← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وإذا أخلَصَ مِن عمَلِه شيئًا حالَ كُفْرِه، فيُعَجَّلُ له نفعُهُ في الدُّنيا فيَستَمتعُ بنعيمِهِ فيها قَبلَ الآخِرةِ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]. النوعُ الثاني: أعمالٌ أشرَكَ بها حالَ كُفْرِه، فجعَلَها لمعبودِه؛ أو أشرَكَ اللهَ مع معبودِه؛ فهذه لا يَقبَلُ الله منها شيئًا ولو كثُرتْ؛ لِظاهِرِ الآية، ولِما جاءَ في "الصحيح"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال ﷺ : (قَالَ الله ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ؛ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ) (١). وهذه لا تُقبَلُ مِن المُسلِمِ المُرائِي، فضلًا عن الكافرِ الأصليِّ. إحباطُ عمل المرتدِّ: ومَن عَمِلَ صالحًا وهو مسلِمٌ مخلِصًا ثمَّ ارْتَدَّ، حَبِطَ عملُهُ بلا خلافٍ؛ لقولِهِ تعالى في الكافرينَ: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقولِهِ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥]، وقولِهِ: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]، وقولِهِ: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٤٧]، وقولِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]، وقولِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ١٩]. وقولِهِ تعالى عن أَعْلَى الناسِ منزِلةً وهم الأنبياءُ: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]. وإنَّما وقَعَ الخلافُ فيمَن عَمِلَ صالحًا وهو مؤمنٌ، ثمَّ ارتَدَّ، ثمَّ رجَعَ إلى الإسلامِ؛ فهل يَرجِعُ إليه عملُهُ الصالحُ السالفُ حالَ إسلامِه؟

стр. 667

تقدَّمَ الكلامُ على هذا في سورةِ البقرةِ عندَ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. توبةُ المرتَدِّ ورجوعُ عملِهِ الصالحِ الحابطِ: وعملُ الكافرِ الصالحُ الذي يُخلِصُهُ للهِ وهو مشرِكٌ، فهذا يُعجَّلُ له نفعُه في الدُّنيا, وليس له في الآخِرةِ به مِن نصيبٍ، ومَن عَمِلَ شيئًا وأشرَكَ مع اللهِ فيه غيرَهُ وهو مشرِكٌ، فلا يَلحَقُهُ نفعُه في الدُّنيا والآخِرةِ؛ وهذا ظاهرُ قولِه تعالى: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. والله يرزُقُ الكافرَ كما يرزُقُ الحيوانَ؛ لأنَّ هذا مُقتضَى ربوبيَّتِه، فخَلَقَ الخَلْقَ وهو المتكفِّلُ بهم، وأصلُ الرزقِ مِن لوازمِ الربوبيَّة، لا مِن لوازم الألوهيَّة، وإن كان للهِ رزقٌ لمَن أطاعَهُ، ومنعٌ لِمَنْ عصاهُ؛ فهذا الرزقُ والمنعُ الخاصُّ وليس هو العامَّ، وقد سمَّى اللهُ نفسَهُ بـ (خيرِ الرازِقِينَ)؛ لأنَّه يرزقُ الكافرَ والمؤمنَ؛ لأنَّه ربُّهم جميعًا، وخَلْطُ كثيرٍ مِن العامَّةِ في هذا البابِ دفَعَ بعضَهم إلى الإلحاد، فيرَوْنَ الكافرَ يُرزَقُ مع كفرِه، ويرَوْنَ المؤمنَ يُحرَمُ مع إيمانِه، ويظنُّونَ أنَّ الرزقَ مِن لوازمِ الألوهيَّة، وهذا خطأٌ؛ فنعيمُ الدُّنيا مِن لوازمِ ربوبيَّتِه، ونعيمُ الآخِرةِ مِن لوازمِ ألوهيَّتِه؛ فالكافرُ في النار، والمؤمنُ في الجنةِ. دعوةُ الكافِرِ المظلوم: ولهذا يستجيبُ اللهُ للكافرِ دعاءَهُ إذا كان مظلومًا, ولا ينظُرُ إلى دِينِه؛ كما يُروى في الحديثِ: (اتَّقُوا دَعْوَةَ المَظْلُومِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا) (١)؛ لأنَّ عَدْلَهُ في كونِهِ مِن ربوبيَّتِهِ كما أنَّه مِن ألوهيَّتِه؛ حتى تستقيمَ الحياةُ فلا

стр. 668

تفسُدَ، فيُجْرِي الله عَدْلَهُ وانتصارَهُ للمظلومِ حتى في الحيوانِ؛ كما في "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا؛ قال رسولُ اللهِ: (لَتُؤَدُّنَّ الحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ القِيَامَة، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الجَلْحَاء، مِنَ الشَّاةِ القَرْنَاءِ) (١)، وَيُروى في الأثرِ: "لو أنَّ جَبَلًا بَغَى على جَبَلٍ، لَدَكَّ اللهُ البَاغِيَ منهما" (٢). ويستجيبُ اللهُ للكافرِ المظلومِ دَعْوَتَهُ ولو على مسلِمٍ؛ لِمُقتضَى عدلِهِ سبحانَهُ في كونِه. لهذا قد يستقيمُ عيشُ الكافرِ بالعدلِ كاستقامةِ عيش الحيوانِ, ولكنْ لا تستقيمُ آخرتُهُ إلا بالإِسلام، وبالإسلامِ تستقيمُ الحياةُ الدُّنيا والآخِرةُ جميعًا, وبمقدارِ النقصِ في الإسلامِ يكونُ الميلُ في استقامةِ الحياتَيْنِ. المظالِمُ التي تكونُ بين الكافِرِ والمسلمِ: وأمَّا حقوقُ الكافرِ التي على المسلمِ في الدُّنيا، فإنْ لم يُعجِّلِ الله للكافرِ حقَّه في الدُّنيا بعقوبةِ المسلم، أو رزقِ الكافرِ بنعيم دنيويٍّ عاجلٍ، فيُحاسَبُ عليها المسلمُ يومَ القيامةِ؛ فتَنقُصُ مِن حسناتِهِ فتُؤخَذُ منه، ولا تُوضَعُ للكافرِ ولا ينتفِعُ بها؛ لأنَّ الحسناتِ المأخوذةَ هي جزاءُ عملٍ صالحٍ للمسلمِ في الدُّنيا، فلو كانت مِن عملِ الكافرِ نفسِه، لم تُقبَلْ منه، فلا يأخذُها اللهُ مِن المسلمِ لِيُعطيَها الكافرَ لِينتفِعَ بعملِ غيرِهِ وهو لا ينتفِعُ بعملِ نفسِه، ولكنَّه يُحرَمُ نفْعَها لكفرِه، ويكونُ ما نزَلَ به في الدُّنيا مِن عمومِ العقوبةِ والبلاءِ الذي يُقدِّرُهُ اللهُ عليه مِن مرضٍ وخوفٍ، وهمٍّ وحزنٍ؛ فيَطُولُ عمرُ كافرٍ وَيقْصُرُ عمرُ آخَرَ، وَيمرَضُ كافرٌ ويَصِحُّ آخَرُ كحالِ البهائمِ، مع أنَّ ظُلمَهُ محرَّمٌ ويُعاقَبُ عليه الظالمُ ولو كان مسلمًا،

стр. 669

كظُلْمِ الإنسانِ المسلِمِ للبهيمةِ بقتلِها صَبْرًا، أو حرقِها وهي حيةٌ وتعذيبِها، يُعاقَبُ على فَعْلَتِهِ تلك يوم القيامة، ولكنْ لا يَلزَمْ مِن عقوبتِه انتفاعُ البهيمةِ بذلك يومَ القيامةِ بدخولِ الجنةِ والنعيمِ فيها، والكافرُ مِن بابِ أَولى. وإذا كان للمسلمِ على الكافرِ مَظلِمةٌ دنيويَّةٌ، فتُؤخَذُ مِن سيِّئاتِ المسلمِ وتُوضَعُ على الكَافرِ؛ لأنَّه لا حسناتِ عندَه تنفعُ المؤمنَ في آخِرتِه. * * * * قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨]. البطانة هي أقربُ الأشياءِ إلى الإنسان، وأصلُ التسميةِ تُطلَقُ لِمَا وَلِيَ بَطْنَهُ مِن ثيابِه؛ فاللِّباسُ على نوعَيْنِ: ظاهرٍ، وباطنٍ، واللباسُ الباطنُ يُسمَّى بِطَانةً؛ لأنَّه ممَّا يَلِي بَطْنَه. وبطانةُ الرجلِ هم خاصَّةُ أهلِهِ الذين يَطَّلِعُونَ على سِرِّه وخَوَاصِّ أمْرِه؛ مِن زوجةٍ، وولدٍ، وأخٍ, وصاحِبٍ مُلازِمٍ، وأمينِ سرٍّ ومالٍ وعهدٍ. اتخاذُ البِطَانةِ: وقد نَهَى الله عمومَ المؤمنينَ عن اتِّخاذِ مَن عادَى اللهَ بِطَانةً، سواءٌ كان ممَّن يُظهِرُ الإِسلامَ مِن المنافِقينَ وأهلِ الظلمِ والفُجُورِ والفِسْقِ والبِدْعَةِ، أو مِن الكافِرينَ الظاهِرينَ، وكلُّ ذلك داخلٌ في الآية، وقد ذكَرَ المُفسِّرونَ مِن السلفِ جميعَ ذلك في معنَى البطانةِ في هذه الآيةِ. قال ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ وقتادةُ والحَسَنُ والسُّدِّيُّ وغيرُهم: هم المنافِقونَ.

стр. 670

ويُروى عن أنسٍ: أنَّهم المُشرِكونَ. أخرَجَهُ عنهم ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ (١). وقال ابنُ عباسٍ ومحمدُ بنُ إسحاقَ: هم اليهودُ. رواهُ عن ابنِ عباسٍ: ابنُ جريرٍ (٢)، وعن ابنِ إسحاقَ: ابنُ المنذرِ (٣). وكلُّ ذلك مِن تنوُّعِ التفسيرِ، لا مِن تعارُضِه. ولا يدخُلُ في معنى البطانةِ مؤاجَرةُ الكافرِ ومعاقدتُهُ في البيعِ والشراءِ؛ فهذا لا أثَرَ فيه على المسلِمِينَ، ولا عُلُوَّ للكافرِ فيه على المؤمِنِينَ، ولا ضرَرَ عليهم منه، وهو مباحٌ بلا خلافٍ، وقد مات النبيُّ ﷺ ودِرْعُهُ مرهونةً عندَ يهوديٍّ. وإنَّما البِطَانة هي اتِّخاذُهُ واليًا أو مستشارًا أو خازنًا للمالِ, وكلَّما كانتِ الولايةُ والاستشارةُ والخزانةُ أكبَرَ، كان أثرُها أشَدَّ وتحريمُها أعظَمَ. ويدخُلُ في البطانةِ الكاتبُ، وأشَدُّ أنواعِهِ: كاتبُ الأسرارِ للحاكمِ والأميرِ؛ روى البيهقيُّ، عن عِياضٍ الأَشعَرِيِّ؛ أنَّ أبا موسى ﵁ وفَدَ إلى عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁، ومعه كاتبٌ نصرانيٌّ، فأَعْجَبَ عمرَ ﵁ ما رأَى مِن حِفْظِه، فقال: قُلْ لكاتبِكَ يقرأُ لنا كتابًا، قال: إنَّه نصرانيٌّ لا يدخُلُ المسجِدَ، فانْتَهَرَهُ عمرُ ﵁، وهَمَّ به، وقال: لا تُكرِمُوهُمْ إذْ أهانَهُمُ الله، ولا تُدْنُوهم إذْ أَقْصَاهُمُ اللهُ، ولا تأتَمِنُوهم إذْ خوَّنَهم الله (٤). والعِلَّةُ في ذلك: ألَّا يَخُونَ أمانتَهُ فيَعظُمَ أثرُ الضررِ به، وكذلك

стр. 671

حتى لا يتأثَّرَ الناسُ بدِينِه، فيظُنُّوا أنَّ قُربَهُ للسلطانِ والحاكمِ لأجلِ دِينِه، فيُعجَبون به؛ لأنَّ الناسَ تُريدُ القُرْبَ مِن السلطانِ وتُحاكِي حاشيتَهُ وبِطانَتَه، وربَّما البطانةُ الكافرةُ والمنافقةُ تُحسِنُ مرةً ومراتٍ، وعامًا أو أعوامًا، وإذا أساءَتْ، تَرَبَّصَت فأثْخَنَتْ وضَرَّتْ وهَدَمَتْ إحسانَها في أعوامٍ؛ وذلك لأنَّها تُحسِنُ حبًّا لدُنياها وحُظْوتِها ومكانتِها، فإذا خَشِيَتِ الزوالَ أو خافتْ على نفسِها, لم يكنْ لها دِينٌ يَصُونُ رَأْيَها وفِعْلَها. وكذلك: فإنَّ عدمَ اتِّخاذِهم مِن تعظيمِ اللهِ وإجلالِه؛ فلا يُقرَّبُ مَن أَبْعَدَهُ اللهُ، ولا يُؤتَمَنُ مَن خوَّنَه اللهُ، ولا يُصدَّقُ مَن كذَّبَه اللهُ. أنواعُ البطانةِ: والبطانةُ على نوعَيْنِ: بطانةُ تخييرٍ، وبطانةُ تقديرٍ: الأُولى: بطانةُ تخييرٍ؛ وهي مَن يَملِكُ الإنسان اتِّخاذَها باختيارِهِ وإرادتِه؛ فلا يجوزُ للمسلمِ أنْ يتَّخِذَ بطانةً مِن الكافِرينَ والمنافِقينَ. الثانيةُ: بطانةُ تقديرٍ؛ وهي التي يَبتَلِي اللهُ بها الإنسانَ بلا اختيارٍ منه؛ فتقرُبُ منه طلبًا للمصلحةِ وتسلُّلًا إلى دِينِهِ ودُنياهُ لِتَنتفِعَ منه، وهي مِن جُمْلةِ الابتلاءِ الذي يُقدِّرُهُ اللهُ على العبدِ؛ كالأمراضِ والأَسْقَامِ، والمصائب والهمومِ والجراحاتِ؛ فهذا النوعُ ابتلاءٌ وامتحانٌ يقعُ حتى للأنبياءِ والأولياءِ؛ ففي البخاريّ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيّ، عن النبيِّ ﷺ ؛ قال: (مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ، ولا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ، إِلَّا كانت لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْه، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ, فَالمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللهُ تَعَالَى) (١). فالأنبياءُ لا يَختارُونَ بطانةَ الشرِّ، ولكنْ يُبتَلَوْنَ بها، يتقرَّبونَ منهم

стр. 672

لِيُصِيبُوا مِن دُنياهم وَيأمَنُوا بقُرْبِهم؛ كما كان يفعلُ المنافِقونَ بقُربِهم مِنَ النبيِّ ﷺ ؛ كعبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ وغيرِه. والواجبُ في البطانةِ الأولى: عدمُ التقريبِ والاصطفاءِ. والواجبُ في البطانةِ الثانيةِ: توقِّيها عندَ الابتلاءِ بها؛ لأنَّها قدَرٌ، كما يَتوقَّى الإنسانُ البلاءَ؛ مِن مرضٍ وخوفٍ، وهمٍّ، وحرٍّ وبردٍ. ويجوزُ في البطانتَيْنِ العَطِيَّةُ والهديَّةُ كفايةً للشرِّ، وأَمْنًا مِن المَكْر، وتأليفًا للقلبِ؛ لِيَقْرُبُوا مِن الحقِّ، ويَبتعِدُوا عن الباطلِ. ولايةُ الكافِرِ: وفي قولهِ تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ دليلٌ بالأَولى على عدمِ جوازِ توليةِ الكافرِ ولايةً على المسلِمِينَ، فإنْ كان اللهُ قد نَهَى عنِ اتِّخاذِهِ بِطَانةً للمؤمن، وخاصةً صاحِبَ الولاية، فكونُ الكافرِ يُجعَلُ بنفسِهِ صاحبَ ولايةٍ أَوْلى بالنَّهْيِ؛ لأنَّه ما نُهِيَ عن البطانةِ إلا خوفًا مِن تقريبِ صاحبِ الولايةِ واصطفائِهِ له، فيُبدِي رأيَ سَوْءٍ فيَخُونُ، أو يَقتدِي به مَن يراهُ فيَتشبَّهُ به؛ وهذا في صاحبِ الولايةِ أصلٌ، والكافرُ لا يكونُ واليًا على مؤمنٍ إلا مُكْرَهًا. وقولُه تعالى: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾؛ يعني: مِن دونِ المؤمِنينَ، فتتَّخِذُونَ بطانةً منافقةً أو كافرةً مِن دونِ أهلِ الإيمانِ أهلِ ملَّتِكم. مجالسةُ الكافِرِ والمنافِقِ: وفي الآيةِ: دليلٌ على جوازِ مجالسةِ الكافرِ والمنافقِ؛ لِقَصْرِ النهيِ في الآيةِ على اتِّخاذِهم بطانةً، وهو تقريبُهم، أمَّا معاملتُهم ومجالستُهم العارضةُ؛ لتعليمِهم وتوجيهِهم، وتأليفِهم وتأمينِهم؛ للأمنِ مِن مَكْرِهم، فقد كان النبيُّ ﷺ يُجالِسُ الصادقَ والمنافقَ، والصالحَ والفاسقَ،

стр. 673

والمؤمنَ والكافرَ، ولكنْ لا يتَّخِذُ بطانةً إلا أهلَ الحقِّ، ولا يقولُ إلا حقًّا، والمفاصلةُ بينَ المسلمِ والكافرِ والفاسقِ والمنافقِ بكلِّ حالٍ ليس مِن الفقهِ في الدِّين، بل مِن صنعِ أهلِ الغلوِّ والجهلِ. الاستعانةُ بالكافِرِ في الحربِ: وأمَّا الاستعانةُ بالكافِرِ في الحربِ؛ إنْ كان في قتالِ مسلِمينَ، فلا يجوزُ، وإنْ كان في قتالِ كفارٍ آخَرِينَ، فعلى حالينِ: الأُولى: إذا كان النفعُ بتلك الاستعانةِ للكافرينَ أكثرَ مِن المؤمنينَ، وهم رأسٌ، والمسلِمونَ تَبَعٌ لهم، فيتقوَّى بها الكفرُ ويضعُفُ الإسلامُ، فلا يجوزُ بالاتِّفاقِ؛ لأنَّ هذا مظاهرةٌ صريحةٌ لتقويةِ الكفرِ على الإسلامِ. الثانية: إذا كان النفعُ لأهلِ الإِسلامِ أكثرَ، ونفعُ الكفارِ دونَ ذلك، والمسلِمونَ رأسُ الأمر، والكفارُ لهم تَبَعٌ، ففي المسألةِ خلافٌ: - ذهَبَ مالكٌ: إلى عدمِ جوازِ الاستعانةِ بالكافرِ في الحربِ؛ لعمومِ الآياتِ في النهيِ عن اتِّخاذِهِمْ بطانةً وأولياءَ، ولِما في "الصحيحِ"، عن عائشةَ ﵂؛ أنَّ رجلًا مِن المشرِكِينَ كان ذا جرأةٍ ونَجْدَةٍ جاءَ إلى النبيِّ ﷺ يومَ بدرٍ يستأذِنُهُ في أنْ يُحارِبَ معه، فقال ﷺ له: (ارْجِعْ؛ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ) (١). - وذهَبَ جمهورُ الفقهاءِ: إلى الجوازِ بقيودٍ وشروطٍ؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ والشافعيِّ، واختلَفُوا في قَدْرِ هذه الشروطِ ونوعِها، والأصحُّ جوازُ الاستعانةِ في هذه الحالِ بشروطٍ:

стр. 674

الأولُ: إذا كان في المسلِمينَ عجزٌ عن الاستقلالِ بأنفسِهم في قتالِ كفارٍ مُعتدِينَ أو مُتربِّصِينَ. الثاني: إذا كان المسلِمُونَ أهلَ حَلٍّ وعَقْدٍ في أمرِ الحَرْبِ، وهم رأسُ الأمر، والكفارُ لهم تَبَعٌ؛ كالأجَرَاءِ عندَ السيِّدِ. الثالثُ: أنْ يكونَ عددُ الكفارِ قليلًا؛ فلا شَوْكةَ لهم مُنفَرِدِينَ في الحربِ؛ حتى لا يَأتُوا أهلَ الإسلامِ على غِرَّةٍ عندَ النصرِ؛ فيَستَبِيحُوا حُرُماتِهم. الرابعُ: أنْ يكونَ الكافرُ المستعانُ به مأمونَ الأمر، لا يُعرَفُ بخيانةٍ ولا مخادعةٍ؛ فيُفشِي سرًّا للعدوِّ فيتضرَّرُ المسلِمونَ بذلك. وأمَّا قولُ النبيِّ ﷺ في غزوةِ بدرٍ: (فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ)، فهذا لانتفاءِ بعض تلك الشروطِ؛ فهو واحدٌ لا يُحتاجُ إليه، وفي المسلِمِينَ غُنْيَةٌ وكفايةٌ عنه؛ ويُؤيِّدُ هذا أنَّ النبيَّ ﷺ قد استعانَ بالكفارِ بعدَ ذلك؛ كاستعانتِهِ بيهودِ بني قَيْنُقَاعَ وقد قَسَمَ لهم، واستعانَ بصفوانَ بنِ أُمَيَّةَ في هَوَازِنَ، فلا يُقالُ بنسخِ حديثِ غزوةِ بدرٍ لأخبارِ خَيْبَرَ وحُنَيْنٍ وهي بعدَها. والأمرُ مقرونٌ بالسياسةِ والحاجةِ، والضرورةُ يَحْكُمُها أهلُ العلمِ بحَسَبِ النوازلِ واختلافِها، وقد كان النبيُّ ﷺ في أولِ أمرِه يَستَنصِرُ بكافرٍ على كافرٍ؛ لعدمِ وجودِ المسلِمِ المُعِين، كانتصارِهِ بعمِّه أبي طالبٍ على قريشٍ، وكلُجُوءِ الصحابةِ إلى النجاشيِّ وكان نصرانيًّا مِن أذيَّةِ قريشٍ؛ لعدمِ وجودِ مسلم يُعِينُ، وقد استأجَرَ النبيُّ ﷺ الدليلَ الكافرَ كما في هِجْرَتِه، وهذا تَحْكُمُهُ الحاجةُ والعلمُ والديانةُ، لا الأهواءُ واتِّخاذُ الكافرينَ أولياءَ. * * *

стр. 675

* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠]. كان أهلُ الجاهليَّةِ يتبايَعونَ إلى أجَلٍ، فإذا أعسَرَ المشتري، فإنهم يَزيدُونَ في الأجَلِ، ثمَّ يَزيدُونَ في الدَّيْنِ، وَيزيدُونَ في الدَّيْنِ كلَّما زادُوا في الأجَلِ؛ وهذا كما أنَّه عندَهم في البيوع، كذلك يفعَلُونَهُ في القُرُوضِ. فأمَّا البيوعُ: فمَنْ بايَعَ رجلًا إلى أَجَلٍ بقيمةِ كذا، لَزِمَتْهُ القيمةُ في ذلك الأجَل، وإنْ طلَبَ الإمهالَ، فلا يُزادُ في القيمةِ؛ لأنَّ ذلك رِبًا، فالزِّيادةُ جاءتْ على الثمنِ الباقي في ذِمَّةِ المشتري حتى وإنْ كان أصلُ العقدِ بيعًا؛ لأنَّ القيمةَ تَحَوَّلَتْ إلى دَيْنٍ في الذِّمَّة، فيجوزُ التواطُؤُ على قيمةٍ للأجَلِ عندَ عقدِ البيع، ولا يجوزُ الزيادةُ في الدَّين، كلَّما زادَ الأجَلُ بعدَ العقدِ؛ كما كان يفعل أهلُ الجاهليَّةِ عندَ تبايُعِهم إلى أجَلٍ، فيَخْرُجونَ عن حدِّ المُباحِ عندَ العقدِ إلى الزِّيادةِ عليه؛ كلَّما زادَ الأجَلُ بعدَ العقدِ، فيَضُرُّ بالمُعسِرِ كلَّما تأخَّرَ، وقد أرشَدَ اللهُ في ذلك إلى الإِنْظَارِ وأثابَ عليه. فقد روى ابنُ جريرٍ وابنُ المُنذر، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ؛ قال: كانت ثقيفٌ تَدَّايَنُ في بَنِي المُغيرةِ في الجاهليَّة، فإذا حَلَّ الأجَلُ، قالوا: نَزِيدُكم وتُؤخِّرونَ؟ فنزَلَتْ: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ (١). لأنَّ الزيادةَ في ذلك إدخالٌ لعقدٍ على عقدٍ آخَرَ، وبيعُ البائعِ الأولِ سلعةً لا يَملِكُها؛ لحيازةِ المشترِي لها، فهو يَملِكُ قيمةً ليستْ مقبوضةً بيدِه ولا قادرًا على تسليمِها لو أرادَ إقراضَها لغيرِ المشترِي لسلعتِه التي

стр. 676

عاِقَدَهُ عليها، ثمَّ إنَّه لا يَملِكُ السلعةَ بعينِها، فله حقُّ قيمةٍ في الذِّمَّةِ فحَسْبُ. روى ابنُ المُنذِر، عنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ؛ قال: "كانوا يتبايَعُونَ إلى الأَجَل، فإذا حَلَّ الأجَلُ، باعُوا إلى أجَلٍ آخَرَ؛ فنزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ " (١). زيادةُ الدَّيْنِ مقابِلَ الأجلِ: فإنْ طلَبَ الزيادةَ في المالِ لأجْلِ الزيادةِ في الأجَل، فذلك مُحرَّمٌ؛ لأسبابٍ؛ منها: الأولُ: لأنَّه يَرى أنَّه باعَ السلعةَ بيعًا جديدًا، وهو لا يَملِكُها كي يبيعَها، والسلعةُ ملكٌ للمشترِي لا للبائعِ الأولِ. الثاني: لأنَّه لو مَلَكَ السلعةَ، لم تكنْ مقبوضةً لدَيْه، ولا مالكًا للتصرُّفِ فيها, ولا قادرًا على تسليمِها لو أرادَ بيعَها على غيرِ المشترِي الأولِ لها. الثالثُ: لأنَّ الحقَّ أنَّ عقدَ الأجَلِ والزيادةَ عليه إنَّما نزَلَ على حقِّه مِن المالِ الذي بيدِ المشترِي؛ وهذا الرِّبا الصريحُ. الرابعُ: لأنَّ المالَ الذي له في ذِمَّةِ المشترِي لم يكنْ في تصرُّفِهِ ولا في قبضتِه، وإنْ كان داخلًا في حقِّه في ذِمَّةِ غيرِه، كحالِ الميراثِ الذي لم يُقْسَمْ ولم يَقبِضْهُ الورثةُ ولو كان حقًّا لهم، لا يجوزُ لهم التبايُعُ فيه حتى يَقْبِضُوهُ ويَملِكُوا التصرُّفَ فيه. حكمُ التورُّقِ: واختلَفَ العلماءُ في عرضِ السلعةِ للبيعِ عاجلًا بكذا، وآجِلًا بأكثرَ:

стр. 677

فمنهم مَن قال: بالجوازِ. ومنهم مَن قال: بالمنعِ؛ لدخولِ الزيادةِ في الثمنِ على الأجَلِ؛ للشُّبْهةِ فيه مِن رِبا الجاهليَّةِ. وفي هذه المسألةِ كلامٌ طويلٌ، ليس هذا مَوْضِعَهُ. وهذا بخلافِ ما لو عرَضَ السلعةَ بقيمةٍ واحدةٍ آجِلةً وعاجلةً؛ فهذا جائزٌ عندَ الجميع. الزيادةُ في الدُّيُونِ: وأمَّا الديونُ: فمَنْ أقرَضَ أحدًا مالًا، فليس له أنْ يأخُذَ على القرضِ زيادةً عندَ العقدِ ولا بعدَهُ لأَجْلِ الزيادةِ في الأَجَلِ أو لغيرِه؛ فكلُّ قرضٍ جَرَّ نفعًا فهو رِبًا, ولو كان رُبُعَ درهمٍ، أو كان مِن غيرِ جنسِ الدَّيْنِ؛ كمَنْ يُقرِضُ دَرَاهِمَ ويطلُبُ الدراهمَ وفوقَها شاةً أو أرضًا أو ثمرًا؛ فهذا ربًا بالاتِّفاقِ. وقولُه تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ نهيٌ واصفٌ للحالِ التي كان عليها أهلُ الجاهليَّة، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الرِّبا يَعْظُمُ إثمًا بمقدارِ المضاعَفةِ في أَخْذِهِ؛ فالضِّعفانِ أعظَمُ مِن الضِّعْف، وكلَّما زادَ التضعيفُ، زادَ التأثيمُ، وليس في الآيةِ إشارةٌ إلى تهوينِ الرِّبَا في غيرِ الضِّعْف، فضلًا عن جوازِه فيما دونَ ذلك، وقد رُوِيَ في الخبرِ أنَّ درهمَ الرِّبا أعظمُ مِن الزِّنى، وله طرقٌ مرفوعًا وموقوفًا ومقطوعًا، وإنْ كانت ضعيفةً؛ فإنَّ معناهُ صحيحٌ، وليس هذا تهوينًا للزِّنى؛ بل هو تعظيمٌ للرِّبا. وقد تقدَّمَ الكلامُ حولَ الرِّبا وشيءٍ مِن أحكامِه في سورةِ البقرةِ عندَ آياتِ الرِّبا. * * *

стр. 678

قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. ذكَرَ اللهُ فَضْلَ المُنفِقينَ، وذكَرَ فضلَ النفقةِ في الشِّدَّةِ واللِّين، والسَّعَةِ والضِّيق، والقُدْرةِ والعَجْز، والقُوَّةِ والضَّعْفِ؛ إشارةً إلى تَوَارُدِ الحالِ عليه؛ فلا يَقبِضُ خوفَ الفقر، ولا يبسُطُ إذا أمَّلَ الغِنى، وهذا حالُ أهلِ اليقينِ؛ يَثْبُتُونَ على الطاعةِ ما قَدَرُوا عليها، وكلَّما كانتِ الحالُ أَشَدَّ، فالعملُ فيها أعظَمُ، وكلَّما كان الإنسانُ في السرَّاءِ إلى اللهِ أقرَبَ، كان اللهُ إليه في الضَّرَّاءِ أقرَبَ، وأقرَبُ الناسِ إلى اللهِ الثابتُ في سرِّه وعلانيتِه، وسرَّائِهِ وضرَّائِهِ. تلازُمُ كظمِ الغيظِ معَ النفقاتِ: وذَكَر اللهُ كَظْمَ الغيطِ مع ذِكرِهِ النفقةَ؛ تحذيرًا ممَّن يُنفِقُ لِحَظِّ نفسِه؛ فيُنفِقُ على مَن يَرْضَاهُ، ويُمسِكُ عمَّن لا يرضاهُ، وهذا مِن دقيقِ الرِّياءِ، وممَّا يَنقُصُ العملَ أو يُبطِلُهُ ويُذهِبُ بَرَكَتَهُ، وكثيرًا ما يفعلُ الإنسانُ ويظُنُّ أنَّه يفعلُهُ لله، وهو يفعلُهُ لحظِّ نفسِهِ وهَوَاهُ، وربَّما يَعرِفُ بعضُ الصالحينَ مواضعَ الرِّياءِ في العمل، ويَخْفَى عليه مواضعُ الرياءِ في التَّرْك، فيترُكُ لغيرِ اللهِ ويظُنُّ أنَّه لله، وإنَّما هو انتصارٌ لنفسِه، فمَن آذَاهُ، مَنَعَهُ النفقةَ، ومَن أحسَنَ إليه، أَحبَّهُ وأنفَقَ عليه، والنفقةُ حقٌّ للهِ وللمحتاجِ لا للغنيِّ، فيجبُ أنْ يتخلَّى الغنيُّ عن جميعِ حظوظِ النفسِ. فضلُ كظمِ الغيظِ: وقولُه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾؛ أي: لا يُؤثِّرُ ذلك على فِعْلِهم ولا على تركِهم قبلَ غيظِهم، وأعظَمُ الكاظِمينَ للغيظِ أجرًا أَقْدَرُهم على الانتقام، وأمَّا الكاظمُ لغيظِهِ غيرُ القادرِ على الانتصارِ لنفسِه، فَيُؤجَرُ على قدرِ كَظْمِهِ لغيظِهِ وحَبْسِهِ لِما يَقدِرُ عليه؛ فأقلُّ الناسِ يقدرُ على الانتصارِ

стр. 679

لنفسِهِ باللسانِ بالسَّبِّ واللعن، والبهتانِ والغِيبة، ويُؤجَرُ على كظمِهِ لها؛ ففي "المسنَدِ" و"السننِ"؛ مِن حديثِ معاذِ بنِ أنسٍ؛ قال ﷺ : (مَن كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللهُ عَلَى رُؤُوسِ الخَلَائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللهُ مِنَ الحُورِ العِينِ مَا شَاءَ) (١). وربَّما يُثابُ على ما يَجِدُهُ في نفسِه مِن ألَمِ ظُلْمِه؛ لِشِدَّتِهِ عليه وهو غيرُ قادرٍ على الانتصارِ لنفسِه، أكثرَ ممَّن يكتُمُ غيظَهُ وهو قادرٌ على الانتصارِ لنفسِه، لكنَّ ألمَ غيظِه عليه ضعيفٌ؛ لِبُرُودةٍ في طَبْعِهِ وعدمِ حِدَّةٍ، أو يَحبِسُ غيظَه لغيرِ اللهِ خوفًا أنْ تسقُطَ هيبتُهُ عندَ الناس، ويقعُ هذا كثيرًا في المتكبِّرينَ؛ يترُكُونَ الانتصارَ للنفسِ كِبْرًا أنْ يَنتَصِرُوا على مَنْ دُونَهم مِن الضعفاءِ؛ فهؤلاء لا يُؤجَرُونَ على كتمِ غيظِهم؛ لأنَّهم كَتَمُوهُ لغيرِ الله، ولو قدَرُوا على الانتصارِ في الخفاء، لَانْتَصَرُوا. فضلُ العفوِ: وقولُه: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ فيه استحبابُ العفوِ والمسامحةِ، خاصةً عندَ الحقوقِ الماليَّةِ؛ لأنَّ العفوَ وكَظْمَ الغيظِ عُطِفَ على النفقةِ الماليَّة، وقد يُؤخَذُ مِن هذا إسقاطُ الدَّيْنِ عن المَدِينِ العاجز، ويُؤجَرُ على هذا، ولكنَّ أجرَهُ عيه دونَ أجرِ مَن أخرَجَ المالَ صدقةً ابتداءً؛ لأنَّ ذلك أسقَطَ دَيْنَهُ بعدَ يأسٍ مِن الوفاءِ، وعجزٍ عن الانتفاعِ به، وذاك أخرَجَ مالَهُ وهو بيدِهِ قادرٌ على الانتفاعِ به، وفي مسألةِ إسقاطِ الدَّيْنِ واحتسابِهِ مِن الزكاةِ كلامٌ تقدَّمَ بسطُهُ في سورةِ البقرةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠].

стр. 680

وفي قولِه: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ استحبابُ العفوِ عن الزَّلَّاتِ، وأحَقُّ الناسِ بالعفوِ أقرَبُهم؛ كالوالدَيْنِ والأبناء، والإخوةِ والزوجاتِ، ومِثْلُهم العَفْوُ عن الخادمِ؛ لأنَّ كثرةَ القُرْبِ والمُخالَطةِ تُؤدِّي إلى كثرةِ الأخطاءِ في حقِّ الإنسانِ؛ فالناسُ يُخْطِئُونَ، ولكنْ لا يُشاهِدُ خطَأَهم ويَتأذَّى منه إلا مَن خالَطَهم، والبعيدُ لا يَرى الخطأَ إلا بمقدارِ مُخَالَطَتِه، ثمَّ إنَّ الناسَ يَقْوَوْنَ على التصنُّعِ والتحفُّظِ مِن الخطأِ مع البعيد، ولا يَقْوَوْنَ مع القريبِ؛ لهذا كان العفوُ عن خطأِ المُخالِطِ والجليسِ أعظَمَ مِن العفوِ عن خطأِ غيرِه؛ ولذا جاءَ في "سُنَنِ أبي داودَ" و"الترمذيِّ"؛ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ؛ قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ الله، كم نعفُو عن الخادمِ؟ فصَمَتَ، ثمَّ أعادَ عليه الكلامَ، فصَمَتَ، فلمَّا كان في الثالثة، قال: (اعْفُوا عَنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً) (١). وقيل: إنَّ هذه الآيةَ نزَلَتْ في العفوِ عن الخادمِ والمملوكِ؛ روى ابنُ المُنذِرِ عن أبي جعفرٍ، عن ربيعِ بنِ أنسٍ؛ في قولِ اللَّهِ - جلَّ ثناؤُه -: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾؛ قال: "المملوكِينَ" (٢). حدودُ العفوِ وكظمِ الغيظِ: والشريعةُ تَستحِبُّ العفوَ وكَظْمَ الغيظِ ما كان بمقدورِ الناسِ وفي طاقتِهم ووُسْعِهم، وما يُعجَزُ عن تحمُّلِه؛ فيُستحَبُّ الانتصارُ للنفسِ بالعَدْلِ، وطلبُ الإنصافِ بالحقِّ؛ ففي "المسنَدِ" وعندَ "الترمذيِّ" وغيرِه؛ مِن حديثِ حُذيفةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ

стр. 681

نَفْسَهُ)، قالوا: وكيف يُذِلُّ نفسَه؟ قال: (يَتَعَرَّضُ مِنَ البَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ) (١). والناسُ يَتفاوَتُونَ في طبائِعِهم وعزائِمِهم؛ فربَّما يكونُ الأذى واحدًا، يَقْدِرُ عليه واحدٌ، ويَعْجِزُ عنه الآخَرُ، فيَخْتَلِفُونَ في القوَّةِ الباطنة، كما يَختلِفونَ في القوَّةِ الظاهرةِ. * * * قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥]. في الآيةِ: وجوبُ الجهادِ عندَ استنفارِ الإمامِ وعندَ دَهْمِ العدوِّ، ويحرُمُ التولِّي والقعودُ في مثلِ هذه الحالِ؛ ولذا قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]، وفي "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ ابنِ عباسٍ؛ قال ﷺ : (وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ، فَانْفِرُوا) (٢). والآيةُ نزَلَتْ في غزوةِ بَدْرٍ في تَخَلُّفِ بعضِ الصحابةِ عن أمرِ رسولِ اللهِ ﷺ ؛ حيثُ طَلَبَ مَنهم البقاءَ في أماكنِهم فخالَفُوه، والمنافِقونَ تخلَّفُوا عن رسولِ اللهِ ﷺ مِن نصفِ الطريقِ قبلَ رؤيةِ العدوِّ، وكِلا الأمرَينِ محرَّمٌ. ويَظهرُ التحريمُ في الآيةِ في موضعَيْنِ:

стр. 682

الأولُ: في قولِه: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾؛ واسْتِزلالُ الشيطانِ إثمٌ وذنبٌ. الثاني: في قولِه: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾؛ فلا يُعفَى إلا عن خطأٍ أو إثمٍ. وفي الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ اللهَ لا يَحْرِمُ عبدَهُ مِن عملِ الخيرِ ومباشَرةِ البِرِّ إلا بذنبٍ؛ كما في قولِه: ﴿اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾. وقد روى ابنُ جريرٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ؛ في قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ الآيةَ: "وذلك يومَ أُحُدٍ، ناسٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ تَوَلَّوْا عن القتالِ وعن نبيِّ اللهِ يومَئذٍ، وكان ذلك مِن أمرِ الشيطانِ وتخويفِهِ؛ فأنزَلَ اللهُ ما تَسْمَعُونَ: أنَّه قد تجاوَزَ لهم عن ذلك وعَفَا عنهم" (١). وكلَّما كان المسلِمونَ مِن العدوِّ أقرَبَ، كان إثمُ التولِّي أعظَمَ؛ لأنَّ التولِّيَ يُخِلُّ بمواضعِ قوةِ الجيشِ؛ فلا يَملِكُونَ إعادةَ سياستِهم وخُطَطِهم إذا الْتَحَمُوا، بخلافِ ما لو كان التولِّي في أولِ الطريقِ أو في أوسطِه. * * * قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١]. نزَلَتْ هذه الآيةُ في قَطِيفَةٍ فقَدَها الناسُ، فظَنُّوا أنَّ النبيَّ ﷺ أخَذَها؛ كما رواهُ أبو داودَ والترمذيُّ، عن ابنِ عباسٍ ﵄؛ قال: "نزَلَتْ هذه الآيةُ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ في قطيفةٍ حَمْرَاءَ فُقِدَت يومَ بَدْرٍ،

стр. 683

فقال بعضُ الناسِ: لعلَّ رسولَ اللهِ ﷺ أخَذَها! فأنزلَ اللهُ : ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ إلى آخِرِ الآيةِ" (١). فأرادَ اللهُ تنزيهَ نبيِّهِ مِن أنْ يَخُونَ أصحابَهُ وأُمَّتَهُ، ولم يُعاتِبِ اللهُ أصحابَ نبيِّه ﷺ في ظنِّهم ذلك؛ لأنَّ ظنَّهم كان بحُسْنِ قصدٍ أنَّ اللهَ أباحَ له ما لم يُبِحْهُ لغيرِهِ مِن أُمَّتِه؛ فبيَّنَ اللهُ أنَّ حُكْمَ نبيِّه كحُكْمِ سائرِ الناسِ. مِن أحكام الغنائِمِ: والغنائمُ قَسَمَها اللهُ، وجعَلَ ذلك إليه؛ كما في قولِه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآيةَ [الأنفال: ٤١]. وكانت مُحرَّمةً على سائرِ الأنبياءِ وأُمَمِهم؛ فخَصَّ اللهُ بإباحتِها نبيَّه؛ كما في "الصحيحينِ"؛ مِن حديثِ جابرٍ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (أُعْطِيتُ خَمْسًا لم يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ) (٢). وقولُهُ في الآيةِ: ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾؛ أيْ: يَخُونَ. أنواعُ الغنائِمِ: والغنائمُ على نوعَيْنِ: نوعٌ: لا يُحمَلُ ولا يُحفَظُ ولا يُنتَفَعُ به غالبًا إلا في موضعِه؛ كالشرابِ والطعامِ مِن الماءِ واللبَنِ والحليبِ والخُبزِ والفاكهة، فهذا يُطعَمُ ويُنتفَعُ به مِن غيرِ متاجَرَةٍ به.

стр. 684

ويُلحَقُ بهذا النوعِ المتاعُ التافِهُ؛ كالسَّوْطِ والعَصَا والسِّوَاكِ والقلمِ الرخيصِ. ونوعٌ: يُحمَلُ ويُحفَظُ؛ فهذا مِن الغنيمةِ المُحرَّمة، لا تَحِلُّ إلا بعدَ قِسْمَتِها. ويأتي الكلامُ في الغنيمةِ مفصَّلًا في سورةِ التوبةِ بإذنِ اللهِ. * * * قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٧]. الآيةُ نزَلَتْ في المنافِقِينَ وفي ابنِ أُبَيٍّ وأصحابِهِ خاصةً فيمَن تردَّدَ في حُكْمِ الجهادِ والاستجابةِ لأمرِ اللهِ فيه؛ وذلك أنَّ الله أمَرَهُمْ بالخروجِ مع نبيِّه في أُحُدٍ، فرجَعَ ابنُ أُبَيٍّ ومعه ثُلُثُ القومِ؛ فاعتَذَرُوا بقولِهم: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾؛ أيْ: لو نعلَمُ أنَّكم تُقاتِلُونَ لَسِرْنَا معكم، ولَدَافَعْنا عنكم، ولكنَّا لا نظُنُّ أنْ يكونَ قتالٌ. أكثرُ ما يُظهرُ النفاقَ: وإنَّما هي أعذارٌ يُظهِرُ اللهُ بها النِّفاقَ، وأكثرُ ما يُظهِرُ اللهُ باطنَ المنافِقينَ بأمرَيْنِ: الأولُ: بالاستهزاءِ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ٦٤]. الثاني: بالأعذارِ التي يُبْدُونَها للتملُّصِ مِن الحقِّ؛ لِضَعْفِها في

стр. 685

مقابلِ الحُجَّة، وكلَّما كانتِ الحُجَّةُ في وجهِ الحقِّ ضعيفةً، سَتَرَتْ خلفَها كِبْرًا ونِفاقًا؛ لأنَّ النفوسَ لا تتشوَّفُ إلى المعارضةِ بلا سببٍ، فتُبدِي حُجَجًا واهيةً، وأعذارًا ضعيفةً؛ وهي في باطنِها مُعانِدةُ. ولم يكُنِ المنافِقونَ يُعارِضونَ أمرَ النبيِّ ﷺ في الجهادِ؛ وإنَّما يَعتَذِرُونَ بأعذارٍ ضعيفةٍ؛ ففي غزوةِ أُحُدٍ قالوا: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾، وفي تَبُوكَ قالوا: ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التوبة: ٨١]، وفيها قال الجَدُّ بنُ قَيْسٍ: ﴿ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩]. في أُحُدٍ لم يُظهِرُوا الامتناعَ مِن القتالِ؛ وإنَّما لا يظُنُّونَ وقوعَ القتالِ؛ فلا يرَوْنَ خروجَهم بلا فائدةٍ تتحقَّقُ، وفي تَبُوكَ لم يُظهِرُوا الامتناعَ مِن الجهادِ؛ وإنَّما خشيةَ الحَرِّ وحالُهم لو كان بَرْدًا لَخَرَجْنا، وفي تَبُوكَ أيضًا لم يُظهِرِ الْجَدُّ بنُ قَيْسٍ الامتناعَ على الجهادِ؛ وإنَّما أظهَرَ خوفَ الفتنةِ على نفسِه، وظاهرُهُ لو لم تكنْ فتنةٌ فهو مقاتِلٌ، وبكثرةِ الأعذارِ لتركِ الحقِّ يَظهَرُ النِّفاقُ. وهذه الأعذارُ تُخْرِجُهُمْ مِن دائرةِ الكفرِ الظاهرِ إلى النِّفاقِ؛ ولذا قال تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾، فلم يَحْكُمْ بكفرِهم للنبيِّ ﷺ لِيُؤاخِذَهم على الكفرِ؛ وإنَّما حَكَمَ بنفاقِهم؛ لِيُعامِلَهم به؛ ولذا عقَّبَ ذلك بقولِه: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾. احتواءُ المنافِقينَ: ومِن فقهِ السياسةِ في جهادِ النبيِّ ﷺ : احتواءُ المنافِقينَ، وإنْ مَكَرُوا وخَدَعُوا وخَانُوا؛ كما فعَلَ ابنُ أُبَيٍّ حيثُ رجَعَ بثُلُثِ الجيش، فلم يُعاقِبْهُمُ النبيُّ ﷺ بعدَ أُحُدٍ؛ وإنَّما جعَلَهم في عِدَادِ الجماعة، وأخَذَهم في جِهَادٍ بعدَ ذلك؛ لأنَّ عَزْلَهُمْ عن الجماعةِ زيادةٌ لشرِّهم وخُبْثِهم؛ فهم

стр. 686

يَرْجُونَ أنَّ الناسَ تظُنُّهم متأوِّلينَ وليسوا بمنافِقينَ، ولو أُعلِنَ نفاقُ مَن يُبطِنُ شَرَّه، لأظهَرَهُ وانسلَخَ مِن جِلْدِهِ وأعلَىَ العداوةَ، وهذا لا تتشوَّفُ إليه الشريعةُ، واعتبارُهُمْ في الظاهرِ مع جماعةِ المسلِمِينَ لا يَعنِي توليتَهم وِلَايةً، ولا اتِّخاذَهم بِطَانةً. تكثيرُ سوادِ المسلمينَ عند القتالِ: وفي الآيةِ: مشروعيَّةُ تكثيرِ المسلِمينَ عندَ قيامِ النَّفِير، ولو كان الناسُ في كفايةِ عددٍ؛ فالكثرةُ لها أثرٌ في نفوسِ المسلِمينَ بشَدِّ العزيمةِ وتقويةِ الهمَّةِ، ولها أثرٌ على الكفارِ ببَثِّ الخوفِ والرعب، وأكثرُ هزائمِ الجيوشِ معنويَّةٌ أكثرَ منها ماديَّةً. وقد روى ابنُ المُنذِر، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ؛ قال: "تُكَثِّرُوا بأنفُسِكم ولو لم تُقاتِلُوا"؛ وبنحوِ هذا قال الضحَّاكُ وابنُ جُرَيْجٍ وغيرُهما (١). وفي الآيةِ: أنَّ مَن كَثَّرَ سَوَادَ المُجاهِدِينَ، فحَضَرَ معهم ولو لم يَغْزُ: أنَّ له حُكْمَ المجاهِدِ في الأجرِ والثوابِ. وقال أنسُ بنُ مالكٍ: "رأيتُ يومَ القَادِسِيَّةِ عبدَ اللهِ بنَ أمِّ مَكْتُومٍ الأعمَى، وعليه دِرْعٌ يجُرُّ أطرافَها، وبيدِه رايةٌ سوداءُ، فقيل له: أليسَ قد أنزَلَ اللهُ عُذْرَكَ؟ قال: بلى! ولكنِّي أُكثِّرُ سَوَادَ المسلِمِينَ بنفسي" (٢). ورُوِيَ نحوُ هذا عن سهلِ بنِ سعدٍ؛ رواهُ الطبرانيُّ والبخاريُّ في "تاريخِه"؛ مِن حديثِ أبي حازمٍ عنه. وفي قولِه: ﴿تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ بيانٌ لمَراتبِ الجهاد، وأنَّ أعلاهُ المواجهةُ مع العدوِّ، وهو المُقاتَلةُ، وكلَّما كان المجاهدُ مِن

стр. 687

العدوِّ أقرَبَ، كان في الأجرِ والثوابِ أعظَمَ؛ لأنَّ اللهَ أمَرَهم أن يُقاتِلُوا، وإنْ أبَوْا أنْ يكونوا مِن ورائِهم يُكثِّرونَ سَوَادَ المسلِمينَ، ويَحُوطُونَ حريمَهم لو تَقَهْقَرَ المسلِمونَ أو أحاطَ بهم عدوُّهم. جهادُ الطلب، وجهادُ الدفع: وأخَذَ بعضُهم مِن الآيةِ الإشارةَ إلى نوعَي الجهادِ: جهادِ الطلَب، وجهادِ الدَّفْعِ؛ وهذا نسبيٌّ وليس تقسيمًا مطلَقًا في الآيةِ؛ لأنَّ خروجَ النبيِّ ﷺ في غزوةِ أُحُدٍ دفعٌ لا طلبٌ؛ لأنَّه عَلِمَ بقدومِ المشرِكِينَ إليه فتجهَّزَ لمُواجهتِهم وصدِّهم، وهذه الآيةُ نزَلَتْ في أُحُدٍ, ولكنَّ المتأخِّرينَ مِن وراءِ المُقاتِلينَ يُعَدُّونَ مُدافِعينَ بالنسبةِ للمُتقدِّمينَ عليهم، والمتقدِّمينَ يُعَدُّونَ مُقاتِلينَ وطالِبينَ بالنسةِ للمُتأخِّرينَ عنهم. التفاضُلُ بين جهادِ الدفعِ والطلبِ: وجهادُ الطلبِ أَعظمُ مِن جهادِ الدفعِ؛ لأنَّ جهادَ الدفعِ لا يَفتقِرُ إلى نِيَّةٍ، ومشوبٌ بقصدِ حِياطَةِ الدُّنيا وحمايتِها مِن نفسٍ وأرضٍ ومالٍ وعِرْضٍ، وأمَّا جهادُ الطلب، فالقصدُ فيه أكثرُ تجرُّدًا؛ لاشتراطِ النيةِ فيه لإعلاءِ كلمةِ الله، ثمَّ إنَّ أَصلَ جهادِ الدفعِ مِن جِنْسِ الفِطْرةِ والحَمِيَّةِ الموجودةِ في جنسِ الحيوانِ، كان إنسانًا أَو بهيمًا، فهو يدفعُ المعتديَ عليه، وأمَّا جهادُ الطلب، فمِن خصائصِ الإنسانِ وأهلِ الإيمان، وفي جهادِ الدفعِ حمايةٌ للدُّنيا وصَوْنٌ لها، وفي جهادِ الطلبِ تركٌ للدُّنيا وبَذْلٌ لها، وقد يكونُ المجاهدُ يُجاهِدُ جهادَ الدفعِ وله أجرُ جهادِ الطلبِ وفضْلُهُ إذا كان يدفعُ عن مالِ غيرِهِ ونفسِهِ وعِرْضِهِ وأرضِه؛ فهذا في جهادِهِ جهادُ دفعٍ، وأجرُهُ أجرُ طلبٍ. وكِلا الجهادَيْنِ الدفعِ والطلبِ فَضْلُهما عندَ اللهِ عظيمٌ، والأجرُ الواردُ في الكتابِ والسُّنَّةِ لهما في الآخِرةِ يَدْخُلانِ فيه جميعًا، ولكنَّه عندَ

стр. 688

التفاضُلِ؛ فالطلبُ أفضلُ مِن الدفعِ في الآخِرة، وجهادُ الدفعِ أَوْجَبُ في الدُّنيا؛ وهذه المسألةُ مِن نوادِرِ المسائلِ التي يكونُ فيها النفلُ أَعظَمَ مِن الفرضِ وهما مِن جنسٍ واحدٍ. وأخَذَ بعضُهم مِن قولِه: ﴿قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ الإشارةَ إلى عدمِ اشتراطِ النِّيَّةِ في الدفع، فذكَرَ القتالَ فقال: ﴿قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وما ذَكَرَ سبيلَ اللهِ في الدفع، ولعلَّ الأظهرَ: أنَّ اللهَ ذكَرَ الدفعَ بعدَ المُقاتَلةِ في سبيلِ اللهِ عطفًا عليها، وتقديرُهُ: (أو ادْفَعُوا في سبيلِ اللهِ)؛ ولكنْ حذَفَ: (سبيل اللهِ) دفعًا للتكرارِ. ولا خلافَ أنَّ جهادَ الدفعِ لا يفتقرُ إلى نِيَّةٍ؛ وإنَّما قصدُ حمايةِ العِرْضِ والدمِ والنفسِ والمالِ كافٍ في ثُبُوتِ الأجرِ؛ ففي "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ﵄؛ قال: سمِعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِه، فَهُوَ شَهِيدٌ) (١). وعندَ أبي داودَ والنَّسَائِيِّ وغيرِهما؛ مِن حديثِ سعيدِ بنِ زيدٍ: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِه، أَوْ دُونَ دَمِه، أَوْ دُونَ دِينِه، فَهُوَ شَهِيدٌ) (٢). وأمَّا جهادُ الطلب، فلا يُقبَلُ إلا بنيةٍ، ومَن قاتَلَ بلا نيةٍ، فمِيتَتُهُ جاهليَّةٌ؛ لِما في "الصحيحَيْنِ": (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ) (٣). * * *

стр. 689

قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٥]. في الآيةِ: مساواةُ الذَّكَرِ والأُنثى في أُجورِ الأعمال، وإنْ تَبايَنُوا في التكليفِ؛ فتختصُّ المرأةُ بخصائصَ تكليفيَّةٍ تُثابُ عليها؛ كالحِجَابِ والقَرَارِ والعِدَّة، كما يختصُّ الرجلُ بالجهادِ وصلاةِ الجماعة، ويختصُّ الرجلُ عن المرأةِ والعكسُ بمنهيَّاتٍ ليستْ على الآخَرِ؛ كنَهْيِ الرجلِ عن لُبْسِ الحريرِ والذَّهَب، ونَهْيِ المرأةِ عن زيارةِ المقابر، والأصلُ: المشابَهةُ في التكليفات، وعندَ الاختلافِ في التكليفِ يُعوِّضُ اللهُ الجنسَ الآخَرَ بتشريعٍ لو عَمِلَ به لَاكْتَمَلَ له دِينُهُ؛ كما عَوَّضَ اللهُ المرأةَ بالحجِّ عن فرضِ الجهادِ؛ ففي البخاريِّ، عن عائشةَ أمِّ المؤمِنينَ ﵂؛ قالتْ: استأذَنْتُ النبيَّ ﷺ في الجهاد، فقال: (جِهَادُكُنَّ الحَجُّ) (١). تساوي الذَّكَر والأنثى في الثواب: وكلُّ عملٍ يعمَلُهُ أحدُ الجنسَيْنِ موافقًا للتشريع، فأجرُهما فيه سواءٌ وإنِ اختلَفَتْ صورةُ الأداءِ ومكانُه؛ كالصلواتِ الخمسِ, فأجرُ المرأةِ فيه منفرِدةً في بيتِها كأجرِ الرجلِ جماعةً على الصحيحِ. وقد روى ابنُ جريرٍ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ؛ قال: قالتْ أمُّ سَلَمَةَ: يا رسولَ الله، تُذْكَرُ الرِّجالُ في الهجرةِ ولا نُذْكَرُ؟ فنزَلَتْ: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ الآيةَ (٢).

стр. 690

وعدلُ اللهِ يكونُ في الجنسِ الواحدِ عندَ تعذُّرِ أسبابِ القيامِ بالتكاليفِ؛ فالأعمَى تَفُوتُهُ العباداتُ البَصَريَّةُ، وهذا الفَوْتُ يجعَلُهُ اللهُ في غيرِها في بقيةِ حواسِّ الإنسانِ وأركانِه، والأصَمُّ تَفُوتُهُ العباداتُ السمعيَّةُ ويجعَلُ اللهُ أجرَ ما فاتَهُ في بقيةِ حواسِّه؛ فإنَّ صلاةَ القاعدِ العاجزِ كصلاةِ القائمِ القادرِ سواءً، وهذا مُقتضَى حديثِ عِمرانَ بنِ حُصَيْنٍ؛ كما في "الصحيح": (صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لم تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لم تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ) (١)، وهذا عندَ العجزِ يَسْتَوِي الأجرُ؛ لأنَّ عِمرانَ كان مريضًا بالبواسيرِ. وعندَ التقصيرِ في العبادةِ مع القدرةِ عليها، ينقُصُ الأجرُ بمقدارِ ما ترَكَ مِن المقدورِ؛ لحديثِ: (صَلَاتُهُ قَائِمًا أَفْضَلُ مِن صَلَاتِهِ قَاعِدًا، وَصَلَاتُهُ قَاعِدًا عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاتِهِ قَائِمًا) (٢)، وهذا في النَّفْلِ؛ فإنَّ ترْكَ القيامِ مع القدرةِ عليه في الفرضِ مُبطِلٌ لها. شروطُ قبولِ العملِ: وفي قوله تعالى: ﴿لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ إشارةٌ إلى قَبُولِ كلِّ عملٍ عَمِلَهُ الإنسانُ مع إخلاصٍ في ظاهرِه، ومتابَعَةٍ في باطِنهِ؛ فالإخلاصُ والمتابعةُ هما شرطَا قَبولِ العمل، فالعملُ المُوافِقُ للسُّنَّةِ بلا إخلاصٍ: لا يُقبَلُ؛ ففي "صحيحِ مسلم"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال ﷺ : (قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْك، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ) (٣). ومَن أخلَصَ في عملٍ ولم يكنْ على السُّنَّة، فعملُهُ بدعةٌ لا تصحُّ منه، وشرط الإخلاصِ أقوَى مِن شرطِ المتابعةِ؛ لأنَّ اللهَ لا يَقبَلُ العملَ

стр. 691

الموافقَ للسُّنَّةِ إذا تضمَّنَ شِركًا في النيَّةِ ولو كان يسيرًا، ولكنْ قد يَقبَلُ اللهُ العملَ الذي فيه شائبةُ بدعةٍ يسيرةٍ إذا أخلَصَ صاحِبُهُ فيه للهِ؛ فمَن عَمِلَ عملًا مشروعًا، ولكنِ ابتَدَعَ في وصفِهِ أو زمنِهِ أو مكانِه، فيُؤجَرُ على القَدْرِ الذي تابَعَ فيه، ويأثم بقدرِ المخالَفةِ؛ كمَن يُسبِّحُ ويَحمَدُ ويُكبِّرُ خمسينَ دُبُرَ كلِّ صلاةٍ؛ فهذا العددُ لم يَرِدْ فيه دليلٌ، فقد شابَ السُّنَّةَ بشائبةِ بدعةٍ، يُقبَلُ منه الذِّكْرُ ويُؤجَرُ عليه، ولا يُؤجَرُ ويأثمُ على بدعتِه، ولو كان هذا الخَلْطُ في إخلاصِهِ لَمَا تُقُبِّلَ منه شيءٌ من عَمَلِهِ. أنواعُ البدعةِ باعتبار الثواب: والبدعةُ لا يُؤجَرُ عليها صاحِبُها؛ وإنَّما يُؤجَرُ على ما خالَطَها مِن السُّنَّةِ؛ ولهذا فإنَّ البدعةَ باعتبارِ الإثابةِ عليها وعدمِها على نوعَيْنِ: الأولُ: بدعةٌ مُحدَثةٌ أصليَّةٌ، فلم تأتِ بها سُنَّةٌ؛ كبدعةِ الرقصِ للرجال، وكذا الغناءُ والتصفيقُ في الأيامِ والأزمنةِ الفاضلةِ عندَ بعضِ المُبتَدِعةِ؛ فهذا عملٌ لا يُقبَل منه شيءٌ ولو أخلَصَ فيه، ويأثَمُ به فاعلُهُ بمقدارِ بدعتِهِ وعِلْمِهِ بها وتقصيرِهِ في رفعِ جهالتِهِ عن نفسِه. وأعظَمُ مِن ذلك البدعُ الكبرَى في أصولِ الدِّينِ. الثاني: بدعةٌ إضافيَّةٌ، دَلَّ الدليلُ على ثبوتِ أصلِها، ولم يدُلَّ الدليلُ على ثبوتِ ما أُضِيفَتْ إليه؛ كمَن يُضِيفُ ذِكْرَ اللهِ وقراءةَ القرآنِ إلى مناسباتٍ وأزمنةٍ لا دليلَ عليها؛ كمَن يقرأُ القرآنَ في المآتِمِ والعزاءِ والمَوْلِدِ وليلةِ الإسراءِ والمِعراجِ؛ فهؤلاء لا يَخلُونَ مِن حالتَيْنِ: الحالةُ الأُولى: إنْ فعَلُوا ما فعَلُوهُ عن جهلٍ وحُسنِ قصدٍ، فإنَّهم يُؤجَرُونَ على ما خالَطَ البِدْعةَ مِن السُّنَّةِ، ولا يُؤجَرونَ على البِدْعةِ المُخالِطةِ للسُّنَّة، ويرتفعُ عنهم الإثم بمقدارِ قيامِ الجهلِ والعذرِ فيهم. الحالةُ الثانيةُ: إنْ فعَلُوا ما فعَلُوهُ عن علمٍ وسُوءِ قصدٍ، فيُحْدِثُونَ

стр. 692

بدعةً ويُضِيفُونَ إليها سُنَّةً، أو يَأتُونَ بسُنَّةٍ ويُضِيفُونَ إليها بدعةً بعِلْمٍ وقصدٍ؛ فهؤلاء لا يُؤجَرونَ على عَمَلِهم سُنَّةً وبدعةً؛ لأنَّهم أنشَؤُوا العملَ المُخالِفَ للسُّنَّةِ عن عِلمٍ؛ وإنَّما يُؤجَرُوا على ما أُضِيفَ إلى البدعةِ مِن السُّنَّةِ؛ لأنَّهم يَعلَمُونَ أنَّهم لنْ يَقومُوا بالسُّنَّةِ وحدَها لو لم تكنِ البدعةُ فيها؛ فالبدعةُ هي ما جَرَّ السُّنَّةَ إليها لتُشرَّعَ البدعةُ وَيقبَلَها الناسُ، ولو لم تكنِ البدعةُ موجودةً ما جاؤُوا بالسُّنَّةِ وحدَها؛ لهذا لا يُؤجَرونَ على تلك السُّنَّةِ المُختلِطةِ بالبدعةِ؛ لِعِلْمِهم وسُوءِ قصدِهم. العملُ الصالحُ من الكافِرِ؛ إذا أسلَم: ويُقبَلُ العملُ مِن المُشرِكِ المُخلِصِ في عملٍ يعملُهُ يُتابعُ فيه الحقَّ إذا تابَ مِن شِرْكِهِ كلِّه؛ لما في "الصحيحَيْنِ"، عن حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ ﵁؛ قال: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بها فِي الجَاهِلِيَّةِ مِن صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ، وَصِلَةِ رَحمٍ؛ فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَجْرٍ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ) (١). فحَكِيمٌ كان يعملُ عملًا في الحاهليَّةِ مُخلِصًا به لله، ولم يكنْ مُبتدِعًا، مع كونِه مُشْرِكًا في أعمالٍ أُخرَى؛ فاللهُ لا يُضِيعُ عمَلَهُ الذي أخلَصَ فيه ووافَقَ الحقَّ به بعدَ دخولِه في الإسلامِ. وفي عمومِ الآيةِ: ﴿لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ دليلٌ على رجوعِ عملِ المُرتَدِّ إليه بعدَ توبتِهِ مِن كُفْرِهِ ممَّا كان يعمَلُهُ وهو مسلِمٌ كالحجِّ وغيرِه، وتقدَّمَت الإشارةُ إلى هذا في سورةِ البقرةِ عندَ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [٢١٧].

стр. 693

وقد يُؤجَرُ العبدُ على نِيَّتِهِ ولو لم يَعْمَلْ، ولا يُؤجَرُ على العملِ ولو تابَعَ فيه إذا كان بلا إخلاصٍ للهِ؛ لأنَّ اللهَ يُعطِي العبدَ على نِيَّتِهِ ما لا يُعطِيهِ على عملِه. الثوابُ على العملِ الباطل: وفي ظاهرِ الآيةِ أنَّ كلَّ عملٍ يعملُهُ الإنسانُ لا يُضِيعُهُ اللهُ على صاحِبِهِ ما أخلَصَ فيه وتابَعَ، ولو كان باطلًا في ذاتِه ولم يَعلَمِ العبدُ ببطلانِه؛ كمَنْ يُصلِّي صلاةً على غيرِ وُضوءٍ وهو لا يَعلَمُ، فيُكتَبُ له الأجرُ؛ لأنَّه حالَ عَمَلِها يَحْسَبُ أنَّه أدَّاها بإخلاصٍ وموافَقةٍ، وإذا عَلِمَ، وجَبَ عليه الإعادةُ، وعملُهُ السابقُ مأجورٌ عليه ولا يَضِيعُ منه شيءٌ، ولكنَّه لا يُسقِطُ التكليفَ؛ فمِن الناسِ مَن يقومُ الليلَ كلَّه يَحْسَبُ أنَّه على طُهرٍ، فإذا قضَى صلاتَهُ تذكَّرَ أنَّه ليس على طُهْرٍ، فإنَّه يُؤجَرُ على ما أدَّاهُ، وإنْ أَمْكَنَهُ أن يُعِيدَ أعَادَ. وكثيرٌ مِن العلماءِ يُفرِّقونَ ببنَ الجاهلِ والناسي في الإعادةِ: فيُعذَرُ الجاهلُ عندَهم، ولا يُعذَرُ الناسي، وإنْ كان الأجرُ لا يَضِيعُ عليهما جميعًا، وفي "المسنَدِ"، و"السننِ"؛ مِن حديثِ أبي ذرٍّ؛ قال: "إِنِّي كُنْتُ أَعْزُبُ عَنِ المَاء، وَمَعِي أَهْلِي، فَتُصِيبُنِي الجَنَابَةُ فَأُصَلِّي بِغَيْرِ طُهُورٍ، فَأَمَرَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَاءٍ، فَجَاءَتْ بِهِ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ بِعُسٍّ يَتَخَضْخَضُ مَا هُوَ بِمَلْآنَ، فَتَسَتَّرْتُ إِلَى بَعِيرِي، فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورٌ، وَإِنْ لم تَجِدِ المَاءَ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدتَّ المَاءَ، فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ) " (١). * * *

стр. 694

قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. الرِّباطُ صِنْوُ الجهادِ الأصغر، وهو حمايةُ الحُرُماتِ ممَّن يَسْتبيحُها، وهو مِن المُرابَطةِ والرَّبْطِ، وهو طولُ الإقامةِ والملازَمةِ للمكان، ومَن ماتَ في رباطٍ، كان له أجرُ الشهيدِ وفضلُهُ؛ ففي "صحيح البخاريِّ"، عن سهلِ بنِ سعدٍ ﵁؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: (رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا العَبْدُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ الغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا) (١). وفي "صحيح مسلمٍ"، عن سَلْمَانَ ﵁؛ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: (رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِه، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الذي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الفَتَّانَ) (٢). وعن فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ ﵁؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: (كُلُّ المَيِّتِ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا المُرَابِطَ؛ فَإِنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَة، وَيُؤَمَّنُ مِنْ فَتَّانِ القَبْرِ)؛ رواهُ أبو داودَ والترمذيُّ (٣). فضلُ الرباطِ وانتظارِ العبادة: وكلُّ طولِ انتظارٍ لعبادةٍ، فهو رباطٌ، ويَعْظُمُ الرِّباطُ بأمورٍ: الأولُ: بمقدارِ ورودِ الخوفِ على المُرابِطِ يكونُ الأجرُ له أعظَمَ؛ فمَن رابَطَ على ثَغْرٍ مَخُوفٍ ليس كمَنْ رابَطَ على ثغرٍ آمِنٍ. الثاني: بمقدارِ ما يقومُ على حمايتِه؛ فمَن يُرابِطُ على الأعراضِ والأنفُسِ أعظَمُ ممَّن يُرابِطُ على الأموال، ومَن يُرابِطُ على حُرْمةِ الدِّينِ

стр. 695

أعظَمُ ممَّن يُرابِطُ على حُرْمةِ الدُّنيا، وأعظَمُ الرِّباطِ ما اجتمَعَتْ فيه حمايةُ الحُرُماتِ كلِّها. الثالثُ: بطولِ الرِّباطِ يعظُمُ الأجرُ؛ فرِباطُ اليومِ أعظَمُ مِن رِباطِ الساعة، ورِباطُ الشهرِ أعظَمُ مِن اليوم؛ ففي "الصحيحِ"؛ قال ﷺ : (رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ) (١). والأحاديثُ الواردةُ في فضلِ الرِّباطِ بالعمومِ شاملةٌ لكلِّ رِباطٍ في سبيلِ الله، وبمقدارِ أسبابِ التعظيمِ يعظُمُ الأجرُ. ويُطلَقُ الرِّباطُ على انتظارِ العبادةِ في المساجدِ والاعتكافِ فيها؛ ففي مسلمٍ، عن أبي هريرةَ؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: (أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ )، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: (إِسْبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِه، وَكَثْرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِد، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاة، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ) (٢). والمقصودُ في الآيةِ والأحاديثِ السابقةِ قبلَ حديثِ أبي هريرةَ: رِباطُ الثُّغُورِ. ولا يتمُّ الجهادُ إلا بالرِّباط، ولا فلاحَ للأُمَّةِ إلا بهما؛ ولذا قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ أيْ: لا يتحقَّقُ الفلاحُ إلا بجهادٍ ورِباطٍ على تَقْوَى مِن اللهِ وصبرٍ ومُصابَرةٍ على الحقِّ. ويدخُلُ في فضلِ الرِّباطِ حمايةُ الأعراضِ والأموالِ والأنفُسِ في بُلْدانِ المسلِمينَ مِن السُّرَّاقِ والفُسَّاقِ عندَ غَفْلةِ أهلِها عنه، خاصةً في الليلِ؛ فرِباطُ الليلِ أعظَمُ مِن رِباطِ النهارِ وأفضَلُ؛ لأنَّه أشَدُّ وأثقَلُ وأَخْوَفُ، والناسُ إليه أَحْوَجُ.

стр. 696

سُورَةُ النِّسَاءِ سورةُ النساءِ سورةٌ مدنيَّةٌ جميعُهَا، ولهذا قال أكثرُ السلفِ؛ ففي البخاريِّ، عن عائشة؛ أنها قالتْ: "ما نَزَلَتْ سورةُ النساءِ إلَّا وأَنا عند رسول الله ﷺ يعني قد بنَى بها - " (١). وكذلك فإنَّ النساءَ نزَلَتْ بعد البقرةِ في قولِ عامَّةِ العلماء، وعند جمهورِهِم: أنها نزَلَتْ بعد آلِ عمران، وفد أنزَلَ الله فيها تفاصيلَ التشريعِ والأحكامِ خاصَّةً المتعلِّقةَ بالنساءِ من نكاحِهِنَّ وحقوقِهِنَّ بالمهرِ والنفقةِ والكسوةِ، وأحكامِ المواريث وعقوبةِ الفاحشةِ وتحريمِ عَضْلِهِنَّ، وبيان المحرَّماتِ مِن النساءِ وما يحلُّ منهنَّ، والقِوَامةِ عليهنَّ، وأحكامِ هَجرِهِنَّ والإصلاح لهنَّ، وبيَّن الله فيها جملةً مِن أحكامِ الشريعةِ؛ كالجهادِ وصلاةِ الخوفِ وغيرهما. قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. في الآيةِ: وجوبُ صِلةِ الأرحامِ؛ لأنَّ اللهَ حرَّمَ قَطْعَها وعظَّمَ أمْرَها، وكانتِ الناسُ في الجاهليَّةِ تَسألُ بها؛ إدراكًا لِعِظَمِهَا، وفي قولِه: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ قراءتانِ: الأُولى: بالكسرِ عطفًا على الضميرِ المُجاوِرِ في قولِه: ﴿بِهِ﴾،

стр. 697

وبنحوِ هذا القولِ قولُ مَن قال: مجرورٌ بالباءِ المُقدَّرَةِ؛ أيْ: تَساءَلونَ باللهِ وبالأرحام، والصحيحُ عندَ النحْويِّينَ جوازُ العطفِ على الضميرِ المجرورِ بدونِ إعادةِ الجارِّ. ورُوِيَ القولُ بالجرِّ عن مُجاهِدٍ والنخَعيِّ والحسَنِ. روى ابنُ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ: " ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾؛ قَالَ: هُوَ أَنْشُدُكَ بِاللهِ والرحِمِ"؛ أخرَجَهُ ابنُ المُنذرِ وابنُ جريرٍ (١). ورُوِيَتْ هذه قراءةً عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ. والثانيةُ: بالنصبِ عطفًا على قولِه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: اتَّقُوا اللهَ والأرحامَ؛ وبهذا قرَأَ الجمهورُ. وعلى الثانيةِ يُسأَلُ باللهِ وحدَهُ، وتُتَّقَى معصيتُهُ وقطيعةُ الأرحامِ. السؤالُ بالرحِمِ: وليس في القراءةِ الأُولى قَسَمٌ بغيرِ الله، وحَمَلَ الكسرَ فيها المفسِّرونَ على معانٍ؛ منها: ما صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ والحسنِ: "اتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَساءَلونَ به، واتَّقُوهُ في الأرحامِ فَصِلُوهَا" (٢). وصحَّ عن مُجاهدٍ وغيرِه؛ قالُوا: "أيْ: أنْشُدُكَ بِاللهِ والرحِمِ" (٣). ومنها ما صحَّ عن النَّخَعيِّ؛ قال: "اتَّقُوا اللهَ الذي تَعَاطَفُونَ به والأرحامِ؛ يقولُ: الرجلُ يَسألُ باللهِ وبالرَّحِمِ" (٤). وليس في ذلك حَلِفٌ وقَسَمٌ بغيرِ اللهِ؛ وهذا نظيرُ ما رواهُ أحمدُ في "عِلَلِه"، وابنُ مَعِينٍ في "معرفةِ الرجالِ"، والطبرانيُّ، عن الشعبيِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ؛ قال: "كنتُ أسألُ عليًّا ﵁ الشيءَ، فيَأْبَى عليَّ،

стр. 698

فأقولُ: بحقِّ جعفرٍ، فإذا قلتُ: بحقِّ جعفرٍ، أَعْطَانِي" (١). وهذا تذكيرٌ بحقِّ جعفرٍ، وهو رَحِمُهُ التي يتَّصلُ بها مع عليِّ بنِ أبي طالبٍ؛ لأنَّه أَخُوهُ، وعليٌّ عمُّ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ, وقرينةُ ذلك: أنَّه خَصَّ جعفرًا؛ لأنَّه مَعْقِدُ الوصلِ بينَهما، وحَقُّ جعفرٍ الوصلُ، وليس هذا حَلِفًا؛ بل مناشدةٌ وتعاطُفٌ؛ ويُؤيِّدُ هذا ما جاء عن ابنِ مسعودٍ؛ أنَّه قرَأَ: (وبِالأرحَامِ)، وقال: "كانوا يتناشَدونَ بذِكرِ اللهِ والرحِمِ (٢)؛ يقولُ الرجلُ: سألتُك باللهِ والرَّحِمِ". صلةُ الرحمِ: وقد أمَرَ اللهُ بصِلَةِ الرحِمِ في كتابِهِ في مواضعَ عديدةٍ؛ منها في سورةِ البقرةِ والرعدِ: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة: ٢٧, والرعد: ٢٥]؛ صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: "أكبرُ الكبائرِ: الإشراكُ باللهِ؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ [الحج: ٣١]، ونقضُ العهد، وقطيعةُ الرَّحِمِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥]؛ يعني: سوءَ العاقبةِ"؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ (٣). وقال به قتادةُ والسُّدِّيُّ. والآيةُ شاملةٌ لكلِّ قَطْعٍ لِمَا أمَرَ اللهُ بوَصْلِهِ مِن الحقِّ. الحكمةُ من صلة الرحمِ: وصِلَةُ الأرحامِ توثيقٌ لصِلةِ القَرَابة، ووفاءٌ للحقّ، وحُسْنُ عهدٍ،

стр. 699

وهي تقوِّي الفِطْرةَ؛ فإنَّ الشيطانَ يَقْرُبُ مِن الفردِ ويبتعِدُ عن الجماعة، فالصلةُ تُوثِّقُ غريزةَ الحياءِ والأمانة، وإذا ابتعَدَ الإنسانُ عن مَعارفِه وقَرَابتِه، ضَعُفَتْ نفسُه، وقَوِيَ شيطانُه، وسوَّلتْ له نفسُهُ الشرَّ؛ فالنفوسُ الضعيفةُ في بلدِ الغُرْبةِ غيرُها في بلدِ الأهلِ والعَشِيرَةِ؛ ولذا قَرَنَ اللهُ قطيعةَ الرحمِ بالفسادِ في ثلاثةِ مواضعَ: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ في البقرةِ والرعدِ [البقرة: ٢٧، والرعد: ٢٥]، وقال في سورةِ محمَّدٍ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [٢٢]. أنواعُ الأرحامِ: والرحِمُ على نوعَيْنِ: الأولُ: الرَّحِمُ المحرَّمةُ؛ أيْ: مَنْ يَحْرُمُ الزواجُ به لو كان أحدُهما أُنْثَى، والآخَرُ ذَكَرًا؛ وهذا النوعُ أعظَمُ في الحقِّ، وكلَّما كانتِ المَحْرَمِيَّةُ أعظَمَ، كان الوصلُ أَوْجَبَ، والقطيعةُ أشَدَّ؛ فالأمُّ أعظَمُ مِن الأب، والوالدانِ أعظَمُ مِن الأبناء، والأبناءُ أعظَمُ مِن الإخوة، والإخوةُ أعظَمُ مِن الأعمامِ والأخوالِ. والآباءُ وإنْ عَلَوْا حكمُهُمْ واحدٌ، إلَّا أنَّ الحقَّ يضعفُ كلَّما بَعُدَ؛ فالأبُ أعظَمُ مِن الجَدِّ، والجدُّ الأولُ أعظَمُ مِن الجدِّ الثاني، وهكذا في الأبناءِ وإنْ نزَلُوا. ولأَجْلِ الرحِمِ حَرَّمَ اللهُ الجمعَ بينَ الأختَيْن، والجمعَ بينَ المرأةِ وعمَّتِها أو خالتِها؛ لأنَّهما لا يَحرُمانِ على الانفِرادِ؛ لأنَّ الجمعَ بينَهما يُؤدِّي إلى قطيعةِ الرحِمِ؛ ففي "الصحيحَيْنِ"، عن أبي هُرَيْرَةَ؛ قال ﷺ : (لَا يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا) (١).

стр. 700

ولا يُحرِّمُ اللهُ ما أصلُهُ مباحٌ، إلا لأجلِ تفويتِ واجبٍ أو وقوعٍ في محرَّمٍ. الثاني: الرحمُ غيرُ المحرَّمة، وهم مَن غيرُ النوعِ الأول، وأعظَمُهم حقًّا أقرَبُهُمْ رحمًا، وأقربُهُمْ رحمًا مَن يتَّصِلُ بأقربِ الأرحامِ المحرَّمِينَ، فأقربُهم منه أعظمُهم حقًّا؛ كأولادِ العمِّ والخال، وأولادِ العمَّةِ والخالةِ. حكمُ صلةِ الرحمِ: ويتَّفِقُ العلماءُ على وجوبِ صِلَةِ الأرحامِ مِن النوعِ الأول، ويختلِفونَ في وجوبِ صِلةِ النوعِ الثاني - مع الاتِّفاقِ على فضلِه - على قولَيْن، وهما قولانِ أيضًا للإمام أحمَدَ: فذهَبَ جمهورُ العلماءِ: إلى وجوبِ صلةِ الأرحامِ محارمَ وغيرَ محارمَ، وحقُّهم بمقدارِ قُرْبِهم حسَبَ الطاقةِ والوُسْعِ؛ لعمومِ الأدلةِ في صلةِ الرحِمِ مِن غيرِ تفريقٍ بمحرَّمةٍ وغيرِ محرَّمةٍ. والأظهرُ: وجوبُ صِلَةِ الرحِمِ المُحرَّمة، وأمَّا غيرُ المُحرَّمة، فعلى حالَيْنِ: الأُولى: رحِمٌ غيرُ مُحرَّمٍ محتاجٌ إلى رحِمِه، فيجبُ وصلُه، وتجبُ كفايتُهُ وقضاءُ حاجتِهِ على القادرِ مِن ذوي رحِمِهِ الأقرب فالأقرب؛ لأنَّهم أَوْلى الناسِ به، ويَرِثُهُ ويَرِثُونَهُ عندَ عدمِ وجودِ أصحابِ الفُرُوضِ مِن ورَثَتِه. ويتعيَّنُ على الحاكمِ إلزامُ قرابتِهِ القادِرِينَ بكفايةِ المحتاجِ مِن أرحامِهِمْ وسَدِّ حاجتِهِمْ، وكلَّما كانتْ حاجةُ ذوي الرحمِ أشَدَّ، كان الوصلُ له أوجَبَ؛ قال تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنقال: ٧٥, والأحزاب: ٦]، وقد جعَلَ النبيُّ ﷺ الدِّيَةَ في العَاقِلَة، وهم القَرَابَةُ ولو كانوا مِن غيرِ ذوي الأرحامِ؛ لحقِّ الرحِمِ في العَوْنِ ولو كان بعيدًا.

стр. 701

الثانيةُ: رَحِمٌ غيرُ مُحرَّمٍ غيرُ محتاجٍ؛ فهذا وصلُهُ مِن أعظَمِ الأعمالِ وأفضلِ البِرِّ، إلا أنَّه لا يجبُ؛ فاللهُ لم يُحرِّمِ الجمعَ بينَ بناتِ العمِّ والعمَّة، وبناتِ الخالِ والخالة، وإنْ أدَّى ذلك إلى القطيعة، وعامَّةُ الفقهاءِ على جوازِ هذا الجمعِ بينَ القَرابات، واللهُ لا يُحِلُّ شيئًا يُؤدِّي إلى حرامٍ غالبٍ أو قطعيٍّ، والقطيعةُ بينَ الضَّرَّاتِ غالبةٌ، وقد جاء تعليلُ النهيِ في الجمعِ بينَ المرأةِ وعمَّتِها أو خالتِها خوفَ القطيعةِ في بعضِ الرواياتِ عندَ ابنِ حِبَّانَ؛ قال ﷺ : (إِنَّكُنَّ إِذَا فَعَلْتُنَّ ذَلِكَ، قَطَعْتُنَّ أَرْحَامَكُنَّ) (١). والأحاديثُ الواردةُ في الأرحامِ وصِلَتِهِم يُحمَلُ الوجوبُ منها على النوعِ الأوَّل، وعلى الحالةِ الأُولى مِن النوعِ الثاني، ويُحمَلُ الفضلُ على الجميع، وأقرَبُهم أحقُّهم وأعظَمُهم أجرًا في وصلِه، وإطلاقُ صلةِ الرحمِ مِن غيرِ تقييدٍ بقيدٍ فاصلٍ يُهدِرُ الحُكْمَ ويُضيِّعُهُ، والواجباتُ تُحكَمُ في الشريعةِ وتُضبَطُ، ولو قيل بصِلةِ كلِّ القراباتِ والأرحامِ لَمَا عُرِفَ لذلك حدٌّ ولَشَقَّ على الناسِ ذلك، وتقييدُهُ بذوي الأرحامِ هو قولُ أبي الخطَّابِ مِن الأصحاب، وقولُ جماعةٍ مِن فقهاءِ الحنفيَّةِ والمالكيَّةِ كالقَرَافِيِّ وغيرِه. وفي هذا يقولُ النبيُّ ﷺ ؛ كما رواهُ أحمدُ، عن أَبِي رِمْثَةَ؛ قال رسولُ اللهِ ﷺ : (أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ) (٢). وفي "الصحيحِ"، عن أبي هريرةَ؛ قال: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قال: (أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ, ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ) (٣).

стр. 702

وبعضُ الفقهاءِ يجعلُ ذوي الأرحامِ الذين يجبُ وصلُهُمْ هم الذين يَرِثُونَ؛ وبهذا القولِ يخرُجُ الأخوالُ؛ وهذا ضعيفٌ؛ ففي "الصحيحِ": (الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ) (١)، وقد جاء مِن قولِ النبيِّ ﷺ في أحاديثَ في "المسندِ"، و"السُّنَنِ"، و"المسانيدِ"؛ مِن حديثِ عليٍّ والبَرَاءِ (٢). وفي "المسندِ"؛ مِن حديثِ عليِّ بن أبي طالبٍ؛ قال ﷺ : (فَإِنَّ الْخَالَةَ وَالِدَةٌ) (٣). وكذلك فإنَّ العمَّ بمنزلةِ الأبِ؛ كما في "صحيح مسلمٍ"؛ قال النبيُّ ﷺ لعُمَرَ: (يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ) (٤). والوعيدُ الواردُ في القرآنِ والسُّنَّةِ في قطعِ الأرحامِ يُحمَلُ على ذوي الأرحامِ؛ كقولِهِ تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٢، ٢٣]. وقولِه ﷺ : (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ) (٥). والفضلُ واردٌ على جميع الأرحامِ؛ كقولِهِ: (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِه، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِه، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) (٦)، وأقربُهُمْ رَحِمًا أعظمُهُمْ حقًّا، ووصلُهُ أعظَمُ أجرًا. المحرَّمُ بالرضاعِ لا يدخُلُ في الأرحامِ: ولا يدخُلُ في الأرحامِ الرَّضَاعُ بالاتِّفاقِ؛ لأنَّ الرحِمَ إنَّما سُمِّيَتْ

стр. 703

رحِمًا للولادة، لا للرَّضَاعِ؛ (خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ، قَامَتِ الرَّحِمُ، فَقَالَ: مَهْ، قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَة، فَقَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَك، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَذَلِكِ لَكِ) (١). * * * قال تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]. ذكَرَ اللهُ أموالَ الأيتامِ بعدَ بيانِ حقِّهِ تعالى بتَقْواهُ وحُكْمِ الرحِمِ بالوصلِ؛ لأنَّ غالبَ كفالةِ الأيتامِ تكون مِن ذوي الرحِمِ والقُربى، فيتتبَّعُ الرجلُ أيتامَ أخيهِ وأختِهِ وعمِّهِ ونحوِهِمْ؛ فبَيَّنَ اللهُ حقَّهم وخصيصتَهُمْ بالحقِّ والفضلِ والحُرْمةِ. وأعظَمُ اليُتْمِ فَقْدُ الأبَويْن، ثمَّ فقدُ الأب، ثمَّ فقدُ الأمِّ، ويُطلَقُ في الشرعِ اليُتْمُ على مَن فقَدَ أباهُ ولو كانتْ أُمُّه باقيةً؛ قال ابنُ السِّكِّيتِ: "اليُتْمُ في بني آدمَ مِن قِبَلِ الأب، وفي غيرِهم مِن قِبَلِ الأمِّ" (٢). وتُسمِّي العربُ مَن فقَدَ أبوَيْهِ لَطِيمًا، ويستمرُّ وصفُهُ باليُتْمِ ما لم يَحتلِمْ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : (لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ)؛ رواهُ أبو داودَ (٣). تعظيمُ حقِّ اليتيمِ ومالِهِ: وعظَّمَ اللهُ مالَ اليتيمِ؛ لضَعْفِهِ عن الانتصارِ لنفسِهِ ومعرفةِ حقِّه، ولمَّا كانتِ البَلْوَى تَعُمُّ بمخالَطةِ مالِهم في أموالِ مَن يَكفُلُهُمْ لتنميتِها أو

стр. 704

حِفْظِها، شدَّدَ اللهُ فيها أنْ تُخلَطَ بغيرِها قَصْدَ الإضرارِ بها والتكثُّرِ بها والإفسادِ لها؛ كمَن يَخلِطُ مالَهُ بمالِ اليتيمِ لِيَأْكُلَهُ، أو لأنَّ مالَهُ قليلٌ ومالَ اليتيمِ كثيرٌ، أو مالَهُ رديءٌ ومالَ اليتيمِ جيِّدٌ وطيِّبٌ؛ ليتقاسَمَهُ بعدَ ذلك؛ فيكونَ الطيِّبُ مِن نصيبِه، والخبيثُ مِن نصيبِ اليتيمِ؛ فيُبْدِلَ هذا بهذا. وقال سعيدُ بنُ المسيَّبِ والزهريُّ: "لا تُعْطِ مَهْزولًا، وتأخُذَ سَمِينًا" (١). وقال إبراهيمُ النَّخَعيُّ والضحَّاكُ: "لا تُعْطِ زائفًا، وتأخُذَ جيِّدًا" (٢). وجنسُ أكلِ مالِ اليتيمِ أعظَمُ مِن جنسِ أكلِ مالِ الرِّبا؛ لأنَّ مالَ اليتيمِ يُؤخَذُ عن جهلٍ وضعفٍ، أو قهرٍ وغلَبةٍ، ويستتِرُ بأكلِهِ عن الناس، ويُؤكَلُ بالتحايُلِ وتأكُلُهُ النفوسُ الضعيفةُ الدنيئةُ، بخلافِ الرِّبا؛ فكثيرًا ما يُؤخَذُ عن رِضًا وتوافُقٍ، والنفوسُ تَعَافُ أكلَ مالِ اليتيمِ؛ لِمَا جُبِلَتْ عليه مِن الرحمةِ والأنَفةِ عن الضعيف، ولأنَّ اليتيمَ غالبًا ما يكونُ في كفالةِ ذي الرحمِ؛ لذا كان أكلُ مالِ اليتيمِ أقَلَّ وقوعًا وانتشارًا بخلافِ الرِّبا؛ لذا جاءَتِ النصوصُ في الوعيدِ في الرِّبا أكثَرَ وأشَدَّ مِن مالِ اليتيمِ؛ لأنَّ الرِّبا بلاءٌ عامٌّ، وأكْلَ مالِ اليتيمِ بلاءٌ خاصٌّ. والشريعةُ تُعظِّمُ الذنبَ الذي ينتشرُ ويَشِيعُ، وتُشدِّدُ فيه أكثَرَ مِن غيرِهِ ولو كان أشَدَّ منه؛ ولهذا قُدِّمَ في الحديثِ أكلُ الرِّبا على أكلِ مالِ اليتيمِ؛ كما في البخاريِّ؛ قَالَ النبيُّ ﷺ : (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: (الشِّرْكُ بِالله، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيم، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ

стр. 705

الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ) (١). وجاء في روايةِ مُسلِمٍ في هذا الحديثِ تقديمُ أكلِ مالِ اليتيمِ على أكلِ الرِّبا (٢). وقولُه: ﴿حُوبًا كَبِيرًا﴾؛ يعني: إثمًا عظيمًا؛ قاله ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه (٣). وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ الكلامُ على جوازِ مشارَكَةِ الكفيل لمالِ اليتيمِ والمتاجَرةِ به في قولِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. * * * قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]. بعدَما ذكَرَ اللهُ الأيتامَ وحَقَّهم ببرِّهم وحفظِ مالِهم ذكورًا وإناثًا، أشار إلى ما تَحْتَرِزُ منه نفسُ كفيلِ اليتيمِ عادةً، مِن أمرِ المخالطةِ؛ كما تقدَّمَ في قولِهِ تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، فالناسُ تتهيَّبُ قُرْبَ مالِ اليتيمِ؛ لحُرمَتِهِ ولضَعْفِ صاحِبِه، فتخافُ الإثمَ، وخوفُها ربَّما أجحَفَ باليتيمِ وبمالِه، فيُترَكُ عن النَّمَاءِ والإصلاحِ؛ فيَهْلِكُ بأكلِهِ أو تفسُدُ عينُهُ بعدمِ العنايةِ به إذا كان زرعًا أو ماشيةً ونحوَ ذلك. وممَّا تتهيَّبُهُ النفوسُ: العدلُ في حقِّ اليتيمةِ التي تكونُ في حَجْرِ كفيلِها، وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾؛ يعني: تحرَّجْتُم؛ كما قاله مجاهدٌ (٤).
следующие страницы →