فجعَلَ امتناعَ الوليِّ عن إنكاحِ الزوجَيْنِ فتنةً عريضةً لغيرِهِما، فألحقَها بالأرضِ، ووصفَها بالعريضةِ، فلا يقَعُ الزِّنى إلَّا لتعطيلِ حقِّ الزوجةِ بالإنكاحِ أو الإمساكِ بالمعروفِ، وحُسْنِ المَعشَرِ، والعدلِ في القَسْمِ، ولتعطيلِ الرجلِ مِن حقِّ النكاح أو التعدُّدِ، ويأتي بعد ذلك تجاوزُ المحرَّماتِ؛ كإطلاقِ البصَرِ، والخَلْوةِ، وغيرِهما.
ولأنَّ هذه المعانِيَ دقيقةٌ، وإدراكَها صعبٌ إلَّا على القِلَّةِ مِن أهلِ العقلِ، أضمَرَها ولم يَذْكُرْها؛ لأنَّ ما لا تعي العقولُ عِلَّتَهُ يُترَكُ للتسليمِ به؛ حتَّى لا يُكفَرَ به.
وهناكَ حِكْمةٌ أُخرى أيضًا في عدمِ ذِكْرِ أنواعِ فِتَنِ الفسادِ عندَ عدمِ إنكاحِ الوليِّ لابنتِهِ مِن رجلٍ صالحِ الدِّينِ والخُلُقِ، أو تمكينِ زوجَيْنِ مِن العودةِ بعد انفصالٍ؛ وذلك حتَّى لا يَشُكَّ الوليُّ في مَوْلِيَّتِه، فيَتَّهِمَها لاتهامِ الشارعِ لها، فتفسُدَ البيوتُ بالظُّنُونِ؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]؛ أيْ: ثَمَّةَ ما لا يُدرَكُ مِن حقائقِ التشريِع وعِلَلِهِ، يَعْلمُهُ اللهُ، وتقصُرُ عنه العقولُ مهما بلغَتْ حِدَّةً وذَكَاءً.
* * *
قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
بعدَما ذكَرَ اللهُ النكاحَ والطلاقَ وتوابعَهما؛ كالعِدَدِ والخُلْعِ
стр. 457
والرَّجْعةِ، ذكَرَ أحكامَ الرَّضَاعِ؛ لأنَّ تلك الأحكامَ أهمُّ وأعسَرُ، وأحكامَ الرضاعِ أيسَرُ، ولأنَّ الرضاعَ لا يقَعُ فيه غالبًا نزاعٌ وخلافٌ؛ لتشوُّفِ الأبوَيْنِ لمصلَحَةِ ولدِهِما؛ بخلافِ ما كان بينَهما؛ فهما نِدَّانِ يتنازَعانِ في حَقِّهِما، ويتوافقانِ في حقِّ الولدِ غالبًا.
وقد ذكَرَ اللهُ الرضاعَ هنا، وفي سورةِ الطلاقِ، وما في الطلاقِ خاصٌّ بالمطلَّقاتِ، وهذه الآيةُ أعَمُّ منها.
حكمُ الرَّضَاعِ:
وفي الآيةِ: أنَّ الرَّضاعَ علي الزوْجةِ؛ بقولِه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾؛ فمَن ولَدَتْ، أرضَعَتْ، وقد اختلَفَ العلماءُ في وجوبِ الرضاعِ عليها على أقوالٍ:
الأوَّلُ: الوجوبُ؛ وهو قولٌ لمالكٍ, وقولُ أبي ثَوْرٍ.
الثاني: أنَّ الرضاعَ على الاختيارِ؛ لأنَّ اللهَ يقولُ في الطلاقِ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [٦] , وحمَلُوا آيةَ البقرةِ على أنَّها مبيِّنةٌ لمدَّةِ الرضاعِ لا لحُكْمِه؛ وهذا قولُ الشافعيِّ والحنابلةِ.
الثالثُ: يفرِّقونَ بين الشريفةِ والدَّنِيَّةِ، فلا يُوجِبونَهُ على الشريفةِ، ويُوجِبونَهُ على مَن دُونَها؛ وهذا قولُ مالكٍ المشهورُ عنه، وهو مذهبُ المالكيِّينَ؛ لأنَّ العِبْرةَ بالعُرْفِ؛ فالرفيعةُ تسترضِعُ لابنِها، ومَن دُونَها تُرضِعُ بنفسِها.
وأمَّا إِذا لم يَقبَلْ مُرضِعةً إلَّا إيَّاها، فيَجِبُ، ولا ينبغي أنْ يكونَ ثمَّةَ خلافٌ؛ لأنَّ تَرْكَهُ هَلَكةٌ، ولو لم يَقبَلْ إلَّا امرأةً أجنبيَّةً عنه، لَتَعَيَّنَ عليها، وقد نَصَّ على وجوبِه على أُمِّه إذا لم يَقبَلْ إلَّا إيَّاها: القاضي عبدُ الوهَّابِ.
تمامُ الرَّضَاع ومُدَّتُهُ:
وفي قولِهِ تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ تمامٌ لِمُدَّةِ
стр. 458
الرضاعِ، وبالزيادةِ عليه لا تستحِقُّ الوالدةُ أجرةً ولو كانت مطلَّقةً، وإذا أرادَ أحدُ الوالدَيْنِ فِطَامَ المولودِ قبلَ الحولَيْنِ، فلا بُدَّ مِن تشاوُرِهما وتراضِيهِما على ذلك؛ دفعًا لإفسادِ حالِ الصبيِّ، ومنعًا لاستئثارِ أحدِ الزوجَيْنِ بمنفعةٍ بعدَ الفِطَامِ.
ورضاعُ الحولَيْنِ في الآيةِ عامٌّ في كلِّ مولودٍ، وهذا قولُ عامَّةِ المفسِّرينَ، وجاء عنِ ابنِ عبَّاسٍ تخصيصُهُ بمَن وُلِدَ وقد مَكَثَ ستَّةَ أشهُرٍ في بطنِ أمِّه، وينقُصُ الحولانِ كلَّما زادَ الحَمْلُ عن ستةِ أشهرٍ؛ لعمومِ قولِهِ تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥].
ومِنْ آيةِ الأحقافِ أخَذَ بعصُ العلماءِ: أنَّ أقلَّ الحملِ الذي يُولَدُ منه ستَّةُ أشهرٍ، ويأتِي تفصيلُ ذلك في موضِعِه بإذنِ اللهِ.
وبقولِه تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ استدلَّ مَن قال بأنَّ الرضاعَ لا يحرِّمُ إلَّا إذا كان في الحولَيْنِ، واختلَفُوا في عددِ الرَّضَعاتِ، ويأتي في سورةِ النِّساءِ بإذنِ اللهِ.
وقولُهُ تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ , فيه وجوبُ نققةِ والدِ الرضيعِ للمُرْضِعةِ، وحدَّد النَّفَقةَ بالرِّزْقِ والكِسْوةِ.
النفقةُ الواجبةُ للزوجة حالَ إرضاعِها:
واختلَفَ كلامُ الفقهاءِ في النفقةِ المأمورِ بها في الآيةِ؛ هل هي نفقةُ الزوجيَّةِ، أو نفقةٌ خاصَّةٌ للرَّضَاعِ؟ فلو أنفَقَ الرجلُ على زوحتِهِ وكَفَاها، ثمَّ أرضَعَتْ له؛ فهل يجبُ عليه الزيادةُ على ذلك لأجلِ الرضاعِ؟ على قولَيْنِ:
الأوَّلُ: قولُ مَن قالوا: هي نفقةُ الزوجيَّةِ؛ وقال به مالكٌ.
وقرينةُ ذلك: أنَّ نفقةَ الرِّزْقِ - وهي الطَّعَامُ والشَّرَابُ مع الكِسْوةِ -
стр. 459
هي نفقةُ الزوْجِيَّةِ، ونفقةُ مَن يلي الإنسانُ أمرَهُ مِن نِساءٍ وذُرِّيَّةٍ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥]؛ وهذا نزَلَ في النساءِ والذُّرِّيَّةِ.
وكذلك ما صحَّ في مسلمٍ؛ مِنْ حديثِ جابرٍ؛ قال ﷺ (وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (١).
الثاني: قولُ مَن قالوا: هي نفقةٌ خاصَّةٌ بالرَّضَاعِ؛ قال به الشافعيُّ.
وذلك لأنَّ النَّفَقةَ على المُرضِعةِ تختلِفُ عن غيرِها، ولو كانت زوجةً؛ لحاجتِها إلى مزيدٍ مِن الطعامِ والشرابِ؛ فإنَّ الرضاعَ يُجهِدُ المُرِضعَ ويُضعِفُ جَسَدَها إذا لم تَزدَدْ في الطعامِ والشرابِ لتُدِرَّ.
ويَتَّفِقُ القولانِ على معنًى، وهو أنَّ المُرضِعَ إذا كانت زوجةً فاحتاجَتْ في رِزْقِها وكِسْوَتِها للزيادةِ لأجلِ الرضاعِ: أنَّ ذلك يجبُ على والدِ الرضيعِ.
ولو كان لدى المُرضِعِ كفايةٌ في رِزْقِها وكِسْوَتِها مِن نفسِها، فأرادت حقَّها أن يكونَ نقدًا، جاز أن يقوَّمَ ذلك بما يُساوي طَعَامَها وشَرَابَها وكِسْوَتَها.
نفقةُ الوالدِ على ولدِهِ:
وفي الآيةِ: دليلٌ على وجوبِ نفقةِ الوالدِ على وَلَدِهِ عندَ عَجْزِهِ عن القيامِ بنفسِه؛ بمَرَضٍ، أو عاهةٍ، أو عطالةٍ، أو أَسْرٍ وحَبْسٍ؛ لأنَّ الأمرَ بالإنفاقِ على رضاعِ الرضيعِ وكفايتِهِ لأجلِ عَجْزِه، وكلُّ مَنِ اشتَرَكَ معه في العجزِ وعدمِ القدرةِ على القيامِ بنفسِه، وجَبَ على الوالدِ ذلك.
ومثلُ هذا وجوبُ نفقةِ الوَلَدِ على الوالدِ عند حاجتِهِ بلا خلافٍ.
стр. 460
والنفقةُ حسَبَ القدرةِ؛ فاللهُ لا يكلِّفُ إنسانًا إلَّا بطاقتِه؛ وهذا ظاهرٌ في قولِه: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
وقولُه: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ إشارةٌ إلى حظوظِ النفسِ بين الزوجَيْنِ في الرَّضَاعِ؛ فالمصلحةُ في ذلك للولَدِ وحقِّه في الرضاعِ، فلا تدَعُ الوالدةُ رضاعَ ابنِها شقاقًا لأبيه، ولا يأخُذُ الوالدُ ولدَهُ مِن أمِّه شقاقًا لها، ولا تدَعُ الوالدةُ رضاعَ ولَدِها وهي مطلَّقةٌ لتتزوَّجَ وولَدُها يُريدُها مِن دونِ النِّساءِ.
تعيُّنُ الرضاعِ على الوالدةِ:
ولا يختلِفُ العلماءُ أنَّ الرضاعَ يتعيَّنُ على الوالدةِ في أحوالٍ؛ منها:
إذا لم يَقبَلِ الولَدُ ثديَ امرأةٍ إلَّا إيَّاها.
وإذا لم يوجَدْ مُرضِعةٌ غيرُها مِن النساءِ.
وإذا لم يَجِدِ الوالدُ نفقةَ الرضاعِ لغيرِها لفقرِهِ، تعيَّن عليها بما تستطيعُ.
وقولُهُ تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ المرادُ بالوارثِ مَن يَرِثُ المولودَ لو قُدِّرَتْ وفاتُهُ، فإذا فقَدَ والدَهُ، فيقومُ بكفايتِهِ في الرضاعِ والنَّفَقةِ عليه مَن يَرِثُهُ لو مات، والذي يجبُ على الوارثِ هو الذي يجبُ على الوالدِ سواءً؛ ما دامَ الطِّفْلُ غيرَ قادرٍ على كفايتِه، وهذا المقصودُ في الإشارةِ إليه بقولِه: ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثلُ ما يجبُ على الوالِدِ.
وبهذا قال جماعةٌ مِن السلفِ؛ كمجاهِدٍ والحسَنِ وعطاءٍ وقتادةَ، وهو قولُ مالكٍ وأحمدَ وإسحاقَ وأهلِ العراقِ.
والذي يجبُ على الوارثِ: القيامُ بما يجبُ على الوالدِ، ونصيبُهم بمقدارِ مَوَارِيثِهم، فلو كانوا إخوةً رجالًا فيتقاسَمونَ النفقةَ بالتساوي، وإذا كان معهم أخواتٌ فعلى الذَّكَرِ مثلُ ما على الأنثيَيْنِ.
стр. 461
ويسقُطُ مِن حقِّ الوالدةِ بمقدارِ نصيبِها مِن ولدِها.
ويسقُطُ مِن حقِّ الرضيعِ مقدارُ نصيبِهِ لو كان بمنزلةِ إخوانِه.
وبهذا قال أحمدُ.
وبعضُ العلماءِ جعَلُوا ذلك مختصًّا بالرجالِ؛ لأنَّ النساءَ لا يُنفِقْنَ، وإنَّما يُنفِقُ عليهِنَّ الرِّجالُ؛ كما في قولِه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]؛ ولهذا قضى عمرُ ﵁؛ كما رواهُ عبدُ الرزَّاقِ في "مصنَّفِه"، وابنُ جريرٍ؛ مِن حديثِ ابنِ المسيَّبِ، عن عمرَ؛ أنَّه حبَسَ بني عمٍّ على منفوسٍ كَلَالةً بالنَّفَقةِ عليه مِثْلَ العاقِلةِ (١).
وبهذا يقولُ عطاءٌ ومجاهِدٌ والنَّخَعيُّ والحسَنُ (٢).
وخصَّ أبو حنيفةَ وصاحباهُ: النَّفَقةَ عند وفاةِ الوالدِ بذي الرَّحِمِ المَحْرَمِ، وأخرَجَ ذا الرَّحِمِ غيرَ المَحْرَمِ.
وقولُهم هذا غريبٌ، يخالِفُ الكتابَ، وكذلك الأَثَرَ عن عمرَ، وقد استغرَبَهُ غيرُ واحدٍ مِن العلماءِ، قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: "قالوا قولًا ليس في كتابِ اللهِ، ولا نعلمُ أحدًا قاله" (٣).
وقد قال مالكٌ بنَسْخِ قولِه تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾؛ كما نقَلَهُ عنه ابنُ القاسمِ، وحمَلَهُ بعضُ المالكيَّةِ على التخصيصِ؛ لأنَّ التخصيصَ نسخٌ.
وحمَلَ بعضُ المفسِّرينَ الخطابَ للوارثِ على أنَّه لمنعِ المضارَّةِ للمولودِ؛ كما نَهَى اللهُ الوالدَيْنِ عن ذلك، وليس المرادُ بذلك النفقةَ؛ وهذا مرويٌّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ومجاهِدٍ والشَّعْبيِّ، وهو قولُ الشافعيِّ.
ورواهُ ابنُ وهبٍ وأشهَبُ عن مالكٍ.
стр. 462
ويَحتمِلُ أنَّ المرادَ المعنيانِ؛ فأحكامُ القرآنِ غائيَّةٌ عامَّةٌ، وقولُه: ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾ إشارةٌ عامَّةٌ لكلِّ ما سبَقَ، وبيانُ حقِّ الرضيعِ ونفَقَتِهِ لرضاعِه لا تترُكُ مِثلَهُ الشريعةُ، وتركُ المضارَّةِ حكمٌ أدقُّ وأقلُّ وقوعًا وبَلْوَى مِن حاجةِ المولودِ للرضاعِ، وحقُّ الرضاعِ أَوْلى بالنصِّ وبيانِ الحُكْمِ.
وربَّما حمَلَ ابنُ عباسٍ ذلك على المضارَّةِ؛ لأنَّ الرضاعَ مع حاجتِهِ ووقوعِ وفاةِ الوالدِ حالَ الرضاعِ؛ فإنَّ المولودَ يأخُذُ حقَّه؛ لرحمةِ الناسِ به وتنافُسِهِمْ على كفايتِهِ، بخلافِ حظوظِ النفسِ في الوَرَثةِ في أن يُضِرَّ بعضُهُمْ ببعضٍ في حقِّ الرضاعِ، فيتضرَّرَ المولودُ ولا يُشْعَرُ به؛ لشُحِّ النفوسِ الطاغي.
فطامُ الرضيعِ:
وقولُه: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾، أحالَ اللهُ فطامَ الطِّفلِ قبلَ الحولَيْنِ على اتفاقِ الوالدَيْنِ على ذلك، وقيَّد ذلك بتراضِيهِما وتشاوُرِهما جميعًا؛ حتَّى لا يغلِّبَ واحدٌ منهم حظَّهُ على مصلحةِ الولَدِ، فلا تَفطِمُ الوالدةُ المطلَّقةُ ولدَها قبلَ وقتِهِ للتزوُّجِ فيتضرَّرَ الولَدُ، ولا يأمُرُ الوالدُ بفَطْمِهِ قبلَ وقتِه؛ ليأخُذَهُ مِن أمِّه.
أهميَّةُ الشُّورَى:
وفي الآيةِ: أهميَّةُ الشُّورَى، وقد جاءتِ الشُّورَى في القرآنِ عامَّةً وخاصَّةً:
عامَّةٌ في أمرِ الأمَّةِ ودَوْلَتِها؛ كما في قولِه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقولِهِ: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨].
وخاصَّةٌ في هذه الآيةِ.
وكلَّما كان الأمرُ يتعلَّق بعددٍ مِن الناسِ، تأكَّدَتِ الشورى ووجَبَتْ؛ فالشورى في حقِّ الثلاثةِ آكَدُ منها في حقِّ الاثنَيْنِ، وهي في العَشَرةِ آكَدُ
стр. 463
مِن الخمسةِ. . . وهكذا؛ حتَّى لا يتنازعَ الناسُ الحقَّ فيُضِرَّ بعضُهُمْ ببعضٍ، ولمَّا خُشِيَ مِن الإضرارِ بالصبِيِّ مِن والدَيْهِ، وهما والداهُ، شرَعَ اللهُ التشاوُرَ بينهما، فلا يقضِيانِ شيئًا إلَّا باتفاقِهما حتَّى يخلُصَ حقُّ المولودِ مِن حظوظِهما؛ فكيف بحظِّ غيرِ الوالدَيْنِ مِن غيرِهم؟ ! ولهذا كانت مَصالِحُ الناسِ العامَّةُ وشأنُ الأمَّةِ ومالُها وسياستُها شُورَى بينها؛ حتَّى لا تَهلِكَ الأُمَّةُ برأيِ رجلٍ.
استئجارُ مرضعةٍ:
وقولُهُ: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، إنِ اتَّفَقَ الوالِدَانِ على استِئجارِ مُرضِعةٍ غيرِ أمِّه، جازَ مع الوفاءِ بالحقِّ للمُرضِعةِ السابقةِ أو اللاحقةِ مِن غير إضرارٍ.
ثمَّ أمَرَ اللهُ بتقواهُ، وربَطَ تحقُّقَ تقواهُ بالعِلْمِ بسَعَةِ عِلمِ اللهِ؛ وذلك أنَّ الإنسانَ كلَّما كان باللهِ أعرَفَ، فهو له أَخْوَفُ، وإذا عَلِمَ الإنسانُ اطلاعَ اللهِ عليه في سِرِّهِ وعلانيتِه، خافَ ربَّه وازداد خشيةً له.
* * *
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤].
يذكُرُ اللهُ في هذه الآيةِ عِدَّةَ المتوفَّى عنها زوجُها مِن اللائي يَحِضْنَ مِن النساءِ، واللائي لم يَحِضْنَ؛ سواءٌ كان منَعَ حَيْضَها صِغَرٌ أو يأسٌ أو مرضٌ.
عدةُ المتوفَّى عنها زوجُها:
وقد كانتِ النساءُ في الجاهليَّةِ يمكُثْنَ حَوْلًا في بيوتِ أزواجِهنَّ بعدَ
стр. 464
وفاتِهم؛ لا يخرُجْنَ ولا يَعْمَلْنَ، ويُنفَقُ عليهِنَّ مِن مالِ أزواجِهِنَّ، وقد ثبَتَ في "الصحيحَيْنِ"؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: (إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَقَدْ كانت إِحْدَاكُنَّ فِي الجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الحَوْلِ) (١).
وقيلَ: إنَّ المرأةَ إذا خرَجَتْ مِن عِدَّةِ وفاةِ زوجِها، أخذَتْ بَعْرةً فرمَتْ بها كَلْبًا؛ لِتخرُجَ مِن عِدَّتِها.
وفي ذلك: أنَّه ينبغي تذكيرُ الرجالِ والنساءِ بما كان عليهم مِن شِدَّةٍ وقسوةٍ؛ ليتذكَّروا رحمةَ اللهِ بهِم؛ فإنَّ تذكُّرَ الأشَدِّ يخفِّفُ الشديدَ، وتذكُّرَ الأثقلِ يخفِّفُ الثقيلَ.
وتربُّصُ المتوفَّى عنها زرجُها الحائضِ مِمَّا لا خلافَ فيه. وعدَّةُ الوفاةِ خاصَّةٌ بالزوجةِ لا بالزوجِ؛ لِقِوَامَتِه، ولِمَا فَضَّلَهُ اللهُ به، فلَهُ القِوَامةُ، وعليه النَّفَقةُ؛ مِن رزقٍ وكِسْوةٍ وسُكْنَى، وعِدَّتُهُ وحِدَادُهُ وعدَمُ خروجِهِ يعطِّلُ ما عليه مِن تكاليفَ، ثمَّ إنَّ اللهَ أباح له تعدُّدَ الزَّوْجاتِ، ولو تُوُفِّيَتْ زوجاتُهُ تباعًا؛ كلُّ واحدةٍ في آخِرِ عدَّةِ الأُخرى، لطالَ حَبْسُهُ عن قِوَامَتِهِ ونَفَقتِه، ولو اعتَدَّ في واحدةٍ، لَتَعطَّلَ عن واجباتِهِ للزوجةِ الأُخرى؛ وهذا يدلُّ على أن اللهَ قد أحكمَ شِرْعَتَهُ ودِينَه؛ فكلُّ حُكْمٍ في جهةٍ يَنضبِطُ مع الجهاتِ الأُخرى.
والآيةُ شاملةٌ للكبيرةِ والصغيرةِ، الحائضِ وغيرِ الحائضِ، والمسلِمةِ والكافِرةِ، والمدخولِ بها وغيرِ المدخولِ بها؛ وبعمومِها أخَذَ جماهيرُ العلماءِ.
ولمالِكٍ قولٌ فيمَنِ انقَطَعَ دَمُها لعارضٍ؛ مِن مرَضٍ أو دواءٍ ونحوِه؛ أنَّها تنتظِرُ الحَيْضَ بعدَ العِدَّةِ الأربعةِ الأشهُرِ والعَشْرِ؛ وذلك لارتيابِها وليُستَبْرَأَ رَحِمُها بيقينٍ.
стр. 465
وأمَّا المنقطِعُ حَيْضُها دائمًا ليأسٍ، أو انقطَعَ لصِغَرٍ، والحائضُ: فأنَّها تخرُجُ مِن عِدَّتِها بمُضيِّ الأربعةِ الأشهُرِ والعَشَرِ، فالحائضُ على القولَيْنِ في القُرْءِ؛ تخرُجُ مِن عِدَّةِ الطلاقِ، وَيَبرَأُ رَحِمُها بأقلَّ مِن هذه المُدَّةِ، ولكنَّ اللهَ جعَلَ للمتوفَّى عنها زوجُها أجَلًا خاصًّا؛ لمنزِلةِ الزَّوْجِ ومكانتِه؛ ولهذا تمتنِعُ عن الزِّينةِ والطِّيبِ زمَنَ عِدَّتِها.
عدةُ الحامل المتوفَّى عنها:
والحاملُ المتوفَّى عنها زوجُها على حالَيْنِ:
الأُولى: حاملٌ بَقِيَ مِن وضعِها فوقَ أربعةِ أشهُرٍ وعشرٍ، تخرُجُ مِن عِدَّتِها بوضعِ حملِها بلا خلافٍ.
الثانيةُ: حامِلٌ، وأجَلُ وضعِ حَمْلِها دُونَ أربعةِ أشهُرٍ وعشرٍ، فعامَّةُ الفقهاءِ مِن السلفِ والخلفِ على أَنَّه تخرُجُ مِن عِدَّةِ وفاتِها بوضعِ حملِها؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]؛ وبهذا قضى عُمَرُ وعُثمانُ وزَيْدٌ.
وروى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ؛ أَنَّ عُمَرَ اسْتَشَارَ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَزَيْدَ بنَ ثَابِتٍ؛ قَالَ زَيْدٌ: قدْ حَلَّتْ، وَقَالَ عَلِيٌّ: أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَ زَيْدٌ: أَرَأَيْتَ إِنْ كانت يَئِيسًا؟ قَالَ عَلِيٌّ: فَآخِرُ الأَجَلَيْنِ، قَالَ عُمَرُ: لَوْ وَضَعَتْ ذَا بَطْنِهَا وَزَوْجُهَا عَلَى نَعْشِهِ لم يَدْخُلْ حُفْرَتَهُ، لَكانت قَدْ حَلَّتْ (١).
وذهَبَ بعضُهم: إلى أنَّه يجبُ عليها أن تَعْتَدَّ بأبعَدِ الأجَلَيْنِ، وتعليلُهُمْ: أنَّ عِدَّةَ المتوفَّى عنها زوجُها تعبُّدٌ، والعِدَّةَ بوضعِ الحملِ للاستبراءِ، فلا بُدَّ مِنِ استيفاءِ الاثنتَيْنِ، فالتي تجاوَزَتْ أربعةَ الأشهُرِ والعَشْرَ ولم تضَعْ، لا يجوزُ تزويجُها وهي حامِلٌ بلا خلافٍ، وإذا
стр. 466
وضعَتْ قبلَ عِدَّةِ الوفاةِ، فيَجِبُ أن تتعبَّدَ بإتمامِ عِدَّتِها.
حكاهُ الشافعيُّ في "الأمِّ"، عن بعضِ الصحابةِ؛ وهو قولٌ يُروى عن عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ، وقال به سُحْنُونٌ.
ولعلَّ ابنَ عبَّاسٍ رجَعَ عنه.
وقد قضى النبيُّ بوضعِ الحملِ، ولا معقِّبَ لقضائِه؛ فـ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]؛ ففي "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ أبي سَلَمةَ؛ قال: جاءَ رجلٌ إلى ابنِ عبَّاسٍ وأبو هُرَيْرةَ جالسٌ عندَه، فقال: أَفْتِنِي في امرأةٍ ولَدَتْ بعدَ زَوْجِها بأربعِينَ ليلةً، فقال ابنُ عبَّاسٍ: آخِرُ الأجَلَينِ، قلتُ أنا: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، قال أبو هريرةَ: أنا معَ ابن أخي؛ يَعني: أبا سَلمةَ، فأرسَلَ ابنُ عَبَّاسٍ غُلامَهُ كُرَيْبًا إلى أمِّ سَلَمةَ يَسْأَلُها، فقالَتْ: قُتِلَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ الأسلَمِيَّةِ وهي حُبْلَى، فوضَعَتْ بعدَ موتِهِ بأربعِينَ ليلةً، فخُطِبَتْ فأَنْكَحَها رسولُ اللهِ ﷺ ، وكان أبو السَّنَابِلِ فيمَن خَطَبَها (١).
فإذا وضعَتِ، انقضَتْ عِدَّتُها حالَ وَضْعِها، ولو كان زوجُها على نعشِهِ لم يُدفَنْ، بل لو لم يغسَّلْ بعدُ، ولا يجِبُ عليها التربُّصُ حتَّى تطهُرَ مِن نِفَاسِها؛ لظاهرِ الآيةِ والحديثِ.
وذهَبَ بعضُ فقهاءِ العراقِ: إلى ترَبُّصِها إلى طُهْرِها مِن نفاسِها؛ قال به الشَّعْبيُّ والحسَنُ والنَّخَعيُّ وحَمَّادٌ.
وعِدَّةُ المتوفَّى عنها زوجُها أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ، تُتِمُّها بأيَّامِها ولياليِها، وهو قولُ عامَّةِ العلماءِ؛ لظاهرِ الآيةِ، واليومُ يرادُ به الليلُ والنهارُ إذا أُطلِقَ.
стр. 467
وأمَّا تأنيثُ المعدودِ المضمَرِ وتذكيرُ العددِ في قولِه: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، فلم يَقُلْ: "وعَشَرةً"، والعَدَدُ يُخالِفُ المعدودَ هُنا.
فلا يَظهَرُ أنَّ فيه حُجَّةً؛ لأنَّ العرَبَ تغلِّبُ التأنيثَ في العَدَدِ؛ في الأيامِ والليالي خاصةً، إذا أبهَمَتِ العددَ، غَلَّبَتْ فيه اللياليَ؛ حتى إنَّهم ليقولونَ: "صُمْنا عشرًا مِن شهرِ رمضانَ"؛ لتغليبِهِمُ اللياليَ على الأيامِ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]، فقد أرادَ الأيَّامَ والليالي جميعًا؛ ولذا بَيَّنَهُ في قولِه: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١].
وعلَّل بعضُ السلفِ زيادةَ العَشْرِ بعدَ الأربعةِ الأشهُرِ؛ لأجلِ اتضاحِ الحملِ، وبيانِ نفخِ رُوحِهِ؛ فإنَّه يُنفَخُ في العَشْرِ، رُوِيَ عن قتادةَ، قال: "سَأَلْتُ سَعِيدَ بنَ المسيَّبِ: مَا بَالُ الْعَشَرِ؟ قَالَ: فِيهِ يُنْفَخُ الرُّوحُ" (١).
عدةُ الأَمَةِ المتوفَّى عنها زوجُها:
وأمَّا المرأةُ الأَمَةُ إذا توفِّيَ عنها زوجُها، فعلى النِّصْفِ مِن عِدَّةِ الحُرَّةِ؛ تتربَّصُ شهرَيْنِ وخمسةَ أيَّامٍ؛ وهذا قولُ عامَّةِ السلفِ والخلفِ.
وللشافعيِّ قولٌ يَحْكِيهِ بعضُ أصحابِهِ: أنَّها تعتَدُّ كالحُرَّةِ، وبه يقولُ أهلُ الظاهرِ؛ وهو مرويٌّ عنِ ابنِ سيرينَ والأصَمِّ.
والأَمَةُ الموطوءةُ بمِلْكِ اليمينِ بلا ولَدٍ: لا تعتَدُّ بوفاةِ زوجِها؛ لأنَّ الآيةَ نزَلَتْ في الأزواجِ، لا في الإماءِ، وقد حكى عدَمَ خلافِ السلفِ في ذلك غيرُ واحدٍ؛ كابنِ عبدِ البَرِّ وغيرِه (٢).
عدةُ الأَمَةِ ذات الولدِ:
وأمَّا ذاتُ الولَدِ، فقدِ اختُلِفَ فيها على أقوالٍ:
стр. 468
الأوَّلُ: أنَّها كالحُرَّةِ؛ وهو قولُ ابنِ المسيَّبِ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ ومجاهدٍ وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ والشَّعْبيِّ والأوزاعيِّ.
واستدلَّ بما رواهُ أبو داودَ في "سُننِهِ"؛ مِن حديثِ قَبِيصةَ بنِ ذُؤَيْبٍ، عن عمرِو بنِ الْعَاصِ؛ قال: "لَا تُلَبِّسُوا عَلَيْنَا سُنَّةً، قَالَ ابنُ المُثَنَّى: سُنَّةُ نَبِيِّنَا ﷺ : عِدَّةُ المُتَوَفَّى عَنْهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ؛ يَعْنِي: أُمَّ الْوَلَدِ" (١).
لا يَصِحُّ رفعُهُ، والموقوفُ أصحُّ، وقَبِيصةُ لم يَسمَعْ مِن عمرٍو.
الثاني: أنَّ عِدَّتَها كعِدَّةِ الأَمَةِ سواءً، وهي شهرانِ وخمسةُ أيَّامٍ؛ وهذا قولُ طاوُسٍ وقتادةَ.
الثالثُ: وهو أصحُّ الأقوالِ، وقولُ الجمهورِ: أنَّها تَستبْرِئُ رَحِمَها بحيضةٍ فقَطْ؛ لأنَّها ليست كالأَمَةِ الزَّوْجةِ، وليست كالحُرَّةِ الزَّوْجةِ؛ فلا يجبُ عليها إلَّا الاستبراءُ، والآيةُ نزَلَتْ في الأزواجِ.
وهذا قولُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ واللَّيْثِ.
وهو قولٌ مرويٌّ عن عُمَرَ وابنِه وعثمانَ وعائشةَ وزيدٍ.
الرَّابعُ: أنَّها تعتَدُّ بثلاثِ حِيَضٍ؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ والثَّوْريِّ.
وعُلِّلَ ذلك: بأنَّها ليست زوجةً، فتعتدَّ بعِدَّةِ الزَّوْجاتِ، وليست أَمَةً فقد توُفِّيَ عنها زوجُها، وهي في حُكْمِ الحُرَّةِ؛ فلا تأخُذُ حُكْمَ الإماءِ فتستبرِئَ بحَيْضةٍ، فجعَلُوها تعتدُّ احتياطًا بعِدَّةِ الحُرَّةِ التي تستبرِئُ رَحِمَها بثلاثِ حِيَضٍ.
ما يحرُمُ على المرأة في الحدادِ:
ويُروى هذا عن عليٍّ وابنِ مسعودٍ.
وفي عِدَّةِ المرأةِ حِدادُها وامتناعُها عمَّا تتزيَّنُ به المرأةُ عادةً؛ مِن
стр. 469
اللباسِ المزيَّنِ والحُلِيِّ والكُحْلِ، ولا تَصبُغُ جِسْمَها بالزِّينةِ (كالمكياج)، إلَّا ما يستُرُ عَيْبًا خِلْقيًّا؛ كحروقٍ وشِبْهِها، ولا تتطيَّبُ، ولها أن تتطيَّبَ بما يُذهِبُ الرائحةَ الكريهةَ والنَّتْنَ العارضَ، ولا يجبُ عليها أنْ تَلْبَسَ زِيًّا أو لونًا معيَّنًا.
ولا يجوزُ للرَّجُلِ أن يعتدَّ أو يُحِدَّ على أحدٍ، ويجوزُ للمرأةِ أن تُحِدَّ على غيرِ زوجِها؛ كأبيها وولَدِها وأمِّها وأخيها، ثلاثًا، ولا تزيدُ؛ لِما صحَّ مِن حديثِ أمِّ حبيبةَ مرفوعًا: (لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ؛ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) (١).
وقد وجَّه اللهُ الخطابَ إلى المرأةِ في عِدَّتِها؛ لأنَّها مستأمَنةٌ على ذلك، فقال: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾، وعِدَّةُ المرأةِ - وخاصَّةً بالحَيْضِ والطُّهْرِ والحملِ الذي في بطنِها - مَرَدُّها إلى عِلْمِها الخاصِّ، فوُجِّهَ الخطابُ إليها في ذلك في العِدَدِ كلِّها؛ تحميلًا للأمانةِ وتشديدًا في الأمرِ، ولأنَّ تكليفَ غيرِها بذلك شاقٌّ، فيسَّر اللهُ على المرأةِ ألَّا يُؤذِيَها أحدٌ بتتبُّعِ خاصَّةِ أمرِها، ويسَّر على الوليِّ ألَّا يكلِّفَهُ اللهُ بما يَشُقُّ عليه، أمَّا وجهُ التشديدِ على المرأةِ؛ فإنَّ الخطابَ الذي يتوجَّهُ إلى الواحدِ تَبِعَتُهُ على شخصِهِ أشدُّ ممَّا لو شارَكَهُ في الخطابِ غيرُهُ.
ثمَّ وجَّه اللهُ الخطابَ إلى الأولياءِ بقولِه: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ لأنَّ المرأةَ بِكْرًا أو ثيِّبًا لا تَفْعَلُ في نفسِها شيئًا إلَّا بإذنِ وليِّها، ولو كانَ التكليفُ بتزويجِ نفسِها بنفسِها، لكان الخطابُ لها خاصًّا؛ كأنْ يقال: (فلا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فيما فَعَلْنَ في
стр. 470
أنفُسِهِنَّ)، فجَعَلَ اللهُ الخِطابَ للوليِّ أن يزوِّجَها، وجعَلَ الاختيارَ لها، فقال: ﴿فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾؛ سواءٌ اختارَتِ البقاءَ بلا زوجٍ، أو اختارَتْ زوجًا، فلا تزوَّجُ إلَّا برِضاها.
وفي الآيةِ: دليلٌ على أنْ لا نكاحَ إلَّا بوليِّ.
وقيَّد جوازَ فِعْلِهِنَّ بأنفُسِهِنَّ أن يكونَ بالمعروفِ؛ فلا حرامَ فيه ولا سُوءَ، فتَفعَلُ ما صحَّ عُرْفًا لدى أهلِ الفِطَرِ الصحيحةِ غيرِ المبدَّلَةِ، وما صحَّ شرعًا.
وفسَّرَ مجاهِدٌ والزُّهْريُّ والسُّدِّيُّ المعروفَ هنا: بالنِّكَاحِ (١).
وفي قولِهِ تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾، وفي قولِهِ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وفي قولِه: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]- دليلٌ على أنَّ المرأةَ تَرجِعُ إلى زَوْجِها إن طُلِّقَتْ بطلاقٍ رجعيٍّ، أو تتزوَّجُ إن كانت بائنًا، بانتهاءِ أَجَلِها المقدَّرِ، ولا أثَرَ للغُسْلِ مِن الحَيْضِ في الرجعةِ؛ لأنَّ اللهَ علَّقَ ذلك بقضاءِ الأَجَلِ، وهذا خلافًا لقولِ شَرِيكٍ في بطلانِ رجعةِ الزوجةِ حتَّى تغتسِلَ، ومثلُهُ قولُ إسحاقَ أنَّ التي تعتَدُّ بالأقرَاءِ لا يجوزُ لها أن تتزوَّجَ حتَّى تغتسِلَ مِن حَيْضِها، وبنحوِ قولِ إسحاقَ رُوِيَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ.
وذكَّر اللهُ بعِلْمِهِ وإحاطتِهِ بعَمَلِ الناسِ ونِيَّاتِهم، فلا يَخْفَوْنَ عليه؛ فقال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
* * *
стр. 471
قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
لمَّا كان الزوجُ في إدبارٍ مِن زوجتِهِ، ولا بابَ لرَجْعَتِهِ مِن موتِه، وأيَّامُها تربُّصٌ لانقضاءِ العِدَّةِ التي تَخُصُّها لا تخصُّ الميتَ؛ فتخبيبُ الزوجةِ على زوجِها لا يجوزُ، ولو كانت في عِدَّةِ رَجْعَتِها؛ كالتعريضِ لها بالرغبةِ في امرأةٍ مِثْلِها، ونحوِ ذلك؛ فقد جاء في "السننِ" و"المسنَدِ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا، أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ) (١)، وفي الآيةِ رفعُ الجُنَاحِ في التعريضِ للمتوفَّى عنها زَوْجُها في العِدَّةِ، وهو دليلٌ على وجودِ الجُناحِ والحَرَجِ في غيرِ حالِها.
التعريضُ في نكاحِ المعتدَّة البائنةِ:
وعلَّةُ الجُنَاحِ والحَرَجِ والنهيِ عنِ التعريضِ أنَّه رُبَّما رَغِبَتْ في الرَّجْعةِ، ففَتَنَها عن عودتِها لزوجِها، وأمَّا في عِدَّةِ الوفاةِ، فقد أَذِنَ اللهُ بالتعريضِ في العِدَّةِ؛ لانتفاءِ المَفسَدةِ، وهذا في عِدَّةِ المطلَّقةِ غيرِ الرجعيَّةِ كذلك، وقد كَرِهَ الشافعيُّ التعريضَ في المطلَّقةِ عمومًا مِن بابِ الاحتياطِ؛ لأنَّ الرُّخْصةَ جاءَتْ في عِدَّةِ الوفاةِ.
والأظهرُ: جوازُ ذلك في المطلَّقةِ المبتوتةِ؛ لاشتِراكِها في الحالِ مع المتوفَّى عنها زَوْجُها، ولِظاهرِ حديثِ فاطمةَ بنتِ قيسٍ في
стр. 472
"الصحيحِ"؛ فقد طَلَّقَها زَوْجُها أبو عَمْرِو بنُ حفصٍ البتَّةَ، قالتْ: فلمَّا حَلَلْتُ، ذَكَرْتْ للنبيِّ ﷺ أنَّ معاويةَ وأبا جَهْمٍ خَطَبَانِي (١).
وكذلك البائنُ؛ لانقطاعِ عِصْمَتِها مِن يَدِ زَوْجِها، وهو المعتمَدُ في المذاهبِ الأربعةِ.
والتعريضُ هو ضِدُّ التصريحِ، ويختلِفُ مِن عُرْفٍ إلى عُرْفٍ، ومِن لُغَةٍ إلى أُخرى؛ كقولِ الرَّجُلِ: "إنْ خَرَجْتِ مِن عِدَّتِكِ، فآذِنِيني".
وقد نَهَى اللهُ عنِ التصريحِ؛ لترخيصِهِ في التعريضِ، ولو جاز التصريحُ، لَذَكَرَهُ ورخَّصَ فيه؛ لأَنَّ تجويزَ التصريحِ يدخُلُ فيه التعريضُ، ولا يدخُلُ في التعريضِ التَّرخيصُ في التصريحِ، بل هو علامةٌ على النهيِ عنه.
وقولُهُ: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾، الأشهَرُ هو أخذُ ميثاقِها سِرًّا في عِدَّتِها ألَّا تتزوَّجَ إلَّا إيَّاه، ولا يُظهِرُ الأمرَ علانيةً؛ وذلك لأنَّه يجلِبُ مَفاسِدَ عليها وعلى مَنْ واعَدَها، فربَّما عرَّض لها بَعْدَهُ أصلَحُ منه فتندَمُ، ويقَعُ في النفوسِ الشَّرُّ.
ولأنَّ التصريحَ في العِدَّةِ والمواعَدةَ سِرًّا يُخرِجُ المرأةَ مِن حُكْمِها في عِدَّتِها وتعظيمِ حقِّ زَوْجِها الميتِ إلى التعرُّضِ للخُطَّابِ، وربَّما دفَعَها ذلك إلى التساهُلِ في التجمُّلِ والتحلِّي بما يُنهَى عنه مِثلُها في عِدَّتِها.
وربَّما دفَعَها ذلك إلى الكَذِبِ بانقضاءِ عِدَّتِها؛ لطمعِ النفسِ في الزوجِ.
وعلى هذا المعنى: حمَلَ جماعةٌ مِن السلفِ المواعَدةَ في الآيةِ
стр. 473
على أخذِ الميثاقِ سِرًّا؛ وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ ومجاهِدٍ وابنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمةَ (١).
وهو قولُ مالكٍ والشَّعْبيِّ.
والنهيُ عنِ الإسرارِ بذلك لا يعني جوازَها علانيةً، وذكَرَ الإسرارَ؛ لأنَّ غالبَ مَن يقصِدُ مِثْلَها في عِدَّتِها يُسِرُّ لها؛ لأنَّ التصريحَ يُنهَى عنه سِرًّا وعلانيةً، فخَصَّ النهيَ بالسِّرِّ لِغَلَبةِ وقوعِهِ، فالناسُ لا تجرُؤُ على الخِطْبةِ علانيةً، فقولُهُ: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ﴾ دليلٌ على النهيِ عن التصريحِ بكلِّ حالٍ؛ ما دامَتْ في العِدَّةِ.
وقد أجاز داودُ التصريحَ علانيةً؛ لظاهرِ الآيةِ، وخالَفَهُ ابنُ حزمٍ، فنَهَى عنه مطلَقًا.
وقد حمَلَ بعضُ المفسِّرينَ المواعَدةَ سرًّا في الآيةِ على الزِّنَى وكلِّ سوءٍ يَسبِقُهُ مِن خَلْوةٍ ورؤيةٍ ومَسٍّ؛ قاله قتادةُ والحسَنُ والنَّخَعيُّ (٢)، ورجَّحَهُ ابنُ جريرٍ (٣).
وتفسيرُ ابنِ عبَّاسٍ وأهلِ المدينةِ ومكَّةَ لمعناهُ: أَوْلى مِن تأويلِ أهلِ العراقِ.
والاستثناءُ في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ مِن التعريضِ العَلَنِيِّ الذي لا يُسْتَحْيَا منه، وهو ما رخَّصَ اللهُ فيه.
ومَن حمَلَ المواعَدةَ سِرًّا على الزنى أو أخذِ الميثاقِ بالزواجِ جعَلَ الاستثناءَ منقطِعًا؛ لأنَّ الإسرارَ بأخذِ ميثاقِ الزَّوْجةِ للزَّوَاجِ مِنها أو الزِّنَى بها: محرَّمٌ ولو كان علانيةً، فلا يسمَّى معروفًا حتَّى يُستثنَى منه معروفٌ جِهَارًا.
ومَن خطَبَ امرأةً في عِدَّتِها، وعقَدَ عليها بعدَ خروجِها مِن العِدَّةِ،
стр. 474
فهو آثِمٌ، وعقدُهُ صحيحٌ؛ لظاهرِ الآيةِ، وهو قولُ جمهورِ الفقهاءِ، واستحَبَّ مالكٌ فِرَاقَها؛ كما رواهُ عنه ابنُ وهبٍ.
وعن مالكٍ قولٌ آخَرُ: بوجوبِ المفارَقةِ، وهي روايةٌ عن أشهَبَ؛ نقَلَ الروايتَيْنِ ابنُ رُشْدٍ، والنَّهْيُ يقتضي الفسادَ في مذهبِ مالكٍ.
حكمُ العقدِ على البائنةِ:
وأمَّا إذا عقَدَ عليها في العِدَّةِ، فلا يخلُو مِن حالَيْنِ:
الأُولى: إنْ دخَلَ بها في العِدَّةِ، فألزَمَ أبو حنيفةَ والثوريُّ والشافعيُّ والحنابلةُ التفريقَ بينَهما، والعقدُ آكَدُ بالفسادِ على قولِ مالكٍ.
وقد اختَلَفَ أصحابُ هذا القولِ في جوازِ زواجِه بها بعدَ خروجِها مِن العِدَّةِ، وهل تحرُمُ عليه حُرْمةً أبديَّةً أو لا؟
ذهَبَ أبو حنيفةَ والثوريُّ والشافعيُّ: إلى جوازِ زواجِهِ بها بعدُ، وأنَّه كسائرِ الخُطَّابِ؛ وهو قولُ عليٍّ وابنِ مسعودٍ، وبقولِهم أخَذَ أهلُ الكوفةِ.
وذهَبَ مالكٌ: إلى أنَّه لو دخَلَ بها في عِدَّتِها، تحرُمُ عليه حُرْمةً أبديَّةً، وبه قال جماعةٌ مِن فقهاءِ المدينةِ، وقال به اللَّيْثُ وأحمدُ.
وبه قضى عمرُ بنُ الخَطَّابِ، وقال في امرأةٍ نُكِحَتْ في عِدَّتِها: لا يَجتمِعانِ أبَدًا؛ رواهُ مالكٌ وعبدُ الرزَّاقِ؛ مِن حديثِ ابنِ المسيَّبِ وسُلَيْمانَ بنِ يَسَارٍ عن عُمرَ في قِصَّةٍ (١).
الحالةُ الثانيةُ: إذا دخَلَ بها بعدَ انقضاءِ العِدَّةِ، فهذه أيسَرُ مِن الأُولى عندَ مَن قال بجوازِ خِطْبَتِهِ لها بعدَ عِدَّتِها، ولمالكٍ فيها قولانِ: قولٌ بتحريمِها عليه تأبيدًا، وقولٌ يوافِقُ الجمهورَ.
стр. 475
وقولُ الجمهورِ أرجَحُ وأصحُّ، وأمَّا العقدُ، فلا يَصِحُّ ويُعادُ؛ لظاهرِ قولِه: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾.
ولأنَّ الأمرَ يخُصُّ النفوسَ وأعمالَ الأفرادِ الضيِّقةَ، لا أعمالَ الأُمَّةِ العامَّةَ؛ خوَّف اللهُ بسَعَةِ عِلْمِهِ واطِّلاعِهِ على ما في النفوسِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾؛ فتذكيرُ اللهِ بِسَعَةِ عِلْمِهِ إيقاظٌ لِجَذْوةِ الخوفِ في القلبِ؛ حتَّى لا تُطْفِئَها الشهوةُ وطمَعُ النفسِ.
ثمَّ حذَّر اللهُ مِن نفسِهِ بالأمرِ، وذكَّر عبادَهُ بِاسْمَيْنِ يجبُ أن يتوسَّطَ بينَهما العبدُ، فاللهُ غفورٌ لمن وقَعَ في زَلَّةٍ، فلا يَقنَطُ، فذكَّر باسمِهِ (الغفورِ)، واللهُ يُعاقِبُ المسيءَ، ولكنْ قد يؤخِّرُ عقابَهُ، فلا يَظُنُّ المذنِبُ أنَّ تأخُّرَ العقوبةِ عفوٌ وصفحٌ، بل حِلْمٌ مِن اللهِ، فذكَّر اللهُ باسمِهِ (الحليمِ).
* * *
قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦].
لا خلافَ في جوازِ تسريحِ المرأةِ قبلَ مَسِّها؛ ولذا رتَّب اللهُ الأحكامَ على الطلاقِ ولم يذكُرْهُ بشيءٍ.
حكمُ طلاقِ المرأةِ قبلَ الدخول بِها:
والمراد إمَّا أن تطلَّقَ قبلَ الدخولِ بها، وإمَّا بَعْدَه، وتقدَّم الكلامُ على أحكامِ الطلاقِ للمرأةِ المدخولِ بها وأحوالِه، وإنَّما قُدِّمَتْ أحكامُ المدخولِ بها؛ لأنَّ الحاجةَ لها أظهَرُ، والبلوى بها أعمُّ، والمرأةُ تطلَّقُ بعدَ الدخولِ أكثرَ.
стр. 476
وأمَّا المطلَّقةُ قبلَ الدخولِ، فهي المبيَّنةُ هنا في هذه الآيةِ.
وقولُهُ تعالى: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾؛ المَسُّ هنا: الوَطْءُ والنِّكَاحُ؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ وطاوسٌ والنَّخَعيُّ والحسَنُ البصريُّ (١).
وقولُه: ﴿تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا﴾ فيه إشارةٌ إلى أنَّ فرضَ المهرِ ابتداءً يكونُ مِن قِبَلِ الزوجِ؛ حيثُ جعَلَ المسَّ والفرضَ مِن الزوجِ، يبادِرُ بهما، لا تبادِرُ بهما المرأةُ، فكأنَّ في الآيةِ تيسيرًا على الأزواجِ أَنْ تَترُكَ الزوجةُ والأولياءُ فرضَ المهرِ للزوجِ فلا يشقُّ عليه، فيأتي مِن وُسْعِهِ وقُدْرَتِه، فلا يُفرَضُ عليه؛ وإنَّما يُترَكُ الفرضُ له ابتداءً، ولهم بعدَ ذلك القبولُ أو الرفضُ.
والمرادُ بالآيةِ الطلاقُ قبلَ الدخولِ بها، وعبَّر عن الدخولِ بالمَسِّ؛ لأنَّ الرجلَ يخلُو بامرأتِهِ لِيَمَسَّها، ومَن دخَلَ بامرأتِهِ ولم يُجامِعْها فالحكمُ في ذلك واحدٌ، وحكمُ المدخولِ بها لا يُفرَّقُ فيه بينَ المَسِّ وغيرِه، والآيةُ جرَتْ مجرى الغالبِ.
أحوالُ المطلَّقةِ قبلَ الدخولِ ومهرِها:
والمطلَّقةُ قبلَ الدخولِ بها لا تخلُو مِن حالتَيْنِ:
الحالةُ الأُولى: أنْ يكونَ ضرَبَ لها مهرًا محدَّدًا وفرَضَهُ لها؛ فهذه لها نِصْفُ المَهْرِ، ويعودُ لزوجِها النِّصْفُ الآخَرُ؛ وذلك للآيةِ التاليةِ: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
الحالةُ الثانيةُ: أنْ يكونَ الزوجُ لم يَفرِضْ لها مهرًا، ولم يَضرِبْ لها قدرًا محدَّدًا، فحقُّها على زَوْجِها المتاعُ بالمعروفِ.
стр. 477
وهذا التشريعُ للمطلَّقةِ غيرِ المدخولِ بها؛ جبرًا لحقِّ المرأةِ، فلا يُكسَرُ خاطِرُها، وحِفْظًا لِكَرَامتِها، وصونًا لها من أن تُبتذَلَ عندَ الرجالِ، فيتساهَلَ الرجالُ في الخِطْبةِ والعقدِ، والتركِ بلا دخولٍ.
وحتَّى لا يفوتَ حقُّ المرأةِ بالنفقةِ عليها بلا زوجٍ؛ لانتظارِها الرجلَ الذي عقَدَ عليها.
وفي الآيةِ: نوعُ تأديبٍ للمطلِّقِ؛ فهو وإن لم يرتكِبْ إثمًا أو وِزْرًا، فإنَّه ربَّما كسَرَ نفسَ الزَّوْجةِ، وزهَّد فيها غيرَهُ، والآيةُ قرينةٌ على التعويضِ عنِ الضررِ المعنويِّ؛ وهو محلُّ خلافٍ عندَ العلماءِ.
ولم يضيِّقِ اللهُ على الزوجِ الذي لم يَضرِبْ مهرًا لزوجتِهِ، فطَلَّقَها قبلَ الدخولِ بها، فجعَلَ حقَّها عليه المتاعَ حسَبَ ما يستطيعُ؛ فقال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾.
لأنَّ مَن لم يَضرِبْ مهرًا يُحتمَلُ يسارُهُ، ويُحتمَلُ عُسْرُهُ، فجعَلَ اللهُ الأمرَ بما لا يَضُرُّهُ، ولا يفوِّتُ حقَّ الزوجةِ.
وأمَّا مَن ضرَبَ مهرًا، فهو لم يَضرِبِ المهرَ إلَّا وهو قادرٌ على تسليمِه، فجعَلَ اللهُ لغيرِ المدخولِ بها نِصْفَ المهرِ.
والمتاعُ المذكورُ في الآيةِ يختلِفُ بحَسَبِ العُرْفِ، وحسَبِ قُدْرَةِ الزوجِ وسَعَتِهِ؛ روى عِكْرِمةُ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: "مُتْعةُ الطلاقِ أعلاهُ الخادِمُ، ودُونَ ذلك الوَرِقُ، ودونَ ذلك الكِسْوةُ" (١).
وصحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ؛ مِن حديثِ عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عنه، قال: "إنْ كان موسِرًا مَتَّعَهَا بخادمٍ أو نحوِ ذلك، وإنْ كان مُعسِرًا أمتَعَها بثلاثةِ أثوابٍ" (٢).
стр. 478
وفي حالِ التنازُعِ في المُتْعةِ بين الزوجَيْنِ، فيَقضي القاضي بما يُقارِبُ مَهْرَ مِثْلِها في عُرْفِ أهلِ زَمَانِها في بَلَدِها.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
ولم يَرَ بعضُ الفقهاءِ الإلزامَ بقَدْرٍ معيَّنٍ؛ لأنَّ الآيةَ وَسَّعَتْ، ولا يَسُوغُ التضييقُ بتقديرٍ، ولو شاء اللهُ، لجعَلَ نِصْفَ المهرِ لمِثْلِها للمطلَّقةِ بفَرْضٍ، والمطلَّقةِ بغيرِ فرضٍ، واللهُ فَرَّقَ لحِكْمةِ التيسيرِ على الزَّوْجِ؛ وبهذا الرأيِ يقولُ الشافعيُّ في الجديدِ.
وكان يَستحسِنُ في القديمِ المُتْعةَ بثلاثينَ دِرْهَمًا وما يُعادِلُها؛ لما رُوِيَ عنِ ابنِ عُمَرَ في هذا.
والقضاءُ بالمتعةِ بنِصْفِ مَهْرِ مِثْلِها يكونُ عند التنازُعِ بين الزوجَيْنِ؛ لأنَّ أقربَ ضابطٍ شرعيٍّ يُشابِهُ المطلَّقةَ بغير فرضٍ، ولم يُدخَلْ بها هي مَن كانت مِثْلَها وقد ضُرِبَ لها مهرٌ؛ فكان هذا فَيْصَلًا، ولكنْ لا يُصارُ إليه إلَّا عندَ النِّزاعِ، والأصلُ: أنَّ اللهَ فرَّق بين الحالتَيْنِ؛ مَن ضُرِبَ لها ومَن لم يُضرَبْ لها مهرٌ؛ فتلك نصفُ المَهْرِ، وهذه المتعةُ.
حكمُ متعةِ المطلَّقةِ:
وقد اختلَفَ الفقهاءُ في مشروعيَّةِ مُتْعةِ المطلَّقةِ عمومًا؛ فبعضُ الفقهاءِ خصَّصها بالمطلَّقةِ بلا مهرٍ ولا مَسِيسٍ؛ لهذه الآيةِ، وبعضُهم جعَلَها عامَّةً لكلِّ مطلَّقةٍ.
وخلافُهُمْ على أقوالٍ:
الأوَّلُ: أنَّها عامَّةٌ لكلِّ مطلَّقةٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]، وأنَّ اللهَ خصَّص في آيةِ البابِ غيرَ المدخولِ بها بلا مهرٍ؛ للمناسَبةِ، ولأنَّ المطلَّقةَ غيرَ المدخولِ بها يَغلِبُ الظنُّ أنْ لا حقَّ لها؛ فلم تَرَ زوجَها ولم يرَها، ولم يَسْلُبْها شيئًا
стр. 479
حتَّى تستحِقَّ عِوَضًا، فجاء القرآنُ بالبيانِ، وغيرُها مِن بابِ أَولى، واللهُ تعالى قال عن زوجاتِ نبيِّه وهُنَّ في عِصْمَتِهِ وقد دخَلَ بِهِنَّ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨].
وهذا قولُ أبي حنيفةَ وأحدُ قولَيِ الشافعيِّ، وقال به جماعةٌ مِن السلفِ؛ كابنِ جُبَيْرٍ وأبي العاليةِ والحسَنِ وغيرِهم.
ويَظهَرُ الوجوبُ في الآياتِ في قولِهِ: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]، فسمَّاه حَقًّا وأكَّدَهُ بـ ﴿عَلَى﴾، و"على": مِن صِيَغِ الوجوبِ عندَ جماعةٍ مِن الأصوليِّينَ.
الثاني: قالوا: هي خاصَّةٌ بالمطلَّقةِ قبلَ المسيسِ؛ سواءٌ ضرَبَ لها مهرًا أو لم يَضرِبْ لها؛ وذلك ظاهرُ قولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
وجعَلَ بعضُ المفسِّرينَ هذه الآيةَ ناسِخةً لآيةِ البابِ آيةِ البقرةِ؛ وبهذا قال سعيدُ بنُ المسيَّبِ؛ رواهُ عنه شُعْبةُ عَن قتادةَ.
واحتَجَّ لهذا القولِ بما ثبَتَ في البخاريِّ، مِن حديثِ سَهْلِ بنِ سعدٍ، وأبي أُسَيْدٍ؛ أنَّهما قالا: تَزَوَّجَ رسولُ اللهِ ﷺ أُمَيْمَةَ بِنْتَ شَرَاحِيلَ، فلمَّا أُدخِلَتْ عليه، بسَطَ يدَهُ إليها، فكأنَّها كرِهَتْ ذلك، فأَمَرَ أبا أُسَيْدٍ أنْ يُجَهِّزَهَا ويَكْسُوَها ثوبَيْنِ رازِقِيَّيْنِ (١).
ولكنَّ فرضَ النبيِّ ﷺ لأميمةَ بنتِ شَرَاحِيلَ - وهي زَوْجةٌ مطلَّقةٌ يَظْهَرُ أنَّه لم يدخُلْ بها ولم يَمَسَّها - لا يَعني نسخَ التنصيصِ الواردِ في المطلَّقةِ المفوَّضةِ؛ فالتنصيصُ شيءٌ، والتخصيصُ شيءٌ آخَرُ.
стр. 480
فآيةُ البقرةِ نَصَّتْ وما خَصَّتْ، والنصُّ يكون لمزيدِ اهتمام؛ فالمطلَّقةُ بلا دخولٍ ولا فرضٍ يَغلِبُ على الظَّنِّ إسقاطُ حقِّها، وأَنَّ النفوسَ تَرَى أنْ لا حَقَّ لأحدِ الزوجَيْنِ على الآخَرِ، فأَرَادَتِ الآيةُ التنصيصَ عليها بالمُتْعةِ.
والشريعةُ تَنُصُّ على بعضِ المسائلِ بالذِّكْرِ لأمرَيْنِ:
أوَّلًا: لأهميَّتِها وفضلِها على غيرِها بنوعِ فَضْلٍ، أو خَصُوصِيَّةٍ بحُكْمٍ.
ثانيًا: أنَّ مِثْلَها يَغلِبُ تفويتُهُ، فأرادَتِ التأكيدَ عليه، ولا يعني هذا فضلَ المذكورِ على غيرِه.
ولذا نَصَّتْ آيةُ البقرةِ على المطلَّقةِ المفوّضَةِ بلا مَسٍّ ولم تخصِّصْها.
والقولُ الثالثُ: أنَّ المتعةَ خاصَّةٌ بالمطلَّقةِ غيرِ المدخولِ بها ولم يُفرَضْ لها صَداقٌ؛ لظاهرِ آيةِ البابِ؛ وبهذا يقولُ ابنُ عُمرَ ومجاهِدٌ وجماعةٌ؛ كأحمدَ وغيرِه.
والقولُ الرابعُ: أنَّ المُتْعةَ مستحَبَّةٌ لكلِّ مطلَّقةٍ، وليست واجبةً، ويُحمَلُ قولُهُ تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] على الاستحبابِ، لا على الوجوبِ؛ وهذا قولُ مالكٍ وشُرَيْحٍ واللَّيْثِ.
وقرينةُ الاستحبابِ عنْدَهم: أنَّ آكَدَ المُتْعةِ متعةُ المفوَّضةِ؛ فلا مَهْرَ ولا دخولَ، وهي المذكورةُ في الآيةِ، ومع ذلك قال تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾؛ فجعَل اللهُ ذلك على أهلِ الإحسانِ، والإحسانُ فضلٌ؛ فاللهُ يَقولُ: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١].
متعةُ المفوَّضةِ ومهرُهَا:
ومِنَ العلماءِ: مَن جعَلَ المتعةَ واجبةً في المفوَّضةِ بلا دخولٍ، وأمَّا
стр. 481
غيرُها مِن المطلَّقاتِ، فمُتْعَتُها مستحَبَّةٌ؛ وذلك أنَّ الزوجةَ المطلَّقةَ قبلَ المَسيسِ والفَرْضِ تُشابِهُ المطلَّقةَ قبلَ المَسيسِ وقد فُرِصَ لها، فجعَلَ اللهُ لها نِصْفَ المفروضِ، ولا اختلافَ بينَهما إلَّا في عدَمِ تسميةِ المهرِ، وتسامُحُ الزوجَيْنِ في عدَمِ تسميةِ المهرِ لا يُسقِطُ حقَّها، ولكنْ يُتَسامَحُ فيه فيُجعَلُ متعةً مفروضةً، كما جُعِلَ للأُخرى نصفٌ مفروضٌ؛ وهذا أقربُ إلى الصوابِ وإحكامِ الشارعِ.
ووجوبُ المُتْعةِ أَوْلى ما تدخُلُ فيه المفوَّضةُ؛ للآيةِ التي خَصَّتْها، وبقيَّةُ الآياتِ عَمَّمَتْ، ولأنَّها أحوَجُ مِن غيرِها، وتستحِقُّ شيئًا مَثيلًا لِمَن شابَهَها، وهي مَن طُلِّقَتْ بلا دخولٍ مع مَهْرٍ، ففرَضَ اللهُ لها النصفَ، وجعَلَ اللهُ حقَّ المفوَّضةِ المُتْعةَ؛ وذلك أنَّ المهرَ حقٌّ لها، فجعَل اللهُ حقَّها منه المُتْعةَ؛ لأنَّ مَهْرَها مفوَّضٌ، ورَضِيَتْ بعَدَمِ تسميتِهِ وتسامَحَتْ، فلها متعةٌ، لا فَرْضُ نصفِ مَهْرِ المِثْلِ.
وإنَّما يسَّر اللهُ فيها ولم يشدِّدْ، وجعَلَ مُتْعةَ المفوَّضةِ على وُسْعِ المقتدِرِ والمقتِرِ؛ لأنَّ عدَمَ تسميةِ المهرِ أمارةٌ على التسامُحِ بين الزوجَيْنِ، والنفوسُ التي تَبدَأُ متسامِحةً خروجُهَا متسامِحةً أقرَبُ، وتركُ الحقِّ المفروضِ ابتداءً بلا تسميةٍ شبيهٌ بإعذارِ الزوجِ وعَدَمِ التشديدِ عليه؛ ولذا كان السلفُ لا يُعاقِبونَ على تَرْكِه، ويَكِلُونَهُ إلى المروءةِ، ولم يَكُنِ القُضاةُ يَحبِسُونَ تاركَ مُتْعةِ النكاحِ؛ فقد روى ابنُ أبي حاتِمٍ؛ مِن حديثِ أبي إسحاقَ، عنِ الشَّعْبيِّ؛ قال: ذكَرُوا له المُتْعةَ؛ أيُحبَسُ فيها؟ فقرَأَ: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾؛ قال الشَّعْبيُّ: "واللهِ، ما رأيتُ أحدًا حبَسَ فيها، واللهِ، لو كانت واجبةً، لَحَبَسَ فيها القُضَاةُ" (١).
ولهذا؛ فالفقهاءُ لا يَضرِبونَ للمطلَّقةِ المفوَّضةِ بلا دخولٍ سَهْمًا مع
стр. 482
الغُرَماءِ، وبعضُ الفقهاءِ المالكيِّينَ كمَكِّيِّ بنِ أبي طالبٍ يَحكي اتفاقَ السلفِ على ذلك، وفي هذا نظَرٌ؛ فعدَمُ ضَرْبِهم لها لا يعني إسقاطَ الحقِّ؛ لأنَّ مِثْلَ هذه المسألةِ نادرةُ الوقوعِ؛ أن يَجتمعَ غُرَماءُ مع زوجةٍ لم يُدخَلْ بها، وطَلَّقَها زوجُها ولم يَفرِضْ لها، وبعضُ المسائلِ المشهورةِ يشقُّ على العالم أن يَحكِيَ الإجماعَ عندَ السلفِ فيها مع عدَمِ معرِفةِ الخلافِ عندَهم؛ فكيفَ بمسألةٍ ضيِّقةِ الحدوثِ؟ ! وتواطُؤُهُمْ على مِثْلِها لو حدَثَتْ بعيدٌ.
ومَن لم يُوجِبْ مُتْعةَ المفوَّضةِ، فالأَولى ألَّا يُوجِبَ متعةَ غيرِها مِن المطلَّقاتِ، ومَن أوجَبَ متعةَ الطلاقِ كلِّه، فأوَّلُ ما يجِبُ منه مُتْعةُ المفوَّضةِ.
وفي الآيةِ إشارةٌ إلى وجوبِ المهرِ للزواجِ، وهو أَولى مِن المُتْعةِ المختلَفِ فيها، وسمَّاه اللهُ فريضةً.
وفي الآيةِ أيضًا: دليلٌ على صِحَّةِ الزواجِ بلا تسميةِ مهرٍ؛ وهو قولُ عامَّةِ الفقهاءِ، مع عدَمِ سقوطِه حقًّا للزوجةِ ولو بعدَ الدخولِ، ولها إسقاطُهُ عنِ الزوجِ؛ فاللهُ تعالى ذكَرَ طلاقَ المفوَّضةِ هنا، ولا يطلِّقُ إلَّا زوجٌ صحيحُ الزواجِ.
ولا يجوزُ عندَ العقدِ الاتفاقُ على تركِ المهرِ؛ وإنَّما الجائزُ تركُ تقديرِهِ.
ما يجبُ به المَهْرُ:
والمهرُ يجبُ بأحدِ أمرَيْنِ:
الأوَّلُ: بالفَرْضِ، فيجبُ كاملًا إذا مَسَّ ودخَلَ بالزوجةِ، ويجِبُ نِصْفُهُ إذا لم يدخُلْ بها.
الثاني: بالمَسيسِ ولو لم يَفْرِضْهُ، فيَجِبُ للزَّوْجةِ مهرُ المِثْلِ.
стр. 483
وللشافعيِّ قولٌ آخَرُ؛ أنَّه يجبُ بمجرَّدِ العقدِ فقَطْ، والصوابُ: أنَّه لا يجبُ بالعقدِ إلَّا ما فُرِضَ وسُمِّيَ، وإلَّا فتَجِبُ المُتْعةُ ما لم يدخُلْ بالزوجةِ، وهذا ظاهرُ القرآنِ، فلو وجَبَ المهرُ بالعقدِ، لَمَا أسقَطَهُ اللهُ بالطلاقِ قبلَ الدخولِ بالزوجةِ، وجعَلَهُ مُتْعةً لمَنْ لم يَفْرِضْهُ، وأسقَطَ نصفَهُ في حالِ فرضِهِ قبلَ الدخولِ؛ لقولِهِ: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ولو كان المهرُ واجبًا بالعقدِ، لقالَ: "فنِصْفُ المَهْرِ"، وإنَّما قال: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾؛ لأنَّه لا وجودَ للمَهْرِ بلا فرضٍ أو مَسِيسٍ ولو تَمَّ العقدُ.
والسلفُ يتَّفِقونَ على أنَّ الطَّلَاقَ يُسقِطُ المَهْرَ؛ ما لم يُفرَضْ أو يُدخَلْ بالزوجةِ.
وأمَّا إذا طلَبَتِ الزوجةُ مِن الزوجِ تحديدَ المهرِ قبلَ طلاقِهِ لها، فطَلَّقَ ولم يُسَمِّ لها شيئًا، فمِن الأئمَّةِ: مَن لم يُوجِبْ لها مَهْرًا، وقال: إنَّ طلَبَها لا يكونُ كالفَرْضِ مِن الزوجِ، حتَّى يَفرِضَ هو؛ وهذا قولُ الشافعيَّةِ والحنابلةِ والمالكيَّةِ.
صداقُ من توفِّي زوجُهَا قبل دخوله:
ولو تُوُفِّيَ الزوجُ عن زوجتِهِ قبلَ أن يَمَسَّها، ولم يَفرِضْ لها شيئًا، فهِيَ تَرِثُهُ، ولكنْ هل لها حقٌّ مِن الصداقِ؟ اختَلَفوا في ذلك على قولَيْن:
الأوَّلُ: أنْ لا صَدَاقَ لها، وحُكْمُها حكمُ المطلَّقةِ قبلَ الفرضِ والمَسِيسِ؛ وهذا قولُ أكثرِ الصحابةِ؛ كعليٍّ وابنِ عُمَرَ وزَيْدٍ؛ كما رواهُ البيهقيُّ وغيرُهُ.
روى نافعٌ عنِ ابنِ عُمرَ؛ أنَّه قال: "ليس لها صَدَاقٌ، ولو كان لها صداقٌ، لم نَمْنَعْكُمُوهُ ولم نَظلِمْها" (١).
стр. 484
وبه قضى زيدٌ وابنُ عبَّاسٍ.
وهو قولُ الشافعيَّةِ والحنابلةِ في المشهورِ عندَهم.
الثَّاني: أنَّ الصداقَ واجبٌ؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ وأحمدَ، وقولٌ للشَّافعيِّ.
وبه قضى ابنُ مسعودٍ؛ فقال: "لها صَدَاقُ امرأةٍ مِن نِسَائِها؛ لا وَكْسَ ولا شطَطَ، وعليها العِدَّةُ، ولها الميراثُ" (١).
وجاء في "المسنَدِ" و"السُّننِ"؛ مِن حديثِ مَعقِلِ بنِ يَسَارٍ: "أنَّ النبيَّ ﷺ قَضَى لبِرْوَعَ بِنتِ واشِقٍ بالمَهْرِ حيثُ تُوُفِّيَ زَوْجُها، ولم يَفرِضْ لها" (٢).
وفي بعضِ الرواياتِ يُذكَرُ الدخولُ، وفي بعضِها لا يُذكَرُ.
والمتوفَّى عنها بعد الدخولِ بها بلا فرضٍ: لها المَهْرُ والميراثُ؛ لظواهرِ الأدلَّةِ.
* * *
قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
بعدَ أن ذكَرَ اللهُ المطلَّقةَ المفوَّضةَ بلا مَسيسٍ، بيَّن حُكْمَ مَن فرَضَ
стр. 485
لها زَوْجُها؛ حتَّى لا يَلْتبِسَ الحكمُ؛ وهذا مِن عدَمِ تأخيرِ البيانِ عن وقتِ حاجتِهِ.
وفي الآيةِ: دليلٌ على أنَّ المُتْعةَ إنَّما هي للمفوَّضةِ بلا مَسِيسٍ، وأنَّ مَن فُرِضَ لها المهرُ، فلا مُتْعةَ لها ولو لم يَمَسَّها زَوْجُها.
وإعطاءُ المطلَّقةِ المفروضِ لها التي لم يمَسَّها زوجُها نِصفَ المهرِ المقدَّرِ: لا يَختلِفُ فيه العلماءُ.
مهرُ مَنْ خلا بها زوجُها بلا مَسٍّ:
واختَلَفَ العلماءُ فيمَنْ خَلَا بزوجتِهِ، وطلَّقَها قبلَ أنْ يَمَسَّها؛ هل تستحِقُّ بذلك مهرًا كاملًا؛ باعتبارِ أنَّ الخَلْوةَ في حُكْمِ المَسِّ؛ لأنَّه مُكِّنَ منها فلم يَمَسَّها، أو أنَّ لها نِصْفَ المهرِ باعتبارِ تعلُّقِ النصِّ بالمَسِّ؟ وهذانِ قولانِ للعُلماءِ:
قال بالأوَّلِ - وهو قولُ جمهورِ الفقهاءِ -: مالكٌ وأبو حنيفةَ وأحمدُ والشافعيُّ في القديمِ، وهو قولُ الخلفاءِ مِن الصحابةِ.
قال بالثاني الشافعيُّ في الجديدِ، ورواهُ طاوُسٌ وعليُّ بنُ أبي طَلْحةَ عن ابنِ عبَّاسٍ.
والأظهرُ: أنَّ الخَلْوةَ التي يتمكَّنُ الزوجُ مِن مَسِّ زوجتِهِ لو أرادَ: تَمنَعُ سقوطَ شيءٍ مِن المهرِ بعد الطلاقِ؛ وَطِئَ الزوجُ زوجتَهُ أو لم يطَأْ.
وقيَّد بعضُ الفقهاءِ ذلك بألَّا يكونَ أحدُ الزوجَيْنِ مُحرِمًا أو مَرِيضًا لا يتحقَّقُ المَسُّ مِن مِثْلِه، أو لم تكُنْ حائضًا أو نفساءَ أو صائمةً صومًا لا يرخَّصُ في فِطْرِهِ كرمَضَانَ، أو تكونَ المرأةُ رَتْقاءَ، فإنَّه إذا كان كذلك ثمَّ طلَّقها، وجَبَ لها نِصْفُ المهرِ إذا لم يطَأْها.
وتجِبُ العِدَّةُ متى ما استَحَقَّتِ المَهْرَ كاملًا بالمسِّ وما في حُكْمِه.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ﴾: الفَرْضُ في موضعِ الحالِ؛
стр. 486
فيَشمَلُ فَرْضَهُ لها عندَ العقدِ وبَعْدَه؛ ما دامَ قبلَ الطلاقِ؛ وهذا قولُ الجمهورِ؛ خلافًا لأبي حنيفةَ في قولٍ؛ فيَرَى أنَّ الفرضَ بعدَ العقدِ لا يُوجِبُ النِّصْفَ لها، بل يَرَى أنَّ لها مَهْرَ المِثْلِ، وخالَفَهُ في ذلك صاحِبَاهُ، وذكَرَ غيرُ واحدٍ رجوعَ أبي حنيفةَ عن هذا.
وذهَبَ بعضُ السلفِ: إلى أنَّ للمطلَّقةِ - المفروضِ لها ولم تُمَسَّ - مُتْعةً كالمطلَّقةِ المفوَّضةِ؛ رُوِيَ هذا عن ابنِ عَبَّاسٍ وابنِ عُمَرَ، وأخَذَ به الشافعيُّ.
وأخَذُوا بعمومِ قولِهِ تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]، وبِقولِهِ تعالى في الأحزابِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩].
وبعضُ العلماءِ: جعَلَ آيةَ الأحزابِ عامَّةً لكلِّ مَن لم تُمَسَّ؛ فُرِضَ لها أو لم يُفرَضْ، وبعضُهُمْ جعَلَهَا محمولةً على المفوَّضةِ فحَسْبُ، وأنَّ آيةَ البَقَرةِ قَيَّدَتْ آيةَ الأحزابِ.
وقولُهُ تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾: بيانٌ أنَّ الحَقَّ للزَّوْجةِ في مَهْرِها، ولها حقُّ إسقاطِهِ عن زَوْجِها ومُسامَحَتِهِ، فلو عَفَتْ عنه وتنازَلَتْ، سقَطَ حقُّها، ولم يَجِبْ لها عليه شيءٌ؛ قال بهذا ابنُ عبَّاسٍ وابنُ المسيَّبِ وشُرَيْحٌ القاضي ومجاهِدٌ وعِكْرِمةُ وقتادةُ والحسَنُ وغيرُهم.
ولا أعلَمُ مَن قال بخلافِ هذا القولِ إلَّا محمَّدَ بنَ كَعْبٍ القُرَظيَّ؛ فجعَلَ المقصودَ بالعفوِ هنا للأزواجِ؛ ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾: الأَزواجُ (١).
ولا وَجْهَ لقولِهِ هذا.
стр. 487
الذي بيده عُقْدةُ النكاحِ:
وقولُهُ تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾:
اختلَفَ العلماءُ في المرادِ بمَنْ بِيَدِهِ عُقْدةُ النكاحِ، على قولَيْنِ:
قالت طائفةٌ: إنَّ المرادَ به الزوجُ؛ وهو قولُ عليٍّ، وهو قولٌ لابنِ عبَّاسٍ وشُرَيْحٍ، وقولُ ابنِ المسيَّبِ ومجاهِدٍ والشَّعْبيِّ وغيرِهم، وأخَذَ به أبو حنيفةَ والشافعيُّ.
وقالت طائفةٌ أخرى: إنَّ المرادَ به وليُّ أمرِ الزوجةِ؛ قال به علقمةُ وعطاءٌ وطاوُسٌ والنَّخَعيُّ، وأخذَ به مالكٌ والشافعيُّ في القديمِ.
روى عمرُو بنُ دينارٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄؛ في الذي ذكَرَ اللهُ بيدِهِ عُقْدةَ النكاحِ؛ قال: "ذلك أبوها أو أخوها، أو مَنْ لا تُنكَحُ إلَّا بإذنِه" (١).
وكان شُرَيْحٌ يقولُ بهذا القولِ، وقد أنكَرَ عليه الشَّعْبيُّ، فتَرَكَهُ إلى أنَّه الزوجُ، فتمسَّكَ به، فكان يُباهِلُ به.
وإنَّما اختلَفَتْ أقوالُ السلفِ في هذا؛ لأنَّ الذي بيدِهِ عُقْدةُ النكاحِ هو الوليُّ والزوجُ؛ فالأوَّلُ يُعطِي الإيجابَ، والثاني يُعطي القبولَ، ولا يَتِمُّ العقدُ إلَّا بهما، ولا ينفرِدُ واحدٌ منهما به، هذا مِن جهةِ ابتداءِ العقدِ، ولكن مِن جهةِ نهايتِهِ وانصرامِهِ وهَدْمِه، فهو بِيَدِ الزوجِ وَحْدَه، ليس بِيَدِ الوليِّ منه شيءٌ، والآيةُ ذكَرَتْ مَنْ بيَدِهِ عُقْدةُ النكاحِ بعدَ العقدِ، لا قَبْلَه.
ويُشكِلُ على الوليِّ: أنَّ المهرَ حَقٌّ للزَّوْجةِ، فلا يَحِقُّ للوليِّ أن يُسقِطَ حقَّ مَن تولَّى لِيَهَبَهُ لغيرِها، فهو لا يجوزُ له أخذُهُ لنفسِه، فضلًا أن يأخُذَهُ لغيرِه.
стр. 488
وروى عطاءُ بنُ أبي رَبَاحٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾؛ قال: "أقرَبُهما للتَّقْوى الذي يَعفو" (١).
والمرادُ بعفوِ الزوجِ: هو إسقاطُ نِصفِهِ مِن الذي فرَضَ لها، فيدَعُ المهرَ لها كامِلًا، وعَفْوُ الزَّوْجةِ: بإسقاطِ نصفِها لزوجِها.
والأمرُ فيها حَثٌّ على المسابَقةِ للمسامَحةِ والعفوِ، وهِبَةُ الحقِّ للآخَرِ أَطْيَبُ للنفسِ وأكسَرُ للطمع، وأجلَبُ لأَنْ يَستحييَ الطَّرَفُ الآخَرُ مِن كَرَمِ صاحبِه عليه، فلا يذكرُهُ إلَّا بخيرٍ، ثمَّ إنَّ مفارَقةَ الأزواجِ في مثلِ هذه الحالِ - أيْ: قبلَ المَسِّ - لها أثرُ عليهِما، فيتَدافَعانِ اللومَ والعَتْبَ؛ كلٌّ على صاحبِه، وإنِ افتَرَقَا، دعَتِ النفسُ إلى ذِكْرِ الآخَرِ بالسُّوءِ، فعَفْوُ أحدِهما عن حقِّه للآخَرِ يَعقِدُ اللسانَ عن ذِكْرِ السُّوءِ، ويَدْعُوهَا إلى ذِكْرِ الجميلِ وسَتْرِ القبيحِ، فيَستقبِلُ كلُّ واحدٍ بعدَ صاحبِهِ أمرًا آخَرَ بلا سَخِيمةٍ أو غِلٍّ.
وقد جاءتِ الشريعةُ بإصلاحِ البواطنِ بينَ العبادِ، وتدبيرِ سرائرِهم على تشريع مُحكَمٍ، لو أتَى به العبادُ مِن كلِّ وجهٍ، لم يختلِفوا مِن أيِّ وجهٍ.
فضلُ العفوِ والمسامحةِ في الحقوقِ:
وقولُهُ: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾: حَثٌّ على العفوِ والصَّفْحِ، والمسارَعَةِ بوضعِ الحقِّ؛ لأنَّه أجمَعُ للقلبِ وأسلَمُ مِن الكدَرِ؛ فالنفوسُ أُشْرِبَتِ الشُّحَّ، وتَشَبَّعَتْ به لِحَظِّ نَفْسِها، والشرِيعةُ تَدفَعُ ذلك امتحانًا واختبارًا؛ لأنَّ إهمالَ الغريزةِ النفسيَّةِ بلا ضبطٍ لها: يُهدِرُها ويُطْغِيها، فتفسُدُ النفوسُ وتَهلِكُ.
وأكثرُ الناسِ عفوًا وصفحًا الأتقياءُ، وأقلُّهم عفوًا وصفحًا قُساةُ القلوبِ.
стр. 489
وأسبَقُ الناسِ للعفوِ: أفضلُهم نَفْسًا، وأحبُّهم عندَ اللهِ، وأقربُهم إليه.
ثمَّ ذكَرَ اللهُ ما يقرِّبُ للعفوِ ويُعِينُ عليه؛ فقال: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ فحَثَّ على الفضلِ والتسابُقِ إليه، والفضلُ: الإحسانُ، وهو فِعْلُ ما ليس بواجبٍ، والفضلُ مِن الزوجِ: تكميلُ المهرِ، ومِن الزوجةِ: ترْكُ شَطْرِهِ الذي لها؛ قاله مجاهِدٌ (١).
ورُوِيَ أنَّ جُبَيْرَ بنَ مُطعِمٍ دخَلَ على سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ، فعرَضَ عليه بِنْتًا له، فتزوَّجَها، فلمَّا خرَجَ، طلَّقَها وبعَثَ إليها بالصداقِ كاملًا، فقيل له: لِمَ تزوَّجْتَها؟ فقال: عرَضَها عليَّ، فكَرِهْتُ ردَّه، قيل: فلِمَ بَعَثْتَ بالصداقِ كاملًا؟ قال: فأينَ الفضلُ؟ ! (٢)
حُسْنُ العهدِ:
وتذكُّرُ الفضلِ عملًا به لا يفعلُهُ إلَّا ذو النَّفْسِ الزكيَّةِ، وقد أمَرَ اللهُ بتذكُّرِ الفضلِ، وليس بين الزَّوجَيْنِ سابِقُ عهدٍ وأُلْفةٍ؛ فقد طَلَّقَها قبلَ أنْ يَمَسَّها ولم يَستمتِعْ بها؛ فكيف بالحثِّ على استحضارِ الفضلِ بين زوجَيْنِ طالَ اجتماعُهما وقُرْبُهما بعضِهما مِن بعضٍ؟ ! وعَظَّمَ الفضلَ السابقَ بينَهم؛ فإنَّ للخصومةِ اللاحقةِ والفراقِ بينَ المتحابَّيْنِ أثرًا في النفسِ يُنسي سابقَ العهدِ والفضلَ السابقَ؛ فقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾؛ لأنَّ ألَمَ الخلافِ يُنسي ذلك الفضلَ، فأمَرَ اللهُ باستجلابِه واستحضارِه؛ حتَّى تتوازَنَ النفسُ فتَعدِلَ وتُنصِفَ.
وكثيرًا ما يقَعُ خلافٌ يسيرٌ، فيُنسِي فضلَ سِنينَ وشهورٍ لو جاء الفضلُ بعدَ الخلافِ، لَطَغَى عليه ومَحاهُ، ولكنَّ النفوسَ تؤاخِذُ بالحال
стр. 490
ولو كان صغيرًا؛ لِقُوَّةِ حَرَارَتِه، وتَنسى السابِقَ ولو كان كبيرًا.
وروى عبدُ اللهِ بنُ عُبَيْدٍ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: (لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ عَضُوضٌ؛ يَعَضُّ المُؤْمِنُ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ، وَيَنْسَى الفَضْلَ) (١).
وقولُهُ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ أي: يَعلَمُ السابقَ واللاحقَ، ويُؤاخِذُكُمْ به؛ لِاطِّلاعِهِ عليه، فلا يَظلِمُ أحدًا لِلَاحِقَتِه، ويَنسى كما تَنْسَوْنَ سابقتَهُ.
واللهُ يَدْعو الزوجَيْنِ ووليَّ الزوجةِ إلى التبصُّرِ والتذكُّرِ بفضلِهِمُ السابقِ واللاحقِ، وعدَمِ الظلمِ والبغي فيما بينَهم، والشيطانُ يَحرِصُ على نِسْيانِ الخيرِ؛ ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]، وإذا نُسِيَ الخيرُ والحقُّ والفضلُ، حضَرَ غيرُهُ.
* * *
قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].
أمَرَ اللهُ بالمحافَظَةِ على الصلواتِ، ومرتبةُ المحافَظَةِ فوقَ مرتبةِ الأداءِ؛ لأنَّ الأداءَ يقَعُ مِن الفعلِ مَرَّةً، والمحافظةُ تكونُ على الدوامِ، ثمَّ أمَرَ اللهُ بالقيامِ قنوتًا للهِ؛ لبيانِ أنَّ القصدَ مِن الأمرِ بالصلاةِ ليس مجرَّدَ الأداءِ أوِ المداوَمَةِ على أيِّ وجهٍ جاء، دون أنْ يكونَ ذلك أداءً ومحافَظةً بقنوتٍ للهِ خالِصًا، وهذا يتضمَّنُ الأمرَ بالخشوعِ وحضورِ القلبِ، فمِن معاني القنوتِ: الدعاءُ، وطُولُ القيامِ، والسكوتُ، والخشوعُ، والإمساكُ عمَّا يُخِلُّ بالصلاةِ؛ وكلُّ ذلك مستلزِمٌ لحضورِ القلبِ.
стр. 491
الحكمةُ من الأمرِ بالصلاةِ بعد أحكامِ الطلاقِ والعِدَدِ والرجعةِ:
وجاء الأمرُ بعدَ ذِكْرِ أحكامِ الطلاقِ والعِدَدِ والرَّجْعةِ والصَّدَاقِ، وهذه صِلَةٌ بينَ الزوجَيْنِ، وللصلاةِ أثرٌ في الإحسانِ فيها، فأكثرُ الناسِ صلاةً وأدوَمُهم عليها أشدُّهم إحسانًا في فِعْلِه، وأحسنُ الناسِ تعامُلًا مع الخالقِ أحسَنُهُمْ تعامُلًا مع المخلوقِ؛ فالصلاةُ تَنْهَى عنِ الفحشاءِ والمنكَرِ، وتُعِينُ العبدَ على التواضُعِ للمخلوقِ؛ فأكثرُ الناسِ صلاةً أكثَرُهُمْ تواضُعًا، وقد حمَلَ بعضُ السلفِ قولَهُ تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] على التواضُعِ؛ قاله مجاهِدٌ (١).
والصلاةُ التي لا تُورِثُ صاحِبَها صلاحًا بينَهُ وبين الناسِ: قاصِرةٌ في حقيقتِها، فالصلاةُ تُصلِحُ صاحِبَها، ولازِمُ صلاحِهِ في نفسِهِ صلاحُهُ مع غيرِه؛ ولهذا أمَرَ اللهُ بالصلاةِ بعدَ ذِكْرِ أحكامِ صلةِ الزوجَيْنِ بعضِهما ببعضٍ، ومَن صلَحَ في بيتِهِ، صلَحَ في غيرِه، فالأخلاقُ تَبِينُ في البيوتِ وبين الأزواجِ، ولا تَبِينُ في الأَبْعَدِينَ، فقد تصلُحُ صلةٌ مع الأبعدِينَ وهي فاسِدةٌ مع الأقرَبِينَ؛ لطولِ المجالَسةِ والمنادَمةِ، ومشقَّةِ حبسِ النفسِ عن إخراجِ ما تطبَّعَتْ عليه مِن خُلُقٍ.
والمحافظةُ على الصَّلَواتِ مِن أفضلِ القُرُباتِ؛ ففي "الصحيحَيْنِ" عن ابنِ مسعودٍ؛ قال: سَأَلْتُ رسولَ اللهِ ﷺ : أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا)، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: (بِرُّ الْوَالِدَيْنِ)، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: (الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ) (٢).
والمحافَظَةُ على الصلاةِ زكاءٌ مِنَ النفاقِ، وطُهْرةٌ مِن السُّمْعةِ والرِّياءِ؛ لأنَّ الذي يُحافظُ عليهنَّ جميعًا يدورُ به الوقتُ في اليومِ والليلةِ
стр. 492
فيُصاحِبُهُ الإيمانُ كلَّ يومِهِ وليلتِه، والنِّفاقُ لا يُطِيقُ المداوَمَةَ؛ لأنَّ المنافِقَ يتصنَّعُ ويتكلَّفُ، والمداوَمَةُ تَستعصي عليه، ولو كانت صلاةً واحدةً، لَقَوِيَ المنافِقُ عليها تصنُّعًا وتكلُّفًا، ولكنْ كانتِ الصلواتُ خمسًا متفرِّقاتٍ بين ساعاتِ الليلِ والنهارِ، تدورُ مع العبدِ تمحِّصُ نِفاقَهُ، وتَنفي خَبَثَه، ولا يُحافِطُ على الصلاةِ إلَّا مؤمِنٌ.
الصلاةُ الوسطى:
وقد اختلَفَ المفسِّرونَ مِن السلفِ في الصلاةِ الوُسْطَى على أقوالٍ كثيرةٍ، وهي نحوٌ مِن عشرينَ قولًا، وقد صنَّف فيه بعضُ المتأخِّرينَ تصنيفًا في جَمعِها؛ ومنها القويُّ، ومنها الضعيفُ، ومنها ما لا يُلتفَتُ إليه؛ وإنَّما قال به واحدٌ ولم يُتابَعْ عليهِ؛ فقيل: إنَّها صلاةُ العصرِ والفجرِ والظُّهْرِ والمغربِ والعشاءِ والجمعةِ والوِتْرِ والخوفِ والعِيدَيْنِ والضُّحَا، ومنهم مَن قال: هي صَلاتانِ، وقيل: أكثَرُ، وقيل: إنَّها أُبهِمَتْ، وقيلَ غيرُ ذلك.
وقد روى ابنُ جريرٍ، عن قتادةَ يحدِّثُ عَن سعيدِ بنِ المسيَّبِ؛ قال: "كان أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ مُختلِفِينَ في الصلاةِ الوُسْطَى هكذا، وشَبَّكَ بينَ أصابعِهِ" (١).
وأقوى تلك الأقوالِ: القولُ بأنَّها صلاةٌ العصرِ، وصلاةُ الفجرِ، ثمَّ القولُ بأنَّ اللهَ أَبْهَمَها وقد يصدُقُ على أيِّ واحدةٍ منهنَّ.
وأكثرُ السلفِ وجمهورُ الفقهاءِ: على أنَّها صلاةُ العصرِ؛ وذلك لما ثبَتَ في "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ ابنِ مَسعودٍ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال يومَ الأحزابِ: (شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى؛ صَلَاةِ الْعَصْرِ) (٢).
وفي "صحيحِ مسلِمٍ"؛ مِن حديثِ أبي يُونُسَ مولى عائشةَ، عن
стр. 493
عائشةَ؛ أنَّها أَمْلَتْ عليه في مُصْحَفِها عندَ قولِه: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ أن يَكتُبَ: "صَلَاةِ العَصْرِ" (١).
وعِندَهُ مِن حديثِ شَقِيقِ بنِ عُقْبةَ، عن البَرَاءِ بنِ عازبٍ؛ قال: "نزَلَتْ: "حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ"، فقرَأْناها على رسولِ اللهِ ﷺ ما شاءَ اللهُ، ثمَّ نسَخَها اللهُ ، فأنزَلَ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، فقال له زاهِرٌ - رجُلٌ كان مع شَقِيقٍ -: أفهِيَ العصرُ؟ قال: قد حدَّثْتُكَ كيفَ نزَلَتْ، وكيفَ نسَخَها اللهُ " (٢).
وقد قال به عليٌّ وابنُ عبَّاسٍ وابنُ مسعودٍ وأُبَيٌّ وأبو هُرَيْرةَ وغيرُهم.
وأخَذَ به أبو حنيفةَ والشافعيُّ وأحمدُ، وصوَّبَهُ ابنُ جريرٍ في تفسيرِه (٣).
قال التِّرْمِذيُّ: "وهو قولُ أكثرِ العلماءِ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ وغيرِهم" (٤).
وهو أرجحُ الأقوالِ؛ لصِحَّةِ الحديثِ، ولا مخالِفَ لعليِّ بنِ أبي طالبٍ مِن الخلفاءِ، وإذا صحَّ قولٌ عن خليفةٍ، ولم يخالِفْهُ مثلُهُ، فهو أقربُ إلى الصوابِ، ما لم يخالِفْهُ دليلٌ مرفوعٌ صحيحٌ.
وقال بأنَّها صلاةُ الصُّبْحِ: معاذٌ وابنُ عبَّاسٍ في القولِ الأصحِّ عنه، وقال به جابرٌ، وأخذَ به مالكٌ، وهو قولُ للشافعيِّ في الجديدِ.
لأنَّ صلاةَ الصُّبْحِ بين صَلاتَيْنِ نهاريَّتَيْنِ وليليَّتَيْنِ، وجعَلَ بعضُ السلفِ قولُهُ تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ قرينةً على كونِها الفَجْرَ؛ لأنَّ القنوتَ الدعاءُ، ويكونُ في صلاةِ الفجرِ، ويُروى هذا عن بعضِ السلفِ؛ كابنِ عَبَّاسٍ، وقال به بعضُ فقهاءِ المالكيَّةِ.
стр. 494
وفي تفسيرِ القنوتِ في الآيةِ بالدعاءِ في الصُّبْحِ نَظَرٌ.
والمرادُ بالتوسُّطِ: توسُّطُها زَمَنًا، لا صِفَةً؛ كما ذهَبَ إليه قَبِيصةُ بنُ ذُؤَيْبٍ (١)؛ حيثُ جعلَ الصلاةَ الوُسْطَى صلاةَ المَغْرِبِ؛ لأنَّ رَكَعَاتِها ثلاثٌ؛ فهِيَ وُسْطَى بهذا الاعتبارِ، فما فوقَها مِن الفرائصِ أربَعٌ، وما دونَها اثنَتانِ.
وقولُهُ مخالِفٌ لسياقِ الآيةِ، ولما عليه السلفُ.
ولا يُعرَفُ عن السلفِ القولُ بأنَّها صلاةُ العشاءِ؛ وإنَّما هو قولٌ لبعضِ الفقهاءِ بعدَهم.
وقد صَحَّ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ؛ أنَّه سُئِلَ عنها؟ فقال: "هي فِيهِنَّ؛ فحافِظُوا عليهِنَّ كُلِّهِنَّ"؛ رَواهُ عنهُ نافعٌ (٢).
فضلُ الصلاةِ في مشقَّتها:
ومُقتضى النصوصِ: أنَّ الصلاةَ كلَّما كانت أشقَّ، كانت أعظَمَ أجرًا، والناسُ يختلِفونَ في المشقَّةِ وعوارضِها عليهم؛ فالمسافِرُ ليس كالمُقِيمِ، والصدرُ الأوَّلُ يختلِفُ عن زمانِنا اليومَ، والعصرُ في زمنِهم وقتُ تكسُّبٍ ورِزْقٍ وضربٍ في الأسواقِ؛ ولذا جاء تعظيمُ صلاةِ العشاءِ في نصوصٍ كثيرةٍ هي وصلاةِ الفَجْرِ.
وجاء تعظيمُ صلاةِ العشاءِ والفجرِ وفضلُهما؛ لكونِهما مَظِنَّةَ راحةٍ ونومٍ؛ فالعشاءُ أوَّلُ النَّوْمِ، والفجرُ آخِرُه.
وإذا شَقَّتِ الصلاةُ في زمنٍ أو على شخصٍ، كان أجرُها لو أدَّاها أعظَمَ مِمَّن يؤدِّيها وهي عليه يسيرةٌ، وأثرُها عليه في نفيِ نفاقِهِ وصلاحِ سريرتِهِ أعظَمُ مِن غيرِها مِن الصلواتِ؛ فمَنْ كان ليلُهُ معاشًا كالمرابِطِينَ
стр. 495
والمحتسِبِينَ والحُرَّاسِ، أوِ العُمَّالِ والصُّنَّاعِ الذين يتناوَبونَ على عملٍ لا ينقَطِعُ؛ فإنَّ نومَهُ سيكونُ نهارًا، فصلاةُ النهارِ في حَقِّهِ أعظَمُ؛ لأنَّها أشقُّ؛ هذا مِنْ جهةِ المشقَّةِ.
وللصلواتِ فضلٌ مِن جهاتٍ أُخرى لا يُلْغِيهِ تقلُّبُ الزمانِ وتغيُّرُ المكانِ والحالِ؛ كفَضْلِ الفجرِ لشهودِ الملائكةِ لها: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، وصلاةِ البَرْدَيْنِ، وصلاةِ الليلِ لنزولِ الرحمنِ في الثلثِ الأخيرِ مِن الليلِ؛ فلا يقالُ: إنَّ صلاةَ النهارِ أفضَلُ مِن صلاةِ الليلِ لِمَن يَسهَرُ الليلَ وينامُ النهارَ؛ لأنَّ فضلَ قيامِ الليلِ لنزولِ الرحمنِ وخفاءِ العبادةِ فيه عنِ الناسِ؛ وهذا ثابتٌ لا يتحوَّلُ مع تغيُّرِ حالِ الفردِ في نفسِهِ، ولكنَّ أسبابَ التفضيلِ تتنوَّعُ، واجتماعُها في عبادةٍ أقوى مِن تفرُّقِها في عباداتٍ.
وربَّما كان هذا الوجهُ هو ما جعَلَ بعضَ السلفِ كابنِ عُمَرَ يَمِيلُ إلى أنَّها ليست في صلاةٍ معيَّنةٍ وأنَّها عامَّةٌ؛ وهذا ما مال إليه ابنُ عبدِ البَرِّ وابنُ العرَبِيِّ المالكيَّان، وقال به إمامُ الحرَمَيْنِ مِن الشافعيَّةِ، وغيرُهم.
ولابنِ عُمَرَ قولٌ في تعيينِها تقدَّمَ، ولعلَّ قولَهُ في عدَمِ تعيينِها؛ حتَّى لا يَتَّكِلَ الناسُ على الوُسْطَى ويفرِّطوا في غيرِها، ورُوِيَ هذا المعنى عن بعضِ السلفِ؛ كالرَّبيعِ بنِ خُثَيْمٍ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ وغيرِهما.
الكلامُ في الصلاةِ:
وقولُهُ تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾؛ فُسِّرَ القنوتُ على معانٍ عِدَّةٍ، وكلُّها دالَّةٌ بالصيغةِ أوِ اللزومِ على الخشوعِ وأهميَّتِه.
وفي الآيةِ: وجوبُ تركِ الكلامِ في الصلاةِ إلَّا المشروعَ؛ ففي "الصحيحَيْنِ"؛ عن زيدِ بنِ أرقمَ، قال: "كان الرَّجُلُ يُكَلِّمُ صاحِبَهُ في عهدِ النَّبِيِّ ﷺ في الحاجةِ في الصَّلَاةِ، حتَّى نزَلَتْ هذه الآيةُ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ