← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

مَجالِسَ الكِبارِ توقيرًا لهم ولها، فعندَ الكثرةِ يكثُرُ اللغَطُ، ويُفارِقُ الرجالُ النساءَ، والنساءُ الرجالَ في المجالِسِ؛ غَيْرةً وحياءً. وتقدَّمَ في البقرةِ الإشارةُ إلى شيءٍ مِن ذلك عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] , وفي آلِ عِمرانَ في قولِه: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ [٣٦]. ويأتي مزيدُ نظرٍ في هذا الاختلاطِ عندَ قولِ اللهِ تعالى عن إبراهيمَ في هودٍ: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [٧١] , وفي قصةِ موسى في القَصَصِ: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [٢٣] , وفي قولِهِ عن موسى في طه والقصصِ: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [١٠] , ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [٢٩] وفي قوله: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [الحجرات: ١١]. أحكامُ المباهَلَةِ: وفي قولِهِ تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ دليلٌ على مشروعيَّةِ المُباهَلةِ عندَ قيامِ سببِها ومُوجِبِها، والمباهَلَةُ مأخوذةٌ مِن الابتهالِ، وهو الاجتهادُ في الدعاءِ، ومعناهُ دعاءُ المُخْتَلِفَيْنِ على نفسَيْهِما باللَّعْنِ والعقوبةِ على ما يُحَبُّ مِن مالٍ وولدٍ وأهلٍ إنْ كان كاذبًا في دَعْوَاهُ، وأعظمُ أنواعِها ما ذكرهُ اللهُ تعالى، ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾؛ أيْ: يَجْمَعُ المُتباهِلانِ أحَبَّ ما لدَيْهما، وهو الولدُ والأهلُ، فيدْعُوانِ عليهما, ولمَّا كان الأمرُ في عيسى وبَشَرِيَّتِهِ ونسَبِهِ أصلَ ضَلالِ النصارى، كانتِ المباهَلةُ فيه متأكِّدةَ، وقد أمَرَ اللهُ نبيَّه بها إنْ لم ينقَطِعوا عن باطِلِهم إلا بذلك. وقد اصْطَلَحَ الفقهاءُ على إطلاقِ المُباهَلةِ على المُلاعَنةِ؛ لأنَّ المباهَلة إلحاحٌ بالدعاءِ باللعنةِ على الكاذبِ.

стр. 632

والمُباهَلةُ معروفةٌ في كثيرٍ مِن الشرائعِ، ومنها النصرانيَّةُ، يَتباهَلُونَ على الأمورِ العظيمةِ عندَ الاختلافِ عليها، وفي "الصحيحِ"، عن حُذيفةَ؛ قال: جاءَ العاقِبُ والسيِّدُ، صاحِبَا نَجْرَانَ، إلى رسولِ اللهِ ﷺ يُريدانِ أنْ يُلاعِناهُ، قال: فقال أحدُهما لصاحِبِه: لا تفعَلْ؛ فواللهِ لئنْ كان نبيًّا، فلاعَنَنَا لا نُفلِحُ نحن ولا عَقِبُنا مِن بَعْدِنا، قالا: إنَّا نُعطِيكَ ما سألْتَنا، وابعَثْ معنا رجُلًا أمينًا, ولا تبعَثْ معنا إلا أمينًا، فقال: (لَأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أمِينٍ)، فاسْتشرَفَ له أصحاب رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال: (قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدةَ بنَ الجَرَّاحِ)، فلمّا قام، قال رسولُ اللهِ ﷺ : (هَذَا أمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ) (١). وأثرُ المُباهَلةِ عظيمٌ على المتباهِلِينَ في الدِّينِ والدُّنيا؛ ولهذا لا تُشرَعُ إلا في أمرٍ عظيمٍ مقطوعٍ به، ولا يجوزُ التباهُلُ في الظنيَّاتِ، ولا التباهُلُ في القطعيَّاتِ التي لا أثَرَ على المتباهِلِينَ ومَن وراءَهم فيها، فبعضُ التباهُلِ يُرفَعُ مِن شوكةِ مغمورٍ على باطلٍ، فإذا باهَلَ، ظنَّه الناسُ صادقًا فتأثَّرُوا بثباتِهِ، وهو مجازفٌ باعَ دِينَهُ بهَوَاهُ؛ ولهذا يَشتهِرُ عندَ العلماءِ مقارعةُ الخصومِ بالحُجَجِ والبيِّناتِ، وإبطالُ ضَلالِهم بالدليلِ البيَّنِ، ويندُرُ فيهم المُباهَلةُ مع خصومِهم كالصحابةِ ممَّن أدرَكُوا أهلَ البدعِ كالقَدَرِيَّةِ والمُرْجِئَةِ، والتابعِينَ وأتباعِهم ممَّن أدرَكَ الرافِضةَ والجهميَّةَ والزنادِقَةَ، وغيرِهم كالأئمَّةِ الأربعةِ وأئمَّةِ السُّنَّةِ والحديثِ. مشروعيَّةُ المباهَلَةِ، والمقصُودُ منها: وإذا قام سببُها في أمرٍ قطعيٍّ عظيمٍ مِن شخصٍ فَتَنَ الناسَ بقولِهِ وفِعْلِه، حتى ظنُّوا ثباتَهُ، وشَكَّ أهلُ الحقِّ في حقِّهم الذي هم عليه؛ فيُشرَعُ لأهلِ الحقِّ المُباهَلةُ لِيتحقَّقَ في ذلك المقصودُ مِن المُباهَلةِ، وهو:

стр. 633

أولًا: تثبيتُ أهلِ الحقِّ على حقِّهم؛ فلا يُفتَنُونَ ويظنُّونَ أنَّهم على باطلٍ. ثانيًا: تشكيكُ أهلِ الباطلِ في باطِلِهم، ودفعُ توهُّمِ الحقِّ عندَهم والباطلِ عندَ خصومِهم. ثالثًا: نزولُ العقوبةِ ولو بعدَ حينٍ بالكاذبِ؛ كفايةً لشرِّه، ودفعًا لباطِلِه؛ ففي "المُسنَدِ" لأحمدَ، عن ابنِ عباسٍ ﵄؛ قال: "ولو خَرَجَ الذينَ يُباهِلُونَ رسولَ اللهِ ﷺ ، لَرَجَعُوا لا يَجِدُونَ مالًا ولا أهلًا" (١) وهذا ليس لكلِّ أحدٍ؛ وإنَّما لِمَقامِ النبوَّةِ، ويَخُصُّ اللهُ به بعضَ عبادِهِ مِن أوليائِه ربَّما لخصيصهٍ في الدَّاعي، وربَّما لِعِظَمِ بليَّةِ مَن دُعِيَ عليه فيما يقولُ. ولا دليلَ على زمنِ هلاكِ المبطِلِ ومكانِه، فقد يُؤخِّرُه اللهُ زمنًا، وقد يُعجِّلُه اللهُ، وقد يدَّخِرُ أمْرَه للآخرةِ لحكمتِهِ سبحانَه، وقد تتحقَّقُ جميعُ هذه المقاصدِ، وقد يتحقَّقُ بعضُها. المباهلةُ في فروعِ الدين: وتجوزُ المُباهَلةُ في الفروع إذا خُشِيَ مِن تبديلِها وطمسِها وتحريفِها، أو جحدِها وتكذيبِها؛ لأنَّ تبديلَ القرعِ وتكذييَهُ يُعتبَرُ مِن الأصولِ، بخلافِ العملِ بالفرعِ بعينِه، فهو فرعٌ، ولكنَّ إنكارَهُ وتبديلَهُ يُلحَقُ بالأصولِ؛ ولذا قد باهَلَ غيرُ واحدٍ مِن السلفِ كابنِ عباسٍ في الفروعِ في بعضِ مسائلِ الفرائضِ في مسألةِ الجَدِّ والجَدَّةِ، ودعَا ابنُ مسعودٍ إلى المُباهَلةِ في سببِ نزولِ سورةِ النساءِ كما رواهُ مَسْرُوقٌ عنه، وكذلك عكرمةُ في بعضِ أسبابِ النزولِ؛ كما في نزولِ قولِهِ تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] , ودَعَا الأوْزَاعِيُّ سُفيانَ الثوريَّ للمُباهَلةِ في مسألةِ رفعِ اليدَيْنِ في

стр. 634

الصلاةِ؛ لأنَّه كان يَنْفِيها مجتهدًا كقولِ الكوفيِّينَ، وتركُ العملِ بالرفعِ شيءٌ، ونفيُ كونِهِ سُنَّةً في الصلاةِ شيءٌ آخَرُ. ومَن جاءَ عنه مِن السلفِ في الفروعِ طلبُ المباهَلةِ فقطْ، وليس أنَّها حصَلتْ بينَهُ وبينَ أحدٍ مِن إخوانِه، فلعلَّ هذا لإثباتِ اليقينِ بالحقِّ، والإعلامِ بالصِّدْقِ. المباهَلَةُ على الأمرِ البيِّنِ: والأمرُ المُتَّفَقُ عليه: أنَّ المُباهَلةَ لا يجوز إلا أنْ تكونَ بعدَ علمٍ وبيانٍ، ووضوحٍ وبرهانٍ، لا بظنٍّ ووهمٍ؛ ولذاقال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا﴾، وتكونُ المُباهَلةُ بعدَ المناظرةِ والعجزِ عن الإقناعِ بالحقِّ لهوًى وعنادٍ وكِبْرٍ في الخَصْمِ. ولم يأمُرِ اللهُ نبيَّه أنْ يُباهِلَ أحدًا إلا النصارى؛ لِعِظَمِ باطلِهم بنسبةِ عيسى ولدًا للهِ، مع وضوحِ باطِلِهم وشرِّه؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٣] , وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: ٤٠]. ولا ينبغي استسهالُ المُباهَلةِ في كلِّ أمرٍ ولو كان قطعيًّا؛ حتى لا تُسَتسهَلَ الأَيْمَانُ ولا يُعظَّمَ المحلوفُ به والمسؤولُ سبحانَه، فاللهُ يقولُ في اليمينِ المجرَّدةِ: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] , فكيف بالأيمانِ المغلَّظةِ؟ ! ووضوحُ الحقِّ لا يعني المُباهَلةَ عيه حتى تُرى آثارُها في الناسِ؛ تحقيقًا للحقِّ، ودفعًا للباطلِ، ولو شُرِعَتِ المُباهَلةُ في كلِّ أصلٍ قطعيٍّ، فما مِن أصلٍ قطعيٍّ في الشريعةِ إلا وفيه مخالِفٌ وجاحِدٌ، ومُكابِرٌ ومُعانِدٌ. * * *

стр. 635

قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]. في الآيةِ: جوازُ التعاقُدِ بينَ المسلمِ وبينَ الكتابيِّ والمُشرِكِ بالبيعِ والشراءِ والقرضِ والوديعةِ والأمانةِ، ولا خلافَ عندَ العلماءِ في جوازِ المبايعةِ بينَ المسلمِ والكفَّارِ المُعاهَدِينَ، وقد تبايَعَ النبيُّ ﷺ مع المشرِكينَ معاهَدِينَ وأهلَ حربٍ، وقد ترجَمَ البخاريُّ في "صحيحِه": (بابُ الشراءِ والبيعِ مع المشركِينَ وأهلِ الحربِ)، وأَسْنَدَ فيه مِن حديثِ أبي عثمانَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بكرِ ﵄؛ قال: كنّا مع النبيِّ ﷺ ، ثمَّ جاءَ رجلٌ مُشرِكٌ مُشْعَانٌّ طويلٌ بغَنَمٍ يَسُوقُها، فقال النبيُّ ﷺ : (بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً - أو قال: - أَمْ هِبَةً؟ )، قال: لا، بل بيعٌ، فاشتَرَى منه شاةً (١). المبايَعةُ مع الحربِّيين: والبيعُ مع الحَرْبِيِّ على نوعينِ: النوعُ الأولُ: بيعُ منفعةٍ متبادَلةٍ متساويةٍ متقارِبةٍ؛ كسائرِ البيوعِ في انتفاعِ البائعِ والمُشترِي بالبيعِ بينَهما؛ واحدٌ ينتفعُ بِالعَيْنِ، والآخَرُ ينتفعُ بالمالِ، وقد يتبايَعانِ عَيْنًا بعَيْنٍ، فإنْ تقارَبَا في الانتفاعِ، جازَ؛ وهذا هو الأصلُ في سائرِ البيوعِ، وقد كان كثيرٌ مِن صناعةِ السلاحِ مِن السيوفِ والرماحِ والألبسةِ في زمنِ النبوَّةِ: مِن صُنْعِ المُحارِبِينَ مِن أهلِ اليمنِ وفارس والرومِ والأقباطِ، قبلَ عهدِ مَن عاهَدَ، وإسلامِ مَن أسلَمَ منهم. وما زالَ صُنْعُ السلاحِ في اليهودِ والنصارى والمشرِكِينَ أكثرَ مِن المسلِمينَ إلى اليومِ، وعندَ المُلْحِدِينَ أكثرُ مِن غيرِهم، وسببُ قوةِ الكفارِ

стр. 636

بصناعةِ السلاحِ: أنَّهم أحرَصُ الناسِ على الحياةِ، فيُريدونَ الحفاظَ عليها، والمؤمنونَ أحرَصُ الناسِ على الموتِ، فلا يَحرِصونَ على أسبابِ الحياةِ، لهذا ينتصرُ المسلِمونَ بالإقدامِ أكثرَ مِن السلاحِ. وإنْ جازَ هذا النوعُ مِن البيعِ، فمِن بابِ أولى جوازُ البيعِ الذي ينتفِعُ به المسلِمُ أكثرَ مِن الحربيِّ. النوعُ الثاني: بيعٌ ينتفِعُ له الحربيُّ أكثرَ مِن المسلمِ، فهذا أدْناهُ الكراهةُ، وأعلاهُ التحريمُ، وربَّما الكفرُ؛ فمَن باعَ عليهم شيئًا لا ينتفِعُ به انتفاعًا كبيرًا كمَنْ يشترِي لنفسِهِ الكماليَّاتِ لِيَسُدَّ لهم الحاجيَّاتِ والضروريَّاتِ؛ فهذه تقويةٌ لهم، فإنَّهم لم يكونوا مُحارِبينَ إلا وقد وَجَدُوا مَنَعَةً وقوةً في المالِ، وسدًّا في الحاجةِ، فمَنَعُوا الجِزْيَةَ، واستعَدُّوا للقتالِ، ولو احتاجُوا، لَنَزَلُوا تحتَ حُكْمِ المسلِمِينَ. وبمقدارِ علوِّهم ومَنَعَتِهم بمِثْلِ هذا البيعِ: يزدادُ النهيُ كراهةً فتحريمًا، ومِن أعلى مراتبِ التحريمِ: بيعُهُمُ السلاحَ لِيُقاتِلُوا به المسلِمينَ، فقد يَصِلُ ذلك بصاحِبِهِ إلى الكفرِ، إذا لم يكنْ للمسلِمينَ انتفاعٌ مقبولٌ يُقابِلُ بيعَ السلاحِ، يكونُ أكبرَ مِن انتفاعِ المشركِينَ بالسلاحِ وأعظَمَ. الشراكةُ بين المسلِمِ والكتابيِّ: وقد اختَلَفَ العلماءُ في الشراكةِ بينَ المسلمِ والمُعاهَدِ، مع اتِّفاقِهم على جوازِ البيعِ وصِحَّتِهِ بينَهما؛ لأنَّ الشراكةَ دائمةٌ لا بيعٌ عارِضٌ، اختَلَفُوا في ذلك على أقوالٍ: الأولُ: قال أبو حنيفةَ بعدمِ الجوازِ؛ وهو قولُ محمدِ بنِ الحسنِ. الثاني: قالوا بالجوازِ إذا كان المسلمُ هو المتصرِّفَ بالبيعِ والشراءِ؛ وبهذا قال مالكٌ وأحمدُ في روايةٍ، وجوَّزَ الشراكةَ أبو يوسُفَ بلا قيدٍ.

стр. 637

قال أحمدُ: يُشارِكُ اليهوديَّ والنصرانيَّ، ولكنْ لا يخلُو اليهوديُّ والنصرانيُّ بالمالِ دُونَه، ويكونُ هو الذي يَلِيهِ؛ لأنَّه يعملُ بالرِّبا. ورواهُ ليثٌ عن عطاءٍ وطاوُسٍ ومجاهدٍ. وليثٌ مع ضعفِه فإنَّه إذا روى قولًا عن جماعةِ فقرَنَهُمْ كطاوسٍ وعطاءٍ ومجاهدٍ يقعُ منه خلطُ قولِ بعضِهم ببعضٍ. الثالثُ: قال الشافعيُّ وأحمدُ في روايةٍ بكراهةِ الشراكةِ مطلقًا. علةُ منعِ الشراكةِ بين السلم والكافر: ويَظهَرُ أنَّ أكثرَ مَن مَنَعَ مِن الشراكةِ بينَ المسلمِ والكافرِ لم يمنَعْها لِذَاتِ الشراكةِ؛ وإنَّما هو لخشيةِ وقوعِه في كسبٍ حرامٍ؛ ولذا قيَّدُوا جوازَها بكونِ المسلمِ متصرِّفًا، وهذا ظاهرُ قولِ مالكٍ وأحمدَ؛ ولهذا علَّلَ أحمدُ ذلك بأكلِهمُ الحرامَ، وهذا التعليل الذي لأجْلِه نَهَى السلفُ عن المشاركةِ كابنِ عباسٍ وابنِ سيرينَ والضحَّاكِ والحسنِ؛ فعن أبي حمزةَ قال: قلتُ لابنِ عباسٍ ﵄: إنَّ رجُلًا جلَّابًا، يجلِبُ الغنمَ، وإنَّه لَيُشارِكُ اليهوديَّ والنصرانيَّ؟ قال: لا يُشارِكُ يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولا مجوسيًّا، قال: قلتُ: لِمَ؟ قال: لأنَّهم يربونَ، والرِّبا لا يَحِلُّ (١). ولهذا جوَّزُوا أنْ يكونَ التصرُّفُ بيدِ المسلمِ؛ كما قال ابنُ سيرينَ: لا تُعطِ الذِّمِّيَّ مالًا مُضارَبةً، وخُذْ منه مالًا مضارَبةً، فإذا مرَرْتَ بأصحابِ صَدَقَةٍ، فأعْلِمْهُم أنَّه مالُ ذميٍّ (٢). ومِن هذا تشديدُ أحمدَ في المجوسيِّ أكثرَ مِن الكتابيِّ؛ لأنَّه يُحِلُّ الحرامَ أكثرَ مِن الكتابيِّ، قال: ما أُحِبُّ مُخالطتَهُ ومُعاملتَهُ؛ لأنَّه يَستحِلُّ ما لا يَستحِلُّ هذا. وقال حنبلٌ: قال عمِّي: لا تُشارِكه ولا تُضارِبْه.

стр. 638

ولمَّا كان أصل التبايعِ بينَ المسلمِ وغيرِ المسلمِ الحِل، والأدلةُ في ذلك مستفيضة، والشراكة إنَّما هي بيعَ وشراء، ولكَّها اختصت بالديمومةِ، فالبيعةُ الواحدةُ يقومُ عليها صاحِبُها حتى يقبضها، وأمّا البيعُ الدائم المستمر، فيحصل فيه الغفلةُ والاتكالُ وأمنُ الشريكِ، فلا يصح القولُ بتحريمِ الشراكةِ مطلقُا؛ وإنما هي على حالتينِ: حالات الشراكة بين المسلِمِ والكافر: الحالةُ الأولى: إذا كانت يدُ المسلمِ المتصرفةَ أو الرقيبةَ على الشراكةِ، فيأمَن مِن الحرامِ، فهي جائزة، ولو لم يكن متصرِّفًا، بل تكفي رقابتُه وضبطُه لعقودِه ومَداخلِ المالِ عليه ومَخارِجِه منه. وقد لا يكونُ الشريك متصرِّفًا، لكنه رقيب يَحسُبُ وَيضبِط، فحكمهُ حُكمُ المتصرف في الجوازِ، وكلما كان جنس المَبِيعِ ونوعه معروفًا، فهذا يدفَعُ ظنَّ التصرُّفِ بالمالِ حرامًا مِن الكافرِ؛ فالمضاربةُ المُطلَقة تَختلِفُ عن المقيَّدةِ، والمُزَارَعَةُ تختلِفُ عن غيرِها مِن أنواعِ الشراكةِ، وقد ترجم البخاريُّ في "صحيحِه"، فقال: (باب مشاركة الذميِّ والمشركِينَ في المُزارعةِ) (١)؛ لأنَّ التصرفَ في المزارعةِ أضيَق مِن المضاربةِ بالمالِ، وقد جاء في "الصحيحِ" جملةٌ مِن الأحاديثِ في مزارعةِ النبي ﷺ مع أهلِ الذمةِ؛ كما في "الصحيحينِ", مِن حديثِ ابنِ عمرَ وغيرِه. الحالة الثانية: إذا كانت يدُ الكافرِ هي المُتصرفةَ بلا رقيبٍ مِن المسلمِ على تصرفِه، فهذه شراكةٌ لا تجوزُ؛ لاحتمالِ دخولِ الحرامِ عليه؛ مِن رِبًا ورِشوَةٍ وغَرَرٍ وغيرِ ذلك. وتحريم الشراكةِ بينَ المسلمِ والكافرِ مطلقًا بلا قيدٍ: مخالف للأدلة المستفيضةِ, فالشراكة مِن جنسِ البيعِ والشراءِ، ولكنها منتظِمةٌ، وفي

стр. 639

"الصحيحِ"، عن عِائشةَ, قالت: اشتَرَى رسولُ اللهِ ﷺ مِن يهودي طعامًا بنسيئةٍ, ورَهَنَهُ دِرْعَهُ (١). وقد أرسَلَ ﷺ إلى آخَرَ يطلب منه ثوبينِ إلى المَيسَرَةِ (٢). وأكلُهم المعلومُ مباحٌ؛ فقد أضافَهُ يهودي بخبزٍ وإهالةٍ سَنِخَةٍ؛ كما في "المسنَدِ"، و "السُّنَّة"؛ مِن حديتِ أنسٍ (٣)، وأصلهُ في "الصحيح" (٤) عنه. تصرُّف الشريكِ الكافِرِ بمالِ المسلمِ: والتصرفُ سواءٌ كان بيدِ المسلمِ أو بيدِ الكافرِ، فهو مِن الوكالةِ بينهما، ووكالة المسلمِ للكافرِ والعكس صحيحةٌ في البيوعِ وغيرِها على الأصحِّ، ما لم تتضمَّنْ محرَّمًا جميع الخمرِ، أو إهانةً للمسلمِ وعلوًّا للكافرِ عليه؛ كشراءِ العبدِ المسلمِ للكافر، ولأجلِ هذا خالَفَ أبو يوسفَ أبا حنيفةَ ومحمدَ بنَ الحسنِ تخريجًا على جوازِ الوكالةِ والكفالةِ بينَ الشريكينِ المسلمِ والكافرِ. وإنْ باعَ أو اشتَرَى الشريكُ المتصرِّفُ الكافرُ ما هو محرَّمٌ على شريكِهِ المسلِم، كالخمرِ والخِنزِيرِ - فَسَدَ البيعُ، وعليه الضمانُ, لأن التصرُّفَ وكالةٌ، وعقد الوكيلِ يقعُ للموكلِ، والمسلمُ لا يثبُتُ له مِلْكٌ على الخمرِ والخِنزيرِ، ومِثل هذا: الربا والميتة. العقودُ المحرمةُ بين المسلمِ والكافرِ: وأمّا العقودُ المحرمةُ بينَ المسلِمينَ، فهي محرَّمةٌ بينَ المسلِمينَ

стр. 640

وبينَ أهلِ الذمَّةِ في بلادِ المسلِمينَ بلا خلافٍ، نصَّ على الإجماعِ غيرُ واحدٍ كابنِ تيميَّةَ، وكذلك فهي ممنوعة بين أهلِ الذمةِ أنفسِهم في دارِ الإسلامِ أيضًا بالاتفاقِ، وإنَّما اختُلِفَ في العقودِ المحرمةِ بينَ المسلمِ والكافرِ في دارِ حربٍ إذا دخَلَها المسلمُ بأمَانٍ أو غيرِ أمانٍ، إذا كان الانتفاعُ للمسلمِ والضررُ على غيرِه، كالرِّبا وبعضِ صوَرِ الجهالةِ والغَرَرِ، وفي ذلك أقوال: الأول: ذهبَ جمهورُ العلماءِ إلى التحريمِ؛ وهو قولُ المالكيةِ والشافعيَّةِ، والصحيحُ في قولِ الحنابلةِ، وهو قولُ أبي يوسُفَ والأوْزَاعِي؛ لأن تلك المعاملاتِ محرَّمةٌ بعينِها؛ فلا يجوزُ أن تكونَ عليها معاقدةٌ بين مسلمٍ ومسلمٍ، ولا مسلمٍ وكافرٍ، ولا أن يُؤذَنَ فيما بينَ كافرٍ وكافرٍ، واللهُ حرَّمَ الرِّبا حتى على أهلِ الكتابِ، كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١]، فلا يجورُ الإذن لهم بما حرَّمَهُ اللهُ عليهم، ولا يجوزُ التعامل معهم بما حرَّمَهُ الله علينا في القرآن، وحرَّمَهُ عليهم في التوراةِ والإنجيلِ والقرآنِ. الثاني: ذهَبَ الحنفيةُ: إلى جواز ذلك إذا كان المنتفِعُ مِن العقدِ المسلمَ، كالدِّينارِ بالدينارَيْنِ آجِلًا، ولا يجوز للمسلمِ أن يشتريَ منه الدرهمَ بدرهمَيْن. ومِن الحنفيةِ مَن يُجِيزُه بلا قيدِ انتفاعِ المسلمِ بالعقدِ، وبقولِهم يقولُ بعضُ الحنابلةِ كابنِ مفلِحٍ، ولكن قُيدَ بعدمِ وجودِ الأمانِ. ومِن محقِّقي الحنفيةِ من يَحمِلُ إطلاقاتِ الحنفيَّةِ بالجواز على التقييدِ بانتفاعِ المسلمِ مِن الكافرِ، وليس انتفاعَ الكافر مِن المسلمِ، كابنِ الهُمَامِ وابنِ عابدينَ، وهذا أصح؛ لأن اللهَ حينَما جعَلَ تعاقُدَ المسلِمَينِ على أن يأكُلَ أحدهما مالَ الآخَرِ بالربا وشِبْهِهِ ظلمًا وحرامًا، فتعاقُد

стр. 641

المسلمِ مع الكافرِ على أنْ يأكُلَ الكافر مالَ المسلمِ أَظهَرُ في التحريمِ على المسلمِ أنْ يأذَنَ بذلك أو يعاقِدَ عليه. تعامُل المسلِمِ بالربا مع الكافِرِ: والأظهرُ: تحريمُ التعاقدِ بالربا ونحوه بينَ المسلمِ والكافرِ في دارِ الكفرِ والحربِ، إلا بقيدينِ: الأول: أن يكونَ الانتفاعُ للمسلمِ، لا للكافرِ. الثاني: أن يكونَ قد دخَلَ دارَ الحربِ بغيرِ أمانٍ، فمَن دخَلَها بأمانٍ، حَرمَ عليه مالُ الكافرِ في تلك الدارِ ودَمُهُ، ومن صورِ الأمانِ: الوثائقُ والأوراقُ ولو مزوَّرةً مزيفةً, لأنَّ العِبرةَ بالظاهرِ، وإذا دخَلَها بغيرِ أمانٍ، فالأصلُ في مالِ الحربي الحِلُّ بغيرِ إذْنِهِ وعِلمِه، فإذا أخَذَه بعِلمِهِ ولو بعقدٍ أولى. وبغيرِ هذينِ القيدَينِ لا يجوزا التعاقُدُ بالربا ونحوِه، وهو الأولى أن يُحمَلَ عليه القول المرويُّ عن أبي حنيفةَ ومَن أطلَقَ إطلاقَه. وأما خبر مكحولٍ مرسلًا: (لَا رِبَا بينَ مسلِمٍ وحربيٍّ)، أو (لا رِبَا بينَ أهلِ حربٍ)، فلا أصلَ له، وقد قال الشافعي: "ليس بثابتٍ". ويحتجُّ به الحنفيةُ في هذا البابِ، ولا أصلَ له حتى عندَ محقِّقيهم مِن أهلِ الحديثِ كالزَّيلَعِي، ومِن أهلِ الفقهِ كابنِ الهُمَامِ. تبايعُ المسلِمِ والكافِرِ بالخمرِ والخنزير: ولا يدخُل في هذا تجويزُ بيع الخمرِ ولحمِ الخِنزيرِ عليهم؛ لأن الخمرَ والخِنزيرَ والمَيتة محرَّمٌ لِذَاتِه وعَينه على المسلمِ، سواءٌ أخَذَهُ أو أعطاهُ بطِيبِ نفسٍ أو ببيعٍ، أما المالُ، فيجوزُ فيه الهِبةُ والعطيةُ، فهو لا يحرُمُ لِذَاتِه؛ وإنما لأنه أخِذَ بغيرِ طيب نفسٍ، فالربا أخِذَ لأن المحتاجَ أُلجِئَ إليه، فصارَ أكلًا لمالِه بالباطلِ ولو عاقَدَ عليه برِضاهُ في

стр. 642

الظاهرِ، فهو قد ألجِئَ إليه في الحالِ وتضرَّرَ به في المال بالزيادةِ فيه. روى عبدُ الرزاقِ وابنُ المنذرِ، عن سُوَيْدِ بنِ غَفَلَةَ؛ قال: بلَغَ عمرَ بن الخطاب أن عمالَه يأخذون الجِزيَةَ مِن الخَمرِ، فناشدَهم ثلاثًا، فقال بلال: إنَّهم لَيَفعَلونَ ذلك، قال: فلا تفعَلُوا, ولكنْ وَلُّوهُم بَيعَها, فإنَّ اليهودَ حُرمت عليهم الشحومُ فباعوها وأكَلُوا أثمانَها (١). ومِن الجهلِ تجويزُ سرقةِ المسلم من الكافرِ في دارِ الحرب التي دخَلَها بأمانٍ، وتخريجُ ذلك على قولِ أَبي حنيفةَ، فهذا لا أَعلمُ مَن قال به. وبقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ استدَلَّ بعضُ الحنفيةِ على ملازمةِ الغريمِ لغريمِه، وبعضُهم استدَل بها على جوازِ حبس المَدِينِ، وقد تقدَّمَ الكلامُ على هذا في البقرةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. * * * قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ [آل عمران: ٧٧] في الآية تغليظُ اليمينِ، وتعظيمُ عهدِ اللهِ، ووجوبُ الوفاءِ به، وأن مِن أعظمِ الحرامِ الأكلَ باليمينِ مالًا حراما؛ فذلك المالُ مِن أعظم السحتِ، ففي الصحيحِ؟ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ أبي أوفَى ﵁: "أنَّ رجُلًا أقامَ سِلعةً وهو في السوقِ، فحَلَفَ بالله لقد أعطَى بها ما لم يُعطِ؛ لِيُوقِعَ فيها رجلًا مِن المسلِمينَ، فنزَلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ

стр. 643

وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ " (١). وهذه الآيةُ نزَلَتْ في الأشعثِ بنِ قيسٍ ويهوديٍّ تخاصَمَا؛ كما في "الصحيحينِ"؛ قال الأشعث: فِيَّ واللهِ كان ذلك؛ كان بينِي وبينَ رجلٍ مِن اليهودِ أرضٌ، فجَحَدَني، فقدمتُه إلى النبي ﷺ : فقال لي رسولُ اللهِ ﷺ : (ألكَ بَيِّنَةٌ؟ )، قلتُ, لا، قال؛ فقال لليهودي: (احلِف)، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إذا يحلِفُ ويَذهَبُ بمالي, فأنزَلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، إلى آخِرِ الآيةِ (٢). وفي "الصحيحِ" أيضًا أن الخصومةَ كانت بينَ الأشعثِ وابنِ عمٍّ له (٣). العهدُ يمينٌ: وفي "الصحيحينِ" أيضًا قال ﷺ : (شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ) (٤). ومَن قال في يمينِه: (على عهدُ اللهِ)، أو (عهدٌ عليَّ)، فهي يمينٌ على الصحيحِ؛ وهذا قولُ مالكٍ وأحمدَ؛ لأن اللهَ قدمَها على المينِ في الآيةِ لِعِظَمِها في التوكيدِ، قال: ﴿يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ﴾، وقيَّدها عطاءٌ والشافعي بالنيةِ، فمَن نَوَاها يمينًا، فهي يمينٌ. وكان السلفُ يَنْهَوْنَ عن الحَلِفِ بالعهدِ، لِعظَمِهِ وعِظَمِ أثرِهِ عندَ عدمِ الوفاءِ به, قال النخَعيُّ: كانوا يَنهَونَنا عن الحلفِ بالعهدِ. وكلُّ يمينٍ يُؤكَلُ بها مالٌ حرامٌ، فهي غَموسٌ ولو لم تكن مُغلظةً باللفظِ، ففي "الصحيحِ"، عن أبي ذَرٍّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (ثلَاَثةٌ

стр. 644

لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ, وَلَا يُزَكِّيهِمْ, وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسولُ اللهِ ﷺ ثلَاث مرارٍ، قَالَ أبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، من هُم يَا رَسُولَ اللهِ؟ ! قَالَ: (المسبِلُ، وَالمَنَّانُ، وَالمنَفقُ سِلعتهُ بِالحَلِفِ الكَاذِبِ) (١). كفارةُ العهدِ واليمين الغموس: واللهُ ذَكَرَ كفَّارةَ الأيْمان، ولم يذكُرْ كفارةَ العهدِ واليمينِ الغموسِ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] , وفرَّقَ الله بينَ العهدِ واليمينِ هنا، فجعلَ العهدَ أعظمَ وَيلحَق به اليمين الغموسُ، وقد اختلَفَ العلماء في حُكْمِ الكفارةِ في اليمنِ الغموسِ: القول الأولُ: قول جمهورِ الفقهاءِ؛ كمالكٍ وأبي حنيفةَ والثوري وأحمدَ: أنّه لا كفارةَ فيها, لأنَّ اللهَ لما ذَكَرَ العهدَ - وهو يمين غموسٌ - رهَّبَ وخوَّفَ وتوعَّدَ، ولم يَذكُرِ الكفارةَ، كما ذكَرَها في الأَيمانِ، وهذا ظاهر في حديتِ ابن مسعود في قصةِ الأشعثِ؛ حيثُ قال ﷺ : (مَن حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبرٍ، يَقتطعُ بها مَالَ امرِئٍ مُسْلِمٍ هوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقيَ اللهَ وَهُوَ عليه غضْبانُ) (٢)، ولم يأمُر بالكفارةِ لِعظمها، روى ابن المنذرِ عن ابنِ المسَيَّبِ؛ قال: "اليمينُ الفاجرةُ من الكبائرِ" (٣). وقد توعَّد الله قائلَها بأنَّه لا خَلاقَ له في الآخِرةِ؛ أيْ: لا نَصِيبَ له. وقال بأنه لا كفارةَ في اليمينِ الغموسِ جماعةٌ مِن السلفِ؛ كابنِ عباسٍ، فقد روى الطبري، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ:

стр. 645

"اليمينُ الصبرُ الكاذبةُ، يَحْلِفُ بها الرجلُ على ظُلمٍ أو قطيعةٍ، فتلك لا كفارةَ لها إلا أن يَترُكَ ذلك الظلمَ، أو يَرُدَّ ذلك المالَ إلى أهلِه، وهو قوله - تعالى ذِكرُه -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ " (١). وروى البيهقيّ، عن أبي العاليةِ, قال: قال أبو عبدِ الرحمنِ - يعني ابنَ مسعود -: كنا نعد مِن الذنبِ الذي لا كَفارةَ له اليمينَ الغموسَ، فقيل: ما اليمينُ الغموس؟ قال: "اقتطاع الرجلِ مالَ أخيهِ باليمينِ الكاذبة" (٢). القول الثاني وهو قول الشافعي والأوزاعيِّ ومَعمَرٍ: أن اليمينَ الغموسَ فيها كفارةٌ؛ لأن اللهَ جعَلَ الإيمانَ على قسمينِ: (لَغْوٌ) وعَفَا عن كفارتها، (ومنعقِدةٌ) وهي التي فيها كفارةٌ، وهي ما عدا اللغوَ. وجرَى الشافعية في ذلك على قاعدتهم في كفارةِ العَمدِ؛ لأنَّهم يرَونَ العمدَ أولى في وجوبِ الكفارةِ مِن الخطأ، فتعمُّدُ الإنسان فِعلَ المحرَّمِ لا يُخْرِجُه مِن تَبِعَتِه، ومِن تَبِعتِهِ كفارتُه، وهذا يجب عندَهم فيما هو أغلظُ مِن اليمينِ كالقتلِ العمدِ، فيُوجِبونَ فيه الكفارةَ، وكقضاءِ الصلاةِ المكتوبةِ المتروكةِ عمدًا فيجب فيها القضاء، كما يجب في تركِها خطأ بالإجماعِ. والقاعدةُ عندَ أحمدَ وأصحابِه: أن قتلَ العَمدِ لا كفارةَ فيه، وَيطرُدُونَ هذا في اليمينِ الغموسِ؛ فلا يرَونَ الكفارةَ فيها، وأحمد وأصحابُه يوجِبونَ القضاءَ للمكتوبةِ المتروكةِ عمدًا, كسائرِ الأئمةِ الأربعةِ، وأخرَجَ أحمدُ قضاءَ الصلاةِ المكتوبةِ مِن قاعدةِ التكفيرِ في العمدِ في القتلِ واليمينِ الغموسِ؛ أخذًا بظاهرِ الأدلةِ، ولم يُخرِجِ الصلاةَ من

стр. 646

القاعدةِ جماعةٌ مِن العلماءِ؛ كابنِ تيميةَ وابن رجبٍ وغيرِهما، ومسألةُ الصلاةِ تحتاج إلى بسطٍ ليس هذا محلَّه. ويأتي الكلام على كفارة قتل العَمدِ في موضعه بإذنِ اللهِ. والأرجحُ: عدم وجوبِ الكفارة في اليمينِ الغموسِ؛ لأنه قولُ عامةِ الصحابةِ وأكثرِ التابعينَ، كابنِ مسعودِ وابنِ عباسٍ وحمَّادِ بن سَلَمَةَ. ولأنَّ اللهَ ذكَرَ كفارةَ الإيمانِ في غيرِ سياقِ العمدِ بالكذبِ، ولما ذكَرَ اليمينَ الغموسَ في هذا الموضعِ وغيرِه، لم يذكرِ الكفارةَ فيها، ومجرَّدُ اليمينِ لا يجعلُ فيها كفارة، كاليمينِ مع الاستثناءِ: لا كفارةَ فيها وهي يمين. وهكذا في أحاديث الوعدِ مِن اليمينِ الغموسِ لا يُذكَر معها كفارة، والأحاديث فيها متواتِر في النهي عنها والشديدِ على فاعِلِها مِنِ غيرِ ذِكرِ كفارةٍ في واحدٍ منها؛ ومن ذلكَ ما روى جابر عن النبي, أنّه قال: (مَنْ حَلَف عَلَى مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ آثِمَةٍ، تبوَّأَ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ) (١). وفي الباب عن ابنِ مسعودٍ وأبي ذرٍّ وعِمرانَ وغيرِهم. وعدمُ وجوب الكفارة لا يسقِط عنه تكفيرَ ذنبِه ببقية أنواعِ المُكفراتِ التي هي أعظم مِن كفارة اليمنِ؟ بالإكثارِ مِن الاستغفارِ، والطاعاتِ، والصدقاتِ، والوَجَلِ القلبي مِن الذنبِ، والخوفِ من عاقبتِه, فذلك يُخفِّف الذنبَ ويزيلُه بإذنِ اللهِ. كفارةُ اليمين الخطأ: وأما مَن حلَفَ يمينًا ويرَى أنه صادقٌ في نفسِه، فبَانَ مُخطِئًا، فلا كفارةَ عليه ولا إثمَ، إلا أنَّ يمينَه الخطأ لا تُبطِلُ حقًّا، ولا تُحِقُّ الباطلَ،

стр. 647

قال إبراهيم النخَعي: "إذا حلَفَ الرجلُ على اليمين وهو يرَى أنَّه صادقٌ، وهو كاذبٌ، فلا يؤاخَذُ بها" (١). حكمُ الحاكمِ وإسقاطُ الحقِّ: وفي الآيةِ: دليلٌ على أن حُكمَ الحاكمِ لا يُسقِطُ الحقَّ الباطنَ؛ وإنما يجري هذا على الخلافِ الظاهرِ، فيَحكُمُ على نحوِ ما يَسمَعُ وَيرَى ممَّا ظهَرَ له مِن الأدلةِ، وهذا لا خلافَ فيه في الأموالِ والدماءِ؛ وإنما الخلافُ في النكاحِ، وتقدمَ ذلك في سورةِ البقرةِ عندَ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [البقرة: ١٨٨]. استحلافُ الكافِرِ: واستحلافُ الكافر كاستحلافِ المسلم عندَ عدمِ وجودِ البينة عليه في الحقوق، فإنْ نَكَلَ، وَجَبَ عليه الحقُّ، وإن حَلَفَ، سَقطَ الحقُّ عنه، لظاهرِ حديثِ الأشعثِ وخصومتِه مع اليهوديِّ، في قولِ النبي ﷺ للأشعثِ؟ (أَلكَ بَيِّنَةٌ؟ )، قلتُ: لا، قال؛ فقال لليهوديِّ: (احلِف) (٢). وتُطلَبُ اليمينُ مِن الكافرِ بصيغةٍ جائزةٍ لا مُحرَّمةٍ، فلا يُستحلَفُ بلفظِ كفرٍ؛ كقولِ النصرانيِّ: والمسيحِ، أو يُقسِمُ بالصليبِ أو مخلوقٍ، ولا أن يُقسِمَ المشرِكُ بصنمِه ووَثنَه، ولا الجاهليُّ بأبيهِ وأمِّه؛ وإنما يُستحلَفُ بالخالقِ, كقولِه: واللهِ، أو بما يُؤمِنُ به مِن ألفاظٍ تُوافِقُ الحقَّ في الظاهرِ ولو اعتقَدَها بباطنِهِ على غيرِ ذلك، وفي "الصحيح"؛ من حديثِ البَرَاءِ بنِ عازبٍ، أن النبي ﷺ قال ليهوديٍّ: (أنشدكَ باللهِ الذي أنزَلَ التَّوْرَاةَ علَى مُوسَى، أهَكذا تَجِدُونَ حَدَّ الزاني في كِتابِكم؟ ) (٣).

стр. 648

واليمينُ تنعقدُ مِن الكافرِ وكذا النَّذْر الذي يكون للهِ لا يُشرَك معه أحدٌ به، وهذا قولُ جماعةٍ مِن العلماءِ كالحنابلةِ والشافعية، سواءٌ كان حِنْثُه في يمينِه في كفرِه أو بعدَ إسلامِه؛ وذلك لِما ثبت في "الصحيحِ"، أن عمرَ ﵁ نذَرَ في الجاهليةِ أنْ يَعتكِفَ في المسجدِ الحرامِ، فأمَرَه النبي ﷺ بالوفاءِ بَنذْرِهِ, خلافًا لأهلِ الرأيِ كأبي حنيفةَ وغيرِه فلا يرَونَ انعقادَ يمينِ الكافرِ. ويأتي في يمينِ الكافر مزيدٌ بيانِ في المائدةِ عندَ قولِه تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة: ١٠٧]. * * * قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)﴾ [آل عمران: ٩٣] وإسرائيل هو يعقوبُ بن إسحاقَ بنِ إبراهيمَ، وقد نزَلَ به بلاء ومرضُ عِرقِ النَّسَا؛ كما جاءَ عن ابنِ عباس ومجاهدٍ وجماعةٍ، فجعلَ عليه إنْ عافاهُ الله أن يُحرِّمَ على نفسِه العُروقَ (١). وروى عكرمةُ عن ابن عباس؛ أنَّه كان يقولُ: "حرَّمَ إسرائيلُ على نفسِه زيادةَ الكَبِدِ والكليَتَينِ والشحم، إلا ما على الظهرِ؛ فإن ذلك كان يُقرَّبُ للقُرْبَانِ فتأكلُه النار" (٢). وتحريمُ هذا مِن إسرائيلَ على نفسِه قبلَ نزولِ التوراةِ وقبلَ مخاطبةِ اللهِ لأهلِ الكتابِ.

стр. 649

الأصلُ في الطعامِ الحِلُّ: وفي الآيةِ: دليلٌ على أن الأصلَ في الطعامِ الحِلُّ، وجميع ما أوجَدَهُ اللهُ في الأرضِ مِن مأكولٍ وملبوسٍ ومشروبٍ ومسكونٍ ومفروشٍ، وقد تقدَّمَ ذلك في قولِ اللهِ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وفي قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]. حكمُ تحريمِ الحلالِ وأنواعه: ويظهر أنَّ تحريمَ شيءٍ من الطعامِ على النفسِ كان في شرعَةِ يعقوبَ جائزًا، وأمّا في شرعَةِ محمدٍ ﷺ ، فغير جائزٍ، وتحريم الإنسانِ الطعامَ على نفسِهِ أَخَفُّ مِن تحريمِه على الناسِ؛ لأن تحريمَ الحلالِ على حالينِ: الأول: تحريمٌ خاصٌّ عارضٌ؛ كمَن يحرِّمُ على نفسِه طعامًا, خوفًا مِن مرضٍ أو سِمنةٍ، أو طلبًا للصِّحةِ، أو خشيةً مِن ألَّا تدومَ النعمةُ فتنقطعَ فتَتَبعه النفس؛ فهذا لا بأسَ به. الثاني: تحريم عام على الناسِ، وهذا تشريع وحق للهِ ليس لأحدٍ مِن خَلقِه. وتحريم الرجل طعامًا واحدًا أو أكثرَ على نفسِه - تديُّنًا - لا يجوز بحالٍ؛ لأنَّه معارَضةٌ لتشريعِ اللهِ في حُكْمِه، وإذا كان لمقصدٍ آخَرَ غيرِ التعبُّدِ، فقد مَنَعَ اللهُ المؤمنينَ مِن ذلك، وكل تحريم لِما أحَله اللهُ يدخُلُ في عمومِ قولِه: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٨٧]. ولما حَرَّمَ النبي ﷺ على نفسِه العَسَلَ، أنزَلَ الله عليه قولَه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾

стр. 650

[التحريم: ١] , وسبب النزولِ في "الصحيحَينِ" من حديثِ عائشةَ (١). * * * قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ [آل عمران: ٩٦]. فيه منزلة البيت العَتيقِ المسجدِ الحرام مسجدِ الكعبةِ وقدَمُه، وقد وضعَ قواعدَة إبراهيمُ وابنه إسماعيلُ، كما في قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، وقيل: إنَّ المرادَ بالوضعِ في الآيةِ: هو وضع البَرَكَةِ والهُدى للناسِ، لا وضعُ البناءِ، فوضعُ القواعدِ شيءٌ، ووضع البيتِ شيءٌ، ووضعُ الهدايةِ والبَرَكةِ والأمانِ فيه شيء آخَرُ؛ فما كل أحكامِ البيتِ الحرامِ نزَلت مرةً واحدةً؛ ولذا جاء عندَ البيهقي؛ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو مرفوعًا: (أن اللهَ أمرَ آدَمَ وَحَوَّاء بِبِنَاءِ البَيتِ وَالطَوَافِ فِيهِ) (٢)، ولا يصح. وصحَّ عن بعضِ السلفِ, كقتادةَ؛ أن أولَ مَن طافَ به آدمُ. وفي ذلك بعضُ الأقوالِ عن وهبِ بنِ منبه وغيرِه. وليس في ذلك شيءٌ مرفوعٌ صحيحٌ عن النبي ﷺ يُعتمَدُ عليه. وفي "الصحيحينِ"، عن أبي ذر ﵁؛ قال: قلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَي مسجِدٍ وُضِعَ في الأرْضِ أولُ؟ قَالَ: (المَسْجِد الحَرَامُ)، قُلت: ثُمَّ أي؟ قَالَ: (المَسْجِدُ الأقصَى)، قلتُ: كَم بَينَهمَا؟ قَالَ: (أربَعُونَ سَنَةً, وَأينَمَا أَدرَكتكَ الصلاةُ، فَصَلِّ، فَهُوَ مسجِدٌ) (٣).

стр. 651

تسميةُ مكةَ بـ (بَكَّةَ): وسُمِّيَتْ بَكَّةَ: قيل؛ لأن الناسَ يأتونَها مِن كلِّ مكانٍ؛ وبهذا قال عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ. وقيل: لأنها تبُكُّ الجبابرة. وقيل: لأن اللهَ جعَلَ الرجُلَ فيها كالمرأةِ؛ يَبُك الرجلُ المرأةَ، وتبك المرأة الرجلَ، وهم في الحُكمِ سواء؛ وهذا مروي عن ابنِ عمرَ، وأبي جعفر محمدِ بنِ علي، وعتبة بنِ قيس. وقيل: تُبك الظلَمَةَ؛ فلا يقعُ فيها ظلم ويطُولُ، فاللهُ يُزِيل الظالمَ ولا يُمهِله فيها. وقال عكرمةُ وأبو مالكٍ والنخَعي وغيرهم: بَكَّةُ, هي الكعبة وما حولَها، وما وراءَ ذلك يُسمى: مَكةَ، وقال ابنُ عباسٍ: بَكَةُ: مِن الفَجِّ إلى التنعيمِ، ومكة: مِن البيتِ إلى البَطحَاءِ (١). فضلُ المسجِدِ القديمِ: وفي الآيةِ: فضلُ المسجدِ القديمِ على الجديدِ، وقد اختَلَفَ العلماءُ في التفضيلِ بينَ المسجدِ القديمِ والمسجدِ الحديث الذي يجتمِعُ فيه الناس أكثرَ مِن غيرِه، على قولَين؟ وهما قولانِ في مذهب الحنابلةِ، ويأتي تفصيل ذلك في سورةِ التوبةِ في قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨]. والمسجدُ الحرامُ أفضل مِن غيرِهِ في المنزلةِ والصلاةِ والاعتكاف وسائرِ القرُباتِ.

стр. 652

تقارب صفوف الرجالِ والنساءِ بالمسجد الحرام: وكان هذه الآيةِ: أخَذَ بعضُ السلفِ الترخيصَ في اجتماعِ الرجالِ والنساءِ في المسجدِ الحرامِ للعبادةِ بلا مماسَّةٍ، على خلاف الأصلِ المانع مِن الاختِلاطِ. ومن هذه الآيةِ يُؤحَذ التيسيرُ في مواضعِ الصفوف؛ خاصةً عندَ المشقَّةِ والزحامِ، ولا يَختلفُ العلماء: أن السنةَ أنَّ مواضعَ صفوف الرجالِ أمامَ النساء، وأن التباعدَ هو الأفضلُ، ولكن يُخفَّفُ في ذلك عندَ الزحام في المسجدِ الحرامِ, فقد روى ابنُ أبي حاتم، عن عُتبة بنِ قيس؛ قال: "بكَّة بكَّتْ بَكًّا، الذكَرُ فيها كالأنثى، قيل له: عمّن هذا؟ قال: عن ابنِ عمرَ" (١). وهو عنه: صحيح. وروى سعيد عن قتادةَ قولَه: "إنَّ اللهَ بَكَّ به الناسَ جميعًا، فيصَلي النساءُ أمامَ الرجالِ، ولا يُفعَل ذلك في بلد إلا في مكةَ". وحَكَاه ابن أبي حاتمٍ، عن مجاهدِ وسعيدٍ بنِ جبير وعِكرِمةَ وعمرِو بنِ شعيبٍ ومقاتلِ بنِ حيَّانَ (٢). السترةُ في المسجِدِ الحرامِ: وبهذا استدَل غيرُ واحدٍ على أن السترةَ في البيتِ الحرامِ يخفَّفُ في حُكْمِها أكثرَ مِن غيرِه, لِما سبَقَ، ولمشقَّةِ ذلك على الناسِ، وهذا ظاهرُ قولِ مَن سبقَ مِن السلفِ، ونصَّ عليه أبو جعفرِ محمدُ بن علي بنِ الحسينِ وابن الزبيرِ وطاوس، ومحمدُ بنُ الحنفيةِ وابن جُرَيج وقال به أحمدُ, فقال "مكةُ ليست كغيرِها؛ كأن مكةَ مخصوصةٌ".

стр. 653

وقال به ابن تيميةَ. روى ابن أبي حاتمٍ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن أبي جعفرٍ، محمدِ بنِ عليِّ بنِ الحسينِ: مرَّتِ امرأةٌ بينَ يدي رجلٍ وهو يصلِّي وهي تَطُوفُ بالبيتِ، فدفَعَها، فقال أبو جعفرٍ: "إنها بكةُ؛ يَبُكُّ بعضهم بعضًا" (١). وروى عبد الرزاقِ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيهِ, قال: "لا يقطع الصلاةَ بمكةَ شيءٌ، لا يضرك أن تَمرَّ المرأةُ بين يدَيك" (٢). وروى عن أبي عامرٍ، قال: "رأيت ابنَ الزبيرِ يصلي في المسجدِ، فتُريد المرأةُ أن تُجيزَ أمامَه، وهو يُريدُ السجودَ، حتى إذا هي أجَازَت سجَدَ في موضعِ قدَمَيها" (٣). ويعضد هذا دفع المشقةِ، خاصَّةً مع كثرةِ الناسِ رجالًا ونساء في المسجدِ الحرامِ في هذا الزمن. وأمَّا حديث كَثيرِ بنِ كثيرِ بن المُطلب بنِ أبي وَدَاعَةَ، عن بعضِ أهلِه، عن جدِّه؛ أنّه رأى النبي ﷺ يصلي مما يَلِي بابَ بَني سَهمٍ والناسُ يَمُرون بين يدَيْهِ وليس بينَهما سُترةٌ، قال سفيانُ: ليس بينه وبين الكعبةِ سترة (٤). فرواهُ أحمدُ وأبو داودَ، وفي إسنادِه جهالةٌ، وقد أَعَله ابن المَديني، وأشارَ البخاري إلى علَّتِه في الصحيحِ؛ لقد ترجَمَ بابًا فقال: (باب السترةِ بمكة وغيرِها) (٥). * * *

стр. 654

قال تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧]. ذكَرَ اللهُ أولَ بيتٍ وُضِع للناسِ وهو الذي بمكةَ، ثم عرفَ به بأنه مَقَامُ إبراهيمَ؛ أيِ: الذي أقامَ فيه الشعائرَ والنسكَ، وهو شاملٌ لكل البيتِ، وكان غيرُ واحدٍ مِن السلفِ يسمِّي كل المشاعرِ؛ الكعبةَ والصفا والمروةَ ومِنًى ومُزْدَلِفَةَ وعرفةَ ورميَ الجمارِ: مقامَ إبراهيمَ؛ لأنَّه أقامَ فيها شعائرَ الدينِ. وبهذا قال ابنُ عباس وسعيد بنُ جبير وعطاء ومجاهد (١). المرادُ بمقامِ إبراهيمَ: ومقام إبراهيمَ في كلامِ السلفِ يُرادُ له معنيان: الأولُ: المعنى الخاص، وهو الذي فيه الآيةُ البيِّنةُ، وهو المقام الذي كان يقفُ عليه إبراهيمُ لبناءِ البيتِ، وتناوِلهُ ابنه إسماعيلُ الحَجَرَ، وقد كان قريبا مِن حائطِ الكعبةِ؛ لمقتضَى البناءِ والإعانةِ عليه، ثمَّ نقَلَه عمرُ بن الخطاب كما صحّ عنه وحكَاهُ عطاء ومجاهد وغيرُهما، وذكَرَ غيرُ واحدٍ ذلك إجماعًا أن عمرَ هو مَن حركَ مكانَ المقامِ. تحريك مقامِ إبراهيمَ: روى البيهقي، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ ﵂ أن المقامَ كان زمانَ رسولِ اللهِ ﷺ وزمانَ أبي بكرٍ ﵁ مُلتصقًا بالبيتِ، ثم أخَّرَه عمرُ بنُ الخظابِ ﵁ (٢).

стр. 655

ثمَّ جرَفَه السيلُ وابتعَدَ عن مكانِه، فأعَادهُ عمرُ. ولم يُخالِف عمرَ على تحريكِه أحد مِن الصحابة، وعمرُ هو الذي أنزَلَ اللهُ الصلاةَ خلفَ المقامِ بعدَ تعريضه بذلك للنبي ﷺ ؛ فنزَلَ القرآنُ موافقا لقوله. والصلاةُ المقصودةُ بالاتِّخاذِ في قولِه تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]؛ أي: هي الصلاةُ عندَ موضعِهِ الأصلي، وليس موضعَهُ الذي يُنقَلُ إليه، فالعِبرةُ بالمقامِ لا بالحجارة، وهكذا الكَعبةُ لو قُدِّرَ أنها حُرِّكَت من مكانِها أو هُدِمَت ونقِلَت حجارتُها، وجَبتِ الصلاةُ إلى مكانِها, لا إلى الحجارةِ المنقولة، بل مَن صلى إلى حجارة الكعبةِ المنقولةِ في جهةٍ إلى غيرِ موضعِ الكعبة الذي بناهَا عليه إبراهيم، بطَلَت صلاتُهُ بلا خلاف، فما زالَ الناسُ قبلَ الإِسلامِ وبعدَه يَستعمِلونَ حجارةً جديدةً، ويُزِيلُون ما تفتَّتَ وتكسَّرَ مِن حجارةِ الكعبةِ. وعَلِمتُ قبلَ سنواتٍ يسيرةٍ أن حجارةً من الكعبةِ تكسرت فغُيِّرَت وأبدِلَت بأجودَ منها، ورُمِيت في البحرِ؛ حتى لا يعرَفَ موضعُها فتُقصَدَ بذاتِها مِن دونِ اللهِ بالطوافِ والتبركِ. الثاني: المعنى العام، وهو الحج كله صلاة وطوافًا حولَ الكعبةِ وبينَ الصفَا والمروة، والوقوف بعرفةَ، والمبيتَ بمزدلفةَ ومنى، ورميَ الجِمَار، ويدخُل في هذا ما يَلحَقُه مِن أحكام، كحرمةِ البيت، ومحظوراتِ النسك، وأفعالِ الحج والعمرةِ وأقوالِه وترُوكه. وقد جعَلَ الله في البيتِ الحرامِ آياتٍ بيِّناتٍ، أولها مقام إبراهيمَ، وهي مشاعر النسكِ ومواضعُه، ثم تحريمُ البيتِ الحرامِ وتعظيمُه، والأمانُ لأهلِه وللَّائِذِ فيه. وذكَرَ الله مقامَ إبراهيمَ في سورةِ البقرةِ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ

стр. 656

مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] , والمرادُ له معناهُ الخاص الذي هو الحجارة التي وضعَ إبراهيم قدَمَيهِ عليها، وذكَرَه هنا في آلِ عِمرانَ، والمرادُ به ها معناهُ العام, لأنَّ اللهَ جعَلَ البينة في البيت، ولم يجعلِ المقامَ هو البينةَ وحدَه، بل جعلَه منها؛ ولذا عطَفَ عليه أحكاما أخَرَ، قال: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، والأمانُ والحرمة هي للبيتِ وخارجِه في حدودِه المعروفة، وليست لمقام إبراهيم ومَوضعِ قدمهِ خاصةً. روى ابنُ المُنذرِ وابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتم، عن عَطَاء بنِ أبي رَبَاحٍ, عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: "مَقَام إبرَاهِيمَ بَعدُ كَثيرٌ؛ مقَامه: الحَجُّ كُلهُ" (١). وجاء عن بعضِ السلفِ: أن الآيةَ البيِّنةَ أثرُ القدمَيْن، والمقامَ المشاعرُ كلها، أي: ما وضَعَ فيه إبراهيم قدمَيهِ تعبُّدًا للهِ في البيتِ؛ مِن طوافٍ وصلاةٍ، وسعيٍ بينَ الصَّفا والمروة، ووقوف بعرفةَ، ومبيتٍ بمزدلفةَ ومِنًى، ورميِ الَجمار، وذكرِ الله، وغيرِ ذلك. ورُوِيَ هذا عن ابنِ عباس وعطاءٍ ومجاهدٍ؛ لقد روى ابنُ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ؛ قال: "أثرُ قدميه في المقامِ آيةٌ بيِّنةٌ، ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ قَالَ: هَدَا شَيء آخَرُ" (٢). تحريم الصيدِ وعَضْدِ الشجرِ بمَكَّة: وقد جعَلَ اللهُ مكةَ حَرَمًا آمِنًا لا يصادُ صَيْدُها, ولا يعضَد شَوكها، والصيدُ والشجرُ في الحَرَمِ على نوعَينِ:

стр. 657

النوعُ الأولُ: صيد الحرمِ وشجرُه الأصلي محرَّمٌ، والمرادُ بالشجرِ الذي ينبتُ طبيعةً في الأرضِ ولا يستنبته الناسُ. النوع الثاني: صيدُ الحرمِ وشجرُه غير الأصلي، والمراد بالصيدِ غيرِ الأصلي هو المجلوبُ مِن خارجِ الحرمِ لِيُذبحَ داخِلَهُ، فهذا لا حَرَجَ فيه، والشجرُ غيرُ الأصليِّ الذي يَستنبته الناسُ في مَزارِعِهِمْ بالغرسِ أو البَذْرِ كالنخلِ والعنبِ وأشجارِ الزينةِ التي يستنبتها الناس للظل وغيرِه في البيوتِ والطرقاتِ والحدائق، فلا حُرمةَ لها، وهي كحالِ الحيواناتِ الإنسِيَّةِ الغنمِ والبقرِ والإبلِ التي تنحر وتذبح, لأنها ليست صيدًا مستوحشًا، ومِثلها الدجاجُ والحَمَام التي يربيها الإنسانُ؛ لا حُرمة لها. صيدُ الأهلي المتوحشِ: وإذا كانتِ الحَمَام تحتَ تربيتِه، ثمَّ استوحَشت ولَحِقَت بصَيدِ الحرمِ فتوحَّشَتْ، أخَذَتِ اسم صيدِ الحرمِ وحُرمَتَهُ، ما لم يكن قد مَلَكَها بمالٍ، فلَحِقَت بصيدِ الحرم، جازَ له صيدها وتنفيرُها لأخْذِها, لأنها مِلْكٌ له، ومالُ الإنسانِ المملوكُ حقٌّ، وهو أعظمُ حُرمةً مِن صيدِ الحرم، فلا تغلب حُرمةُ الحرمِ عليه لمجرَّدِ توحشهِ بعدَ مِلكِه؛ لأن حُرْمةَ المِلكِ له أعظمُ عندَ اللهِ. وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ الكلام على حُرمةِ مكةَ وحُكمِ إقامةِ الحدودِ فيها، فلتُنظَر. وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ دليلٌ على فرضيةِ الحج في الإِسلام، ورُكنيته فيه، ففي "الصحيحينِ"، مِن حديثِ ابنِ عمرَ, قال ﷺ : (إِنَّ الإسلَامَ بُنيَ عَلَى خَمسٍ: شَهَادَةِ أَن لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وإقَامِ الصلاة، وإيتَاءِ الزكاة، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وحجِّ الْبَيتِ) (١).

стр. 658

ترتيبُ أركانِ الإسلامِ: وإنَّما قُدِّمَتِ الصلاةُ والزكاةُ والصومُ على الحجِّ في الحديثِ؛ لأنَّها أَسبَقُ في زمنِ الفرضِ، وآكَدُ مِن جهةِ العملِ، وأَعَمُّ مِن جهةِ خطابِ المكلَّفينَ؛ فالصلاةُ يُؤمَرُ بها مِن غيرِ إثمٍ الصبيُّ وهو ابنُ سبعٍ، وتَجِبُ في كلِّ الأرضِ على المكلَّفِ ذَكَرًا أو أُنثى، الصحيحِ والمريضِ كلٌّ بحَسَبِه، وتتعدَّدُ في اليومِ والليلة، وأمَّا بقيةُ الأركان، ففرضُها بينَ حَوْلِيٍّ كالزكاِة والصيام، وبينَ مرةٍ في العُمْرِ كالحجِّ. وأمَّا الزكاةُ، فالخِطابُ يَتوجَّهُ للمكلَّفينَ أوسعَ مِن خطابِ المكلَّفينَ في الصيام، فقُدِّمَتِ الزكاةُ؛ لأنَّها تَجِبُ في الأموال، لا على الأشخاصِ؛ كزكاةِ الفِطْرِ؛ وهذا أعَمُّ في خِطابِها، فتجبُ الزكاةُ في مالِ الصحيحِ والمريض، الصغيرِ والكبير، والعاقلِ والمجنون، ومَن عَجَزَ عن القيامِ بنفسِه، قامَ بها وليُّه. وأمَّا الصيامُ، فعلى الأشخاصِ المكلَّفِينَ، ويسقُطُ بالعجزِ، فلا يجبُ على الصغيرِ والمجنونِ والمريضِ والمسافرِ، ثمَّ إنَّ الزكاةَ فريضةٌ متعدِّيةٌ مِن الغنيِّ إلى الفقير، بخلافِ الصوم، فهو عبادةٌ لازمةٌ لفاعِلِها، والزكاةُ قد تجبُ في الحَوْلِ أكثرَ مِن مرةٍ في الزروعِ والثِّمارِ التي يتكرَّرُ حَصَادُها وقِطَافُها في العامِ؛ لهذا كانتِ الزكاةُ أوسَعَ خطابًا مِن الصيامِ؛ فقُدِّمَتْ وتَلَتِ الصلاةَ في القرآنِ في مواضعَ كثيرةٍ؛ قال تعالى في الأمرِ بها: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وعن عيسى قال: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: ٣١]، وعن إسماعيلَ قال: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥]، وقال في الإخبارِ عن المؤمِنينَ: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٢٧٧]، وقال: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ

стр. 659

الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]، وقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]، وقال عن أمَّهاتِ المؤمِنينَ: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وغير ذلك؛ فالزكاةُ أكثرُ الأحكامِ اقترانًا في القرآنِ بالصلاةِ. ثمَّ جاء الصومُ في أركانِ الإِسلامِ بعدَ الزكاةِ على قولِ الأكثرِ؛ لأنَّه يَلِيهَا في سَعَةِ المخاطَبِينَ، ثمَّ جاءَ الحجُّ بعدَ الصيامِ؛ لأنَّ الصيامَ أوسعُ في التكليفِ؛ فهو في كلِّ عامٍ، والحجُّ في العُمْرِ مرة، ثمَّ إنَّ الحجَّ محصورٌ في بقعةٍ معيَّنةٍ، والصومُ تكليفٌ يُؤدَّى في كلِّ الأرضِ. تأخُّرُ فرضِ الحجِّ: وإنَّما تأخَّرَ فرضُ الحجِّ؛ لأنَّ أرضَهُ التي يُؤدَّى عليها - وهي مكةُ - ليستْ في يدِ المسلِمِينَ؛ فتأخَّرَ الخطابُ حتى تتهيَّأَ الأسبابُ. مع أنَّ مشروعيةَ الحجِّ باقيةٌ قبلَ فرضِهِ، وكان الناسُ قبلَ البعثةِ على بقيَّةٍ مِن مناسِكِ إبراهيمَ الخليل، وقد حجَّ النبيُّ ﷺ على مناسِكِ إبراهيمَ قبلَ هِجْرتِهِ؛ كما في "الصحيحينِ"؛ مِن حديثِ جُبيرِ بنِ مُطعِمٍ، وقد لَحِقَ مناسكَ الخليلِ تبديلٌ في أهلِ مكةَ وغيرِهم إلا قليلًا (١). حكمُ تارِكِ الحجِّ: وقد جعَلَ الله الحجَّ عَلَمًا على انقيادِ الناسِ وبقائِهم على دِينِ محمدٍ دِينِ الإِسلام، فكانوا يُقْبِلُونَ على النبيِّ ﷺ بأنفسِهم أو برُسُلِهم أو بأقوالِهم عندَ قومِهم، ويُسْلِمُونَ رغبةً ورهبةً، فيُؤاخَذونَ على ظاهرِهم، ثمَّ لمَّا فرَضَ اللهُ الحجَّ، امتازَ أهلُ الاتِّباعِ والانقيادِ مِن أهلِ النفاقِ؛ ولذا

стр. 660

قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾؛ روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن عِكْرِمةَ؛ قال: "لمَّا أنزَلَ الله قولَهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥]، قالتِ المِلَلُ: نحن مُسلِمونَ، فأنزَلَ الله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، فحَجَّ المسلِمونَ، وقعَدَ الكفارُ" (١). والكفرُ في الآيةِ يرادُ به الجُحُودُ على قولِ عامَّةِ السلفِ؛ وبهذا قال ابنُ عباسٍ وابنُ عمرَ ومجاهدٌ. قال ابنُ عمرَ ومجاهدٌ: مَنْ كَفَرَ؛ أيْ: باللهِ واليومِ الآخِرِ. وقال ابنُ عباسٍ: مَن زعَمَ أنَّه لم يَنْزِلْ (٢). صحَّ هذا عن ابنِ عباسٍ مِن غيرِ وجهٍ. ولم يَثْبُتْ عنِ النبيِّ ﷺ في تكفيرِ تارِكِ الحجِّ كَسَلًا حديثٌ، ولا عن أحدٍ مِن الصحابةِ ﵃، إلا ما جاءَ عن عمرَ بنِ الخطَّاب، فيما رواهُ البيهقيُّ والإسماعيليُّ؛ مِن حديثِ ابنِ غَنْمٍ، عن عمرَ؛ قال: "مَن أطَاقَ الحجَّ، فلم يَحُجَّ، فسواءٌ عليه مات يهوديًّا أَو نصرانيًّا" (٣). وهو صحيحٌ عنه، ويظهَرُ أنَّ مُرادَه في ذلك مَن ترَكَ الحجَّ غيرَ مؤمنٍ بوجوبِه؛ ففي لفظِه عندَ سعيدِ بنِ منصورٍ؛ مِن حديثِ الحسن، عنه؛ قال: "أنْ يَضرِبُوا عليهم الجِزْيَةَ؛ ما هم بمسلِمينَ، ما هم بمسلِمينَ! " (٤)، والجزيةُ لا تُضرَبُ على المُرْتَدِّ الذي دخَلَ الإِسلامَ، ثمَّ ارتدَّ بتركِ الحجِّ تساهُلًا؛ وإنَّما تُضرَبُ على الكتابيِّ الأصليِّ،

стр. 661

واختُلِفَ في المشرِكِينَ؛ لأنَّ المرتدَّ يُقتَلُ؛ فعُمَرُ يُخاطِبُ مَن زعَمَ الإسلامَ ولم يُؤمِنْ بالحجِّ، لا مَن دخَلَ الإِسلامَ وخرَجَ منه بتركِ الحجِّ تهاوُنًا. وإدراكُ عُذْرِ تارِكِ الحجِّ شاقٌّ؛ لأنَّه يُوكَلُ إلى الأفرادِ وأمانتِهم وديانتِهم؛ فموانعُ الحجِّ كثيرةٌ ظاهرةٌ وباطنةٌ، ومِن البواطنِ ما لا يُدرِكُهُ أحدٌ إلا صاحِبُه؛ ولهذا يُشدِّدُ الحاكمُ في أداءِ الحجِّ في الخِطاب، لا في العِقابِ. وقد جاء القولُ بكفرِ تارِكِ الحجِّ عن ابنِ مسعودٍ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ عندَ اللالكائيِّ؛ ولا يصحُّ، ورُوِيَ ذلك عن نافعٍ والحكمِ وإسحاقَ، وهو روايةٌ عن أحمدَ، وقولُ ابنِ حبيبٍ مِن المالكيَّةِ. وقولُه: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾: عَرَّفَ أحمدُ الاستطاعةَ بأنَّها الزادُ والراحلةُ مِن الموضع (١) يكونُ منه، وعَدَّ المَحْرَم للمرأةِ مِنَ السبيل، والاستطاعةُ تَختلِفُ بحسَبِ الحالِ والمكانِ؛ فالاستطاعةُ للمَكِّيِّ تختلفُ عنِ الآفَاقِيِّ، والآفاقِيُّونَ يختلِفونَ قُربًا وبُعدًا، وجامعُ الاستطاعةِ: سلامةُ البدن، والزادُ للجميع، والراحلةُ (لغيرِ المكيِّ)، ولم يَثبُتْ عن النبيِّ ﷺ في حدِّ الاستطاعةِ شيءٌ؛ لاختلافِ أحوالِ الناسِ وتبايُنِهم مَنزِلًا وحالًا، والواردُ في ذلك بين ضعيفٍ ومُرسَلٍ، وأَمْثَلُ شيءٍ في ذلك موقوفٌ صحيحٌ مِن حديثِ عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، وقد بيَّنْتُ ذلك في شرحِ حديثِ جابرٍ الطويلِ في صِفَةِ حَجَّةِ النبيِّ ﷺ . * * *

стр. 662

* قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. ذكَرَ الله شريعةَ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ آمِرًا بها، وربَطَ الفلاحَ بتحقُّقِها؛ فلا تُفْلِحُ أُمَّةٌ ليس فيها مُصلحونَ، وقولُهُ: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ أمرٌ بقيامِ أُمَّةٍ بشعيرةِ النصيحةِ والإصلاح، وعَطْفُ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ على الدعوةِ إلى الخيرِ مِن عطفِ الخاصِّ على العامِّ؛ لأنَّ الأمرَ والنهيَ دعوةٌ. شريعةُ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ: والأمرُ في الآيةِ يتوجَّهُ إلى الراعي والرعيَّة، الحاكمِ والمحكومِ؛ أنْ يُندَبَ منهم مَن يقومُ بحفظِ هذه الشعيرةِ؛ كما يُندَبُ منهم جُبَاةٌ للزكاةِ، وقُضاةٌ للحدودِ، وأئمةٌ للقيامِ بالصلاةِ، ومؤذِّنونَ للقيامِ بالأذانِ. فيجبُ على الحاكمِ أنْ يَصْطَفِيَ مِن أهلِ العِلم والأمانةِ والصبرِ للقيامِ بالحِسْبَة، ولو ترَكَ الحاكمُ ذلك وعطَّلَه أو قام به وقَصَّرَ في حقِّه، وجَبَ على العامةِ أنْ يَنْدُبُوا منهم مِن أهلِ العلمِ والأمانةِ مَن يقومُ بحقِّ الإصلاحِ والحِسْبَةِ؛ حتى لا يتواكَلَ الناسُ بعضُهم على بعضٍ؛ فيَنْتَشِرَ الشرُّ، ويَنقُصَ الخيرُ، وكلُّ واحدٍ يتَّكِلُ على الآخَرِ. وجوبُ الحِسْبةِ: وجَعْلُ الحاكمِ الحِسْبةَ في أُمَّةٍ مِن الناسِ لا يُسقِطُ تشريعَها على الكفايةِ عن الباقِينَ؛ لأنَّ تعيينَ مَن يقومُ بها يُوجِبُها عليه عَيْنًا، ولا يُسقِطُ التكليفَ عن غيرِه؛ لأنَّ الإصلاحَ والنصيحةَ مِن فُرُوضِ الأفراد، فمتى قامَ مُوجِبُها، تعيَّنَتْ؛ لِما في "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ

стр. 663

أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ مرفوعًا؛ قال: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا، فَلْيُغَيِّرُهُ بِيَدِه، فَإنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِه، فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ؛ وَذلك أَضْعَفُ الإِيمَانِ) (١)، فقيَّدَ رسولُ اللهِ وجوبَهُ بالرؤية، والرؤيةُ تقومُ في الأشخاص، متى رأَوُا المنكرَ، وجَبَ عليهم الأمرُ والنهيُ، ولو كان في الأمَّةِ مَن انتُخِبَ للحِسْبةِ. وربَّما اتَّخَذَ بعضُ الحُكَّامِ تعيينَ مُصلِحينَ يقومونَ بالإصلاحِ كما يُريدُ هو، لا كما يُريدُ اللهُ؛ فيجبُ على العالِمِ إتمامُ النقصِ، وسَدُّ الخَلَلِ بعلمٍ وصبرٍ؛ لِيَتِمَّ الحقُّ، ويَثْبُتَ الدِّينُ. ولا يدومُ تمكينُ أُمَّةٍ ليس فيها مُصلِحونَ؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١]؛ فيَبتدِئُ التمكينُ لكنَّه لا يدومُ إلا بهذه الثلاثةِ: الصلاةِ والزكاةِ والإصلاحِ؛ فالصلاةُ صِلةٌ للعبدِ بربِّه، والزكاةُ صِلةٌ للعبدِ بأخِيه، والإصلاحُ حفظٌ لِحَقِّ ربِّه وحقِّ أخِيه. والإصلاحُ ركنٌ في الإِسلامِ؛ كما جاء في خَبَرِ حُذَيْفةَ موقوفًا ومرفوعًا: (الإِسْلَامُ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ: الإِسْلَامُ سَهْمٌ، وَالصَّلَاةُ سَهْمٌ، وَالزَّكَاةُ سَهْمٌ، وَالحَجُّ سَهْمٌ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ سَهْمٌ، وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ سَهْمٌ، وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ سَهْمٌ، وَالجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ سَهْمٌ؛ وَقَدْ خَابَ مَن لَا سَهْمَ لَهُ) (٢)؛ والصوابُ الوقفُ. * * *

стр. 664

* قال تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١١٧]. ضرَبَ الله مثلًا لنفقةِ الكافرِ أنَّه لا يَتقبَّلُ منها شيئًا، والصِّرُّ هو البَرْدُ الشديدُ؛ قاله ابنُ عباسٍ وعكرمةُ وسعيدُ بنُ جُبيرٍ وغيرُهم (١). ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ ومجاهدٍ: أنَّه النارُ (٢). وسببُ عدمِ انتفاعِهم هم أنفسُهم؛ فاللهُ لم يَظلِمْهم، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، فهم لم يُقدِّموا العملَ للهِ وحدَهُ، وإنْ أخلَصُوا فيه لربِّهم، فهم لم يُقدِّمُوهُ لله؛ وإنَّما لغيرِه مِن الأربابِ مِن صنمٍ أو وثنٍ أو سلطانٍ، أو طلبًا لِلجاهِ والمَنزِلةِ؛ كما كان الناسُ يَفعلونَ في الجاهليَّةِ. وهذه الآيةُ نظيرُ قولِهِ تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨]. وكلُّ مَن قدَّمَ عملًا في دُنياهُ لدُنياه، لم يُؤجَرْ عليه في أُخرَاه؛ ففي "الصحيحِ"، عن عائشةَ؛ قالتْ: قلتُ: يا رسولَ الله، ابنُ جُدْعَانَ كان في الجاهليَّةِ يَصِلُ الرحِمَ، ويُطعِمُ المسكينَ، فهل ذاك نافِعُهُ؟ قال: (لَا يَنْفَعُهُ؛ إِنَّهُ لم يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) (٣). ومِثلُ هذا قولُ النبيِّ ﷺ لابنةِ حاتمٍ الطائيِّ سَفَّانَةَ، حينَما ذكَرَتْ مكارمَ

стр. 665

أبيها وأخلاقَهُ، فقال لها النبيُّ ﷺ : (لَوْ كَانَ أَبُوكِ مُسْلِمًا، لتَرَحَّمْنَا عَلَيْه، خَلُّوا عَنْهَا؛ فَإِنَّ أَبَاهَا كَانَ يُحِبُّ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ، وَالله يُحِبُّ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ) (١). وذلك أنَّ مِن الكفارِ والمسلِمِينَ مَن يفعلُ الإحسانَ بلا إخلاصٍ؛ وإنَّما لِما جُبِلَ عليه الإنسانُ مِن حبِّ الخيرِ ودفعِ الشرِّ مِن إغاثةِ الملهوفِ وإكرامِ الضيفِ؛ فهذا لا يُقبَلُ ممَّن لم يَحتَسِبْهُ ولو كان مسلِمًا؛ فكيف بكافرٍ أراد بعملِه الجاهَ والسُّمْعةَ والذِّكْرَ؟ ! فلا ينتفِعُ الكافرُ بعملِهِ الصالحِ في الدُّنيا، لانتفاءِ القصدِ في العمل، وانتفاءِ الإسلامِ مِن العاملِ؛ ولذا قال تعالى قَبلَ هذه الآيةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٦]، فذكَرَ استحقاقَهُمُ النارَ لكفرِهم، بعدَما ذكَرَ عدمَ انتفاعِهم بعملِهم في الدُّنيا. ما يُكْتَبُ للكافِرِ من عملِهِ الصالِحِ بعد إسلامه: وإذا أسلَمَ الكافرُ وقد سبَقَ منه عملُ خيرٍ حالَ كُفْرِه، فالأعمالُ التي عمِلَها حالَ الكفرِ على نوعَيْنِ: النوعُ الأولُ: أعمالٌ أخلَصَ فيها للهِ ولو كان في نفسِهِ كافرًا؛ فإنَّ المشرِكينَ لهم أعمالٌ ودعواتٌ يُخلِصُونَ بها للهِ ولو كانوا باقِينَ على الشركِ؛ فالله لا يَقْبَلُها لكفرِهم وإنْ أخلَصُوا فيها؛ لأنَّ الكفرَ يمنَعُ رفعَ العملِ وقَبُولَهُ؛ فهذا النوع مِن العملِ يُحسَبُ لصاحِبِهِ ويُقبَلُ منه بعدَ إسلامِه؛ لِما جاءَ في "الصحيحينِ"، عن حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ؛ أنَّه قال للنبيِّ ﷺ : أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بها فِي الجَاهِلِيَّة، هَلْ لِي فِيهَا مِن شَيْءٍ؟ فقال له رسولُ اللهِ ﷺ : (أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ) (٢).

стр. 666

وإذا أخلَصَ مِن عمَلِه شيئًا حالَ كُفْرِه، فيُعَجَّلُ له نفعُهُ في الدُّنيا فيَستَمتعُ بنعيمِهِ فيها قَبلَ الآخِرةِ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]. النوعُ الثاني: أعمالٌ أشرَكَ بها حالَ كُفْرِه، فجعَلَها لمعبودِه؛ أو أشرَكَ اللهَ مع معبودِه؛ فهذه لا يَقبَلُ الله منها شيئًا ولو كثُرتْ؛ لِظاهِرِ الآية، ولِما جاءَ في "الصحيح"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال ﷺ : (قَالَ الله ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ؛ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ) (١). وهذه لا تُقبَلُ مِن المُسلِمِ المُرائِي، فضلًا عن الكافرِ الأصليِّ. إحباطُ عمل المرتدِّ: ومَن عَمِلَ صالحًا وهو مسلِمٌ مخلِصًا ثمَّ ارْتَدَّ، حَبِطَ عملُهُ بلا خلافٍ؛ لقولِهِ تعالى في الكافرينَ: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقولِهِ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥]، وقولِهِ: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]، وقولِهِ: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٤٧]، وقولِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]، وقولِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ١٩]. وقولِهِ تعالى عن أَعْلَى الناسِ منزِلةً وهم الأنبياءُ: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]. وإنَّما وقَعَ الخلافُ فيمَن عَمِلَ صالحًا وهو مؤمنٌ، ثمَّ ارتَدَّ، ثمَّ رجَعَ إلى الإسلامِ؛ فهل يَرجِعُ إليه عملُهُ الصالحُ السالفُ حالَ إسلامِه؟

стр. 667

تقدَّمَ الكلامُ على هذا في سورةِ البقرةِ عندَ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. توبةُ المرتَدِّ ورجوعُ عملِهِ الصالحِ الحابطِ: وعملُ الكافرِ الصالحُ الذي يُخلِصُهُ للهِ وهو مشرِكٌ، فهذا يُعجَّلُ له نفعُه في الدُّنيا, وليس له في الآخِرةِ به مِن نصيبٍ، ومَن عَمِلَ شيئًا وأشرَكَ مع اللهِ فيه غيرَهُ وهو مشرِكٌ، فلا يَلحَقُهُ نفعُه في الدُّنيا والآخِرةِ؛ وهذا ظاهرُ قولِه تعالى: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. والله يرزُقُ الكافرَ كما يرزُقُ الحيوانَ؛ لأنَّ هذا مُقتضَى ربوبيَّتِه، فخَلَقَ الخَلْقَ وهو المتكفِّلُ بهم، وأصلُ الرزقِ مِن لوازمِ الربوبيَّة، لا مِن لوازم الألوهيَّة، وإن كان للهِ رزقٌ لمَن أطاعَهُ، ومنعٌ لِمَنْ عصاهُ؛ فهذا الرزقُ والمنعُ الخاصُّ وليس هو العامَّ، وقد سمَّى اللهُ نفسَهُ بـ (خيرِ الرازِقِينَ)؛ لأنَّه يرزقُ الكافرَ والمؤمنَ؛ لأنَّه ربُّهم جميعًا، وخَلْطُ كثيرٍ مِن العامَّةِ في هذا البابِ دفَعَ بعضَهم إلى الإلحاد، فيرَوْنَ الكافرَ يُرزَقُ مع كفرِه، ويرَوْنَ المؤمنَ يُحرَمُ مع إيمانِه، ويظنُّونَ أنَّ الرزقَ مِن لوازمِ الألوهيَّة، وهذا خطأٌ؛ فنعيمُ الدُّنيا مِن لوازمِ ربوبيَّتِه، ونعيمُ الآخِرةِ مِن لوازمِ ألوهيَّتِه؛ فالكافرُ في النار، والمؤمنُ في الجنةِ. دعوةُ الكافِرِ المظلوم: ولهذا يستجيبُ اللهُ للكافرِ دعاءَهُ إذا كان مظلومًا, ولا ينظُرُ إلى دِينِه؛ كما يُروى في الحديثِ: (اتَّقُوا دَعْوَةَ المَظْلُومِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا) (١)؛ لأنَّ عَدْلَهُ في كونِهِ مِن ربوبيَّتِهِ كما أنَّه مِن ألوهيَّتِه؛ حتى تستقيمَ الحياةُ فلا

стр. 668

تفسُدَ، فيُجْرِي الله عَدْلَهُ وانتصارَهُ للمظلومِ حتى في الحيوانِ؛ كما في "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا؛ قال رسولُ اللهِ: (لَتُؤَدُّنَّ الحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ القِيَامَة، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الجَلْحَاء، مِنَ الشَّاةِ القَرْنَاءِ) (١)، وَيُروى في الأثرِ: "لو أنَّ جَبَلًا بَغَى على جَبَلٍ، لَدَكَّ اللهُ البَاغِيَ منهما" (٢). ويستجيبُ اللهُ للكافرِ المظلومِ دَعْوَتَهُ ولو على مسلِمٍ؛ لِمُقتضَى عدلِهِ سبحانَهُ في كونِه. لهذا قد يستقيمُ عيشُ الكافرِ بالعدلِ كاستقامةِ عيش الحيوانِ, ولكنْ لا تستقيمُ آخرتُهُ إلا بالإِسلام، وبالإسلامِ تستقيمُ الحياةُ الدُّنيا والآخِرةُ جميعًا, وبمقدارِ النقصِ في الإسلامِ يكونُ الميلُ في استقامةِ الحياتَيْنِ. المظالِمُ التي تكونُ بين الكافِرِ والمسلمِ: وأمَّا حقوقُ الكافرِ التي على المسلمِ في الدُّنيا، فإنْ لم يُعجِّلِ الله للكافرِ حقَّه في الدُّنيا بعقوبةِ المسلم، أو رزقِ الكافرِ بنعيم دنيويٍّ عاجلٍ، فيُحاسَبُ عليها المسلمُ يومَ القيامةِ؛ فتَنقُصُ مِن حسناتِهِ فتُؤخَذُ منه، ولا تُوضَعُ للكافرِ ولا ينتفِعُ بها؛ لأنَّ الحسناتِ المأخوذةَ هي جزاءُ عملٍ صالحٍ للمسلمِ في الدُّنيا، فلو كانت مِن عملِ الكافرِ نفسِه، لم تُقبَلْ منه، فلا يأخذُها اللهُ مِن المسلمِ لِيُعطيَها الكافرَ لِينتفِعَ بعملِ غيرِهِ وهو لا ينتفِعُ بعملِ نفسِه، ولكنَّه يُحرَمُ نفْعَها لكفرِه، ويكونُ ما نزَلَ به في الدُّنيا مِن عمومِ العقوبةِ والبلاءِ الذي يُقدِّرُهُ اللهُ عليه مِن مرضٍ وخوفٍ، وهمٍّ وحزنٍ؛ فيَطُولُ عمرُ كافرٍ وَيقْصُرُ عمرُ آخَرَ، وَيمرَضُ كافرٌ ويَصِحُّ آخَرُ كحالِ البهائمِ، مع أنَّ ظُلمَهُ محرَّمٌ ويُعاقَبُ عليه الظالمُ ولو كان مسلمًا،

стр. 669

كظُلْمِ الإنسانِ المسلِمِ للبهيمةِ بقتلِها صَبْرًا، أو حرقِها وهي حيةٌ وتعذيبِها، يُعاقَبُ على فَعْلَتِهِ تلك يوم القيامة، ولكنْ لا يَلزَمْ مِن عقوبتِه انتفاعُ البهيمةِ بذلك يومَ القيامةِ بدخولِ الجنةِ والنعيمِ فيها، والكافرُ مِن بابِ أَولى. وإذا كان للمسلمِ على الكافرِ مَظلِمةٌ دنيويَّةٌ، فتُؤخَذُ مِن سيِّئاتِ المسلمِ وتُوضَعُ على الكَافرِ؛ لأنَّه لا حسناتِ عندَه تنفعُ المؤمنَ في آخِرتِه. * * * * قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨]. البطانة هي أقربُ الأشياءِ إلى الإنسان، وأصلُ التسميةِ تُطلَقُ لِمَا وَلِيَ بَطْنَهُ مِن ثيابِه؛ فاللِّباسُ على نوعَيْنِ: ظاهرٍ، وباطنٍ، واللباسُ الباطنُ يُسمَّى بِطَانةً؛ لأنَّه ممَّا يَلِي بَطْنَه. وبطانةُ الرجلِ هم خاصَّةُ أهلِهِ الذين يَطَّلِعُونَ على سِرِّه وخَوَاصِّ أمْرِه؛ مِن زوجةٍ، وولدٍ، وأخٍ, وصاحِبٍ مُلازِمٍ، وأمينِ سرٍّ ومالٍ وعهدٍ. اتخاذُ البِطَانةِ: وقد نَهَى الله عمومَ المؤمنينَ عن اتِّخاذِ مَن عادَى اللهَ بِطَانةً، سواءٌ كان ممَّن يُظهِرُ الإِسلامَ مِن المنافِقينَ وأهلِ الظلمِ والفُجُورِ والفِسْقِ والبِدْعَةِ، أو مِن الكافِرينَ الظاهِرينَ، وكلُّ ذلك داخلٌ في الآية، وقد ذكَرَ المُفسِّرونَ مِن السلفِ جميعَ ذلك في معنَى البطانةِ في هذه الآيةِ. قال ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ وقتادةُ والحَسَنُ والسُّدِّيُّ وغيرُهم: هم المنافِقونَ.

стр. 670

ويُروى عن أنسٍ: أنَّهم المُشرِكونَ. أخرَجَهُ عنهم ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ (١). وقال ابنُ عباسٍ ومحمدُ بنُ إسحاقَ: هم اليهودُ. رواهُ عن ابنِ عباسٍ: ابنُ جريرٍ (٢)، وعن ابنِ إسحاقَ: ابنُ المنذرِ (٣). وكلُّ ذلك مِن تنوُّعِ التفسيرِ، لا مِن تعارُضِه. ولا يدخُلُ في معنى البطانةِ مؤاجَرةُ الكافرِ ومعاقدتُهُ في البيعِ والشراءِ؛ فهذا لا أثَرَ فيه على المسلِمِينَ، ولا عُلُوَّ للكافرِ فيه على المؤمِنِينَ، ولا ضرَرَ عليهم منه، وهو مباحٌ بلا خلافٍ، وقد مات النبيُّ ﷺ ودِرْعُهُ مرهونةً عندَ يهوديٍّ. وإنَّما البِطَانة هي اتِّخاذُهُ واليًا أو مستشارًا أو خازنًا للمالِ, وكلَّما كانتِ الولايةُ والاستشارةُ والخزانةُ أكبَرَ، كان أثرُها أشَدَّ وتحريمُها أعظَمَ. ويدخُلُ في البطانةِ الكاتبُ، وأشَدُّ أنواعِهِ: كاتبُ الأسرارِ للحاكمِ والأميرِ؛ روى البيهقيُّ، عن عِياضٍ الأَشعَرِيِّ؛ أنَّ أبا موسى ﵁ وفَدَ إلى عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁، ومعه كاتبٌ نصرانيٌّ، فأَعْجَبَ عمرَ ﵁ ما رأَى مِن حِفْظِه، فقال: قُلْ لكاتبِكَ يقرأُ لنا كتابًا، قال: إنَّه نصرانيٌّ لا يدخُلُ المسجِدَ، فانْتَهَرَهُ عمرُ ﵁، وهَمَّ به، وقال: لا تُكرِمُوهُمْ إذْ أهانَهُمُ الله، ولا تُدْنُوهم إذْ أَقْصَاهُمُ اللهُ، ولا تأتَمِنُوهم إذْ خوَّنَهم الله (٤). والعِلَّةُ في ذلك: ألَّا يَخُونَ أمانتَهُ فيَعظُمَ أثرُ الضررِ به، وكذلك
следующие страницы →