← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ومُدَّتِهم - مع أَبِيهَا، فاستفتَتْ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عليَّ وهِيَ راغِبةٌ - تطلُبُ العَوْنَ - أَفأَصِلُها؟ قال: (نَعَمْ، صِلِيهَا)؛ رواهُ البخاريُّ (١). وهذا ظاهرُ القُرآنِ في قولِهِ تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]، وتدخُلُ الهديةُ مِن هذا البابِ؛ لأنَّ الهَدَايَا تحبِّبُ النفوسَ وتستميلُ القلوبَ للمُهْدِي، وقد رُوِيَ في الحديثِ: (تَهَادَوْا تَحَابُّوا) (٢)، والآيةُ أخرَجَتِ الكافرَ الحَرْبيَّ، فلا يجوزُ الصدقةُ له، إلا لمَنْ غلَبَ على الظنِّ دفْعُ شرِّهِ وجلْبُ خيرِهِ؛ كهديَّةِ عُمرَ لأخيهِ في مَكَّةَ قميصًا. إعطاءُ الفاسقِ والمنافقِ تأليفًا لقلبِهِ: وإذا أُعطِيَ الكافرُ تأليفًا لقلبِهِ، فيُعطَى المسلِمُ ضعيفُ الإسلامِ ليحسُنَ إسلامُهُ ولو كان غنيًّا، إذا عُلِمَ ذلك مِن حالِه؛ ليُؤمَنَ شَرُّهُ، فشرُّ بعضِ فُسَّاقِ المسلِمِينَ ومنافِقِيهِمْ على الإسلامِ ربَّما يزيدُ عَلَى شرِّ بعضِ الكفَّارِ المعاهَدِينَ؛ فقد يكونُ المنافِقُ والفاسِقُ يُخشى عليهِ أنْ يكونَ عينًا للمشرِكِينَ أو كائِدًا متربِّصًا ببَيْضةِ الإسلامِ، والمالُ يكسِرُ قلبَهُ ويُطفِئُ هواهُ، وفي "الصحيحَيْنِ"، عن أبي سعيدٍ؛ أنَّ عليًّا بعَثَ إلى النبيِّ ﷺ بِذُهَيْبَةٍ في تُرْبَتِها مِن اليَمَنِ، فقسَّمَها بينَ أربعةِ نَفَرٍ: الأَقْرَعِ بنِ حابِسٍ، وعُيَيْنَةَ بنِ بَدْرٍ، وعَلْقَمةَ بنِ عُلَاثَةَ، وزَيْدِ الخَيْرِ، وقال: (أَتَأَلَّفُهُمْ) (٣). وكان النبيُّ ﷺ يُعطي الطُّلَقاءَ، وبعضَ مَن يَخشى بُعْدَهُ عن الحقِّ

стр. 527

لِيَقْرُبَ، وقال: (إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أحَبُّ إلَيَّ مِنْهُ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ) (١). أفضلُ الصدقاتِ: وأعظمُ الصدقاتِ ما كانت على أشدِّ المسلِمِينَ حاجةً؛ فالنفقةُ على الفقيرِ أعظَمُ أجرًا مِن النفقةِ على المِسْكِينِ، ومَن جمَعَ فقرًا وغُرْمَا وسبيلًا وجهادًا، أعظَمُ ممَّن جمَعَ بعضَها. والصدقةُ على الفقيرِ الصالِحِ أَوْلَى مِنَ الفقيرِ الفاسقِ إذا اسْتَوَيَا في الحاجةِ، إلا عندَ غلبةِ الظنِّ بأنَّ الصدقةَ على الفاسقِ تقرِّبُهُ وتؤلِّفُهُ. إسرارُ الصدقةِ وإعلانُها: وفي الآيةِ: فَضْلُ الإسرارِ بالصَّدَقةِ على الإعلانِ بها، ومِن العلماءِ مَنْ حمَلَ الآيةَ على زكاةِ الفَرْضِ؛ وهو قولُ ابنِ عباسٍ، وأبي جعفرٍ. روى ابنُ جريرٍ، وابنُ أبي حاتِمٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال في الآيةِ: "جعَلَ اللهُ صَدَقةَ السِّرِّ في التطوُّعِ تفضُلُ عَلَانِيَتَها بسبعينَ ضِعْفًا، وجعَلَ صَدَقَةَ الفريضةِ عَلَانِيَتَها أفضَلَ مِن سِرِّها، يقالُ بخمسةٍ وعِشْرِينَ ضِعْفًا، وكذلك جميعُ الفرائضِ والنوافلِ في الأشياءِ كلِّها" (٢). ومنهُم: مَن خصَّها بصَدَقةِ النَّفْلِ؛ وهو قولُ سُفْيانَ؛ لأنَّ زكاةَ الفَرْضِ لا يظهَرُ فيها كمالُ الإحسانِ والمِنَّةِ كصَدَقةِ النَّفْلِ، فالفرضُ تكليفٌ يُسقِطُهُ الإنسانُ عن نفسِهِ ومالِهِ، والرياءُ في النفلِ أقوى مِن الفَرْضِ، خاصَّةً عنْدَ مَن يؤدِّي الفرضَ والنفلَ، وأمَّا مَن لا يَعتادُ أن يؤدِّيَ في مالِه إلا زكاةً واجِبةً، فقد يدخُلُ عليه الرياءُ في فرضِهِ؛ كما يدخُلُ الرياءُ على صاحِبِ النفلِ.

стр. 528

إخفاءُ الطاعاتِ وإعلانُها: والأصلُ في الفرائضِ في الدِّينِ: الأعلانُ، وأنَّه أفضلُ مِن الإسرارِ، وقد حكى الإجماعَ على هذا ابنُ جريرٍ، إلا الزكاةَ (١)؛ ففيها خلافٌ عندَ السلفِ؛ وذلك لأنَّ الفرضَ يحتاجُ إلى التواصي وعدَمِ التواكُلِ، ولكونِها شعائِرَ دينيَّةً تحتاجُ إلى إظهارِها ليَقتدِيَ بذلك الناسُ، ولا يَجِدَ ضعيفُ الإيمانِ والمنافِقُ بابًا للخروجِ عن أدائِها بدعوى الإسرارِ، وحتَّى لا يُحسَنَ الظنُّ بصاحبِ السُّوءِ، فتتعطَّلَ بذلك مَقاصِدُ الشريعةِ. والأحاديثُ كثيرةٌ في فضلِ إخفاءِ النوافلِ صَدَقةً وصلاةً وغيرَها، ومِن السَّبْعَةِ الذين يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ: (رَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ)؛ كما جاء في حديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ في "الصحيحَيْنِ" (٢)؛ ولذا كانت نافِلةُ الليلِ أعظَمَ مِن نافلةِ النهارِ؛ لخفائِها والخَلْوةِ فيها، وأعظَمُ ما ينفي النِّفاقَ، ويدفَعُ الرِّياءَ: عبادةُ السِّرِّ. وإذا قامتْ مصلحةُ التعليمِ وحَضِّ الناسِ، فلا حرَجَ مِن إعلانِ العملِ الصالِحِ ولو كان نفلًا؛ كما في حديثِ المنذِرِ بنِ جرِيرٍ، عن أبيهِ؛ قال: "جاءَ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوِ الْعَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِن مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ لِمَا رَأى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا، فَأَذَّنَ وَأقَامَ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ، وَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةِ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ، حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ

стр. 529

مُذْهَبَةٌ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : (مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بها بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَام سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بها مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ) (١). وهذه: صدقةُ العلانيةِ فيها أفضَلُ مِن السِّرِّ؛ للحاجةِ للإعلانِ لحثِّ الناسِ ودَفْعِهِمْ إلى الصَّدَقةِ لِتُسَدَّ حاجةُ الناسِ، ويخرُجَ شُحُّ النفوسِ منها، وربَّما هناك مَن يَمْنَعُهُ الحياءُ مِن النفقةِ؛ لِقِلَّةِ ما في يدِهِ؛ فلا يَرَاهُ يساوي شيئًا، فإذا رأى صاحبَ القليلِ والكثيرِ يُنفِقُ، أنفَقَ؛ لأنَّ النفوسَ تستوحِشُ مِن الانفرادِ عن فِعْلِ بني جِنْسِها. محوُ الحَسَناتِ للسيِّئَاتِ: وفي الآيةِ: تكفيرُ الصدقةِ للسَّيِّئاتِ: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، وفي حديثِ حُذَيْفةَ في "الصحيحِ"؛ قال: (فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ، وَوَلَدِهِ، وَجَارِهِ: تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ، وَالصَّدَقَةُ) (٢). وفي "المسندِ"، و"السُّنَنِ"؛ مِن حديثِ كَعْبِ بنِ عُجْرةَ؛ قال ﷺ : (وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ، كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ) (٣). وكُلُّ حسنةٍ تمحُو سيِّئةً، وكلُّ سيِّئةٍ لها أثرٌ على حَسَنةٍ، وقد تَمْحُوها، والحَسَناتُ والسِّيئاتُ يَتَغَالَبْنَ، والغَلَبةُ للأكثَرِ والأعظَمِ، إلا التوحيدَ لا يَمْحُوهُ إلا الشِّرْكُ، والشِّرْكَ لا يَمْحُوهُ إلا التَّوحيدُ، والمُشْرِكُ لا أَثَرَ لطاعاتِهِ ما لم يوحِّدُ، فلا يَكْسِبُ بها أجرًا، ولا يكفِّرُ لها ذنبًا، إلا إنْ أسلَمَ فيُكتَبُ له ما سلَفَ مِن عملِهِ الخالِصِ فقطْ؛ لقولِهِ ﷺ :

стр. 530

(أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ) (١). ومَنِ ارتَدَّ بعدَ إسلامٍ، ثمَّ أسلَمَ، فهل تَرجِعُ إليه حسناتُهُ قبل رِدَّتِهِ؟ قولانِ للعلماءِ، والصحيحُ: رجوعُها إليه؛ لأنَّ مَن تصدَّقَ زمَنَ كُفْرِهِ مخلِصًا للهِ، تُكتَبُ له حسناتُهُ تلك إذا أسلَمَ، فكيف بمُسلِمٍ تصدَّقَ، ثمَّ كفَرَ، ثُمَّ أسلَمَ؟ ! فرجوعُ حسنةٍ زمَنَ الإسلامِ أَوْلَى مِن رجوعِها زمَنَ الكُفْرِ. محوُ السَّيِّئاتِ للحَسَنات: وقدِ اختلَفَ العلماءُ في مَحْوِ السيئةِ للحسنةِ، مع اتِّفاقِهِم على محوِ الحَسَناتِ للسيِّئاتِ، والصوابُ: أنَّ السيئةَ تؤثِّرُ على الحَسَناتِ، وقد تمحُو تضعيفَها، ومضاعَفةُ الحَسَنةِ حَسَناتٌ؛ فالحَسَنةُ بعَشْرِ أمثالِها إلى سَبْعِ مِئةِ ضِعْفٍ، واللهُ يضاعِفُ لمَنْ يشاءُ، وهذا التضعيفُ معدودٌ في الحَسَنَاتِ، وهذا لا يخالِفُ أنَّ رَحْمةَ اللهِ تَسبِقُ غَضَبَهُ؛ لأنَّ الحَسَنةَ تضاعَفُ، والسيِّئَةَ تَبْقَى واحدةً، فلو محَتِ السيئةُ حسنةً فتَمْحُو تضعيفَها أو بعضَهُ، فلا تأتي على جميعِ أصلِها؛ لأنَّ السيئةَ أصعَفُ مِن الحَسَنةِ، والمُوبِقاتُ والكبائرُ أقوى مِن الصغائرِ، ولكلِّ حسنةٍ تضعيفٌ وبَرَكةٌ، ويَذهَبُ مِن تضعيفِ الحسناتِ وبَرَكَتِها بمقدارِ الذنوبِ؛ وهذا سببُ عدمِ وجودِ بَرَكةِ الحَسَنةِ مِن الفاسِقِ والمنافِقِ في نفسِهِ ومالِهِ ووَلَدِه. * * * قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. في الآيةِ: الصدقةُ على المحصورِ في سبيلِ اللهِ، الذي تسبَّب

стр. 531

إسلامُهُ في عجزِهِ عن التصرُّفِ ولو لم يكن في غَزْوِ قتالٍ؛ لأنَّه حُصِرَ لأجلِ إيمانِهِ، وهو أَوْلى مِنِ ابنِ السبيلِ الذي انقطَعَتْ به السبُلُ لأجلِ رزقِ دنياهُ، ويدخُلُ في هذا فِي بابِ أَوْلى فكَاكُ الأسيرِ بالمالِ؛ حتَّى يتمكَّنَ مِن الخروجِ إلى المسلِمِينَ. دفعُ الزكاةِ للأسِيرِ: والأسيرُ أَحَقُّ بالزكاةِ مِن الفقيرِ ومقدَّمٌ عليه؛ لأنَّ الأسيرَ يُخشى عَلَى نفسِهِ ودِينِهِ، والفقيرُ يُخشى على نفسِهِ فقطْ؛ ولذا قال ﷺ : (فُكُّوا العَانِيَ، وَأَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ)؛ رواهُ البخاريُّ (١). حكمُ فَكَاكِ الأسيرِ: وفَكَاكُ المرأةِ الأسيرةِ أوجَبُ مِن الرجلِ؛ لأنَّ الرجلَ يُخشى على دِينِهِ ونفسِه، والمرأةَ يُخشى على دينِها ونفسِها وعِرْضِها، وكُلَّما عَظُمَ الأثرُ على الأسيرِ في نفسِهِ وعلى مَنْ خَلْفَه، ففَكَاكُهُ أوجَبُ وأعظَمُ. وإذا وجَبَ القِتَالُ لِفَكِّ الأَسْرى، فبَذْلُ المالِ لذلك أَوْلى مِن بَذْلِ الدمِ، وقد روى أشهَبُ وابنُ نافعٍ، عَن مالكٍ؛ أنَّه سُئِلَ: أواجِبٌ على المسلِمِينَ افتداءُ مَنْ أُسِرَ منهم؟ قال: نَعَمْ؛ أليسَ واجب عليهم أن يُقاتِلوا حتَّى يَستنقِذوهُم؟ فكيف لا يَفْدُونَهُمْ بأموالِهِمْ؟ ! وقال أحمدُ: يُفادَوْنَ بالرؤوسِ، وأمَّا بالمالِ، فلا أَعرِفُهُ (٢). ولعلَّ مرادَ أحمدَ: أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُفادِي الأَسرى بالأَسرى، لا بالمالِ؛ لأنَّ هذا أقوى لشَوكةِ المسلِمِينَ وهَيْبَتِهم، وألَّا يُسْتَضْعَفُوا ويُهانُوا؛ فالنفوسُ أعظَمُ منزِلةً مِن الأموالِ عند أهلِها، والرأسُ بالرأسِ مكافَأَةٌ بالمثلِ؛ لا يَظهَرُ في ذلك استضعافٌ لأحدٍ، وأَمَّا المالُ، فيَظهَرُ

стр. 532

فيه الضعفُ، مع القولِ بجوازِ دَفْعِه، بل بوجوبِهِ إن تعذَّرَتِ الرؤوسُ والقُوَّةُ، ولم يُرِدْ أحمدُ ألَّا يُفَكَّ الأسيرُ بالمالِ. ويُروى عن عُمَرَ: أنَّ فَكَاكَ الأسيرِ يكونُ مِن بيتِ المالِ. والحقُّ: أنَّ فَكَاكَ الأسيرِ أَوْلى مِن جميعِ الأصنافِ الثمانيةِ مِن بيتِ المالِ وأموالِ المسلمينَ. والآيةُ نزَلَتْ في المهاجِرِينَ الذين جاؤُوا مِن مَكَّةَ إلى المدينةِ، فحَبَسَتْهُمْ هِجْرَتُهم عن حُرِّيَّةِ الضَّرْبِ في الأرضِ والرزقِ؛ لتربُّصِ المشرِكِينَ بهم وبَحْثِهم عنهم، فلا يستطيعونَ رَعْيًا في ماشيةٍ خارجَ المدينةِ، ولا سَفَرًا للشامِ أو اليَمَنِ للتجارةِ؛ خوفًا مِن تربُّصِ قريشٍ بِهم، وقطعِهِمْ لطريقِهِمْ أو تبيِيتِهِمْ؛ فقد كان لقُرَيْشٍ أَعْيُنٌ بِالمدينةِ. روى ابنُ جريرٍ، عنِ ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ؛ في قولِه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: مهاجِرِي قُرَيْشٍ بالمدينةِ مع النبيِّ ﷺ ، أمَرَ بالصَّدَقةِ عليهم (١). وبهذا قال أبو جعفرٍ والسُّدِّيُّ وغيرُهما (٢). ويدخُلُ في هذا مَن حبَسَ نفسَهُ في سبيلِ اللهِ ينتظِرُ الغَزْوَ ودعوى النفيرِ، فمنَعَهُ تربُّصُهُ وحَبْسُهُ لنفسِهِ مِن التجارةِ والزراعةِ، وقد روى ابنُ جريرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ؛ في قولِه: ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ قال: حَصَرُوا أنفُسَهُمْ في سبيلِ اللهِ للغَزْوِ (٣). وفي الآيةِ: أنَّ الأصلَ في غيرِ المحصورِ والمنتظِرِ: العملُ وأكلُهُ مِن كسبِ يدِهِ، وبَذْلُهُ للأسبابِ؛ فالآيةُ جَعَلَتْ حَصْرَهُمْ لأنفسِهِمْ في

стр. 533

سبيلِ اللهِ سببًا للصَّدَقةِ عليهم، ولو حصَرَ نفسَهُ مِن غيرِ سببٍ عجزًا وتواكُلًا، لا يُعطى مِن الزكاةِ؛ كي يعمَلَ ويتكسَّبَ؛ حتَّى لا يُعانَ على نفسِهِ فيتَّكِلَ، ويُستثنَى مِن هذا: مَنْ لدَيْهِ قُدْرةٌ في بَدَنِه، وحِرْصٌ في نفسِه، لكنَّه لم يَجِدْ عمَلًا يتكسَّبُ به؛ فهذا محرومٌ مِن الكَسْبِ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥]، وهو المحارَفُ يُعطى مِن الزكاةِ، ويأتي الكلامُ عليه في موضِعِهِ بإذنِ اللهِ. استحبابُ تفقُّدِ حالِ المحتاجِ: وقولُه تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾. في الآيةِ: مشروعيَّةُ تتبُّعِ حالِ الفقيرِ ممَّن لا يُظهِرُ فَقْرَهُ، ومدحُ المتعفِّفينَ الذين لا يتعرَّضونَ لسؤالِ الناسِ، وفضلُ الإحسانِ إليهم، وفيها جوازُ الأخذِ بالسِّيمَا الظاهرةِ عندَ دفعِ الزكاةِ. والسِّيمَا هي التخشُّعُ؛ كما قاله مجاهِدٌ وغيرُهُ (١). وقيلَ: تَعرِفُ في وجوهِهِمُ الجَهْدَ مِن الحاجةِ؛ كما قالَهُ الربيعُ، وبمعناهُ قال السُّدِّيُّ وغيرُه (٢). وقال ابنُ زَيْدٍ: "هي رَثَاثةُ الثِّيَابِ" (٣). وهذه الأوصافُ وأمثالُها ليست قطعيَّةً؛ فقد تظهَرُ البَذَاذةُ والرَّثَاثةُ مِن غنيِّ، ويظهَرُ تكلُّفُ اليسارِ مِن فقيرٍ؛ فلا حرَجَ مِن الأخذِ بالسِّيمَا والظاهرِ عندَ الفقرِ، وأمَّا إذا أظهَرَ رجلٌ الغِنَى، وأَبدى فقرًا وسأَلَ

стр. 534

الناسَ، فيُعطى لسؤالِهِ ويصدَّقُ في قولِهِ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥]، وكما أُعطِيَ الفقيرُ لظاهرِ رَثَاثَتِهِ مِن غيرِ أن يتكلَّمَ وقد يُشارِكُهُ في ظاهرِهِ الغنيُّ، فكذلك الفقيرُ الذي يُظهِرُ يسارًا، الذي يُشارِكُهُ الغنيُّ في ظاهرِهِ ويُخالِفُهُ في قولِه؛ فهذا يسْأَلُ، وهذا لا يَسْأَلُ، وظهورُ الفقرِ قولًا أصدَقُ مِن ظهورِهِ صورةً وحالًا، ولكنْ يُذكَّرُ مَن يَظهَرُ منه القوةُ واليَسَارُ أنَّه يظهَرُ منك قُوَّةٌ ويَسَارٌ، وهذهِ الزَّكَاةُ لا تجوزُ لمثلِ ظاهرِ حالِكَ، وإنْ أخَذَها يُعطاها، فيُوكَلُ إلى نفسِهِ، ما لم يشتهِرْ كذبُهُ وتربُّصُهُ بأموالِ الفقراءِ وهو غنيٌّ. وكان النبيُّ ﷺ يُعطي مَن ظاهِرُهُ القُوَّةُ، ويذكِّرُهُ ويخوِّفُهُ مِن أخذِها بغيرِ حقٍّ؛ كما في "المسنَدِ"، وعندَ أبي داودَ والنَّسَائيِّ، عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَدِيِّ بنِ الخِيَارِ؛ أنَّ رجلَيْنِ حدَّثاهُ أنَّهما أتَيَا رسولَ اللهِ ﷺ يَسْأَلَانِهِ مِن الصَّدَقةِ، فقَلَّبَ فِيهِمَا البَصَرَ - وقال محمَّدٌ: بصَرَهُ - فرآهما جَلْدَيْنِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : (إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ) (١). وفيهِ: أنَّ القادرَ على الكسبِ، الواجدَ للعملِ: لا تحلُّ له الزكاةُ؛ لأنَّها تُعِينُهُ على العَجْزِ والقعودِ. وربَّما يكونُ الفقيرُ المحتاجُ المتعفِّفُ غيرَ مُلِحٍّ، ويُلِحُّ الغنيُّ في طلبِ حاجتِهِ؛ ولذا قالَ تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾؛ أي: كدًّا وإلحاحًا. والصدقةُ أخفُّ مِن الزكاةِ؛ لأنَّ الصَّدَقةَ يجوزُ دفعُها للأغنياءِ بلا خلافٍ؛ نقلَ الإجماعَ النوويُّ وغيرُهُ، والأفضلُ: تَرْكُها للمحتاجِينَ والمُعْوِزِينَ.

стр. 535

الصدقةُ على الأقاربِ: والصدقةُ على الأقاربِ أفضَلُ مِن الأبعَدِينَ؛ لأنَّها صَدَقةٌ وصِلَةٌ، والهَدِيَّةُ على الأقرَبِينَ أفضَلُ مِن الصدقةِ على الأبعَدِينَ؛ لأثرِ هَدِيَّةِ القريبِ عليه في جَلْبِ فضائلَ عظيمةٍ كصِلَةِ الرَّحِمِ، وشَدِّ الأَزْرِ به عندَ الحاجةِ إليه في حقٍّ، وأثرُ الهديَّةِ في القريبِ أدوَمُ مِن أثرِ الصدقةِ في البعيِدِ؛ لِمَا في "الصحيحَيْنِ"؛ أنَّ مَيمُونةَ بنتَ الحارثِ ﵂ أخبَرَتْهُ: أنَّها أعتَقَتْ وَلِيدَةً ولم تَسْتَأْذِنِ النبيَّ ﷺ ، فلمَّا كان يَوْمُها الذي يَدُورُ عليها فيه قالت: أَشَعَرْتَ يا رسولَ اللهِ أنِّي أعتَقْتُ وَلِيدَتي؟ قال: (أَوَ فَعَلْتِ؟ )، قالتْ: نَعَمْ، قال: (أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ، كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكِ) (١). وتتفاضَلُ الصَّدَقةُ والهديَّةُ والزَّكاةُ بعِظَمِ أَثَرِها المتعدِّي على الدافِعِ والقابِضِ، والأصلُ: أنَّ الزكاةَ أعظَمُ؛ لأنَّها فريضةٌ، والفريضةُ أعظَمُ مِن النافلةِ، ومَن يأبى أخذَ الصدقةِ والزكاةِ تعفُّفًا مع حاجتِهِ إليها، أو مَنْ تحرُمُ عليه الزكاةُ؛ كآلِ بيتِ النبيِّ ﷺ : فالهديَّةُ له هنا أعظَمُ مِن الزكاةِ والصدقةِ. * * * قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. بيَّن اللهُ حُرْمةَ الرِّبا ببيانِ حالِ آكلِهِ يوم القيامةِ؛ قال ابنُ عبَّاسٍ:

стр. 536

"يُبْعَثُ يوم القيامةِ مجنونًا يُخنَقُ" (١). ويحتمِلُ أن يكون ذلك عندَ النَّشْرِ أو يوم العَرْضِ، ويحتمِلُ في الموضعَيْنِ، وبكلٍّ قال غيرُ واحدٍ مِن المفسِّرينَ. تعظيمُ الرِّبَا: والرِّبا مِن المُوبِقاتِ، وهي أكبَرُ الكبائرِ؛ كما ثبَتَ في "الصحيحِ"؛ لأنَّ فيها ظلمًا للفقيرِ، وأخذًا لمالِهِ بلا حقٍّ، وزيادةً عليه بالباطلِ، والظلمُ المتعلِّقُ بحقِّ العبادِ أعظَمُ مِن الظلمِ المتعلِّقِ بحقِّ اللهِ إلا الشِّرْكَ؛ لأنَّ اللهَ قد يعفو عن حقِّه، والعبادُ لا يَعْفُونَ عن حقوقِهِمْ يومَ القيامةِ؛ ولذا قال سُفْيانُ الثَّوْريُّ: "ذَنْبٌ واحدٌ في حقِّ العبادِ أعظَمُ مِن سبعينَ ذَنْبًا في حقِّ اللهِ". والرِّبَا محرَّمٌ حتَّى في الشرائعِ السابقةِ؛ لأنَّه ظُلْمٌ للناسِ، وكلُّ ظلمِ الناسِ محرَّمٌ في كلِّ شِرْعةٍ سابقةٍ؛ لأنَّ الشرائعَ لا تُحِلُّ الظلمَ ولا تُقِرُّهُ ولا تخرُجُ عن الفِطْرةِ، بل تُقِرُّها وتُثْبِتُها، وأَكْلُ الرِّبا مِن عادةِ يهودَ في الكَسْبِ؛ ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١]. تعظيمُ حقوقِ الآدميِّين: وقد عظَّمَ اللهُ حقوقَ الآدميِّينَ؛ لأنَّ دُنْياهم لا تستقيمُ ولا تَصلُحُ إلا بذلك، فشدَّد في أمرِها والوعيدِ عليها؛ حتَّى لا تفسُدَ الأرضُ بفسادِ أفعالِهم، وجعَلَ اللهُ أعظَمَ حقوقِهِ - وهو التوحيدُ - مقترِنًا بحقوقِ الآدميِّينَ في عدمِ تكفيرِ الظُّلْمِ فيهما لأصحابِها، إلا بمبادَرَتِهِم بالخلاصِ منهما؛ التوحيدُ بالتوبةِ، والحقوقُ بإعادتِها إنْ كانت مالًا، وإنْ كانت دماءً فبالقصاصِ ما لم يتحلَّلْ؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وفي الحقوقِ قال ﷺ : (مَنْ كانت لَهُ

стр. 537

مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَلَّا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ؛ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ، أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ، وَإِنْ لم تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ، أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ)؛ رواهُ البخاريُّ، عن أبي هريرةَ (١). وذكَرَ اللَّهُ الأكلَ في الآيةِ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾؛ لأنَّ الأكلَ أقوى مِن شَهْوةِ المَلْبَسِ والمَسْكَنِ والمَنْكَحِ؛ فلا حياةَ بدونِهِ، ويدخُلُ في معناه ولفظِهِ ما دُونَهُ مِن المَلْبَسِ والمَسْكَنِ والمَنْكَحِ؛ لأنَّ المالَ الرِّبَويَّ إذا حَرُمَ في الأكلِ، فالملبَسُ والمسكَنُ مِن بابِ أَوْلَى، وإذا حَرُمَ في الملبَسِ فلا يلزَمُ أن يحرُمَ في غيرِهِ كالمأكلِ. ثمَّ إنَّ الأكلَ يدخُلُ في معنى الإهلاكِ والإتلافِ، وكلُّ مالٍ يُهلِكُهُ ويُتلِفُهُ الإنسانُ أو الحيوانُ أو الأرضُ أو النارُ، يُقالُ له: أُكِلَ؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ [آل عمران: ١٨٣]. وقولُ يوسفَ في تأويلِهِ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ [يوسف: ٤٨]، والسبعُ التي تأكُلُ هي السِّنُونَ والأعوامُ. عقوبةُ الربا: ويجبُ على الحاكِمِ مَنْعُ الرِّبا، ويجبُ على القاضي العقوبةُ عليه بالتعزيرِ حبسًا وجَلْدًا، ومَنْ لم يَتُبْ منه معانِدًا بعدَ حَبْسِهِ وجَلْدِه، فيصحُّ قتلُهُ تعزيرًا؛ عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ في قولِهِ : " ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩]: فمَن كان

стр. 538

مقيمًا على الرِّبا لا يَنزِعُ عنه، فحقٌّ على إمامِ المسلِمِينَ أنْ يستتِيبَهُ، فإنْ نَزَعَ وإِلَّا ضَرَبَ عُنُقَهُ" (١). ربا الجاهليةِ: وكانَ رِبَا الجاهليَّةِ الزيادةَ في الأجلِ مع الزيادة بالمالِ؛ قال مجاهِدٌ فِي قولِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]؛ قال: "كانوا في الجاهليَّةِ يكونُ لِلرَّجُلِ عِلى الرَّجُلِ الدَّيْنُ، فيقولُ: لَكَ كَذا وكَذا وتُؤخِّرُ عَنِّي، فيؤخِّرُ عَنْهُ" (٢). وهذا هو المعنى الذي يُشيرُ إليه اللهُ في النهي عنِ الرِّبا في القرآنِ؛ كما في آلِ عِمْرانَ؛ قالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [١٣٠]، وأشدُّ الرِّبا أكثرُهُ تضعيفًا على الفقيرِ. وفي الآيةِ: دليلٌ على تحقُّقِ المَسِّ مِن الجِنِّ للإنسِ؛ وفي هذا قولُهُ ﷺ : (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ) (٣). مسُّ الجِنِّيِّ للإنسيِّ: والمَسُّ يقَعُ عندَ عامَّةِ أهلِ السُّنَّةِ، ونَصَّ عليه أبو الحَسَنِ الأشعريُّ وطائفةٌ مِن المتكلِّمينَ، ويكونُ ذلك مَسًّا حقيقيًّا للبدنِ، ويُنكِرُ هذا جماعةٌ مِن المتكلِّمينَ؛ كالجُبَّائيِّ، وأبي بكرٍ الرازيِّ، ونفاهُ ابنُ حَزْمٍ وكثيرٌ مِن العَقْلانيِّينَ، ومع ظهورِ آثارِهِ وحالاتِهِ إلا أنَّهم يصرِفونَهُ إلى تخيُّلاتٍ نفسيَّةٍ، وتوهُّماتٍ عقليَّةٍ تَنشَأُ في نفسِ الإنسانِ، ودليلُهُمْ للنفيِ: العقلُ المجرَّدُ، والعقلُ ليس دليلًا يصلُحُ للنفيِ؛ لقصورِ عِلْمِهِ، والعقلُ في

стр. 539

الإثباتِ أقوى منه في النفيِ؛ فالذي يَغِيبُ عن العقلِ أكثَرُ ممَّا يشاهِدُهُ؛ ولذا فهو يتجدَّدُ عِلْمًا كلَّ يومٍ لِسَعَةِ جَهْلِهِ. والأدلَّةُ دلَّتْ على دخولِ الجِنِّ في جسَدِ الإنسيِّ، وتكلُّمِهِ بلسانِهِ، وتأثيرِهِ على نفسِهِ وبدنِهِ وعقلِهِ، وقد يكونُ المسُّ بدخولٍ في البدنِ، وقد يكونُ بلا دخولٍ؛ كالوسواسِ والخواطِرِ العابرةِ؛ وهذا كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]، وقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]. وحقيقةُ الجِنِّ وماهيتُهُ خفيَّةٌ عنِ الإنسانِ؛ فلا مجالَ لنفيِ ما يَغِيبُ عنه، وكثيرٌ مِن الموادِّ التي تسيرُ في بَدَنِ الإنسانِ في عروقِهِ وشرايينِهِ يتعرَّفُ على أنواعِها وأجزائِها كلَّ عامٍ عندَ أهلِ الطِّبِّ، فيَعْرِفُونَ ما لا يَعرِفُه أسلافُهم، وهذا في موادَّ مشاهَدةٍ يُمكِنُ مَعرِفتُها؛ فكيف بشيءٍ يستحيلُ رؤيتُهُ على حقيقتِهِ كالجنِّ؛ حيثُ يَرَى الإنسانَ ولا يَرَاهُ؟ ! ولذا تَجِدُ الجِنَّ مِن العجمِ يتكلَّمُ على لسانِ الأعرابيِّ الذي لا يَعْرِفُ إلا لسانَهُ، فيكلَّمُ الإنجليزيَّةَ والفرنسيَّةَ والفارسيَّةَ، ولم يَسمَعْ بها مِنْ قبلُ. وقال عبدُ اللهِ ابنُ الإمامِ أحمدَ: "قلتُ لأبي: إنَّ قَوْمًا يَزْعُمونَ أنَّ الجِنِّيَّ لا يدخُلُ في بَدَنِ الإنسيِّ؟ فقال: يا بُنَيَّ، يَكْذِبونَ؛ هو ذا يتكلَّمُ على لسانِهِ" (١). ودخولُ الجِنِّ للإنسانِ ثابتٌ في النصوصِ والمشاهَدةِ الكثيرةِ في أحوالِ الناسِ، وفي "صحيحِ مسلمٍ"، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، عن أبيهِ؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: (إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُمْسِكْ

стр. 540

بِيَدِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ) (١). وفي "مسنَدِ أحمدَ"؛ أنَّ امرأةً جاءت إلى النبيِّ ﷺ مَعَهَا صبيٌّ لها به لَمَمٌ، فقال النبيُّ ﷺ : (اخْرُجْ عَدُوَّ اللهِ، أَنَا رَسُولُ اللهِ)، قال: فَبَرَأَ (٢). وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾: أصلُ فسادِ الآراءِ: بالأهواءِ، وأصلُ فسادِ الأهواءِ: بالقياسِ الفاسدِ، وهو أولُ ضلالٍ في الخلقِ؛ حيثُ امتنَعَ إبليسُ مِن السجودِ لآدَمَ بسببِ تفضيلِهِ النارَ على الترابِ؛ وقياسِهِ عليه امتناعَ سجودِ الفاضلِ للمفضولِ، وقد روى الدارِمِيُّ، عن الحسَنِ؛ أنَّه تلا هذه الآيةَ: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]؛ قال: "قاسَ إبليسُ، وهو أولُ مَن قاسَ" (٣). وكثيرًا ما تَمتطي الأهواءُ القياسَ؛ لِتَصِلَ إلى غاياتٍ فاسدةٍ، وكلُّ قياسٍ فاسدٍ ففَوْقَهُ قياسٌ يُبطِلُهُ، وهذا كحُجَّةِ الدهريِّينَ؛ قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨، ٧٩]؛ أبطَلَ اللهُ قياسَهُم: أنَّ إحياءَ الميِّتِ بجسدِهِ محالٌ، فكيف بتحوُّلِ عِظَامِهِ إلى ترابٍ؟ ! فبيَّنَ اللهُ أنَّ جسَدَهُم تكوَّنَ بَعْدَ عَدَمٍ؛ فإنشاءُ مخلوقٍ بلا أصلٍ ماديٍّ سابقٍ دليلٌ على قدرةِ الخالقِ على إعادتِهِ مع وجودِ مَادَّتِه. وفي قولِهِ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾: دليلٌ على أنَّ الأصلَ في العقودِ والمعامَلاتِ الحِلُّ ما لم يأتِ دليلٌ على التحريمِ، والله تعالى لا يحلِّلُ المعامَلاتِ بالتعيينِ لأفرادِها؛ وإنَّما يبيِّنُ المحرَّمَ منها، أو ما ظَنَّهُ

стр. 541

الناسُ حرامًا؛ فيُبْطِلُهُ بنصٍّ؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]. واللهُ تعالى أمَرَ بالوفاءِ بالعهودِ والعقودِ؛ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] , وهذا أمرٌ لا يكونُ متوجِّهًا إلَّا لِمَا الأصلُ فيه الحِلُّ. الأصلُ في العقودِ والمعاملاتِ الحِلُّ: وهذا قولُ جَماهيرِ العلماءِ، ونصَّ ابنُ حَزْمٍ على أنَّ الأصلَ في العقودِ والمعامَلاتِ التحريمُ؛ قال في كتابِهِ "الإحكامِ": "إنَّ الأصلَ في العقودِ والعهودِ والشروطِ التحريمُ، حتَّى يَرِدَ التحليلُ" (١). خلافًا لداودَ الظاهِرِيِّ وطائفةٍ مِن الظاهريِّينَ. التوبةُ مِن الربا: ومَن أخَذَ الرِّبا ونَمَا مالُهُ منهُ قبلَ نزولِ آيةِ تحريمِ الرِّبا، فله ما سلَفَ ممَّا قبَضَهُ وانتَهَى؛ لقولِه تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾. وحالات التاركِ للرِّبا ثلاثٌ: الحالةُ الأُولى: مَن أخَذَ الرِّبا قبلَ نزولِ التحريمِ؛ كحالِ العبَّاسِ بنِ عبدِ المطَّلبِ وغيرِهِ، فلهم ما قبَضُوا ممَّا مضى عقدًا وقبضًا، ولم يثبُتْ عنِ النبيِّ ﷺ أنَّه أمَرَ أحدًا مِن الناسِ أنْ يُعِيدَ ما سلَفَ مِن نماءِ مالِهِ مِن الرِّبا قبلَ تحريمِهِ، ولو كانَ لَنُقِلَ؛ لعمومِ البلوى بذلك، ومثلُ هذه الحالِ عدَمُ نَقْلِها دليلٌ على العدمِ.

стр. 542

الحالةُ الثانيةُ: مَن أخَذَ الرِّبا قبلَ العِلْمِ بتحريمِهِ وبعد نزولِ الوحْيِ، وهدا في كلِّ معامَلةٍ بعدَ نزولِ تحريمِ الرِّبا في الصحابةِ ومَن بعدَهُم؛ فقد استقرَّ التحريمُ وثبَتَ، ورُفِعَ التكليفُ عنِ الجاهلِ لجَهْلِهِ، وقد أخَذَ الرِّبا بعقدٍ يعتقِدُ صحَّتَهُ. فالحالةُ الأُولى والثانيةُ له ما أخَذَ؛ لتشابُهِ حالِهِما عدَ الأخذِ برفعِ التكليفِ واعتقادِ صِحَّةِ العملِ وعدمِ الإثمِ، وهذا ظاهرُ قولِهِ تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، قال سفيانُ في قولِه: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ قال: "مغفورًا لهُ" (١). فربَطَ استحقاقَ ما سلَفَ مِن كَسْبٍ بمجيءِ الموعظةِ إليه والعلمِ بها: ﴿جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾، لا بمجرَّدِ نزولِ الحكمِ واستقرارِهِ في الدِّينِ ولو لم يبلُغْهُ. وهذا يظهَرُ في العقودِ التي يعتقِدُ صِحَّتَها العبدُ ولو كانت حرامًا في حقيقتِها، أنَّ للمتعاقِدَيْنِ لوازمَهما؛ كنِكاحِ زوجةِ الأبِ أو الأختِ مِن الرَّضَاعِ قبلَ الوحيِ أو بعدَهُ مع الجهل به، فالمهرُ للمرأةِ، والولدُ يُنسَبُ لهما، ويفرَّقُ بَينَهما، ولو تعاقَدَا بعد الوحيِ مع العلمِ به، لوجَبَ عليهما الحَدُّ؛ كما قتَلَ النبيُّ ﷺ ناكِحَ امرأةِ أبِيهِ بعدَ الوَحْي (٢)، مع أنَّه قال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]. ومِثلُهُ نكاحُ الأختَيْنِ؛ قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]. الحالةُ الثالثةُ: مَن أخَذَ الرِّبا وقبَضَهُ وانتَهَى قبلَ توبتِهِ وهو يَعلَمُ

стр. 543

بتحريمِه؛ فهذا أبرَمَ عَقْدًا يَعلمُ ببطلانِهِ، فهذا يُشبِهُ الغاصِبَ، وإنْ لم يَكُنْ غاصِبًا لوجودِ التراضي بينهما: فمِن الفقهاءِ: مَن يفرِّقُ بين المالِ المقبوضِ قبل التصرُّفِ فيه وبعدَهُ. ومِنهُم: مَن يحرِّمُهُ كلَّهُ في الحالَيْنِ، ويُوجِبُ رَدَّه؛ لأنَّ المالَ المقبوض بعقدٍ فاسِدٍ مضمونٌ على القابِضِ كالمغصوبِ؛ وإلى هذا يذهَبُ أصحابُ أحمدَ وغيرُهم. ومِنهُم: مَن يَجعلُه له في الحالَيْنِ بشرطِ التوبةِ الصادقةِ؛ وإلى هذا يميلُ ابنُ تيميَّةَ؛ وذلك أنَّ التوبةَ لو رُبِطَتْ بإعادةِ الحقوقِ الماضيةِ ولو كَثُرَتْ، لَشَقَّ ذلك على العبادِ، خاصَّةً الذين بدأَتْ أموالُهُمْ مِن الرِّبا وتنامَتْ حتى أصبَحَ كلُّ مالِهِ ربًا يتراكَمُ عبرَ السنينَ؛ فهذا يَدْفَعُهم لعدَمِ التوبةِ؛ لِطَمَعِ الإنسانِ في المالِ، ومشقَّةِ تَرْكِه، وتعذُّرِ إحصاءِ الأموالِ ومعرفةِ أهلِها، ومِنْ أكَلَةِ الرِّبا: مَن بدَأَ صِفْرًا، وملَكَ القناطيرَ مِن الرِّبا، والربا مع شِدَّةِ تحريمِهِ يختلِفُ عن المالِ المأخوذِ بلا رضًا كالمسروقِ والمغصوبِ؛ فهذا يُوجِبُ القطيعةَ والشَّحْناءَ بين الناسِ حتى في أجيالٍ لاحقةٍ، وربَّما اقتَتَلُوا عليه، فلا تتسامحُ فيه الشريعةُ بحالٍ قبلَ التوبةِ وبعدَها. ثمَّ هو أظهَرُ في معرِفةِ الفِطْرةِ لتحريمِهِ مِن الرِّبا؛ فالرِّبا قد يَجْهَلُ تحريمَهُ حديثُ العهدِ بكُفْرٍ، والمسلِمُ البعيدُ عن معاقلِ الدِّينِ، وبعضُ صُوَرِهِ قد تخفى على بعضِ العامَّةِ حتى في بُلْدانِ العِلْمِ، ولكنَّ السَّرِقةَ والغَصْبَ لا يخفى على عاقلٍ تحريمُهُ ولو كان كافِرًا؛ فأصلُ تحريمِ الرِّبا لأجلِ الظلمِ بين العبادِ؛ وهذا ظاهرٌ في قولِهِ تعالى: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، والظلمُ في السرقةِ

стр. 544

والغصبِ أظهَرُ، ولكنَّ الظُّلْمَ في الرِّبا أخطَرُ؛ لأنَّه يُؤخَذُ بتشريعٍ ورِضًا فينتشرُ في الناسِ، والمنكَرُ الذي يُتراضَى به يَشِيعُ، والمنكَرُ الذي لا يُتراضَى بهِ لا يَشِيعُ، بل يحارِبُهُ الناسُ ولا ينتشِرُ؛ كالسرقةِ؛ لهذا عَظُمَ الرِّبا مِن هذا الوجهِ؛ حتى لا تُؤكَلَ الأموالُ بالتراضي، فيُؤخَذَ مالُ الفقيرِ وهو راضٍ عن حاجةٍ. وقد يكونُ في علمِ آكلِ الرِّبا: أنَّ المالَ المقبوضَ قبلَ التوبةِ حقٌّ له؛ فيدعُوهُ ذلك إلى الانتظارِ حتى يَقبِضَهُ فيتوبَ؛ فيسوِّفَ لذلك، فيقالُ: إنَّ الآجالَ عندَ اللهِ؛ فقد يأخُذُ عبدَهُ قبل توبتِهِ، وهذا لو حَرُمَ لأجلِهِ المالُ المقبوضُ، لأصبَحَ إعلامُ اللهِ لعبادِهِ أنَّ التوبةَ تَهدِمُ ما قَبْلَها مِن كلِّ ذنبٍ ولو كان شِرْكًا - تسويفًا لهم أن يتراخَوْا في التوبةِ مِن الزِّنى والسِّحْرِ والزُّورِ، فوجودُ التراخي لا يُلغي الحكمَ، ولا يُبطِلُ رحمةَ اللهِ وفَضْلَه، وتسويفُ الإنسانِ في الرِّبا حتى يَقبِضَهُ أَهْوَنُ مِن تحريمِ مالِهِ كلِّه عليه حتى يَقْنَطَ، والقنوطُ مِن رحمةِ اللهِ أعظَمُ مِن الرِّبا. ذَهَابُ بَرَكَةِ الأموالِ الربويَّة: واللهُ يَمْحَقُ الرِّبا، ويُذهِبُ بركَتَهُ وأَثَرَهُ على الإنسانِ، والصدقةُ تنمِّيه وتزيدُ في بَرَكَتِهِ، وفي الحديثِ: (الرِّبَا وَإِنْ كَثُرَ، فَإِنَّ عَاقِبَتَهُ تَصِيرُ إِلَى قُلٍّ)؛ رواهُ أحمدُ (١). والبَرَكةُ المذكورةُ في القرآنِ ليست نماءَ الأرقامِ؛ وإنَّما نماءُ أثرِ المالِ بالطُّمَأْنينةِ والكفايةِ والقَنَاعةِ وتيسيرِ الحاجاتِ ولو بالقليلِ؛ لأنَّ المالَ يُسْعَى إليه طلبًا للسعادةِ والراحةِ، وكثيرٌ مِن أهلِ المالِ الحرامِ يغترُّونَ بالأرقامِ ونَمَائِها، فيزيدُهم همًّا وضِيقًا وعذابًا للنفسِ، فيخلُقُ اللهُ له الخصومَ وقطيعةَ الأرحامِ بسببِ مالِه، ويعلِّقُهُ الله بتتبُّعِ القليلِ مِن المالِ

стр. 545

لِيُشْقِيَهُ، حتى لو كان فقيرًا، لكان أهوَنَ مِن غناه، ومِن أعظمِ أنواعِ العذابِ: العذابُ بالنِّعْمةِ يَهَبُها اللهُ الإنسانَ ليتمسَّكَ بها - بل يَبْحَثَ عنها - فيعذِّبَهُ بها؛ فلا هو الذي يريدُ الخلاصَ مِنها برغبتِهِ؛ ليَلْزَمَ عذابُهُ، وهو يَعجِزُ عن تَرْكِه، بخلافِ العذابِ بالنِّقْمةِ والمصيبةِ والمرضِ، فالإنسانُ يطلُبُ منها شفاءً وعافيةً، ويتمنَّى منها مَخْرَجًا، فلو فُتِحَ له بابٌ إلى العافيةِ والشِّفاءِ، لَخَرَجَ، وأمَّا الغنيُّ المعذَّبُ بمالِهِ، فلو فُتِحَ له بابٌ إلى الفَقْرِ، لَمَا خرَجَ إليه، فيعذِّبُهُ اللهُ بمالِهِ وهو ممسِكٌ به. وقولُهُ تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾؛ مَن عادَ بعدَ عِلْمِهِ بحُرْمةِ الرِّبا، فعانَدَ وكابَرَ، استحَقَّ التشديدَ، وبمِقْدارِ العلمِ والعنادِ تكونُ العقوبةُ، والخلودُ: طُولُ المُكْثِ، وتسمِّي العربُ مولودَها: خَالِدًا؛ تيمُّنًا بتعميرِهِ، لا بتخليدِهِ بلا نهايةٍ. * * * قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]. الحكمةُ من تأخيرِ تحريم الربا: أخَّر اللهُ نزولَ تحريمِ الرِّبا؛ لتعلُّقِ الناسِ به، وشِدَّةِ تمسُّكِهِمْ بأرزاقِهِمْ, فأجَّلَ نزولَ التحريمِ حتى يَقْوَى إيمانُهم؛ لِيسهُلَ عليهمُ التَّرْكُ؛ فقد روى ابنُ جريرٍ؛ مِن حديثِ سعيدِ بنِ المسيِّبِ، عن عُمَرَ بنِ الخطابِ؛ قال: "آخِرُ ما نَزَلَ مِن القرآنِ آيةُ الرِّبَا، وإنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قُبِضَ قَبْلَ أَن يُفَسِّرَهَا، فدَعُوا الرِّبا والرِّيبةَ" (١). وربَّما تأخَّرَ تحريمُ الشيءِ وهو عظيمٌ؛ لأنَّ تعلُّقَ الناسِ به أعظَمُ،

стр. 546

فيتأخَّرُ الحكمُ رِفْقًا بالأُمَّةِ؛ لأنَّ تخلُّفَ أوَّلِها عن الامتثالِ يُورِثُها لآخِرِها، فهيَّأَ اللهُ لدينِهِ دوامَ الثباتِ والبقاءِ، ولأصحابِ نبيِّهِ ﷺ أسبابَ الامتثالِ ومُوجِباتِ حُسْنِ الاقتداءِ، فسببُ الرِّبا فِطْرةُ الشحِّ البشريِّ وشِدَّةُ الطمعِ، وفي هذا يقولُ تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]، وقال: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ١٩، ٢٠]، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]، فنزَعَ شُحَّ النفوسِ وطَمَعَها قبلَ تحريمِ الرِّبا؛ بإيجابِ الزكاةِ والحَثِّ على الصدقةِ والإحسانِ، ثُمَّ لمَّا ضَعُفَ شُحُّ النفوسِ وطَمَعُها، تهيَّأَتْ لقبولِ تحريمِ الرِّبا؛ فحَرَّمَهُ اللهُ. وللرِّبا أثرٌ في الإيمانِ، وللإيمانِ القويِّ أثرٌ في تركِ المالِ الحَرامِ، وشدةُ الطمعِ وقُوَّةُ الإيمانِ لا يَجْتَمِعانِ؛ ولذا قال في الآيةِ: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ لأنَّ شِدَّةَ الطمعِ تُوجِبُ أكلَ الحرامِ وتركَ الزكاةِ والنَّفقةِ. وهذه الآيةُ قِيلَ: إنَّها نزَلَتْ في العَبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ ورجلٍ مِن بني المُغِيرةِ، كانا شريكَيْنِ فِي الجاهليَّةِ يُسْلِفانِ في الرِّبا إلى أناسٍ مِن ثَقِيفٍ، وهم بنو عمرِو بنِ عُمَيْرٍ، فجاء الإسلامُ ولهما أموالٌ عظيمةٌ في الرِّبا، فنزَلَتْ: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ (١). فالآيةُ دليلٌ على الترخيصِ بأخذِ ما تَمَّ قبضُهُ مِن المالِ المقبوضِ في الرِّبا قبلَ التوبةِ، وتحريمِ ما لم يُقبَضْ مما كان معلَّقًا؛ حَلَّ أو لم يَحِلَّ؛ إذْ لا يجوزُ قبضُ الحرامِ بعدَ العِلْمِ به ولو كان برِضَا الطرفَيْنِ، فالرِّضَا لا يُحِلُّ الرِّبا، كما لا يُحِلُّ الزِّنى والرِّشْوةَ. ومَنْ تعاقَدَ بالرِّبا مع صاحبِ رِبًا، فلا يجوزُ له قضاءُ الرِّبا وسدادُهُ

стр. 547

إلا بإعادةِ رأسِ مالِه، ولو كان عندَ حاكمٍ ظالمٍ يَحبسُهُ حتى يَقْضِيَ رِبَاهُ، جاز له بِنِيَّةِ الخلاصِ من الشرِّ ودفعِ السوءِ, ولا يجوزُ قضاؤُهُ إلا عندَ تحقُّقِ السجنِ أو التهديدِ به مِن قادِرٍ عليه. * * * قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]. وهذا تغليظٌ في أمرِ الرِّبا وتشديدٌ فيهِ؛ فآكِلُ الرِّبا يُبعَثُ كالمجنونِ ليس له حِيلَةٌ في نفسِهِ؛ فكيفَ بغَيْرِه؟ ! في وقتِ هولٍ وكربٍ يُنادَى لحربِ اللهِ؛ كما روى الطَّبَريُّ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عنِ ابنِ عباسٍ: "يُقالُ يومَ القيامةِ لآكِلِ الرِّبا: خُذْ سِلَاحَكَ لِلحَرْبِ" (١). واللهُ تعالى لم يذكُرْ حَرْبَه لأحدٍ في الوَحْي إلا في ثلاثةِ مواضعَ: للمُشْرِكِ، وللمُرَابِي كما هنا، ولمَنْ عادَى وَليَّهُ؛ كما في الحديثِ القُدُسيِّ: (مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا، فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ) (٢). * * * قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. بيَّن اللهُ في الآياتِ السالفةِ رِبَا الجاهليَّةِ، وعظَّم أمرَهُ، ورِبَاهُمْ كان بالزِّيادةِ في الأجلِ والإنظارِ فيهِ، ويقابِلُها زيادةٌ في القضاءِ، فلا يُنظِرُونَ معسِرًا في الأجلِ إلا بزيادةٍ عليه، فيتضاعَفُ الرِّبا، ويتعاظَمُ على

стр. 548

المعسِرِينَ، فيزدادونَ عُسْرًا حتى يُفلِسوا، ثمَّ بيَّن اللهُ فضلَ إنظارِ المُعْسِرِ ورغَّبَ فيه بِلا زيادةٍ في الوفاءِ، والإنظارُ يكونُ في الرِّبا برأسِ مالِه، وفي الدَّيْنِ، لا في الأماناتِ؛ كما قالَه ابنُ عبَّاسٍ وعطاءٌ؛ لأنَّ الأماناتِ حقوقٌ وجَبَ أنْ تُرَدَّ؛ إذ ليس للمُؤتَمَنِ كاملُ التصرُّفِ في الأماناتِ، بخلاف الدَّيْنِ فله التصرُّفُ فيه، والأمانةُ تُرَدُّ بعينِها، بخلافِ الدَّيْنِ يُرَدُّ بمِثْلِهِ. ومِن السلفِ: مَن خصَّ الإنظارَ بالرِّبا في الآيةِ، وفي التخصيصِ نظرٌ؛ لأنَّ الرِّبا بعدَ آيةِ تحريمِهِ صار دَيْنًا: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، ورأسُ المالِ دَيْنٌ. ولا يصحُّ سببٌ في نزولِ الآيةِ، وما رواهُ ابنُ سعدِ والحاكمُ (١) وغيرُهُما: أنَّ الدائنَ يجوزُ له بَيْعُ المَدِينِ المُعْسِرِ الحُرِّ لِيَستَوْفِيَ دَيْنَهُ مِن ثمنِهِ، ثمَّ نسَخَ اللهُ ذلك بهذِهِ الآيةِ؛ فقد رواهُ زَيْدُ بنُ أسلَمَ، عن ابن البَيْلَمانيِّ، وابنُ البَيلمانيِّ لا يُحتجُّ بحديثِه. التعامُلُ مع المعسر في الدَّيْنِ: ولا يجوزُ حَبْسُ المُعْسِرِ ثابتِ الإعسارِ؛ لأنَّ اللهَ أرشَدَ إلى إنظارِهِ لا إلى حَبْسِه؛ قال سعيدُ بن جُبَيْرٍ: "مَن حبَسَ مُعْسِرًا في السجنِ، فهو آثِمٌ؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢). ولأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لغُرماءِ الرجلِ الذي كَثُرَ دَيْنُهُ لمَّا كان مُعسِرًا: (خُذُوا مَا وَجَدتُّمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذلك) (٣). ولو كان لهم حقٌّ في حَبْسِهِ، لَحَبَسَهُ؛ لأنَّ الحقوقَ لا يُسقِطُها إلا أصحابُها، فلما بان إعسارُ الرجلِ، لم يَجْعَلْ لهم غيرَ ما ظهَرَ مِن مالِه.

стр. 549

ولأنَّ الحبسَ عقوبةٌ، والشريعةُ جاءت بإنزالِ العقوبةِ لتحقُّقِ نفعٍ أو دفعِ ضرٍّ، والإعسارُ ليس ذنبًا يستوجِبُ عقوبة يعزَّرُ عليها صاحبُها؛ وإنَّما هو ابتلاءٌ، فلا يُزادُ على بلاءِ المُعْسِرِ بلاءُ الحَبْسِ، فيتقيَّدَ عن الكَسْبِ لنفسِهِ وذريَّتِهِ وغُرَمائِهِ، ويجوزُ تأديبُ المُعْسِرِ وعقوبتُهُ استظهارًا لعُسْرِهِ واستيضاحًا لجِدَتِهِ. فظاهرُ الآيةِ: أنَّ الأصلَ في الناسِ اليُسْرُ والجِدَةُ، وقد يكونُ منهم غنيٌّ مماطلٌ يَمنعُهُ مِن الوفاءِ البُخْلُ، فإذا حُبِسَ، أدَّى دَيْنَهُ وقضاهُ؛ وذلك لقولِهِ ﷺ : (لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ مِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ) (١). وهذا قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ والشافعيِّ وأحمدَ وعامَّةِ السلفِ. ويُقيِّدُ مالكٌ الحبسَ إذا اتُّهِمَ أنَّه غَيَّبَ مالَهُ، فادَّعى العجزَ. ويجوز تعزيرُهُ أيضًا إذا فرَّط في مالِ الناسِ تفريطًا يأثَمُ به؛ كمَنْ أَتلَفَهُ في حرامٍ، فهذا يعزَّرُ، لا لإعسارِهِ؛ وإنَّما لتفريطِهِ. حكمُ إنظارِ المعسِرِ: واختُلِفَ في إنظارِ المُعْسِرِ: فمِنهُم: مَن قال بوجوبِهِ؛ لظاهرِ الأمرِ في الآيةِ، ومِثْلُهُ قولُهُ تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والفديةُ واجبةٌ. ومنهم: مَن قال باستحبابِهِ، وحمَلُوا الآيةَ على الترغيبِ، والمالُ حقٌّ لصاحبِهِ له أخذُهُ متى شاءَ؛ وهذا هو الأظهرُ؛ لأنَّ اللهَ لم يَجْعَلْ تركَ الإنظارِ عقوبةَ للمُعْسِرِ، بل جعَلَ للمُعسرِ حقًّا في عدَمِ عقوبتِهِ وحَبْسِهِ إنْ بان إعسارُهُ على ما تقدَّم؛ ولهذا جاءتِ الأحاديثُ مستفيضةً في بيانِ

стр. 550

فضلِ الإنظارِ لا في إيجابِهِ؛ ومِن ذلك: ما صحَّ في "المسنَدِ"؛ مِن حديثِ سُلَيْمانَ بنِ بُرَيْدةَ، عن أبيهِ؛ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَهُ صدَقَةٌ)، قال: ثمَّ سمعتُهُ يقولُ: (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، فَلَهُ بكُلِّ يَوْم مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ)، قلتُ: سمعتُك يا رسولَ اللهِ تقولُ: (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَهُ صَدَقَةٌ)، ثمَّ سمعتُك تقولُ: (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ)؟ قال: (لَهُ بِكُلِّ يَوْم صَدَقَةٌ قَبْلَ أنْ يَحِلَّ الدَّيْنُ، فَإذَا حَلَّ الدَّيْنُ، فَأَنْظَرَهُ، فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ) (١). وهذا الفضلُ يكونُ في المستحَبَّاتِ، لا فيما حَقُّهُ الإثمُ في حالِ مخالفتِهِ. ويَحِلُّ السؤالُ والصدقةُ على المُعْسِرِ، لِمَا في "الصحيحِ"، عن أبي سعيدِ الخُدْريِّ؛ قال: أُصِيبَ رجلٌ في عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ في ثِمَارِ ابتاعَهَا، فكَثُرَ دَينُهُ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : (تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ)، فتصدَّقَ الناسُ عليه، فلم يبلُغْ ذلك وفاءَ دَينِهِ، فقال رسول اللهِ ﷺ لغُرَمَائِهِ: (خذُوا مَا وَجَدتُّمْ، وَلَيْسَ لَكمْ إلا ذلك) (٢). وفي الآيةِ والأحاديثِ: دليلٌ على عدمِ حقِّ صاحبِ الدَّيْنِ بإلزامِ المَدِينِ المُعْسِرِ بأنْ يُؤاجِرَ نفسَهُ عندَ صاحبِ الحقِّ حتَّى يَقضِيَ دَيْنَهُ؛ خلافًا للزُّهريِّ والليثِ وقولٍ لأحمدَ. بيعُ مالِ المعسِرِ: وللحاكمِ أن يَبِيعَ مالَ المُعْسِرِ الزائدَ عن حاجتِهِ وأهْلِه؛ فلا يُخرَجُ مِن دارِهِ، ولا يُنزَعُ لباسُهُ، ولا يُؤخَذُ طَعَامُهُ وأولادُه، وأمَّا في الأمانات التي وضِعَتْ عَيْنًا عندَه، يأخُذُها الحاكِمُ منه بعَيْنِها ولو تضرَّرَ مِن ذلك،

стр. 551

ولو أُخرِجَ مِن دارِهِ إن كانتِ الدارُ أمانةً عندَه، ما لم يَبْتَعِ الدارَ دَيْنًا، ومِثلُ ذلك الطعامُ واللباسُ وغيرُ ذلك؛ لأنَّ الله يقولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. وقولُهُ تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أَي: تضَعُوا رؤوسَ أموالِكُمْ مِن الدَّيْنِ أو بعضِهِ على المُعْسِرِ صَدَقةً وتَيسيرًا عليه. احتساب الدَّيْن من زكاةِ الدائن: واختلَفوا في إسقاطِ الدَّيْنِ على المدِينِ الفقيرِ، وحِسَابِهِ مِن زَكَاةِ الدائنِ: فذهَبَ إلى عدَمِ الإجزاءِ: أبو حنيفةَ وأحمدُ وسُفيانُ وأبو عُبَيْدٍ، وهو وجهٌ للشافعيِّ، وحَكَى ابنُ تيميَّةَ عدَمَ معرفةِ النزاعِ في عدَمِ الإجزاءِ. وقيل: يُجْزِئهُ؛ وهو قولُ أهلِ الظاهِرِ، وهو مرويٌّ عن عطاءٍ. ورخَّصَ في ذلك الحسنُ البصريُّ في الديونِ، لا في حقوقِ البيوعِ؛ قال: "فأمَّا بُيُوعُكُمْ هذهِ، فَلَا" (١). وعلَّل مَن قال بالإجزاءِ: أنَّه لو دفَعَ المَدِين دَيةُ لدائنِهِ، ثمَّ أرجَعَهُ للمَدِينِ مِن زَكَاتِه، جازَ وصحَّ؛ وفي هذا نظرٌ؛ وذلك أنَّ إخراجَ الزكاةِ شيءٌ، وإسقاطَ الدَّيْنِ شيءٌ؛ لأنَّ اللهَ جعَلَ في المالِ نِصَابًا وحَوْلًا ليُزكَّى، وفي النِّصَابِ زَكَاةٌ يُخرِجُها الإنسانُ مِن مالِهِ لا يُسقِطُها في مالِ غَيرِهِ؛ قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، فالزَّكَاةُ تُؤخَذُ مِن مالِهِ لا تسقُطُ مِن مالِ غيرِهِ عنه؛ فمالُ المُعسِرِ ليس مالًا له حتَّى يَقبِضَهُ الدائنُ، ثمَّ إنَّ مالَ المُعسِرِ معدومٌ

стр. 552

وغيرُ موجودِ، فلا يتحقَّقُ فيه الإخراجُ مِن الغَنِيِّ، والإعطاءُ للفقيرِ؛ كما في الآيةِ، وفي الحديثِ لمَّا بعَثَ النبيُّ ﷺ مُعَاذًا إلى اليمنِ، قال: (أَعْلِمْهُمْ أنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ؛ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ) (١)، وإسقاطُ الذينِ خرَجَ مِن صاحبِهِ دَيْنًا أو بَيْعًا، لا زَكَاةً. ولأنَّ حقَّه عندَ المَدِينِ لم يتعيَّنْ في مالِهِ، والزَّكَاةُ متعيِّنة في مالِهِ، والزَّكَاةُ جاءت لتدفَعَ الشحَّ، وتُغنِيَ الفقيرَ، وتَسُدَّ حاجَتَهُ فنُطعِمَهُ وتَكْسُوَهُ، وإسقاطُ الدَّيْنِ قد يكونُ يأسًا منه، فلا يظهَرُ فيه دَفعُ الشُّحِّ، ولا يَظهَرُ في إسقاطِهِ سدُّ حاجتِهِ في طعامٍ وشرابٍ ومسْكَنٍ. وقد يكونُ المَدِين معسرًا لا يجدُ وفاءً يستحِقُّهُ الدائنُ، وربَّما قدَرَ على سدادِ شَطْرِهِ؛ كما في الحديثِ السابِقِ: (خُذُوا مَا وَجَدتُّمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذلك)، فإسقاطُ الدَّينِ قبلَ قضاءِ القاضي يختلِفُ عن إسقاطِهِ بعد قضائِه، فقبْلَ قضائِهِ: بطبُ الدائن مالَة كلَّه، وبعدَهُ: يطلُبُ بعضَه. وفي إجازةِ جعلِ الزكاةِ مِن الدَّيْنِ تحجيرٌ على الدائنِ فلا يستطيعُ اختيارَ الفقيرِ الأحوَجِ، فهو يُسقِط زكاتَهُ عن دَيْنِهِ لحظِّ نفسِهِ أكثَرَ مِن حظِّ الفقيرِ، وليس هذا مِن مقاصدِ شريعةِ الزكاةِ. ثمَّ إنَّ النبيَّ ﷺ لم يأمُرْ أصحاب الدَّيْنِ أن يُسقِطُوا زَكاتَهُمْ مِن حقِّهم؛ وهذا أعظَمُ في النفوسِ وأقرَبُ لإجابتِهِمْ مِن تَرْغِيبهِمْ في الإحسانِ بالصدقةِ عليه لإسقاطِ دَيْنِهِمْ في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وفي قولِ النبيِّ ﷺ للناسِ: (تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ)؛ أي: على صاحبِ الدَّيْنِ؛ فتصدَّقَ الناسُ عليهِ، فلم يبُلُغْ ذلك وفاءَ دَيْنِه، فقال

стр. 553

رسولُ اللهِ ﷺ لغُرَمَائِه: (خُذوا مَا وَجَدتُّمْ، وَلَيسَ لَكُمْ إِلا ذلك)، فأمَرَ النبيُّ ﷺ عامَّةَ الناسِ بالصَّدَقةِ، ولم يأمُرِ الغُرَماءَ أنْ يُسقِطُوا مِن زكاةِ مالِهِمْ، بل قال: (خُذُوا مَا وَجَدتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذلك). وفي إسقاطِ الدَّيْنِ مِنَّةٌ ليست في الزكاةِ، تأخُذُ مِن نفسِ الفقيرِ فتَكْسِرُها، وهذا مَصُونٌ في الشريعةِ. والزكاةُ مأخوذةٌ، والدَّيْنُ موضوعٌ، والزكاةُ تخرُجُ مِن الغنيِّ امتِثالًا لأمرِ اللهِ، يضَعُها وهو لا يَرْجُوها مِن أحدٍ غيرِ اللهِ، بخلافِ الدَّينِ خرَجَ مِن الغنيِّ وهو يَرْجُو مِن المَدِينِ. والزكاة قُصِدَ منها طُهْرةٌ للنفسِ الشحيحةِ؛ كما في قولِهِ: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وتطهيرُ المالِ المزكَّى للنفوسِ يختلِفُ عن الدَّيْنِ الذي يُخرِجُهُ مَن يرجو عودتَهُ، وله فيه مِنَّةٌ على المَدِينِ. وكذلك: فإنَّ الغنيَّ تجبُ عليه الزكاةُ عينًا، وإذا أسقَطَ الدَّيْنَ، فإنَّه يُخرِجُها دَيْنًا, والدَّيْنُ ليس مِن جنسِ العَيْنِ دومًا. ولو كان إسقاطُ الدَّيْنِ يصحُّ مِن الزكاةِ؛ لم يُغفَل في النصوصِ مع الحاجةِ إليه، ولَعَمِلَ له الخلفاء الراشدونَ وأفتَى به الصحابةُ، ولا يُعلَمُ لهم شيءٌ في هذا. وثمَّةَ مسألةٌ، وهي: إذا أسقَطَ صاحبُ الدَّيْنِ زكاةَ مالِهِ الذي عندَ المَدِينِ، لا زكاةَ مالِهِ كلِّه، فإذا كان له دَيْنٌ على رجلٍ ألفَ دينارٍ، فأسقَطَ زكاةَ الألفِ وهي رُبْعُ العُشرِ مِن الألفِ، فهو إنَّما أسقَطَ زكاةَ الدَّيْنِ لا زكاةَ مالِهِ، وفي هذا قولانِ للعلماءِ وفي مذهبِ أحمدَ، ورجَّحَ ابنُ تيميَّةَ الجوازَ؛ لأنَّ الزكاةَ مِن جنسِ الدَّيْنِ، فزكَّى مالَهُ وهو دَيْنٌ منه. * * *

стр. 554

قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وهذه آيةُ المدايَنةِ أطولُ آيِ القرآنِ، تسمَّى بآيةِ المدايَنة مِن المفاعَلةِ بين الناسِ، وكلُّ مالٍ يكونُ في الذِّمَّةِ، سواءٌ كان نَقْدًا أو حيوانًا أو ثمارًا أو حبوبًا أو عقارًا أو متاعًا، يسمَّى: دَيْنًا؛ كبَيْعِ العَيْنِ بالدَّيْنِ، وبيعِ الدَّيْنِ بالعَيْنِ، وهو السَّلَم. ولا يدخُلُ في هذا البيوعُ المحرَّمةُ؛ كبيعِ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ، والرِّبا، والغَرَرِ، والآيةُ إنَّما نزَلَت في سَلمِ أهلِ المدينةِ؛ كما قاله ابنُ عبَّاسٍ وغيرُهُ، وهي تشريعٌ لكلِّ دَينٍ؛ للاشتراكِ في العِلَّةِ في الديونِ، وهي الغُرْمُ المتعلِّقُ بالذِّمَّةِ إلى أَجَلٍ، وللاشتراكِ في الحِكْمةِ مِن نزولِ الآيةِ، فالآيةُ نزَلَتْ لتعليمِ أهلِ الأموالِ حِفْظَ حقوقِهم فيما بينَهُمْ بالكِتَابةِ والشهادةِ، وقد قال مالكٌ في الآيةِ: "تجمَعُ الدَّيْنَ كلَّه" (١).

стр. 555

مشروعيةُ إقراضِ المحتاجِ: والإقراضُ جاء النصُّ لفَضلِهِ؛ فهو مِن تفريجِ الكُرْبةِ، وتيسيرٌ على المُعْسِرِ، وعُدَّ المُقرِضُ كالمُنفِقِ نصفَ ما أقرَضَ؛ روى ابنُ مسعودٍ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ إِلَّا كَانَ كَصَدَقَتِهَا مَرَّةً)؛ أخرَجَهُ ابنُ ماجَة (١)، وقد اختلِفَ في وقفِ الحديثِ على ابنِ مسعودٍ ورَفْعِهِ، ورَجَّحَ الدارقطنيُّ والبيهقيُّ وقْفَهُ. وفي "الصحيحَيْنِ"، عن أبي هُرَيْرةَ ﵁؛ قال: قالَ ﷺ : (كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَكَانَ يَقُولُ لِفتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا فتَجَاوَزْ عَنْهُ؛ لَعَلَّ اللهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا، فَلَقِيَ اللهَ فتَجَاوَزَ عَنْهُ) (٢). وقد يفضُلُ القرضُ على الصدفةِ إذا كان المحتاجُ متعلِّفًا، لا يَقْبَلُ الصدقةَ، ولا تنفرِجُ كربتُهُ إلا بإقراضِهِ. والقرضُ رَغَّبَ اللهُ فيه الغنيَّ، وحذَّر اللهُ منه الآخِذَ له بلا حاجةٍ؛ لأنَّه يبقى في الذِّمَّةِ، وهو حقٌّ لازمٌ لا بُدَّ فيه مِن الوفاءِ، ويُغفَرُ للشهيدِ كلُّ ذنبٍ إلا الدَّيْنَ، مع عِظَمِ الشهادةِ والشهيدِ عندَ اللهِ. والدَّيْنُ يَجْرُّ صاحِبهُ إلى التهاونِ به، حتَّى يكثُرَ دَينُهُ يَعجِزَ عن قضائِه، وإذا كَثُرَ الدَّيْنُ وطُلِبَ القضاءُ، وعَدَ وأخلَفَ، وقد كان النبيُّ ﷺ يستعيذُ منه دُبُرَ الصلاةِ، فيقولُ: (اللَّهُمَّ، إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتنَةِ المَسِيح الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتنَةِ المَحْيَا، وَفِتْنَةِ المَمَاتِ، اللهُمَّ، إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ المَأْثَمِ وَالمَغْرَمِ)، فقالَ له قائلٌ: ما أكثرَ ما تستعيذُ مِن المغرَم؟ فقال: (إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ، حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ)، متَّفقٌ عليه (٣).

стр. 556

والفرضُ مباحٌ للمحتاجِ الذي يَغلِبُ على ظنِّه الوفاءُ. مِن أحكامِ السَّلَمِ: وفي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ دليلٌ على جوازِ السَّلَمِ، وهو: بَيْعُ الدَّيْنِ بالعَيْنِ؛ أي: يُسلِفُ الرجلُ آخَرَ مالًا - كأَلْفِ دينارٍ - على أن يَقضِيَهُ عَشَرةَ أوْسُقٍ مِن البُرِّ أو الشَّعِيرِ، أو أنْ يَقضِيَهُ عَشْرًا مِن الإبلِ بعدَ عامٍ. قال ابنُ عباسٍ: "أَشْهَدُ أنَّ السَّلَفَ المضمونَ إلى أجلٍ مُسَمًّى قد أحَلَّهُ اللهُ في كتابِه وأَذِنَ فيهِ، ثمَّ قرَأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ " (١). والسَّلَمُ عندَ السلفِ بَيعُ معلومٍ في الذِّمَّةِ معروفٍ بالصِّفَةِ، بعينٍ حاضرةٍ أو ما في حُكْمِها، إلى أجلٍ معلومٍ. فلا يجوزُ بيعُ المجهولِ، ولا سِلْعةٍ معيَّنةٍ؛ كمَن يَبِيعُ ثَمَرَ نخلٍ معيَّنٍ؛ حتَّى لا يدخُلَ فيه الغررُ والجهالةُ، فلا يُثمِرَ فتَضِيعَ الحقوقُ. ولا خلافَ في جَوَازِ السَّلَمِ؛ للآيةِ، ولكنْ يجبُ في السَّلَمِ العِلْمُ بالكَيلِ والوزنِ والأجَلِ؛ لقولِهِ ﷺ : (مَنْ أسْلَفَ فِي شَيْءٍ، فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ) (٢). وجوازُ السَّلَمِ ليس مِن بيعِ ما لا يَملِكُهُ الإنسانُ؛ كمَن يَبِيعُ عَيْنًا معلومةً غيْرَ مملوكةٍ له ولا مضمونةٍ عليه؛ فهذا الذي نَهَى النبي ﷺ حَكِيمَ بنَ حِزَامٍ عنه: (لَا تَبعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ) (٣)، وأمَّا السَّلَمُ، فعلى

стр. 557

وصفٍ ومقدارِ معلومٍ إلى أَجَلٍ، لا على عَيْنٍ مَعلومةٍ. ويجبُ عندَ السَّلَمِ تسليمُ الثمنِ العاجلِ وإحضارُهُ، فلا يجوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ الكالئِ بالكالئِ. وفي الآيةِ: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وجوبُ معرفةِ الأجَلِ وتحديدِه، وتحريمُ السلَمِ إلى أجلِ مجهولٍ، وعدَمُ صحَّتِهِ بلا خلافِ، وقال الشافعيُّ بجوازِ السَّلَمِ الحالِّ؛ لانتفاءِ علَّةِ الجهالةِ في الأَجَلِ. والعلماءُ يختلِفونَ في تقديرِ أدنى الأجلِ وأعلاهُ؛ حتَّى قال بعضُ الفقهاءِ؛ أَدْنَاهُ يومٌ. ولا دليلَ على ذلك كلِّه، إلا أنَّ السَّلَمَ لا يتحقَّقُ الا بعَيْنٍ آجِلَةٍ، وثمنٍ عاجلٍ؛ فإنَّه إن كان بثمنٍ عاجلٍ، وسِلْعةٍ عاجلةٍ؛ فإنْ كانتِ السِّلْعةُ معيَّنةً مملوكةً، فهذا بيعٌ، لا سَلَمٌ، وإنْ كانتِ السلعةً معيَّنةً غيرَ مملوكةٍ، فهذا بيعُ ما لا يَملِكُ، وهو محرَّمٌ، وإنْ كانتِ السلعةُ غيرَ معيَّنةِ ولو كانت مملوكةً، فهذا بَيعُ جَهَالةٍ وغَرَرٍ، وإن كانت غيرَ معيَّنةٍ ولا مملوكةٍ، فهذا اجتمَعَ فِه الغررُ وبيعُ ما لا يَملِكُهُ الإنسانُ. ويغتفرُ بعضُ الفقهاءِ - كمالكٍ - الغرَرَ اليَسِبرَ في الأجلِ، كالأجلِ إلى الحصادِ؛ وهو قولُ ابنِ عُمَرَ، ومنَعَ منهُ جمهورُ العلماءِ؛ كأبي حنيفةَ والشافعيِّ، وظاهرُ المذهبِ عندَ الحنابلةِ، وهو قولُ ابنِ عباسٍ. حكمُ كتابةِ عقودِ الدُّيُون والبيوع: وقولُه تعَالى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ أمَرَ بالكتابةِ لضَبطِها؛ حفظًا للحقوقِ، ودفعًا للنِّزاعِ والطمعِ؛ وذلك أنَّ اللهَ قال بعدُ في التجارةِ: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾، فرفعَ الحرَجَ في التجارةِ؛ ليُثْبِتَهُ في المدايَنةِ. واختلَفَ العَلماءُ في حكمِ كتابةِ الديونِ على قولَيْنِ:

стр. 558

أحدهما: الوجوبُ؛ فقد أخَذَ بظاهرِ الأمرِ؛ فأوجَبَها بعضُ السلفِ، ورجَّحهُ الطَّبَريُّ، وهذا مرويٌّ عنِ ابنِ عباسٍ، فقد روى ابنُ المنذِرِ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحَةَ، عنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ في قولهِ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾: "فأمَرَ بالشهادةِ بَينَهُم عند المكاتَبةِ؛ لكيلا يدخُلَ في ذلك جحودٌ ولا نِسيانٌ؛ فمَن لم يُشهِدْ على ذلك مِنكُم، فقد عَصَى" (١). القول الثاني: ذهَبَ إليه أكثرُ العلماءِ، وهو أنَّ الأمرَ على الاستحبابِ، وبه قالَ الشَّعْبيُّ والحسنُ ومالكٌ وغيرُهُ؛ وذلك أنَّ المالَ حقٌّ لصاحبِهِ، وله حقُّ إسقاطِهِ كلِّه وإبراءِ المَدِينِ منه؛ وهذا هو الأظهَرُ؛ فالأمرُ للدَّلَالةِ والإرشادِ لحفظِ الحقِّ، ومَن أسقَطَ البيِّنةَ على حقِّه، فإنَّما ترَكَ توثيقَ حقِّهِ وأسقَطَهُ بنفسِهِ، والكتابةُ لا تجبُ في عقودِ النكاحِ، وهيَ أعظَمُ مِن المالِ؛ وإنَّما يُكتفى بالشهودِ؛ لعِظَمِ الأبضاعِ في الشرعِ والطَّبْعِ. وإيجابُ الكتابةِ في الدَّيْنِ مشقَّةٌ مع حاجةِ الناسِ إلى المالِ وتبادُلِهِمْ لهُ لي الأسواقِ والبيوتِ والأسفارِ، فيتعاطَوْنَ الدراهمَ والدنانيرَ فُرَادَى في وقتِ الأُمِّيَّةِ، وربَّما تدايَنُوا بالقليلِ كالدِّرْهَمِ والمُدِّ والمُدَّينِ، ومثلُ هذا في إيجابِ كتابتِهِ كُلْفةٌ وعُسْرٌ، ولكنْ لا خلافَ في استحبابِ الكتابةِ، وكلَّما عَظُمَ المالُ وكَثُرَ الشركاءُ وتأخَّرَ الأجلُ، تأكَّدتِ الكتابةُ؛ لِغَلَبَةِ الظنِّ بورودِ الزاعِ وموتِ المتدايِنِينَ. وقد تجبُ الكتابةُ عندَ غَلَبةِ الظنِّ بالخصومةِ والنزاعِ وضياعِ الحقوقِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾؛ وفي هذا بيانُ الحِكْمةِ مِن الكتابةِ والإشهادِ؛ حفظًا للحقوقِ، ودفعًا للشكِّ والريبِ والنِّسْيانِ.

стр. 559

وجعَلَ بعضُ العلماءِ الأمْرَ بالكتابةِ منسوخًا بقولِهِ: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وقال آخَرونَ: بعدمِ النسخِ؛ وعلى هذا جمهورُ السلفِ؛ كابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وأبي موسى، وابنِ سِيرِينَ، ومجاهِدٍ، والشَّعْبيِّ، ورجَّحَهُ الطبريُّ. حكمُ الرَّهْنِ: وحُكْمُ الإشهادِ حكمُ الكتابةِ، والإشهادُ أوثَقُ. والأمر بالرهنِ عندَ عدَمِ وجودِ كاتبٍ لا يدُلُّ على الوجوبِ؛ لأنَّه إرشادٌ وتعليمٌ كيفَ يَضبِطُ أهلُ الأموالِ أمَوالَهُمْ عندَ التدايُنِ بها، وقد بايَعَ النبيُّ ﷺ ولم يُشهِدْ حينَما بايَعَ الأعرابيَّ، فاشْترى بعيرَهُ منه، والصحابةُ الذين مَعَهُ لا يَشْعُرونَ أنَّه ابتاعَهُ، فجحَدَهُ الأعرابيُّ، فشَهدَ خُزَيْمةُ بنُ ثابتٍ مع النبيِّ ﷺ : أنَّهُ صادقٌ، والنبيُّ لا يقول إلا حقًّا (١). وفي قولِهِ تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ وجوبُ الكتابةِ على الكاتبِ إذا طُلِبَ منه ذلك، والكتابةُ عِلْمٌ يَجِبُ بذلُهُ لمَنْ طَلَبَهُ. وقد أمَرَ الله الكاتِبَ والمُملِيَ ألَّا يضَعَا إلا الحقَّ بلا بَخسٍ، وإذا كانَ المُمْلِي عليه سفيهًا أو جاهِلًا صغيرًا، أمْلَى عنه وَلِيُّهُ بالعَدْلِ. الحجرُ على السفيه: وفي الآيةِ: الحَجْرُ على السفيهِ، وتولِّي وَليِّهِ المالَ، والتصرُّفُ

стр. 560

عنه، والصغيرُ السفيهُ الذي لا يُحسِنُ التصرُّفَ يستمِرُّ الحَجْرُ عليه حتَّى يَرْشُدَ ولو بلَغَ ما دامَ سَفَهُهُ متَّصِلًا، ويصحُّ ابتداءُ الحَجْرِ عليه ولو بعدَ بُلُوغِهِ؛ وهذا قولُ ابنِ عُمرَ وابنِ عبَّاسِ؛ وبه قال مالكٌ والشافعيُّ. وذهَبَ أبو حنيفةَ: إلى أنَّ الحَجْرَ لا يكونُ لمَنْ كان مالُهُ بينَ يدَيْهِ بعدَ البوغِ والرُّشْدِ وإنْ بَذَّرَ وأسرَفَ، ما دامَ عاقلًا ليس بمجنونٍ، وإنَّما الحجرُ عليه صغيرًا، ولا يسلَّمُ مالُهُ حتَّى يرشُدَ ولو بعدَ بلوغِهِ، وحَدَّهُ أبو حنيفةَ بخمسٍ وعشرينَ سنةَ. وخالفَ أبا حنيفةَ صاحباهُ محمَّدٌ وأبو يوسفَ؛ فقالا بقولِ الجمهورِ. وقولُهُ تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾، والإشهادُ على الندبِ على ما تقدَّمَ، وحكمُه حكمُ الكتابةِ سواءٌ. حكمُ الإشهادِ في العقودِ والمعامَلَاتِ: وإرشادُ اللهِ للإشهادِ مِن رجالِنا بقولِه: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، يُخرِجُ الكافرَ والصبيَّ والمرأةَ، وتتضمَّنُ الإضافةُ في الآيةِ الإشارةَ إلى استحبابِ إشهادِ مَن يَعرِفُ حالَكُمْ وتَعرِفونَ حالَهُ؛ تحذيرًا مِن إشهادِ المجهولِ والغريبِ الذي يَرْحَلُ ولا يَقَرُّ، ولا يَعرِفُ حالَ المتبايِعينَ والمتدايِنِينَ وحالَ سُوقِهِم، فينتفي حصولُ المقصودِ مِن الإشهادِ، فمَن كان مَجهولًا: قد يَخفى كُفْرُهُ وكذبُهُ ونفاقُهُ وخِدَاعُه، والغريبُ: قد يُسافِرُ ويُحتاجُ إليه فيُطلَبُ ولا يُوجَدُ، وهذا للإرشادِ والتعليمِ، ومِن بابِ أَوْلى إشهادُ الكافرِ، فالكافرُ ليس مِن رجالِ المسلِمِينَ، وقد اتَّفَقَ العلماءُ على عدمِ جوازِ شهادةِ الكافرِ في الديونِ والمعامَلاتِ، حكاهُ ابنُ المُنذِرِ وابنُ رُشْدٍ وغيرُهُما.

стр. 561

وفي شهادةِ الكافرِ في الوصيَّةِ في السفرِ كلامٌ يأتي في سورةِ المائدةِ بإذنِ اللهِ. وأمَّا شهادةُ أهلِ الذِّمَّةِ بعضهم على بعضِ، ففيها خلافٌ مشهورٌ؛ فأجازَها عليٌّ وشُريْحٌ، وبقولِهِ قال أهلُ الكوفةِ وأبو عُبَيدٍ وإسحاقُ. شهادةُ الصبيِّ في العقود: وفي ظاهرِ الآيةِ عدمُ جوازِ شهادةِ الصبيِّ؛ لكونِه مِن غيرِ الرجالِ؛ لأنَّ الصبيَّ ينسى ويخوَّفُ، وإن كانت فِطْرَتُهُ صحيحةً ولا يَعرِفُ الكذبَ، إلا أنَّه أكثَرُ نِسْيانًا وتلقينًا، وفي قبولِ شَهَادَتِهم خلافٌ عند السلفِ والخَلَفِ على أقوالٍ ثلاثةٍ، وهي ثلاثُ رواياتٍ عن أحمدَ: الأولُ: لا تجوزُ شهادةُ الصبيِّ، وبه قال الجمهورُ؛ قالَ ابنُ عباسٍ: "ليسوا ممَّنْ يُرضَوْنَ؛ لأنَّ اللَّهَ يَقولُ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ " (١)، وبه قال أبو حنيفةَ والكوفيونَ والشافعيُّ، وهو المشهورُ عن أحمدَ. ولا يُعلَمُ عن أحدٍ مِن السَّلَفِ بسنَدٍ صحيحٍ قبولُ شهادةِ الصبيِّ في كلِّ شيءٍ، وإنَّما الخلافُ عندَهم في بعضِ الحقوق والأحوالِ؛ كشهادةِ بعضِهِم على بعضٍ، وشهادتِهم في الجراحِ، ومَن رُوِيَ عنه إطلاقُ الجوازِ - كابنِ الزُّبَيرِ والشَّعْبيِّ - فهيَ مقيَّدةٌ مِن وجَوهٍ أُخرى عنهم. الثاني: تجوزُ شهادةُ الصِّبْيانِ بعضِهِم على بعضٍ؛ وبهِ يقولُ أهلُ المدينةِ، ومالكٌ، والنَّخَعيُّ، وعُرْوةُ، وقضى بهِ عليٌّ، وقال به ابنُ الزُّبَيرِ، واشترَطَ عدَمَ تَفَرُّقِهم؛ قالَ: "إذا جِيءَ بهم عندَ المُصِيبةِ، جازَتْ شَهَادَتُهُم" (٢). وعلَّةُ اشتراطِ عدمِ الافتراقِ: حتَّى لا يَنْسَى أو يُلقَّنَ.

стр. 562

وخصوماتُ الصِّبْيانِ فيما بَينَهُم لا يَشهَدُها الكِبَارُ غالبًا، وإذا لم تُؤخَذْ شهادتُهُم بَعْضِهِم على بَعْضٍ، ضاعَتِ الحقوقُ، وأُهْدِرَتِ الدِّمَاءُ. الثالثُ: تجوزُ شَهادتُهُمِ في الجراحِ؛ وبهِ قال عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ. وإنَّما كان الخلافُ في قبولِ شهادةِ الصبيِّ؛ لظاهرِ الآيةِ، ولحِفْظِ الحقوقِ؛ فالمَوْضِعُ الذي يُخشى فواتُ الحَقِّ فيه، صَحَّتْ شَهَادَتُهُمْ ممَّا يُعايِنُونَهُ عادةً كالجراحِ والقَتْلِ؛ فلا يَشْهَدُها كلٌّ أحدٍ؛ لأنَّها تقعُ عارِضةً، بحلافِ التعاقُدِ على مالٍ أو بَيْعٍ، فهذا يُستشهَدُ عليه، ويُقصَدُ الشاهدُ بعينِه، فشُدِّدَ في ذلك؛ حتَّى لا يُقصَدَ الصبيُّ بالشهادةِ، فتضِيعَ الحقوقُ. شهادةُ المرأةِ في العقودِ: وظاهرُ الآيةِ: عدَمُ قبولِ شهادةِ المراةِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قالَ: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، وقيَّدَ شهادتَهُنَّ مع الرجلِ الشاهدِ الواحدِ عندَ فَقْدِ الآخَرِ، ولا يظهَرُ جوازُ شهادةِ الأربعِ مِن النِّسَاءِ عن الرجلَيْنِ. وعدمُ جوازِ شهادةِ المرأةِ: إنَّما هو في الأموالِ والحدودِ والدماءِ؛ لأنَّ الشريعةَ جاءتْ بأحكامٍ مُحكَمةٍ يُتِمُّ بعضُها بعضًا، ولا يتنافى حكمٌ مع حكمٍ؛ فالمرأةُ حرَّمَ اللهُ عليها خَلْوَتَها بالرجالِ واختِلَاطَها بمَجَالِسِهم؛ فهي لا تشهَدُ تَبَعًا خصوماتِهِمْ ومبايَعَاتِهِمْ، كحالِ الرجالِ بعضِهم مع بعضٍ، فلا يُناسِبُ مساواتُها في الشهادةِ، فتُطلَبُ منها كما تُطلَبُ مِن الرجلِ؛ فالشرعُ ينفِّرُها عن مجالِسِ الرجالِ، ثمَّ يَدْعُوهَا لتشهَدَ بيوعَهم وخُصُومَاتِهم؟ ! لذا جعَلَ الله تعالى إدخالَها في الشهاداتِ للحاجةِ عندَ فَقْدِ الرجلِ، ولأنَّها تغيبُ عن معرِفةِ الحالِ، جُعِلَتْ شهادةُ امرأتَيْنِ كشهادةِ الرجلِ؛ لقِصَرِ الفَهْمِ والإدراكِ لتلك الإحوالِ؛ ولذا جاء في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي سعيدِ وغيرِه، قال ﷺ : (أَلَيْسَ شَهَادَةُ

стр. 563

المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ ! فَذَلِك مِن نُقْصَانِ عَقْلِهَا) (١). ولمَّا كانتِ الحدودُ تُدرَأُ بالشُّبُهاتِ، والمرأةُ يَعرِضُها النِّسْيانُ في الشهودِ لقولِهِ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾، والنِّسْيانُ شُبْهةٌ؛ لمْ تَجُزْ شهادةُ المرأةِ في الحدودِ، بل لا تُجزِئُ شهادةُ امرأتَيْنِ مع رجلٍ في غير الأموال؛ ولأنَّ اللهَ يقولُ في حدِّ الزِّنَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤]، وهذا عدُد الرجالِ بالاتِّفاقِ. وعلى هذا جرى العملُ؛ فقد روى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن الزُّهْريِّ؛ قال: "مَضَتِ السُّنَّةُ مِن رسولِ اللهِ ﷺ ، والخليفتَيْنِ مِن بعدِهِ: أَلَّا تَجُوزَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ في الحُدُودِ" (٢). وَيَجْرِي مَجْرَى الأموالِ في جوازِ شهادةِ المرأةِ بها على ما تقدَّمَ: المواريث، والوصايا، والودائعُ، وشبهُها. وتصحُّ شهادةُ المرأةِ الواحدةِ في الرَّضَاعِ. وكذلك القابِلةُ - طبيبةُ الولادةِ - لو شَهِدَتْ على شيءٍ رَأتْهُ مِن جِنْسِ المولودِ وحياتِهِ وعدَدِه. ويجوز إشهادُ النساءِ وَحْدَهُنَّ على ما لا تقومُ فيه بيِّنةٌ إلا بِهِنَّ؛ كما يقَعُ بينَهُنَّ مِن جِرَاحٍ أو سَرِقةٍ في مَجَالِسِهِنَّ في الأَعْرَاسِ والوَلَائِمِ ونحوِها؛ حتَّى لا تَضِيعَ الحقوقُ. وحكى الاتفاقَ غيرُ واحدٍ أنَّ شهادةَ النِّساءِ على النساءِ في الولادةِ وعيوبِهنَّ جائزةٌ. اشتراطُ العدالةِ في الشاهِدِ: ويُشترَطُ في الشاهدِ العَدَالةُ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ

стр. 564

مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، والعَدْلُ: من لم يُعرَفْ فِسْقُهُ بكبيرةٍ، أو إصرارٍ على صغيرةٍ، وإن تعذَّرَ شاهدٌ لم يظهَرْ فسقُهُ بصغيرةٍ، ليجوزُ الإشهادُ بأهلِ الصغائرِ؛ حتَّى لا تضيعَ الحقوقُ، ولِنُذْرةِ السلامةِ منها، خاصَّةً في الأزمِنَة المتأخِّرةِ، وإنْ كَثُرَ أهلُ السلامةِ منها في بلدٍ، رُدَّتْ شهادتُهُ؛ لأنَّ قبولَ شهادةِ الفاسقِ ورَدَّها لحفظِ الحقوقِ أن تَصِيعَ، والمصلَحةُ الغالبةُ في قبولِها ورَدِّها يُؤخَذُ بها. والأصل في المسلِمِ المشهورِ: العدالةُ ما لم يُجرَحْ، وأمَّا المسلِمُ المستورُ، فاختُلِفَ فيه: فقال مالكٌ والشافعيُّ: إنَّ الأصلَ عدَمُ قبولِ الشهادةِ، حتَّى تثبُتَ العدالةُ، وظاهِرُهُ: أنَّ مَن عُجِزَ عن معرِفةِ عدالتِهِ تُرَدُّ شهادتُه. وقال أبو حنيفةَ والليثُ: إنَّ الأصلَ قَبولُ شهادتِهِ، حتَّى يثبُتَ الفِسْقُ. والأظهَرُ: أنَّ الأمرَ يَرجعُ إلى الزمانِ والمكانِ وغَلَبَةِ الفِسْقِ فيهما؛ فإنْ كان المستورُ في بلدٍ يعُمُّ فيهِ الفِسْقُ، اشتُرِطَ ثبوتُ العدالةِ، ولم يُقبَلِ السترُ، وإنْ كان في بلدٍ تعُمُّ فيه العدالةُ والديانةُ، فالأصلُ العدالةُ حتَّى يثبُت الفِسْقُ. ويفرَّقُ بين الإشهادِ على الشيءِ اليسيرِ مِن الحقِّ والشيءِ الكثيرِ، في التساهُلِ بالاستيثاقِ مِن حالِ الشاهِدِ. ومَن عُرِفَ بخُصُومةٍ أو قرابةٍ مع أحدِ أصحابِ الحقِّ، فلا تصحُّ شهادتُهُ؛ لقولِهِ ﷺ : (لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ) (١)، ولكنْ لو شهِدَ القريبُ على قريبِهِ وليس خَصْمَا له، جازَ، وإذا شهدَ الخَصْمُ لحظِّ خَصْمِهِ، جازَ؛ لأنَّه أبعَدُ عنِ التُّهَمةِ مِن غيرِه.

стр. 565

الشاهدُ واليمينُ: وبهذه الآيةِ أخَذَ بعضُ الفقهاءِ بعدمِ اعتِبارِ الشاهدِ واليمينِ؛ وذلك أنَّ اللهَ حصَرَ حِفْظَ الحقوقِ بشاهدَيْنِ من الرجالِ، أو رجلٍ وامرأتَيْنِ؛ وبه قال أبو حنيفةَ وأهلُ الكُوفةِ، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قال في الأشعَثِ وخَصْمِهِ: (شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ)، قال الأشعتُ: إنَّهُ إذًا يَحْلِفُ ولا يُبالي، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بها مَالًا، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ)، فأنزَلَ اللهُ تصديقَ ذلك، ثمَّ اقترَأ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]؛ رواهُ الشيخانِ (١). وجمهورُ العلماءِ على ثبوتِ الحقِّ بالشاهدِ مع اليمينِ؛ وهو قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ وأهلِ المدينةِ ومالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ؛ وذلك لأنَّ النبيَّ ﷺ قَضَى بالشاهدِ مع اليَمينِ؛ أخرَجَهُ مسلِمٌ، عَنِ ابنِ عبَّاسٍ (٢). والآيةُ لم تحصُرْ حِفْظَ الحقوقِ الجائزةِ بشهادةِ الرجلَيْنِ أو الرجلِ والمرأتَيْنِ؛ وإنَّما دَلَّتْ وأرشَدَتْ إلى الكمالِ في ذلك؛ ولذا ذكَرَتِ الكتابةَ والإشهادَ، وبعد ذلك الرهنَ، وليسَتْ بواجبةٍ على الأرجَحِ. اليمينُ والشاهدتان: واختُلِفَ في القضاءِ باليمينِ مع المرأتَيْنِ، على قولَينِ للفقهاءِ: قالَ مالكٌ بجوازِها؛ لظاهِرِ الآيةِ؛ لأنَّ المرأتَيْنِ بدلٌ عن الرجلِ، فإنْ وُجِدَا، قُضِيَ بهما مع اليمينِ. وخالَفَهُ الشافعيُّ؛ لأنَّ اللهَ لم يُجِزِ الشاهدتَيْنِ إلا مع رجلٍ؛ وذلك
следующие страницы →