِ" مِئَةً، لم يكُنْ مسبِّحًا مِثْلَ مَن سبَّحَ مِئةً مكرِّرًا لها، ولو حلَفَ أن يسبِّحَ مِئةً، لم يُجْزِئْهُ إلَّا تَكْرارُها، لا ذِكرُها رَقْمًا. ويظهرُ أنَّه لو طَلَّقَ الرجلُ زوجتَهُ في عِدَّةِ طَلْقةٍ واحدةٍ طلقةً أخرى:

стр. 433

أنَّها لا تقَعُ حتَّى يُرجِعَها، وأظهَرُ مِن ذلك لو كرَّرَ الطلاقَ لفظًا، فقال: "طالقٌ طالقٌ طالقٌ": أنَّها واحدةٌ. لأنَّ لكلِّ طَلْقةٍ عِدَّةً وزمَنًا له بدايةٌ وله نهايةٌ، يبتدي بالطَّلْقةِ، وينتهي برَجْعَةِ الزوجةِ؛ فقد روى البيهقيُّ وغيرُهُ؛ مِن حديثِ محمَّدِ بنِ إسحاقَ، عن داودَ بنِ الحُصَيْنِ، عن عِكْرِمةَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قالوا: طلَّقَ رُكَانةُ امرأتَهُ ثلاثًا في مجلسٍ واحدٍ، فحَزِنَ عليها حُزْنًا شديدًا، فسألَهُ رسولُ اللهِ: (كَيْفَ طَلَّقْتَهَا؟ )، قال: طلَّقتُها ثلاثًا، قال: (فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ؟ )، قال: نَعَمْ، قال: (فَإِنَّمَا تِلْكَ وَاحِدَةٌ، فَأَرْجِعْهَا إِنْ شِئْتَ)، فراجَعَها (١). وأعلَّه بعضُهم؛ لمخالَفةِ ابنِ عبَّاسٍ له، ومِثلُهُ لو صحَّ عندَهُ لا يُخالِفُهُ ابنُ عبَّاسٍ؛ لفضلِه ودينِه، وقد أعلَّ الحديثَ أحمدُ بنُ حنبلٍ. وأُعِلَّ أيضًا بأنَّ المحفوظَ: أنَّ رُكانةَ طلَّقَ زوجتَهُ البتَّةَ، وأنَّ ذِكْرَ "الثَّلاثِ" غيرُ محفوظٍ؛ فقد أخرَجَهُ أبو داودَ؛ مِن حديثِ آلِ بيتِ رُكَانةَ عنه أنَّه طَلَّقَ زوجتَهُ البتَّةَ، فجعَلَها النبيُّ ﷺ واحدةً؛ وهذا ما رجَّحَهُ أبو داودَ (٢). ولكنَّ هذا القولَ صحَّ أنَّه يُفتى به في زمنِ النبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ وصدرٍ مِن خلافةِ عُمَرَ؛ كما في مسلمٍ مِن حديثِ طاوسٍ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ، ولا يبعُدُ أنَّ ابنَ عبَّاسٍ كان يقولُ به وقتَها، ثُمَّ ترَكَ لمَّا ترَكَ عُمَرُ، ويَحتمِلُ أنَّه يقولُ بخلافِهِ ولا يُظهِرُهُ كرهًا للخلافِ والفُرْقةِ، والمشهورُ الصريحُ عنه القولُ بوقوعِ الثلاثِ ثلاثًا مِن وجوهٍ عِدَّةٍ. القولُ الثاني: وهو قولُ جمهورِ الفقهاءِ؛ أنَّ الطلاقَ بعَدَدِ مَا تلفَّظَ

стр. 434

به؛ اثنتَيْنِ أو ثلاثًا، وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ المشهورُ عنه؛ رواهُ عنه سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ ومجاهِدٌ وعطاءٌ وعمرُو بنُ دينارٍ؛ أنَّ ابنَ عبَّاسٍ كان يُفتِي بوقوعِ الطلاقِ الثلاثِ. روى عبد الرَّزَّاق والبيهقيُّ؛ مِن حديثِ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ؛ أنَّ رجلًا جاء إلى ابنِ عبَّاسٍ، فقال: طلَّقْتُ امرأتي أَلْفًا، فقال: "تأخُذُ ثلاثًا، وتدَعُ تِسْعَ مِئةٍ وسَبْعةً وتِسعينَ" (١). وروى مسلمٌ؛ أنَّ ابنَ عبَّاسٍ قال: "كان الطلاقُ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ وأبي بَكْرٍ وسنتَيْنِ مِن خلافةِ عُمَرَ: طَلَاقُ الثَّلَاثِ واحدةً، فقال عُمَرُ: إنَّ النَّاسَ قدِ استَعْجَلُوا في أمرٍ كان لهم فيه أنَاةٌ، فلو أَمْضَيْناهُ عليهم، فأَمْضَاهُ عليهِم" (٢). وحمَلَ الشافعيُّ وغيرُهُ ما قال به ابنُ عبَّاسٍ على احتمالِ وقوفِهِ على نَسْخٍ للحديثِ المرفوعِ؛ واستَدَلَّ لذلك بما أخرَجَهُ أبو داودَ؛ مِن طريقِ عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: "كان الرَّجُلُ إذا طلَّقَ امرأتَهُ، فهو أحقُّ برَجْعَتِها وإنْ طلَّقَها ثلاثًا، فنُسِخَ ذلك" (٣). ويبعُدُ أن يكونَ الحُكْمُ منسوخًا فيُقضى فيه في زمنِ النبيِّ ﷺ إلى وفاتِهِ، وفي خلافةِ أبي بكرٍ كلِّها، وفي صدرٍ مِن خلافةِ عُمَرَ، ثمَّ لا يُؤخَذُ به إلَّا متأخِّرًا. ويبعُدُ أن يَظهرَ الحُكْمُ زمنًا، ويَخفى النَّسْخُ زمنًا أطولَ منه، فالنسخُ حُكْمٌ يَجبُ ثبوتُهُ وقوَّتُهُ واشتهارُهُ شرعًا كثبوتِ الحُكْمِ قَبْلَه، ويبعُدُ أن

стр. 435

يُفتَى به في زمنِ النُّبُوَّةِ كلِّه، وفي زمنِ أبي بكرٍ كلِّه أيضًا، ويَشْتَهِرَ، ولا يُعلَمُ بالنسخِ. ولا يُمكِنُ أن تُجمِعَ الأمَّةُ في خلافةِ أبي بكرٍ كلِّها على خطإٍ، وليس في الصحابةِ مَن يبيِّنُ الدِّينَ. وقال بعضُ الفقهاءِ قولًا آخَرَ، وهو التفريقُ بين المدخولِ بها وغيرِ المدخولِ بها، وأنَّ المدخولَ بها يقَعُ ثلاثًا، وغيرَ المدخولِ بها يقَعُ واحدةً؛ لظاهرِ روايةِ أبي الصَّهْباءِ؛ قال بِهذا زكريَّا السَّاجِيُّ وغيرُه. وذلك أنَّ غيرَ المدخولِ بها تَبِينُ مِن زوجِها بواحدةٍ، والزيادةُ لَغْوٌ؛ لأنَّ الطَّلْقةَ الثانيةَ والثالثةَ وقعَتْ في البينونَةِ وهي ليست زوجةً له، ولكنَّ هذا يستقيمُ فيما إذا طلَّقَها فقال: "أنتِ طالقٌ طالقٌ طالقٌ"، ولا يستقيمُ فيما إذا قال: "أنتِ طالقٌ ثلاثًا"؛ لأنَّ اللفظَ الأخيرَ جاء جُمْلةً واحدةً، لا متتاليًا. وللطلاقِ البِدْعيِّ صُوَرٌ أُخرى غيرُ الطلاقِ الثلاثِ؛ كالطلاقِ في الحَيْضِ والنِّفاسِ، وطلاقِ المرأةِ في عِدَّةِ طلاقِها قبلَ أن يُراجِعَها، وطلاقِها في طُهْرٍ جامَعَها فيه، وبعضُ مَن يقولُ بعدَمِ وقوعِ الثلاثِ جملةً يَطَّرِدُ، ويقولُ بعدَمِ وقوعِهِ في بقيَّةِ الطلاقِ البِدْعيِّ كلِّه. وقولُهُ تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ هي الطَّلْقةُ الثالثةُ، وقد حكى ابنُ عبدِ البَرِّ الإجماعَ على هذا (١)؛ لأنَّ اللهَ ذكَرَ الطلقتَيْنِ قبلُ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، ثمَّ لا تسريحَ بعدَهما إلَّا الثالثةَ، وهي المذكورةُ في قولِه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فذكَرَها أوَّلًا على سبيلِ الإجمالِ، ثمَّ ذكَرَها بعدُ على سبيلِ التفصيلِ وبيانِ الحُكْمِ اللَّاحقِ بِها.

стр. 436

أخذُ مهرِ المطلَّقةِ: وقولُه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾؛ ذكَرَ اللهُ خوفَ الزوجَيْنِ جميعًا؛ إشارةً إلى أنه ينبغي أن يصدُرَ الطلاقُ بعدَ تشاوُرٍ منهما، وخوفٍ مِن عدمِ صلاحِ الحالِ بالبقاءِ، ثمَّ إنَّه لا يجوزُ أخذُ الزوجِ مِن مَهْرِ زوجتِهِ إلَّا إذا كان الطلاقُ برغبتِها، ولا يجوزُ له أن يطلِّقَها بشرطِ إعادةِ مَهْرِهِ وهي تريدُ البقاءَ، ولا عَيْبَ فيها؛ لأنَّ اللهَ قيَّد أخذَ المهرِ بخوفِهما معًا ورغبَتِهما في المفارَقةِ. ولهذا نقولُ: إنَّ أخذَ الرَّجُلِ مَهْرَ زوجتِهِ عندَ طلاقِها على ثلاثِ أحوالٍ: الأُولَى: إذا كان الطلاقُ برغبَتِه هو، لا برغبتِها، ولا عَيْبَ فيها؛ فلا يَحِلُّ له أن يأخُذَ منها شيئًا. الثانيةُ: إذا كانا جميعًا يُرِيدانِ الطلاقَ، فأخذُهُ مباحٌ، إلَّا أنَّ الأفضلَ عدَمُ أخذِهِ؛ لِمَا استحَلَّ مِن فَرْجِها، وربَّما أنفقَتْهُ على نفسِها وأهلكَتْهُ. الثالثةُ: إذا كان الطلاقُ برغبتِها وحدَها، وليس في الزوجِ عيبٌ شرعيٌّ؛ فله أن يأخُذَ مالَهُ، وإذا كان فيه عيبٌ ألجأَهَا لتركِهِ، فلا يجوزُ له ذلك. فسخُ الحاكمِ للنكاحِ: وقولُه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: في الآيةِ: دليلٌ على فَسْخِ الحاكمِ للطلاقِ، والخوفُ الثاني في الآيةِ هو خوفُ غيرِ الزوجَيْنِ، وللحاكمِ الخُلْعُ عندَ امتناعِ صلاحِ

стр. 437

الزوجَيْنِ، ورفضِ الزوجِ الطلاقَ إضرارًا بزوجتِه، فله الخُلْعُ؛ قال بهذا سعيدُ بنُ جُبيرٍ والحسَنُ وابنُ سِيرِينَ. وقال شُعْبةُ: قلتُ لقتادةَ: عمَّن أخَذَ الحسَنُ الخُلْعَ إلى السُّلْطانِ؟ قال: عن زِيَادٍ، وكان والِيًا لعُمرَ وعليٍّ (١). وقولُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ استدَلَّ به الجمهورُ على جوازِ أخذِ الزوجِ للخُلْعِ مِن زوجتِهِ أكثَرَ ممَّا أعطاها مَهْرًا؛ وهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ والشافعيِّ. وأجازه مالكٌ، ولم يجعَلْهُ مِن مكارمِ الأخلاقِ. ومنَعَ أحمدُ وإسحاقُ الزِّيادةَ على ما أعطاها. * * * قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. بعدَ أنْ ذكَرَ اللهُ الطلقةَ الثالثةَ إجمالًا في الآيةِ السابقةِ: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ذكَرَ في هذه الآيةِ لوازِمَ الطلقةِ الثالثةِ، وما يَتْبَعُها مِن أحكامٍ، ولا يختلِفُ العلماءُ مِنَ السلفِ والخلَفِ: أنَّ الزوجَ إذا طلَّقَ زوجتَهُ ثلاثًا، بانَتْ منه، ولا يَحِلُّ رجوعُها إليه إلَّا بعدَ زواجِها زواجًا صحيحًا بآخَرَ؛ حكى الإجماعَ جماعةٌ؛ كابنِ المُنذِرِ وغيرِه. نكاحُ التحليلِ: ونِكاحُ التحليلِ كبيرةٌ مِن الكبائرِ؛ فقد روى التِّرْمِذيُّ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ؛ قال: "لعَنَ رسولُ اللهِ ﷺ المُحِلَّ وَالمُحَلَّلَ لَهُ" (٢).

стр. 438

وأبطَلَ عقدَ نِكاحِ المحلِّلِ، وأوجَبَ إعادتَهُ بشروطِهِ لفسادِهِ: مالكٌ والثَّوْريُّ، وأجاز العَقْدَ أبو حنيفةَ وصاحِبَاهُ ولهم قَوْلانِ في مَنْعِ رجوعِها للأوَّلِ به. والشافعيُّ يَقولُ: إنْ تشارَطَا على التحليلِ، فهو نكاحُ مُتْعةٍ باطلٌ مفسوخٌ، وإن لم يتشارَطَا وبيَّتَها الزوجُ في النفسِ، فللشافعيِّ قَولانِ؛ قولُهُ القديمُ يُوافِقُ قولَ مالكٍ، والجديدُ يُوافقُ قولَ أبي حنيفةَ والنكاحُ صحيحٌ. وبعضُ السلفِ يشدِّدُ في ذلك؛ قال الحسنُ وإبراهيمُ: "إذا هَمَّ أحدُ الثلاثةِ بالتحليلِ، فسَدَ النكاحُ". وقال سالمٌ والقاسمُ: "لا بأسَ أنْ يتزوَّجَها لِيُحِلَّها، إذا لم يَعْلَمِ الزوجانِ، وهو مأجورٌ"؛ وبه قال ربيعةُ ويحيى بنُ سعيدٍ (١). وهذا قولٌ ضعيفٌ يُجسِّرُ على التحليلِ، وربَّما يُواطِئُ عليه ولو بالتلميحِ، فالسُّنَّةُ اشترَطَتِ الوطءَ؛ تضييقًا لبابِ الرجوعِ؛ لأنَّ مِثلَهما غالبًا لا تصلُحُ أحوالُهما يعدَ طلاقِ الثلاثِ، وقد جعَلَ اللهُ لهما هذا العَدَدَ، وما بعدَهُ لا تكادُ تَطِيبُ النفوسُ به، وحتَّى لا تتعلَّقَ نفوسُ الزوجَيْنِ بالرَّجْعةِ، فتتعطَّلَ حياتُهما عنِ استقبالِ زواجٍ آخرَ، والتشوُّفُ لمخرجٍ ضعيفٍ قد يَحمِلُهما على التعريضِ في المجالسِ لِمَن يُحسِنُ إليهما - بلا تصريحٍ - بزواجٍ تَرجِعُ به لزوجِها الأوَّلِ. حدُّ النكاحِ الذي ترجِعُ به المبتوتةُ لزوجها: وقد وقَع الخلافُ عندَهم في القدرِ الكافي مِن النكاحِ الذي تَرجِعُ به الزوجةُ مِن نِكاحِها الثاني إلى زوجِها الأوَّلِ؛ وفي المسألةِ أقوالٌ:

стр. 439

أوَّلُها: أنَّ العَقْدَ كافٍ، ولو لم يدخُلِ الزوجُ بها؛ وهذا قولُ ابنِ المسيَّبِ. ومَن أخَذَ يهذا القولِ، أخَذَ بأقلِّ ما يَدُلُّ عليه اسمُ النكاحِ، وهو العقدُ، وأنَّ النكاحَ إذا أُطلِقَ في القرآنِ، فيُرادُ به العقدُ. ولم يُوافِقِ ابنَ المسيَّبِ علي قولِهِ هذا مِن السلفِ أحدٌ فيما أعلمُ. ثانيها: أنَّ النكاحَ لا يُعتبَرُ حتَّى يلتقِيَ الختانانِ، وهو الوطءُ الذي يُوجِبُ الغُسْلَ ولو لم يُنْزِلْ؛ وهو قولُ جمهورِ السلفِ والفقهاءِ. وذلك لأنَّ النكاحَ إذا أُطلِقَ في القرآنِ، فيُرادُ به العقدُ، إلَّا هذه الآيةَ فيُرادُ له الجماعُ؛ علي قولِ عامَّةِ المفسِّرينَ، ولقولِهِ ﷺ : (إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، لم تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَيَذُوقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُسَيْلَةَ صَاحِبِهِ) (١). وظاهرُ الحديثِ: عدَمُ اعتبارِ وطءِ المكرَهَةِ والنائمةِ والمُغمَى عيها؛ لأنَّه اشترَطَ ذَوْقَهما جميعًا؛ وهذا فيه بيانٌ لقوَّةِ قصدِ النكاحِ، وليس التحليلَ. وذلك أنَّ الزوجَ الذي يطلِّقُ زوجتَهُ ويُريدُ إعادتَها بزوجٍ آخَرَ، فلا يُريدُ أن يطأَها الآخَرُ، وإلَّا زَهِدَتْ نفسُهُ فيها غالبًا، وهدا قطعٌ للنفوسِ أن تتلاعبَ بالشريعةِ وتتحايَلَ عليها. قال ابنُ المنذِرِ: "ومعنى ذوقِ العُسَيْلةِ هو الوَطْءُ! وعلى هذا جماعةُ العلماءِ، إلَّا سعيدَ بنَ المسيَّبِ" (٢). ثالثُها: أنَّ النكاحَ لا يَصِحُّ بوطءٍ إلَّا بوطءٍ معه إنزالٌ؛ قال به الحسَنُ.

стр. 440

واستدَلَّ بعضُ أهلِ الرَّأيِ بالآيةِ على أنَّ الخُلْغَ يَلحفُهُ طلاقٌ، ولا يُعتبَرُ طَلْقةً؛ فقد ذكَرَ الله في الآيةِ السابقةِ طَلقتَيْنِ، ثم ذكَرَ الفداءَ، وهو الخُلْعُ، ثمَّ قالَ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾، ولو كان الخُلْعُ طلاقًا، لَبَانَتْ منه بالخُلْعِ بعدَ طلقتَيْنِ، لا بالطَّلْقةِ الثالثةِ بعدَ طلقتَيْنِ وخُلْعٍ؛ وذلك أنَّ اللهَ ذكَرَ الطلقةَ الثالثةَ تعقيبًا في قولِه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾، والفاءُ في الآيةِ لتعقيبِ الطلقةِ الثالثةِ بعدَ خُلْعٍ. وفي هذا الاستدلالِ نظَرٌ؛ وذلك أنَّ اللهَ ذكَرَ في الآيةِ السابقةِ الطلاقَ الثلاثَ مُجْمَلًا كما تقدَّمَ، ثمَّ فصَّلَ الأمرَ في الثالثةِ بعدَما ذكَرَ الطلاقَ والخُلْعَ؛ لأنَّ ذِكْرَ الخُلعِ بعدَ الطلقةِ الثالثةِ في غيرِ محلِّه، فهي تَبِينُ منه في الثالثةِ ولا حاجةَ للخُلْعِ بعدَه، ولكنَّ اللهَ ذكَرَ الطلاقَ الثلاثَ مُجْمَلًا، ثمَّ ذكَرَ الخُلْعَ، ثمَّ ذكَرَ أحكامَ الطلقةِ الثالثةِ. وهذا غايةُ الإحكامِ؛ لِيُعلَمَ أنَّ الخُلْعَ لا يَنزِلُ إلَّا قبلَ الطلقةِ الثالثةِ؛ ولذا ذكَرَ اللهُ الطلقةَ الثالثةَ مرَّتَيْنِ؛ مَرَّةً مُجمَلةً؛ لبيانِ عددِ الطَّلَقاتِ، ومرَّةً مفصَّلةً بعدَ ذِكْرِ الخُلْعِ. طلاقُ المختلِعةِ في عدَّتِها: وعَكْسُ هذه المسألةِ: وقوعُ الطلاقِ بعدَ خُلْعٍ، وقد اختلَفَ العلماءُ في وقوعِ الطلاقِ علي المختَلِعةِ في عِدَّتِها؛ على قولَيْنِ: الأَوَّلُ: الجوازُ؛ وقال به ابنُ المسيَّبِ وشُرَيْحٌ وطاوُسٌ والنَّخَعيُّ والثَّوريُّ وأبو حنيفةَ. الثاني: عدمُ جوازهِ ووقوعِهِ؛ وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ الزُّبَيْرِ، والحسَنِ، وقال به الشافعيُّ وأحمدُ. وقال مالكٌ: إنِ افتدَتْ منه على أن يطلِّقَها ثلاثًا متتابِعًا نَسَقًا حِينَ طلَّقَها، فذلك تابتٌ عليه، وإن كان بين ذلك صُمَاتٌ، فما أَتْبَعَهُ بعدَ الصُّمَاتِ فلَيس بشيءٍ.

стр. 441

وإذا طلَّق الرجلُ مملوكةً تَزوَّجَها، ثمَّ طلَّقها البتَّةَ، ثمَّ اشتراها، فلا تَحِلُّ له بمِلْكِ اليمينِ باتفاقِ الأئمَّةِ الأربعةِ. ورُوِيَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وعطاءٍ وطاوُسٍ: جوازُ وَطْئِهِ لها؛ لعمومِ قولِه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]. والاستدلالُ لهذا العمومِ مستدرَكٌ؛ فالعمومُ في الآيةِ لا يَشمَلُ المَحارِمَ مِن النسبِ أو الرضاعِ. ونكاحُ الكتابيِّ يحلِّلُ الكتابيَّةَ لزَوْجِها المسلمِ الأوَّلِ؛ لأنَّ نِكَاحَهُمْ فيما بينَهم صحيحٌ. رجوعُ المطلَّقةِ لزوجِها الأوَّل بطلاق جديدٍ: ولا خلافَ عند العلماءِ: أنَّ الزوْجةَ إذا صحَّ رجوعُها لِزَوْجِها الأوَّلِ: أنَّها تَرجِعُ إليه بنكاحٍ جديدٍ، وطلقاتٍ جديدةٍ ثلاثٍ كاملةٍ؛ حكى الاتِّفاقَ ابنُ المنذِرِ (١)؛ لظاهرِ الآيةِ، فاللهُ أرجَعَها، ورجوعُها يُحمَلُ على كَمالِه. وإذا كان قد طلَّقها طلقةً أو طلقتَيْنِ، ثمَّ بانَتْ منه، ثم تزوَّجت غيرَهُ فطلَّقها، فهَل تَرجِعُ إلي زوجِها الأوَّلِ بطَلَقاتِها الماضيةِ، أو بطلاقٍ جديدٍ؟ على قولَيْنِ للفقهاءِ: الأوَّلُ: أنَّها تَرجِعُ بما بَقِيَ مِن طلاقِها؛ وهو قولُ الجمهورِ مِن الصحابةِ؛ كعُمَرَ وعليِّ وأُبَيٍّ وعِمْرانَ وزَيْدٍ. وقال به مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ. القولُ الثاني: أنَّها تَرجِعُ بطلاقٍ جديدٍ؛ كما أنَّها رجعَتْ إليه بنكاحٍ جديدٍ؛ وهذا قولٌ مرويٌّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عُمَرَ.

стр. 442

وهو قولُ أصحابِ ابنِ مسعودٍ؛ كما روي ابنُ أبي شَيْبةَ عنِ الأعمشِ عن إبرهيمَ، قال: "كان أصحابُ عبدِ اللهِ يقولونَ: أيَهْدِمُ الزوْجُ الثَّلَاثَ، ولا يَهدِمُ الواحدةَ والاثنَتَيْنِ؟ ! " (١). وخالَفَهم عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ (٢). وللنَّخَعيِّ قولٌ غيرُ هذَيْنِ، فيفرِّقُ بين المدخولِ بها وبين غيرِ المدخولِ بها؛ فالمدخولُ بها تَرجِعُ بطلاقٍ جديدٍ، وغيرُ المدخولِ بها ترجِعُ بما بَقِي مِن طلاقِها (٣). قولُه تعالى: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ تشديدٌ في أمرِ الرجعةِ بعد الزوجِ الثاني؛ فقد قيَّدها بالظنِّ بالإصلاحِ، وإقامةِ أمرِ اللهِ؛ وفي ذلك إشارةٌ إلى ضعفِ احتمالِ صلاحِ بقاءِ الزوجَيْنِ بعدَ الثلاثِ. وهذا تشديدٌ مِن اللهِ؛ حتَّى لا يتكرَّرَ العدوانُ والظلمُ، وبيانٌ منه أنَّ مثلَ هذه الحدودِ والأحكامِ لا يُدرِكُها إلَّا عالمٌ بصيرٌ، وربَّما استَثْقَلَها جاهلٌ، وتعدَّاها فاسقٌ. * * * قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣١]. كان بعضُ الرجالِ في الجاهليَّةِ يطلِّقونَ النساءَ، حتَّى إذا قارَبَتِ

стр. 443

الخروجَ مِن عِدَّتِها أرجَعَها؛ لتستأنِفَ عِدَّةً جديدةً بطلاقٍ جديدِ؛ لتطُولَ عِدَّتُها وتكونَ بلا زوجٍ، فمنَعَ اللهُ مِن ذلك، وأنَّه لا يجوزُ إرجاعُها إلَّا لِمَن أرادَ المعروفَ، وإلَّا فيجبُ تسريحُها حتَّى تخرُجَ مِن عِدَّتِها فتَبِينَ منه. وهذا المرادُ بإجماعِ المفسِّرينَ؛ نصَّ عليه ابنُ عبَّاسٍ ومسروقٌ والحسَنُ ومجاهِدٌ والزُّهْريُّ وقتادةُ (١). وقيل: إنَّ سببَ النزولِ أنَّ رجلًا أرجَعَ زوجتَهُ بعدَ طلاقِها وقبلَ أجلِها؛ ليطلِّقَها ولا حاجةَ له بها؛ كما يطوِّلَ عليها العِدَّةَ بذلك؛ فأنزَلَ اللهُ الآيةَ. رواهُ مالكُ بنُ أنسٍ عن ثورِ بنِ زيدٍ الدِّيليِّ مرسَلًا؛ أخرَجَه ابنُ جريرٍ (٢). والمرادُ مِن قولِه تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾؛ أيْ: قارَبْنَ انقضاءَ العِدَّةِ، وليس الخلاصَ منها باتِّفاقِ المفسِّرينَ؛ لأنَّ المرأةَ إذا خرجَتْ مِن عِدَّتِها، فليس لزوجِها عليها سبيلٌ. وأمَّا قولُه في الآيةِ التَّاليةِ: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣١]، فالمرادُ هو الخروجُ مِن العِدَّةِ باتِّفاقِهم، على خلافِ هذا الموضعِ؛ لأنَّ السياقَ يبيِّنُه. ويُروى عن شَريكٍ: أنَّ الزوجَ أحَقُّ بزوجتِه ما لم تغتسِلْ، ولو فَرَّطَتْ في الغُسْلِ عِشرينَ سَنةً (٣)؛ وهذا على قولِ مَن فسَّر القرءَ بالحيضِ. تطليقُ المرأةِ في عدَّةِ الطلاق: وليس المرادُ مِن قولِه: ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ إنزالَ طلاقٍ جديدٍ؛

стр. 444

فهذا منهيٌّ عنه، بل تَرْكُها على سراحِها الأوَّلِ لتخرُجَ مِن عِدَّتِها؛ ومِن هذا يُؤخَذُ أنَّ إنزالَ الطلاقِ زمَنَ العِدَّةِ منهيٌّ عنه, والمباحُ هو إرجاعُها بقصدِ المعروفِ، ولو طلَّقَها بعد ذلك بغيرِ قصدِ الإضرارِ، جاز. وفي الآيةِ دليلٌ لِمَنْ قال: إنَّ الطلاقَ في عِدَّةِ الطلاقِ لا يقَعُ؛ لأنَّه لو كان واقِعًا، ما احتاجَ إلى رجعةٍ، ثمَّ طَلْقةٍ، وإنَّما طلَّقَها طلقةً أُخرى على طَلْقَتِها التي تعتَدُّ بها. وقال المالكيَّةُ والشافعيَّةُ والحنابلةُ: إنَّ الطلاقَ يقَعُ, ولكنَّها لا تستأنِفُ العدَّةَ، بل تبني علي عِدَّتِها الأُولى؛ لأنَّ اللهَ قال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾؛ فيَظهَرُ مِن ذلك أنَّ الإضرارَ لا يقَعُ مِن غيرِ إمساكٍ. وفي الآيةِ كذلك: أنَّ الزوجةَ المطلَّقةَ طلاقًا بعدَ رجعةٍ مِن طلاقٍ: تستأنِفُ العِدَّةَ مِن طلاقِها الثاني لا تُكمِلُ الأَوَّلَ، ولو لم يُجامِعْها في رجعتِها، فلا أثَرَ لعدمِ الجماعِ في الاستئنافِ الجديدِ؛ وذلك أنَّ اللهَ قال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾، والإضرارُ يكونُ بطولِ مُدَّةٍ بلا جماعٍ بطلاقٍ، ثم رجعةٍ بلا جماعٍ، ثمَّ طلاقٍ جديدٍ، فإذا جامَعَها، فلم يُرِدْ برجعتِهِ إضرارًا؛ وهذا هو الأرجحُ، وهو قولُ أبي حنيفةَ والشافعيِّ في الجديدِ والمالكيَّةِ، وهو قولٌ لبعضِ فقهاءِ الحنابلةِ. القولُ الثَّاني: أنَّ الزوجةَ تَبْنِي على ما مَضَى مِن عِدَّتِها الأُولى. وهو قولُ الشافعيِّ القديمِ وداودَ الظَّاهِريِّ، وقولٌ لبعضِ الفقهاءِ مِنَ الشافعيَّةِ والحنابلةِ، وحمَلُوا ذلك على قولِهِ تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. ولو كانتِ المرأةُ لا تعتدُّ عِدَّةً جديدةً، لبَيَّنَهُ اللهُ كما بَيَّنهُ في غيرِ المدخولِ بها في سورةِ الأحزابِ، ولكان ذلك مُسقِطًا للعِدَّةِ الجديدةِ

стр. 445

وتَبِعَاتِها مِن الإضرارِ بالزوجةِ وأهلِها، ولا معنى للنهيِ لقصدِ الإضرارِ إذا كان الضررُ لا يُمكنُ إيقاعُهُ. تطليقُ الزَّوْجة قبلَ الدخول بها: وأمَّا المطلَّقةُ قبلَ الدخولِ بها، فلا رجعةَ عليها؛ لأنَّه لا عِدَّةَ لها ولا أجَلَ تبلُغُهُ، فليس للزوجِ سبيلٌ في إيقاعِ الإضرارِ عليها؛ وهذا باتفاقِ الأئمَّةِ الأربعةِ، وحكى الإجماعَ غيرُ واحدٍ؛ كابنِ قُدَامةَ وغيرِه. وقولُه تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ لا يجوز إبقاءُ الزوجةِ بغيرِ ذلك، والمعروفُ المقصودُ: هو الإشهادُ على الرجعةِ، ثمَّ حُسْنُ المَعشَرِ بالجماعِ والمُعامَلةِ وكفايةِ نفقةٍ وكِسْوةٍ، فمَن لم يستطِعْ طعامَ زوجتِهِ وشرابَها ولا سِتْرَها، وجبَ عليه طلاقُها، وإنِ امتَنَعَ، طلَّق الحاكمُ عليه زوجتَهُ؛ وبهذا يَقضِي الصحابةُ؛ كعُمَرَ وعليٍّ، وهو قولُ الجمهورِ كمالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ. وإنْ صَبَرَتْ ورَضِيَتْ على فَقْرِهِ ولم تُرِدِ الطلاقَ، فلها ذلك. ويذهبُ بعضُ الفقهاءِ مِن أهلِ الكوفةِ إلى وجوبِ صبرِها عليه، وإنظارِ الحاكمِ له؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]؛ وهذا قولُ عطاءٍ والزُّهْريِّ. حالُ المرأةِ مع فقرِ زَوْجِها: والمرأةُ في حالِ فقرِ زوجِها لا تخلُو مِن أحوالٍ: الأُولى: أنْ يكونَ فقرُه مُدقِعًا؛ لا تجدُ أكلًا يَسُدُّ جُوعَها، ولا كِسْوةً تستُرُ عَوْرَتَها؛ فهذا يجبُ عليه طلاقُها، ولا يجوزُ لها البقاءُ معه؛ للضَّرَرِ، فالجوعُ لا يُصبَرُ عليه وهو هَلَكةٌ، والعورةُ يجبُ سَتْرُها، وللمرأةِ أنْ تطلُبَ الطلاقَ بسبِ الجوعِ؛ لما جاء في "الصحيحِ"، عن أبي هريرةَ:

стр. 446

(تَقُولُ المَرْأَةُ: إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي، وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي) (١)، إلَّا إذا كان عامَ فقرٍ ومجاعةٍ بالبلدِ كلِّه، فعليها الصَّبْرُ، ولا يجبُ عليه الطلاقُ. الثانيةُ: أنْ يكونَ فقرُهُ يسيرًا؛ يجدُ ما يَسُدُّ جُوعَها، ويكسُو عَوْرَتَها، ولكنَّه دونَ الكفايةِ، فيُستحَبُّ لها الصَّبْرُ، ولا يجبُ؛ فاللهُ حثَّ على التزويجِ ولو كانوا فُقَراءَ: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢]. الثالثةُ: أنْ يكونَ فقيرًا، لكنَّه يجدُ طعامَها وكِسْوتَها وكفايتَها مِن ذلك، كفافًا بلا زيادةٍ يسمَّى معها غنيًّا، فهذا يجبُ عليها الصبرُ عليه، ولا يجبُ عليه الطلاقُ، إلَّا إذا كانت مِن أهلِ بيتٍ أغنياءَ، وقَصَّرَ بها عن مثيلاتِها، فيُستَحَبُّ لها الصبرُ، ويجوزُ لها طَلَبُ الطلاقِ؛ خاصَّةً إذا خافتِ الفتنةَ علي نفسِها. ولو طلَّق الرجلُ زوجتَهُ بسببِ إعسارِه، أو طلَّقَها عليه الحاكمُ، فهي طلقةٌ رجعيَّةٌ كسائرِ الطلاقِ؛ لأنَّها طَلْقةٌ بلا عِوَضٍ ولا لِعَانٍ، ولا لعيبٍ لازمٍ بالزوجِ، وذهَبَ الشافعيُّ إلى أنَّها طلقةٌ بائنةٌ. وقولُهُ تعالى: ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ التسريحُ في لغةِ العربِ الإرسالُ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]؛ أيْ: حِينَ تُرسِلُونَها مع راعيها للمَرْعَى، فالتسريحُ الطلاقُ، ويَنبغِي أنْ يكونَ بمعروفٍ وحُسْنَى؛ فلا يُتْبِعُهُ أذيَّةً بذِكْرِ سيِّئاتِها وعَوْرَتِها، ولا يُفشِي سِرَّها، فيؤذيها ويؤذي أهْلَها، وربَّما آذاها فلا يتزوَّجُها الرجالُ مِن بعدِه؛ لنُفْرَتِهم منها. وهذا مِن عظيمِ شِرْعةِ الإسلامِ؛ الوصيَّةُ بحقِّ الزوجةِ باقيةً أو طالقةً؛ أنْ يكونَ ذلك بالإحسانِ.

стр. 447

ظلمُ الزوجِ لزوجتِهِ: وقولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾: ذكَرَ العُدْوانَ علي الزوجةِ، ثمَّ ذكَرَ الظُّلْمَ أنَّه ظُلْمُ النفسِ، مع أنَّ النهيَ دفعًا لظلمِ الزوجةِ؛ وذلك أنَّ كلَّ ظلمٍ يظلِمُ الإنسانُ به غيرَهُ، فهو ظلمٌ لنفسِهِ وغيرِه، وليس كلُّ ظُلْمِ الإنسانِ لنفسِهِ يكونُ ظلمًا لغيرِه. ولأنَّ الضَّرَرَ اللاحقَ للزوجةِ مِن زَوْجِها ينزِلُ أثَرُه على الزوجِ أعظمَ مِن أثرِهِ علي الزوجةِ؛ لشِدَّةِ عاقبةِ الظالمِ عاجلةً وآجِلةً، فعُدَّ ظالِمًا لنفسِهِ. وفي هذه الآيةِ: تنبيهٌ للظالمِ أنْ يستحضِرَ عَظَمةَ عاقبةِ ظُلْمِهِ عليه، قبلَ عاقبةِ ظُلْمِهِ على غيرِه؛ لأنَّ انتقامَ اللهِ أسرَعُ وأشدُّ. طلاقُ الهازِلِ: قولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾: والمُرادُ بآياتِ اللهِ: حدودُهُ وتفصيلُهُ للحلالِ والحرامِ، ومِن الاستهزاءِ بآياتِ اللهِ: معرفتُها وتَرْكُها بلا مبالاةٍ بها، ولو لم ينطِقْ بها سوءًا؛ فهذا مِن الاستهزاءِ عملًا. فالطلاقُ حَدٌّ مِن حدودِ اللهِ، أَحْكَمَهُ اللهُ وأتَمَّهُ في كتابِه، فلا يجوزُ فيه الهَزْلُ واللَّعِبُ، وقد كان أهلُ الجاهليَّةِ يطلِّقُونَ ويُعتِقونَ، ثم يَرجِعونَ ويقولُونَ: كنَّا نَلْعَبُ ونَهْزَأُ، فنهاهُم اللهُ عن ذلك. روى الحسَنُ، عن أبي الدرداءِ: كان الرجلُ يطَلِّقُ في الجاهليَّةِ، ويقولُ: إنَّما طَلَّقْتُ وأنا لاعبٌ، وكان يُعتِقُ ويَنكِحُ ويقولُ: كنتُ لاعِبًا، فقال ﵇: (مَنْ طَلَّقَ أَوْ حَرَّرَ أَوْ نَكَحَ أو أَنْكَحَ، فَزَعَمَ أَنَّهُ لَاعِبٌ، فَهُوَ جِدٌّ) (١).

стр. 448

وقد حكى غيرُ واحدٍ مِن الأئمَّةِ الإجماعَ على وقوعِ طلاقِ الهازلِ؛ لأجْلِ ذلك؛ فإنَّ الهزلَ لا يزيدُ الإنسانَ إلَّا إثمًا مع عدمِ جَدْواهُ وأثَرِهِ في طلاقِهِ، ولِمَا جاءَ عندَ أبي داودَ والتِّرْمِذيِّ وغيرِهِما، عن عطاءٍ، عن يوسفَ بنِ ماهَكَ، عن أبي هريرَةَ ﵁؛ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : (ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ) (١). ورواهُ عبدُ الرَّزَّاقِ، عنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ؛ قالَ: "يُقالُ: مَنْ نَكَحَ لاعِبًا، أو طلَّقَ لاعبًا، فقد جازَ" (٢). وهو أَشْبَهُ. ورُوِيَ هذا الحديثُ مِن طرقٍ لا تخلُو مِن عِلَّةٍ. وذكرَ ابنُ عبدِ البرِّ وغيرُهُ أنَّ العلماءَ لا يَختلِفونَ في أنَّ طلاقَ الرجلِ ونِكاحَهُ هازلًا يَقَعُ (٣). وقولُه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: لا يسخَرُ مِن آياتِ اللهِ وأحكامِه إلَّا مَن نَسِيَ نعمةَ اللهِ عليه؛ فذِكْرُ النِّعَمِ يُوجِبُ تعظيمَ المُنعِمِ، فذَكَّرَ اللهُ الإنسانَ بنِعمتِه، وأمَرَهُ باستحضارِها في قلبِه؛ ليستحضِرَ هَيْبةَ المُنعِمِ وعظمتَهُ ومِنَّتَهُ على عبدِه. وأعظَمُ النِّعَمِ نعمةُ الأسلامِ والوَحْيِ كتابًا وسُنَّةً، والكتابُ إذا ذُكِرَ فيدخُلُ فيه السُّنَّةُ مع القرآنِ، وإذا ذُكِرَ الَكتابُ ومعه الحِكْمةُ، فالكتابُ القرآنُ، والحِكْمةُ السُّنَّةُ.

стр. 449

ثمَّ أمَرَ اللهُ بتَقْوَاهُ، وخَوَّفَ عبادَهُ نفسَهُ، ولمَّا كان الأمرُ يتعلَّقُ بالقلوبِ، وذلك عندَ قصدِ الزوجِ الإضرارَ بالزوجةِ, أو الاستهزاءَ بآياتِ اللهِ، وعدمَ الجِدِّ، ذكَّرَهُمْ بسَعَةِ علمِهِ واطِّلاعِهِ على كلِّ شيءٍ ممَّا يُخْفُونَ وممَّا يُعلِنونَ. وكذلك: فاللهُ يَقضِي بينَكُمْ ويفصِّلُ لكَم الحدودَ، عن علمٍ تامٍّ، وحكمةٍ بالغةٍ، فيجب التسليمُ له والانقيادُ لأمرِه. * * * قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. نهى اللهُ عنِ الإضرارِ بالمرأةِ حالَ عِصْمَتِها في زوجِها، فيُمسِكُها ضرارًا بِها، ثُمَّ نهى عنِ الإضرارِ بها بعد أَجَلِها، فتُعضَلُ عنِ الزواجِ؛ سواءٌ بالرجوعِ إلى زَوْجِها الأوَّلِ رجوعًا مشروعًا، أو إلى زوجٍ آخرَ. والخطابُ في الآيةِ السابقةِ للأزواجِ، وفي هذه الآيةِ للأولياءِ بالاتفاقِ، وبلوغُ الأجلِ في الآيةِ السابقةِ قربُ انقضائِهِ وفي هذه الآيةِ انقضاؤُه بالاتفاقِ. والآيةُ نزَلَتْ في مَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ؛ إذْ هو وليُّ أُختِهِ، فعَضَلها عن زوجِها، وهي في كلِّ ولِيٍّ مِن بعدِه، لقد روي البخاريُّ في "صحيحِه"؛ مِن حديثِ الحَسَنِ في قولِهِ تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾، قال: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ أَنَّهَا نَزَلَت فِيهِ؛ قَالَ: زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ، فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، جَاءَ يَخْطُبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ: زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ

стр. 450

وَأَكْرَمْتُكَ، فَطَلَّقْتَهَا، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا؟ ! لَا وَاللهِ، لَا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا، وَكَانَ رَجُلًا لَا بَأْسَ بِهِ، وَكَانَتِ المَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾، فَقُلْتُ: الآنَ أَفعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ (١). النكاحُ بلا وليٍّ: وفي الآيةِ: دليلٌ علي أنْ لا نِكَاحَ إلَّا بوليٍّ؛ وذلك أنَّ اللهَ وَجَّهَ الخطابَ بالنهيِ عنِ الإضرارِ والعضْلِ للأولياءِ، وفي الآيةِ السابقةِ وَجَّهَ الخطابَ للأزوَاجِ، ولا يَنهَى اللهُ عنِ العضلِ والإضرارِ إلَّا ولهم عَلَيْهِنَّ عِصْمةٌ وقِوَامةٌ وأمرٌ، وقد أخرَجَ البخاريُّ حديثَ مَعْقِلٍ هذا في بابِ: (لا نكاحَ إلَّا بوليٍّ). وقد تقدَّم وضوحُ الدليلِ في ذلك عند قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]. وبآيةِ البابِ استدَلَّ الشافعيُّ وغيرُهُ: على أنْ لَا نكاحَ إلَّا بوليٍّ، بل قال الشافعيُّ: "وهذا أَبْيَنُ ما في القرآنِ مِن أنَّ للوَليِّ مع المرأةِ في نفسِها حقًّا" (٢). وبنحوِ هذا قال ابنُ جريرٍ. ولا يُعرَفُ في الصدرِ الأوَّلِ: أنَّ امرأةً زَوَّجَتْ نَفْسَها لرجلٍ غيرِ نبيِّنا ﷺ ؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، روى سعيدٌ، عن قَتَادةَ، قال: "لَيْسَ لِامْرَأَةٍ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِرَجُلٍ بغَيْرِ أَمْرِ وَليٍّ وَلَا مَهْرٍ، إِلَّا لِلنَّبيِّ؛ كانت لَهُ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ" (٣).

стр. 451

وبهذا قال جماعةٌ مِن المُفسِّرينَ؛ كالشَّعْبيِّ وابنِ زيدٍ (١). وهذا الأمرُ مستقرٌّ عندَهم، ولاستفاضتِهِ ولتسليمِهِمْ به عمَلًا، لم تتداعَ هِمَمُ النَّقَلةِ للتدليلِ عليه مِن كلامِ النبيِّ ﷺ ، وإنَّما تُذكَرُ أحكامُ الوليِّ على سبيلِ الاعتراضِ والتَّبَعِ والاستطرادِ، ومِن ذلك قولُهُ ﷺ : (لَا تُنْكَحُ الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلا الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ) (٢)؛ يعني: أنَّ الذي يُنكِحُها: وليُّها، ولكنَّه حَدَّ مِن حقِّه في ذلك باستئمارِ الثَّيِّبِ، واسئِتذانِ البِكْرِ، فأمرُ الوليِّ مستقِرٌّ، ولكنَّه مَنَعَ الاستبدادَ به؛ حتَّى لا يَضِيعَ في ذلك حقُّ المرأةِ. والمستقِرُّ حُكْمًا وعَمَلًا في الصدرِ الأوَّلِ: لا يُطلَبُ له دليلٌ قويٌّ، كما يُطلَبُ لغيرِهِ ممَّا يقَعُ فيه خلافٌ، ولا تَعُمُّ به البَلْوَى، وهذه القاعدةُ هي سبَبُ الاضطرابِ عندَ بعضِ الفقهاءِ والمحدِّثينَ في القرونِ المتأخِّرةِ؛ حيثُ لا يفرِّقونَ بين المسائلِ في طلبِ الدليلِ، وربَّما حمَلَهم ذلك على ردِّ السُّنَّةِ بحُسْنِ قصدٍ، وبحُجَّةِ التمسُّكِ بالسُّنَّةِ وتعظيمِها. وأمَّا استدلالُ مَن يقولُ بصِحَّةِ نِكاحِ الثيِّبِ بلا ولِيِّها، بما ثبَتَ في "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإذْنُهَا صُمَاتُهَا) (٣). فهذا هو دليلٌ على الوليِّ، لا دليلٌ علي نْفيِه؛ ففي الحديثِ: (أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا)، فأثبَتَ الولِيَّ لها ولم يَنْفِهِ، ثمَّ بَيَّنَ بعدُ المرادَ مِن أحقِّيَّتِها بنفسِها؛ في حُكْمِ البِكْرِ، قال: (تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا)؛ فثَمَّةَ وليٌّ لهما، ولكنَّ البِكْرَ تزوَّجُ بصُمَاتِها، والثَّيِّبَ لا بُدَّ مِن تصريحِها بقَبُولٍ أو عدمِه.

стр. 452

والوليُّ معها إنَّما هو عاقدٌ، ورفضُها لرأيِ وليِّها ماضٍ عليه، ورفضُ الوليِّ لرَغْبَتِها عَضْلٌ؛ ولذا هي أحقُّ بنفسِها مِن وليِّها، ولكنْ ليس لها أنْ تتزوَّجَ بمَن تُرِيدُ إلَّا بعقدِ وليِّها لها، وليس لوليِّها مَنْعُها ممَّن تريدُ؛ لعمومِ الأدَّلةِ المستفيضةِ في ذلك، ومنها قولُهُ ﷺ : (لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ) (١)، وقولُهُ: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ) (٢)، وهي وغيرُها نصوصٌ عامَّةٌ، لا تفرِّقُ بين ثيِّبٍ وبِكْرٍ. ويؤيِّدُ ذلك: أنَّ البِكْرَ قد تزوَّجُ بلا إذنِها كالصغيرةِ، ولمَّا ذكَرَ الثيِّبَ قال ﷺ : (الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَليِّهَا)؛ ففرَّقَ بين البِكْرِ واالثيِّبِ في الإذنِ، لا في أصلِ حقِّ الوليِّ والعقدِ. ولو كانتِ البِكْرُ تتشابَهُ معَ الثَّيِّبِ في أصلِ الولِيِّ فقطْ، لَحُمِلَ حديثُ ابنِ عبَّاسٍ على حقِّها بتزويجِ نفسِها دون وليِّها، ولكنَّ الثيِّبَ والبِكْرَ تختلفانِ في الإذنِ، وحَمْلُ الاختلافِ على أصلِ الوِلَايةِ إلغاءٌ لأحاديثَ كثيرةٍ وعَمَلٍ مستفيضٍ، وحَمْلُهُ علي اختلافِ الإذنِ أَوْلَى وأحَقُّ وأجمَعُ للأدلَّةِ، وأبرَأُ للدِّينِ والذِّمَّةِ. وفي حديثِ ابنِ عبَّاسٍ قال: (الأَيِّمُ أحَقُّ بنَفْسِهَا)، وهو دليلٌ على اشتراكِ حقٍّ للوليِّ مع الثيِّبِ في نفسِها، ولكنَّها أَحَقُّ منه. ومِثلُهُ لفظُ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ الآخَرِ؛ كما في "المسندِ" والنسائيِّ: "الْأَيِّمُ أَوْلَى بِأَمْرِهَا" (٣)؛ أيْ: للولِيِّ وِلَايةٌ، وهي أَوْلى منه؛ فلا يُمضِيها إلَّا بأمرِها.

стр. 453

التشديدُ في تزويج اليتيمة: ويشدَّدُ في اليتيمةِ كنَحوِ البِكْرِ؛ لِمَا روى الترمذيُّ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: (اليَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا، فَإِنْ صَمَتَتْ، فَهُوَ إِذْنُهَا، وَإِنْ أَبَتْ، فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا) (١). وفي حديثِ بنتِ عُثْمانَ بنِ مَظْعونٍ لمَّا ماتَ عنها، قال ﷺ : (هِيَ يَتِيمَةٌ، وَلَا تُنْكَحُ إِلَّا بإذْنِهَا) (٢). وتختلِفُ البِكْرُ اليتيمةُ عن البِكرِ مِن غيرِها في هذا؛ لأنَّ اليتيمةَ يُخشى مِن رَغْبةِ وليِّها الخلاصَ منها ومِن مُؤْنَتِها، بخلافِ البنتِ مِن صُلْبِه، فيَرِقُّ قلبُهُ ويَعطِفُ عليها ويخافُ، ولأنَّ ذَهابَها مِن ولايتِهِ بعدَما استقَرَّتْ ذَهَاب يعقُبُهُ انفصالُ ولايةِ الوليِّ عنها، فإذا أرادَتْ أن تَرجِعَ بعدَ طلاقٍ، فاستقرارُ ولايةِ وليِّها السابقِ يختلِفُ عن استقرارِ ولايةِ الوليِّ لابنتِهِ؛ فهي تَرجِعُ إلى حَجْرِ أبيها بلا شرطٍ أو قيدٍ أو تجديدِ ولايةٍ، وليس له الحقُّ أن تختارَ إلَّا إيَّاه، وأمَّا اليتيمةُ، فربَّما تَرجعُ إليه أو إلى وليٍّ آخَرَ، فيَحمِلُها ذلك على الصبرِ على الأذى والضُّرِّ مِن الزوجِ؛ حتَّى لا تعودَ إلى ولايةٍ غيرِ ثابتةٍ. ثمَّ إنَّ في ذلك تطييبًا لنفسِها، ودفعًا لظنِّ السَّوءِ في وليِّها؛ أن يريدَ تزويجَها خلاصًا منها، أو طمعًا في مَهْرِها. الحكمةُ مِن زواجِ النبي من المرأةِ بلا وليٍّ: وإنَّما أجازَ اللهُ لنبيِّه ﷺ زواجَهُ مِن المرأةِ بغيرِ وليِّها؛ لأنَّ الأصلَ في حقِّ الولِيِّ وحقِّ المرأةِ ثيِّبًا أو بِكْرًا في الزوجِ: دفعُ المفسَدةِ في الأعراضِ والتُّهَمةِ في النكاحِ، وحفظُ حقِّ المرأةِ ألَّا تُظلَمَ بزوجٍ لا تريدُهُ؛ لسوءِ خُلُقٍ أو اختلافِ نَفْسٍ وطبيعةٍ، ولا أكمَلَ في رجالِ الأُممِ

стр. 454

مِن نبيِّنا ﷺ ، وكلُّ علَّةٍ ظاهرةٍ أو خفيَّةٍ في تشريعِ الوِلَايةِ على المرأةِ في زواجِها منتفِيةٌ في حقِّه ﷺ ، فهو أكمَلُ البشَرِ وسَيِّدُهم. وجاء في حديثِ ابنِ عبَّاسٍ في البِكْرِ، قال: "وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا" (١)، فذِكْرُ "أبوها" غيرُ محفوظٍ؛ تَفرَّدَ به ابنُ عُيَيْنةَ، وأنْكَرَهُ مع جلالَتِهِ الحُفَّاظُ، أنكَرَهُ أبو داودَ؛ فقال: "أبُوهَا" ليس بمحفوظٍ" (٢). وقال الدَّارَقُطنِيُّ: "لا نَعلَمُ أحدًا وافقَ ابنَ عُيَيْنَةَ على هذا اللفظِ؛ ولعلَّه ذَكَرَهُ مِنْ حِفْظِه، فسبَقَ إليه لسانُه" (٣). والسلفُ لا يَختلِفونَ أنَّ الثَّيِّبَ والبِكْرَ البالغَتَيْنِ لا يختلِفانِ في أنَّهما لا يزوَّجانِ إلِّا بإذنِهِما؛ قاله الشافعيُّ وغيرُهُ. وإذا اجتمَعَ علي الزوجةِ خاطِبانِ، بعدَ خروجِها مِن عِدَّةِ طلاقِها الرجعيِّ: زوجُها الأوَّلُ، وخاطبٌ جديدٌ، فرجوعُها إلي زوجِها الأوَّلِ أَوْلَى إنْ لم يكُنْ فيه ما يَقدَحُ في دِينِه؛ لأنَّ الأوَّلَ أقرَبُ إلى الأُلْفَةِ وإصلاحِ ما سلَفَ، وأعرَفُ بالحالِ، وأقرَبُ للنَّدَمِ مِنْ طلاقٍ جديدٍ، وأصلَحُ للذُّرِّيَّةِ إنْ وُجِدَتْ بينَهما، وإن اختارَتْ غيرَهُ، فلا تُكْرَهُ عليه. عَضْلُ النساءِ: وقولُه تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾: ذكَرَ الأزواجَ وعودتَهُنَّ إليهم؛ لأنَّ الأولياءَ ربَّما يعضُلُونَ النساءَ لحظِّ أنفُسِهِمْ، وانتصارًا لها مِن تساهُلِ زوجِها بطلاقِها، والرجالُ يَجِدُونَ ما لا تَجِدُهُ النساءُ؛ فنُفُوسُهنَّ أقربُ للرَّجْعةِ والأُلْفةِ والعفوِ مع الأزواجِ، فلا يَحِلُّ للولِيِّ أنْ يَمْنَعَها مِنْ رَجْعةِ زوجها لأجلِ نفسِه.

стр. 455

والعَضْلُ مشتقٌّ مِنْ عَضَلَ؛ أيْ: شَدَّ وضَيَّقَ, ومنه يُقالُ: مَرَضٌ عُضَالٌ؛ أيْ: شديدٌ. وقيَّد اللهُ الرجوعَ بالتراضِي بينَهم بالمعروفِ، أنْ يَرجِعُوا بحُسْنِ قصدٍ، بالقيامِ بالمعروفِ، وإصلاحِ الخَلَلِ السابقِ، وتبييتُ النِّيَّةِ الصالحةِ بابٌ لعملِ الخيرِ وقصدِه. وقولُهُ تعالى: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: رهَّبَ اللهُ بكتابِهِ، ورغَّب وخَصَّ بذلك مَن يُؤمِنُ باللهِ وغَيْبِهِ، وجزائِهِ وثوابِهِ وعِقَابِه؛ لأنَّه لا يخافُ اللهَ إلَّا مَن عرَفَهُ، وفي الآيةِ تنبيهٌ إلى أنَّه مَن لم يَخَفْ مِن مواعظِ اللهِ، فهذا أَمَارةٌ على ضَعفِ إيمانِهِ باللهِ وبلِقَائِه. الزكاءُ والطهارةُ بالتزويجِ: ثُمَّ بيَّنَ أنَّه يأمُرُ عبادَهُ بما فيه زَكَاؤُهُم؛ فقولُه: ﴿أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ شاملٌ للزوجَيْنِ وللأولياءِ وللناسِ عامَّةً، وكلَّما قَرُبَ الإنسانُ مِن الخطابِ واختَصَّ به، شَمِلَهُ المعنى؛ فهو أزكى للزوجَيْنِ مِن أن يُفْتَنا، وأطهَرُ لهما مِنْ أنْ يقَعَا في حرامٍ حالَ خلوِّهِما مِن نكاحٍ حلالٍ، وأطهَرُ لوليِّها أنْ يتسبَّبَ في إثمِهِما، وأطهَرُ لغيرِهِما مِن الناسِ أنْ تُفتَنَ المرأةُ برجلٍ أجنبيٍّ، أو يُفتَنَ الرجلُ بامرأةٍ أجنبيَّةٍ عنه؛ ففي الامتناعِ عنِ النكاحِ المشروعِ ذريعةٌ للممنوعِ، واللهُ لم يفتَحْ بابًا مِن الحلالِ إلَّا ليُغلِقَ أبوابًا مِن الحرامِ، وإذا وقَعَ الناسُ في حرامٍ، فلأنَّ الحلالَ سدَّ أو ضُيِّقَ. وهذا نظيرُ ما يُروى عنه ﷺ : (إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ، فَزَوِّجُوهُ؛ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ) (١)،

стр. 456

فجعَلَ امتناعَ الوليِّ عن إنكاحِ الزوجَيْنِ فتنةً عريضةً لغيرِهِما، فألحقَها بالأرضِ، ووصفَها بالعريضةِ، فلا يقَعُ الزِّنى إلَّا لتعطيلِ حقِّ الزوجةِ بالإنكاحِ أو الإمساكِ بالمعروفِ، وحُسْنِ المَعشَرِ، والعدلِ في القَسْمِ، ولتعطيلِ الرجلِ مِن حقِّ النكاح أو التعدُّدِ، ويأتي بعد ذلك تجاوزُ المحرَّماتِ؛ كإطلاقِ البصَرِ، والخَلْوةِ، وغيرِهما. ولأنَّ هذه المعانِيَ دقيقةٌ، وإدراكَها صعبٌ إلَّا على القِلَّةِ مِن أهلِ العقلِ، أضمَرَها ولم يَذْكُرْها؛ لأنَّ ما لا تعي العقولُ عِلَّتَهُ يُترَكُ للتسليمِ به؛ حتَّى لا يُكفَرَ به. وهناكَ حِكْمةٌ أُخرى أيضًا في عدمِ ذِكْرِ أنواعِ فِتَنِ الفسادِ عندَ عدمِ إنكاحِ الوليِّ لابنتِهِ مِن رجلٍ صالحِ الدِّينِ والخُلُقِ، أو تمكينِ زوجَيْنِ مِن العودةِ بعد انفصالٍ؛ وذلك حتَّى لا يَشُكَّ الوليُّ في مَوْلِيَّتِه، فيَتَّهِمَها لاتهامِ الشارعِ لها، فتفسُدَ البيوتُ بالظُّنُونِ؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]؛ أيْ: ثَمَّةَ ما لا يُدرَكُ مِن حقائقِ التشريِع وعِلَلِهِ، يَعْلمُهُ اللهُ، وتقصُرُ عنه العقولُ مهما بلغَتْ حِدَّةً وذَكَاءً. * * * قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. بعدَما ذكَرَ اللهُ النكاحَ والطلاقَ وتوابعَهما؛ كالعِدَدِ والخُلْعِ

стр. 457

والرَّجْعةِ، ذكَرَ أحكامَ الرَّضَاعِ؛ لأنَّ تلك الأحكامَ أهمُّ وأعسَرُ، وأحكامَ الرضاعِ أيسَرُ، ولأنَّ الرضاعَ لا يقَعُ فيه غالبًا نزاعٌ وخلافٌ؛ لتشوُّفِ الأبوَيْنِ لمصلَحَةِ ولدِهِما؛ بخلافِ ما كان بينَهما؛ فهما نِدَّانِ يتنازَعانِ في حَقِّهِما، ويتوافقانِ في حقِّ الولدِ غالبًا. وقد ذكَرَ اللهُ الرضاعَ هنا، وفي سورةِ الطلاقِ، وما في الطلاقِ خاصٌّ بالمطلَّقاتِ، وهذه الآيةُ أعَمُّ منها. حكمُ الرَّضَاعِ: وفي الآيةِ: أنَّ الرَّضاعَ علي الزوْجةِ؛ بقولِه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾؛ فمَن ولَدَتْ، أرضَعَتْ، وقد اختلَفَ العلماءُ في وجوبِ الرضاعِ عليها على أقوالٍ: الأوَّلُ: الوجوبُ؛ وهو قولٌ لمالكٍ, وقولُ أبي ثَوْرٍ. الثاني: أنَّ الرضاعَ على الاختيارِ؛ لأنَّ اللهَ يقولُ في الطلاقِ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [٦] , وحمَلُوا آيةَ البقرةِ على أنَّها مبيِّنةٌ لمدَّةِ الرضاعِ لا لحُكْمِه؛ وهذا قولُ الشافعيِّ والحنابلةِ. الثالثُ: يفرِّقونَ بين الشريفةِ والدَّنِيَّةِ، فلا يُوجِبونَهُ على الشريفةِ، ويُوجِبونَهُ على مَن دُونَها؛ وهذا قولُ مالكٍ المشهورُ عنه، وهو مذهبُ المالكيِّينَ؛ لأنَّ العِبْرةَ بالعُرْفِ؛ فالرفيعةُ تسترضِعُ لابنِها، ومَن دُونَها تُرضِعُ بنفسِها. وأمَّا إِذا لم يَقبَلْ مُرضِعةً إلَّا إيَّاها، فيَجِبُ، ولا ينبغي أنْ يكونَ ثمَّةَ خلافٌ؛ لأنَّ تَرْكَهُ هَلَكةٌ، ولو لم يَقبَلْ إلَّا امرأةً أجنبيَّةً عنه، لَتَعَيَّنَ عليها، وقد نَصَّ على وجوبِه على أُمِّه إذا لم يَقبَلْ إلَّا إيَّاها: القاضي عبدُ الوهَّابِ. تمامُ الرَّضَاع ومُدَّتُهُ: وفي قولِهِ تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ تمامٌ لِمُدَّةِ

стр. 458

الرضاعِ، وبالزيادةِ عليه لا تستحِقُّ الوالدةُ أجرةً ولو كانت مطلَّقةً، وإذا أرادَ أحدُ الوالدَيْنِ فِطَامَ المولودِ قبلَ الحولَيْنِ، فلا بُدَّ مِن تشاوُرِهما وتراضِيهِما على ذلك؛ دفعًا لإفسادِ حالِ الصبيِّ، ومنعًا لاستئثارِ أحدِ الزوجَيْنِ بمنفعةٍ بعدَ الفِطَامِ. ورضاعُ الحولَيْنِ في الآيةِ عامٌّ في كلِّ مولودٍ، وهذا قولُ عامَّةِ المفسِّرينَ، وجاء عنِ ابنِ عبَّاسٍ تخصيصُهُ بمَن وُلِدَ وقد مَكَثَ ستَّةَ أشهُرٍ في بطنِ أمِّه، وينقُصُ الحولانِ كلَّما زادَ الحَمْلُ عن ستةِ أشهرٍ؛ لعمومِ قولِهِ تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]. ومِنْ آيةِ الأحقافِ أخَذَ بعصُ العلماءِ: أنَّ أقلَّ الحملِ الذي يُولَدُ منه ستَّةُ أشهرٍ، ويأتِي تفصيلُ ذلك في موضِعِه بإذنِ اللهِ. وبقولِه تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ استدلَّ مَن قال بأنَّ الرضاعَ لا يحرِّمُ إلَّا إذا كان في الحولَيْنِ، واختلَفُوا في عددِ الرَّضَعاتِ، ويأتي في سورةِ النِّساءِ بإذنِ اللهِ. وقولُهُ تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ , فيه وجوبُ نققةِ والدِ الرضيعِ للمُرْضِعةِ، وحدَّد النَّفَقةَ بالرِّزْقِ والكِسْوةِ. النفقةُ الواجبةُ للزوجة حالَ إرضاعِها: واختلَفَ كلامُ الفقهاءِ في النفقةِ المأمورِ بها في الآيةِ؛ هل هي نفقةُ الزوجيَّةِ، أو نفقةٌ خاصَّةٌ للرَّضَاعِ؟ فلو أنفَقَ الرجلُ على زوحتِهِ وكَفَاها، ثمَّ أرضَعَتْ له؛ فهل يجبُ عليه الزيادةُ على ذلك لأجلِ الرضاعِ؟ على قولَيْنِ: الأوَّلُ: قولُ مَن قالوا: هي نفقةُ الزوجيَّةِ؛ وقال به مالكٌ. وقرينةُ ذلك: أنَّ نفقةَ الرِّزْقِ - وهي الطَّعَامُ والشَّرَابُ مع الكِسْوةِ -

стр. 459

هي نفقةُ الزوْجِيَّةِ، ونفقةُ مَن يلي الإنسانُ أمرَهُ مِن نِساءٍ وذُرِّيَّةٍ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥]؛ وهذا نزَلَ في النساءِ والذُّرِّيَّةِ. وكذلك ما صحَّ في مسلمٍ؛ مِنْ حديثِ جابرٍ؛ قال ﷺ (وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (١). الثاني: قولُ مَن قالوا: هي نفقةٌ خاصَّةٌ بالرَّضَاعِ؛ قال به الشافعيُّ. وذلك لأنَّ النَّفَقةَ على المُرضِعةِ تختلِفُ عن غيرِها، ولو كانت زوجةً؛ لحاجتِها إلى مزيدٍ مِن الطعامِ والشرابِ؛ فإنَّ الرضاعَ يُجهِدُ المُرِضعَ ويُضعِفُ جَسَدَها إذا لم تَزدَدْ في الطعامِ والشرابِ لتُدِرَّ. ويَتَّفِقُ القولانِ على معنًى، وهو أنَّ المُرضِعَ إذا كانت زوجةً فاحتاجَتْ في رِزْقِها وكِسْوَتِها للزيادةِ لأجلِ الرضاعِ: أنَّ ذلك يجبُ على والدِ الرضيعِ. ولو كان لدى المُرضِعِ كفايةٌ في رِزْقِها وكِسْوَتِها مِن نفسِها، فأرادت حقَّها أن يكونَ نقدًا، جاز أن يقوَّمَ ذلك بما يُساوي طَعَامَها وشَرَابَها وكِسْوَتَها. نفقةُ الوالدِ على ولدِهِ: وفي الآيةِ: دليلٌ على وجوبِ نفقةِ الوالدِ على وَلَدِهِ عندَ عَجْزِهِ عن القيامِ بنفسِه؛ بمَرَضٍ، أو عاهةٍ، أو عطالةٍ، أو أَسْرٍ وحَبْسٍ؛ لأنَّ الأمرَ بالإنفاقِ على رضاعِ الرضيعِ وكفايتِهِ لأجلِ عَجْزِه، وكلُّ مَنِ اشتَرَكَ معه في العجزِ وعدمِ القدرةِ على القيامِ بنفسِه، وجَبَ على الوالدِ ذلك. ومثلُ هذا وجوبُ نفقةِ الوَلَدِ على الوالدِ عند حاجتِهِ بلا خلافٍ.

стр. 460

والنفقةُ حسَبَ القدرةِ؛ فاللهُ لا يكلِّفُ إنسانًا إلَّا بطاقتِه؛ وهذا ظاهرٌ في قولِه: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾. وقولُه: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ إشارةٌ إلى حظوظِ النفسِ بين الزوجَيْنِ في الرَّضَاعِ؛ فالمصلحةُ في ذلك للولَدِ وحقِّه في الرضاعِ، فلا تدَعُ الوالدةُ رضاعَ ابنِها شقاقًا لأبيه، ولا يأخُذُ الوالدُ ولدَهُ مِن أمِّه شقاقًا لها، ولا تدَعُ الوالدةُ رضاعَ ولَدِها وهي مطلَّقةٌ لتتزوَّجَ وولَدُها يُريدُها مِن دونِ النِّساءِ. تعيُّنُ الرضاعِ على الوالدةِ: ولا يختلِفُ العلماءُ أنَّ الرضاعَ يتعيَّنُ على الوالدةِ في أحوالٍ؛ منها: إذا لم يَقبَلِ الولَدُ ثديَ امرأةٍ إلَّا إيَّاها. وإذا لم يوجَدْ مُرضِعةٌ غيرُها مِن النساءِ. وإذا لم يَجِدِ الوالدُ نفقةَ الرضاعِ لغيرِها لفقرِهِ، تعيَّن عليها بما تستطيعُ. وقولُهُ تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ المرادُ بالوارثِ مَن يَرِثُ المولودَ لو قُدِّرَتْ وفاتُهُ، فإذا فقَدَ والدَهُ، فيقومُ بكفايتِهِ في الرضاعِ والنَّفَقةِ عليه مَن يَرِثُهُ لو مات، والذي يجبُ على الوارثِ هو الذي يجبُ على الوالدِ سواءً؛ ما دامَ الطِّفْلُ غيرَ قادرٍ على كفايتِه، وهذا المقصودُ في الإشارةِ إليه بقولِه: ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثلُ ما يجبُ على الوالِدِ. وبهذا قال جماعةٌ مِن السلفِ؛ كمجاهِدٍ والحسَنِ وعطاءٍ وقتادةَ، وهو قولُ مالكٍ وأحمدَ وإسحاقَ وأهلِ العراقِ. والذي يجبُ على الوارثِ: القيامُ بما يجبُ على الوالدِ، ونصيبُهم بمقدارِ مَوَارِيثِهم، فلو كانوا إخوةً رجالًا فيتقاسَمونَ النفقةَ بالتساوي، وإذا كان معهم أخواتٌ فعلى الذَّكَرِ مثلُ ما على الأنثيَيْنِ.
следующие страницы →