← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وأدوَمُ للمودَّةِ، وأقربُ لأمِّ الولدِ، وأحفَظُ للعهدِ؛ فالرجلُ أقربُ للقطيعةِ مِن المرأةِ؛ لانشغالِهِ ولقُوَّتِهِ، ورِقَّةِ المرأةِ وضعفِها، ولو كانتِ الحضانةُ عندَه، تثاقَلَ عن صلةِ أهلِ ولدِه، وصلتُهُ لهم أقربُ لعودةِ الزوجَيْنِ بعدَ الطلاقِ لو كان رجعيًّا. الحضانةُ بعد التمييز: واتَّفَقَ الأئمةُ الأربعةُ أنَّ الولدَ يكونُ عندَ أُمِّهِ إلى التمييزِ، واختَلَفُوا في بقائِه عندَها بعدَ ذلك على قولَيْنِ: الأولُ: قالوا: يبقَى الغلامُ إلى بلوغهِ عندَ أمِّه ما لم تتزوَّجْ أمُّه، وأمَّا الجاريةُ، فتبقَى عندَ أمِّها حتى تتزوَّجَ الجاريةُ أو تتزوَّجَ أمُّها؛ وبهذا قال مالكٌ. الثاني: قالوا: يبقَى الولدُ - غلامًا وجاريةً - عندَ أمِّه، حتى يتمَّ السابعةَ، ويبلُغَ الثامنةَ مِن عمرِه، ثمَّ يُخيَّرُ بينَ أبوَيْهِ؛ وبهذا قال الشافعيُّ وأحمدُ. وذلك لِمَا روى أبو هريرةَ: أنَّ امرأَةً جاءتْ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقالتْ له: إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أبي عِنبَةَ، وَقَدْ نَفَعَنِي؟ فقال النَّبيُّ ﷺ : (اسْتَهِمَا عَلَيْهِ)، فقال زوجُها: مَنْ يُحَاقُّنِي فِي وَلَدِي؟ فقال النَّبيُّ ﷺ : (هَذَا أَبُوكَ، وَهَذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ)، فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ (١). سقوطُ الحضانةِ بزواجِ الأمِّ: وإذا تزوَّجَتِ الأمُّ، سقَطَ حقُّها في الحضانةِ بلا خلافٍ، واختلَفُوا في بَدْءِ سقوطِ حقِّ الحضانةِ، مع اتِّفاقِهم على أنَّه يسقُطُ بدخولِ الزوجِ الجديدِ بها، واختلَفُوا في العقدِ: هل يسقُطُ الحقُّ له قبلَ الدخولِ أم لا؟ على قولينِ:

стр. 597

الأولُ: يسقُطُ؛ وهو قولُ الشافعيِّ. الثاني: لا يسقُطُ حتى يدخُلَ بها؛ وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّ العلةَ مِن السقوطِ انشغالُها بزوجِها، وتضرُّرُ الولدِ مِن البقاءِ في كَنَفِ وكفالةِ غيرِ ذي قرابةٍ. وإذا طلَّقَها زوجُها الثاني أو مات عنها، فلها الحقُّ في إرجاعِ ولدِها ما دام في مدةِ الحضانةِ، على اختلافِهم فيه؛ لأنَّ الحقَّ يعودُ بزوالِ مانِعِه، كما يتحقَّقُ بوجودِ سببِه، كما لو أنَّها أسقَطَتْ حقَّها في الحضانةِ عامًا، ثمَّ رجَعَتْ تُريدُه، فلها ذلك، أو خرَجَتْ من البلدِ الذي فيه زوجُها الأول وسلَّمَتهُ لأبيه، ثمَّ رجَعَتْ إلى بلدِه، فلها حضانتُه. حضانةُ غير المسلِمَةِ: والولدُ يكونُ في حضانةِ أمِّه ما دامتْ مسلِمةً، على الصحيحِ، وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ، خلافًا لأبي حنيفةَ؛ فلم يُفرِّقْ بينَ المسلمةِ وغيرِها في الحضانةِ، والحقُّ: أنَّ الدِّينَ مُعتبَرٌ حتى لا تنحرِفَ الفِطْرةُ ويتديَّنَ الولدُ بغيرِ دينِ الإسلامِ؛ كما في "الصحيحَيْنِ" وغيرِهما؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ، قال ﷺ : (مَا مِن مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، كَمَا تُنْتِجُونَ البَهِيمَةَ، هَلْ تَجِدُونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ، حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا! ) (١). الأحقُّ بالحضانةِ بعد الأمِّ من النساء: واختلَفَ العلماءُ في الأحقِّ بالكفالةِ بعدَ الأمِّ مِن النساءِ: فذهَبَ عامةُ العلماءِ: إلى أنَّ أمَّ الأمِّ جدةَ الولدِ لأمَّه أحقُّ بالحضانةِ مِن أمِّ أبيه ومِن خالتِه؛ وهذا قولُ أبي خبفة ومالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ وأبي ثورٍ وغيرِهم.

стр. 598

واختلَفُوا فيمَن أحقُّ بالحضانةِ بعدَ أمِّ الأمِّ: فقدَّمَ الحنفيَّةُ أمَّ الأبِ ثمَّ الأخواتِ على الخالةِ. وقدَّمَ مالكٌ: الخالةَ على أمِّ الأبِ والأخواتِ. وقدَّمَ الشافعيَّةُ: أمَّ الأبِ فالأخواتِ فالخالاتِ. وقدَّمَ الحنابلةُ: الأبَ بعدَ أمِّ الأمِّ، ثمَّ أمَّهاتِ الأبِ، ثمَّ الجَدَّ، ثمَّ أمَّهاتِ الجدِّ، ثمَّ الأختَ، ثمَّ الخالةَ. وهذا كلُّه لا دليلَ خاصٌّ يقطعُ به مِن الوحي إلا الخالةَ؛ ففي الحديثِ كما تقدَّمَ؛ قال ﷺ : (الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ)، وما عداها أُخِذَ مِن النظرِ والقياسِ على القُرْبِ مِن الرحمِ والأحقِّ بالميراثِ. ولا حضانةَ لمَن عُرِفَتْ بفِسْقٍ يُؤثِّرُ على الصغيرِ؛ كشُرْبِ الخمرِ أو تَعَرٍّ وسفورٍ في حضانةِ الصغيرةِ فتتربَّى عليه، أو تعليمِهِ مجونَ الرقصِ والطَّرَبِ والدِّيَاثةِ وشِبْهَ ذلك، فهذا يُسقِطُ حقَّ الأمِّ في الحضانةِ، فضلًا عمَّا دونها مِن القراباتِ نساءً ورجالًا. وكلُّ ما تسقُطُ به ولايةُ الرجلِ على المرأةِ مِن الفسقِ: تسقُطُ له حضانةُ المرأةِ على الصغيرِ مِن بابِ أَولى؛ لأنَّ ولايةَ الرجلِ وقِوامتَهُ أقوَى وأَوْثَقُ؛ فما سقَطَ منها يسقُطُ فيما دونَها مِن بابِ أولى. * * * قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ [آل عمران: ٤١]. جعَلَ الله علامةً لزكريَّا وآيةً في قومِهِ: ألَّا يُكلِّمَهُمْ مُدَّةَ ثلاثةِ أيامٍ مِن غيرِ مرضٍ كخَرَسٍ أو شِبْهِهِ، فهو يذكُرُ الله صباحًا ومساءً، ولكنَّه مع

стр. 599

الناسِ لا يَقدِرُ على الحديثِ؛ وإما يكتفِي قال بالإشارةِ والإيماءِ، ومعنى الرمز في قوله تعالى: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾: قال ابنُ عباسِ: يعني: الإشارةَ والإيماءَ؛ وبقولِه قال قتادةُ والضحَّاكُ والسُّدِّيُّ (١). وقال مجاهدٌ: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ يعني: الإيماءَ بالشفتَيْن (٢). وقد جعَلَ اللهُ عدمَ قدرةِ زكريَّا على الكلامِ مدةَ ثلاثةِ أيامٍ، وهو أمرٌ لا اختيارَ له فيه - آيةً مِن اللهِ له مع قومِه, مع قدرتِه على الكلام للهِ تسبيحًا وتهليلًا وذكْرًا للهِ فحَسْبُ، وفي ذلك إشارةٌ إلى أنَّ اللهَ لم يشَأْ أنْ يجعَلَ زكريَّا هاجِرًا لقومِه فوقَ ثلاثةِ أيامٍ، ولو كان بغيرِ اختيارِه وإرادتِه، وباختيارِه مِن بابِ أولى ألَّا يَصحَّ الهجرُ منه لهم؛ لأنَّ اللهَ خلَقَ الناسَ وحثَّهم على الخِلْطةِ والاجتماعِ، ومنعَهم من الافتراقِ والهَجْرِ، والنبيُّ مِن بابِ أولى؛ لأنَّه يُصلِحُ ويُقتدَى به، ويأمُرُ ويَنْهَى. ولأنَّ طولَ الصمتِ يُخالِفُ أصلَ الفِطرةِ، والهجرُ لنعمةِ الكلامِ كالهجرِ لنعمةِ البصرِ والسمعِ والتفكُّرِ، ولد نَهَى النبيُّ ﷺ عن طولِ الصمتِ كما في "سننِ أبي داودَ"؛ قال: (لا صُمَاتَ يَوْم إِلَى اللَّيْلِ) (٣). وقيل بأنَّ صَمْتَ زكريَّا كان باختيارِه، وأنَّ اللهَ أذِنَ له في ذلك، ونسَخَ اللهُ الصمتَ لي شرْعَةِ محمدٍ ﷺ . وفي كونِه اختيارًا نظرٌ؛ فاللهُ جعَلَ عدَمَ كلامِه آية، وعدمُ الكلامِ كلُّ يقدِرُ عليه باختيارِه، والمفسِّرونَ مِن السلفِ على أنَّ ذلك بلا اختيارٍ مِن زكريَّا. وربَّما كان الناسُ لا يعلَمونَ سببَ صَمْتِه، والصمتُ يتضمَّنُ هجْرَهُ

стр. 600

لهم، والهجرُ لا يجوزُ فوقَ ثلاثٍ؛ فقدَّرَه اللهُ بثلاثةِ أيامٍ. وقد جاءَ في "الصحيحينِ"؛ مِن حديثِ أنسٍ أن النبيَّ ﷺ قال: (لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَن يَهْجُرَ أخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ) (١). الهجرُ وأحكامُهُ: والهجرُ فوقَ ثلاثٍ محرَّمٌ لغيرِ سببٍ شرعيٍّ، ولا تخلُو أسبابُ الهجرِ بينَ الناسِ مِن سببينِ: السببُ الأولُ: سببٌ مِن حظِّ أنفسِهم ودُنياهم؛ فهذا لا يجوزُ أنْ يُجاوِزَ ثلاثةَ أيامٍ، للحديثِ السابقِ. ما لم يرتبِطْ أمرُ الدُّنيا بأمرِ الدِّينِ؛ فيَخشَى الإنسانُ مِن الوصلِ فسادَ الدِّينِ، وقطيعةَ الرحمِ، وزيادة الشرِّ والعدوانِ والخصومةِ؛ فذاك يُقدَّرُ بالعدلِ، لا بهوى النفسِ. السببُ الثاني: سببٌ مِن حقِّ اللهِ؛ كمخالفةِ أمرِ اللهِ بكبيرةٍ؛ مِن شربِ خمرٍ، وسرقةٍ، وكذبٍ, وغِيبةٍ، ونميمةٍ؛ فيُهجَرُ تأديبًا له؛ وهذا على حالينِ: الأُولى: إذا كان الهجرُ يُؤثِّرُ في المهجورِ وَيَرْدَعُه على الشرِّ ويُبعِدُه عنه، وَيَجلِبُه إلى الخيرِ ويُقرِّبُه منه؛ فهذا متأكِّدٌ؛ قد يُستحَبُّ وقد يجبُ؛ بحسَبِ اليقينِ مِن أثرِهِ في العاصي؛ كما في هجرِ النبيِّ ﷺ للثَّلاثةِ الذين خُلِّفُوا، وهجرِ عبدِ اللهِ بنِ مُغَفِّلٍ لقريبه؛ ففي "الصحيحِ"، عن سعيدِ بن جُبَيْرٍ؛ أنَّ قريبًا لعبدِ اللهِ بنِ مغفَّلٍ خَذَفَ، قال: فنَهَاهُ، وقال: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهَى عن الخَذْفِ، وقال: (إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا، وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا، وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ)، قال: فَعَادَ، فقال: أُحدِّثُكَ أنَّ

стр. 601

رسولَ اللهِ ﷺ نَهَى عنه، ثم تَخْذِفُ؟ ! لا أُكَلِّمُكَ أبدًا (١). وقد هجَرَ عثمانُ ابنَ عوفٍ، وهجَرَ جماعةٌ مِن الصحابةِ والتابعينَ بسببِ مخالفةِ أمرِ اللهِ كثيرًا. الثانيةُ: إذا كان الهجرُ لا يُؤثِّرُ في المهجورِ ولا يَرْدَعُه، بل قد يَزِيدُهُ بُعْدًا وشرًّا وفتنةً، والهاجرُ لا يتضرَّرُ في دِينِهِ مِن قُربِهِ ضررًا يترجَّحُ على ضررِه لو هجَرَهُ؛ فإنَّ الهجرَ حِينئذٍ لا يجوزُ، وكلٌّ بحَسَبهِ، وليستِ العِبْرةُ بمجرَّدِ المعصيةِ، فيُهجَرُ العاصي لأَجْلِها، بل لا بدَّ من أثرِ الهجرِ عليه، ومنزلةِ الهاجرِ من المهجورِ، وتأثُّرهِ وتحسُّرهِ على فقْدِه؛ كالوالدِ مع ولدِه، والأخِ الكبيرِ مع أخيهِ، والشيخِ مع تلميذِه، ومِن أهلِ الكفرِ والمعاصي مَن يُرِيدُ أن يُهْجَرَ؛ لِيَسْلَمَ مِن داعي الخيرِ؛ كما كان كفارُ قريشٍ يرغَبونَ في هَجْرِ النبي ﷺ وإمساكِهِ عنهم، فلا يُريدونَ سماعَه، ووَدُّوا لو ترَكَهم، ومع هذا علِمَ النبيُّ أنَّ هجْرَهم يَزيدُهم بُعْدًا؛ لزُهْدِهم في الخيرِ وداعِيه، فوصَلَهُمْ في النصحِ، وصَبرَ على أذاهُم، ولم يهجُرِ النبيُّ في حياتِه إلا نفرًا يسيرًا، وفي أحوالٍ يسيرةٍ؛ وذلك لأمرينِ: الأولُ: لأنَّ من الناسِ كفارًا معاندين يُريدونَ هَجْرَهُ، ويتمنَّوْنَ ألَّا يسمَعُوا دَعْوَتَهُ، فيُؤثِّرَ فيهم وفي ذَرَارِيهم، فكان الهجرُ في حقِّهم محرَّمًا، والوصلُ لهم مع الصبرِ على دعوتِهم متعيِّنًا. الثاني: أقوامٌ يشتدُّ عليهم الهجرُ، وهو أثقل عليهم مِن حَمْلِ الحَجَرِ، ويقَعُونَ في الخطأ عمدًا وسهوًا، وهجرُهُمْ عقابٌ شديدٌ؛ لمقامِ النبوَّةِ وحبِّهم له وحِرْصِهم عليه، فيْصلِحُهم ويتألَّفُهم ويرحَمُهم ولا يهجُرُهم؛ لأنَّ مَقامَهُ ليس كمقامِ غيرِه، فربَّما اشتدَّ على الواحدِ منهم الهجرُ فضاقَ واشتدَّ له الحَرَجُ، فربَّما انقطَعَ به رجاءُ الوصلِ، وسوَّلَ له

стр. 602

الشيطانُ البُعْدَ والرَّدِّةَ عن دينِه؛ لهذا كان النبيُّ ﷺ أشدَّ الناسِ صبرًا وتحمُّلًا لمُخالِفِيه، ويجبُ أنَّ يكونَ أهلُ اتِّباعِه مِن العلماءِ والمُصلِحِينَ على سبيلِه في هذا. سياسةُ المخالِفِينَ بالخِلْطةِ والهجر: ومِن هذا النوعِ مُنافِقونَ على اختلافِ مراتبِ نفاقِهم، فهجْرُهم يُبعِدُهم، ووَصْلُهُمُ يُؤلِّفُهم وَيَكْفِيهِم والمسلِمينَ شرَّهم، فيُوصَلُونَ ولو أخطَؤُوا؛ لمصلحتِهم؛ فلا يَبتَعِدُونَ، ولمصلحةِ المسلِمينَ؛ ألَّا يُؤذُوهُم فيُوالُوا عليهم عدوَّهم. والواجب على المُصْلِحِ: أنْ يَسُوسَ الناسَ بما يُصلِحُهم ويُقرِّبُهم، وبما يُقلِّلُ شرَّهم وَيزِيدُ في خيرِهم، لا بما يَهْوَاهُ، فربَّما وجَدَ المُصلِحُ في نفسِه حبًّا بهجرِ أحدٍ ومَلَلًا مِن قُرْبِه، فإذا أخطَأَ، مالَتْ نفسُهُ لهجرِه؛ يظنُّ أنَّه يهجُرُ لله وإنَّما يهجُرُ لحظِّ نفسِهِ وهواه. والهجرُ يجبُ أنْ يكونَ بمقدارِ الإصلاحِ؛ فمَن هَجْرُهُ لشهرٍ يُصلِحُه، لا يجوزُ هَجْرُهُ فوقَ ذلك، ومَن هَجْرُهُ لعامٍ يُصلِحُه، لا يجوزُ هجرُهُ فوقَ ذلك، وكلَّما زادَ الهجرُ بلا حاحةٍ، عَظُمَ الإثمُ على الهاجرِ؛ فعن أبي خِرَاشٍ السُّلَمِيِّ ﵁؛ أنَّه سمِعَ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: (مَنْ هَجَرَ أخَاهُ سَنَةً، فَهُوَ كسَفْكِ دَمِهِ) (١). بذلُ السلامِ بالكلامِ والإشارة: وتتضمَّنُ الآيةُ التحيَّةَ بالإشارةِ ممَّن يَعْجِزُ عن الكلامِ؛ لقوله: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾، والأصلُ: مشروعيةُ السلام بالكلام المسموعِ إلا لمَن يَعجِزُ عن الكلام، أو حالَ بينَهُ وبينَ أخيهِ حائلٌ, أو كان المخاطَبُ بعيدًا لا يَسمَعُهُ، أو كان أصمَّ لا يَسمَعُ، فيكتفي بالإشارةِ؛ لما رواهُ النَّسَائِيُّ، عن

стр. 603

أبي الزُّبيرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ؛ أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: (لَا تُسَلِّمُوا تَسْلِيمَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ فَإن تَسْلِيمَهُمْ بِالأَكُفِّ وَالرُّؤُوسِ وَالإِشَارَةِ) (١). ولو قرَنَ الإشارةَ بالسلامِ حتى مع البعيدِ، أو مع مَن حالَ دونَ سماعِه حائلٌ، فهو أَوْلى وأَتْبَعُ للسُّنَّةِ؛ فعن أسماءَ بنتِ يزيدَ الأنصاريَّةِ ﵄، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ مَرَّ في المسجدِ يومًا وعُصْبَةٌ مِن النساءِ قُعُودٌ، فأَلْوَى بيدِه إليهنَّ بالسلامِ، رواهُ أحمدُ والترمذي (٢). وفي قولهِ تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ دليل على فضلِ ذِكْرِ اللهِ، وأنَّ اللهَ اسْتَثْنَى ذِكْرَهُ مِن عجزِ زكريَّا عن الكلامِ؛ لأنَّ الذِّكْرَ غذاءُ القلبِ وبتركِهِ يموتُ، فيَصبِرُ الإنسانُ عن الكلامِ، ولا يَصبِرُ عن ذِكرِ اللهِ؛ فقد روى الطبريُّ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ؛ قال: لو كان اللهُ رخَّصَ لأحدٍ في تَرْكِ الذِّكْرِ، لرخَّصَ لزكريَّا؛ حيث قال: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ (٣). * * * قال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾. [آل عمران: ٣٩]. يُحتمَل في الصلاةِ هنا مَعْنَيَانِ: الأولُ: الدعاءُ. الثاني: الصلاةُ المعروفة عندهم، وبهذا قال السُّدِّيُّ وغيرُه.

стр. 604

وروى معناهُ جعفرُ بنُ محمدٍ عن ثابتٍ. أخرَجَه ابنُ المنذرِ في "تفسيرِه"، وهو ظاهرُ اختيارِ ابنِ جريرٍ. وعلى المعنى الثاني: يحتمِلُ أنْ يكونَ الكلامُ في الصلاةِ مباحًا، كما كان في أولِ الإِسلامِ، ثمَّ نُسِخَ، ويحتملُ أنَّه محرَّمٌ ولكن الملائكةَ كلَّمَتَّهُ لِتُبَشِّرَهُ وهو يسمَعُ لا يتكلَّمُ. الكلامُ في الصلاةِ: ولا خلافَ عندَ علماءِ الإِسلامِ في منعِ الكلامِ في الصلاةِ الذي ليس مِن جنسِ أقوالِها، وأنَّه يُبطِلُ الصلاةَ، على خلافٍ في أدنَى ما يُبطِلُ الصلاةَ مِن الحرفِ والحرفَيْنِ؛ لقولِه ﷺ : (إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ من كَلَامِ النَّاسِ؛ إِنَّمَا هُوْ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ) (١). وأمَّا استماعُهُ لغيرِهِ، فيتَّفِقُونَ على وجوبِ الاستماعِ لما لا تتمُّ الصلاةُ إلا بالاستماعِ إليه؛ كتكبيراتِ الإحرامِ والانتقالِ والسلامِ، فلا تتمُّ المتابعةُ إلا به؛ لقولِهِ ﷺ : (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ؛ فَإِذَا كَبَّرَ فكَبِّرُوا) (٢). وأمَّا حديثُ غيرِ المُصلِّي مع المصلِّي، فعلى قِسمَينِ: الأولُ: ما كان في مصلَحةِ الصلاةِ؛ كدَلالتِه إلى القِبْلةِ، وإرشادِهِ إليها عندَ توجُّهِهِ خطأً إلى غيرِها؛ فهذا يُستحَبُّ ويَتأكَّدُ، وقد يجبُ؛ ففي الصحيحِ عن البَرَاءِ ﵁؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ صلَّى إلى بيتِ المَقدِسِ ستةَ عشَرَ شهرًا، أو سبعةَ عشَرَ شهرًا، وكان يُعجِبُهُ أن تكونَ قِبلتُه قِبَلَ البيتِ، وأنَّه صلى - أو صلَّاها - صلاةَ العصرِ، وصلَّى معه قومٌ، فخرَجَ رجلٌ ممَّن كان صلَّى معه، فمَر على أهلِ المسجدِ وهم راكعونَ، قال: أشهدُ

стр. 605

باللهِ لقد صلَّيتُ مع النبيِّ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ، فدَارُوا كما هم قِبَلَ البيتِ (١). وَيلحَقُ بهذا إعلامُ جبريلَ النبيَّ ﷺ بوجودِ نجاسةٍ في نَعْلَيْهِ وهو يُصلِّي؛ كما رواهُ أحمدُ وأبو داودَ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ؛ قال: بينَما رسولُ اللهِ ﷺ يُصلِّي بأصحابِهِ إذ خَلَعَ نعلَيْهِ، فوضَعَهُما عن يسارِه، فلمَّا رأى ذلك القومُ، أَلْقَوْا نِعالَهُم، فلما قَضَى رسول اللهِ ﷺ صلاتَهُ، قال: (مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟ )، قالوا: رأَيْناكَ ألقَيْتَ نعلَيْكَ، فألقَيْنا نعالَنا، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : (إِنَّ جِبْرِيلَ ﷺ أَتَانِي، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا) (٢)، ويجوزُ سؤالُ المصلِّي وهو في صلاتِه عندَ الحاجةِ. وهذا يُشبهُ حديثَ الملائكةِ مع زكريَّا، فهو حديثُ مَلَكٍ لنبيٍّ وهو في صلاةٍ، وإنِ اختَلَفَ نوعُ الخطابِ؛ فزكريَّا خُوطِبَ بخطابٍ لا يتَّصِلُ بصلاتِهِ، ومحمدٌ ﷺ خُوطِبَ بخطابٍ يتَّصِلُ بها. القسمُ الثاني: الكلامُ مع المُصلِّي واستماعُهُ وهو مُنصِتٌ بكلامٍ لا يتَّصلُ بصلاةِ المصلِّي؛ فهذا الأصلُ فيه الجوازُ، شريطةَ أن يكونَ عارضًا لا طويلًا، كما في قصةِ زكريَّا, ولمَا رَوَى البخاريُّ، عن أسماءَ؛ قالتْ: أتيتُ عائشةَ وهي تُصلِّي، فقلتُ: ما شأنُ الناسِ؟ فأشارتْ إلى السماءِ، فإذا الناسُ قيامٌ، فقالتْ: سبحانَ اللهِ! قلتُ: آيةٌ؟ فأشارتْ برأسِها: أيْ: نَعَم (٣). الإشارةُ في الصلاةِ: وفي حديثِ أسماءَ هذا: دليلٌ على جوازِ ردِّ المُصلِّي على غيرِهِ بالإشارةِ مِن غيرِ كلامٍ، وقد أشارَ النبيُّ ﷺ في صلاتِه؛ كما في

стр. 606

"الصحيحِ"؛ مِن حديثِ جابرٍ؛ قال: أرسَلَني رسولُ اللهِ ﷺ وهو مُنطلِقٌ إلى بَنِي المُصْطَلِقِ، فأتيتُهُ وهو يُصلِّي على بعيرِه، فكلَّمْتُه، فقال لي بيدِه هكذا (١). وما جاء عن أنسٍ؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ : كان يُشيرُ في الصلاةِ (٢). وجاء ذلك من حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ وابنِ عمرَ وغيرِهما، عن النبيِّ ﷺ . والحديثُ الذي يَمْنَعُ مِن ذلك مُنكَرٌ؛ فقد رواهُ أبو داودَ؛ مِن حديثِ أبي غَطَفَانَ، عن أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ - يَعنِي: فِي الصَّلاةِ - وَالتَّصفِيقُ لِلنِّسَاءِ، مَن أشَارَ في صَلَاِتِهِ إِشَارَةً تُفْهَمُ عَنْهُ، فَلْيُعِدْ لَهَا)؛ يَعْنِي: الصَّلَاةَ (٣). وهو حديثٌ مُنكَرٌ، قال أبو داودَ: "هذا الحديثُ وهمٌ". ورَدَّهُ أحمدُ وأبو زُرْعةَ والدارقطنيُّ وغِيرُهم. الكلامُ في الصلاةِ أشدُّ من الحركةِ: والحركةُ أخفُّ مِن الكلامِ في الصلاةِ؛ لأنَّ الكلامَ يَشغَلُ القلبَ وَيَصرِفُ الذهنَ؛ فالكلامُ عادةً يكونُ مع الناسِ، والمُتكلِّمُ لا ينشغلُ بغيرِ كلامِه، وأمَّا الحركةُ، فقد يفعلُها الإنسانُ لنفسِه كَحَكٍّ، أو لغيرِه كَحَمْلٍ، كما حمَلَ النبيُّ ﷺ أمَامَةَ بنتَ زينبَ وهو يُصلِّي، ويمكنُ الجمعُ بينَ حضورِ القلبِ والحركةِ؛ كحكٍّ وحملٍ، ولا يمكنُ الجمعُ بينَ حضورِ القلبِ والكلامِ مع الناسِ؛ لهذا شُدِّدَ في الكلامِ، وخُفِّفَ في الحركةِ في الصلاةِ. بذلُ السلامِ على المصلِّي وردُّ المصلِّي: وأمَّا بَذْلُ السلامِ على المُصلِّي، فمستحَبٌّ على قولِ جمهورِ الفقهاءِ

стр. 607

وأكثرِ السلفِ؛ وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ، وروايةٌ عن أحمدَ، وصحَّ فِعلُه عن ابنِ عمرَ، خلافًا للحنفيَّةِ، وكرِهَه جابرُ بن عبدِ اللهِ، وعطاءٌ؛ فقد روى عبدُ الرزَّاقِ، عن جابرٍ؛ أنَّه قال: "لَوْ مَرَرْتُ بِقَوْمِ يُصَلُّونَ، مَا سَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ" (١). والسلامُ على الجماعهِ أظهرُ في الإشغالِ مِن المنفرِدِ؛ فهم مأمورونَ بالمتابعةِ للإمامِ والإنصاتِ له؛ فالسلامُ قد يُدخِلُ تسليمَ المُسلِّمِ مع تكبيرِ الإمامِ وتسليمِه وقراءتِه، فيَخلِطُ على المأمومِ صلاتَه، ويظهرُ هذا إذا تتابَعَ الناسُ إلى الصلاةِ والإمامُ يُصلِّي بالناسِ، فسلَّمَ كل متأخِّرٍ على جماعةِ الصلاةِ، فيَنشغِلونَ عن واجبِهم بسلامِ الداخِلِينَ عليهم. وظواهِرُ الأدلَّةِ على استحباب السلامِ وعدمِ نسخِه بحالٍ، وتحريمُ الكلامِ على المصلِّي لا يعني مَنعَ السلامِ عليه، لأنَّ العلةَ مِن السلامِ ليستِ التحيةَ والترحيبَ والردَّ عليها فحَسْبُ، بل إشعارُ المسلَّمِ عليه بالسلامِ والأمانِ؛ وهذا مشروعٌ ولو لم يَرُدَّ، فيُشرَعُ السلامُ على الأخرسِ، وعلى مَن لا يَرُدُّ السلامَ عمدًا بسببِ هجرٍ أو قطيعةٍ. والصحابةُ يُفرِّقونَ بين بَذْلِ السلامِ وبينَ ردِّه، فجابرُ يقولُ في بذلِ السلامِ: "لَوْ مَرَرْتُ بِقَوْمِ يُصَلُّونَ، مَا سَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ". ويقولُ في ردِّ السلامِ: "لَوْ سُلِّمَ عَلَيَّ وَأَنَا أُصَلِّي، لَرَدَدتُّ" (٢). ولم يُنكِرِ النبيُّ ﷺ على جابرٍ، حينَما سلَّمَ عليه ولم يَعلَم بنسخِ الكلامِ في الصلاةِ؛ وإنَّما بَيَّنَ له سببَ عدمِ ردِّه عليه، فقال: (إِنَّهُ لم يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي) (٣).

стр. 608

وإذا غلَبَ على الظنِّ جهلُ المُصلِّي بالسُّنَّةِ ومنعِ الكلامِ، فلا يُسلَّمُ عليه؛ خشيةَ ردِّه السلامَ بالكلامِ. حكم رَدِّ المصلِّي السلامَ؟ وأمّا ردُّ السلامِ مِن المُصلِّي على مَن سلَّمَ عليه، فعلى حالينِ: الأُولى: الردُّ بالكلامِ؛ فهذا لا يجوزُ عندَ عامَّةِ الفقهاءِ، وهو قولُ الأئمةِ الأربعةِ، وعامةِ السلفِ، خلافًا لابنِ المسيَّبِ، وبقولِه قال الحسنُ وقتادةُ، فقد صحَّ عنهما القولُ بردِّ السلامِ في الصلاةِ؛ رواهُ عبدُ الرزَّاقِ عن معمرٍ عنهما (١). وصحَّ عن جابرِ قولُهُ: "لَوْ سُلِّمَ عَلَيَّ وَأَنَا أُصَلِّي، لَرَدَدتُّ" (٢). والصحيحُ: المنعُ؛ لاستفاضةِ الأدلةِ المرفوعةِ على المنعِ مِن الكلامِ؛ كما في حديثِ ابنِ مسعودٍ، وزيدِ بنِ أَرْقَمَ، ومعاويةَ بنِ الحَكَمِ، وغيرِها، مع خلافٍ عندَ العلماءِ في بطلانِ الصلاةِ بردِّ السلامِ بالكلامِ على قولَيْنِ: فمَن ردَّ السلامَ بقصدِ ردِّ التحيةِ، وهو الأغلبُ والأصلُ، بطَلَتْ صلاتُه بِرَدِّه. ومَن رَدَّ السلامَ وقصَدَ منه الدعاءَ، فالأصحُّ عدمُ البطلانِ؛ لأنَّه دعاءٌ، كما لو قال رجلٌ خارجَ الصلاةِ لمُصلٍّ: ادْعُ لي، فدَعَا له في صلاتِه، لم تبطُلْ صلاتُه. وردُّ السلامِ بالكلامِ إنَّما مُنِعَ منه ولو قَصَدَ الدعاءَ به؛ لأنه في صورر خطابٍ وردِّ جوابٍ، ويُذهِبُ طُمأنينةَ الصلاةِ وخشوعَها وحضورَ

стр. 609

القلبِ فيها، خاصَّةً إذا كثُرَ الداخِلونَ على المُصلِّي، وقد نَهَى النبيُّ ﷺ وأصحابُهُ معاويةَ بنَ الحكمِ لمَّا شمَّتَ عاطسًا في صلاتِه، ولم يأمُرْهُ بالإعادةِ، وتشميتُ العاطسِ مِثلُ ردِّ السلامِ أو آكَدُ منه، ولكنَّ تشميتَ العاطسِ أَظهرُ في كونِهِ دعاءً خالصًا مِن السلامِ وردِّه، ومع هذا قال ﷺ لمعاويةَ بنِ الحكمِ: (إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ؛ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءةُ الْقُرْآنِ) (١). الثانية: الردُّ بالإشارةِ؛ وهذا مشروعٌ عندَ عامةِ السلفِ، جاء فيه عن جابرِ حديثٌ مرفوعٌ في "صحيحِ مسلمٍ"، وكذلك مِن حديثِ صُهَيْبٍ وبلالٍ وابنِ مسعودٍ وغيرِهم، ولا تخلُو مِن علةٍ سوى حديثِ جابرٍ فهو صحيحٌ، ورُوِيَ مِن فعلِ ابنِ عمرَ وابنِ عباسٍ. ردُّ المصلِّي السلامَ بالإِشارةِ: وأمَّا صفةُ ردِّ السلامِ بالإِشارةِ بلا كلامٍ، فلا يثبُتُ في صفتِهِ صريحًا شيءٌ مرفوعٌ، ولا في مقدارِ رفعِ اليدِ، ولا جهةِ الإشارةِ بها, ولا صفةِ بسطِ الكفِّ. وحديثُ جابرٍ مجمَلٌ، وكذا ما صحَّ عن ابنِ عمرَ في "الموطَأِ"؛ قال: "إِذَا سُلِّمَ عَلَى أَحَدِكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلَا يَتَكَلَّمْ، وَلْيُشِرْ بِيَدِهِ"؛ رواهُ عنه نافعٌ (٢). ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ مصافحةُ المُصلِّي لِمَنْ سَلَّمَ عليه؛ كما رواهُ عبدُ الرزَّاقِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ؛ قال: رأيتُ موسى بنَ جَمِيلِ وكان مُصلِّيًا، وابنُ عباسٍ يُصلِّي ليلًا إلى الكعبةِ قال: فرأيتُ موسى صلَّى، ثمَّ يعودُ، ثمَّ انصرَفَ، فمَرَّ على ابنِ عباسٍ، فسلَّمَ عليه، فقبَضَ

стр. 610

ابنُ عباسٍ على يدِ موسى هكذا - وقبَضَ عطاءٌ بكفِّه على كفِّه - قال عطاءٌ: فكان ذلك منه تحيةً، ولم أرَ ابنَ عباسٍ تَكَلَّمَ (١). ورُوِيَ عن بعضِ السلفِ قولٌ ثالثٌ: وهو أنَّ ردَّ السلامِ لا يكونُ بالإشارةِ ولا بالعِبارةِ؛ وإنَّما يكونُ بعدَ الصلاةِ ردًّا بالكلامِ. صحَّ هذا عن عطاءٍ، وهو قولُ النَّخَعِيِّ وسفيانَ الثوريِّ. الحركةُ في الصلاةِ: والحركةُ في الصلاةِ أخَفُّ مِن الكلام إذا لم تُذهِبِ الطمأنينةَ والخشوعَ؛ لأنَّ الصلاةَ تَبطُلُ بالكلمةِ الواحدةِ من كلامِ الناسِ؛ كاذهَبْ، وانصرِفْ، وتعالَ، ولا تبطُلُ بالحركةِ الواحدةِ والحركتيْنِ اليَسيرتَيْنِ بإجماعِهم. والحركة اليسيرةُ في الصلاةِ لمصلحةِ الصلاةِ: لا بأسَ بها، وكذلك لمصلحةِ أحدٍ خارجَ الصلاةِ بإجابتِه بإشارةٍ، أو إعانتِه بقبضِ يدِه، أو غمزِه، وكذلك المشيُ والحركةُ للحاجةِ والضرورةِ، كقتلِ حيَّةٍ أو عقربٍ، كما جاء في حديثِ أبي هريرةَ ﵁؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (اقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ: الحَيَّةَ، وَالعَقْرَبَ) (٢). ورُوِيَ عن عائشةَ ﵂؛ قالت: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصلِّي تطوُّعًا، والبابُ عليه مُغلَقٌ، فجئتُ فاسْتَفْتَحْتُ، فمشَى ففتَحَ لي، ثمَّ رجَعَ إلى مُصلَّاه، وذكَرَتْ أن البابَ كان في القِبلةِ؛ رواهُ أحمدُ وأصحابُ "السنن" (٣). * * *

стр. 611

قال تعالى ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٣]. أمَرَ اللهُ مريمَ بالصلاةِ له؛ لِتَقْوَى صِلتُها به، ويَعظُمَ ثباتُها، ويَثقُلَ ميزانُها؛ فإنَّ الصلاةَ أعظمُ أعمالِ الجوارحِ، والقنوتُ في الآيةِ: طولُ الركوعِ والسكونُ والخشوعُ فيها؛ قال مجاهدٌ: ﴿اقْنُتِي﴾؛ أيْ: أطِيلِي الرُّكُودَ (١). ومعناهُ: طولُ الانْتِصْابِ بينَ يدَيِ اللهِ؛ وبه قال أبو العاليةِ والربيعُ والأوزاعيُّ. وقيل: المرادُ به الطاعةُ؛ وبه قال قتادةُ وغيرُه (٢). صلاةُ بني إسرائيل: وصلاةُ بي إسرائيلَ ذاتُ ركوعٍ وسجودٍ، ولكن قيل: إنَّها تَختلِفُ عن صلاةِ أهلِ الإسلامِ في عددِ الركعاتِ والصلواتِ والمواقيتِ. وقال بعضهم: إنَّ اللهَ أمَرَها بالركوعِ مع الراكعينَ، والمرادُ: شهودُ حضورِ أماكنِ الصلاةِ في الكنائسِ. وفي هذا المعنى في هذه الآيةِ نظرٌ؛ فإن اللهَ أمَرَها أن تَشْرَكَ العامِلِينَ في عملِها ممَّن سِبَقَها وحضَرَها مِن الصالحينَ؛ وهو كقولِ اللهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]؛ أيَّ: في الاتِّصافِ بصفتِهِمُ الظاهرةِ والباطنةِ، مع أنَّ صلاةَ النساءِ للجماعةِ كانت في بَني إسرائيلَ أوَّل الأمرِ، ثمَّ مُنِعْنَ من ذلك، لِما جاء مِن حديثِ عائشةَ؛ قالت: "لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا أحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ"؛ متَّفَقٌ عليه (٣).

стр. 612

ومُنِعْنَ الجماعةَ؛ لأنَّهُنَّ تَشَرَّفْنَ إلى الرجالِ، والبروزِ لهم؛ كما روى عبدُ الرزاقِ، عن هشام بنِ عروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، قالتْ: "كَانَ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَتَّخِذنَ أَرْجُلًا مِن خَشَبٍ، يَتَشَرَّفْنَ لِلرِّجَالِ فِي المَسَاجِدِ؛ فَحَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِنَّ المَسَاجِدَ، وَسُلِّطَت عَلَيْهِنَّ الحَيْضَةُ" (١). حضورُ النساءِ للمساجِدِ، وفضل صلاتهنَّ بالبيوتِ: وحضورُ النساءِ للمساجدِ في الإِسلامِ جائزٌ، وصَلاتُهنَّ في بُيُوتِهنَّ أَفْضَلُ، وصلاةُ الليلِ منهنَّ أخَفُّ مِن صلاةِ النهارِ؛ لأنَّها أستَرُ، ويتَّفِقُ السلفُ على أنَّ صلاةَ المرأةِ في بيتِها أفضلُ مِن صلاتِها جماعةً، وظاهرُ الأصولِ: أنَّ أجْرَها في بيتِها ولو منفردةً كأجرِ الرجُلِ في جماعةٍ؛ كما في الحديثِ: (بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) (٢)، لأمرينِ: الأولُ: أنَّ مقتضَى تفضيلِ النبيِّ ﷺ لهنَّ الصلاةَ في البيوتِ: يُفِيدُ فضلَ صلاةِ البيوتِ على المساجدِ جماعةً، وهنَّ لا يُدْفَعْنَ إلى عملٍ ويكونُ غيرُهُ المأمورُ بتركِهِ أعظمَ أجرًا منه. الثاني: أنَّ الأصلَ في عملِ الرجلِ والمرأةِ التَّساوِي في الثوابِ والعقابِ؛ فالحسنةُ بعَشْرِ أمثالها إلى سبعِ مِئةِ ضعفٍ، والسيئةُ بمِثلِها، وكلُّ عملٍ يعملُهُ الجنسانِ يتساويانِ في الثوابِ فيه، إذا أتَيَا بالصورةِ المشروعةِ لكلِّ واحدٍ منهما. وهذا مُقتضَى العدلِ الإلهيِّ في الجزاءِ، وكذلك فإنَّ مُقتضَى العدلِ الإلهيِّ في التشريعِ: أنَّ كلَّ عملٍ يختصُّ به الرجلُ، ولا يُناسِبُ فِطْرةَ المرأةِ، إلا وجعَلَ اللهُ مُقابلَهُ عملًا آخَرَ للمرأةِ لو عمِلتْهُ، لَنَالَتْ ثوابَ الرجلِ في عملِه، كما في الجهادِ شُرِعَ للرِّجالِ، وجُعِلَ الحجُّ للنساءِ؛

стр. 613

ففي البخاريِّ عن عائشةَ؛ قالتِ: استأذنتُ النبيَّ ﷺ في الجهادِ، فقال: (جِهَادُكُنَّ الحَجُّ) (١). وأظهَرُ منه: ما في البخاريِّ عنها؛ قالتْ: يا رسولَ اللهِ، نَرَى الجهادَ أفضلَ العملِ؛ أفلا نُجاهِدُ؟ قال: (لَا؛ لَكُنَّ أَفْضَلُ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ) (٢). مع أنَّ الجهادَ المفروضَ أعظمُ مِن فريضةِ الحجِّ، ونافلةَ الجهادِ أعظمُ مِن نافلةِ الصلاةِ للرِّجالِ؛ فمَن تَعَيَّن عليه الجهادُ العاجِلُ لا يجوزُ له الانصرافُ إلى الحَجِّ؛ ولو كانَتْ حَجَّةَ الإِسلامِ. ومِن عدلِ اللهِ في عبادِهِ: أنَّ اللهَ لا يجعلُ في أحدِ عبادِهِ سببًا قدريًّا ينالُ به الأجرَ العظيمَ، ولا يكونُ للمحرومِ مِن ذلك السببِ ما يُماثِلُهُ أو يُقابِلُهُ ولو مِن غيرِ جِنسِهِ لو عَمِلَ به لَمَاثَلَ غيرَهُ في الأجرِ؛ كالمالِ؛ فاللهُ يررزُقُ عبادَهُ ولو بلا سببٍ؛ كمَن يَرثُ خيرًا، أو يُهدَى إليه الززقُ فيَغتَنِي، لا يُقالُ: إنَّ الفقيرَ ليس لدَيْهِ مِن العملِ ما لو فعَلَهُ لا يساوي الغنيَّ؛ فاللهُ لا يُعطِّلُ الأسبابَ في العِبادِ، ثمَّ يُحاسِبُهم على ذلك؛ فاللهُ تعالى جعَلَ للفقراءِ الذِّكْرَ يَلْحَقُونَ به أهلَ الغِنَى؛ ففي "الصحيحَيْنِ"، عن أبي هريرةَ ﵁؛ أَنَّ فُقَرَاءَ المُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُول اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ العُلَا، وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ، فَقَالَ: (وَمَا ذَاكَ؟ )، قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصدَّقُونَ وَلَا نَتَصدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (أَفَلَا أُعَلِّمُكُمُ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟ )، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: (تُسَبِّحُونَ، وَتكَبِّرُونَ، وَتَحْمَدُونَ، دُبُرَ كُل صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاِثينَ مَرَّةً)، قَالَ أبُو صَالِحٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ

стр. 614

الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (ذلك فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ من يَشَاءُ) (١). فإنْ سبَقَ الغنيُّ بالمالِ فيُسابِقُهُ الفقيرُ بالذِّكْرِ، وإنْ أكثَرَ الغنيُّ يُكثِرُ الفقيرُ، فالأسبابُ بينَ أيدِيهِم، والمحرومُ مَن ترَكَ العملَ وقد تهيَّأتْ له أسبابُه. بل لو تمنَّى العاجزُ أنْ يكونَ غنيًّا، فيُنفِقَ كما يُنفِقُ الغنيُّ صادقًا مِن قلبِهِ، لآتاهُ اللهُ أَجْرَهُ ولو لم يَعمَلْ. صلاةُ المرأةِ في بيتها أفضل من صلاِتها في المسجِدِ: ولا أرَى أنَّ السلفَ يَختلِفونَ في أنَّ صلاةَ المرأةِ في بيتِها أفضلُ مِن صلاتِها في الجماعةِ؛ وقد روى الطبرانيُّ، عن النخَعيِّ، عن ابنِ مسعودٍ؛ قال: "صَلَاةُ المَرْأَةِ فِي البَيْتِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِهَا فِي الدَّارِ، وَصَلَاتُهَا فِي الدَّارِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِهَا خَارِجَهُ" (٢)، ولا أعلمُ مَن قال بخلافِه مِن الصحابةِ والتابعِين. وقد نقَلَ إجماعَ العلماءِ على ذلك ابنُ عبدِ البرِّ. وقولُه ﷺ : (لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ) (٣): خطابٌ للأولياءِ، لا حثٌّ للنساءِ، وغايتُهُ لهنَّ الجوازُ، فلا يجوزُ للأولياءِ أنْ يَمْنَعُوهُنَّ إذا أَرَدْنَ الصلاةَ في المساجدِ بلا رِيبةِ حقٍّ، إلا صلاةَ النهارِ، فلهم مَنْعُهُنَّ منها؛ فقد جاء النهيُ مقيَّدًا في البخاريِّ بصلاةِ الليلِ؛ فعنِ ابنِ عمرَ ﵄، عن النبيِّ ﷺ ؛ قال: (إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إلَى المَسْجِدِ، فَأْذَنُوا لَهُنَّ) (٤).

стр. 615

وتقييدُ الإذنِ بالليلِ دليلٌ على أن أنَّ شهودِ الجماعةِ للنساءِ في الحاجدِ مفضولٌ. وأمَّا الزيادةُ في حديثِ ابنِ عمرَ: "وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ"، فقد روَاهَا أبو داودَ في "سُنَنِه"؛ مِن حديثِ حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن ابنِ عمرَ (١)، وقد روى الحديثَ عنه نافعٌ وسالمٌ ومجاهدٌ، ولم يذكُرُوها. وروى الحديثَ عن النبيِّ ﷺ : عائشةُ، وزيدُ بنُ خالدٍ الجُهَنِيُّ، وأبو هريرةَ، ولم يَذْكُرُوها، وهي زيادةٌ غيرُ محفوظةٍ في حديثِ ابنِ عمرَ. وقد جاء معناها عندَ أحمدَ مِن حديثِ أُمِّ حُمَيدٍ امرأةِ أبي حُمَيدٍ الساعديِّ: "أَنَّهَا جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ مَعَكَ، قَالَ: (قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلَاةَ مَعِي، وَصَلَاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاِتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي دَارِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي دَارِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاِتِكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِي)، قَالَ: فَأَمَرَتْ فَبُنِيَ لَهَا مَسْجِدٌ في أَقْصَى شَيْءٍ مِن بَيْتِهَا وَأَظْلَمِهِ، فَكانت تُصَلِّي فِيهِ حَتَّى لَقِيَتِ اللهَ " (٢). وروى الطبرانيُّ نحوَهُ مِن حديثِ أمِّ سَلَمةَ. وروى أحمدُ مِن حديثِ درَّاجِ أبي السَّمْحِ، عن السائبِ، عن أمِّ سلمةَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ ؛ قال: (خَيْرُ مَسَاجِدِ النِّسَاءِ قَعْرُ بُيُوتِهِنَّ) (٣). وخروجُ المرأةِ بلا حاجةٍ غيرُ مندوبٍ إليه في الشريعةِ، والصلواتُ الخمسُ دائمةٌ في كلِّ يومٍ، ولو خُوطِبَتْ بفضلِ الجماعةِ كالرَّجُلِ، ما كان لأمرِ حثِّها على القَرارِ في بيتِها معنًى، وهي تَغْدُو وتَرُوحُ في اليومِ عشرَ

стр. 616

مراتٍ: خمسًا في الذَّهابِ، وخمسًا في الإيابِ، وإنْ لم تَفْتِنْ غيرَها، فتَنَتْ نفسَها، والمرأةُ مجبولةٌ على القناعةِ بتأثيرِها في الرجلِ أكثرَ مِن قناعةِ الرجلِ بتأثيرِهِ في المرأةِ، فلا تخلُو مِن فتنةِ الرجلِ أو فتنةِ نفسِها؛ فقد روى أبو الأحوصِ، عن ابنِ مسعودٍ؛ قال: "إِنَّ المَرْأةَ عَوْرَةٌ، وَإِنَّهَا إِذَا خَرَجَت مِن بَيْتِهَا، اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَان، فَتَقُولُ: مَا رَآنِي أَحَدٌ إِلَّا أَعْجَبْتُهُ، وَأَقْرَبُ مَا تَكُونُ إِلَى اللهِ إِذَا كانت فِي قَعْرِ بَيْتِهَا" (١). * * * * قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾ [آل عمران: ٤٤]. امْتَنَّ اللهُ على نبيِّه ﷺ بأنْ عَلَّمَهُ - مِن غَيْبِ الماضِينَ - تفصيلَ حالِ نبيِّ اللهِ عيسى وأُمِّهِ ووالدَيْها وكافِلِيها ونشأتِها وعبادتِها ورِزْقِه لها، ثمَّ بشارتِها بولادتِها لعيسى، ثمَّ قَصَّ عليه زمانَهُ ومكانَه، وحالَ أُمِّه مع الناسِ بعدَه، فهذا غيبٌ لا يُدرِكُه أحدٌ ولو كان في زمانِهم، وهذا كلُّه إبطالٌ لعقيدةِ النصارى في عيسى؛ لِيكونَ النبيُّ ﷺ على عِلمٍ بدقائقِ حالِ عيسى ونشأتِه وأُمِّه، وليكونَ على بيِّنةٍ ببطلانِ فِرْيَتِهم وكَذِبِهم على اللهِ. أحكامُ القُرْعةِ: وفي قول تعالى ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ دليلٌ على جوازِ العملِ بالقُرْعَةِ، وأنَّها مُلزِمةٌ لِمَنْ رَضِيَ بها وتخاصَمَ إليها، خلافًا لبعضِ الحنفيَّةِ في قولِ

стр. 617

مَن قال بالقُرْعةِ منهم، جعَلَوها غيرَ مُلزِمةٍ؛ وإنَّما هي لتطيب النفوسِ، ورفعِ تهمةِ المحاباة في القِسْمةِ. ومِن ذلك: قَولُهُ تعالى في الصَّافَّاتِ: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [١٣٩ - ١٤١] , والمُساهَمةُ ها القُرْعةُ. وهذانِ الموضِعانِ مِن القرآنِ أصلٌ في جوازِ القُرْعةِ ومشروعيَّتِها. والقُرْعةُ في كفالةِ مريمَ: وضعُهُمْ لأقلامِهم على صفةٍ اللهُ أعلمُ بها، فليس في الباب شيءٌ مرفوعٌ، وقال غيرُ واحدٍ مِن السلفِ: إنَّ المرادَ بالأقلامِ أقلامُ الَكتابةِ، وقيل: هي القِدَاحُ، وقيل: هي العِصِيُّ. فقيل: إنَّهم رمَوُا القِدَاحَ في النهرِ، فانْحَدَرَتِ القِدَاحُ مع جِرْيَةِ الماءِ، وبَقِي قِدْحُ زكريَّا مُرْتَزًّا صاعدًا. ولا يَقترِعُ الناسُ إلا عندَ التنازُعِ وتساوِي الحقوقِ واشْتِبَاهِها، وقد تَرْجَمَ البخاريُّ على ذلك بقولِه: (باب القُرْعةِ في المشكِلاتِ وقولِ اللهِ : ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾) (١). وأمَّا عندَ ظهورِ صاحِبِ الحقِّ، فلا قُرْعةَ؛ لأنَّ القرعةَ شُرِعَتْ لرفعِ النِّزاع والخصومةِ، وشُحِّ النفوسِ وطمعِها؛ وهذا لا يكون إلا عندَ تساوِي الحقِّ واشتباهِهِ بينَ مُدَّعِيهِ، وأمَّا عندَ ظهورِ صاحِبِ الحقِّ، فالقرعةُ انتزاعٌ للحقِّ بالباطلِ، وأكلٌ له بغيرِ حقٍّ. وإنَّما تنازَعَ بنو إسرائيلَ في مريمَ؛ لأنَّها بنتُ سيِّدِهم عِمْرانَ، فكل واحدٍ طَمِعَ في كفالتِها والسبقِ بحضانتِها احتسابًا وَجَاهًا. والقُرْعةُ جائزةٌ، بل قد تُستحَبُّ وتجبُ إذا كان النِّزاعُ لا يُرفَعٌ إلا

стр. 618

بها، فما لا يُدفَعُ المُحرَّمُ إلا به فهو واجبٌ إذا لم يكنْ محرَّمًا هو في ذاتِه، وما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجبٌ. وبجوازِ القُرْعةِ يقولُ السلفُ؛ وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ، وعن أبي حنيفةَ في ذلك قولانِ: الأولُ: التحريمُ؛ لمشابهتِها للأَزْلامِ، وبهذا قال أصحابُه، وذهَبَ إلى هذا جماعةٌ مِن الكوفيِّينَ وقالوا بنسخِ القرعةِ. وقيَّدَه الطحاويُّ: بأنَّ القرعةَ المنسوخةَ: التي تقومُ مقامَ البيِّنةِ القاطعةِ في الأحكامِ، لا القُرْعةُ التي تكونُ لتطييبِ النفوسِ كالقرعةِ بين الزوجاتِ في السفرِ ونحوِ ذلك، وعلَّلَ ذلك: بأنَّه يجوزُ له أنْ يُسافِرَ دونَهنَّ، وليس لهنَّ حقٌّ في أصلِ الصُّحْبةِ، وإذا جاز تَرْكُهنَّ جميعًا، فيجوزُ له أنْ يترُكَ بعضَهنَّ. وفي هذا الإطلاقِ نظرٌ؛ فإنَّ الزوجاتِ إذا اسْتَوَيْنَ مِن جهةِ القدرةِ على السفرِ والقيامِ بحقِّ الزوجِ فيه، وجَبَ الإقراعُ بينَهنَّ، وإذا اخْتَلَفْنَ في الحالِ، فيُفرَّقُ بينَ المريضةِ والصحيحةِ، ومَن لا تَجِدُ مَن يَخلُفُها في ذُرِّيَّتِها ومَن تجدُ مَن يخلُفُها؛ وهذا قول جمهورِ العلماءِ؛ قال به أبو حنيفةَ على الاستحبابِ، وإلى الوجوب ذهَبَ الشافعيُّ وأحمدُ، وهو أحدُ أقوالِ مالكٍ، وقد فعَلَهُ النبيُّ ﷺ مع أنَّ القَسْمَ عليه ليس بواجبٍ على الأصحِّ، وهو على غيرِه واجبٌ؛ لأنَّ السفرَ بواحدةٍ منهنَّ بلا قرعةٍ ميلٌ وتفضيلٌ ومدعاةٌ للخصومةِ والنزاعِ وقطيعةِ الأرحامِ بينَ الذُّرِّيَّةِ. ومَن أقرَعَ بينَ نسائِهِ، فسافَرَ بواحدةٍ منهنَّ، لا يجبُ عليه أنُ يَقْسِمَ لمَن غاب عنهنَّ مِثْلَ أيامِ سفرِه؛ لأنَّه لا معنى للقرعةِ إذًا، فهي تَفصِلُ في الحقوقِ المشترَكةِ، ومَن أخَذَ واحدةً بلا قرعةٍ، وجَبَ عليه أن يَقسِمَ لمَن غابَ عنهنَّ مِثلَ أيامِ سفرِهِ أو يَتَحَلَّلَ منهنَّ.

стр. 619

القولُ الثاني: ما نقَلَه ابنُ المنذرِ عن أبي حنيفة: أنَّه جوَّزَها، وقال: القُرْعةُ في القياسِ لا تستقيمُ، ولكنَّا ترَكْنا القياسَ في ذلك، وأخَذْنا بالآثارِ والسُّنَّةِ. والعملُ بالقرعةِ بلَغَ التواتُرَ في السُّنَّةِ، وهو قطعيٌّ في الكتابِ؛ قال أبو عُبَيْدٍ: "وقد عَمِلَ بالقرعةِ ثلاثةٌ مِن الأنبياءِ: يونُسُ وزكريَّا ونبيُّنا محمدٌ ﷺ ". وثبَتَتِ القُرْعةُ في السُّنةِ في أحاديثَ كثيرةٍ، في "الصحيحينِ"، وغيرِهما: منها: حديثُ عائشةَ؛ قالت: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أرَادَ سَفَرًا، أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ؛ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بها مَعَهُ" (١). وجاء مِن حديثِ زينبَ وغيرِها. ومنها: حديثُ أبي هريرةَ؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا في النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لم يَجِدُوا إِلَّا أن يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ، لَاسْتَهَمُوا)؛ رواهُ الشيخانِ (٢). ومنها: حديثُ النُّعْمانِ بنِ بَشِيرِ مرفوعًا: (مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ … )؛ الحديث؛ رواهُ البخاريُّ وغيرُه (٣). ومنها: حديثُ أمِّ سلمةَ؛ قالتْ: أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ فِي مَوَارِيثَ لَهُمَا، لم تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ إِلا دَعْوَاهُمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ , فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَبَكَى الرَّجُلَانِ، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: حَقِّي

стр. 620

لَكَ، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ : (أَمَّا إِذْ فَعَلْتُمَا مَا فَعَلْتُمَا، فَاقْتَسِمَا، وَتَوَخَّيَا الحَقَّ، ثُمَّ اسْتَهِمَا, ثُمَّ تَحَالَّا) (١). ومنها: حديثُ عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ: "أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، لم يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأرَقَّ أَرْبَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا"؛ أخرَجَه مسلمٌ وغيرُه (٢). ومنها: ما رواهُ البخاريُّ، عن أبي هريرةَ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ عَلَى قَوْمِ اليَمِينَ، فَأَسْرَعُوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي اليَمِينِ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ" (٣). ومنها: ما جاء عن أبي هريرةَ: "أنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا دَابَّةً، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَأَمَرَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْتَهِمَا عَلَى اليَمِينِ" (٤). ورُوِيَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أقرَعَ عامَ خَيْبَرَ، وقد كان الناسُ ملَكُوا مِلْكًا مُشَاعًا، فلمَّا كانتِ القرعةُ، زال مِلْكُ كلِّ واحدٍ منهم عن بعضِ ما كان يَملِكُ، وملَكَ شيئًا لم يكنْ بمِلْكِهِ على الكمالِ. وجاء عن خارجةَ بنِ زيدِ بنِ ثابتٍ، عن أمِّ العَلَاءِ الأنصاريَّةِ، قالتْ: نزَلَ رسولُ اللهِ ﷺ والمُهاجِرونَ معه المدينةَ في الهجرةِ، فتَشَاحَّتِ الأنصارُ فيهم أنْ يُنزِلُوهُم في منازلِهم حتى اقترَعُوا عليهم، فطارَ لنا عثمانُ بنُ مَظْعونٍ على القُرْعةِ؛ تعني: وقَعَ في سَهْمِنا (٥).

стр. 621

وقد أَقَرَّ النبيُّ ﷺ عليَّ بنَ أبي طالبٍ على أَخْذِهِ بالقُرْعةِ في إلحاقِ النَّسَبِ لولدٍ بأبٍ له في ثلاثةٍ وقَعُوا على امرأةٍ في طُهْرٍ واحدٍ؛ كلُّهم يَدَّعِي الولدَ له، فأقرَعَ بينَهم ودفَعَ الولدَ لِمَنْ خرَجَتْ قُرْعتُهُ وألزَمَهُ بثُلُثِ الدِّيَةِ، فبلَغَ النبيَّ ﷺ ذلك، فضحِكَ حتى بدَتْ نواجذُه. أخرَجَهُ أحمدُ وأبو داودَ وغيرهما (١). وعَمِلَ بالقُرْعةِ عثمانُ وعبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيْرِ. وأقرَعَ سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ عندَما أُصِيبَ المؤذِّنُ في القَادِسِيَّةِ، فاختَصَمَ الناسُ على الأذانِ؛ رواهُ الطبريُّ، عن شقيقٍ، عنه (٢). وأقرَعَتْ صَفِيَّةُ بنتُ عبدِ المُطَّلِبِ بينَ شقيقِها حمزةَ وبينَ أنصاريٍّ على ثوبينِ: أيُّهما أحقُّ بالثوبِ الكبيرِ، فيُكفَّنَ به؛ وكان ذلك لمَّا قُتِلَا ومُثِّلَ بهما في غزوةِ أُحُدٍ، وكانت صفيَّةُ أُختُ حمزةَ عمَّةَ النبيِّ ﷺ . أخرَجَهُ أحمدُ مِن حديثِ ابنِ أبي الزِّنَادِ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أَبيهِ (٣). وصفيَّةُ عمَّةُ النبيِّ ﷺ وبنتُ خالتِه؛ لأنَّ أمَّها أختً أمِّ النبيِّ ﷺ وهي هالةُ بنتُ وهبٍ، أختُ آمِنَةَ بنتِ وهبٍ أمِّ النبيِّ ﷺ . الفرقُ بن القُرْعةِ والأزلامِ: ولا أعلمُ مَن منَعَ منها مِن السلفِ السابقِ، وقياسُها على الأزلامِ قياسٌ فاسدٌ مع تضافُرِ النصوصِ وتواتُرِها؛ فالاسْتِقْسَامُ بالأَزْلامِ في الجاهليَّةِ كذبٌ على اللهِ، وافتراءٌ عليه، ويفعَلُونَه عندَ أصنامِهم وأوثانِهم؛ فكان الجاهليُّونَ إذا أرادَ أحدُهم سفرًا، أو عزَمَ على فعلٍ مهمٍّ، أجَالَ

стр. 622

القِدَاحَ، وهي الأَزْلامُ، وهي على ثلاثةِ أَضْرُبٍ؛ منها ما كُتِبَ عليه: أمَرَني ربِّي، ومنها ما كُتِبَ عليه: نَهَاني ربِّي، ومنها غُفْلٌ لا كتابةَ عليه، يُسمَّى: المَنِيحَ، فإذا خرَجَ: أمَرَني ربِّي، مَضَى في الحاجةِ، وإذا خرَجَ: نَهَاني ربِّي، قعَدَ عنها، وإذا خرَجَ: الغُفْلُ، أجَالَها ثانيةً. واللهُ لا يأمُرُهم بهذا، وهذا فعلُ فردٍ لا يُشاحُّهُ عليه أحدٌ ولا يُنازِعُهُ فيه منازعٌ، ويفعَلُونَ هذا الفعلَ تيمُّنًا وتعظيمًا، والقُرْعةُ تُفعَلُ عندَ المُشاحَّةِ والنِّزاعِ عندَ استواءِ الحقوقِ وتشابُهِها، بلا تعظيمٍ، ولا ينسُبُونَ ذلك إلى اللهِ، ولا يَقصِدُونَهُ في مكانٍ مُعظَّمٍ كالمسجدِ الحرامِ أو غيرِه. والقولُ بأنَّ القُرْعةَ قِمارٌ واستقسامٌ بالأزلام أو تَطَيُّرٌ: جهلٌ بالقِمارِ والتطيُّرِ والاستقسامِ بالأزلامِ والقرعةِ، فالتطيُّرُ يفعلُه الإنسانُ لنفسِهِ ولغيرِه، والقرعةُ للفصلِ في الحقوقِ بينَ المتنازِعينِ، وليس ليَفْعَلَ الإنسانُ في نفسِهِ أو لا يفعَلَ، فمَن أرادَ سفرًا أو زواجًا فوضَعَ الأقداحَ أو الأقلامَ لِتُمضِيَهُ إلى فعلٍ أو ترُدَّهُ عنه، فهذا باطلٌ، والقُرْعةُ ليستْ لعملِ الإنسانِ في نفسِهِ؛ بل للفصلِ في حقِّ المُتخاصِمين، وهذا يَظْهَر في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، يعني: مع زكريَّا في كفالةِ مريمَ. وكان أحمدُ يشدِّدُ على مَن يُنكِرُها، وقد سُئِلَ عن القرعةِ، ومَن قال: إنَّها قمارٌ؟ قال: إنْ كان ممَّن سَمِعَ الحديثَ، فإذا كلامُ رجلِ سُوءٍ؛ يزعُمُ أنَّ حُكمَ رسولِ الله ﷺ قمارٌ. وقال مرةً: هذا قولٌ رديءٌ خبيثٌ. وقال: مَن ادَّعى أنَّها منسوخةٌ، فقد كَذَبَ وقال الزُّورَ. وقال: القُرْعةُ حُكمُ رسولِ اللهِ ﷺ وقضاؤُه؛ فمَن رَدَّ القرعةَ، فقد ردَّ على رسولِ اللهِ ﷺ قضاءَه وفِعلَه. * * *

стр. 623

قال تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)﴾ [آل عمران: ٤٩]. جعَلَ اللهُ لعيسى مِن الإعجازِ ما خَصَّه له، ممَّا لم يُشارِكْهُ غيرُه، والمعجزاتُ منها ما يتشارَكُ فيها الأنبياءُ، كبَيانِ الوحي المُنزَّلِ بالحُجَجِ الباهرةِ، والبيِّناتِ القويَّةِ، ومنها ما هو مِن خصائصِ نبيٍّ بعَينِه، كتسخيرِ الجنِّ والريحِ وتعليمِ مَنْطِقِ الطَّيْرِ والنملِ لسُلَيْمَانَ، والعصا واليدِ البيضاءِ لموسى، وإحياءِ المَوْتَى لعيسى، وشَقِّ القمرِ لمحمدٍ. ومِن معجزاتِ عيسى صنعُ الطيرِ مِن الطينِ بيدِه، ثمَّ النفخُ فيه ليكونَ طيرًا بإذنِ اللهِ، وكذلك شفاؤُه المَرْضَى كالأكْمَهِ والأَبْرَصِ، وخَصَّه اللهُ بإحياءِ الموتَى، والإنباءِ بما في بيوتِهم مِن مدَّخَراتٍ. واللهُ يجعلُ لكلِّ نبيٍّ مِن المعجزاتِ ما يُناسِبُ تعلُّقَ أهلِ زمانِهم به؛ ففي زمنِ موسى وعيسى كانت بنو إسرائيلَ يتعلَّقونَ بالسَّحَرَةِ لمعرفةِ المغيَّباتِ، وفِعلِ الخوارقِ والمعجزاتِ، وقلبِ الماديَّاتِ المُشاهَداتِ، فكانت آياتُ موسى وعيسى مِن جِنسِ هذا. وزاد قومُ عيسى تعلُّقًا بأهلِ الطبِّ والعلاجِ، ومعرفةِ أسبابِ الشفاءِ؛ ممَّا لم يكنْ في أسلافِهم. وقولُه تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: فيه جوازُ إطلاقِ اسم الخَلْقِ على فِعْلِ العِبادِ، ومِن ذلك قولُه تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] , وفي حديثِ ابنِ عمرَ في "الصحيحينِ"؛ قال رسولُ اللهِ ﷺ : (إِنَّ الذينَ

стр. 624

يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ! ) (١)، ونفيُ الخَلْقِ المذكورُ في القرآن؛ كقولِه: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] , ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠]: المرادُ به: نفيُ الخَلْقِ بعد عدمٍ، وإيجادِ المادةِ عن لا شيءٍ، ونفيُ القدرةِ على مُضَاهَاةِ خَلْقِ اللهِ الذي بينَ أيدِيهِم، وهؤلاء المَعبُودونَ - سواءٌ كانوا أصنامًا أو بشرًا أو جِنًّا - أَعجزُ عن فعلِ ذلك. والنسبةُ الجائزةُ في الخَلقِ هي الصورةٌ الظاهرةُ، أو الرسمُ؛ محاكاةً لظاهرِ المخلوقاتِ، لا لحقيقتِها. واللهُ يَقضِي مِن أمرِهِ ما يشاءُ لأنبيائِه وأُمَمِهم، فجعَلَ خَلْقَ عيسى بيدِهِ ما يُشابِهُ خَلْقَ اللهِ إعجازًا وآيةً، وجعَلَهُ في أُمَّةِ محمدٍ حرامًا؛ لمُضاهاتِهِ خَلْقَ اللهِ، ولكيلا يُتَّخَذَ ذريعةً للعادةِ مِن دونِه، وكل ذلك مُنْتَفٍ في فِعْلِ عيسى؛ فعيسى فعَلَ ذلك بأمر اللهِ؛ فجعَل اللهُ فِعل عيسى مخلوقًا بإذنِه، فلم يَبْقَ على حالِه. حكمُ الصُّوَرِ والتماثيلِ: ولا خلافَ أنَّ اللهَ قد حَرَّمَ على أُمَّةِ محمدٍ الصُّوَرَ والتماثيلَ المُشابِهةَ لخَلْقِ اللهِ؛ مِن ذواتِ الأرواحِ مِن حيوانٍ أو إنسانٍ، سواءٌ رُسِمَت باليدِ، أو نُحِنَتْ بحَجَرٍ أو خشبٍ أو مَعْدِنٍ، أو صُنِعَت بآلةٍ الكترونيَّةٍ؛ ففي "الصحيحَينِ"، عن النبيِّ ﷺ ؛ أنّه قال: (قَالَ اللهُ : وَمَن أَظَلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخلُقُ كَخَلْقِي؟ ! فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعِيرَةً) (٢). وفي حديثِ أبي جُحيفَةَ في "الصحيحِ"؛ قال ﷺ : (لعَنَ اللهُ المُصوِّرينَ) (٣).

стр. 625

وفي "الصحيحَيْنَ"؛ مِن حديثِ ابنِ مسعودٍ؛ قال: سمِعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: (إِنَّ أَشدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ: المُصَوِّرُونَ) (١). وقد أمَرَ النبيُّ ﷺ بطَمْسِ التماثيلِ عندَ القدرةِ عليها؛ كما في وصيَّتِه لعليٍّ في "الصحيحِ" (٢). ولا حرَجَ مِن دخولِ أماكنِ البيعِ والأسواقِ التي فيها تصاويرُ يُعجَزُ عن نَزْعِها؛ ويكونُ ذلك بمقدارِ المرورِ والحاجةِ مع الكراهةِ القَلْبيَّةِ؛ ففي "المصنَّفِ" لابن أبي شيبة؛ مِن حديثِ المُعْتَمِرِ، عن أبيهِ، قال: "سمِعتُ الحسنَ يقولُ: أوَلم يكُنْ أصحابُ محمدٍ يدخُلُونَ الخاناتِ فيها التصاويرُ؟ ! " (٣). ورُوِيَ هذا عن مسروقٍ والنخَعيِّ. وكانوا يَكرَهُونَ مِن الصُّوَرِ المنصوبَ، وأمَّا ما كان في الأرضِ والسقفِ، فلم يُشَدِّدْ فيه بعضُ فقهاءِ الكوفةِ كإبراهيمَ؛ فقد قال: "لا بأسَ بالتمثالِ في حِلْيَةِ السيفِ، ولا بأسَ بها في سماءِ البيتِ؛ إنَّما يُكرَهُ منها ما يُنصَبُ نَصْبًا؛ يعني: الصورةَ" (٤). وكلُّ مُعظَّمٍ محترَمٍ مِن الصُّوَرِ ولو كان في السقفِ، فهو حرامٌ. وما كان مُمْتَهَنًا في الأرضِ والبُسُطِ والأحذيةِ، وما كان مِن الأُزُرِ والسراويلِ والخِفَافِ والجواربِ والمَجالس والمراتبِ والأرائكِ: فجائزٌ، ورُوِيَ عن أكثرِ السلفِ عدمُ كراهةِ ذلك؛ صحَّ ذلك عن ابنِ سِيرِينَ، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ، وعِكْرِمةَ، وعطاءِ بنِ أبي رباحٍ، وسالمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، وعروةَ بنِ الزُّبيرِ.

стр. 626

فكان عروةُ بنُ الزبيرِ، وسالمُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، وابنُ سيرينَ: يتَّكِئُونَ على المرافقِ وعليها تصاويرُ. وهل يُؤخذُ مِن تشريعِ اللهِ لعيسى ﵇ مِن صنعِ الطِّينِ في صورةِ الطيرِ لِيستحيلَ خَلْقًا بأمر اللهِ - جوازُ الرسمِ والتماثيلِ التي تستحيلُ مِن ساعتِها؛ فلا تبقَى ولا تدومُ ولا تُنصبُ؟ - الأظهرُ: جوازُ ذلك للمصلحةِ بتلك القيودِ؛ كصُنْعِ التمثالِ على صورةِ مِن العجينِ أو الطينِ أو الصَّمْغِ أو المطاطِ للتعليمِ ثمَّ إزالتِه؛ كما رُخِّصَ ذلك في لعبِ الأولادِ إذا كانت لا تُنصَبُ؛ بل يَمْتهنُها الصبيُّ، ولا يَحترمُها في العادةِ. والمخلوقاتُ المُصوَّرة على أربعةِ أنواعٍ: الأولُ: ما له رُوحٌ ونَفسٌ، وهذا كالإنسانِ، فيَحْرُمُ وضعُ تمثالٍ أو رسمُ صورةٍ له؛ سواءٌ كانت بالنحتِ أو برسمِ القلمِ ونحوِه. الثاني: ما له نفسٌ بلا روحٍ؛ وذلك كالمخلوقاتِ الحيَّةِ كالزواحفِ والحشراتِ والرخويَّاتِ والقشريَّاتِ والثدييَّاتِ، واختُلِفَ في البهائمِ كالإبلِ والبقرِ والغنمِ والحَمِيرِ والخيلِ: هل لها أرواحٌ أو أنفُسٌ فقط؟ على قولَيْنِ مشهورَيْنِ. وهذا النوعُ لا يجوزُ أيضًا رسمُه، ولا نحتُ تمثالٍ له؛ لعمومِ الأدلةِ، إلا أنَّه أَخَفُّ مِن النوعِ الأولِ؛ لأنَّ الصورةَ يعظُمُ إثمُها بعظمةِ مضاهاةِ إعجازِ الخالقِ فيها، وإعجازُ الخَلْقِ في الإنسانِ أعظمُ مِن الحيوانِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين: ٤] , والمضاهاةُ فيه أعظمُ وأشدُّ. الثالثُ: ما له نموٌّ ولا نفْسَ له ولا روح؛ وذلك كالشجرِ وأشباهِه، كان بريًّا أو بحريًّا.

стр. 627

فهذا جائزٌ بلا خلافٍ، إلا ما رواهُ ليثٌ، عن مجاهدٍ، في كراهةِ رسمِ الشجرِ المُثْمِرِ (١). وفيه نظرٌ. الرابعُ: الجماداتُ؛ كالجبالِ والرمالِ والثلوجِ، ويدخُلُ في هذا ما حرَكَتُهُ بغيرِهِ لا بنفسه؛ كالسحابِ والبِحَارِ. ويجوزُ رسمُ ما لا رُوحَ فيه بنفسِه مِن مخلوقٍ أصلُ رسمِهِ التحريمُ، كالكَفِّ والإِصْبَعِ والقَدَمِ، إلا الرأسَ فيَحْرُمُ بلا خلافٍ. ويجوزُ رسمُ ما لم يخلُقْه اللهُ على صورةٍ كرسمِ ثمرةٍ بعينينِ وفمٍ كالتفاح والموزِ والتمرِ؛ لأنَّه ليس على صورةِ خَلقِ اللهِ، واللهُ يقولُ: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كخَلْقِي؟ ! )، ولو تُرِكَ احتياطًا، فهو الأَولى. ورسمُ البدنِ بلا رأسٍ أو برأسٍ مطموسٍ جائزٌ؛ لأنَّه شبيهٌ بالظلِّ، وفي حديثِ أيوبَ عن عِكْرِمةَ عن ابنِ عباسِ ﵁؛ قال: "الصورةُ الرأسُ؛ فإذا قُطِعَ الرأسُ، فليس بصورةٍ"؛ رواهُ ابنُ أبي شَيْبةَ وغيرُه (٢). ورواهُ الإسماعيليُّ من وجهٍ عن أيوبَ به مرفوعًا. وكان أحمدُ بنُ حنبلٍ يقولُ: "الصورةُ الرأسُ". وكان إذا أرادَ طمْسَ الصورةِ، حَكَّ رأسَها، فإذا قُطِعَ الرأسُ، فليس هو صورةً، وهذا ما أَوْصَى به جبريلُ النبيَّ ﷺ ، كما في "المسندِ" و "السننِ"؛ مِن حديثِ مجاهدٍ، عن أبي هريرةَ ﵁؛ قال: "استأذَنَ جبريلُ ﵇ على النبيِّ ﷺ ، فقال له: (ادْخُلْ)، فقال: كيف أدخُلُ وفي البيتِ سِتْرٌ فيه تماثيلُ خيلٍ ورجالٍ؟ ! فإمَّا أنْ تُقطَعَ رؤوسُها، وإمَّا أنْ

стр. 628

تُجعَلَ بُسُطًا فتُوطَأ؟ " (١). والأَكْمَهُ الذي يُولَدُ أعمَى؛ قالَهُ الضَّحَّاكُ عن ابنِ عباسٍ؛ وهذا أبلغُ في الإعجازِ والتحدِّي (٢). ولابنِ عباسٍ قولٌ آخَرُ: أنَّه الأعمَى بكلِّ حالٍ! وُلِدَ كذلك، أو عَمِيَ بعدَ ذلك؛ وبه قال السُّدِّيُّ وقتادةُ والحسنُ (٣). وقيل: هو الذي يُصابُ ببصرِه فيَرَى في النهارِ، ولا يَرَى في الليلِ؛ قالَه مجاهدٌ (٤). وقال عكرمةُ: هو الأَعْمَشُ (٥). وأمَّا إحياءُ المَوْتَى، فبدُعائِهِ اللهَ لهم، لا بقدرةٍ خاصةٍ وضَعَها اللهُ فيه. والإنباءُ بالمُدَّخَرَاتِ؛ لِيُثبِتَ صِدقَهُ وتأييدَهُ مِن اللهِ؛ إذْ لا يَعلَمُ غيبَ الخَلقِ إلا الخالقُ، وعِلمُ عيسى مِن اللهِ بلا سببٍ للعِلمِ سابقٍ، ولا واسطةٍ من الإنسِ والجنِّ محسوسةٍ؛ وهذا الفرقُ بينَ المُنجِّمِينَ والكهنةِ وبينَ الأنبياءِ. فقيل: إنَّ عيسى لمَّا كان غلامًا يُخبِرُ الصِّبْيانَ ما يأكُلُونَهُ وما يَدَّخِرُونَهُ هم وآباؤُهم في بُيوتِهم، وربَّما لم يَعلَموا هم، فيَذهبونَ فيرَوْنَ صِدقَ ذلك. حكمُ ادِّخَارِ المالِ: وفي قوله تعالى: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾: دليلٌ

стр. 629

على جوازِ الادِّخارِ في البيوتِ ممّا يَفِيضُ على الحاجةِ لشهرٍ أو شهورٍ أو أعوامٍ؛ فعيسى أَخبَرَهم ولم ينْهَهُم، وقد كان النبيُّ ﷺ يدَّخِرُ قُوتَ سَنَةٍ؛ كما في "صحيح مسلمٍ" (١)؛ مِن حديثٍ جابرٍ، وعيسى لم يَنهَهُم عن الادِّخارِ؛ وإنَّما أَخبَرَهم به. وفي "الصحيحينِ"، عن عمرَ ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يَبِيعُ نخلَ بَني النضيرِ، وَيحبِسُ لأهلِه قُوتَ سَنَتِهم (٢). وكان الصحابةُ يَدَّخِرونَ قُوتَ سَنَتِهم مِن التمرِ! لأنَّه أطولُ الثمرِ بقاءً إلى الحَوْلِ؛ ولذا أَرْخَصَ لهم رسولُ اللهِ ﷺ في العَرَايَا؛ أنْ يشْتَرُوا الرُّطَبَ بما فضَلَ مِن قُوتِ سنتِهم مِن التمرِ؛ كما رواهُ محمودُ بن لبيدٍ ﵁ (٣). ولا خلافَ في جوازِ الادِّخارِ، ما لم يُضِرَّ بالناسِ، فيدَّخِرُ في بيتِه طعامَ سَنَةٍ، ولا يجدُ الناسُ طعامَ يومِهم أو شهرِهم. وأمَّا ما رواهُ الترمذيُّ، عن أنسٍ؛ أن النبي ﷺ كان لا يدَّخِرُ شيئًا لغدٍ (٤). فرُوِيَ مِن حديثِ جعفرِ بنِ محمدٍ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، ورواهُ مرسلًا مِن غيرِ ذِكرِ أنسٍ؛ وهو الصوابُ. وجاء بنحوِه مِن حديثِ هلالِ بنِ سُوَيْدٍ عن أنسٍ؛ وهو ضعيفٌ. وفيه: أنَّ كشْفَ تلك المدَّخَراتِ ليس مما يُعابُ أو يُستَرُ، فمَن أخبَرَ به وتحدَّثَ عنه، لم يَكشِفْ سترًا إذا قصَدَ مِن ذلك حقًّا، لا حسدًا أو شماتةً وتنقُّصًا وتعييرًا.

стр. 630

ومنه يُؤخَذُ جوازُ إفصاح أهلِ المالِ عن مُدَّخَرَاتِهم مِن مالٍ وطعامٍ وعقارٍ وغيرِه، ووجوبُ الإفصاحِ عندَ الحاجةِ؛ وذلك فيمَن يشتبهُ به السرقةُ أو الرِّشْوةُ، أو في زمنِ ضعفٍ وكثرةِ الولاياتِ وتعدُّدِها وكثرةِ الوُلاةِ عليها ممَّن يُخشَى على بيتِ المالِ منهم، فيُفصِحونَ عن أموالِهم؛ حتى تُحفَظَ أموالُ المسلِمينَ، وأنَّ كشْفَها والإخبارَ عنها ليس ممَّا يُعابُ أو يُعزَّرُ مَن فعَلَه إلا إنْ كان على سبيلِ التشهيرِ والازدراءِ والتنقُّصِ؛ وذلك لأنَّ المالَ الحلالَ لا يُعابُ ولا يُستحْيَا مِن كسبِه؛ وإنَّما يُخشَى ويُستحيا مِن الكسبِ الحرامِ. * * * * قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ [آل عمران: ٦١]. بيَّنَ اللهُ حالَ نبيِّه عيسى لنبيِّه محمدٍ ﷺ ؛ فبيَّنَ نَسَبَهُ ونسَبَ والدتِه ونشأتَه ومُعجزاتِه؛ ليكونَ على بيِّنةٍ مِن أمرِ المُفْتَرِينَ عليه, ولِيَظهَرَ عِلمُ نبيِّه عندَهم بتفاصيلِ ما يُخْفُونَ وما يَجهَلون, فلم يَعِشِ النبيُّ وَسَطَ أهلِ الكتابِ, ولم يكنْ منهم, وعِلمهُ بدقائقِ نشأةِ عيسى وأُمِّه ومعجزاتِه لا منفذَ له إلى ذلك إلا بوحيِ الخالقِ؛ فالخالقُ أَعلمُ بما خَلَق. ثمَّ ذكَرَ اللهُ أنَّهم يُجادِلونَ ولا ينقَطِعونَ عنادًا إلا بالمُبَاهَلَةِ إنِ انقطَعوا, وقد أمَرَ اللهُ نبيَّه ﷺ أنْ يدْعُوَهم إلى الاجتماعِ للمُباهَلةِ, فذكَرَ حالَ اجتماعهم: الأبناءُ مع الأبناءِ, والنساءُ مع النساءِ, والرجالُ مع الرجالِ, وفي هذا بيانٌ لحالِهم وحالِ اليهودِ في استقامةِ الفِطْرةِ في تمايُزِ الجنسينِ الرجالِ والنساءِ في المَجالِسِ والمَجامِعِ, فالصِّغارُ يُفارِقُونَ

стр. 631

مَجالِسَ الكِبارِ توقيرًا لهم ولها، فعندَ الكثرةِ يكثُرُ اللغَطُ، ويُفارِقُ الرجالُ النساءَ، والنساءُ الرجالَ في المجالِسِ؛ غَيْرةً وحياءً. وتقدَّمَ في البقرةِ الإشارةُ إلى شيءٍ مِن ذلك عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] , وفي آلِ عِمرانَ في قولِه: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ [٣٦]. ويأتي مزيدُ نظرٍ في هذا الاختلاطِ عندَ قولِ اللهِ تعالى عن إبراهيمَ في هودٍ: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [٧١] , وفي قصةِ موسى في القَصَصِ: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [٢٣] , وفي قولِهِ عن موسى في طه والقصصِ: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [١٠] , ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [٢٩] وفي قوله: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [الحجرات: ١١]. أحكامُ المباهَلَةِ: وفي قولِهِ تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ دليلٌ على مشروعيَّةِ المُباهَلةِ عندَ قيامِ سببِها ومُوجِبِها، والمباهَلَةُ مأخوذةٌ مِن الابتهالِ، وهو الاجتهادُ في الدعاءِ، ومعناهُ دعاءُ المُخْتَلِفَيْنِ على نفسَيْهِما باللَّعْنِ والعقوبةِ على ما يُحَبُّ مِن مالٍ وولدٍ وأهلٍ إنْ كان كاذبًا في دَعْوَاهُ، وأعظمُ أنواعِها ما ذكرهُ اللهُ تعالى، ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾؛ أيْ: يَجْمَعُ المُتباهِلانِ أحَبَّ ما لدَيْهما، وهو الولدُ والأهلُ، فيدْعُوانِ عليهما, ولمَّا كان الأمرُ في عيسى وبَشَرِيَّتِهِ ونسَبِهِ أصلَ ضَلالِ النصارى، كانتِ المباهَلةُ فيه متأكِّدةَ، وقد أمَرَ اللهُ نبيَّه بها إنْ لم ينقَطِعوا عن باطِلِهم إلا بذلك. وقد اصْطَلَحَ الفقهاءُ على إطلاقِ المُباهَلةِ على المُلاعَنةِ؛ لأنَّ المباهَلة إلحاحٌ بالدعاءِ باللعنةِ على الكاذبِ.

стр. 632

والمُباهَلةُ معروفةٌ في كثيرٍ مِن الشرائعِ، ومنها النصرانيَّةُ، يَتباهَلُونَ على الأمورِ العظيمةِ عندَ الاختلافِ عليها، وفي "الصحيحِ"، عن حُذيفةَ؛ قال: جاءَ العاقِبُ والسيِّدُ، صاحِبَا نَجْرَانَ، إلى رسولِ اللهِ ﷺ يُريدانِ أنْ يُلاعِناهُ، قال: فقال أحدُهما لصاحِبِه: لا تفعَلْ؛ فواللهِ لئنْ كان نبيًّا، فلاعَنَنَا لا نُفلِحُ نحن ولا عَقِبُنا مِن بَعْدِنا، قالا: إنَّا نُعطِيكَ ما سألْتَنا، وابعَثْ معنا رجُلًا أمينًا, ولا تبعَثْ معنا إلا أمينًا، فقال: (لَأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أمِينٍ)، فاسْتشرَفَ له أصحاب رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال: (قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدةَ بنَ الجَرَّاحِ)، فلمّا قام، قال رسولُ اللهِ ﷺ : (هَذَا أمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ) (١). وأثرُ المُباهَلةِ عظيمٌ على المتباهِلِينَ في الدِّينِ والدُّنيا؛ ولهذا لا تُشرَعُ إلا في أمرٍ عظيمٍ مقطوعٍ به، ولا يجوزُ التباهُلُ في الظنيَّاتِ، ولا التباهُلُ في القطعيَّاتِ التي لا أثَرَ على المتباهِلِينَ ومَن وراءَهم فيها، فبعضُ التباهُلِ يُرفَعُ مِن شوكةِ مغمورٍ على باطلٍ، فإذا باهَلَ، ظنَّه الناسُ صادقًا فتأثَّرُوا بثباتِهِ، وهو مجازفٌ باعَ دِينَهُ بهَوَاهُ؛ ولهذا يَشتهِرُ عندَ العلماءِ مقارعةُ الخصومِ بالحُجَجِ والبيِّناتِ، وإبطالُ ضَلالِهم بالدليلِ البيَّنِ، ويندُرُ فيهم المُباهَلةُ مع خصومِهم كالصحابةِ ممَّن أدرَكُوا أهلَ البدعِ كالقَدَرِيَّةِ والمُرْجِئَةِ، والتابعِينَ وأتباعِهم ممَّن أدرَكَ الرافِضةَ والجهميَّةَ والزنادِقَةَ، وغيرِهم كالأئمَّةِ الأربعةِ وأئمَّةِ السُّنَّةِ والحديثِ. مشروعيَّةُ المباهَلَةِ، والمقصُودُ منها: وإذا قام سببُها في أمرٍ قطعيٍّ عظيمٍ مِن شخصٍ فَتَنَ الناسَ بقولِهِ وفِعْلِه، حتى ظنُّوا ثباتَهُ، وشَكَّ أهلُ الحقِّ في حقِّهم الذي هم عليه؛ فيُشرَعُ لأهلِ الحقِّ المُباهَلةُ لِيتحقَّقَ في ذلك المقصودُ مِن المُباهَلةِ، وهو:

стр. 633

أولًا: تثبيتُ أهلِ الحقِّ على حقِّهم؛ فلا يُفتَنُونَ ويظنُّونَ أنَّهم على باطلٍ. ثانيًا: تشكيكُ أهلِ الباطلِ في باطِلِهم، ودفعُ توهُّمِ الحقِّ عندَهم والباطلِ عندَ خصومِهم. ثالثًا: نزولُ العقوبةِ ولو بعدَ حينٍ بالكاذبِ؛ كفايةً لشرِّه، ودفعًا لباطِلِه؛ ففي "المُسنَدِ" لأحمدَ، عن ابنِ عباسٍ ﵄؛ قال: "ولو خَرَجَ الذينَ يُباهِلُونَ رسولَ اللهِ ﷺ ، لَرَجَعُوا لا يَجِدُونَ مالًا ولا أهلًا" (١) وهذا ليس لكلِّ أحدٍ؛ وإنَّما لِمَقامِ النبوَّةِ، ويَخُصُّ اللهُ به بعضَ عبادِهِ مِن أوليائِه ربَّما لخصيصهٍ في الدَّاعي، وربَّما لِعِظَمِ بليَّةِ مَن دُعِيَ عليه فيما يقولُ. ولا دليلَ على زمنِ هلاكِ المبطِلِ ومكانِه، فقد يُؤخِّرُه اللهُ زمنًا، وقد يُعجِّلُه اللهُ، وقد يدَّخِرُ أمْرَه للآخرةِ لحكمتِهِ سبحانَه، وقد تتحقَّقُ جميعُ هذه المقاصدِ، وقد يتحقَّقُ بعضُها. المباهلةُ في فروعِ الدين: وتجوزُ المُباهَلةُ في الفروع إذا خُشِيَ مِن تبديلِها وطمسِها وتحريفِها، أو جحدِها وتكذيبِها؛ لأنَّ تبديلَ القرعِ وتكذييَهُ يُعتبَرُ مِن الأصولِ، بخلافِ العملِ بالفرعِ بعينِه، فهو فرعٌ، ولكنَّ إنكارَهُ وتبديلَهُ يُلحَقُ بالأصولِ؛ ولذا قد باهَلَ غيرُ واحدٍ مِن السلفِ كابنِ عباسٍ في الفروعِ في بعضِ مسائلِ الفرائضِ في مسألةِ الجَدِّ والجَدَّةِ، ودعَا ابنُ مسعودٍ إلى المُباهَلةِ في سببِ نزولِ سورةِ النساءِ كما رواهُ مَسْرُوقٌ عنه، وكذلك عكرمةُ في بعضِ أسبابِ النزولِ؛ كما في نزولِ قولِهِ تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] , ودَعَا الأوْزَاعِيُّ سُفيانَ الثوريَّ للمُباهَلةِ في مسألةِ رفعِ اليدَيْنِ في

стр. 634

الصلاةِ؛ لأنَّه كان يَنْفِيها مجتهدًا كقولِ الكوفيِّينَ، وتركُ العملِ بالرفعِ شيءٌ، ونفيُ كونِهِ سُنَّةً في الصلاةِ شيءٌ آخَرُ. ومَن جاءَ عنه مِن السلفِ في الفروعِ طلبُ المباهَلةِ فقطْ، وليس أنَّها حصَلتْ بينَهُ وبينَ أحدٍ مِن إخوانِه، فلعلَّ هذا لإثباتِ اليقينِ بالحقِّ، والإعلامِ بالصِّدْقِ. المباهَلَةُ على الأمرِ البيِّنِ: والأمرُ المُتَّفَقُ عليه: أنَّ المُباهَلةَ لا يجوز إلا أنْ تكونَ بعدَ علمٍ وبيانٍ، ووضوحٍ وبرهانٍ، لا بظنٍّ ووهمٍ؛ ولذاقال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا﴾، وتكونُ المُباهَلةُ بعدَ المناظرةِ والعجزِ عن الإقناعِ بالحقِّ لهوًى وعنادٍ وكِبْرٍ في الخَصْمِ. ولم يأمُرِ اللهُ نبيَّه أنْ يُباهِلَ أحدًا إلا النصارى؛ لِعِظَمِ باطلِهم بنسبةِ عيسى ولدًا للهِ، مع وضوحِ باطِلِهم وشرِّه؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٣] , وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: ٤٠]. ولا ينبغي استسهالُ المُباهَلةِ في كلِّ أمرٍ ولو كان قطعيًّا؛ حتى لا تُسَتسهَلَ الأَيْمَانُ ولا يُعظَّمَ المحلوفُ به والمسؤولُ سبحانَه، فاللهُ يقولُ في اليمينِ المجرَّدةِ: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] , فكيف بالأيمانِ المغلَّظةِ؟ ! ووضوحُ الحقِّ لا يعني المُباهَلةَ عيه حتى تُرى آثارُها في الناسِ؛ تحقيقًا للحقِّ، ودفعًا للباطلِ، ولو شُرِعَتِ المُباهَلةُ في كلِّ أصلٍ قطعيٍّ، فما مِن أصلٍ قطعيٍّ في الشريعةِ إلا وفيه مخالِفٌ وجاحِدٌ، ومُكابِرٌ ومُعانِدٌ. * * *

стр. 635

قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]. في الآيةِ: جوازُ التعاقُدِ بينَ المسلمِ وبينَ الكتابيِّ والمُشرِكِ بالبيعِ والشراءِ والقرضِ والوديعةِ والأمانةِ، ولا خلافَ عندَ العلماءِ في جوازِ المبايعةِ بينَ المسلمِ والكفَّارِ المُعاهَدِينَ، وقد تبايَعَ النبيُّ ﷺ مع المشرِكينَ معاهَدِينَ وأهلَ حربٍ، وقد ترجَمَ البخاريُّ في "صحيحِه": (بابُ الشراءِ والبيعِ مع المشركِينَ وأهلِ الحربِ)، وأَسْنَدَ فيه مِن حديثِ أبي عثمانَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بكرِ ﵄؛ قال: كنّا مع النبيِّ ﷺ ، ثمَّ جاءَ رجلٌ مُشرِكٌ مُشْعَانٌّ طويلٌ بغَنَمٍ يَسُوقُها، فقال النبيُّ ﷺ : (بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً - أو قال: - أَمْ هِبَةً؟ )، قال: لا، بل بيعٌ، فاشتَرَى منه شاةً (١). المبايَعةُ مع الحربِّيين: والبيعُ مع الحَرْبِيِّ على نوعينِ: النوعُ الأولُ: بيعُ منفعةٍ متبادَلةٍ متساويةٍ متقارِبةٍ؛ كسائرِ البيوعِ في انتفاعِ البائعِ والمُشترِي بالبيعِ بينَهما؛ واحدٌ ينتفعُ بِالعَيْنِ، والآخَرُ ينتفعُ بالمالِ، وقد يتبايَعانِ عَيْنًا بعَيْنٍ، فإنْ تقارَبَا في الانتفاعِ، جازَ؛ وهذا هو الأصلُ في سائرِ البيوعِ، وقد كان كثيرٌ مِن صناعةِ السلاحِ مِن السيوفِ والرماحِ والألبسةِ في زمنِ النبوَّةِ: مِن صُنْعِ المُحارِبِينَ مِن أهلِ اليمنِ وفارس والرومِ والأقباطِ، قبلَ عهدِ مَن عاهَدَ، وإسلامِ مَن أسلَمَ منهم. وما زالَ صُنْعُ السلاحِ في اليهودِ والنصارى والمشرِكِينَ أكثرَ مِن المسلِمينَ إلى اليومِ، وعندَ المُلْحِدِينَ أكثرُ مِن غيرِهم، وسببُ قوةِ الكفارِ
следующие страницы →