وفي شهادةِ الكافرِ في الوصيَّةِ في السفرِ كلامٌ يأتي في سورةِ المائدةِ بإذنِ اللهِ.
وأمَّا شهادةُ أهلِ الذِّمَّةِ بعضهم على بعضِ، ففيها خلافٌ مشهورٌ؛ فأجازَها عليٌّ وشُريْحٌ، وبقولِهِ قال أهلُ الكوفةِ وأبو عُبَيدٍ وإسحاقُ.
شهادةُ الصبيِّ في العقود:
وفي ظاهرِ الآيةِ عدمُ جوازِ شهادةِ الصبيِّ؛ لكونِه مِن غيرِ الرجالِ؛ لأنَّ الصبيَّ ينسى ويخوَّفُ، وإن كانت فِطْرَتُهُ صحيحةً ولا يَعرِفُ الكذبَ، إلا أنَّه أكثَرُ نِسْيانًا وتلقينًا، وفي قبولِ شَهَادَتِهم خلافٌ عند السلفِ والخَلَفِ على أقوالٍ ثلاثةٍ، وهي ثلاثُ رواياتٍ عن أحمدَ:
الأولُ: لا تجوزُ شهادةُ الصبيِّ، وبه قال الجمهورُ؛ قالَ ابنُ عباسٍ: "ليسوا ممَّنْ يُرضَوْنَ؛ لأنَّ اللَّهَ يَقولُ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ " (١)، وبه قال أبو حنيفةَ والكوفيونَ والشافعيُّ، وهو المشهورُ عن أحمدَ.
ولا يُعلَمُ عن أحدٍ مِن السَّلَفِ بسنَدٍ صحيحٍ قبولُ شهادةِ الصبيِّ في كلِّ شيءٍ، وإنَّما الخلافُ عندَهم في بعضِ الحقوق والأحوالِ؛ كشهادةِ بعضِهِم على بعضٍ، وشهادتِهم في الجراحِ، ومَن رُوِيَ عنه إطلاقُ الجوازِ - كابنِ الزُّبَيرِ والشَّعْبيِّ - فهيَ مقيَّدةٌ مِن وجَوهٍ أُخرى عنهم.
الثاني: تجوزُ شهادةُ الصِّبْيانِ بعضِهِم على بعضٍ؛ وبهِ يقولُ أهلُ المدينةِ، ومالكٌ، والنَّخَعيُّ، وعُرْوةُ، وقضى بهِ عليٌّ، وقال به ابنُ الزُّبَيرِ، واشترَطَ عدَمَ تَفَرُّقِهم؛ قالَ: "إذا جِيءَ بهم عندَ المُصِيبةِ، جازَتْ شَهَادَتُهُم" (٢).
وعلَّةُ اشتراطِ عدمِ الافتراقِ: حتَّى لا يَنْسَى أو يُلقَّنَ.
стр. 562
وخصوماتُ الصِّبْيانِ فيما بَينَهُم لا يَشهَدُها الكِبَارُ غالبًا، وإذا لم تُؤخَذْ شهادتُهُم بَعْضِهِم على بَعْضٍ، ضاعَتِ الحقوقُ، وأُهْدِرَتِ الدِّمَاءُ.
الثالثُ: تجوزُ شَهادتُهُمِ في الجراحِ؛ وبهِ قال عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ.
وإنَّما كان الخلافُ في قبولِ شهادةِ الصبيِّ؛ لظاهرِ الآيةِ، ولحِفْظِ الحقوقِ؛ فالمَوْضِعُ الذي يُخشى فواتُ الحَقِّ فيه، صَحَّتْ شَهَادَتُهُمْ ممَّا يُعايِنُونَهُ عادةً كالجراحِ والقَتْلِ؛ فلا يَشْهَدُها كلٌّ أحدٍ؛ لأنَّها تقعُ عارِضةً، بحلافِ التعاقُدِ على مالٍ أو بَيْعٍ، فهذا يُستشهَدُ عليه، ويُقصَدُ الشاهدُ بعينِه، فشُدِّدَ في ذلك؛ حتَّى لا يُقصَدَ الصبيُّ بالشهادةِ، فتضِيعَ الحقوقُ.
شهادةُ المرأةِ في العقودِ:
وظاهرُ الآيةِ: عدَمُ قبولِ شهادةِ المراةِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قالَ: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، وقيَّدَ شهادتَهُنَّ مع الرجلِ الشاهدِ الواحدِ عندَ فَقْدِ الآخَرِ، ولا يظهَرُ جوازُ شهادةِ الأربعِ مِن النِّسَاءِ عن الرجلَيْنِ.
وعدمُ جوازِ شهادةِ المرأةِ: إنَّما هو في الأموالِ والحدودِ والدماءِ؛ لأنَّ الشريعةَ جاءتْ بأحكامٍ مُحكَمةٍ يُتِمُّ بعضُها بعضًا، ولا يتنافى حكمٌ مع حكمٍ؛ فالمرأةُ حرَّمَ اللهُ عليها خَلْوَتَها بالرجالِ واختِلَاطَها بمَجَالِسِهم؛ فهي لا تشهَدُ تَبَعًا خصوماتِهِمْ ومبايَعَاتِهِمْ، كحالِ الرجالِ بعضِهم مع بعضٍ، فلا يُناسِبُ مساواتُها في الشهادةِ، فتُطلَبُ منها كما تُطلَبُ مِن الرجلِ؛ فالشرعُ ينفِّرُها عن مجالِسِ الرجالِ، ثمَّ يَدْعُوهَا لتشهَدَ بيوعَهم وخُصُومَاتِهم؟ ! لذا جعَلَ الله تعالى إدخالَها في الشهاداتِ للحاجةِ عندَ فَقْدِ الرجلِ، ولأنَّها تغيبُ عن معرِفةِ الحالِ، جُعِلَتْ شهادةُ امرأتَيْنِ كشهادةِ الرجلِ؛ لقِصَرِ الفَهْمِ والإدراكِ لتلك الإحوالِ؛ ولذا جاء في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي سعيدِ وغيرِه، قال ﷺ : (أَلَيْسَ شَهَادَةُ
стр. 563
المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ ! فَذَلِك مِن نُقْصَانِ عَقْلِهَا) (١).
ولمَّا كانتِ الحدودُ تُدرَأُ بالشُّبُهاتِ، والمرأةُ يَعرِضُها النِّسْيانُ في الشهودِ لقولِهِ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾، والنِّسْيانُ شُبْهةٌ؛ لمْ تَجُزْ شهادةُ المرأةِ في الحدودِ، بل لا تُجزِئُ شهادةُ امرأتَيْنِ مع رجلٍ في غير الأموال؛ ولأنَّ اللهَ يقولُ في حدِّ الزِّنَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤]، وهذا عدُد الرجالِ بالاتِّفاقِ.
وعلى هذا جرى العملُ؛ فقد روى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن الزُّهْريِّ؛ قال: "مَضَتِ السُّنَّةُ مِن رسولِ اللهِ ﷺ ، والخليفتَيْنِ مِن بعدِهِ: أَلَّا تَجُوزَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ في الحُدُودِ" (٢).
وَيَجْرِي مَجْرَى الأموالِ في جوازِ شهادةِ المرأةِ بها على ما تقدَّمَ: المواريث، والوصايا، والودائعُ، وشبهُها.
وتصحُّ شهادةُ المرأةِ الواحدةِ في الرَّضَاعِ.
وكذلك القابِلةُ - طبيبةُ الولادةِ - لو شَهِدَتْ على شيءٍ رَأتْهُ مِن جِنْسِ المولودِ وحياتِهِ وعدَدِه.
ويجوز إشهادُ النساءِ وَحْدَهُنَّ على ما لا تقومُ فيه بيِّنةٌ إلا بِهِنَّ؛ كما يقَعُ بينَهُنَّ مِن جِرَاحٍ أو سَرِقةٍ في مَجَالِسِهِنَّ في الأَعْرَاسِ والوَلَائِمِ ونحوِها؛ حتَّى لا تَضِيعَ الحقوقُ.
وحكى الاتفاقَ غيرُ واحدٍ أنَّ شهادةَ النِّساءِ على النساءِ في الولادةِ وعيوبِهنَّ جائزةٌ.
اشتراطُ العدالةِ في الشاهِدِ:
ويُشترَطُ في الشاهدِ العَدَالةُ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ
стр. 564
مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، والعَدْلُ: من لم يُعرَفْ فِسْقُهُ بكبيرةٍ، أو إصرارٍ على صغيرةٍ، وإن تعذَّرَ شاهدٌ لم يظهَرْ فسقُهُ بصغيرةٍ، ليجوزُ الإشهادُ بأهلِ الصغائرِ؛ حتَّى لا تضيعَ الحقوقُ، ولِنُذْرةِ السلامةِ منها، خاصَّةً في الأزمِنَة المتأخِّرةِ، وإنْ كَثُرَ أهلُ السلامةِ منها في بلدٍ، رُدَّتْ شهادتُهُ؛ لأنَّ قبولَ شهادةِ الفاسقِ ورَدَّها لحفظِ الحقوقِ أن تَصِيعَ، والمصلَحةُ الغالبةُ في قبولِها ورَدِّها يُؤخَذُ بها.
والأصل في المسلِمِ المشهورِ: العدالةُ ما لم يُجرَحْ، وأمَّا المسلِمُ المستورُ، فاختُلِفَ فيه:
فقال مالكٌ والشافعيُّ: إنَّ الأصلَ عدَمُ قبولِ الشهادةِ، حتَّى تثبُتَ العدالةُ، وظاهِرُهُ: أنَّ مَن عُجِزَ عن معرِفةِ عدالتِهِ تُرَدُّ شهادتُه.
وقال أبو حنيفةَ والليثُ: إنَّ الأصلَ قَبولُ شهادتِهِ، حتَّى يثبُتَ الفِسْقُ.
والأظهَرُ: أنَّ الأمرَ يَرجعُ إلى الزمانِ والمكانِ وغَلَبَةِ الفِسْقِ فيهما؛ فإنْ كان المستورُ في بلدٍ يعُمُّ فيهِ الفِسْقُ، اشتُرِطَ ثبوتُ العدالةِ، ولم يُقبَلِ السترُ، وإنْ كان في بلدٍ تعُمُّ فيه العدالةُ والديانةُ، فالأصلُ العدالةُ حتَّى يثبُت الفِسْقُ.
ويفرَّقُ بين الإشهادِ على الشيءِ اليسيرِ مِن الحقِّ والشيءِ الكثيرِ، في التساهُلِ بالاستيثاقِ مِن حالِ الشاهِدِ.
ومَن عُرِفَ بخُصُومةٍ أو قرابةٍ مع أحدِ أصحابِ الحقِّ، فلا تصحُّ شهادتُهُ؛ لقولِهِ ﷺ : (لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ) (١)، ولكنْ لو شهِدَ القريبُ على قريبِهِ وليس خَصْمَا له، جازَ، وإذا شهدَ الخَصْمُ لحظِّ خَصْمِهِ، جازَ؛ لأنَّه أبعَدُ عنِ التُّهَمةِ مِن غيرِه.
стр. 565
الشاهدُ واليمينُ:
وبهذه الآيةِ أخَذَ بعضُ الفقهاءِ بعدمِ اعتِبارِ الشاهدِ واليمينِ؛ وذلك أنَّ اللهَ حصَرَ حِفْظَ الحقوقِ بشاهدَيْنِ من الرجالِ، أو رجلٍ وامرأتَيْنِ؛ وبه قال أبو حنيفةَ وأهلُ الكُوفةِ، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قال في الأشعَثِ وخَصْمِهِ: (شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ)، قال الأشعتُ: إنَّهُ إذًا يَحْلِفُ ولا يُبالي، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بها مَالًا، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ)، فأنزَلَ اللهُ تصديقَ ذلك، ثمَّ اقترَأ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]؛ رواهُ الشيخانِ (١).
وجمهورُ العلماءِ على ثبوتِ الحقِّ بالشاهدِ مع اليمينِ؛ وهو قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ وأهلِ المدينةِ ومالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ؛ وذلك لأنَّ النبيَّ ﷺ قَضَى بالشاهدِ مع اليَمينِ؛ أخرَجَهُ مسلِمٌ، عَنِ ابنِ عبَّاسٍ (٢).
والآيةُ لم تحصُرْ حِفْظَ الحقوقِ الجائزةِ بشهادةِ الرجلَيْنِ أو الرجلِ والمرأتَيْنِ؛ وإنَّما دَلَّتْ وأرشَدَتْ إلى الكمالِ في ذلك؛ ولذا ذكَرَتِ الكتابةَ والإشهادَ، وبعد ذلك الرهنَ، وليسَتْ بواجبةٍ على الأرجَحِ.
اليمينُ والشاهدتان:
واختُلِفَ في القضاءِ باليمينِ مع المرأتَيْنِ، على قولَينِ للفقهاءِ:
قالَ مالكٌ بجوازِها؛ لظاهِرِ الآيةِ؛ لأنَّ المرأتَيْنِ بدلٌ عن الرجلِ، فإنْ وُجِدَا، قُضِيَ بهما مع اليمينِ.
وخالَفَهُ الشافعيُّ؛ لأنَّ اللهَ لم يُجِزِ الشاهدتَيْنِ إلا مع رجلٍ؛ وذلك
стр. 566
أنَّه لا يجوز إشهادُ أربعِ نِسْوةٍ، وذلك ظاهرٌ في قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾.
مِن أحكامِ الاختلاطِ:
وفي قولٍ شاذٍّ استُدِلَّ بقولِهِ ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ على جوازِ اختلاطِ الرجالِ بالنِّسَاءِ في المَجَالِسِ، وهذا جَهْلٌ لا يقولُهُ إلا صاحِبُ مَرَضٍ في القلبِ؛ فالآيةُ دالَّةٌ على خلافِ ذلك؛ فاللَّهُ تعالى قال: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾؛ فجعَلَ المرأتَيْنِ تَتَداكَرَانِ عندَ النِّسْيانِ، ولم يَجعَلِ المرأةَ تذكِّرُ الرجلَ، ولا يذكِّرُ الرجلُ المرأتَيْنِ؛ لأنَّ المذاكَرةَ يَلزَمُ منها مجالَسةٌ تَطُولُ، فجعَلَ اللهُ الشهادةَ جائِزةً لأنَّها عابِرةٌ وجعَلَ المذاكَرةَ للمرأتَيْنِ، لا للرجلِ والمرأتَيْنِ؛ لأنَّها مجالَسةٌ دائِمةٌ.
وظاهرُ الآيةِ: قبولُ شهادةِ العبيدِ؛ لعمومِها ولم يُستثْنَوْا منها، وهو قولُ أحمدَ وبعضِ السلفِ.
والجمهورُ: على عدمِ صِحَّةِ شهادةِ العبيدِ؛ وهو عملُ أهلِ مَكَّةَ والمدِينةِ؛ كما رواهُ ابنُ المُنذِرِ عن مجاهِدٍ، قال: "كانَ أَهْلُ مَكَّةَ وأهلُ المَدِينةِ لا يُجِيزُونَ شهادةَ العبدِ" (١).
والأصلُ في تحمُّلِ الشهادةِ: الاستحبابُ، وفي أدائِها الوجوبُ، ومَن طُلِبَتْ شهادتُهُ وتَعَذَّرَ غيرُهُ، تَعَيَّنَ عليه؛ لقولهِ تَعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾، وجزَمَ بالوجوبِ ابنُ عباسٍ وغيرُهُ مِن الصحابةِ.
وقولُهُ: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ قرينةٌ على عدمِ وجوبِ الكتابةِ والشهادةِ، وإنَّما استحبابُها؛ لأنَّه أشرَكَ صغيرَ الحقوقِ وكبيرَها في الأمرِ،
стр. 567
والصغيرُ يتعذَّرُ على الناسِ امتثالُهُ على وجهِ التَّمَامِ، والشريعةُ لا تُوجِبُ ما يَشُقُّ أو يتعذَّرُ كدَيْنِ صاعِ البُرِّ والمُدِّ، والدِّرْهمِ والدرهمَيْنِ، أو أَخْذِ السِّكِّينِ والإناءِ والدَّلْوِ والحَبْلِ وديعةً وأمانةً.
وَيرَى عطاءٌ الإشهادَ على البَيْعِ ولو قليلًا حتَّى ثُلُتِ الدِّرْهَمِ.
وقولُهُ: ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: أعدَلُ عندَ اللهِ، واستعمالُ "أَفعَلِ" التفضيلِ قرينةٌ على أنَّ الكتابةَ والشهادةَ لكمالِ القِسْطِ والعَدْلِ، وأنَّ تَرْكَها ليس جَوْرًا وظُلْمًا.
وشهادةُ الشاهدِ على خطِّهِ - أنَّه هو - ليست بشهادةٍ إذا لم يذكُرْ ما شهِدَ عليه؛ لأنَّ اللَّهَ يقول: ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾، فالكتابةُ تقوِّمُ الشهادةَ وتذكِّرُ بها، لا تُثِبتُها بنفسِها؛ وبهذا قال أكثَرُ العلماءِ.
وجوَّز مالكٌ الشهادةَ اعتمادًا على الخَطِّ، وصَحَّ القولُ به عن طاوُسٍ مِن التابِعينَ.
الترخيصُ بتركِ كتابةِ بعضِ العقودِ:
وقولُهُ تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾، رخصَ اللهُ في عدمِ كتابةِ التجارةِ الموصوفةِ بوصفَيْنِ:
الأول: ﴿حَاضِرَةً﴾؛ أي: يَتِمُّ فيها التقابُضُ مِن المتبايِعَيْنِ، وفي معنى الحاضِرةِ: التجارةُ في سُوقِ البَلَدِ الواحدِ الذي يحضُرُ فيهِ المتبايِعانِ ويتجاوَرانِ في السُّوقِ كلَّ صباحٍ للبَيْعِ والشِّرَاءِ، وليست غائبةً عن أَعْيُنِهما في بلدٍ بعيدٍ يُرتَحَلُ إليه؛ فالتِّجَارةُ الغائبةُ مَظِنَّةُ التأخُّرِ والغيابِ والخطورةِ والنِّسْيانِ؛ فتضيعُ الحقوقُ.
وأهلُ السوقِ الحاضرِ يختلِفُونَ عن أهلِ السوقِ الغائبِ؛ فأهلُ التجارةِ المتجاوِرُونَ يأنَسُ بعضُهُم لبعضٍ، وَيعرِفُ بعضُهم بَعْضًا، ونفعُ
стр. 568
بعضِهم لبعضٍ كثيرٌ، وحاجتُهُمْ دائمةٌ بينَهُم، فجحودُ الحقِّ ونُكْرَانُهُ ضعيفٌ، والكتابةُ شاقَّةٌ على القليلِ والكثيرِ بينهم.
الثاني: ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾، الدائرةُ التي يتعامَلُ بها أهلُ السوقِ في يومِهِم وليلتِهِم، فيكثُرُ أخذُهُم فيما بينَهم وإعطاؤُهم، فيكثُرُ بينَهُمُ المالُ في الذِّمَّةِ، ويتعذَّرُ كتابةُ كلِّ ذلك لصعوبتِه وكثْرَتِهِ.
فخَفَّفَ اللهُ في أمرِ الكتابةِ، وحثَّ على الإشهادِ في التجارةِ الحاضِرةِ الدائِرةِ؛ ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾؛ لأنَّ الكتابةَ شاقَّةٌ بمثلِ هذه التجارةِ، وأمَرَ بالإشهادِ لسهولتِهِ؛ حفظًا للحقوقِ، ودفعًا للخصوماتِ؛ فإنَّ أكثَرَ الخصوماتِ هي بسببِ التساهُلِ في البيِّناتِ عند العقودِ.
وقولُه: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾:
الضررُ محرَّمٌ مِن الشهودِ والكاتبِ والمُمْلِي، وهم أمَناءُ على الحقوقِ؛ فَلا يجوزُ للكاتِبِ أن يزيدَ وينقُصَ فيما يُمْلَى عليه، ولا للشاهدِ كذلك فيما يَسْمَعُ وَيرَى.
وكان عمرُ وابنُ مسعودٍ يقرآنِ: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (١) - يُضارَرْ: بالمَبنيِّ للمجهولِ - أيْ: لا يَضُرَّ أصحابُ الحقوقِ الكاتِبَ والشهيدَ عندَ طلبِهِمُ الكتابةَ والشهادةَ، ويُلِحُّوا عليهِم ويُلْزْمُوهُمْ، فيُعطِّلُوا مَصَالِحَهُمْ وراءَهُمْ فتَضِيعَ؛ وبهذا قال ابن عبَّاسٍ ومجاهِدٌ وغيرُهُما (٢).
والفسوقُ في الآيةِ: الإثمُ المترتِّبُ على الخروجِ عن أمرِ اللهِ وامتثالِ طاعتِهِ.
стр. 569
وقد أمَرَ اللهُ بعدَ ذلك بتقواهُ فيما عَلَّمَهُم إيَّاه ممَّا يَحفَظُ الحقَّ، ويقومُ به القِسْطُ بين الناسِ.
* * *
قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
يصحُّ الرَّهْنُ في الحِلِّ والسفرِ، وذِكْرُ السفرِ ليس قيدًا في الآيةِ على جوازِ الرهنِ وصِحَّتِهِ؛ وذلك أنَّ اللهَ لمَّا ذكَرَ ما تُضبَطُ به الحقوقُ مِن الكتابةِ والشهادةِ وأداءِ الأمانةِ، وكان السفرُ مَظِنَّةً لعدمِ حضورِ كاتبٍ وشاهِدٍ فيه - خاصَّةً في زمنِ الأُمِّيَّةِ - أرشَدَ اللهُ إلى الرَّهْنِ، وهو صحيحٌ في السفرِ والحضرِ، وُجِدَ كاتِبٌ وشاهِدٌ أو لم يُوجَدْ؛ وهذا قولُ أكثرِ السلفِ، وهو قولُ الجمهورِ، خلافًا لأبي حنيفةَ؛ فالنبيُّ ﷺ ماتَ ودِرْعُهُ مرهونةٌ عند يهوديٍّ، وهو في الصحيحِ عن عائشةَ (١).
حكمُ الرَّهْنِ في المسَّلَمِ:
والرهنُ في السَّلَمِ جائزٌ؛ لظاهرِ الآيةِ، فهي إنَّما نزَلَتْ في السَّلَمِ ودخلَتْ سائرُ الحقوقِ فيها تَبعًا.
ولا يجوزُ الرهنُ إلا بقَبْضِهِ؛ لقولِه: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، ولاتِّفاقِ الأئمَّةِ على ذلك.
وذهَبَ أبو حنيفةَ إلى أنَّهُ لا يَصِحُّ رَهْنُ المُشاعِ؛ لأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ قبضُهُ، خلافًا للجمهورِ الذين قالوا بصِحَّةِ قبضِ المُشاعِ.
стр. 570
ومثلُهُ رهنُ المجهولِ وما فيه غَرَرٌ؛ فلا يجوزُ رهُنهُ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ قبضُهُ.
واختُلِفَ في اشتراطِ قَبْضِ الرهنِ؛ هل هو شرطٌ لصِحَّةِ الرَّهْنِ ولزومِه أو لا؟ على قولَيْنِ مشهورَيْنِ:
الأولُ: أنَّه شرطٌ لِصِحَّتِهِ ولزومِه؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ والشافعيِّ.
الثاني: أنَّ القبضَ ليس شرطًا لِصِحَّةِ الرهنِ؛ فيصحُّ الرهنُ ويلزمُ بالعقدِ، ولكنَّه لا يَتِمُّ إلا بالقَبْضِ؛ وهذا قولُ مالكٍ.
وثمرةُ ذلك: أنَّ العقدَ يُلزِمُ الراهنَ بتسليمِ الرهنِ، ولا يجوزُ له الرجوعُ عنه، وإنْ لم يُقبَضْ عندَ العَقْدِ وقبلَ الافتراقِ.
والقولُ الأوَّلُ يَشترِطُ مصاحبَةَ قبضِ الرهنِ للعقدِ قبلَ الافتراقِ.
واستدامةُ القبضِ شرطٌ لِصِحَّةِ الرهنِ على قولِ الجمهورِ؛ لظاهِرِ الآيةِ، خلافًا للشافعيِّ؛ لأنَّ رجوعَ الرهنِ ليدِ الراهِنِ يُخرِجُهُ مِن وصفِ القبضِ في الآيةِ.
ثمَّ أمَرَ اللهُ بأداءِ الأمانةِ وتقوى اللهِ فيها، وحَرَّمَ كِتْمانَ الشهادةِ؛ لأنَّ الإيمانَ إذا فُقِدَ، فُقِدَتِ الأمانةُ، وكُتِمَتِ الشهادة، وضاعَتِ الحقوقُ.
* * *
стр. 571
سلسلة منشورات مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض (١٦٦)
التفسير والبيان لأحكام القرآن
تأليف
عبد العزيز بن مرزوق الطريفي
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
المجلد الثاني
[من آل عمران إلى النساء]
стр. 572
التَّفسِيْرُ وَالبَيَان لِأَحكَامِ القُرآن (٢)
стр. 573
جميع حقوق الطبع محفوظة لدار المنهَاج بالريّاض
الطبعَة الأولى
١٤٣٨ هـ
مكتبة دار المِنهَاج للنشر والتَّوزيع
المملكَة العَربيَّة السّعُوديَّة - الرّيَاض
المركز الرئيسي - الدّائري الشرقي - مَخرَج ١٥ - جنوب أسوَاق المجد
ت: ٤٤٥٦٢٢٩ - فاكس: ٤٩٦٢٠١٤ - ص ب: ٥١٩٢٩ - الرّياض: ١١٥٥٣
الفرُوع - طريق خالد بن الوليد (إنكاس سَابقًا) ت: ٢٣٢٣٠٩٥
مكة المكرمة - الجميزة - الطريق النازل للحَرَم - ت: ٥٧٦١٢٧٧/ ٠٢
المَدينَة النَّبويَّة - أمَام الجَامِعَة الإسلامية من جهة الجنوب - ت: ٨٤٦٧٩٩٩/ ٠٤
حِسَاب الدَّار في مَوقع تويتر: Alminhajj@
стр. 574
سُورَةُ آلِ عِمْرانَ
سورةُ آلِ عمرانَ سورةٌ مدنيَّةٌ، وقد حكى الإجماعَ على ذلك غيرُ واحد، وفيها بيانٌ لجملة من الأحكام؛ كالقتالِ والطعامِ وفرضِ الحجِّ والإصلاحِ، وتضمَّنت تثبيت النبي ﷺ وأصحابه، وبيان مَكرِ أعدائِهِمْ كاليهود والنصارى والمنافقِين والمشركِين والتعامُل معهم.
* قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧].
أَنْزَلَ اللهُ كتابَهُ للبيانِ وإقامةِ البُرهانِ؛ ومُقتضَى ذلك أنْ يكونَ بيِّنًا مُحْكَمًا ظاهرًا جليًّا، وهذا هو الأصلُ فيه؛ ولذا سمَّى اللهُ المُحْكَمَاتِ بـ (أمِّ الكتابِ)؛ أيْ: أصلِه، والمقصودُ مِن الكِتابِ: الإحْكَامُ، لا اللَّبْسُ، وأُمُّ الشيءِ: أصلُهُ الذي تَرجِعُ الفروعُ إليه، ولا يَرجِعُ بالضرورةِ إليها؛ كأمِّ القُرى؛ يَقصِدُها أهلُ القُرى جميعًا بقلوبِهم ووُجُوهِهم وأَبْدانِهم، ولا يقصدُ أهلُ أمِّ القُرى جميعَ القُرى.
المحكَمُ والمتشابِهُ في القرآن:
وإحكامُ القرآنِ أصلٌ، والتشابهُ عارضٌ، عندَ كلِّ عربيٍّ بفهمُ لغةَ العربِ التي أُنزِلَ عليها القرآنُ، وليستِ العربيَّةَ المتأخِّرةَ التي دخلَتْها
стр. 575
المُعجْمَةُ، فغيَّرتِ اللِّسانَ وبدَّلَته، فتُسمَّى عربيَّةً في مقابلِ العجميَّةِ، لا بالنسبةِ لفصاحتِها وبيانِها، وما زال اللسانُ العربيُّ يَضعُفُ عندَ العامَّةِ والخاصَّةِ حتى استعجَمَ كثيرٌ مِن القرآنِ على كثيرٍ مِن العربِ.
والمُحْكَمُ ضدُّ المُتشابِهِ، وهو ما لا يحتمل في الشريعةِ إلا قولًا ووجهًا سائغًا واحدًا، وعرَّف أحمدُ المحكَمَ: بأنه الذي ليس فيه اختلافٌ (١) ومرادُهُ: ما استقَلَّ بالبيانِ ننفسِهِ، فلم يحتجْ لغيرِهِ؛ فقد روى ابنُ أبي حاتمٍ، وابنُ المُنذِرِ، والطَّبَرِيُّ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ قال: "مُحْكَمَاتُ الكِتابِ: ناسِخُه، وحلالُه وحرامُه، وحُدُودُه وفرائضُه، وما يُؤمَنُ به ويُعملُ به".
وبنحوِ هذا فال عكرمةُ ومجاهدٌ وقتادةُ وغيرُهم (٢).
والمُتشابهُ: ما تَرَدَّدَ معناهُ بينَ معنيَيْنِ أو أكثرَ بوجهٍ سائغٍ.
روى ابنُ المُنذِرِ وغيرُه، عن عليٍّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ قال: "المُتشابِهاتُ: مَنسُوخُه، ومُقَدَّمُه ومُؤَخَّرُه، وأَمْثالُه وأَقْسَامُه، وما يُؤمَنُ به ولا يُعمَلُ به" (٣).
ما لا يُنْتسخُ من الوحي:
ويدخلُ النسخُ الأحكامَ، ولا يدخُلُ من الوحيِ المنزَّلِ ثلاثةً:
أولًا: العقائدُ؛ لأنَّها إخبارٌ عن الخالقِ وحقِّه، وهي سببُ الإيجادِ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]؛ يعني؛ يُوحِّدوني ويُطِيعوني، ونَسْخُها نسخٌ للحِكْمةِ الأُولى مِنَ الخَلْقِ وإبطالٌ لها؛ ولهذا
стр. 576
تختلفُ شرائعُ الأنبياءِ، وتتَّفقُ عقائدُهم وأصولُ عباداتِهم للهِ؛ قال ﷺ : (وَالأَنبِيَاءُ إِخْوةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ)؛ رواهُ البخاريُّ (١).
والدِّين هو أصُولُهم، والأُصُولُ كالأَنْسَابِ، فيُنسَبُ الأبناءُ لآبائِهم وإنِ اختلَفَتْ أمَّهاتُهم وتعدَّدتْ، وأبناءُ الأمَّهاتِ مَحَارِمُ لأزواجِ آبائهم؛ يعني: أن أصولَ فُرُوعِهم وإنِ اختلَفَتْ فتَختلِفُ صورةً، وَيَبْقَى التَّشابُهُ في أصلِ التشريعِ؛ فالصلاةُ شريعةُ الأنبياءِ واحدةُ، ولكنْ تختلِفُ في صورتِها وعددِها ووقتِها.
والعقائدُ عليها فُطِرَ الإنسانُ، واختلافُ العقائدِ وأصولِ الشرائع تبديلٌ للفِطرةِ: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، وإذا غُيِّرَت أصولُ العقائدِ، فلا بدَّ أنْ تُغيَّرَ الفِطرةُ لِتَتَوَافَقَ معها، ولكن لمَّا كانت أصولُ العقائدِ ثابتةً لا تتغيَّرُ، ثَبتَتِ الفِطرةُ، وقضَى اللهُ بذلك لها: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾.
ثانيًا: الآدابُ والأخلاقُ؛ لأنَّ الإنسانَ فُطِرَ عليها، وهي صِلَتُهُ مع جِنْسِه، ونَسْخُها تبديلٌ للفِطْرةِ وإفسادٌ لصِلَةِ الخَلْقِ؛ كالصِّدْقِ والأمانةِ، والوفاءِ بالعهدِ، وإكرامِ الضيفِ، والعفافِ.
فنَسْخُ العقائدِ إفسادٌ لصِلةِ المخلوقِ بالخالقِ، ونسحُ الأخلاقِ والآدابِ إفسادٌ لصِلَةِ الخَلْقِ فيما بينَهم.
ثالثًا: الأَخبَارُ؛ لأنَّ نسْخَها تكذيبٌ للمُخبِرِ؛ لذا كلُّ ما يُخبِرُ به نبيٌّ مِن أنبياءِ اللهِ، فلا بدَّ أنْ يقَعَ لا يُنسَخَ، والنبيُّ يُخبِرُ عن ربِّه، ونسخُ الأخبارِ تكذيبٌ له سبحانَه.
ويدخُلُ في الأخبارِ أحوالُ السابقِينَ واللاحِقينَ؛ مِن أشراطِ الساعةِ، وأحوالِ الخَلْقِ بعدَ موتِهم مِن حياةِ البرزخِ والبعثِ والنشورِ،
стр. 577
وأخبارِ الغيبِ؛ كالأرواحِ والجِنِّ والملائكةِ، وعُمَّارِ السماءِ، وصفةِ السمواتِ وسُمْكِها، وغيرِ ذلك.
وقولُه تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾: الكتابُ إذا أُطلِقَ في القرآنِ والسُّنَّةِ مجرَّدًا مِن غيرِ عطفٍ يدخُلُ فيه السُّنَّةُ؛ لأنَّها وحيٌ، ولحديثِ زيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنِيِّ وأبي هُريْرَةَ لمَّا أرادَ أن يَقْضِيَ النبيُّ ﷺ في الزِّنى، قال: (لأَقضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ) (١)، فقضَى بحُكْمِه، ومنه التغرِيبُ، وليس التغريبُ في المَتلُوِّ مِن القرآنِ؛ وإنَّما هو مِن السَّنَّةِ.
معنى المُحْكَمِ والمتشابِهِ في القرآنِ:
وللإحكامِ والتشابُهِ في القرآنِ مَعَانٍ متغايرةٌ مِن بعضِ الوُجُوهِ؛ فقد وصَفَ اللهُ القرآنَ كلَّه بالإحكامِ، ووصَفَه كلَّه بالمتشابهِ، وقسَّمَهُ إلى مُحكَمٍ ومتشابهٍ كما في آيةِ آلِ عِمرانَ هذه، فلمَّا وصَفَ اللهُ كتابَه كلَّه بالإحكامِ، قال: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١]، ولمَّا وصَفَهُ كلَّه بالمتشابهِ، قال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، والتشابُهُ في هذه الآيةِ هو في معنى الإحكامِ؛ لأنَّ المرادَ بالمتشابهِ هنا هو مشابهةُ أَحْكَامِ القرآنِ بعضِها بعضًا، فلا يُناقِضُ موضعٌ موضعًا آخَرَ، وهذا نفيٌ للتعارُضِ والتناقُضِ والاختلافِ فيه الحاصلِ في قولِ البشرِ: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
فقولُه: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]؛ أيْ: يُشْبِهُ بعضُه بعضًا، ويُصَدِّقُ بعضُه بعضًا، ويدُلُّ بعضُه على بعضِ؛ قاله سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ وقتادةُ والسُّدِّيُّ وغيرُهم (٢).
стр. 578
وأمَّا في الآياتِ، فقد تكونُ مُتشابِهةً يعَيْنِها، وإذا انضمَّتْ إلى بقيةِ الآياتِ في بابِها، أُحْكِمَتْ وبُيِّنَتْ وزالَ تشابُهُها؛ لأنَّ القرآنَ يُشبِهُ بعضُه بعضًا فلا يتناقَضُ، وهذا المرادُ في قولِه: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣].
أنواعُ المحكمِ والمتشابِهِ:
وهذا هو الإحكامُ العامُّ للقرآنِ، وهو المرادُ في قولِه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]؛ يعني: أنَّ آياتِ الكتابِ أُحكِمتْ جميعًا؛ فما لم يُحْكَمْ بنفسِهِ منفردًا، أُحْكِمَ بآياتٍ أُخرَى مِن الكتابِ تُزِيلُ لَبْسَهُ وما تشابَهَ منه في عقلِ القارئِ وظنِّه؛ ولذا كان إحكامُ القرآنِ على نوعينِ:
إحكامٌ عامٌّ في القرآنِ كلِّه.
وإحكامٌ خاصٌّ في آياتٍ معيَّنةٍ.
والتشابُهُ على نوعينِ:
تشابهٌ عامٌّ في القرآنِ كلِّه؛ يُشبِهُ بعضُه بعضًا، ويُؤكِّدُ بعضه بعضًا، ولا يُوجَدُ منه ما يُناقِضُ الآخَرَ.
وتشابُهٌ خاصٌّ في آياتٍ معيَّنةٍ.
والتشابُهُ العامُّ مِن معاني الإحكامِ العامِّ، والإحكامُ الخاصُّ جزءٌ مِن الإحكامِ العامِّ.
والمتشابِة الخاصُّ يُخالِفُ المُحْكَمَ الخاصَّ، والمُخالَفةُ يُقضَى بها للمُحكَمِ، وقد تكونُ كاملةً بالنسخِ التامِّ، أو مخالِفةً لبعضِه بتقييدِهِ وتخصيصِه.
ولا يترُكُ إحكامَ القرآنِ إلا مَن في قلبِه مرضٌ سابقٌ؛ لِيَأخُذَ بُغيَتَهُ لِيُمِرَّها على الناسِ، فيَستُرَ هواهُ بحُجَّةٍ مِن القرآنِ، فالهوى سابقٌ في قلبِه لم يُوجِدْه القرآنُ؛ ولذا قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، ومَن في قلوبِهم زيغٌ هم المنافِقونَ،
стр. 579
فالمرضُ في قلوبِهم مستقرٌّ قبلَ نظرِهم في القرآنِ، فتعلَّقتْ لهم الشُّبُهاتُ، وأمَّا القرآنُ، فشفاءٌ للمؤمنينَ: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]، وزيادةُ غَيٍّ للمنافِقينَ: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]؛ لأنَّ المؤمِنَ يطلُبُ المُحكَمَ فيَشْفِيهِ، والمنافِقَ يطلُبُ المتشابِهَ فيُمْرِضُه؛ قال اللهُ عن المؤمنينَ: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ الآيةَ [محمد: ٢٠]، وقال عن المنافِقينَ: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾.
وأمراضُ القلوب بالشُّبهاتِ تُعْدِي كأمراضِ الأبدانِ بالعِلَلِ، فيجبُ الحذرُ مِن مجالسةِ أَصحابِها؛ ففي "الصحيحينِ"، عن عائشةَ ﵂؛ قالتْ: تلا رسولُ اللهِ ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، إلى قولِه: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، قالتْ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (فَإِذَا رَأَيْتِ الذينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكِ الذينَ سَمَّى اللهُ؛ فَاحْذَرُوهُمْ) (١).
وقد جعَلَ اللهُ عِلمَ المتشابِهِ عندَ الراسخينَ لا مجرَّدِ العالِمينَ؛ فليس كلُّ عالِمٍ راسخًا، وإنْ كان كلُّ راسخٍ عالِمًا، والعالمُ الراسخُ الذي يعلَمُ المُحكَمَ والمتشابهَ؛ فيُقصَدُ بطلبِها منه، والعالِمُ غيرُ الراسخِ الذي يعلمُ المحكَمَ لا المتشابِهَ، فيُقصَدُ في المُحكَماتِ دون المتشابِهاتِ؛ قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، فيُرجَعُ في فَصْلِ المُتشابهِ إلى أهلِ الرسوخِ في العلمِ، لا إلى مجردِ وصفِ العلمِ.
وفي قوله تعالى: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ إشارةٌ إلى أنَّ القرآنَ لا يتناقضُ
стр. 580
في الحقيقةِ، وربَّما يتناقضُ في الأذهانِ القاصرةِ، فيُؤمِنونَ بجميعِ القرآنِ، ويَفصِلونَ في متشابِهِه بمُحكَمِه.
الحكمةُ مِن وجودِ المتشابِهِ في القرآن:
ووجودُ المتشابهِ في القرآنِ لا يُنافي الحِكْمةَ مِن إنزالِه، وهو الهدايةُ والنورُ والبيِّنةُ وإقامةُ الحُجَّةِ على الخَلْقِ؛ فاللهُ جعَلَ في أصلِ الحِكْمةِ مِن الخَلْقِ ابتلاءَ الناسِ واختبارَهم، والابتلاءُ على نوعينِ:
أولًا: ابتلاءُ الأبدانِ بالآلامِ والأسقامِ، والجروحِ والقتلِ، وغيرِها.
ثانيًا: ابتلاءُ الأذهانِ - وهي العقولُ والقلوبُ - بشهواتِها ونزواتِها وأطماعِها.
وجعَلَ لكلِّ ابتلاءٍ أسبابًا تُمكِّنُ له، ومِن هذا ابتلاءُ اللهِ للعقولِ بالمتشابهاتِ ومدى ثباتِ النفوسِ ومَيْلِها مع وضوحِ المُحكَماتِ البيِّناتِ؛ لِيختبِرَ اللهُ الصادقَ مِن المنافِقِ.
المتشابِه المُطلقُ:
وقد اختَلَفَ العلماءُ في وجودِ المتشابهِ المطلَقِ في القرآن الذي لا يعلمُه أحدٌ إلا اللهُ على قولَيْنِ، واختَلَفُوا في الوقفِ على اسمِ (الله) سبحانَهُ في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾:
فقال بالعطفِ جماعةٌ؛ كابنِ عباسٍ ومجاهدٍ والقاسم بنِ محمدٍ، قال ابنُ عباسٍ: "أنا مِن الراسِخينَ في العِلمِ الذين يَعلَمونَ تأَويلَه" (١).
ومَن قال بذلك، قال: إنَّ اللهَ لم يجعَلْ في كتابِه متشابهًا إلا علَّمَهُ أحدًا مِن العلماءِ، ولا تشابُهَ مطلَقٌ في القرآنِ؛ وإنَّما هو نسبيٌّ يفُوتُ على عالِمٍ أو علماءَ فيَعرِفُهُ عالمٌ أو علماءُ، ولكنَّه لا يتشابَهُ في الأرضِ
стр. 581
كلِّها على كلِّ أحدٍ؛ ويُؤيِّدُ هذا حديثُ النُّعمانِ بنِ بَشِيرٍ في "الصحيحينِ"؛ قال ﷺ : (الحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) (١)، فقال: كثيرٌ، ولم يقلْ: جميعٌ، وقد يُقالُ: إنَّ هذا خاصٌّ بما يُكلَّفُ به العِبادُ عملًا وعبادةً؛ ولذا قال: (الحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ)، فيدخُلُ في المتشابِه مِن أمورِ الأخبارِ والغيبِ ما لا يدخُلُ في التشريعِ حلالًا وحرامًا.
وقد جعَلَ غيرُ واحدٍ مِن السلفِ الحلالَ والحرامَ كلَّه مُحْكَمًا، كما هو ظاهرُ قولِ ابنِ عباسٍ، قال ابنُ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ؛ في قولِه، ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾: ما فيه مِن الحلالِ والحرامِ، وما سوى ذلك فهو متشابِهٌ (٢).
والعطفُ في الآيةِ تشريفٌ للعلماءِ ومَنزِلَتِهم عندَ اللهِ؛ إد عَطَفَهم عليه سبحانَه.
وقال جماعةٌ مِن السلفِ بالوَقْفِ على اسمِ (الله) سبحانَهُ؛ وهو قولُ ابنِ عمرَ، وعائشةَ، وابنِ مسعودٍ، وأُبَيٍّ، ونُقِلَ عن مالكٍ وغيرِه.
والتحقيقُ: أنَّ التشريعَ بالحلالِ والحرامِ لا مُتشابِهَ مطلقٌ فيه؛ لحديثِ النُّعْمانِ؛ لأنَّ اللهَ لا يُكلِّفُ العِبادَ بعملٍ، ثمَّ يجعلُهُ مُتشابهًا عليهم، وأمَّا أمورُ الأخبارِ والغيبِ، فالتشابُهُ المطلَقُ فيها إنْ وُجِدَ فهو نادِرٌ، ويُوكلُ إلى عالِمِهِ وحدَهُ سبحانَه؛ لأنَّ اللهَ قصَدَ في اللفظِ بيانَ معنًى، وما وراءَهُ مِن أمورِ الغيبِ ليس مقصودًا للعقلِ أن يتفكَّرَ فيها، فلا يُسمَّى متشابهًا مطلقًا عليه؛ لأنَّ المُتشابِهَ هو ما يَطلُبُ له العقلُ صورةً أو حقيقةً وتردَّدَ بينَ معنيَيْنِ أو صورتينِ أو أكثرَ بلا مرجِّحٍ، والعقولُ منهيَّةٌ
стр. 582
عن تمثيلِ اللهِ وتشبيهِ صِفاتِهِ بالمخلوقِينَ ولو في الأذهانِ، وهي مطالَبةٌ بفَهْمِ مُرادِ اللهِ مِن ذِكْرِ صفاتِه وأسمائِه؛ بمعرفةِ آثارِها على العِبادِ، والتعرُّفِ على الخالقِ وكمالِه، وجمالِه وجلالِه، وصَرْفِ العبادةِ له وحدَه، وكلُّ ما وراءَ ظواهرِ الأدلةِ في الأسماءِ والصفاتِ ليس مأذونًا للعقولِ أنْ تنظُرَ فيه، فضلًا عن أنْ تدَّعِىَ تردُّدَها في فهمهِ بينَ معانٍ وصورٍ محصورةٍ؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ، فبَحْثُ المِثْلِيَّةِ منهيٌّ عنه، وكلُّ ما وراءَ ظواهرِ الأدلةِ ممَّا يتصوَّرُهُ العقلُ: جهلٌ، والجهلُ لا يكونُ متشابِهًا وإنْ تعدَّدَ في الذهنِ؛ لأنَّ الحقَّ ليس في واحدٍ منها، والمتشابِهُ هو ما تردَّدَ الحقُّ فيه بينَ عِدَّةِ مَعَانٍ مُنقدِحةٍ في الأذهانِ، ولو صحَّ ذلك، لَسُمِّيَ كلُّ جهلٍ: متشابِهًا.
ومَن قال بنفيِ التشابُهِ المطلَقِ في القرآنِ كلِّه، علَّلَ ذلك بمخالَفةِ مقتضَى التنزيلِ، وهو الإحكامُ، ولأنَّ السلفَ لم يترُكُوا آيةً في القرآنِ إلا ولهم تأويلٌ فيها جميعِها، ولو كان في القرآنِ متشابهٌ، لَمَا جَسَرُوا عليه؛ وإنَّما ما يَتَشَابَهُ على أحدٍ يُفسِّرُه غيرُه.
* * *
قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨].
وفي الآيةِ حُكْمُ الإكراهِ، ومُداراةِ الكافِرينَ عندَ خوفِهم، وأصرحُ مِن ذلك في سورةِ النحلِ في قولِه تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، ويكونُ الكلامُ على الآيةِ في النحلِ، بإذنِ اللهِ.
* * *
стр. 583
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٣٥، ٣٦].
ذكَرَ اللهُ نشأةَ عيسى ببيانِ نشأةِ أُمِّهِ، بيانًا لِبُطْلانِ ما يَعْتَقِدُهُ النصارى فيه مِن أنَّه ابنٌ للهِ، تعالى اللهُ عن ذلك، وأسلوبُ القرآنِ عندَ ردِّ وإبطالِ عقيدةٍ: أن يُبَيِّنَ أصْلَها فيَنقُضَه لِتَنتقِضَ هي تَبَعًا؛ فالجدالُ في فروعٍ أُصولُها خاطئةٌ لا يُوصلُ إلى حقٍّ، فيزعُمونَ أنَّ عيسى ابنٌ للهِ، تعالى اللهُ، وعيسى له أمٌّ، وأُمُّه مريمُ، ومريمُ لها أمٌّ وأبٌ، ولهما أمَّهاتٌ وآباءٌ إلى آدمَ، فمِن أين أتَتْ بُنُوَّتُهُ للهِ؟ ! ولذا ذكَرَ اللهُ الزوجيَّةَ بينَ امرأةِ عِمرانَ وعمرانَ، فقال: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾؛ إشارةً إلى الأبوَّةِ والأمومةِ لمريمَ، وذكَرَ الله اسمَ مريمَ، ولم يذكُرِ اسمَ أمِّها في القرآنِ؛ لأنَّ نَسَبَ عيسى يَرجِعُ إلى مريمَ ثمَّ أبيها، لا يَرجِعُ إلى أمِّها، والناسُ تُنسَبُ إلى آبائِهم، واسمُ أمِّ مريمَ: حَنَّةُ؛ على قولِ عِكرِمةَ وقتادةَ؛ فعيسى هو ابنُ مريمَ بنتِ عمرانَ، ولا يقالُ: عيسى ابنُ مريمَ بنتِ حَنَّةَ، وإنَّما ذُكِرتْ مريمُ؛ لأنَّ عيسى نُسِبَ إليها لعدمِ الأبِ، ولمَّا كان لمريمَ أبٌ، تُركَتِ الأمُّ حَنَّةُ، ودُكِرَ الأبُ عِمْرانُ، ولمَّا كانت أمُّ مريمَ لا أثَرَ لها في نسبِ عيسى، قال: ﴿امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾، وفي الآيةِ أنَّ مَن لا يُعرَفُ أبوهُ، لا حَرَجَ أن يُنسَبَ إلى أمِّه.
قولُه: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾:
المُحرَّرُ هو المُتحرِّرُ مِن كلِّ قيدٍ يَصرِفُهُ عمَّا أُرِيدَ له، والمرادُ هنا: الانقطاعُ للكنيسةِ، فيخدُمُها وعُبَّادَها لا ينشغلُ بدُنياهُ عن ذلك.
روى ابنُ جريرٍ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ؛ في قولِه: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾؛ قال: للكنيسةِ يخدُمُها.
стр. 584
وبنحوِه قال الشعبيُّ وقتادةُ وسعيدُ بنُ جُبيرٍ والربيعُ والضحَّاكُ (١).
حكمُ النَّذْرِ؟
وفي الآيةِ: جوازُ النذرِ واستحبابُهُ للعبادةِ في شريعتِهم، وفي ظاهرِ الآيةِ: أنَّ امرأةَ عِمرانَ نذَرَتْ بعدَ حَمْلِها؛ طمعًا في الولدِ الذَّكَرِ، وقيل: إنَّها ندَرَتْ قبلَ حملِها؛ طمعًا في الذريَّةِ وأنْ يكونَ ذَكَرًا.
وقد جاءَ النهيُ عن النبيِّ ﷺ في النذرِ، وقال: (إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيئًا، وَلَكِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ) (٢)، وإنَّما نُهِيَ عن النذرِ؛ لأنَّ الناذرَ يُلزِمُ نفسَهُ بعملٍ صالحٍ إذا رزَقَهُ اللهُ نِعْمَةً، أو كشَفَ عنه نِقْمَةً، وهذا يَحْمِلُه على إساءةِ الظنِّ بربِّه، فيقعُ في النفسِ أنَّ اللهَ لا يُعطِي عَبْدَهُ ويُعافِيهِ إلا إذا تَصَدَّقَ له أو صلَّى وزكَّى وصام ونَحَرَ وغيرَ ذلك مِن العباداتِ، وهذا يُنافي كمالَ ربوبيَّةِ اللهِ لعبادِه ورِزقَهُ للإنسِ والجنِّ وإنْ عصَوْهُ وتكفُّلَهُ برزقِ البهائمِ والذَّرِّ، وحقُّ اللهِ في عبادِه أنْ يعبُدُوه وإنْ حرَمَهم، ولا يعصُوهُ وإنْ وهَبَهم؛ فالعطاءُ يستوجبُ الشكرَ؛ والمنعُ يستوجبُ الصبرَ؛ وكلاهُما يستلزمانِ دوامَ العبادةِ والافتقارِ للهِ.
ويتضمَّنُ النذرُ عجْزَ النفسِ عن التقرُّبِ للهِ طواعيةً إلا بإلزامِ نفسِها بالنذرِ، وحقُّ اللهِ على عبادِه أن يُطاعَ ولا يُعصَى، برِضا النفْسِ وتسليمِها.
وإذا احتاج المؤمِنُ إلى النفعِ ودَفعِ الضُّرِّ فإنه يدْعُو ربَّه ويُلِحُّ في عبادتِه؛ كحالِ نُوحٍ وإبراهيمَ وأَيُّوبَ وموسى وعيسى ومحمدٍ؛ مسَّهُمُ الضُّرُّ، وما ذَكَرَ اللهُ أنَّهم نذَرُوا؛ وإنَّما صبَرُوا ودعَوْا، كحالِ يُونُسَ وهو في بطنِ الحوتِ؛ قال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ
стр. 585
الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وكحالِ أيوبَ وقد طال مرضُهُ؛ فقال: إنِّي ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ [الأنبياء: ٨٣، ٨٤].
والنفوسُ الشحيحةُ لا تُخرِجُ مالَها إلا مع كرهٍ وإلزامٍ، والمؤمِنُ يكتفي بدَفْعِ شُحِّهِ بإيمانِهِ بحقِّ ربِّه عليه، ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩، والتغابن: ١٦].
الوفاءُ لنذرِ المعصيةِ والطاعةِ:
ومَن نذَرَ طاعةً، وجَبَ عليه الوفاءُ بندرِهِ؛ لقولِهِ ﷺ : (مَن نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أن يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ) (١)، وقد مدَحَ اللهُ المُوفِينَ بالنذرِ في كتابِهِ، فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]، وقد جاء ذمُّ آخِرِ الزمانِ لكثرةِ النذرِ بلا وفاءٍ فيه؛ كما في الصحيحِ عن عِمرانَ؛ قال: قال ﷺ : (خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الذينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الذينَ يَلُونَهُمْ - قَالَ عِمْرَانُ: لَا أدْرِي: ذَكَرَ ثِنْتَيْنِ أوْ ثَلَاثًا بَعْدَ قَرْنِهِ - ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ، يَنْذِرُونَ وَلَا يَفونَ) (٢).
وفي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾:
إبطالُ امرأةِ عمرانَ ليمينِها؛ لأنَّ الوفاءَ بها أصبحَ حرامًا، فهي تطمَعُ في ولدٍ ذَكَرٍ، فولَدَتْ أُنثى، والأنْثى لا تُقِيمُ في دُورِ العبادةِ، فتعتكِفُ وتنقطِعُ وَسَطَ الرجالِ، فتَختلِطُ بهم، والوفاءُ بنذرِ الطاعةِ واجبٌ، وإنَّما أبطَلَتْ نَذرَها؛ لأنَّه لا وفاءَ لنذرٍ في معصيةِ اللهِ، وسببُ المعصيةِ في وفائِها يظهَرُ في كلامِ السلفِ في أمرَيْنِ.
стр. 586
أولًا: اختلاطُها بالرجالِ؛ فلا يجوزُ أنْ تُقِيمَ وتُدِيمَ الجلوسَ بينَ الرجالِ الأجانبِ؛ فروى ابنُ جريرٍ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن عِكْرِمةَ مَوْلَى ابنِ عباسٍ؛ قال: "لا ينبَغي لامرأةٍ أنْ تكَونَ مع الرحالٍ" (١).
وعن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾، وإنَّما كانوا يُحرِّرونَ الغِلْمَانَ؛ ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ (٢).
وقال السُّدِّيُّ: إنَّما يُحرَّرُ الغِلْمَانُ؛ يعني: للكنيسةِ (٣).
حكمُ اختلاطِ الرجال بالنِّساءِ:
وفي هذا دليلٌ على حُرْمةِ اختلاطِ الرجالِ بالنساءِ في المَجالِسِ وأماكنِ العملِ الذي يتضمَّنُ قَرارًا، وكذلك مجالسُ التعليم، وتحريمُ اختلاطِ الرجالِ بالنِّساءِ في المجالسِ والمجامعِ الدائمةِ ثابتٌ في سائرِ الشرائعِ، وكانتِ النساءُ مِن بني إسرائيلَ يُصَلِّينَ في دُورِ العبادةِ معزولاتٍ عن الرجالِ، فلمَّا اسْتَشْرَفْنَ للرِّجالِ، مُنِعْنَ مِن ذلك؛ كما رُوِيَ عن عائشةَ وابنِ مسعودٍ.
والاختلاطُ على نوعَيْنِ:
النوعُ الأولُ: اختلاطٌ عابرٌ، وهو مرورُ النساءِ في الطريقِ والسوقِ؛ لقضاءِ الحاجاتِ، وصِلَةِ الأرحامِ، والشراءِ والبيعِ؛ فهذا جائزٌ عندَ الحاجةِ، وقد أَذِنَ اللهُ لأمَّهاتِ المؤمنينَ في خروجِهنَّ لحاجاتِهنَّ، وأسقطَ عن النساءِ صلاة الجماعةِ؛ لفضلِ قَرارِهنَّ في البيوتِ، والواجباتُ لا تسقُطُ إلا لأجْلِ مقصدٍ عظيمٍ.
النوعُ الثاني: اختلاطٌ دائمٌ، وهو اختلاطُ المَجالِسِ والتعليمِ والعملِ؛ فهذا محرَّمٌ بالاتِّفاقِ، ولا يُعلَمُ في مذهبٍ عندَ السلفِ والخلفِ
стр. 587
إباحتُهُ، وإنَّما جَرَى في كثيرٍ مِن بُلْدانِ المسلِمِينَ بعدَ زمنِ احتلالِ النصارى لكثيرٍ مِن بلدانِ المسلِمينَ؛ فاختلَطُوا بهم وطال عليهم الأَمَدُ، فتطبَّعُوا عليه؛ وإلا فلا يُعرَفُ قبلَ عقودٍ قريبةٍ في مصرَ والشامِ والعراقِ واليمنِ فضلًا عن جزيرةِ العربِ.
وقد بَيَّنْتُ أحكامَ الاختلاطِ في رسالةٍ مستقلةٍ فتُنظَرُ، ويأتي مزيدُ نظرٍ في هذا الاختلاطِ عندَ قولِ اللهِ تعالى: ﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١]، وقولِهِ: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [الحجرات: ١١]، وقولِهِ تعالى في قصةِ موسى في القَصَصِ: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص: ٢٣]، وفي قولِهِ في هودٍ: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١]، وفي قولِه في طه والقصصِ: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [طه: ١٠]، ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [القصص: ٢٩]، وتقدَّمَ الإشارةُ إلى ذلك في قولِه: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
ثانيًا: أنَّ المرأةَ تحيضُ ولا تَجِدُ دومًا ما تَسْتَثْفِرُ وتتحفَّظُ به، فيتنجَّسُ المسجدُ إذا أدامَتِ الاعتكافَ فيه بلا انقطاعٍ؛ وبهذا قال قتادةُ والربيعُ وعِكْرِمةُ (١).
وفي الحديثِ: دليلٌ على فضلِ المساجدِ وصيانتِها وتَطْيِيبِها؛ فعن عائشةَ؛ قالتْ: "أمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ ببناءِ المساجدِ في الدُّورِ، وأنْ تُنَظَّفَ وتُطَيَّبَ" (٢).
مرورُ الحائضِ في المسجدِ:
ويجوزُ للحائضِ العُبُورُ للحاجةِ في المسجدِ إذا أَمِنَتِ التنجيسَ؛
стр. 588
قياسًا على الجُنُبِ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]؛ قال به الشافعيُّ وأحمدُ في المشهورِ عنه؛ وهذا على القولِ بأنَّ المرادَ بما يَجْتَنِبُهُ الجُنُبُ هو مَوْضِعُ الصلاةِ.
ومنهم مَن قال: المنعُ لقُرْبِ الصلاةِ، لا موضعِها.
وهما قولانِ للمُفسِّرينَ مِن السلفِ، ويأتي بيانُه في سورةِ النساءِ بإذن الله.
ومَنَعَ مِن المرورِ الحنفيَّةُ؛ لأنَّ الحيضَ أشدُّ مِن الجنابةِ؛ فلا يرَوْنَهُ يُقاسُ عليه.
مكثُ الحائضِ في المسجِدِ:
وأمَّا مُكْثُ الحائضِ في المسجدِ، فقد اختَلَفَ فيه العلماءُ على قولينِ:
الأولُ: المنعُ، وهو قول الأكثرِ، وهو الأَشْهَرُ، ومَن منَعَ مِن العبورِ فيَمنَعُ مِن المُكْثِ مِن بابِ أَوْلى.
الثاني: الجوازُ عندَ أَمْنِ تنجيسِ المسجدِ؛ وذلك لأنَّ النبيَّ ﷺ قال لعائشةَ لمَّا حاضَتْ في حجِّها: (اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ) (١)، وظاهرُ الحديث: أنَّ لها أنْ تدخلَ البيتَ بلا طوافٍ، فلم يمنَعْها مِن دخولِه، وخَصَّ المنعَ بالطوافِ.
ولأنَّ المسلمَ لا ينجُسُ كما في الحديثِ، ومنعُ الجُنُبِ توقيفيٌّ، وأمَّا الحائضُ فنجاستُها في جيضِها، فإنْ تحفَّظَتْ واسْتَثْفَرَتْ وأَمِنَتْ مِن تنجيسِ المسجدِ، جازَ مُكْثُها فيه.
وبهذا قال مالكٌ في قولٍ، وأحمدُ في روايةٍ، والمزنيُّ وابنُ المُنذِرِ وغيرُهم.
стр. 589
وأمَّا حديثُ: (لَا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ) (١)، فقد رواهُ أبو داودَ؛ مِن حديثِ جَسْرَةَ بِنْتِ دجاجَةَ، عن عائشةَ، ولا يصحُّ؛ أَنْكَرَهُ أحمدُ والبخاريُّ والبيهقيُّ وغيرُهم.
وفي "الصحيحِ"، عن عائشةَ: أنَّ وليدةً كانت سوداءَ لحيٍّ مِن العربِ, فأعْتَقُوها فأسلَمتْ، قالتْ عائشةُ: "فكان لها خِبَاءٌ في المسجدِ أو حِفْشٌ" (٢).
ولم يُذكَرْ منعُها أو سؤالُها عن حالِها، وحيضُ النساءِ أطولُ زمنًا مِن الجنابةِ؛ فهو بالأيامِ، والجنابةُ عارضةٌ تُرفَعُ بالاختيارِ، ويجبُ رفعُها عدَ دخولِ الصلاةِ، بخلافِ الحيضِ؛ فهو باقٍ لا يَنْزِلُ ولا يُرفَعُ بالاختيارِ؛ فالحاجةُ لبيانِ حكمِ دخولِ الحائضِ ومُكثِها في المسجدِ ظاهرةٌ؛ كالجنابةِ أو قريبًا منها، ولكنْ غشيانُ الرجالِ للمساجدِ أكثرُ مِن النساءِ، والمرأةُ لا تَقْصِدُ المسجدَ عادةً إلا لصلاةٍ، والصلاةُ مرفوعةٌ عن الحائض، ولا تَبِيتُ فيه كالرِّجالِ، ولكنْ قد تقصدُهُ لغيرِ صلاةٍ كنظافتِه وتَطْيِيبِهِ؛ قد كان لمسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ أمرأةٌ سوداءُ تَقُمُّ المسجدَ؛ كما في "الصحيحينِ" (٣).
واحتجَّ المانِعونَ والمُجِيزونَ بما روَتْهُ عائشةُ، قالتْ: قال لي رسولُ اللهِ ﷺ : (نَاوِلِينِي الخُمْرَةَ مِنَ المَسْجِدِ)، قالتْ: فقلتُ: إنِّي حائضٌ! فقال: (إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ) (٤).
فمَن أخَذَ منه التحريمَ، قال: إنَّ النبيَّ ﷺ أَقَرَّها على منعِ دخولِها؛ لعِلمِها به مِن قبلُ، ولكنَّه أَذِنَ لها في التناوُلِ لا المُكْثِ.
стр. 590
ومَن استدَلَّ بالجوازِ أخَذَه مِن قولِه: (إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ) على مَعْنَيَيْهِ: إمَّا أنَّكِ لا تَملِكِينَ حيضَكِ؛ فهو مِن للهِ فلا يَمْنَعُكِ شيئًا، وإمَّا أنَّ الحيضَ في الفَرْجِ لا في اليدِ، قالوا: وَيظهَرُ مِن كِلا المعنيَيْنِ الإذنُ في الدخولِ، ولم يُقيَّدْ بزمنٍ، ولا حالِ ما أُمِنَ تنجيسُ المكانِ.
وقد روى أبو حفصٍ وابنُ بَطَّةَ؛ مِن حديثِ عبدِ الرزَّاقِ؛ حدَّثَنا الثوريُّ، عنِ المِقْدَامِ بنِ شُرَيْحٍ، عن أبيهِ، عن عائشةَ ﵂؛ قالتْ: "كُنَّ المُعْتَكِفَاتُ إذَا حِضْنَ، أَمَرَ رَسُولُ اللهِ بِإِخْرَاجِهِنَّ مِنَ المَسْجِدِ، وَأَنْ يَضْرِبْنَ الأَخْبِبَةَ فِي رَحْبَةِ المَسْجِدِ، حَتَّى يَطْهُرْنَ" (١).
وهذا الخبرُ لا أعلَمُهُ إلا في كتُبِ الأصحابِ من الحنابلةِ، وجوَّدَ إسنادَهُ ابنُ مُفْلِحٍ، ولا أعلَمُهُ يُروى إلا مِن حديثِ عبدِ الرزَّاقِ تفرَّدَ به عن الثوريِّ.
وقد حُمِلَ هذا على حفظِ المسجدِ مِن التنجيسِ؛ لانعدامِ ما يَتوقَّى به نساءُ ذلك الزمنِ، ولأنَّ الحيضَ يطولُ فيصعُبُ الاحترازُ مِن تنجيسِ المسجدِ به.
وأمَرَ النبيُّ ﷺ النساءَ الحُيَّضَ أنْ يَعْتَزِلْنَ مُصلَّى العيدِ؛ فذلك حتى لا يقطَعْنَ صفوفَ صلاةِ النساء، ولم يكونوا يُصَلُّونَ في مسجدٍ؛ وإنَّما كانت صلاتُهم في فَلاةٍ.
وأما عَرَقُ الجُنُبِ والحائضِ، فلا خلافَ في طهارتِهِ، ويأتي مزيدُ ببانٍ في المسألةِ في سورةِ النساءِ، في قولِهِ تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآيةَ [٤٣].
زمنُ تسميةِ المولودِ:
وفي قولِهِ: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾: تسميةُ لمولودِ عندَ ولادتِهِ فيما
стр. 591
يَظهَرُ؛ وذلك أنَّها سمَّتْهُ عندَما عرَفتْ جنسَهُ ذَكَرًا أم أنثى، وقرينةُ تأكيدِ ذلك قولُها: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، فسمَّتْها وعوَّذَتْها، والتعويذُ يكونُ في أولِ الولادةِ غالبًا.
وقد كان النبيُّ ﷺ يُسمِّي المولودَ عدَ تحنيكِهِ؛ كما ثبَتَ في "الصحيحِ"، عن أنسٍ وغيرِهِ، وقد سمَّى ولدَهُ إبراهيمَ يومَ ولادتِه؛ كما في "صحيحِ مسلمٍ"؛ قال رسولُ اللهِ ﷺ : (وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلَامٌ، فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أبي إِبْرَهِيمَ) (١).
والتسميةُ قبلَ الولادةِ لا بأسَ بها، عندَ معرفةِ جنسِ المولودِ، أو يُسمِّيهِ إنْ كان ذَكَرًا ففلانٌ، وإن كانت أنثى ففلانةُ، وقد بَشَّرَ اللهُ مريمَ بعيسى، وسمَّاهُ لها قبلَ ولادتِهِ؛ قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٥].
وفي بشارةِ اللهِ لزكريَّا بولدِه وتسميتِه له يَحْيَى قبلَ حَمْلِ أمِّه به: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران: ٣٩].
وقد بشَّرَ اللهُ إبراهيمَ وزَوْجَهُ بابنِهما، وسمَّاهُ إسحاقَ، وبابنِ الابنِ قبلَ ولادةِ الابنِ، وسمَّاهُ يعقوبَ؛ قال اللهُ: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١].
وقد جاء في "المسنَدِ"؛ مِن حديثِ سعيدِ بنِ أبي عَرُوبَةَ، وأَبَانَ العَطَّارِ؛ كلاهُما عن قتادةَ، عن الحسنِ, عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ ؛ قال: (كلُّ غُلَامٍ رَهِينٌ بِعَقِيقَتِهِ، تذبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ، ويُسَمَّى) (٢).
ورواهُ همامٌ، عن قتادةَ، به، لكنْ قال: "وَيُدَمَّى"، بدلًا مِن
стр. 592
"ويُسمَّى"؛ أخرَجَهُ أبو داودَ، وقال: وهِمَ همامٌ، وليس يُؤخَذُ بهذا (١).
وحديثُ سَمُرَةَ ليس بصريحٍ في أنَّ التسميةَ تكونُ في السابعِ؛ وإنَّما هو صريحٌ في العقيقةِ، وما في "الصحيحينِ" أصرَحُ وأصحُّ.
وفي تعويذِ امرأةِ عِمْرانَ: استحبابُ الدعاءِ للأحفادِ مع الأولادِ قبلَ مجيءِ الأولادِ.
* * *
• قال تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧].
وفي الآيةِ: إشارةٌ إلى استجابِ الدعاء للمولودِ عندَ ولادتِه ولِمَن وُلِدَ له، وقولُهُ تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ امتنانٌ مِن اللهِ أنِ اسْتَجَابَ دعاءَ امرأةِ عمرانَ أمِّ مريمَ، وامتَنَّ عليها ببيانِ نوعِ استجابتِه، وهو القَبُولُ الحَسَنُ والنباتُ الحَسَنُ، فيُستحَبُّ الدعاءُ بالقَبولِ الحَسَنِ والنباتِ الحَسَنِ للمولودِ.
الدعاءُ للمولود عند ولادتِهِ:
ولا يثبُتُ في السُّنَّةِ دعاءٌ مخصوصٌ للمولودِ عندَ ولادتِه، وليس في ذلك شيءٌ يصحُّ عن الصحابةِ، وأَمْثَلُ شيءٍ ما جاء عن الحسنِ البصريِّ أنَّه علَّمَ إنسانًا التهنئةَ، فقال: "قلْ: بارَكَ اللهُ لك في الموهوبِ، وشكَرْتَ الواهبَ، وبلَغَ أشُدَّهُ، ورُزِقْتَ بِرَّه"؛ رواهُ ابنُ المنذرِ وابنُ عساكرَ (٢).
стр. 593
حضانةُ المولودِ وكفالتُهُ:
وفي الآيةِ: دليلٌ على مشروعيَّةِ الحضانةِ في قولِه: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾، وقد ذكَرَ اللهُ الحضانةَ في كتابِهِ في مواضعَ عديدةٍ تصريحًا وإشارةً؛ كما في قولِه تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]؛ لأنَّ الحُجُورَ جمعُ حَجْرٍ، ولا يكونُ في الحَجْرِ إلا طفلٌ رضيعٌ، وهذه بدايةُ الحضانةِ، وفي قولِهِ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ لتَضَمُّنِ الرَّضَاعةِ للحضانةِ، وفي قولِهِ تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
والحضانةُ هي حفظُ إنسانٍ لا يَسْتَقِلُّ بنفسِهِ ورعايتُهُ؛ كالصبيِّ والمجنونِ، وقد غلَبَ استعمالُه للصغيرِ، وعليه استُعمِلَ لفظُ الحضانةِ؛ لأنَّه يكونُ في الحِضْنِ والحَجْرِ، والكفالةُ أوسعُ مِن معنى الحضانةِ في اللُّغةِ والشرعِ.
وذكَرَ اللهُ الحضانةَ والكفالةَ في كتابِه؛ لحقِّ الصبيِّ في الرعايةِ والحفظِ، وحقِّ والدَيْهِ في اننظامِ حياةِ ابنِهما بلا خوفٍ، وقطعًا للنِّزاعِ الذي يقعُ بينَ الزوجَيْنِ أو أهلِهما عندَ الطلاقِ أو الوفاةِ.
وقولُه: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ أيْ: ضَمَّها إليه بعدَ موتِ والدَيْها، فاسْتَهَمُوا على كفالتِها؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤].
قال مجاهدٌ: "سَهَمَهُمْ بقَلَمِه" (١).
وقال الحسنُ: "تقارَعَها القومُ، فقَرَعَ زكريَّا" (٢).
وفي قراءةِ أهلِ الحجازِ والبصرةِ: "وكَفَلَهَا" بالتخفيفِ؛ أِيْ ضَمَّها هو إليه.
стр. 594
وبينَ مريمَ وزكريَّا قَرَابَةٌ، واختُلِفَ في تعيينِ القرابةِ:
فقيل: خالتُها تحتَ زكريَّا، وهي أمُّ يحيى، وهو قولُ ابنِ إسحاقَ. وقال السُّدِّيُّ وقتادةُ: كانت أختُ مريمَ تحتَ زكريَّا؛ وهذا أقربُ لِمَا في "الصحيحِ"؛ قال ﷺ : (إِذَا يَحْيَى وَعِيسَى، وَهُمَا ابْنَا الخَالَةِ) (١)، وقد يَتجوَّزُ العربُ فيُنْزِلونَ أولادَ الأولادِ بمنزلةِ آبائِهم مع أولادِ أعمامِ الآباءِ وخالاتِهم.
منزلةُ الخالةِ في الحضانةِ:
وكفَّلَ اللهُ مريمَ زكريَّا؛ لأنَّ خالتَها تحتَهُ، والخالةُ بمنزلةِ الأمِّ، وإنَّما جعَلَ الكفالةَ لزكريَّا؛ لأنَّ زكريَّا يكفُلُ زوجتَهُ، وزوجتُهُ تكفُلُ مريمَ؛ فوقَعَ الجميعُ تحتَ كفالةِ زكريَّا؛ لأنَّ الرجلَ يقومُ بالنفقةِ سُكْنَى وكسوةً وطعامًا، وفي هذا إشارةٌ إلى قِوامةِ الرجلِ وولايتِه.
ولأنَّ الخالةَ بمنزلةِ الأمِّ؛ لِمَا ثبَتَ في البخاريِّ "أَنَّ عليًّا وجعفرًا وَزيدَ بنَ حَارِثَةَ ﵃، تنازَعُوا في حضَانَةِ بنتِ حَمْزَةَ بعدَ أَنِ اسْتُشْهِدَ، فَقَالَ عَليٌّ: بنتُ عمِّي، وَعِنْدِي بنتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَقَالَ زيدٌ: بنتُ أخي، وَكَانَ ﵇ قد آخَى بَينَ زيدٍ وَحَمْزَةَ، وَقَالَ جَعْفَرٌ: الحَضَانَةُ لي؛ هِيَ بنتُ عمِّي وَعِنْدِي خَالَتُهَا، فَقَالَ ﵇: (الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ) (٢)، وَسلَّمَهَا إِلَى جَعْفَرٍ وجعَلَ لخالتِها الحَضَانَةَ، وَهِي ذَاتُ زوجٍ".
ولا يَختلِفُ العلماءُ أنَّ الأمَّ أحقُّ بحضانةِ ولدِها عندَ فِراقِها مِن زوجِها، أو عندَ وفاتِه، أو غيابِه؛ ما لم تتزوَّجْ، قد حكَى الإجماعَ على ذلك غيرُ واحدٍ؛ كابن المنذرِ وابنِ عبدِ البَرِّ وغيرِهما.
قال ابن عبدِ البرِّ: "لا أعلمُ خلافًا بينَ السلفِ مِن العلماءِ في
стр. 595
المرأةِ المطلَّقةِ إذا لم تتزوَّجْ: أنَّها أحقُّ بولدِها مِن أبيهِ، ما دامَ طفلًا صغيرًا لا يُميِّزُ شيئًا، إذا كان عندَها في حِرْزٍ وكفايةٍ، ولم يثبُتْ منها فِسْقٌ، ولا تبرُّجٌ" (١).
وإذا تزوَّجَتِ المرأةُ، سقَطَ حقُّها في الحضانةِ بلا خلافٍ؛ لما روى عمرُو بن العاصِ أنَّ امرأةً قالتْ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَحجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَزَعَمَ أَبُوهُ أَنَّهُ يَنْزِعُهُ مِنِّي؟ ! فقال رسولُ اللهِ ﷺ : (أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لم تَنْكِحِي) (٢)؛ أخرَجَه أحمدُ وأبو داودَ؛ مِن حديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه.
الأمُّ مقدَّمةٌ في الحضانة على الأب:
وإنَّما قُدِّمَتِ الأُمُّ في حضانةِ الولدِ؛ لأنَّ ذلك في صالحِها، وصالحِ ولدِها, وصالحِ الأبوَيْنِ جميعًا، وهو إصلاحٌ مِن جهاتٍ ثلاثٍ:
أولًا: لأنَّه أصلَحُ لنفسِ الأمِّ؛ فإنَّ الأمَّ أكثرُ تعلُّقًا بولدِها مِن أبيه، وبُعْدُهُ عنها أشدُّ على نفسِها منه على نفسِ الوالدِ لو ابتعَدَ عنه ابنُهُ، وجَعْلُ ولدِها في حضانتِها أرحمُ بها وأَرفَقُ بحالِها، وهي أحوَجُ إليه مِن والدِه، مع أنَّ الصبيَّ الصغيرَ في أوَّلِ رَضاعِهِ لا يُفرِّقُ بينَ أمِّه وغيرِها.
ثانيًا: لأنَّه أصلَحُ للولدِ؛ فالأمُّ أرحمُ به مِن أبيه، وأرفَقُ عليه منه؛ لأنَّ الأبَ لن يستقلَّ بحضانةِ الولدِ بنفسِه؛ وإنَّما سيَشرَكُهُ غيرُهُ من زوجةٍ وبنتٍ خادمةٍ وغيرِهِنَّ؛ فحضانةُ الأمِّ أعظمُ للولدِ مِن حضانةِ الأبعَدِ منها.
ثالثًا: أنَّ بقاءَ حضانةِ الصغيرِ عندَ أُمِّهِ دافعٌ لصِلَةِ الأبِ بأهلِ ولدِه،
стр. 596
وأدوَمُ للمودَّةِ، وأقربُ لأمِّ الولدِ، وأحفَظُ للعهدِ؛ فالرجلُ أقربُ للقطيعةِ مِن المرأةِ؛ لانشغالِهِ ولقُوَّتِهِ، ورِقَّةِ المرأةِ وضعفِها، ولو كانتِ الحضانةُ عندَه، تثاقَلَ عن صلةِ أهلِ ولدِه، وصلتُهُ لهم أقربُ لعودةِ الزوجَيْنِ بعدَ الطلاقِ لو كان رجعيًّا.
الحضانةُ بعد التمييز:
واتَّفَقَ الأئمةُ الأربعةُ أنَّ الولدَ يكونُ عندَ أُمِّهِ إلى التمييزِ، واختَلَفُوا في بقائِه عندَها بعدَ ذلك على قولَيْنِ:
الأولُ: قالوا: يبقَى الغلامُ إلى بلوغهِ عندَ أمِّه ما لم تتزوَّجْ أمُّه، وأمَّا الجاريةُ، فتبقَى عندَ أمِّها حتى تتزوَّجَ الجاريةُ أو تتزوَّجَ أمُّها؛ وبهذا قال مالكٌ.
الثاني: قالوا: يبقَى الولدُ - غلامًا وجاريةً - عندَ أمِّه، حتى يتمَّ السابعةَ، ويبلُغَ الثامنةَ مِن عمرِه، ثمَّ يُخيَّرُ بينَ أبوَيْهِ؛ وبهذا قال الشافعيُّ وأحمدُ.
وذلك لِمَا روى أبو هريرةَ: أنَّ امرأَةً جاءتْ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقالتْ له: إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أبي عِنبَةَ، وَقَدْ نَفَعَنِي؟ فقال النَّبيُّ ﷺ : (اسْتَهِمَا عَلَيْهِ)، فقال زوجُها: مَنْ يُحَاقُّنِي فِي وَلَدِي؟ فقال النَّبيُّ ﷺ : (هَذَا أَبُوكَ، وَهَذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ)، فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ (١).
سقوطُ الحضانةِ بزواجِ الأمِّ:
وإذا تزوَّجَتِ الأمُّ، سقَطَ حقُّها في الحضانةِ بلا خلافٍ، واختلَفُوا في بَدْءِ سقوطِ حقِّ الحضانةِ، مع اتِّفاقِهم على أنَّه يسقُطُ بدخولِ الزوجِ الجديدِ بها، واختلَفُوا في العقدِ: هل يسقُطُ الحقُّ له قبلَ الدخولِ أم لا؟ على قولينِ:
стр. 597
الأولُ: يسقُطُ؛ وهو قولُ الشافعيِّ.
الثاني: لا يسقُطُ حتى يدخُلَ بها؛ وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّ العلةَ مِن السقوطِ انشغالُها بزوجِها، وتضرُّرُ الولدِ مِن البقاءِ في كَنَفِ وكفالةِ غيرِ ذي قرابةٍ.
وإذا طلَّقَها زوجُها الثاني أو مات عنها، فلها الحقُّ في إرجاعِ ولدِها ما دام في مدةِ الحضانةِ، على اختلافِهم فيه؛ لأنَّ الحقَّ يعودُ بزوالِ مانِعِه، كما يتحقَّقُ بوجودِ سببِه، كما لو أنَّها أسقَطَتْ حقَّها في الحضانةِ عامًا، ثمَّ رجَعَتْ تُريدُه، فلها ذلك، أو خرَجَتْ من البلدِ الذي فيه زوجُها الأول وسلَّمَتهُ لأبيه، ثمَّ رجَعَتْ إلى بلدِه، فلها حضانتُه.
حضانةُ غير المسلِمَةِ:
والولدُ يكونُ في حضانةِ أمِّه ما دامتْ مسلِمةً، على الصحيحِ، وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ، خلافًا لأبي حنيفةَ؛ فلم يُفرِّقْ بينَ المسلمةِ وغيرِها في الحضانةِ، والحقُّ: أنَّ الدِّينَ مُعتبَرٌ حتى لا تنحرِفَ الفِطْرةُ ويتديَّنَ الولدُ بغيرِ دينِ الإسلامِ؛ كما في "الصحيحَيْنِ" وغيرِهما؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ، قال ﷺ : (مَا مِن مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، كَمَا تُنْتِجُونَ البَهِيمَةَ، هَلْ تَجِدُونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ، حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا! ) (١).
الأحقُّ بالحضانةِ بعد الأمِّ من النساء:
واختلَفَ العلماءُ في الأحقِّ بالكفالةِ بعدَ الأمِّ مِن النساءِ:
فذهَبَ عامةُ العلماءِ: إلى أنَّ أمَّ الأمِّ جدةَ الولدِ لأمَّه أحقُّ بالحضانةِ مِن أمِّ أبيه ومِن خالتِه؛ وهذا قولُ أبي خبفة ومالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ وأبي ثورٍ وغيرِهم.
стр. 598
واختلَفُوا فيمَن أحقُّ بالحضانةِ بعدَ أمِّ الأمِّ:
فقدَّمَ الحنفيَّةُ أمَّ الأبِ ثمَّ الأخواتِ على الخالةِ.
وقدَّمَ مالكٌ: الخالةَ على أمِّ الأبِ والأخواتِ.
وقدَّمَ الشافعيَّةُ: أمَّ الأبِ فالأخواتِ فالخالاتِ.
وقدَّمَ الحنابلةُ: الأبَ بعدَ أمِّ الأمِّ، ثمَّ أمَّهاتِ الأبِ، ثمَّ الجَدَّ، ثمَّ أمَّهاتِ الجدِّ، ثمَّ الأختَ، ثمَّ الخالةَ.
وهذا كلُّه لا دليلَ خاصٌّ يقطعُ به مِن الوحي إلا الخالةَ؛ ففي الحديثِ كما تقدَّمَ؛ قال ﷺ : (الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ)، وما عداها أُخِذَ مِن النظرِ والقياسِ على القُرْبِ مِن الرحمِ والأحقِّ بالميراثِ.
ولا حضانةَ لمَن عُرِفَتْ بفِسْقٍ يُؤثِّرُ على الصغيرِ؛ كشُرْبِ الخمرِ أو تَعَرٍّ وسفورٍ في حضانةِ الصغيرةِ فتتربَّى عليه، أو تعليمِهِ مجونَ الرقصِ والطَّرَبِ والدِّيَاثةِ وشِبْهَ ذلك، فهذا يُسقِطُ حقَّ الأمِّ في الحضانةِ، فضلًا عمَّا دونها مِن القراباتِ نساءً ورجالًا.
وكلُّ ما تسقُطُ به ولايةُ الرجلِ على المرأةِ مِن الفسقِ: تسقُطُ له حضانةُ المرأةِ على الصغيرِ مِن بابِ أَولى؛ لأنَّ ولايةَ الرجلِ وقِوامتَهُ أقوَى وأَوْثَقُ؛ فما سقَطَ منها يسقُطُ فيما دونَها مِن بابِ أولى.
* * *
قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ [آل عمران: ٤١].
جعَلَ الله علامةً لزكريَّا وآيةً في قومِهِ: ألَّا يُكلِّمَهُمْ مُدَّةَ ثلاثةِ أيامٍ مِن غيرِ مرضٍ كخَرَسٍ أو شِبْهِهِ، فهو يذكُرُ الله صباحًا ومساءً، ولكنَّه مع
стр. 599
الناسِ لا يَقدِرُ على الحديثِ؛ وإما يكتفِي قال بالإشارةِ والإيماءِ، ومعنى الرمز في قوله تعالى: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾:
قال ابنُ عباسِ: يعني: الإشارةَ والإيماءَ؛ وبقولِه قال قتادةُ والضحَّاكُ والسُّدِّيُّ (١).
وقال مجاهدٌ: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ يعني: الإيماءَ بالشفتَيْن (٢).
وقد جعَلَ اللهُ عدمَ قدرةِ زكريَّا على الكلامِ مدةَ ثلاثةِ أيامٍ، وهو أمرٌ لا اختيارَ له فيه - آيةً مِن اللهِ له مع قومِه, مع قدرتِه على الكلام للهِ تسبيحًا وتهليلًا وذكْرًا للهِ فحَسْبُ، وفي ذلك إشارةٌ إلى أنَّ اللهَ لم يشَأْ أنْ يجعَلَ زكريَّا هاجِرًا لقومِه فوقَ ثلاثةِ أيامٍ، ولو كان بغيرِ اختيارِه وإرادتِه، وباختيارِه مِن بابِ أولى ألَّا يَصحَّ الهجرُ منه لهم؛ لأنَّ اللهَ خلَقَ الناسَ وحثَّهم على الخِلْطةِ والاجتماعِ، ومنعَهم من الافتراقِ والهَجْرِ، والنبيُّ مِن بابِ أولى؛ لأنَّه يُصلِحُ ويُقتدَى به، ويأمُرُ ويَنْهَى.
ولأنَّ طولَ الصمتِ يُخالِفُ أصلَ الفِطرةِ، والهجرُ لنعمةِ الكلامِ كالهجرِ لنعمةِ البصرِ والسمعِ والتفكُّرِ، ولد نَهَى النبيُّ ﷺ عن طولِ الصمتِ كما في "سننِ أبي داودَ"؛ قال: (لا صُمَاتَ يَوْم إِلَى اللَّيْلِ) (٣).
وقيل بأنَّ صَمْتَ زكريَّا كان باختيارِه، وأنَّ اللهَ أذِنَ له في ذلك، ونسَخَ اللهُ الصمتَ لي شرْعَةِ محمدٍ ﷺ .
وفي كونِه اختيارًا نظرٌ؛ فاللهُ جعَلَ عدَمَ كلامِه آية، وعدمُ الكلامِ كلُّ يقدِرُ عليه باختيارِه، والمفسِّرونَ مِن السلفِ على أنَّ ذلك بلا اختيارٍ مِن زكريَّا.
وربَّما كان الناسُ لا يعلَمونَ سببَ صَمْتِه، والصمتُ يتضمَّنُ هجْرَهُ
стр. 600
لهم، والهجرُ لا يجوزُ فوقَ ثلاثٍ؛ فقدَّرَه اللهُ بثلاثةِ أيامٍ.
وقد جاءَ في "الصحيحينِ"؛ مِن حديثِ أنسٍ أن النبيَّ ﷺ قال: (لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَن يَهْجُرَ أخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ) (١).
الهجرُ وأحكامُهُ:
والهجرُ فوقَ ثلاثٍ محرَّمٌ لغيرِ سببٍ شرعيٍّ، ولا تخلُو أسبابُ الهجرِ بينَ الناسِ مِن سببينِ:
السببُ الأولُ: سببٌ مِن حظِّ أنفسِهم ودُنياهم؛ فهذا لا يجوزُ أنْ يُجاوِزَ ثلاثةَ أيامٍ، للحديثِ السابقِ.
ما لم يرتبِطْ أمرُ الدُّنيا بأمرِ الدِّينِ؛ فيَخشَى الإنسانُ مِن الوصلِ فسادَ الدِّينِ، وقطيعةَ الرحمِ، وزيادة الشرِّ والعدوانِ والخصومةِ؛ فذاك يُقدَّرُ بالعدلِ، لا بهوى النفسِ.
السببُ الثاني: سببٌ مِن حقِّ اللهِ؛ كمخالفةِ أمرِ اللهِ بكبيرةٍ؛ مِن شربِ خمرٍ، وسرقةٍ، وكذبٍ, وغِيبةٍ، ونميمةٍ؛ فيُهجَرُ تأديبًا له؛ وهذا على حالينِ:
الأُولى: إذا كان الهجرُ يُؤثِّرُ في المهجورِ وَيَرْدَعُه على الشرِّ ويُبعِدُه عنه، وَيَجلِبُه إلى الخيرِ ويُقرِّبُه منه؛ فهذا متأكِّدٌ؛ قد يُستحَبُّ وقد يجبُ؛ بحسَبِ اليقينِ مِن أثرِهِ في العاصي؛ كما في هجرِ النبيِّ ﷺ للثَّلاثةِ الذين خُلِّفُوا، وهجرِ عبدِ اللهِ بنِ مُغَفِّلٍ لقريبه؛ ففي "الصحيحِ"، عن سعيدِ بن جُبَيْرٍ؛ أنَّ قريبًا لعبدِ اللهِ بنِ مغفَّلٍ خَذَفَ، قال: فنَهَاهُ، وقال: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهَى عن الخَذْفِ، وقال: (إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا، وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا، وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ)، قال: فَعَادَ، فقال: أُحدِّثُكَ أنَّ