← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الحكمةُ من الأمرِ بالصلاةِ بعد أحكامِ الطلاقِ والعِدَدِ والرجعةِ: وجاء الأمرُ بعدَ ذِكْرِ أحكامِ الطلاقِ والعِدَدِ والرَّجْعةِ والصَّدَاقِ، وهذه صِلَةٌ بينَ الزوجَيْنِ، وللصلاةِ أثرٌ في الإحسانِ فيها، فأكثرُ الناسِ صلاةً وأدوَمُهم عليها أشدُّهم إحسانًا في فِعْلِه، وأحسنُ الناسِ تعامُلًا مع الخالقِ أحسَنُهُمْ تعامُلًا مع المخلوقِ؛ فالصلاةُ تَنْهَى عنِ الفحشاءِ والمنكَرِ، وتُعِينُ العبدَ على التواضُعِ للمخلوقِ؛ فأكثرُ الناسِ صلاةً أكثَرُهُمْ تواضُعًا، وقد حمَلَ بعضُ السلفِ قولَهُ تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] على التواضُعِ؛ قاله مجاهِدٌ (١). والصلاةُ التي لا تُورِثُ صاحِبَها صلاحًا بينَهُ وبين الناسِ: قاصِرةٌ في حقيقتِها، فالصلاةُ تُصلِحُ صاحِبَها، ولازِمُ صلاحِهِ في نفسِهِ صلاحُهُ مع غيرِه؛ ولهذا أمَرَ اللهُ بالصلاةِ بعدَ ذِكْرِ أحكامِ صلةِ الزوجَيْنِ بعضِهما ببعضٍ، ومَن صلَحَ في بيتِهِ، صلَحَ في غيرِه، فالأخلاقُ تَبِينُ في البيوتِ وبين الأزواجِ، ولا تَبِينُ في الأَبْعَدِينَ، فقد تصلُحُ صلةٌ مع الأبعدِينَ وهي فاسِدةٌ مع الأقرَبِينَ؛ لطولِ المجالَسةِ والمنادَمةِ، ومشقَّةِ حبسِ النفسِ عن إخراجِ ما تطبَّعَتْ عليه مِن خُلُقٍ. والمحافظةُ على الصَّلَواتِ مِن أفضلِ القُرُباتِ؛ ففي "الصحيحَيْنِ" عن ابنِ مسعودٍ؛ قال: سَأَلْتُ رسولَ اللهِ ﷺ : أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا)، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: (بِرُّ الْوَالِدَيْنِ)، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: (الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ) (٢). والمحافَظَةُ على الصلاةِ زكاءٌ مِنَ النفاقِ، وطُهْرةٌ مِن السُّمْعةِ والرِّياءِ؛ لأنَّ الذي يُحافظُ عليهنَّ جميعًا يدورُ به الوقتُ في اليومِ والليلةِ

стр. 492

فيُصاحِبُهُ الإيمانُ كلَّ يومِهِ وليلتِه، والنِّفاقُ لا يُطِيقُ المداوَمَةَ؛ لأنَّ المنافِقَ يتصنَّعُ ويتكلَّفُ، والمداوَمَةُ تَستعصي عليه، ولو كانت صلاةً واحدةً، لَقَوِيَ المنافِقُ عليها تصنُّعًا وتكلُّفًا، ولكنْ كانتِ الصلواتُ خمسًا متفرِّقاتٍ بين ساعاتِ الليلِ والنهارِ، تدورُ مع العبدِ تمحِّصُ نِفاقَهُ، وتَنفي خَبَثَه، ولا يُحافِطُ على الصلاةِ إلَّا مؤمِنٌ. الصلاةُ الوسطى: وقد اختلَفَ المفسِّرونَ مِن السلفِ في الصلاةِ الوُسْطَى على أقوالٍ كثيرةٍ، وهي نحوٌ مِن عشرينَ قولًا، وقد صنَّف فيه بعضُ المتأخِّرينَ تصنيفًا في جَمعِها؛ ومنها القويُّ، ومنها الضعيفُ، ومنها ما لا يُلتفَتُ إليه؛ وإنَّما قال به واحدٌ ولم يُتابَعْ عليهِ؛ فقيل: إنَّها صلاةُ العصرِ والفجرِ والظُّهْرِ والمغربِ والعشاءِ والجمعةِ والوِتْرِ والخوفِ والعِيدَيْنِ والضُّحَا، ومنهم مَن قال: هي صَلاتانِ، وقيل: أكثَرُ، وقيل: إنَّها أُبهِمَتْ، وقيلَ غيرُ ذلك. وقد روى ابنُ جريرٍ، عن قتادةَ يحدِّثُ عَن سعيدِ بنِ المسيَّبِ؛ قال: "كان أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ مُختلِفِينَ في الصلاةِ الوُسْطَى هكذا، وشَبَّكَ بينَ أصابعِهِ" (١). وأقوى تلك الأقوالِ: القولُ بأنَّها صلاةٌ العصرِ، وصلاةُ الفجرِ، ثمَّ القولُ بأنَّ اللهَ أَبْهَمَها وقد يصدُقُ على أيِّ واحدةٍ منهنَّ. وأكثرُ السلفِ وجمهورُ الفقهاءِ: على أنَّها صلاةُ العصرِ؛ وذلك لما ثبَتَ في "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ ابنِ مَسعودٍ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال يومَ الأحزابِ: (شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى؛ صَلَاةِ الْعَصْرِ) (٢). وفي "صحيحِ مسلِمٍ"؛ مِن حديثِ أبي يُونُسَ مولى عائشةَ، عن

стр. 493

عائشةَ؛ أنَّها أَمْلَتْ عليه في مُصْحَفِها عندَ قولِه: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ أن يَكتُبَ: "صَلَاةِ العَصْرِ" (١). وعِندَهُ مِن حديثِ شَقِيقِ بنِ عُقْبةَ، عن البَرَاءِ بنِ عازبٍ؛ قال: "نزَلَتْ: "حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ"، فقرَأْناها على رسولِ اللهِ ﷺ ما شاءَ اللهُ، ثمَّ نسَخَها اللهُ ، فأنزَلَ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، فقال له زاهِرٌ - رجُلٌ كان مع شَقِيقٍ -: أفهِيَ العصرُ؟ قال: قد حدَّثْتُكَ كيفَ نزَلَتْ، وكيفَ نسَخَها اللهُ " (٢). وقد قال به عليٌّ وابنُ عبَّاسٍ وابنُ مسعودٍ وأُبَيٌّ وأبو هُرَيْرةَ وغيرُهم. وأخَذَ به أبو حنيفةَ والشافعيُّ وأحمدُ، وصوَّبَهُ ابنُ جريرٍ في تفسيرِه (٣). قال التِّرْمِذيُّ: "وهو قولُ أكثرِ العلماءِ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ وغيرِهم" (٤). وهو أرجحُ الأقوالِ؛ لصِحَّةِ الحديثِ، ولا مخالِفَ لعليِّ بنِ أبي طالبٍ مِن الخلفاءِ، وإذا صحَّ قولٌ عن خليفةٍ، ولم يخالِفْهُ مثلُهُ، فهو أقربُ إلى الصوابِ، ما لم يخالِفْهُ دليلٌ مرفوعٌ صحيحٌ. وقال بأنَّها صلاةُ الصُّبْحِ: معاذٌ وابنُ عبَّاسٍ في القولِ الأصحِّ عنه، وقال به جابرٌ، وأخذَ به مالكٌ، وهو قولُ للشافعيِّ في الجديدِ. لأنَّ صلاةَ الصُّبْحِ بين صَلاتَيْنِ نهاريَّتَيْنِ وليليَّتَيْنِ، وجعَلَ بعضُ السلفِ قولُهُ تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ قرينةً على كونِها الفَجْرَ؛ لأنَّ القنوتَ الدعاءُ، ويكونُ في صلاةِ الفجرِ، ويُروى هذا عن بعضِ السلفِ؛ كابنِ عَبَّاسٍ، وقال به بعضُ فقهاءِ المالكيَّةِ.

стр. 494

وفي تفسيرِ القنوتِ في الآيةِ بالدعاءِ في الصُّبْحِ نَظَرٌ. والمرادُ بالتوسُّطِ: توسُّطُها زَمَنًا، لا صِفَةً؛ كما ذهَبَ إليه قَبِيصةُ بنُ ذُؤَيْبٍ (١)؛ حيثُ جعلَ الصلاةَ الوُسْطَى صلاةَ المَغْرِبِ؛ لأنَّ رَكَعَاتِها ثلاثٌ؛ فهِيَ وُسْطَى بهذا الاعتبارِ، فما فوقَها مِن الفرائصِ أربَعٌ، وما دونَها اثنَتانِ. وقولُهُ مخالِفٌ لسياقِ الآيةِ، ولما عليه السلفُ. ولا يُعرَفُ عن السلفِ القولُ بأنَّها صلاةُ العشاءِ؛ وإنَّما هو قولٌ لبعضِ الفقهاءِ بعدَهم. وقد صَحَّ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ؛ أنَّه سُئِلَ عنها؟ فقال: "هي فِيهِنَّ؛ فحافِظُوا عليهِنَّ كُلِّهِنَّ"؛ رَواهُ عنهُ نافعٌ (٢). فضلُ الصلاةِ في مشقَّتها: ومُقتضى النصوصِ: أنَّ الصلاةَ كلَّما كانت أشقَّ، كانت أعظَمَ أجرًا، والناسُ يختلِفونَ في المشقَّةِ وعوارضِها عليهم؛ فالمسافِرُ ليس كالمُقِيمِ، والصدرُ الأوَّلُ يختلِفُ عن زمانِنا اليومَ، والعصرُ في زمنِهم وقتُ تكسُّبٍ ورِزْقٍ وضربٍ في الأسواقِ؛ ولذا جاء تعظيمُ صلاةِ العشاءِ في نصوصٍ كثيرةٍ هي وصلاةِ الفَجْرِ. وجاء تعظيمُ صلاةِ العشاءِ والفجرِ وفضلُهما؛ لكونِهما مَظِنَّةَ راحةٍ ونومٍ؛ فالعشاءُ أوَّلُ النَّوْمِ، والفجرُ آخِرُه. وإذا شَقَّتِ الصلاةُ في زمنٍ أو على شخصٍ، كان أجرُها لو أدَّاها أعظَمَ مِمَّن يؤدِّيها وهي عليه يسيرةٌ، وأثرُها عليه في نفيِ نفاقِهِ وصلاحِ سريرتِهِ أعظَمُ مِن غيرِها مِن الصلواتِ؛ فمَنْ كان ليلُهُ معاشًا كالمرابِطِينَ

стр. 495

والمحتسِبِينَ والحُرَّاسِ، أوِ العُمَّالِ والصُّنَّاعِ الذين يتناوَبونَ على عملٍ لا ينقَطِعُ؛ فإنَّ نومَهُ سيكونُ نهارًا، فصلاةُ النهارِ في حَقِّهِ أعظَمُ؛ لأنَّها أشقُّ؛ هذا مِنْ جهةِ المشقَّةِ. وللصلواتِ فضلٌ مِن جهاتٍ أُخرى لا يُلْغِيهِ تقلُّبُ الزمانِ وتغيُّرُ المكانِ والحالِ؛ كفَضْلِ الفجرِ لشهودِ الملائكةِ لها: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، وصلاةِ البَرْدَيْنِ، وصلاةِ الليلِ لنزولِ الرحمنِ في الثلثِ الأخيرِ مِن الليلِ؛ فلا يقالُ: إنَّ صلاةَ النهارِ أفضَلُ مِن صلاةِ الليلِ لِمَن يَسهَرُ الليلَ وينامُ النهارَ؛ لأنَّ فضلَ قيامِ الليلِ لنزولِ الرحمنِ وخفاءِ العبادةِ فيه عنِ الناسِ؛ وهذا ثابتٌ لا يتحوَّلُ مع تغيُّرِ حالِ الفردِ في نفسِهِ، ولكنَّ أسبابَ التفضيلِ تتنوَّعُ، واجتماعُها في عبادةٍ أقوى مِن تفرُّقِها في عباداتٍ. وربَّما كان هذا الوجهُ هو ما جعَلَ بعضَ السلفِ كابنِ عُمَرَ يَمِيلُ إلى أنَّها ليست في صلاةٍ معيَّنةٍ وأنَّها عامَّةٌ؛ وهذا ما مال إليه ابنُ عبدِ البَرِّ وابنُ العرَبِيِّ المالكيَّان، وقال به إمامُ الحرَمَيْنِ مِن الشافعيَّةِ، وغيرُهم. ولابنِ عُمَرَ قولٌ في تعيينِها تقدَّمَ، ولعلَّ قولَهُ في عدَمِ تعيينِها؛ حتَّى لا يَتَّكِلَ الناسُ على الوُسْطَى ويفرِّطوا في غيرِها، ورُوِيَ هذا المعنى عن بعضِ السلفِ؛ كالرَّبيعِ بنِ خُثَيْمٍ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ وغيرِهما. الكلامُ في الصلاةِ: وقولُهُ تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾؛ فُسِّرَ القنوتُ على معانٍ عِدَّةٍ، وكلُّها دالَّةٌ بالصيغةِ أوِ اللزومِ على الخشوعِ وأهميَّتِه. وفي الآيةِ: وجوبُ تركِ الكلامِ في الصلاةِ إلَّا المشروعَ؛ ففي "الصحيحَيْنِ"؛ عن زيدِ بنِ أرقمَ، قال: "كان الرَّجُلُ يُكَلِّمُ صاحِبَهُ في عهدِ النَّبِيِّ ﷺ في الحاجةِ في الصَّلَاةِ، حتَّى نزَلَتْ هذه الآيةُ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ

стр. 496

قَانِتِينَ﴾؛ فأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ" (١). والنهيُ عنِ الكلامِ في الصلاةِ كان بِمَكَّةَ قبلَ الهجرةِ، والآيةُ مدنيَّةٌ أَكَّدَتِ الحُكْمَ وثَبَّتَتْهُ، وربَّما استدَلَّ به زيدٌ على الحُكْمِ، وهذا لا يُنافي ثبوتَهُ سابقًا، وهذا يَرِدُ كثيرًا في تفسيرِ السلفِ؛ يستدِلُّونَ بدليلٍ نزَلَ في مناسَبةٍ لاحقةٍ على ما يشابِهُها مِن المناسَباتِ السابقةِ، فيَذْكُرونَ الدليلَ بِما يُفهَمُ منه أنَّه سببُ النزولِ فيها؛ فيُظَنُّ أنَّ السلفَ اختَلَفُوا في سببِ النزولِ. وقد جاءَ عنِ ابنِ مسعودٍ؛ قال: "كنَّا نُسَلِّمُ على النبيِّ ﷺ قبلَ أنْ نُهاجِرَ إلى الحَبَشةِ، وهو في الصَّلَاةِ، فيَرُدُّ علينا، قال: فلمَّا قَدِمْنَا، سَلَّمْتُ عليه، فلم يَرُدَّ عَلَيَّ، فأَخَذَني مَا قَرُبَ وَمَا بَعُدَ، فلَمَّا سَلَّمَ، قَالَ: (إِنَّي لَمْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ فِي الصَّلَاةِ، وإنَّ اللهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ أَلَّا يُتَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ" (٢). وفي "صحيحِ مسلمٍ"؛ أنَّه ﷺ قالَ لمعاويةَ بنِ الحكَمِ السُّلَميِّ، حِينَ تكلَّمَ في الصلاةِ: (إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ؛ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ) (٣). وقد فسِّرَ القنوتُ بالطاعةِ؛ وهو مرويٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ وعطاءٍ والشَّعْبيِّ ومجاهِدٍ وطاوُسٍ وغيرِهم، والمرادُ بالطاعةِ: الإخلاصُ والتجرُّدُ له بالتعبُّدِ؛ ولذا قالَ: ﴿لِلَّهِ﴾؛ أي: لا لغيرِه. وهذا أعمُّ وأوسَعُ المعاني في تأويلِ القنوتِ، ويدخُلُ فيه غيرُهُ مِن التفاسيرِ الأخرى؛ كتفسيرِ القنوتِ بالسكوتِ، وهو الإمساكُ عنِ الكلامِ

стр. 497

فيها على ما تقدَّمَ؛ فالمُنشغِلُ في صلاتِهِ بالكلام مع الناسِ لم يَتِمَّ قيامُهُ للهِ، بل وقَفَ ليُحادِثَ فلانًا وفلانًا؛ فالناسُ يَلْتَقُونَ في المساجدِ ما لا يَلْتَقُونَ في غيرِها، فإذا انشغَلُوا بالكلامِ والمسامَرةِ فيها، ما كان القيامُ للهِ، وإنَّما يَلتقُونَ ويتَجاوَرُونَ في الصلاةِ للحديثِ والكلامِ في الدنيا. ومِثْلُ هذا مَنْ فسَّر القنوتَ بالخشوعِ والخضوعِ والرَّهْبةِ؛ كمجاهِدِ بنِ جَبْرٍ وغيرِه. * * * قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩]. ترَكَ النبيُّ ﷺ صلاةَ العصرِ يومَ الخَنْدَقِ لمَّا شغَلَهُ المشرِكُونَ عنها؛ وذلك في شَوَّالٍ مِن السَّنَةِ الخامسةِ منها؛ كما قاله ابنُ إسحاقَ. وقيلَ: في ذي القَعْدةِ. وكانت صلاةُ الخوفِ لم تُشْرَعُ بَعْدُ؛ ولذا ترَكَ النبيُّ ﷺ صلاةَ العصرِ، ولم يصلِّها حتَّى خرَجَ وقتُها، وظاهرُ الحالِ: أنَّه يَعلَمُ ولم يَنْسَ، ولكنَّه شُغِلَ بالمشركينَ وقِتَالِهم، فأنزَلَ اللهُ عليه هذه الآيةَ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، والرِّجَالُ: جمعُ رَاجِلٍ؛ أيْ: ماشٍ على قدَمَيْهِ؛ أيْ: لا تترُكُوهَا على كلِّ حالٍ في وقتِها، فمَن لم يستَطِعْ أداءَها بطُمَأْنينةٍ جماعةً أو فُرادَى، فليؤدِّها راجِلًا ماشيًا، أو راكبًا على دَابَّةٍ، أو سيَّارةٍ، أو طائرةٍ، أو سفينةٍ. مراتبُ العجزِ عن أداءِ الصلاة عند العدُوِّ: والواجبُ التدرُّجُ في ذلك على مراتِبَ:

стр. 498

الأُولى: مَنِ استطاعَ أداءَها جماعةً أو جماعتَيْنِ بإمامٍ واحدٍ أو إمامَيْنِ؛ كما في صلاةِ الخوفِ، وجَبَ عليهِ أن يصلِّيَها كذلك، وألَّا يَدَعَ الجماعةَ لِعِلَّةِ الغَزْوِ فقَطْ، ولا يجازِفَ ويغامِرَ فيصلِّيَ جماعةً في حالِ خوفٍ وخطرٍ، فيُبِيدَهم العدوُّ في موضعٍ واحدٍ. الثانيةُ: إذا شَقَّتِ الصلاةُ جماعةً أنْ يصلِّيَهَا، وهو يتمكَّنُ مِن أدائِها تامَّةً منفرِدًا بقيامٍ وركوعٍ وسجودٍ وخشوعٍ، وجَبَ عليه أنْ يؤدِّيَها بتلك الحالِ، ولا يجوزُ أداؤُها ماشيًا أو راكبًا بلا حاجةٍ. الثالثةُ: عندَ العجزِ عن أدائِها بهيئتِها قيامًا وركوعًا وسجودًا، فيصلِّيها راكبًا وماشيًا، ولا حرَجَ؛ للآيةِ، وبها استدل أحمد بن حنبل على ذلك (١). وكان أحمد يجعل حكم الأسير كذلك، فإن خاف من أداء الصلاة وهو يسار به أو يمنع من الصلاة، أنه يومئ إيماء الظاهر الآية (٢). استقبالُ القبلةِ في صلاةِ الخوفِ: ومَن تعذَّر عليه استقبالُ القِبْلةِ، واحتاج لاستقبالِ العَدُوِّ، أو حِرَاسةِ ثَغْرٍ يَخشى أن يُفاجَأَ معه، سقَطَ عنه وجوبُ استقبالِ القِبْلةِ؛ وبهذا قال عامَّةُ السلفِ وأكثرُ الخلفِ، وقد روى نافعٌ؛ أنَّ ابنَ عُمَرَ كان إذا سُئِلَ عن صلاةِ الخوفِ، وَصَفَها، ثمَّ قال: "فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ هُوَ أَشَدَّ مِنْ ذلك، صَلَّوْا رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ أَوْ رُكْبَانًا، مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا"؛ قال نافعٌ: لا أرى ابنَ عُمرَ ذكَرَ ذلك إلَّا عن رسولِ اللهِ ﷺ ؛ رواهُ مالكٌ والبخاريُّ (٣). ويُومِئُ الراجِلُ والراكِبُ إيماءً حيثُ كان وجهُهُ، ويكبِّرُ بلسانِهِ مستحضِرًا بقَلْبِهِ مواضِعَ الصلاةِ.

стр. 499

ويُنسَبُ لأبي حنيفةَ القولُ بعَدَمِ الترخُّصِ بتركِ القبلةِ بحالٍ؛ وهو ضعيفٌ. ورُوِيَ عنه تركُ الصلاةِ وقتَ المواجَهةِ بالمسايَفةِ وشبهِها، فلا تصلَّى عندَهُ بحالٍ إلَّا عندَ الطمأنينةِ؛ وهذا مخالِفٌ للدليلِ. وقد يتعذَّرُ على المجاهِدِ أداءُ الصلاةِ ولو ماشيًا أو راكبًا في وقتِ المواجَهةِ التامَّةِ طولَ وقتِ الصلاةِ، فلا يجِدُ قلبًا يجمَعُ معَهُ عَدَّ الركعاتِ وحضورَ النفسِ لتمييزِ مواضعِها؛ فهذه حالةٌ خاصَّةٌ لها حُكْمُها، ولصاحبِها عُذْرُه. وصحَّ عنِ النبيِّ ﷺ : أنَّ صلاةَ الخوفِ ركعةٌ؛ كما ثبَتَ في "الصحيحِ"، عن مجاهِدٍ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: "فرَضَ اللهُ الصَّلَاةَ على لسانِ نبِيِّكُمْ ﷺ في الحَضَرِ أَرْبَعًا، وفي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وفي الخَوْفِ رَكْعَةً" (١). ورُوِيَ هذا عن زيدِ بنِ ثابتٍ وجابرٍ، وقال به إسحاقُ. وقال قتادةُ والحسَنُ: "تُجزِئُ ركعةٌ؛ إنْ شَقَّتْ عليه الاثنَتَانِ". وقال الشافعيُّ ومالكٌ والجمهورُ: صلاةُ الخوفِ كصلاةِ الأمنِ في عددِ الركعاتِ؛ إن كانت في الحضَرِ، وجَبَ أربَعُ ركعاتٍ، وإن كانت في السَّفَرِ، وجَبَ ركعتانِ، وحَمَلُوا ما جاء في حديثِ ابنِ عبَّاسٍ على صلاةِ الخوفِ جَمَاعةً؛ يصلُّونَ مع الإمامِ ركعةً، ويَقْضُونَ الأُخَرى. ورُوِيَ عن بعضِ السلفِ: أنَّ صلاةَ الراجِلِ والراكِبِ رَكْعَتَانِ في كلِّ صلاةٍ، ولو كانتِ المغرِبَ أو رُبَاعِيَّةً كالعِشَاءِ والظُّهْرِ والعصرِ؛ قال به الزُّهْريُّ والنَّخَعيُّ والرَّبيعُ. وصلاةُ الخوفِ جماعةً لها صِفَتُها، وتفصيلُها يأتي في سورةِ النساءِ، بإذنِ الله.

стр. 500

وقولُهُ تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ بيانٌ لوجوبِ أداءِ الصلاةِ حالَ الأمنِ، كما بيَّنَها اللهُ لنبيِّه ﷺ . وفي الآيةِ: دلالةٌ على جَوَازِ صلاةِ الخوفِ بكلِّ ما يتحقَّقُ معه وصفُ الخوفِ الذي يَعجِزُ معه الإنسانُ عن أداءِ الصلاةِ كما شُرِعَتْ ولو مِن غيرِ عَدُوٍّ؛ كالخوفِ مِن سِبَاعٍ في فَلَاةٍ تُطارِدُهُ، ونحوِ ذلك. وإيجابُ الصلاةِ حالَ الخوفِ، والتشديدُ فيها ولو راجلًا أو راكبًا - دليلٌ على عِظَمِها في حالِ الأمنِ والإقامةِ. * * * قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٠]. الخطابُ متوجِّهٌ للرجالِ؛ لأنَّ بِيَدِهِمُ النَّفَقَةَ والمُتْعةَ والعِصْمةَ، وهذا ظاهِرٌ في قولِه: ﴿مِنْكُمْ﴾، وقولِه: ﴿وَيَذَرُونَ﴾، وقولِه: ﴿لِأَزْوَاجِهِمْ﴾، وقولِه: ﴿عَلَيْكُمْ﴾، وقولِه: ﴿فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾. وللقِوَامةِ أثرٌ حتَّى بعدَ موتِ الزوجِ، والقِوَامةُ تكليفٌ وتشريفٌ، والتكليفُ أكثَرُ، والتَّبِعةُ عليه أعظَمُ، والغُرْمُ عليه أكثرُ مِن الغُنْمِ. ولا أثَرَ على الزوجِ مِن الزوجةِ إذا تُوُفِّيَتْ زوجتُهُ عنه؛ لا في العِدَّةِ، ولا في المُتْعةِ؛ وهذا بلا خلافٍ. وتخصيصُ الأزواجِ يُخرِجُ مِلْكَ اليمينِ، فلا مُتْعةَ لها؛ وإنَّما هي مِن مَتَاعِه ومالِهِ الموروثِ. أحكامُ المتوفَّى عنها زوجُهَا: واللهُ قد أمَرَ في هذه الآيةِ بشَيْئَيْنِ للمتوفَّى عنها زَوْجُها:

стр. 501

الأوَّلُ: التربُّصُ حَوْلًا كاملًا في بيتِ زوجِها الذي مات عنها فيه. الثاني: الوصيَّةُ لها بالمتاعِ في تلك المُدَّةِ التي تتربَّصُ فيها. وهذه الآيةُ كانت حقًّا للزوجةِ قبلَ نسخها بعِدَّةِ المتوفَّى عنها زوجُها، وقد سبَقَتْ، على قولِ عامَّةِ المفسِّرينَ؛ خلافًا لمجاهِدٍ في قولٍ، وكان ذلك حَقًّا للزوجةِ، ولها التنازُلُ عنه؛ فلا يجبُ عليها التربُّصُ عامًا في بيتِ زوجِها إلَّا باختيارِها، ولها التنازُلُ عن حقِّها في المتعةِ تلك المُدَّةَ. ومجاهِدٌ في قولِهِ هذا الذي تفرَّدَ له، يجعَلُ عِدَّةَ الوفاةِ حتمًا، والوصيَّةَ بالمتعةِ حَوْلًا على التخييرِ للزَّوْجةِ؛ إن شاءَتْ أخَذَتْ به، وإن شاءَتْ تَرَكَتْه، ويرى مجاهِدٌ أنَّ آيةَ عِدَّةِ الوفاةِ سابقةٌ، وهذه الآيةَ لاحِقةٌ مبيِّنةٌ. رواه البخاريُّ؛ مِن حديثِ شِبْلٍ، عنِ ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ، وكأنَّ البخاريَّ لم يَجزِمْ به عن مجاهِدٍ، فقال بعدَ إخراجِهِ: "زعَمَ ذلك عن مجاهِدٍ" (١)؛ يعني: شِبْلًا. وخُولِفَ عليه؛ فرواهُ ابنُ جُرَيْجٍ، عنْ مجاهِدٍ: بأنَّ عِدَّةَ الوفاةِ ناسخةٌ للتربُّصِ والمتعةِ حولًا. وقولُ مجاهِدٍ فيما يوافِقُ العامَّةَ أَحْرَى بالأخذِ، وقد حكى الشافعيُّ عدَمَ معرِفةِ مخالِفٍ للقائِلِينَ بنسخِ هذه الآيةِ بما سبَقَ؛ وهي قولُهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. والنَّسْخُ قولُ عامَّةِ السلفِ؛ كابنِ عبَّاسٍ، وعطاءٍ.

стр. 502

النفقةُ والسكن للمتوفَّى عنها: وأمَّا المُتْعةُ بالنفقةِ حولًا، فهو وإنْ لم يُذكَرُ في آيةِ عِدَّةِ المتوفَّى عنها زَوْجُها، فآياتُ المواريثِ ناسِخةٌ له، كما قال ذلك ابنُ عبَّاسٍ؛ فللزوجةِ الثُّمُنُ مع الأولادِ، ولها الرُّبُعُ مع عَدَمِهِم؛ وذلك أنَّ المُتْعةَ بالنفقةِ حقٌّ ماليٌّ، وهذا يتضمَّنُ الميراثَ؛ الزوجةُ أُسْوةُ الورثةِ في ذلك، لا تختصُّ عنهم بشيءٍ. والسُّكْنَى حولًا: هل تأخُذُ حُكْمَ النفقةِ؛ فيقالَ بنسخِها بآيةِ الميراثِ؟ على قولَيْنِ، والنسخُ أشهرُ وأظهرُ. قال عطاءٌ: جاء المِيرَاثُ فنسَخَ السُّكْنَى، فتعتدُّ حيثُ شاءت ولا سُكْنَى لها. وقال به مجاهِدٌ (١). ولكنَّ السُّكْنَى المنسوخةَ: ما كان في الآيةِ، وهو الحَوْلُ، وأمَّا السُّكْنَى زمنَ العِدَّةِ، وهي أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ، فليستِ المطلَّقاتُ بأَوْلَى بحقِّ السُّكْنَى مِن المتوفَّى عنها زوجُها، واللهُ تعالى يقولُ في الطلاقِ: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [١]. وهذا في المعتدَّةِ بطلاقٍ، والمُعتدَّةُ بوفاةٍ في معناها، بل أَوْلَى منها، ويدلُّ على ذلك: حديثُ الفُرَيْعَةِ بنتِ مالكِ بنِ سِنَانٍ لمَّا توفِّي عنها زوجُها، قال النبيُّ ﷺ : (امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)، فاعتَدَّتْ فيه أربعةَ أشهُرٍ وعشرًا، وقَضَى به عثمانُ بعدُ؛ أخرَجَهُ مالكٌ وأبو داودَ والتِّرْمِذيُّ (٢).

стр. 503

وهذا القولُ قولُ عُمَرَ وعثمانَ وابنِ عُمَرَ وابنِ مسعودٍ، وهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ والشافعيِّ وغيرِهم. تركُ المعتدَّةِ البقاء في بيتِ زوجها: وظاهِرُ الآيةِ يُسقِطُ النفقةَ مِن مالِ الزوجِ إذا ترَكَتِ التربُّصَ في بيتِهِ حولًا باختيارِها زاهِدةً فيه، بلا ضرورةٍ وحاجةٍ، فجعَلَ اللهُ المُتْعةَ تابعةً للسُّكْنَى في بيتِهِ؛ فإنِ اختارَتِ الخروجَ منه، فلا يجبُ لها مُتْعةٌ؛ لأنَّها أسقطَتْ حقَّها باختيارِها؛ لظاهرِ قولِه تعالى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾. فقد تخرُجُ الزوجةُ مِن سُكْناها، وتَرْغَبُ في الزواجِ قبلَ الحولِ - على من قال بالآيةِ - فلا يَصِحُّ القولُ بوجوبِ النفقةِ لها مُدَّةَ الحولِ ولو خرَجتْ مِن بيتِ زوجِها المتوفَّى، أو بَقِيَتْ فيه لكنْ تَزَوَّجَتْ بعدَهُ، حتَّى على قولِ مُجاهِدٍ المرجوحِ؛ فالنَّفَقةُ تجبُ مِن مالِ الزوجِ لأجلِ الزوجيَّةِ؛ فلا يَصِحُّ أن يقالَ بها بعد زواجِ المرأةِ بعدَ وفاةِ زوجِها قبلَ الحولِ بحالٍ. وإنْ خرَجَتْ للضرورةِ كالخوفِ، أو للحاجةِ استيحاشًا مِن الوَحْدةِ، فلا يسقُطُ حقُّها مِن النَّفَقةِ؛ كأنْ تسكُنَ عندَ أهلِ زوجِها أو غيرِهم. الحكمةُ من تربُّصِ المتوفى عنها ببيتِ زوجِها: وإنَّما جعَل اللهُ التربُّصَ أوَّلَ الأمرِ في بيتِ الزوجِ والمتاعَ لها حَوْلًا؛ رحمةً بالمرأةِ وإحسانًا إليها؛ حتَّى تنظُرَ أَمْرَها في زوجٍ آخرَ، ونَفَقةً وسُكْنَى، وهي لا تنقُصُ مِن حَقِّ الوَرَثةِ أمرًا ظاهرًا، بل بالمعروفِ، كما كان في حياةِ زَوْجِها، ولأنَّ للوفاةِ أَلَمًا ومصيبةً تَشغَلُ الزوجةَ عنِ النظرِ في أمرِها ومستَقْبَلِها كما لو كانت مطلَّقةً، فاستَحَقَّتِ المتعةَ سُكْنَى ونفقةً حولًا أوَّلَ الأمرِ، ثمَّ جُعِلَتْ عِدَّتُها أربعةَ أشهُرٍ وعشرًا.

стр. 504

وقد جعَلَ اللهُ تعالى النفقةَ للزوجةِ وللمطلَّقةِ الرجعيَّةِ؛ لكونِها في بيتِه وفي عِصْمَتِه، ما لم تخرُجِ المطلَّقةُ مِن عدَّةِ طلاقِها. خروجُ المتوفَّى عنها من بيت زوجها: وخروجُ المرأةِ مِن بيتِ زوجِها جائزٌ، وفي الآيةِ أنَّه حقٌّ، والحقُّ يسقُطُ إنِ اختِيرَ غيرُهُ؛ ولذا قالَ: ﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾، فسمَّى اللهُ ما تفعلُهُ في نفسِها بعدَ خروجِها قبلَ الحَوْلِ معروفًا، ولو كانت غيرَ مختارةٍ للخروج، والتربُّصُ واجبًا عليها، لم يَرفَعِ اللهُ الحرَجَ، ولم يُسمِّ فِعْلَها معروفًا. وعِدَّةُ المتوفَّى عنها زوجُها أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ، ولها أن تتزوَّجَ بعدَ عِدَّتِها، ولا يُجِيزُ لها الشارعُ الزواجَ بعد زوجِها المتوفَّى بعدَ عِدَّةِ الوفاةِ أربعةِ أشهرٍ وعشرٍ، ثمَّ يُوجِبُ عليها التربُّصَ حولًا في بيتِهِ؛ وهذا مِن قرائنِ نَسْخِ الآيةِ بآيةِ عِدَّةِ الوفاةِ السابقةِ. * * * قال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]. وللمطلَّقةِ حقٌّ في إمتاعِها بالنفقةِ والسُّكْنَى والكِسْوةِ، وهذا تمامُ المتاعِ، وهو حقٌّ لها؛ لقولِهِ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾، واللامُ للاستحقاقِ؛ فهو حقٌّ لَهُنَّ؛ إنْ شِئْنَ أَخَذْنَهُ، وإنْ شِئْنَ أسقَطْنَه. والمطلَّقةُ على حالَيْنِ: الأُولى: مطلَّقةٌ مبتوتةٌ لا رَجْعةَ لها، والمبتوتةُ إمَّا أن تكونَ حامِلًا أو حائِلًا (غيرَ حاملٍ)؛ فالحاملُ لها النفقةُ حتَّى تضعَ حَمْلَها باتفاقِ العلماءِ.

стр. 505

وإذا كانت حائلًا، فقد اختلَفَ العلماءُ في نفقتِها على قولَيْنِ: القولُ الأوَّلُ: أنْ لا نفقةَ لها؛ وهذا قولُ جمهورِ الفقهاءِ. القولُ الثاني: أنَّ لها النفقةَ والسُّكْنَى، وهو قولُ الحنفيَّةِ، ونُسِبَ لابنِ أبي ليلى والثَّوْريِّ. الثانيةُ: مطلَّقةٌ رجعيَّةٌ غيرُ مبتوتةٍ، فجمهورُ العلماءِ: على أنَّ لها النَّفَقةَ وجوبًا؛ لكونِها في عِصْمَتِه، ومعدودةً زَوْجةً له، تَرِثُهُ ويَرِثُها حتَّى تخرُجَ مِن عِدَّتِها. ومتعةُ المطلَّقةِ واجبةٌ على الصحيحِ؛ لظاهرِ الآيةِ وعمومِها، ولقولِهِ تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وهو أمرٌ يُحمَلُ على ظاهرِهِ، ولقولِه: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، والحقوقُ الأصلُ فيها الوجوبُ. ورُوِيَ هذا القولُ عن عُمَرَ وعليٍّ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ والحسَنِ، وروايةٌ عن أحمدَ حكاها عنهُ حَنْبَلٌ، بل قال ابنُ تيميَّةَ: بالمتعةِ لكلِّ مطلَّقةٍ وجوبًا، إلَّا التي لم يُدخَلْ بها وقد فُرِضَ لها، وهي روايةٌ عن أحمدَ أيضًا. وقال مالكٌ وأبو عُبَيْدٍ وشُرَيْحٌ القاضي: بالاستحبابِ. وصَرَفوا الأمرَ إلى الاستحبابِ؛ لقولِه: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، مع قولِه في حُكْمِ المتاعِ: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فالإحسانُ مرتبةٌ تزيدُ على الواجباتِ؛ فجعَلَها حقًّا ولكنْ على المحسِنينَ، فلم يَجْعَلْها عامَّةً على كلِّ أحدٍ. والمُختلِعةُ والمُلاعَنةُ والمُصالَحةُ: لا مُتْعةَ لها. ونصَّ غيرُ واحدٍ مِن الشافعيَّةِ: أنَّ كلَّ طلاقٍ سببُهُ المرأةُ لِطَلَبِها إيَّاه فلا مُتْعةَ لها فيه؛ لأنَّها مَن زَهِدَ في صُحْبةِ الزوجِ ولم يَزْهَدْ هو

стр. 506

فيها، فالضَّرَرُ عليه لا عليها، وبِطَلَبِها تُسقِطُ حقَّها في المُتْعةِ. * * * قال تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، وقال: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: ٢٤٦]. في الآيةِ: ذِكْرٌ لشريعةِ الجهادِ وقِدَمِها في بني إسرائيلَ، وأنَّ اللهَ كتَبَها على أنبياءَ وأُمَمِ قبلَ محمَّدٍ ﷺ ، واللهُ لم يُوجِبْ على كلِّ نبيٍّ جهادَ الطَّلَبِ، ولكنَّه أَوْجَبَ جهادَ الدَّفْعِ على كلِّ أُمِّةٍ، بل لو لم يَنزِلْ به نقلٌ، لوجَبَ بالعقلِ؛ فلا يُسلمُ الإنسانُ عِرْضَهُ ودَمَهُ ومالَهُ لِمَنْ أرادَهُ؛ وهذا لا يَصِحُّ مِن حيوانٍ بَهِيمْ، فضلًا عن إنسانٍ كريْم. وقِيلَ: إنَّ النبيَّ المذكورَ في الآيةِ شمويلُ بنُ بالي بنِ عَلْقمةَ؛ قاله وَهْبُ بنُ منبِّهٍ (١). وقيل: شَمْعُونُ؛ قاله مجاهدٌ والسُّدِّيُّ وغيرُهما (٢). وقال قتادةُ: هو يُوشَعُ بنُ نُونٍ (٣). وفي الآيةِ: إشارةٌ إلى كثرةِ الأنبياءِ مِن بعدِ موسى وقبلَ عيسى، وكانت الأنبياءُ بينَهما تجدِّدُ ما في التوراةِ ممَّا أَمَاتَهُ الناسُ ونَسُوهُ وحَرَّفُوهُ، حتى جاءَ عيسى فغَيَّرَ اللهُ له مِن شِرْعةِ موسى أحكامًا؛ كما في قولِه: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]. حكمُ القتالِ، والحكمةُ منه: وفي الآيةِ: وجوبُ القتالِ في سبيلِ اللهِ جماعةً، وألَّا يتفرَّقَ الناسُ

стр. 507

مع إمكانِهِمْ إلى الجمعِ، وقد طلَبَ الملأُ مِن بني إسرائيلَ مِن نبيِّهم مَلِكًا - أيْ: خليفةً وأميرًا - يأتَمِرُونَ بأمرِه، ويَجْتمِعونَ عليه، وكان في بني إسرائيلَ ملوكٌ، والملوكُ تأتمِرُ بأمرِ الأنبياءِ، وقد كان في زمانِهم جَبَابِرةٌ وعَمَالِقةٌ يتسلَّطونَ عليهم بإخراجِهِمْ مِن ديارِهِمْ وأبنائِهِمْ وأموالِهِمْ؛ كما قاله ابنُ عبَّاسٍ والسدِّيُّ وغيرُهما (١). وفي الآيةِ: رحمةُ النبيِّ بأُمَّتِهِ أنْ خَشِيَ إنْ كُتِبَ عليهِمُ القتالُ ألَّا يُقاتِلوا فيأثَمُوا، وهم في سَعَةٍ قبلَ فَرْضِهِ عليهِم؛ وذلك لِمَا عَلِمَهُ مِن سابقِ حالِهِمْ مِن تفريطٍ وعدمِ وفاءٍ، وفي هذا ألا يقدِّمَ الأميرُ للقتالِ إلا أهلَ العزمِ والشِّدَّةِ والثَّبَاتِ؛ حتى لا يُخذَلَ المسلِمونَ، وإنْ أخرَجَهُمْ إلى الجهادِ لِطَلَبِهم أو لأَمْنِ مَكْرِهم؛ ألَّا يَخْلُفُوهُ في بلدِهِ بِسُوءٍ، فلا يَجْعَلْهم محلَّ اعتمادِهِ فيَنفرِدُوا بحمايةِ ثَغْرٍ، فيتسلَّلَ عدوٌّ مِن جِهَتِهِم. وقد كان المنافِقونَ يخرُجُونَ مع النبيِّ ﷺ وهو يَعْلَمُهم؛ تأليفًا لهم، أو طمَعًا في مَغْنَمٍ، وأَمْنًا مِن أنْ يَخْلُفُوهُ بشرٍّ، وإذا دخَلَتِ الدُّنيا في قلبِ المجاهِدينَ، وقَعَ التنازُعُ في صورةِ الانتصارِ للحقِّ، ونزَلَ الافتراقُ وتَبِعَهُ الفَشَلُ، وكلَّما كانَ الإنسانُ أقربَ إلى الآخرةِ، فالقليلُ مِن الدُّنيا ثَقيلٌ عليه، فالمقاتِلُ أقرَبُ للموتِ مِن المسالِمِ، فوجَبَ عليه أن يدَعَ الدُّنيا وطَمَعَ النفسِ؛ حتى لا يُفسِدَ عليه ذلك جهادَهُ وجهادَ الأُمَّةِ، وإذا وقَعَ في الأُمَّةِ فشلٌ، فلْيُفتَّشْ عن طمعِ الدُّنيا؛ فإنَّ المجاهِدِينَ يُهْزَمُونَ بسببِ أطماعِ القلوبِ، وخفايا الذنوبِ؛ ففي أُحُدٍ قال ابنُ مسعودٍ: "لَوْ حَلفْتُ يَوْمَ أُحُدٍ، رَجَوْتُ أنْ أَبرَّ: إِنَّهُ ليسَ أَحدٌ مِنَّا يُرِيدُ الدُّنيا، حتى أَنزَلَ اللهُ : ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ " [آل عمران: ١٥٢]؛ أخرَجَهُ أحمدُ

стр. 508

في "مسندِه"، وابنُ أبي حاتمٍ، وابنُ جريرٍ (١). وكلَّما كان العبدُ في مكانٍ أعظَمَ، فالمؤاخَذَةُ عليه أكبَرُ؛ فالمجاهِدُ في موضِعٍ عظيمٍ، وأمَلُهُ قصيرٌ يقتضي التجرُّدَ؛ فمِلْءُ الكفِّ مِن الهَوَى يُفسِدُ عليه ما يُفسِدُهُ مثاقيلُ الهَوَى على غيرِ المجاهِدِ. الاجتماعُ في القتالِ: وفي الآيةِ: مسألتانِ مُهِمَّتانِ هما المَقْصُودتانِ مِن ذِكْرِ الآيةِ هُنا: أُولَاهما: في قولِهِ تعالى: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقولِهِ تعالى بعد ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٧]؛ وذلك لوجوبِ التأميرِ في الجهادِ، أميرًا تجتمِعُ عليه الكلمةُ، ويَقْوَى على مقابَلةِ العدوِّ؛ وذلك أنَّ الجِهادَ يحتاجُ إلى تعاضُدٍ بينهم وتآمُرٍ على العدوِّ؛ وهذا لا يكونُ إلا باجتماعٍ؛ وهذا يدلُّ عليه العقلُ والنقلُ، وكان النبيُّ ﷺ لا يَبْعَثُ جيشًا ولا سَرِيَّةً إلا أمَّرَ عليهِم أميرًا، وفي الحديثِ: "كان النبيُّ ﷺ إذا بعَثَ أميرًا على سَرِيَّةٍ أو جَيْشٍ، أَوْصَاهُ بتَقْوَى اللهِ" (٢). التأميرُ وأهميَّتُهُ: بل كان النبيُّ ﷺ يَحُثُّ على التأميرِ في كلِّ سَفَرٍ ولو في أَمْنٍ؛ كما في حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ؛ قال ﷺ : (إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ، فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ) (٣)، وجاء مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: (إِذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ، فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ) (٤).

стр. 509

وهذا اجتماعٌ قليلٌ أمَرَ بالإمارةِ فيهِ؛ فكيف بما هو أكثَرُ منه؟ ! وكلَّما كَثُرَ الناسُ وضَعُفَتِ الإمامةُ فيهم، وَهَنُوا؛ فالإمامُ يُقِيمُ الحدودَ، وينصُرُ المظلومَ، ويُهِيبُ مَنْ يتربَّصُ الفسادَ، وكثيرًا ما يَظُنُّ العامَّةُ أنَّ أَمْرَهُمْ مستقيمٌ تحتَ إمامٍ صالِحٍ، فيَظُنُّونَ أنَّ استقامةَ أمرِهِم لصلاحِهِم، فلا يَرَوْنَ لإمامِهِمْ حاجةً، فإذا زالَ الإمامُ، أفسَدَ بعضُهُمْ بعضًا، وقتَلَ بعضُهُمْ بَعضًا، وظهَرَتِ الأطماعُ ومكامِنُ الأهواءِ التي يَدفِنُها الإمامُ فيهم بِهيْبَتِهِ. والجهادُ أحوَجُ إِلى الجماعةِ؛ لأنَّ مصلحتَهُ عامَّةٌ؛ نُصْرةً وعِزَّةً وتمكينًا، ومفسدتَهُ عامَّةٌ؛ خِذْلانًا وهَوَانًا وشَتَاتًا، تُحفَظُ بالجهادِ الضروريَّاتُ الخمسُ، وبفسادِهِ تَضِيعُ؛ لذا فالجهادُ موكولٌ إلى الإمامِ يرفَعُ رايتَهُ، ويسالِمُ ويعاهِدُ، ولا تتحقَّقُ مصالحُ الدِّينِ وتكتمِلُ مصالحُ الدُّنيا إلا بالإمامةِ والإجتماعِ عليها؛ فالناسُ بلا إمامٍ صالِحٍ كالجَسَدِ بلا رأسٍ صحيحٍ. وإذا صحَّ الجهادُ وقامَ سببُهُ المشروعُ، فهل يَجِبُ في ذلك إذنُ الإمامِ؟ للعلماءِ في ذلك أقوالٌ ثلاثةٌ: ذهَبَ الجمهورُ: إلى وجوبِهِ؛ وهو قولُ المالكيَّةِ والحنفيَّةِ، وقولٌ للحنابلةِ، وهو الأصحُّ إذا كان الإمامُ مِمَّنْ يُقِيمُ الجهادَ ويُعِدُّ له العُدَّةَ ولو تَرَبَّصَ وتَمَهَّلَ. وذهَبَ الشافعيَّةُ: إلى الكراهةِ مع الجوازِ. وذهَبَ الظاهريَّةُ: إلى الجوازِ بلا كراهةٍ. وأصولُ العلماءِ تَتَّفِقُ على أنَّ مَنْ لا يُقِرُّ بشِرْعةِ الجهادِ أصلًا لا يُشتَرَطُ إذنُ الجهادِ منه؛ لأنَّه لا يُقِرُّ بأصلٍ؛ فكيف يُؤتَمَنُ على فَرْعٍ؟ !

стр. 510

فالإذنُ إنَّما رُبِطَ بالإمامِ لأنَّه يَعرِفُ مواضعَ الثغورِ، وأَزْمِنةَ الغَزْوِ، والفاضلَ مِن المفضولِ مِنها، وأماكنَ الحاجةِ، وقُوَّةَ العدوِّ وضَعْفَهُ، وإذا كان الإمامُ لا يُؤمِنُ بشِرْعةِ الجهادِ، فلا تُشرَعُ له لوازِمُهُ. وإذا تعدَّدتْ بُلْدانُ الإسلامِ، فلكُلِّ بَلَدٍ إمامُهُ؛ يُقِيمُ جهادَهُ، ويَرفَعُ لواءَهُ، وله حقوقُهُ ولوازِمُه، وعليه تَبِعَاتُه، ولا يُطلَبُ مِن إمامٍ إذنٌ لجهادٍ في غيرِ وِلَايتِه؛ لأنَّ إذنَهُ حقٌّ له فيما تقَعُ عليه يدُه، فهو يُبصِرُ مصلحتَه، ويَرَى مفسدتَه، ولغيرِهِ على أرضِه يدٌ، وله عَيْنٌ، يُبصِرُ ما لا يُبصِرُهُ غيرُه، ويَشْهَدُ ما لا يَشْهَدُه. وقد قاتَلَ أبو بَصِيرٍ بمَنْ معَهُ المشرِكِينَ، وتربَّصَ بِعِيرِهِمْ وقَوَافِلِهم، فلم يكُنْ تحتَ رايةِ النبيِّ ﷺ ؛ لأنَّه لم يكنْ في أرضِهِ ولا تحتَ أمرِهِ سياسةً، وإنْ كان تحتَ أمرِه شِرْعةً، فلم يأمُرْهُ النبيُّ ﷺ ولم يَنْهَهُ، بل مدَحَهُ وقال: (مِسْعَرَ حَرْبٍ، لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ) (١)، ولم يطلُبْ هو مِن النبيِّ ﷺ إذنًا مع نزولِ الوحيِ وعِصْمةِ المُوحَى إليه. شروطُ جهاد الدفعِ: وأمَّا جهادُ الدفعِ، فليس له شرطٌ؛ فإذا دهَمَ العَدُوُّ بَلَدًا، وجَبَ على أهلِها الدفعُ عن حِمَاهُم؛ كلٌّ بما يستطِيعُهُ، جماعةً أو فُرادى، رجالًا أو نساءً، وإنْ تعذَّرَ اجتماعُهُمْ، فيسقُطُ شرطُ الاجتماعِ، فيقاتِلُونَ فُرادى، وإنْ تعذَّرَ الإمامُ، فيقاتِلُونَ بلا إمامٍ. وهؤلاءِ المَلَأُ مِن بني إسرائيلَ إنَّما طلَبُوا مِن نبيِّهم مَلِكًا يقاتِلُونَ معه، وجهادُهُمْ جهادُ دفعٍ، كما في قولِه: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾؛ لأنَّهم أُخرِجُوا مِنْ أَرْضِهم، فلم

стр. 511

يتمكَّنوا مِن الدفعِ، فاجتمَعُوا في غيرِ أرضِهم بعدَ إخراجِهِمْ، فأرادُوا القتالَ بإمامٍ لتمكُّنِهِمْ مِن تحقيقِ ذلك. وإذا تمكَّنَ أهلُ البلدِ مِن الاجتماعِ على إمامٍ يقاتِلُونَ معه عن أرضِهِمْ وعِرْضِهِمْ ودَمِهِمْ، وجَبَ عليهم ذلك ولو كان جهادَ دفعٍ، وإنَّما سقَطَ وجوبُ الإمامِ عن جهادِ الدفعِ؛ لأنَّ الغالِبَ العجزُ عن تحقُّقِهِ والتمكُّنِ منه، وإذا اتَّسَعَتِ البلدُ، وعجَزُوا عن الاجتماعِ على إمامٍ واحدٍ، فيجتمِعونَ جماعاتٍ ما أمكَنَهُمْ، وإذا مُكِّنُوا اجتمَعُوا على جماعةٍ واحدةٍ. المسألةُ الثانيةُ: سُمِّيَ القتالَ في الآيةِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾، مع كونِهِم يقاتِلُونَ بسببِ إِخراجِهم مِن ديارِهِمْ وأبنائِهِمْ، لا لإعلاءِ كلمةِ اللهِ وإقامةِ حُكْمِه؛ وذلك لأنَّ جِهادَ الدفعِ عنِ النفسِ والعِرْضِ والمالِ لا تُشْترَطُ له نِيَّةٌ، لما جاءَ في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو؛ قالَ: قالَ ﷺ : (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) (١)، وفي "السننِ"؛ مِن حديثِ سعيدِ بنِ زيدٍ مرفوعًا: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ، أَوْ دُونَ دَمِهِ، أَوْ دُونَ دِينِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ) (٢). * * *

стр. 512

قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧]. جعَلَ اللهُ لبني إِسرائيلَ طَالُوتَ مَلِكًا يقاتِلُ بهم، ويقاتِلُونَ معه، وذكَرَ اللهُ نزاعَهُم بعد طلبِهم منه الملِكَ، فرَأَوْا أنَّهم أحَقُّ منه بالوِلَايةِ؛ وذلك لأنَّهم رأَوْا مِن أمرِ دنياه ما لا يستحسِنُونَهُ بنفوسِهِم، فاستنقَصُوهُ نَسَبًا؛ فكانَ مِن سِبْطِ بِنْيامِينَ، ولم يَكُنْ بهم مَمْلَكةٌ ولا نُبُوَّةٌ؛ قالَهُ قتادةُ وغيرُه (١). وروى عمرُو بنُ دِينَارٍ، عن عِكْرِمةَ؛ قال: "كان طالوتُ سَقَّاءً يَبِيعُ الماءَ"؛ أخرجَهُ ابنُ جريرٍ (٢)؛ ولذا قالُوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾. وهذه المآخِذُ ليست محلَّ تفضيلِهِ عليهم في القتالِ؛ ولذا قالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾، وشروطُ الوِلَاياتِ تختلِفُ بحَسَبِ منازلِها؛ فوِلَايةُ الجهادِ تختلِفُ عن ولايةِ الإمامِ في الصلاةِ، ووِلَايةِ المالِ، وولايةِ القضاءِ والحدودِ، وولايةِ الأيتامِ والأعراضِ. والمقصودُ بالعلمِ هنا هو: العِلْمُ بالقتالِ والحربِ، والكَرِّ والفَرِّ، وأَحكامِ العدوِّ رجالًا ونساءً وشيوخًا، وأحكامِ المهادَنةِ والمسالَمةِ؛ حتَّى لا يقَعَ الظلمُ. قال وهبُ بنُ منبِّهٍ وغيرُهُ في عِلْمِ طالوتَ: "هو العِلْمُ بالحربِ" (٣).

стр. 513

اشتراطُ العلمِ للوالي بما يلي: وإنَّما يُشترَطُ لكلِّ والٍ عِلْمُهُ بأحكامِ ولايتِهِ، لا مطلَقُ العِلْمِ أو العِلْمُ المطلَقُ؛ فوِلَايةُ أميرِ الجَيْشِ في غزوٍ غيرُ ولايةِ أميرِ الناسِ في الحجِّ؛ فالأولُ: يجبُ أن يكونَ بصيرًا بعِلْمِ الجهادِ، والثاني: يجبُ أنْ يكونَ بصيرًا بعِلْمِ المناسكِ، وأميرُ القضاءِ: يجبُ فيه عِلْمُ العقوباتِ حدودًا وتعزيزاتٍ، وفقهُ النكاحِ والطلاقِ والعِدَدِ والمواريثِ، وكلِّ ما يتعلَّقُ بفصلِ النِّزاعِ؛ كالبيوعِ، والتجارةِ، وغيرِها، ولا يجبُ عليه الفِقْهُ بمسائلِ ودقائقِ العباداتِ كالطَّهارةِ والصِّيامِ والصَّلاةِ والمناسكِ، إلا ما يُقِيمُ به دِيَنَهُ منها؛ لأنَّ هذا واجبٌ على المُفْتِي لا على القاضي. وكلَّما تلبَّسَ الإنسانُ بعملٍ، وجَبَ عليه التفقُّهُ فيه؛ ولذا قال عُمَرُ بنُ الخطَّابِ: "لَا يَبِعْ فِي سُوقِنَا إِلَّا مَنْ قَدْ تَفَقَّهَ فِي الدِّينِ"؛ رواهُ الترمذيُّ (١)، فيتفقَّهُ في البيعِ ولو لم يَفْقَهْ تفاصيلَ الصلاةِ والصيامِ والحَجِّ، ويكتفي بما يُقِيمُ دِينَهُ منها. وإذا وُجِدَ اثنانِ لولايةِ الجهادِ: قويُّ الجَسَدِ شجاعٌ ضعيفُ الإيمانِ، وقَوِيُّ الإيمانِ ضعيفُ الجَسَدِ جَبَانٌ، فيُقدَّمُ الأولُ؛ لأنَّ الوِلَايةَ ولايةُ جهادٍ، فتحتاجُ قُوَّةَ القلبِ والبدنِ مع أصلِ الإيمانِ؛ وبذلك يتحقَّقُ المقصدُ الشرعيُّ مِن تلك الولايةِ؛ وبهذا يقولُ أحمدُ وغيرُه، وهذا هو المقصودُ مِن بَسْطةِ الجِسمِ في الآيةِ. وإنَّما لم يلحَقِ النبيُّ بالمَلَإِ مِن بني إسرائيلَ، فيُجاهِدَ معهم، مع كونِهِم يَدْفَعُونَ عن بَلَدِهم وأَنفُسِهم، فيكونَ أميرًا عليهِم؛ لأمورٍ: منها: أنَّ الكفايةَ تتحقَّقُ بهم، وهم ثَغْرٌ واحدٌ مِن عِدَّةِ تكاليفَ على النبيِّ؛ مِن تبليغِ الدِّينِ، وحمايةِ البلدِ الذي هو فيه، ولأنَّ النبيَّ يتعلَّقُ به

стр. 514

الناسُ كلُّهم، فلو نفَرَ، ثَقُلَ هذا على أهلِ العَجْزِ، وأَحَبُّوا اللَّحَاقَ به ويَعْجِزُونَ، مع القيامِ بمَنْ حولَهُ، كما كلَّفَ النبيُّ ﷺ مَن يقومُ بالغزوِ مَرَّاتٍ؛ لأنَّ المصلحةَ في بقائِهِ ﷺ . ومنها: ظنُّهُ أنَّهم قد يَخْذُلُونَهُ؛ كما في قولِهِ: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ [البقرة: ٢٤٦]، فتَلْحَقُهم وتلحقُهُ الهزيمةُ بسببِهم، والفتنةُ بغَلَبةِ العدوِّ على النبيِّ أعظَمُ مِن الفِتْنةِ في غيرِهِ، فينتكِسُ الأتباعُ، وربَّما ارتدُّوا؛ ولذا قال قومُ موسى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٨٥]؛ قال مجاهِدٌ: "أيْ: لا تعذِّبْنا بأيدي قومِ فِرْعَوْنَ، ولا بعذابٍ مِنْ عندِكَ، فيقولَ قومُ فرعونَ: لو كانُوا على الحقِّ، ما عُذِّبُوا، وَلا سُلِّطْنا عليهم، فيُفتَنُوا بنا" (١)؛ وبنحوِهِ قال ابنُ عباسٍ وقتادةُ (٢). * * * قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]. هدا خطابٌ لأهلِ الإيمانِ بالنَّفَقَةِ، والنفقةُ في القرآنِ: الصدقةُ؛ كما قاله يحيى بنُ آدَمَ وغيرُه (٣). والرِّزْقُ هو: الأموال بجميعِ أوصافِها؛ نقدَيْنِ، أو ماشيةً، أو زروعًا وثمارًا، أو تجارةً، أو متاعًا، فكلُّ شيءٍ يُستحَبُّ فيه النفقةُ ولو كان متاعًا، فنفقتُهُ عاريتُهُ، أو الصدقةُ بهِ، أو إهداؤُهُ.

стр. 515

زكاةُ عُروضِ التجارةِ: وفي الآيةِ: وجوبُ الزكاةِ في جميعِ الأموالِ، ومنها عروضُ التجارةِ؛ فقد جاء الأمرُ بالعمومِ، فالإنفاقُ أوَّلُ ما يتوجَّهُ إلى الزكاةِ، كما روى حَجَّاجٌ، عنِ ابنِ جُرَيْجٍ؛ قولَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾، قال: "مِن الزَّكَاةِ والتطوُّعِ" (١). وتجبُ الزكاةُ في عروضِ التجارةِ عندَ عامَّةِ العلماءِ، وهو قولُ الأئمةِ الأربعَةِ، وعملُ الخلفاءِ الراشِدِينَ؛ كعُمَرَ بنِ الخطَّابِ ﵁، وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ وفقهاءِ المدينةِ السَّبْعَةِ، ويعضُدُ هذا: ما رواهُ أبو داودَ وغيرُهُ؛ مِن حديثِ سَمُرةَ مرفوعًا: (أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّ لِلْبَيْعِ) (٢). ونقَلَ ابنُ المنذِرِ إجماعَ العلماءِ على زكاةِ عروضِ التجارةِ (٣). خلافًا للظاهريَّةِ الذين يَجْعَلُونَ النصوصَ إنَّما هي فيما خَصَّهُ الدليلُ، ولا يأخُذونَ بإطلاقاتِ الآياتِ، وربَّما احترَزُوا مِن القولِ بالإطلاقِ؛ خوفًا مِن وجوبِ الزكاةِ في المتاعِ والدُّورِ والمَرَاكبِ وطعامِ البيتِ؛ لكونِها مِن الأرزاقِ والأموالِ، ولكنَّ هذا النوعَ مِن الأَموالِ لم يَقُلْ أحدٌ بوجوبِ الزكاةِ فيه، ولا ذكَرَ ذلك الصحابةُ ولا مَن بَعْدَهم إلا ما يتعلَّقُ بحُلِيِّ المرأةِ، ومَنْ أوجَبَ الزكاةَ فيه لا يجعلُهُ متاعًا، بل نقدًا. والتجارةُ كسبٌ، واللهُ يقولُ: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، ويأتي مزيدُ كلامٍ في ذلك في سورةِ التوبةِ عندَ قولِه تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. * * *

стр. 516

قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. رَفْعُ الإكراهِ في الآيةِ عامٌّ مخصوصٌ بغيرِهِ مِن الآياتِ، وقد وقَعَ خلافٌ في نسخِ هذه الآيةِ بآياتِ السيفِ والقتالِ؛ فمنْهُم: مَنْ قال بالنَّسْخِ؛ وهو قولُ الضَّحَّاكِ والسُّدِّيِّ وابنِ زيدٍ وغيرِهم، وليس كذلك؛ بل هي محكَمةٌ وخاصَّةٌ بأهلِ الكِتابِ، لا بِغيرِهِم مِن الكفارِ؛ وذلك أنَّهم لا يُكرَهونَ على الإسلامِ إذا نزَلُوا على الجِزْيةِ بخلافِ الوثنيِّينَ، ويأتي تفصيلُ الجِزْيةِ وأحكامِها في "التوبةِ" عند قولِه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. والذي عليهِ أكثَرُ المفسِّرينَ: إحكامُ آيةِ البابِ، وخصوصُها بأهلِ الكتابِ؛ وعلى هذا جرى تفسيرُ الصحابةِ؛ كابنِ عبَّاسٍ، وابنِ عُمَرَ ﵃، وهو قولُ مجاهِدٍ والحسنِ والشَّعْبيِّ. ولا يُصارُ إلى النَّسْخِ إذا عُرِفَ التاريخُ ولم يتعارَضِ الحُكْمُ مِن جميعِ الوجوهِ، فآيةُ السيفِ سابِقةٌ لنزولِ هذهِ الآيةِ، وآياتُ السيفِ لها مواضِعُها، وهذهِ الآيةُ لها مواضِعُها؛ ففي "السُّننِ"؛ مِن حديثِ أبي بِشْرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ؛ في قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، قالَ: نزَلَتْ في الأنصارِ، قُلتُ: خاصَّةً، قال: خاصَّةً، كانَتِ المرأةُ منهُم إذا كانت نَزِرَةً أو مِقْلَاتًا؛ تَنْذِرُ لَئِنْ وَلَدَتْ وَلَدًا لَتَجْعَلَنَّهُ في اليَهُودِ؛ تَلْتَمِسُ بِذَلِكَ طُولَ بَقَائِهِ، فَجَاءَ الإسلامُ وفيهِمْ مِنْهُم، فلمَّا أُجْلِيَتِ النَّضِيرُ، قالَتِ الأنصارُ: يا رَسُولَ اللهِ، أبناؤُنا وإخوانُنا فيهم، فسكَتَ عنهُم رسولُ اللهِ ﷺ ،

стр. 517

فنزَلَتْ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، فقالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : (قَدْ خُيِّرَ أَصْحَابُكُمْ؛ فَإِنِ اخْتَارُوكُمْ فَهُمْ مِنْكُمْ، وَإِنِ اخْتَارُوهُمْ فَأَجْلُوهُمْ مَعَهُمْ) (١). حكمُ الإكراهِ على الإسلامِ: وهذا في أهلِ الكتابِ ألَّا يُكْرَهوا على الدخولِ في الإسلامِ ابتداءً، فإنْ قَبِلُوهُ؛ فلهم ما عَلى أهلِ الإسلامِ، وعليهم ما عليهم، وإنْ أَبَوْا فيُنزِلُونَهُمْ على الجِزْيةِ، وإنْ أَبَوْها، فإمَّا سِلْمٌ معهم عندَ عَجْزِ المسلِمينَ وضَعْفِهم، أو قِتَالُهم حتَّى يَنزِلُوا على أحدِ الأمرَيْنِ؛ إسلامٍ أو جِزْيةٍ، بخلافِ المشرِكِينَ والمَلاحِدةِ اللادينيِّينَ؛ فلا يُقبَلُ مِنهُم إلا إسلامٌ عندَ القُدْرةِ عليهم، أو مسالَمةٌ عندَ العجزِ والخوفِ، أو تركُهُم تربُّصًا بهم إلى حينِ قُوَّةٍ. حكمُ الرِّدَّةِ وحريَّةِ الدين: وليس في الآيةِ جوازُ الخروجِ مِن الإسلامِ بعدَ دخولِه؛ فتلك رِدَّةٌ غيرُ مقصودةٍ في الآيةِ؛ لآياتِ السَّيْفِ الكثيرةِ، ولحديثِ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. . .) (٢)، ولحديثِ ابنِ عباسٍ: (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ، فَاقْتُلُوهُ) (٣)، وغيرِ ذلك. وعملُ الخلفاءِ مِن بعدِ النبيِّ ﷺ وإجماعُهُمْ: على قَتْلِ المرتَدِّ؛ كفعلِ أبي بكرٍ ومَن معَهُ، ثم عُمَرَ وعثمانَ وعليٍّ، وفُتيا الصحابةِ وفِعْلُهم؛ كابنِ مسعودٍ، وأبي موسى، وابنِ عمرَ، وغيرِهم، والخلفاءُ مِن بَعدِهم تَبِعُوهم في ذلك مِن أُمَراءِ وخُلَفاءِ بني أميَّةَ وبني العبَّاسِ. ولكنَّ الخلافَ عندَ السلفِ في المنافِقِ الذي يُفلِتُ لسانُهُ بقولِ

стр. 518

الكُفْرِ، ثم يَنْفِيهِ؛ كحالِ المنافِقِينَ في زمنِ النبيِّ ﷺ ، واختَلَفُوا في استتابةِ المرتدِّ ومدَّتِها وصِفَتِها، واختلَفَ الفقهاءُ في حالِ المرأةِ المرتدَّةِ وأخْذِها حُكْمَ الرجلِ، وهذا له مواضِعهُ - بإذنِ اللهِ تعالى - مِن كتابِ اللهِ. وإذا قاتَلَ النبيُّ ﷺ المشرِكَ الأصليَّ، فكيفَ بالمرتَدِّ المعانِدِ؟ ! وليس في الآيةِ تخييرٌ بالخروجِ مِن الإسلامِ وعدَمِ الإلزامِ بالدخولِ فيهِ لكلِّ أحدٍ، واللهُ يقولُ بعد ذلك: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾، فقد أمَرَ بالكفرِ بالطاغوتِ، وأمَرَ بالإيمانِ باللهِ؛ ليبيِّنَ أنَّ مَنْ لم يفعَلْ ذلك، انفصَلَتْ عُرَاهُ، وانقطَعَ دِيِنُهُ. * * * قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. أمَرَ اللهُ بالإنفاقِ مِن طيِّباتِ الكسبِ، ومِن خراجِ الأرضِ، فالكسبُ كسبُ اليدِ ممَّا تُخرِجُهُ مِن مالٍ، ومِن تجارةٍ وصناعةٍ وحِرْفةٍ، فكلُّ مالٍ تَكْسِبُهُ اليدُ فيه زكاةٌ عندَ دَوَرانِ الحَوْلِ عليه، وبلوغِهِ نصابًا، فالآيةُ يُقيِّدُ عمومَها أحاديثُ الحَوْلِ؛ كما في حديثِ عائشةَ مرفوعًا: (لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ)؛ رواهُ ابنُ ماجَهْ (١)، ورَواهُ أحمدُ؛ مِن حديثِ عاصمِ بنِ ضَمْرةَ، عن عليٍّ، بنحوِهِ (٢)، ورُوِيَ موقوفًا مِن هذا الوجهِ؛ رواهُ ابنُ أبي شَيْبةَ (٣)، ورُوِيَ عنِ ابنِ عمرَ مرفوعًا وموقوفًا (٤)؛ والموقوفُ عنهما أصحُّ.

стр. 519

اشتراطُ الحَوْلِ للزكاة: وإذا كسَبَ الإنسانُ مالًا يَبلُغُ نصابًا بنفسِهِ عندَ كسبِهِ، ولم يكنْ لدَيْهِ مالٌ مِن قبلُ، فلا زكاةَ عليهِ حتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ، ويَبدَأُ حولُهُ مِن وَقتِ كَسْبِه؛ لعمومِ الحديثِ وعملِ الصحابةِ وفتواهُم؛ كأبي بكرٍ وعليٍّ وابنِ عُمرَ وعائشةَ. المالُ المكتسَبُ أثناء الحَوْلِ: ومَن كان لدَيْهِ مالٌ غيرُ المكتسَبِ وقد بلَغَ مالُهُ الذي عندَهُ نصابًا، ثمَّ اكتسَبَ مالًا في أثناءِ الحولِ، فلا يخلُو المالُ المكتسَبُ مِن أحوالٍ: الأولى: إنْ كانَ المالُ المستفادُ مِن جِنْسِ مالِهِ الذي عندَهُ مِن قبلُ، وهو نماءٌ له؛ كنماءِ التِّجارةِ وكَسْبِها بالمضارَبةِ، ونماءِ الماشيةِ منها، فهذا المالُ المكتسَبُ يَتْبَعُ حَوْلَ أصلِ مالِه؛ لأنَّ المكتَسَبَ فرعٌ له، فيأخُذُ حكمَ أصلِهِ؛ وهذا قول عامَّةِ العلماءِ، ولا يُعرَفُ في السلفِ والأئمَّةِ الأربعةِ مخالِفٌ، ومثلُ هذا النماءِ في المالِ يشقُّ حسابُهُ وجعلُ حولٍ خاصٍّ به، ومِثْلُهُ: لو كان لا بُدَّ مِن نَقْلِهِ لِشِدَّةِ الحاجةِ إليه، فنماءُ الماشيةِ كثيرٌ في أثناءِ حولِها، ونماءُ التجارةِ ربما يكونُ كلَّ يومٍ عندَ أهلِ المالِ الوفيرِ والتجارةِ الواسعةِ. الثانيةُ: إذا كان المالُ مِن غيرِ جِنسِ المالِ المكتسَبِ؛ كأنْ يكونَ كسَبَ عقارًا، ومالُهُ نَقْدٌ أو اكتسَبَ نقدًا ومالُهُ عروضٌ، فقد اختلَفَ العلماءُ حولَ المالِ المكتسَبِ ونصابِهِ: هل يَتْبَعُ مالَ صاحِبِهِ، أم يَنْفرِدُ المالُ المكتسَبُ بحَوْلٍ جديدٍ، ونصابٍ جديدٍ؟ ذهَبَ جمهورُ العلماءِ: إلى أنهُ يستقِلُّ بنفسِهِ بحولٍ ونصابٍ جديدَيْنِ؛ وهو مرويٌّ عن أبي بكرٍ وعُمَرَ وعثمانَ وعليٍّ. وذهَبَ أحمدُ - في روايةٍ -: أنَّه يُزكَّى حينَ استفادتِهِ؛ وهو مرويٌّ عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، ومعاويةَ، والأوزاعيِّ.

стр. 520

ورُوِيَ عن أحمدَ فيمَنْ باع دارَهُ بعَشَرةِ آلافِ دِرْهَمٍ إلى سنةٍ؛ فإنَّه يُزَكِّيهِ إذا قبَضَهُ (١)، وهذا منهُ؛ لأنَّ المالَ حَقَّ له مِن أوَّلِ الحولِ، ولكنَّه أُجِّلَ كالدَّيْنِ في الذِّمَّةِ فيُزَكِّيهِ إذا قبَضَهُ، وقد رواهُ غيرُ واحدٍ عن أحمدَ بهذا المعنى. الثالثةُ: أنْ يَكتسِبَ مالًا مِن جنسِ مالِهِ الذي قام في مُلْكِه، وقامَ نصابُهُ، وبدَأَ حولُهُ، ولكنَّ المالَ المكتسَبَ ليس فرعًا لمالِهِ الأصلِ، ولا نماءً له؛ فَلَيْسَ رِبْحًا مِن تجارتِهِ، ولا نماءً لماشيتِهِ؛ وإنَّما كسَبَهُ يصفةٍ أُخرى كالهِبَةِ أو اللُّقَطةِ أو الشِّرَاءِ مِن غيرِ مالِهِ الأصليِّ، كأنْ يكونَ لدَيْهِ ماشيةٌ أو نَقْدٌ أو عقارٌ، فيُهْدَى له عقارٌ أو نقدٌ أو ماشيةٌ؛ فقد اختلَفَ العلماءُ في هذه الحالِ: ذهَبَ طائفةٌ: إلى أنَّه يَتْبَعُ أصلَ المالِ ما دامَ مِن جِنسِهِ مطلَقًا؛ وهذا قولُ الشافعيِّ وأبي حنيفةَ. وقال آخَرُونَ: بأنَّ حَوْلَهُ مستقِلٌ ما دام ليس فرعًا ولا نماءً للأوَّلِ، ولو كان مِن جِنْسِهِ؛ أخذًا بظاهرِ النصوصِ؛ كما في الحديثِ: (مَنِ اسْتَفَادَ مَالًا. . .) (٢)، والمالُ المستفادُ هو ما كان له أصلٌ، والحديثِ الآخَرِ: (لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ). وعمومُ الحديثَيْنِ محتمِلٌ لكِلا القولَيْنِ يتأوَّلُهما كلٌّ عَلَى وجهِه، والأحوَطُ جعلُ المالِ المستفادِ تَبَعًا للمالِ الأصلِ إذا كان مِن جِنسِهِ بكلِّ حالٍ، كان فرعًا له أو لم يَكُنْ. وتجبُ - أيِ: الزكاةُ - فيما زاد على النصابِ بالحسابِ، إلا في السائمةِ؛ فلها حسابٌ منصوصٌ، لا يصحُّ فيه القياسُ.

стр. 521

دوامُ النصابِ في الحولِ كلِّهِ: ويُشترَطُ دوامُ بلوغِ النصابِ في الحَوْلِ كُلِّهِ عندَ جماهيرِ العلماءِ، خلافًا لأبي حنيفةَ؛ فقد جعَلَ نقصانَ النصابِ في أثناءِ الحولِ لا يُسقِطُ الزكاةَ، بشرطِ بلوغِ النصابِ في طَرَفَي الحولِ أوَّلِه وآخِرِه. والصحيحُ أنَّ نقصانَ النصابِ يُسقِطُ الحولَ؛ لعموم الحديثِ، وإيجابُ الزكاةِ لتمامِ النصابِ فىِ طرَفَي الحَوْلِ لا ضابطَ له يتحقَّقُ فيه العدلُ وعدمُ الإضرارِ، فيستوي في هذا مَن فقَدَ مالَهُ كلَّه وخَسِرَهُ، ثُمَّ استأنَفَ تجارةً أو كسبًا، فبلَغَ نصابًا قبلَ بلوغِ الحولِ، فمالُهُ الذي يُزَكِّيهِ ليس هو المالَ الذي بدَأَ حولُهُ، بل هو مالٌ جديدٌ؛ لهلاكِ مالِهِ الأوَّلِ، وقولُ أبي حنيفةَ بستوي فيه مَن نقَصَ نصابُهُ دِرْهَمًا ومَن ذهَبَ مالُهُ كلُّه، ثمَّ استفادَ غيرَهُ. وقولُه تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾، فيه: أنَّ المالَ الحرامَ لا زكاةَ فيه ما لم يُتَبْ منه؛ فاللهُ طيِّبٌ لا يَقبَلُ إلَّا طيِّبًا - كما في الحديثِ (١) - فإِنْ تابَ صاحِبُهُ كمَنْ يتوبُ مِن الرِّبا بعدَ قَبْضِهِ، فيُزَكِّيهِ؛ لأنَّ التوبةَ الصادِقةَ ترفَعُ عنِ المالِ خَبَثَهُ. وقولُهُ تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾، فيه: إخراجُ الزكاةِ مِن كلِّ ما يخرُجُ مِن الأرضِ مِن الثِّمارِ والزُّروعِ بشروطِها الثابتةِ في السُّنَّةِ. زكاةُ الخَضْراواتِ: والخَضْرَاوَات والفاكِهةُ لا زكاةَ فيها على الصحيحِ، وليس فيها حديثٌ صحيحٌ يأمُرُ بذلك، ولا يمنعُهُ، وأمَّا ما روى التِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ معاذٍ: (ليس في الخَضْرَاوَاتِ زَكَاةٌ) (٢)، فلا يثبُتُ؛ أعلَّهُ التِّرمِذيُّ وغيرُهُ؛ وقال: "لا يثبُتُ في هذا البابِ شيءٌ" (٣).

стр. 522

والمدينةُ لم تكن مَنْبَتًا للخَضْرَاوَاتِ والفاكهةِ؛ لأرضِها، ولحاجتِها للماءِ، ولحرارةِ جوِّها، إلا في القليلِ يُزرَعُ كالدُّبَّاءِ وشبهِهِ. وعملُ السلفِ على عدمِ زكاتِها؛ نقَلَهُ التِّرمِذيُّ وغيرُهُ (١)، وهو قولُ جمهورِ الفقهاءِ؛ لأنَّ الخَضْرَاوَاتِ والفاكهةَ لا تُقتاتُ ولا تُدَّخَرُ، بخلافِ الحبوبِ والثِّمارِ؛ كالشعيرِ والتمرِ، فتُدَّخَرُ سِنينَ بلا كَبِيرِ مؤونةٍ، ولا يُنتفَعُ - غالبًا - بالخَضْرَاوَاتِ والفاكِهةِ إلا في زمانِ قَطْفِها وأيامِه، وتفسُدُ إنْ طال وقتُها، فبَيْعُ الحبوبِ والانتفاعُ منها أظهَرُ وأكثَرُ مِن الخَضْرَاوَاتِ، والخضراواتُ أضيَقُ، وفي إيجابِ الزكاةِ فيها إضرارٌ بأصحابِها، إلا مَن كان يَجْعَلُها تجارةً، فتأخُذُ حُكْمَ العروضِ. ولو ادَّخَرَ الناسُ الخَضْرَاوَاتِ والفاكهةَ في الآلاتِ واتَّخَذُوها قُوتًا، فلا زكاةَ فيها؛ لأنَّهُمْ لا يَدَّخِرُونَها إلا بمؤونةٍ وكُلْفةٍ تختلِفُ عن مؤونةِ الحبوبِ، ولا يُجمَعُ عَلَى أهلِها كُلْفتانِ؛ كُلْفةُ الادِّخارِ، وكُلْفةُ الزَّكاةِ، فيتضرَّرَ الناسُ بذلك. وأبو حنيفةَ يقولُ بزكاةِ الخَضْرَاوَاتِ، وخالَفَهُ صاحِباهُ. وقِيلَ بزكاةِ المَعَادنِ والنِّفْطِ والغاز الذي يَنتَفِعُ منه الناس ممَّا يخرُجُ مِن الأرضِ؛ لعمومِ الآيةِ؛ وهذا ظاهِرُ مذهبِ الحنفيَّةِ؛ لقولِهِمْ بالأخذِ بالعمومِ، والقاعِدةُ عندهم أنَّ دليلَ العمومِ يدلُّ على جميعِ أجزائِهِ دَلَالةً قطعيَّةً، والجمهورُ يَجْعَلُونَ دلالةَ العمومِ على جميعِ أجزائِهِ ظنِّيَّةً، وهذا هو الأرجَحُ، ما لم تَحتَفَّ قرائنُ بأحدِ الأجزاءِ، أو يَقُمْ دليلٌ مستقِلٌ أو عملٌ يقوِّي الأخذَ بجزءٍ أو أجزاءِ العمومِ كلِّها. زكاةُ النَّفْطِ والبترول: واختلَفَ مَن قال مِن أهلِ العصرِ: بزكاةِ النفطِ والغازِ في مِقْدارِ

стр. 523

النصابِ الذي تَجِبُّ فيهِ الزكاةُ، ومِقْدارِ الزكاةِ فيهِ، على أقوالٍ: فمِنهُم: مَن يخرِّجُهُ عَلَى الرِّكَازِ، ويُوجِبُ فيه الخُمسَ. ومِنهُم: مَن يقيسُهُ على الحبوبِ والثِّمارِ. ومِنْهُم: مَن يَقِيسُهُ على النقدَيْنِ. والنِّفْطُ والبِتْرُولُ والغازُ إذا كان مالًا عامًّا للمسلِمينَ وخَرَاجُه يكونُ لبيتِ المالِ، فلا تجبُ فيه الزكاةُ. وإذا كان مالًا خاصًّا بفَرْدٍ يخرُجُ في أرضٍ له، فهل تجبُ فيه الزَّكاةُ؟ على الخلافِ السابِقِ. ويَنبغي على مَن قال بالزكاةِ فيه: أنْ يفرِّقَ بين ما يخرُجُ منهُ بمؤونةٍ ومشقَّةٍ ألَّا يَجْعَلَهُ مساوِيًا لِمَا طفَحَ على الأرضِ أو قريبًا مِن سَطْحِها، فيقسَّمُ عَلَى حالَيْنِ قياسًا على الحبوبِ والثِّمارِ؛ فما كان بمؤونةٍ، فلا يجاوِزُ فيه رُبْعَ العُشْرِ، وما كان بلا مؤونةٍ، ففيه العُشْرُ؛ ففي "الصحيحِ"، عنِ ابنِ عمرَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ ؛ قال: (فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا: العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ: نِصْفُ العُشْرِ) (١). وقياسُهُ على الركَازِ ضعيفٌ؛ فإنَّ الركَازَ فيه الخُمْسُ، والرِّكَازُ لا مؤونةَ فيه غالبًا؛ فهو مِن لُقَطِ الجاهليَّةِ، وممَّا عَمِلَتْهُ أيديهِم، فَلا كُلْفةَ بحَفْرِ الأرضِ أو نَحْتِ الصَّخْرِ لاستخراجِهِ، وإنْ خرَجَ بالحَفْرِ، فإِنَّه يخرُجُ تَبَعًا لا مقصودًا بالحفرِ والمؤونةِ، كمَنْ يَحفِرُ بئرًا لأجلِ الماءِ، أو ينقُلُ صخرًا لأجلِ البِناءِ، ثمَّ يَجِدُ مصادَفةً ذَهَبًا جاهليًّا، فهذا لم يَجِدْ مشقَّةً ومؤونَةً في الرِّكَازِ ذاتِهِ؛ ولذا القولُ في الشرعِ الخُمْسُ. ولا يقاسُ على الرِّكَازِ ما يُخرِجُهُ الناس مِن المَعَادِنِ مِن الصخورِ

стр. 524

وحَفْرِ الأرضِ، ثمَّ تُصْهَرُ الحِجَارةُ ويخرُجُ ما فيها مِن نفائسِ الأرضِ مِن الذهبِ والفِضَّةِ والنُّحَاسِ وشبهِها؛ فهذا بمؤونةٍ، ولا يأخُذُ حُكْمَ الرِّكَازِ، ولا زكاةَ فيه حتَّى يبلُغَ نصابًا ويحولَ عليه الحَوْلُ. * * * قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١]. اختُلِفَ في سببِ نزولِ الآيةِ، وليس في الآيةِ شيءٌ مِن ذلك مسنَدٌ مرفوعٌ أو موقوفٌ صحيحٌ؛ وإنَّما هي أقوالٌ لبعضِ السلفِ: فقيلَ: إنَّ المسلِمِينَ كَرِهُوا الصَّدَقةَ على قَرَابَاتِهم مِن المشرِكِينَ؛ فأنزَلَ اللهُ ذلك بيانًا لهم. وقيل: إنَّ النبيَّ ﷺ نَهَاهُمْ عن الصدقةِ على المشرِكِينَ، فنسَخَ اللهُ ذلك بالآيةِ. والنهيُ لا يصحُّ عن النبيِّ ﷺ ، وفي الآيةِ التاليةِ ما يُشِيرُ إلى النفقةِ على المشرِكِينَ؛ فقد قال بعد هذِهِ الآيةِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. الصدقةُ والزكاةُ على الكافِرِ: والزكاةُ على الكافرِ لا تصحُّ إلا تأليفًا لقلبِهِ، لا لمجرَّدِ فَقْرِهِ ومَسْكَنَتِهِ؛ حكى الاتِّفاقَ غيرُ واحدٍ كابنِ المنذِرِ، فيُعطى مِن زكاةِ الأموالِ، لا زكاةِ الفِطْرِ؛ لأنَّ زكاةَ الفِطْرِ لا يدخُلُ فيها المؤلَّفةُ قلوبُهم؛ لتقييدِها في الحديثِ بالمسلِمِينَ؛ ولذا خَصَّ اللهُ الكفارَ بآيةِ الأصنافِ الثمانيةِ بقولِهِ تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٠]، وهذا القيدُ لا يُشترَطُ

стр. 525

في المُسلِمِ؛ فيُعطَى المسلِمُ لمجرَّدِ فقرِهِ، ولو لم يُقصَدْ تأليفُ قلبِهِ، ولو كان فاسِقًا يُعلَمُ أنَّ الصدقةَ لا تجعلُهُ يُقلِعُ عن معصيتِهِ؛ لأنَّ الزكاةَ استَحَقَّها لفَقْرِهِ ومسكَنَتِهِ، وغُرْمِهِ وجهادِهِ، ولرقبتِهِ، ولغُرْبَتِهِ في سَفَرِهِ، ولجهادِهِ ما دام مسلِمًا، ولو جاز أن يُعْطَى الكافِرُ زكاةً لفَقْرِهِ ومسكنتِهِ ونحوِ ذلك، ما خَصَّهُ تأليفًا لقلبِهِ؛ لأنَّه لو أُعطِيَ لفقرِهِ وهو باقٍ على كُفْرِهِ، فتأليفُهُ لِيُسلِمَ مِن بابِ أَوْلى، فالكفرُ أعظمُ مِن الفقرِ. وذِكْرُ الجهادِ في قولِهِ: ﴿وَفِي سَبْيِلِ اللهِ﴾ [التوبة: ٦٠] إشارةٌ إلى خروجِ الكافرِ مِن جميعِ الأنواعِ إلا المؤلَّفةَ قلوبُهُمْ؛ لأنَّه لا يُجاهِدُ في سبيلِ اللهِ، على خلافٍ في استئجارِهِ والاستعانةِ به في القتالِ. وجمهورُ الأئمَّةِ: على أنَّ سهمَ المؤلَّفةِ قلوبُهُمْ باقٍ لم يُنسَخْ، خلافًا لأبي حنيفةَ، والصحيحُ بقاؤُهُ، ولا دليلَ يصحُّ على النسخِ، ثمَّ إنَّ العِلَّةَ التي لأجلِها شُرِعَ سَهْمُ المؤلَّفةِ قلوبُهُمْ باقيةٌ إلى قيامِ الساعةِ ما وُجدَ الكُفْرُ والإيمانُ، ونَسْخُ هذا الحكمِ مع بقاءِ عِلَّتِهِ لا يَتَّفِقُ مع أحكامِ الشريعةِ وقواعِدِها. واختلَفَ العلماءُ في الصَّدَقةِ مِن غيرِ الزكاةِ على الكافرِ مِن غيرِ قصدِ التأليفِ، والأظهرُ عدَمُ جوازِ ذلك إلا تأليفًا لقلبِهِ فقطْ - صدقةً وإطعامًا - إذا كان جارًا؛ لأَنَّه إذا جاز التأليفُ في الزكاةِ، ففي الصدقةِ مِن بابِ أولى. ورُوِيَ عن بعضِ الصحابةِ الصدقةُ على الكافرِ؛ كابنِ عباسٍ وعبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، وقد تصدَّقتْ عائشةُ على يهوديَّةٍ سأَلَتْها؛ كما في "الصحيحِ" (١)، وسألت أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ ﵄ النبيَّ ﷺ ، فقالتْ: "قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وهي مشرِكةٌ - في عهدِ قُرَيْشٍ؛ إذْ عاهَدُوا رسولَ اللهِ ﷺ ،

стр. 526

ومُدَّتِهم - مع أَبِيهَا، فاستفتَتْ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عليَّ وهِيَ راغِبةٌ - تطلُبُ العَوْنَ - أَفأَصِلُها؟ قال: (نَعَمْ، صِلِيهَا)؛ رواهُ البخاريُّ (١). وهذا ظاهرُ القُرآنِ في قولِهِ تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]، وتدخُلُ الهديةُ مِن هذا البابِ؛ لأنَّ الهَدَايَا تحبِّبُ النفوسَ وتستميلُ القلوبَ للمُهْدِي، وقد رُوِيَ في الحديثِ: (تَهَادَوْا تَحَابُّوا) (٢)، والآيةُ أخرَجَتِ الكافرَ الحَرْبيَّ، فلا يجوزُ الصدقةُ له، إلا لمَنْ غلَبَ على الظنِّ دفْعُ شرِّهِ وجلْبُ خيرِهِ؛ كهديَّةِ عُمرَ لأخيهِ في مَكَّةَ قميصًا. إعطاءُ الفاسقِ والمنافقِ تأليفًا لقلبِهِ: وإذا أُعطِيَ الكافرُ تأليفًا لقلبِهِ، فيُعطَى المسلِمُ ضعيفُ الإسلامِ ليحسُنَ إسلامُهُ ولو كان غنيًّا، إذا عُلِمَ ذلك مِن حالِه؛ ليُؤمَنَ شَرُّهُ، فشرُّ بعضِ فُسَّاقِ المسلِمِينَ ومنافِقِيهِمْ على الإسلامِ ربَّما يزيدُ عَلَى شرِّ بعضِ الكفَّارِ المعاهَدِينَ؛ فقد يكونُ المنافِقُ والفاسِقُ يُخشى عليهِ أنْ يكونَ عينًا للمشرِكِينَ أو كائِدًا متربِّصًا ببَيْضةِ الإسلامِ، والمالُ يكسِرُ قلبَهُ ويُطفِئُ هواهُ، وفي "الصحيحَيْنِ"، عن أبي سعيدٍ؛ أنَّ عليًّا بعَثَ إلى النبيِّ ﷺ بِذُهَيْبَةٍ في تُرْبَتِها مِن اليَمَنِ، فقسَّمَها بينَ أربعةِ نَفَرٍ: الأَقْرَعِ بنِ حابِسٍ، وعُيَيْنَةَ بنِ بَدْرٍ، وعَلْقَمةَ بنِ عُلَاثَةَ، وزَيْدِ الخَيْرِ، وقال: (أَتَأَلَّفُهُمْ) (٣). وكان النبيُّ ﷺ يُعطي الطُّلَقاءَ، وبعضَ مَن يَخشى بُعْدَهُ عن الحقِّ

стр. 527

لِيَقْرُبَ، وقال: (إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أحَبُّ إلَيَّ مِنْهُ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ) (١). أفضلُ الصدقاتِ: وأعظمُ الصدقاتِ ما كانت على أشدِّ المسلِمِينَ حاجةً؛ فالنفقةُ على الفقيرِ أعظَمُ أجرًا مِن النفقةِ على المِسْكِينِ، ومَن جمَعَ فقرًا وغُرْمَا وسبيلًا وجهادًا، أعظَمُ ممَّن جمَعَ بعضَها. والصدقةُ على الفقيرِ الصالِحِ أَوْلَى مِنَ الفقيرِ الفاسقِ إذا اسْتَوَيَا في الحاجةِ، إلا عندَ غلبةِ الظنِّ بأنَّ الصدقةَ على الفاسقِ تقرِّبُهُ وتؤلِّفُهُ. إسرارُ الصدقةِ وإعلانُها: وفي الآيةِ: فَضْلُ الإسرارِ بالصَّدَقةِ على الإعلانِ بها، ومِن العلماءِ مَنْ حمَلَ الآيةَ على زكاةِ الفَرْضِ؛ وهو قولُ ابنِ عباسٍ، وأبي جعفرٍ. روى ابنُ جريرٍ، وابنُ أبي حاتِمٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال في الآيةِ: "جعَلَ اللهُ صَدَقةَ السِّرِّ في التطوُّعِ تفضُلُ عَلَانِيَتَها بسبعينَ ضِعْفًا، وجعَلَ صَدَقَةَ الفريضةِ عَلَانِيَتَها أفضَلَ مِن سِرِّها، يقالُ بخمسةٍ وعِشْرِينَ ضِعْفًا، وكذلك جميعُ الفرائضِ والنوافلِ في الأشياءِ كلِّها" (٢). ومنهُم: مَن خصَّها بصَدَقةِ النَّفْلِ؛ وهو قولُ سُفْيانَ؛ لأنَّ زكاةَ الفَرْضِ لا يظهَرُ فيها كمالُ الإحسانِ والمِنَّةِ كصَدَقةِ النَّفْلِ، فالفرضُ تكليفٌ يُسقِطُهُ الإنسانُ عن نفسِهِ ومالِهِ، والرياءُ في النفلِ أقوى مِن الفَرْضِ، خاصَّةً عنْدَ مَن يؤدِّي الفرضَ والنفلَ، وأمَّا مَن لا يَعتادُ أن يؤدِّيَ في مالِه إلا زكاةً واجِبةً، فقد يدخُلُ عليه الرياءُ في فرضِهِ؛ كما يدخُلُ الرياءُ على صاحِبِ النفلِ.

стр. 528

إخفاءُ الطاعاتِ وإعلانُها: والأصلُ في الفرائضِ في الدِّينِ: الأعلانُ، وأنَّه أفضلُ مِن الإسرارِ، وقد حكى الإجماعَ على هذا ابنُ جريرٍ، إلا الزكاةَ (١)؛ ففيها خلافٌ عندَ السلفِ؛ وذلك لأنَّ الفرضَ يحتاجُ إلى التواصي وعدَمِ التواكُلِ، ولكونِها شعائِرَ دينيَّةً تحتاجُ إلى إظهارِها ليَقتدِيَ بذلك الناسُ، ولا يَجِدَ ضعيفُ الإيمانِ والمنافِقُ بابًا للخروجِ عن أدائِها بدعوى الإسرارِ، وحتَّى لا يُحسَنَ الظنُّ بصاحبِ السُّوءِ، فتتعطَّلَ بذلك مَقاصِدُ الشريعةِ. والأحاديثُ كثيرةٌ في فضلِ إخفاءِ النوافلِ صَدَقةً وصلاةً وغيرَها، ومِن السَّبْعَةِ الذين يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ: (رَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ)؛ كما جاء في حديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ في "الصحيحَيْنِ" (٢)؛ ولذا كانت نافِلةُ الليلِ أعظَمَ مِن نافلةِ النهارِ؛ لخفائِها والخَلْوةِ فيها، وأعظَمُ ما ينفي النِّفاقَ، ويدفَعُ الرِّياءَ: عبادةُ السِّرِّ. وإذا قامتْ مصلحةُ التعليمِ وحَضِّ الناسِ، فلا حرَجَ مِن إعلانِ العملِ الصالِحِ ولو كان نفلًا؛ كما في حديثِ المنذِرِ بنِ جرِيرٍ، عن أبيهِ؛ قال: "جاءَ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوِ الْعَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِن مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ لِمَا رَأى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا، فَأَذَّنَ وَأقَامَ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ، وَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةِ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ، حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ

стр. 529

مُذْهَبَةٌ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : (مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بها بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَام سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بها مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ) (١). وهذه: صدقةُ العلانيةِ فيها أفضَلُ مِن السِّرِّ؛ للحاجةِ للإعلانِ لحثِّ الناسِ ودَفْعِهِمْ إلى الصَّدَقةِ لِتُسَدَّ حاجةُ الناسِ، ويخرُجَ شُحُّ النفوسِ منها، وربَّما هناك مَن يَمْنَعُهُ الحياءُ مِن النفقةِ؛ لِقِلَّةِ ما في يدِهِ؛ فلا يَرَاهُ يساوي شيئًا، فإذا رأى صاحبَ القليلِ والكثيرِ يُنفِقُ، أنفَقَ؛ لأنَّ النفوسَ تستوحِشُ مِن الانفرادِ عن فِعْلِ بني جِنْسِها. محوُ الحَسَناتِ للسيِّئَاتِ: وفي الآيةِ: تكفيرُ الصدقةِ للسَّيِّئاتِ: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، وفي حديثِ حُذَيْفةَ في "الصحيحِ"؛ قال: (فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ، وَوَلَدِهِ، وَجَارِهِ: تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ، وَالصَّدَقَةُ) (٢). وفي "المسندِ"، و"السُّنَنِ"؛ مِن حديثِ كَعْبِ بنِ عُجْرةَ؛ قال ﷺ : (وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ، كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ) (٣). وكُلُّ حسنةٍ تمحُو سيِّئةً، وكلُّ سيِّئةٍ لها أثرٌ على حَسَنةٍ، وقد تَمْحُوها، والحَسَناتُ والسِّيئاتُ يَتَغَالَبْنَ، والغَلَبةُ للأكثَرِ والأعظَمِ، إلا التوحيدَ لا يَمْحُوهُ إلا الشِّرْكُ، والشِّرْكَ لا يَمْحُوهُ إلا التَّوحيدُ، والمُشْرِكُ لا أَثَرَ لطاعاتِهِ ما لم يوحِّدُ، فلا يَكْسِبُ بها أجرًا، ولا يكفِّرُ لها ذنبًا، إلا إنْ أسلَمَ فيُكتَبُ له ما سلَفَ مِن عملِهِ الخالِصِ فقطْ؛ لقولِهِ ﷺ :

стр. 530

(أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ) (١). ومَنِ ارتَدَّ بعدَ إسلامٍ، ثمَّ أسلَمَ، فهل تَرجِعُ إليه حسناتُهُ قبل رِدَّتِهِ؟ قولانِ للعلماءِ، والصحيحُ: رجوعُها إليه؛ لأنَّ مَن تصدَّقَ زمَنَ كُفْرِهِ مخلِصًا للهِ، تُكتَبُ له حسناتُهُ تلك إذا أسلَمَ، فكيف بمُسلِمٍ تصدَّقَ، ثمَّ كفَرَ، ثُمَّ أسلَمَ؟ ! فرجوعُ حسنةٍ زمَنَ الإسلامِ أَوْلَى مِن رجوعِها زمَنَ الكُفْرِ. محوُ السَّيِّئاتِ للحَسَنات: وقدِ اختلَفَ العلماءُ في مَحْوِ السيئةِ للحسنةِ، مع اتِّفاقِهِم على محوِ الحَسَناتِ للسيِّئاتِ، والصوابُ: أنَّ السيئةَ تؤثِّرُ على الحَسَناتِ، وقد تمحُو تضعيفَها، ومضاعَفةُ الحَسَنةِ حَسَناتٌ؛ فالحَسَنةُ بعَشْرِ أمثالِها إلى سَبْعِ مِئةِ ضِعْفٍ، واللهُ يضاعِفُ لمَنْ يشاءُ، وهذا التضعيفُ معدودٌ في الحَسَنَاتِ، وهذا لا يخالِفُ أنَّ رَحْمةَ اللهِ تَسبِقُ غَضَبَهُ؛ لأنَّ الحَسَنةَ تضاعَفُ، والسيِّئَةَ تَبْقَى واحدةً، فلو محَتِ السيئةُ حسنةً فتَمْحُو تضعيفَها أو بعضَهُ، فلا تأتي على جميعِ أصلِها؛ لأنَّ السيئةَ أصعَفُ مِن الحَسَنةِ، والمُوبِقاتُ والكبائرُ أقوى مِن الصغائرِ، ولكلِّ حسنةٍ تضعيفٌ وبَرَكةٌ، ويَذهَبُ مِن تضعيفِ الحسناتِ وبَرَكَتِها بمقدارِ الذنوبِ؛ وهذا سببُ عدمِ وجودِ بَرَكةِ الحَسَنةِ مِن الفاسِقِ والمنافِقِ في نفسِهِ ومالِهِ ووَلَدِه. * * * قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. في الآيةِ: الصدقةُ على المحصورِ في سبيلِ اللهِ، الذي تسبَّب
следующие страницы →