وقيَّدَ اللهُ الرخصةَ بالتعدُّدِ عندَ الأمنِ مِن الحَيْفِ وظُلْمِ الأزواجِ؛ روى ابنُ أبي حاتم وابنُ جريرٍ، عن قتادةَ؛ قال في قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾؛ يَقُولُ: "إِنْ خِفْتَ أَلَّا تَعْدِلَ فِي أَرْبَعٍ فَثَلاثًا، وَإِلَّا فَاثْنَيْن، وَإِلَّا فَوَاحِدَةً" (١).
وقولُهُ تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾؛ أيْ: ألَّا تَجُورُوا وتَميلُوا في حقِّهنَّ؛ قالتْهُ عائشةُ، وبه قال ابنُ عبَّاسٍ ومجاهدٌ وعكرمةُ وغيرُهم، ورُوِيَ مرفوعًا مِن حديثِ عائشةَ؛ ولا يصحُّ، والصوابُ وقفُه؛ قاله أبو حاتمٍ (٢).
وروى الشافعيُّ، عن ابنِ عُيَيْنَةَ؛ أنَّه قال: "ذلك أَدْنَى ألَّا تَفْتَقِرُوا" (٣).
وقيل في قولِه: ﴿أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾؛ أيْ: كيلا تكثُرَ عيالُكُمْ فلا تَقدِرُوا على النفقةِ.
وأظهَرُ المَعاني في هذه الآيةِ: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾؛ أيْ: ألَّا تَجُورُوا وتَمِيلُوا في حقِّ النِّساءِ فتَظلِموهُنَّ؛ كما هو قولُ عامَّةِ المفسِّرينَ، وهو ما يَجري استعمالُهُ في لغةِ العربِ وقريشٍ خاصَّةً؛ قال أبو طالبٍ:
بِمِيزَانِ صِدْقٍ مَا يَعُولُ شَعِيرَةً … وَوَزَّانِ صِدْقٍ وَزْنُهُ غَيْرُ عَائِلِ
وقال الشاعرُ:
إِنَّا تَبِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَاطَّرَحُوا … قَوْلَ الرَّسُولِ وَعَالُوا فِي المَوَازِينِ
وأمَّا قولُ الشافعيِّ: إنَّ المرادَ: حتى لا تكثُرَ عيالُكُمْ، فلا تَقدِرُوا على الإنفاقِ؛ فهو قولٌ مرجوحٌ، ولم يُفسِّرْهُ بهذا أحدٌ مِن الصحابة،
стр. 713
وقولُ الثعلبيِّ: "إنَّه لم يَقُلْ بهذا التأويلِ غيرُ الشافعيِّ" (١)، فِيه نظرٌ؛ فقد رواهُ الدارقطنيُّ، عن زيدِ بنِ أَسْلَمَ؛ قال: "ذلك أَدْنى ألَّا يكثُرَ مَن تَعُولُونَه" (٢).
وربَّما أخَذَهُ الشافعيُّ مِن قولِهِ ﷺ ؛ كما في "الصحيحَيْنِ": (وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ) (٣).
ولكنَّ النصوصَ والأثرَ تُضعِّفُ القولَ بهذا التأويلِ في هذه الآيةِ وفي هذا السياقِ؛ فلم يَثْبُتْ في تركِ الأولادِ وتكثيرِهم خشيةَ الفقرِ والنفقةِ شيءٌ.
حكمُ تعدُّدِ الزوجاتِ:
وتعدُّدُ الأزواجِ للقادرِ العادلِ شِرْعَةٌ نبويَّةٌ وفِطْرةٌ صحيحةٌ؛ فقد تزوَّجَ إبراهيمُ اثنتَيْن، وتزوَّجَ داودُ ألفَ امرأةٍ؛ كما جاء في التوراةِ وفي بعضِ حكاياتِ بني إسرائيلَ، وتزوَّج سليمانُ مِئَةَ زوجةٍ؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ (٤)، وجمَعَ خيرُ الناسِ محمدٌ ﷺ إحدى عَشْرةَ، وقيل: تسعَ نِسْوةٍ، والروايتانِ في "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ أنسٍ (٥).
وأكثرُ الصحابةِ تزوَّجُوا أكثَرَ مِن واحدةٍ، منهم مَن جمَعَهنَّ، ومنهم مَن تزوَّجَ وفارَقَ، وقد روى البخاريُّ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ؛ قال: قال لي ابنُ عبَّاسٍ: "هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ: لا، قال: فَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً" (٦).
وهو شِرْعَةٌ إلهيَّةٌ لحكمةٍ عظيمةٍ، بها يتحقَّقُ دفعُ مفاسدَ عظيمةٍ مِن
стр. 714
النِّساءِ والرِّجال، وإنْ غابتْ حكمتُها عندَ بعضِ الناس؛ فلِقصورِها ومُكابَرتِها عن إدراكِ مكامنِ النفوسِ وبواطنِ الغرائزِ.
وأكثرُ مَن يُنكِرُ شريعةَ اللهِ في التعدُّدِ مِن الرجالِ اليومَ هم ممَّن هان الزِّنى في قلبِه؛ فاللهُ يُنظِّمُ ما تفعلُهُ النفوسُ المريضةُ في السرِّ ليكونَ في العَلانِيَة، ويدفَعُ به العَنَتَ والمشقَّةَ التي تجدُها النفوسُ السويَّةُ، وبه تنتظمُ الفِطْرةُ، ويُدفَعُ الحرامُ، وتتحصَّنُ الأعراضُ، وقد قُلْتُ لأحدِ الفلاسفةِ الغربيِّينَ: "تقييدُ تعدُّدِ الزوجاتِ بأربعٍ خيرٌ ممَّا تُبيحُونَهُ مِن الزِّنى بالعشيقاتِ بلا عددٍ؛ فالإسلامُ أمَرَ بإعلانِ ما تُخْفُونَهُ وضبَطَه وحَدَّهُ حتى لا تضيعَ الحقوقُ، وتحريمُ التعدُّدِ والزِّنى بالعشيقاتِ جميعًا اختلالٌ لفِطْرةِ المجتمع، وتكليفٌ لها بما لا تُطِيقُ، وإباحةُ الزِّنى وتحريمُ التعدُّدِ ظُلْمٌ في الدِّينِ وإهدارٌ لحقوقِ الزوجينِ".
وأمَّا كراهةُ المرأةِ أنْ يُعدِّدَ عليها زوجُها، فذاك ليس كُرْهًا للشريعةِ؛ ولكنَّه كُرْهٌ لأنْ تُشارَكَ هي في نصيبِها مِن زوجِها، وهذا مِن أبوابِ الغَيْرَةِ والشُّحِّ، لا مِن أبوابِ كُرْهِ التشريعِ؛ ولذا لا تجدُ المرأةُ المسلمةً حَرَجًا مِن تعدُّدِ غيرِ زوجِها، وتَكرَهُهُ في زوجِها لحَظِّ نفسِها.
واتَّفَقَ العلماءُ أنَّ الحُرَّ يتزوَّجُ أربعَ نسوةٍ، واختلَفُوا في العبد، وهما روايتانِ عن مالكٍ: قيل: إنَّه كالحُرِّ؛ وهذا قولُ أهلِ الظاهر، وقال الجمهورُ: يتزوَّجُ اثنتَيْن، وهو الأصحُّ؛ فهو قولُ عمرَ وعليٍّ وابنِ عوفٍ، ولا أعلَمُ مَن خالَفَهم مِن الصحابةِ.
* * *
стр. 715
قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤].
والصَّدَاقُ هو المَهْرُ، ويُسمَّى في القرآنِ أَجْرًا؛ قال تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤].
حكمُ المهرِ:
وهو فريضةٌ في النكاحِ؛ لقولِهِ في الآيةِ: ﴿نِحْلَةً﴾؛ يعني: فريضةً؛ وبهذا فسَّرَهُ ابنُ عبَّاسٍ وعائشةُ وقتادةُ وابنُ جُرَيْجٍ (١)، وهو فرضٌ بالاتِّفاقِ كما حكاهُ غيرُ واحدٍ؛ كابْنِ رُشْدٍ.
والعقدُ يصحُّ بلا تسميةٍ للمهرِ على قولِ جمهورِ الفُقَهاءِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]؛ فإباحَةُ اللهِ الطلاقَ قبلَ تسميةِ المهرِ دليلٌ على صحةِ العقد، وأنَّ المهرَ والصَّدَاقَ لا يتعلَّقُ بصحةِ العقدِ؛ وإنَّما هو حقٌّ لاستباحةِ البُضْعِ؛ قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فيُبتغى النكاحُ بالأموالِ؛ سواءٌ سُمِّيَ أو لم يُسَمَّ.
وشرطُ عدمِ المهرِ وإسقاطِهِ عندَ العقدِ فاسدٌ في نفسِهِ بالاتِّفاق، مُفسِدٌ للعقدِ على الصحيحِ؛ لأنَّ العقدَ بلا مهرٍ هِبَةٌ، والهبةُ لا تصحُّ في النكاح إلا للنبيِّ ﷺ ؛ كما قال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٠]، ولا خلافَ عندَ العلماءِ أنَّ الهبةَ في النكاحِ بلا صداقٍ لا تجوزُ، وقد نصَّ على الإجماعِ غيرُ واحدٍ.
стр. 716
تأخُّرُ المهرِ عن العقدِ:
ولو تأخَّرَ تقابُضُ المهرِ عن العقدِ أو تمَّ العقدُ بلا تسميةٍ للمهر، جاز؛ لِمَا تقدَّمَ، ولِمَا روى أبو داودَ والترمذيُّ؛ أنَّ ابنَ مسعودٍ سُئِلَ عن رجلٍ تزوَّجَ امرأةً، ولم يَفْرِضْ لها صداقًا، ولم يَدْخُلْ بها حتى مات؟ فقال ابنُ مسعودٍ: "لها صداقُ نسائِها، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، وعليها العِدَّةُ، ولها الميراثُ؛ فقام مَعْقِلُ بنُ سِنَانٍ الأشجعيُّ، فقال: "قَضَى رسولُ اللهِ ﷺ في بِرْوَعَ بِنتِ واشِقٍ: امرأةٍ منَّا، مِثلَ ما قَضَيْتَ" (١).
والأَمَةُ يجوزُ وَطْؤُها بلا مهرٍ؛ لأنَّ حقَّها غيرُ حقِّ غيرِها مِن النساءِ.
المهرُ حقٌّ للمرأةِ:
وفي الآيةِ: دليلٌ على أنَّ المهرَ حقٌّ للمرأة، لا لوليِّها ولا لأهلِها؛ فاللهُ يقولُ: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾، فأمَرَ بإعطائِهِنَّ أنفُسِهِنَّ، وأكَّدَهُ بقولِه: ﴿نِحْلَةً﴾، ثمَّ بيَّنَ أنَّ المهرَ لا يُسقِطُهُ الوليُّ؛ لأنَّه ليس مِن حقِّه، في قولِه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾، فالأمرُ بإسقاطِ شيءٍ مِن المهرِ وهبتِه: لها، لا لوليِّها، وهذا يُؤكِّدُ حقَّها وَحْدَها فيه؛ وهذا خلافُ ما كان عليه أهل الجاهليَّةِ؛ إذْ كان يتكثَّرُ الأولياءُ بمهورِ بناتِهم وأخواتِهم، وكان الرجلُ إذا وُلِدَ له بنتٌ يقالُ له: (هنيئًا لك النَّافِجَةُ) (٢)؛ يعني: ما تَزِيدُ في مالِك وتُغنِيكَ بمَهْرِها، فكان المهرُ مِلْكًا للوليِّ لا للزوجة، فأبطَلَهُ اللهُ وجعَلَهُ حقًّا للزوجة، تَضَعُ منه ما تشاءُ، وتُبقِي لها ما تشاءُ، عن طِيبِ نفسٍ منها بلا إكراهٍ، وقد كان بعضُ الجاهليِّينَ تترفَّعُ نفوسُهم عن مهورِ بناتِهم تعفُّفًا عن حَقِّهِنَّ؛ كما يقولُ الشاعرُ:
стр. 717
وَلَيْسَ تِلَادِي مِنْ وِرَاثَةِ وَالِدِي … وَلَا شَادَ مَالِي مُسْتَفَادُ النَّوَافِجِ
تعظيم شرطِ المهرِ للنكاحِ:
وفي قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ دليلٌ على أنَّ حقَّ اللهِ في المهرِ أعظَمُ مِن حقِّ الزوجة، وأنَّ الزوجةَ لا تَملِكُ إسقاطَ جميعِ مَهْرِها ولو كان بِطِيبِ نفسٍ منها؛ ولذا قال: ﴿طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ﴾ , فلا يجوزُ للمرأةِ أن تُسقِطَهُ كلَّه، ولكنْ لها أنْ تُسقِطَ منه؛ فاللهُ شرَعَهُ لتُحفَظَ به الحقوقُ، وتُكرَمَ به المرأةُ، وحتى لا يُتَّخَذَ إباحةُ إسقاطِ المرأةِ للمهرِ ذريعةً لإلغائِهِ كلِّه في العقود، فأجاز اللهُ لها إسقاطَ بعضِهِ لا كلِّه.
إسقاطُ المرأةِ لبعضِ مَهْرِها:
وفي قولِه تعالى: ﴿عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ تحريمُ أخذِ المالِ بالإكراهِ وبسيفِ الحياء، ولو أظهَرَتِ الرضا؛ لحيائِها أو خوفِها، وقد حَكَى غيرُ واحدٍ مِن العلماءِ: أنَّ ما أُخِذَ مِن المالِ بسيفِ الحياءِ, فهو حرامٌ؛ لأنَّ الحياءَ, يَغْلِبُ بعضَ النفوس، فتهابُ مَعَرَّةَ الإمساك، فلا تُحِبُّ الذمَّ، فإذا أُخِذَ الحقُّ تخويفًا مِن كلامِ الناس، أو تهيبًا مِن معرَّتِهم وذمِّهم، فالمأخوذُ حرامٌ، وسيفُ الحياءِ كسيفِ الإكراه، وكلُّها مَعَانٍ تقومُ في النفسِ تدفَعُ صاحِبَها إلى بذلِ ما لا يُريدُ بَذْلَهُ لو كان مختارًا.
فإذا لم تَملِكِ الزوجةُ إسقاطَ المَهْرِ كلِّه، فوَلِيُّها مِن بابِ أَولى؛ لأنَّه حقٌّ للهِ رخَّصَ لهم بإسقاطِ بعضِهِ لا كلِّه، والتراضِي على الإسقاطِ لا يُجِيزُ الإسقاطَ؛ كالتراضِي بينَ الطرَفَيْنِ على الرِّبا لا يُجِيزُهُ.
المهرُ المؤخَّر:
وفي قولِه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ دليلٌ على جوازِ تأخيرِ بعضِ المهرِ بعدَ الدخولِ أو عندَ الطلاق، وهو ما يعتادُهُ بعضُ الناسِ
стр. 718
اليومَ بمُؤخَّرِ المهرِ؛ لأنَّ ما جازَ إسقاطُهُ جاز تأخيرُهُ، وإذا تشارَطَ الزوجانِ تأخيرَ بعضِ المهر، وجَبَ الوفاءُ به، وهو شرطٌ صحيحٌ، وفي "السُّنَنِ"؛ قال ﷺ : (المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا) (١)، وفي "الصحيحَيْنِ"؛ قال ﷺ : (إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوفَى بِه، مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفرُوجَ) (٢).
وقوله: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ إشارةٌ لحِلِّهِ بطِيبِ نفسٍ منها، لا مكرًا ولا خديعةً، ولا إكراهًا وتغلُّبًا بسيفِ الحياءِ.
وفي الآيةِ: دفعٌ لِحَرَجِ النفوسِ التقيَّةِ مِن قُرْبِ مهرِ الزوجةِ إذا أَحَلَّتْهُ لزوجِها أو لأبيها عن طِيبِ نفسٍ منها.
شرطُ الوليِّ لنفسِهِ مالًا:
وإذا شرَطَ الأبُ حقًّا له مِن مالٍ ونحوِهِ على الزوجِ عندَ العقدِ وقَبلَهُ الزوجُ، فاختلَفَ العلماءُ في صحةِ ذلك الشرطِ على قولَينِ:
قال بجوازِه مسروقٌ وإسحاقُ.
وقد رُوِيَ عن مسروقٌ: أنَّه لمَّا زوَّجَ ابنتَهُ شترَطَ لنفسِهِ عَشَرةَ آلافٍ، فجعَلَها في الحجِّ والمساكين، ثمَّ قال للزوجِ: "جَهِّزِ امرأتَك".
ورُوِيَ هدا عن عليِّ بنِ الحُسَيْنِ (٣).
وقال مَن جَوَّزَ ذلك للأبِ: إنَّه يَملِكُ مالَ أولادِهِ مِن غيرِ شرطٍ، وفي الشرطِ مِن بابِ أَولى.
وقال عطاءٌ وعكرمةُ وطاوسٌ وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ والثوريُّ ومالكٌ والشافعيُّ: بعدمِ صحةِ ذلك، ويكونُ الشرطُ عندَهم - إلَّا الشافعيَّ - حقًّا
стр. 719
للمرأةِ؛ لأنَّه أخَذَ مالًا بسب نكاحِها؛ فيكونُ في حُكمِ مهرِها الذي تَملِكُه؛ فيَؤُولُ إليها، لا لأبيها.
وهذا هو الأظهَرُ؛ لأنَّ المهرَ يَنْقُصُ لأجلِ هذا الشرطِ عادةً، فربَّما نقَصَ الأبُ ين مهرِ ابنتهِ لِيَقْبَلَ الزوجُ شرطَه لنفسِه، فيكونُ حيلةً للإضرارِ بالزوجةِ.
ونصَّ أحمدُ على أنَّ شرطَ غيرِ الأبِ كالجَدِّ والعمِّ والخالِ والأخِ في المهر، لا يصحُّ، ويعودُ الشرطُ مهرًا للزوجةِ.
ويرى الشافعيُّ الشرطَ مِن الأبِ وغيرِهِ يُفسِدُ تسميةَ المهرِ كلِّه؛ لأنَّ الشرطَ عدَ اشتراطِهِ ينقُصُ مِن حقِّها، حتى لا يُثقِلَ على الزوجِ؛ فيكونُ تسميةُ المهرِ باطلًا، ولها مهرُ المِثلِ.
ويأتي مزيدُ كلام في شرطِ النكاح في قصةِ شعيبٍ ﵇ في سورةِ القصصِ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧].
* * *
قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ [النساء: ٥].
والنهيُ في هذه الآيةِ متوجِّهٌ للأولياءِ آباءً أو أزواجًا أو غيرَهم، والمقصودُ بالسَّفَهِ في الآيةِ: عدمُ إحسانِ التصرُّفِ؛ سواءٌ كان مِن الرجلِ أو المرأة، أو الصغيرِ أو الكبيرِ؛ وقد يكونُ سوءُ التدبيرِ في بابِ دونَ بابٍ، فما لم يُحسِنِ التصرُّفَ فيه الإنسانُ، يَدخُلُ في حُكمِ الآية، فمَن يُضارِبُ في سوقٍ لا يَعرِفها ولا يعرفُ إقبالَها ولا إدبارَها، ولا مواضعَ الربحِ والخسارةِ فيها، ولو كان عاقلًا مكلَّفًا في نفسِه، فهو داخلٌ في الآيةِ.
стр. 720
إعطاءٌ المالِ مَنْ لا يُحْسِنُ تدبيرَهُ:
والعلماءُ مِن المفسِّرينَ مِن السلفِ يُدْخِلُونَ في الآيةِ الصغيرَ والمرأةَ التي لا تُحسِنُ التدبيرَ في المالِ؛ قاله ابنُ عبَّاسٍ وابنُ مسعودٍ والحسَنُ والحَكَمُ وغيرُهم (١).
وقال أبو هُريرةَ: هم الخَدَمُ (٢).
وهذا كلُّه مِن التنُّوع، لا الحصرِ في نوعٍ، فربَّما كان السفيهُ كبيرًا، وربَّما كان امرأةً، وربما كان رجلًا.
الحجرُ على السفيهِ:
وهذه الآية أصلٌ في الحَجْرِ على السَّفِيه، والحَجْرُ عليه محلُّ اتِّفاقٍ عندَ العلماءِ؛ قال ابنُ المُنذِرِ: أكثرُ علماءِ الأمصارِ يَرَوْنَ الحَجْرَ على كلِّ مُضيِّعٍ لمالِه؛ صغيرًا كان أم كبيرًا" (٣).
والسَّفَهُ: هو صرفُ المالِ في الحرام، أو السَّرَفُ قي المباح، ومَن حُكِمَ عليه بالحجر، لا يصحُّ تصرُّفُه؛ لأنَّ هذا هو مقتضَى الحجر، فلا ينعقدُ شراؤُهُ ولا بيعُهُ ولا وَقْفُه، ولا يصحُّ له إقرارٌ.
وإقرارُ المحجورِ عليه على نفسِهِ صحيحٌ مجمَعٌ عليه، إذا كان بزنًى أو سرقةٍ أو شربِ خمرٍ أو قذفٍ أو قتلٍ؛ وحكى الإجماعَ على هذا ابنُ المُنذِرِ (٤).
وأكثرُ العلماءِ على أنَّ الحدودَ تُقامُ عليه، وإن طلَّقَ، نفَذَ طلاقُهُ ومَضَى.
стр. 721
وجوبُ حفظِ الأموالِ وعدمِ السَّرَفِ:
وحرَّمَ اللهُ إيتاءَ السفهاءِ المالَ؛ لأنَّ المالَ ولو كان ملكًا بيدِ العبد، فهو حقٌّ لله، لا يجوزُ التخوُّضُ فيه بلا حقٍّ؛ ففي "الصحيحِ"؛ قال ﷺ : (إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القيَامَةِ) (١).
واللهُ مَلَّكَ الإنسانَ مالَهُ لِيندبَّرَهُ وينتفِعَ ويستمتِعَ به، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وحَدَّ ذلك بالتدبيرِ وحَسْنِ التصرُّفِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف - ٣١].
بل نَهَى اللهُ عن السَّرَفِ حتى في النفقةِ إذا أضَرَّ بصاحِبِهِ وأهلِه في غيرِ ما ضرورةٍ عامَّةٍ بالأمَّةِ؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧].
وفي "السُّنَنِ"؛ قال ﷺ : (كلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا، مَا لَمْ يُخَالِطْهُ إِسْرَافٌ أَوْ مَخِيلَةٌ) (٢).
وفي الآيةِ: حفظٌ للمالِ حقًّا للهِ وحقًّا لصاحِبِ المالِ أنْ يُهدِرَهُ وهو في حاجة إليه؛ ولذا جعَلَ اللة الوِلايةَ والقِوامةَ، فأمَرَ بالإنفاقِ على السفيهِ والإحسانِ إليه، وأنَّ النهيَ عن تصرُّفِه في المالِ في موضعٍ لا يُحسِنُهُ: لا يعني ظُلْمَهُ والتقصيرَ في حقِّه؛ وقد روى ابنُ جريرٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عبَّاسِ؛ قال: "كُنْ أَنْتَ الَّذِي تُنْفِقُ عَلَيهِمْ فِي كِسْوَتِهِمْ وَمُؤْنَتِهِمْ" (٣).
وأمَرَ اللهُ - مع حبسِ المالِ عن تصرُّفِهم والإنفاقِ عليهم - بالإحسانِ إليهم حتى في القولِ؛ تطييبًا لنفوسِهم، وكسبًا لودِّهم؛ لأنَّهم يَجهَلُونَ
стр. 722
مواضعَ النفعِ والضرِّ في أموالِهم، فربَّما كَرِهُوا الحجرَ عليهم إساءةً للظنِّ، وقولُ المعروفِ يَدفعُ ظنَّ السوء، وُيطيِّبُ النفوسَ.
وقولُه: ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾؛ أي: تَقُومُ الحياةُ بالمالِ؛ فلا يضعُفُ الإنسانُ بفقرٍ أو حاجةٍ لغيرِه، فبالمادَّةِ تقومُ الحياةُ الدُّنيا، وبالعبادة تقومُ الحياةُ الأُخرى.
قِوَامةُ الرجالِ على النساءِ:
وفي قولِه تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ دليلٌ على قِوَامةِ الرجالِ على النساء، فاللهُ أمَرَهُمْ بالإنفاقِ على النساءِ والصِّغَار، وفيه أنَّ العملَ والتكسُّب على الرجالِ لا على النساءِ؛ فاللهُ لم يأمُرِ النساءَ في الوحي بالتكسُّبَ والضَّرْب في الأرضِ؛ وهذه هي الفِطْرة التي جُبِلَ عليها البَشَرُ؛ كما فال تعالى لآدَمَ وحوَّاءَ في الجَنَّةِ: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧]، فيَخرُجانِ جميعًا والشقاءُ لآدمَ؛ لأنَّه مَكفِيٌّ في الجنةِ مِن الضربِ في الأرضِ والعملِ والتكسُّب، وأمَّا في الدُّنيا فسيَشْقَى وحدَه، ومحلُّ حواءَ في قرارِها، واللهُ أمَرَ الرجالَ ولم يَنْهَ النساءَ عن التكسُّبِ إنِ احْتَجْنَ إليه مِن غيرِ تبرُّجٍ ولا اختلاطٍ بالرجالِ الأجانبِ.
كفايةُ الأهلِ والزوجة بالنفقةِ:
ولا حَدَّ للرزقِ والكسوةِ المأمورِ لها في الآيةِ؛ لعمومِ الآيةِ، ولظاهرِ السُّنَّةِ؛ كما في قولِ النبيِّ ﷺ لهندَ بنتِ عُتْبةَ: (خُذِي مَا يَكفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ) (١)؛ فالواجبُ الكفايةُ مِن غيرِ سَرَفٍ ولا مَخِيلَةٍ، والكفايةُ تختلِفُ بحسَبِ الأشخاصِ والأزمانِ والأحوال، والعلماءُ يتَّفقونَ على عدمِ تحديدِ حَدٍّ للكِسْوة، ويَختلفونَ في تحديدِ النفقة، والأرجحُ عدمُ تحديدِها أيضًا، وهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ وأحمدَ، خلافًا للشافعيِّ
стр. 723
فيَرى تقديرَها اعتبارًا بكفارةِ اليمينِ؛ حيثُ قُدِّرَ الرزقُ فيها، ولم تُقدَّرِ الكِسْوةُ، وعلى مذهبِ الشافعيةِ يرَوْنَ على الزوجِ رزقًا واجبًا وهو مدينٌ ككفارةِ اليمينِ، وهذا قد يُقالُ به لو لم يكُنْ في البابِ حديثُ هندَ بنتِ عتبةَ، وحديثُ هندَ أصرَحُ وأوضَحُ.
* * *
* قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦].
أمَرَ اللهُ الأولياءَ والأوصياءَ بامتحانِ اليتيمِ قبلَ دفعِ مالِهِ إليه؛ أي: اختبارِهِ لمعرفةِ بلوغِهِ النكاحَ، وسلامةِ عقلِه، وصحةِ رُشْدِه، والمرادُ ببلوغِ النكاحِ هو سنُّ التزويجِ عادةً ممَّا يُعرَفُ به مَيْلُ الرجلِ إلى المرأةِ، وله علاماتُهُ المعروفةُ.
علاماتُ البلوغِ:
وعلاماتُ البلوغِ ودلالتُهُ في السُّنَّةِ بلوغُ سنِّ الخامسةَ عَشْرةَ؛ لما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديتِ نافعٍ، عن ابنِ عمرَ؛ قال: "إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَرَضَني يَوْمَ أُحُدٍ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزنِي، ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْمَ الخَنْدَقِ وَأنَا ابْنُ خَمْسَ عَشرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي"، قَالَ نَافِعٌ: "فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وَهُوَ خَلِيفَةٌ، فَحَدَّثْتُهُ هَذَا الحَدِيثَ، فَقَالَ: إنَّ هَذَا لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا لِمَن بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ" (١).
стр. 724
وعلى هذا الحديثِ عملُ الصحابةِ والتابعينَ وجمهورِ الفقهاءِ؛ كالشافعيِّ وأحمد وصاحِبَيْ أبي حنيفةَ وبعضْ أصحابِ مالكٍ.
وحَدَّ مالكٌ وأبو حنيفةَ البلوغَ لغيرِ المُحتلِمِ بثمانيةَ عشَرَ، وفي روايةٍ عنهما بسبعةَ عشَرَ، وفي قولٍ فرَّقَ أبو حنيفةَ بينَ الجاريةِ والغلامِ؛ فحَدَّ الجاريةَ بسبعةَ عشَرَ، ما لم يبلُغَا الاحتلامَ قبلَ ذلك؛ تمسُّكًا بظاهرِ القرآنِ في قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩].
واعتبارُ السنِّ في البلوغِ ثَبَتَتْ به السُّنَّةُ، وجَرَى عليه عملُ السلفِ، والاحتلامُ لا يُنافِيهِ؛ بل هما علامتانِ للبلوغِ قد يَجتمِعانِ وقد يَفترِقانِ؛ فمَا يسْبِقْ منهما، فهو مُثْبِتٌ للبلوغِ، فقد تتعدَّدُ العلاماتُ والأدلَّةُ على ثبوتِ الشيءِ الواحدِ مجتمِعةً ومفترِقةً، يدُلُّ على هذا العقلُ والنقلُ.
وحدُّ البلوغِ بسنِّ الثامنةَ عَشْرةَ لا دليلَ عليه سوى ما يراهُ أبو حنيفةَ: أنَّه أقصَى ما يَغْلِبُ على الظنِّ معه بلوغُ الرجالِ حدَّ نضوجِ العقلِ والقوَّةِ، وما قَبْلَه ظنٌّ؛ وهذا نظرٌ لا يَدفَعُ النصَّ.
بلوغ الفتاةِ بالحَيْضِ:
وتبلُغُ النساءُ بنزولِ الحيضِ؛ وذلك لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
وجعَلَ مالكٌ غِلَطَ الصوتِ وخشونتَهُ علامةً على البلوغِ.
علامةُ إنباتِ الشَّعْر على البلوغ:
والإنباتُ دليلٌ على البلوغِ ما لم يكُن ذلك عن مرضٍ في دمٍ أو هرمونٍ يَعرِفُهُ أهلُ الطِّبِّ؛ وقال بهذا أحمدُ، وهو قولٌ لمالكٍ والشافعيِّ، وهو الصحيحُ؛ لقضاءِ سعدِ بنِ معاذٍ، في يهودِ في قُرَيْظَةَ؛ أنَّ يُقتَلَ مَن أنبَتَ مِن رجالِهم، وتُسْبَى ذَرَارِيُّهم؛ فقال النبيُّ ﷺ : (قَضَيْتَ
стр. 725
بِحُكْمِ اللهِ) (١).
ولم يجعَلْه أبو حنيفةَ دليلًا على البلوغِ، والصحيحُ خلافُ قولِه؛ لثبوتِ الدليلِ في ذلك؛ فقد روى أحمدُ، وأصحاب "السُّنَنِ"، عن عبدِ الملكِ بنِ عُمَيرِ: حَدَّثَنِي عَطِيَّةُ الْقُرَظِيُّ، قَالَ: "كُنْتُ مِنْ سَبْي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَكَانُوا يَنْظُرُونَ؛ فَمَنْ أَنْبَتَ الشَّعْرَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ لَمْ يُقْتَلْ، فَكُنْتُ فِيمَنْ لَمْ يُنْبِتْ" (٢).
وسندُه صحيحٌ، وله طُرُقٌ، ولو لم يكونُوا بالِغِينَ، ما قَتَلَهم، ولا قال النبيُّ ﷺ : (قَضَيْتَ بِحُكمِ اللهِ)؛ لأنَّ الصغيرَ غيرُ مُكلَّفٍ؛ فلا تَجرِي عليه الحدودُ، وخاصَّةَ القتلَ.
وقولُه: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ الإيناسُ: المعرفةُ والإدراكُ؛ روى عليُّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عبَّاسٍ قال: "عرَفْتُم منهم رُشْدًا" (٣).
وهذا كما في قولِهِ تعالى: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ [طه: ١٠].
معنى بلوغِ الرُّشْدِ:
والرشدُ: هو العقلُ؛ قاله مجاهدٌ (٤)؛ فما كلُّ بالغٍ راشدًا عاقلًا، فالصبيُّ ينشَأُ سفيهًا، فربَّما صاحَبَهُ السَّفَهُ بعدَ بلوغِهِ عامًا أو أعوامًا، ويُعرَفُ رُشدُهُ بمعرفةِ مواضعِ الشرِّ والخيرِ وتَوَقِّيها، ومجرد المعرِفةِ لا تجعلُهُ راشدًا حتى يتوقَّى.
стр. 726
والمقصودُ بالرشدِ في هذا الموضعِ؛ الانفرادُ بإحسانِ تدبيرِ المال، ولو كان اليتيمُ لا يُحسِنُ في غيرِ المالِ؛ كمَن يُقصِّرْ في عبادتِه، ولكنَّه حريصٌ على دُنياهُ، مُتَوَقٍّ لبذلِهِ في حرامٍ وسَرَفٍ؛ ولذا قال ابنُ عبَّاسٍ: "إذا عرَفْتُم رشدًا في حالِهم، والإصلاحَ في أموالِهم"؛ رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ، بسندٍ صحيحٍ (١).
والرشدُ: هو الشدَّةُ في حِياطَةِ المال، وحمايتُهُ والدفعُ عنه مِن المَكْرِ والخديعةِ والقُوَّةِ؛ ويفسِّرُ هذا قولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢، والإسراء: ٣٤].
والرشدُ قد يُصاحِبُ البلوغَ وقد يتأخَّرُ عنه، ولكنَّه لا يَسبِقُهُ حُكْمًا، ولو سَبَقَهُ حقيقةً، فَعُرِفَ في الصبيِّ نجابةُ ونباهةُ الشيوخ، فلا يُدفَعُ إليه المالُ حتى يبلُغَ.
وللرشدِ علاماتٌ؛ كصلاحِ الدِّينِ وخشيةِ اللهِ؛ قال عَبِيدَةُ بنُ عمرٍو: "إذا أقام الصلاةَ، رشَدَ" (٢).
حَدُّ بلوغِ الرُّشدِ:
ولا حَدَّ للمدةِ التي يظهَرُ فيها الرشدُ، وما يذكُرُهُ الفقهاءُ، فهو تعليقٌ للأغلبِ مِن حالِ الغِلْمانِ بعدَ بلوغِهم؛ وهذا لا يَطَّرِدُ بكلِّ حالٍ، ولا يستقيمُ في كلِّ غلامٍ؛ ولهذا قيَّدَ اللهُ معرِفةَ الرشدِ بالابتلاءِ والاختبار، لا بمدةٍ كعامٍ أو عامَيْنِ؛ لعدمِ انضباطِ ذلك.
ثمَّ بيَّنَ اللهُ أنَّ المالَ حقٌّ لهم يُدفَعُ إليهم متى ارتفَعَ مُوجِبُ الحَجْرِ والوصاية، ولا يجوزُ حبسُ مالِ اليتيم عنه عندَ جوازِ تصرُّفِهِ وتمامِ رشدِهِ إلا بإذنِه؛ قال تعالى: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾.
стр. 727
التحرِّي عند إعطاءِ اليتيم مالَهُ:
وفي الآيةِ: شدةُ التحرِّي عندَ إعطاءِ اليتيمِ مالَهُ في قوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾، والابتلاءُ هو الاختبارُ المتكرِّرُ الذي يَثْبُتُ معه المرادُ بيقينٍ، والاختبارُ في متابعةٍ وتَحَرٍّ، وظاهرُهُ: أنْ يُختبَرَ في إحسانِ التصرُّفِ بالمال، فيُعطَى مالًا يسيرًا لا يَضُرُّ إفسادُهُ؛ سواءٌ كان مِن مالِ اليتيمِ أو مالِ الوليِّ، ومِن مالِ الوليِّ أَوْلى، ومِن مالِ اليتيمِ جائزٌ.
ولا فرقَ في ذلك بينَ ذُكُورِ الأيتامِ وإناثِهم عندَ الأئمَّةِ الأربعة، خلافًا لمالكٍ في قولٍ؛ فيَرَى أنَّ المرأةَ لا يسْتَبِينُ رَشدُها، إلَّا بعدَ تزويجِها، فيُؤنَسُ منها مع كثرةِ العِشْرةِ رشدٌ، وهذا تفصيلٌ منه، والعِبْرةُ بعمومِ الدليلِ.
الأكلُ مِن مالِ اليتيمِ:
ونَهَى اللهُ الأولياءَ والأوصياءَ عن مسابقةِ اليتيمِ بأكلِ مالِهِ قبلَ بلوغِهِ ورُشْدِه؛ حتى لا يُدرِكَ ما فاتَ مِن مالِهِ وما بَقِيَ منه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾؛ لأنَّ اليتيمَ إذا بلَغَ، عَرَفَ ما نَقَصَ مِن مالِه وما فَسَدَ عليه منه؛ فيأكُلُ منه قبلَ كِبَرِهِ وإدراكِه.
وفي تقييدِ الأكلِ بالسَّرَفِ والمبادرةِ: دليلٌ على جوازِ الأكلِ في غيرِ سَرَفٍ ولا قَصْدِ الإضرارِ عندَ الحاجةِ، وهذا محدودٌ مضبوطٌ في قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
فأمَرَ الغنيَّ بالعفافِ، وهو التورُّعُ والاحترازُ عن أكلِ مالِ اليتيمِ مِن غيرِ حاجةٍ؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ وعائشةُ ومجاهدٌ والحسنُ وأَكثرُ المفسِّرينَ.
وقال بعضُ المفسِّرينَ؛ كيحيى بنِ سعيدٍ وربيعةَ: إن المرادَ بالغنيِّ في الآيةِ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا﴾؛ يعني: مِن الأيتام، أُنفِقَ عليه بحسَبِ حالِه؛
стр. 728
فلا يُجحَفُ في نفقتِهِ ويُقصَّرُ في كسوتِهِ وسُكْناهُ؛ لينالَ الوليُّ أو الوصيُّ ممَّا أبْقَاهُ مِن نفقةِ اليتيمِ؛ رواهُ نافعُ بن أبي نُعَيْمٍ عنهما؛ أخرَجَه ابنُ أبي حاتمٍ في "تفسيرِه" (١).
وهذا التأويل خلافُ المشهورِ مِن كلامِ المفسِّرينَ مِن السلفِ في أنَّ المرادَ بالغني والفقيرِ هو الوليُّ والوصيُّ.
وأَذِنَ اللهُ لوليِّ اليتيمِ ووصيِّه إنْ كان فقيرًا أنَّ يأكُلَ بالمعروفِ بمقدارِ حاجتِه؛ رَوَى عروةُ، عن عائشةَ؛ قالتْ: "نَزَلَت فِي وَلِيِّ الْيَتِيمِ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ وَيُصْلِحُهُ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا أنَّ يَأكُلَ مِنْهُ"؛ رواهُ ابنُ جريرٍ، وابنُ أبي حاتمٍ (٢).
وأكلُ مالِ اليتيمِ مِن غيرِ حقٍّ كبيرةٌ، وتقدَّمَ أنَّ جنسَ أكلِ مالِ اليتيمِ أعظَمُ مِن جنسِ أكلِ مالِ الرِّبا، وقال عامرٌ الشعبيُّ؛ "هو كالمَيْتَةِ والدمِ" (٣).
ويجبُ الاحتياطُ عندَ أكلِ الوليِّ الفقيرِ مِن مالِ اليتيمِ مِن شَرَهِ نَفْسِهِ وطَمَعِها وهَوَاهَا؛ فلا يأكُلُ طَيِّبَ مالِهِ ونَفِيسَهُ، بل يأكُلُ مِن أطرافِهِ وحواشِيه، ولا يُكثِرُ، وقد قال ابنُ عبَّاسٍ: "يأكُلُ ثلاثِ أصابعَ" (٤).
ومرادُهُ بلا شَرَهٍ وقضاءِ نَهَمٍ ووَطَرٍ كما يفعلُ الرجل في مالِه، وقد قال النَّخَعيُّ: "ليس المعروف بلُبْسِ الكَتَّانِ، ولكنَّ المعروفَ: ما سَدَّ الجُوعَ، ووَارَى العَوْرَةَ" (٥).
الأكلُ مِن مالِ اليتيم بمقدار ولايتهِ:
ويجبُ أنَّ يكونَ أكلُ الوليِّ الفقيرِ مِن مالِ اليتيمِ بمقدارِ قيامِهِ عليه،
стр. 729
وما يُكلِّفُهُ مِن عملٍ مِن قيام بشأنِه، فإنْ كان يقومُ على كلِّ شأنِه، فيأخُذُ مِن وقتِهِ وعملِهِ الذي لو بُذِلَ في كسبٍ لنالَ خيرًا، فيأكُلُ بمقدارِ حاجتِهِ ودونَ ما يَفُوتُهُ ممَّا لو تفرَّغَ للعملِ لصالِحِ نفسِهِ لَحَصَّلَهُ؛ فإنَّ هذا هو العدلُ في مالِ اليتيمِ وعدمُ الإضرارِ في الوليِّ الفقيرِ.
فإنْ كان أكلُ الفقيرِ مِن مالِ اليتيمِ يُفسِدُهُ لِقِلَّتِه، فالأَوْلى تركُ ولايتِهِ إلى غنيٍّ غيرِهِ مِن قراباتِهِ ممَّن يقومُ به كقيامِه.
حكمُ إعادةِ الوليِّ ما أكل من مالِ اليتيمِ:
وبعضُ السلفِ جعَلَ الأكلَ مِن مالِ اليتيمِ قَرْضًا يجبُ ردُّه؛ صحَّ ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ وغيرِهما (١).
وقيَّدَ سعيد بنُ جُبيرٍ إعادتَهُ بالقُدْرةِ قبلَ الموتِ والمُسامَحةِ بعدَهُ (٢)، وكأنَّه جعَلَ إعادتَهُ فضلًا لا فرضًا؛ ولو كان فرضًا؛ لَبَقِيَ في الذمَّةِ ولو بعدَ موتِه.
واستدَلَّ مَن قال بالقضاءِ بما رواهُ حارثةُ بنُ مُضَرِّبٍ؛ قال: قال عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁: "إنِّي أَنْزَلْتُ مَالَ اللهِ تَعَالَى مِنِّي بِمَنْزِلَةِ مَالِ الْيَتِيم؛ إِنْ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ، وَإِنِ افتَقَرْتُ أَكَلْتُ بالمَعْرُوف، فَإِذَا أَيْسَرْتُ قَضَيْتُ"؛ أخرَجَه الطبريُّ والبيهقيُّ (٣)، وله طُرُقٌ أخرى عن عمرَ؛ وهو صحيحٌ.
والصحيحُ؛ عدمُ وجوبِ إعادتِهِ إذا كان مِن وليٍّ فقيرٍ وبالمعروفِ؛ قال بهذا عطاءٌ والحسنُ والشافعيُّ؛ لأنَّ اللهَ سمَّاهُ أكلًا، والأصلُ في الأكلِ في القرآنِ الإباحةُ مِن غيرِ عِوَضٍ، وما جاء عن عمرَ بنِ الخطابِ
стр. 730
محمولٌ على التورُّعِ أو كمالِ المنزِلة، فيكونُ للفقيرِ الوليِّ مع اليتيمِ في الأكلِ مِن مالِهِ حالتانِ:
الأُولى: حالةُ فضلٍ؛ أنْ يأكُلَ ويُعِيدَ ما أكَلَ فيجعَلَهُ على نفسِه في حُكْمِ القرضِ؛ مِن عبرِ إلزامٍ إلا مِن نفسِهِ على نفسِه.
الثانيةُ: حالةُ جوازٍ؛ أنَّ يأكُلَ مِن مالِ الفقيرِ بالمعروفِ ولا يُعِيدَه؛ وهذا جائزٌ لظاهرِ القرآن، وعمرُ قصَدَ الحالةَ الأولى؛ لأنَّه أجاز الأكلَ ولم يُبَيِّنِ القضاءَ والسدادَ، وبيانُ السدادِ أوجَبُ؛ لأنَّه حقٌّ لضعيفٍ غيرِ مكلَّفٍ، وهو اليتيمُ، والأكل حقٌّ لمكلَّفٍ قويٍّ، وهو الوليُّ والوصيُّ، والقرآنُ يُبيِّنُ حقَّ الضعفاء أكثَرَ وأشَدَّ مِن بيان حقِّ الأقوياءِ.
وقد أذِنَ اللهُ بالأكلِ مِن غيرِ ذِكرِ القضاءِ؛ كما روى أحمدُ وأصحابُ "السُّننِ"، عن عَمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جدِّه؛ أنَّ رجلًا سألَ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال: لَيْسَ لِي مَالٌ، وَلي يَتِيمٌ؟ فَقَالَ: (كُلْ مِن مَالِ يَتِيمِكَ، غَيْرَ مُسْرِفٍ وَلَا مُبَذِّرٍ، وَلَا مُتَأَثِّلٍ مَالًا، وَمِنْ غَيْرِ أَنْ تَقِيَ مَالَكَ - أَوْ قَالَ: تَفْدِيَ مَالَكَ - بِمَالِهِ) (١).
الإنفاق على اليتيمِ من مالِهِ:
ويُنْفِقُ على اليتيم مِن مالِ اليتيمِ نفسِه، ويُسكِنُهُ في مسكنِ الوليِّ، إلَّا إنْ كانت دارُهُ ضيِّقةً، أو يَخْشَى على إناثِ محارمِهِ مِن الخِلْطَةِ به؛ فيَجُوزُ إسكانُ اليتيمِ مِن مالِهِ نَفْسِه.
والأَوْلى: ألَّا يأخُذَ الوليُّ زكاةَ مالِ اليتيمِ لنفسِه؛ حتى لا يُحابيَ نفسَهُ وعيالَهُ ولو كان فقيرًا، وإنْ أخَذَها بحقِّها، جازَ.
стр. 731
الإشهادُ عندَ دفعِ مالِ اليتيم له:
ثمَّ أمَرَ اللهُ بالإشهادِ عندَ دفعِ الأموالِ للأيتامِ؛ حتى لا يقَعَ في النفوسِ ظنُّ سَوْءٍ، أو تَسْرِيَ على الوصيِّ والوليِّ وِشَايةُ مَكْرٍ وقالَةُ سُوءٍ، فتُفسِدَ ما بينَهُ وبينَ اليتيم وذوي رَحِمِهِ وقراباتِه.
وبعضُ مَن قال بأنَّ ما يأكُلُهُ الوليِّ والوصيُّ مِن مالِ اليتيمِ قرضٌ، حمَلَ الأمرَ بالإشهادِ في الآيةِ: على الإشهادِ عندَ سدادِ القرضِ وإعادتِه، والأظهَرُ: أنَّ المرادَ بالإشهادِ العمومُ في كلِّ حقٍّ لليتيمِ يُعادُ إليه؛ لأنَّ الآيةَ في حفظِ حقِّ اليتيمِ في مالِه، فيشمَلُ كلَّ حقٍّ له.
وقيل: إنَّ الأكلَ واجبٌ؛ لظاهِرِ الأمرِ، والأظهَرُ أنَّ الأمرَ للإرشادِ لا للفرضِ؛ لأنَّ اللهَ ائتمَنَ الوليَّ والوصيَّ على قبضِ مالِ اليتيمِ كلِّه، والمُتاجَرةِ به، والأكلِ منه عندَ فقرِهِ بالمعروفِ؛ فالأمانةُ عندَ تسليمِهِ وتوثيقُها أَهْوَنُ مِن ذلك؛ وإنَّما أمَرَ بالإشهادِ؛ دفعًا للتُّهَمَةِ وتَطْيِيبًا لنفسِ اليتيمِ وقراباتِه، وهذا أمرٌ مستحَبٌّ؛ لأنَّ التهمةَ في المُتاجَرةِ والكفالةِ أَقْوَى.
ولكنْ لمَّا كان الإشهادُ على مالِ اليتيمِ والنفقةِ عليه والأكلِ منه شاقًّا، لم يُوجِبْهُ اللهُ، وجعَلَ التخويفَ مِن عقابِ اللهِ ورقابتِهِ أقوَى في حفظِ مالِ اليتيمِ؛ لأنَّ اللهَ قال بعدَ الأمرِ بالإشهادِ: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾؛ يعني: شهيدًا رقيبًا، وهذه قرينةٌ على أنَّ الأمرَ بالإشهادِ للاستحبابِ؛ وهو قولُ أكثرِ العلماءِ.
وقد تقدَّمَ حُكْمُ الاتِّجارِ بمالِ اليتيمِ ومخالطِتهِ في سورةِ البقرةِ في قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [٢٢٠].
* * *
стр. 732
قال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧].
كان أهلُ الجاهليَّةِ يجعَلُونَ الميراثَ للرجالِ، وَيمْنَعُونَ النساءَ والصِّغارَ؛ فبيَّنَ اللهُ بُطْلانَ ذلك، وأنَّ حقَّهم في الإرثِ مِن حقِّهم في القَرَابَةِ، ولا فَرْقَ بينَ صغيرٍ وكبيرٍ، مِن الرجالِ والنساء، والفرقُ بينَ الذكورِ والإناثِ مقدَّرٌ بحكمتِهِ سبحانَهُ كما يأتي بيانُهُ بإذنِ اللهِ.
قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ وقتادةُ: "كان المُشرِكونَ يجعلونَ المالَ للرجالِ الكِبَار، ولا يُوَرِّثُونَ النساءَ ولا الأطفالَ شيئًا" (١).
والاشتراكُ في الميراثِ والحق بينهم لا يَختلِفُ في كثرةِ المالِ وقِلَّتِه؛ وذلك ظاهرٌ في قوله: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾، فإذا كان المتروكُ دِرْهَمًا، كما لو كان المتروكُ قِنْطارًا، فلكلِّ حقُّهُ ونَصِيبُهُ المفروضُ، لا تَمنَعُ مِن قِسْمةِ اللهِ وحقوقِ الوارِثِينَ قِلَّةُ المال، ولا تَدْفَعُهُمْ عليها كَثْرَتُهُ.
وقيل: إنَّ الآيةَ كانت قبلَ تقديرِ اللهِ فرائضَ الوَرَثَةِ؛ فكان لكلِّ نصيبُهُ ضربًا ما تراضَوْا، ثمَّ نُسِخَتْ بالفرائصِ في القرآنِ والسُّنَّةِ؛ وبهذا قال الشافعيُّ.
تعصيبُ الأخواتِ مع البناتِ:
وفي الآيةِ: ﴿لِلرِّجَالِ﴾، وقولُه: ﴿وَلِلنِّسَاءِ﴾ دليلٌ على عدمِ التفريقِ في الحقِّ ببنَ الذكورِ والإناث، إلا ما دَلَّ عليه النصُّ، وقد اختُلِفَ في
стр. 733
الأخواتِ: هل يكُنَّ عَصَبَاتٍ مع البناتِ كما يَرِثُ الإخوةُ معهنَّ تَعْصِيبًا؟ :
فذهَبَ جمهورُ العلماءِ: إلى توريثِهِنَّ تعصيبًا.
وذهَبَ ابنُ عبَّاسٍ: إلى عدمِ توريثِهنَّ مع البناتِ؛ وبقولِه قال داودُ.
واختُلِفَ في إرثِ النساءِ بالوَلَاءِ:
فذهَبَ الجمهورُ: إلى أنَّه لا ولاءَ لهنَّ، الا فيما أَعْتَقْنَ أو عَتَقَ مَن أَعْتَقْنَ أو وَلَدَ مَن أَعْتَقْنَ خصوصًا.
وذهَبَ طاوسٌ ومسروقٌ: إلى إرثِهِنَّ مِن الولاءِ كما يَرِثْنَ مِن المالِ؛ لعمومِ هذه الآيةِ؛ وقيل بشدوذِ هذا القولِ.
* * *
قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨].
هذه الآية فيمَن حضَرَ قِسْمةَ التَّرِكَةِ مِن غيرِ الوارِثِينَ، واختُلِفَ في نسخِها:
فقيل: كانت هذه الآيةُ قبلَ نسخِها في حقِّ مَن حضَرَ قِسْمةَ الميراث، وشَهِدَها مِن غيرِ الوَرَثَةِ مِن الفقراءِ واليتامَى الذين تتشوَّفُ نفوسهم إلى المالِ المقسوم، فيُعطَوْنَ منه، تطييبًا لنفوسهم ضربًا يسيرًا مِن غيرِ تقديرٍ، ثمَّ نسَحَ اللهُ ذلك بآياتِ المواريثِ.
ومَن قال بالناسخِ لهذه الآيةِ جعَلَهُ جميعَ آياتِ الفرائضِ التي تُقَدِّرُ للوارِثينَ أَنْصِبَاءَهم؛ فاللهُ جعَلَ مِن الوارِثينَ ما له الثُّلُثان، ومنهم ما له النِّصْفُ، ومنهم ما له الثُّلُث، ومنهم ما له الرُّبُعُ، ومنهم ما له السُّدُسُ، ومنهم ما له الثُّمُن.
والقولُ بالنسخِ هو قولُ جماعةٍ مِن السلفِ مِن المفسِّرينَ، وهو قولُ
стр. 734
الأئمَّةِ الأربعةِ؛ لأنَّهم لو جُعِلَ لهم حقٌّ في الميراثِ قبلَ قِسْمَتِه، ما كان صاحِبُ النِّصْفِ يأخُذُ النِّصْفَ، والثُّلُثِ يأخْدُ الثُّلُثَ، والرُّبُعِ يأخُدُ الرُّبُعَ، لأنَّ الميراثَ نَقَصَ قبلَ قِسْمَتِه، فنَقَصَ حقُّه.
وجعَلَ ابنُ عبَّاسٍ ناسِخَها ما يَلِيها مِن آياتِ الميراثِ؛ كقولِه: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١].
وجعَلَ ابنُ عبَّاسٍ في قولٍ وابنُ المسيَّبِ وعطاءٌ: الناسخَ كلَّ آياتِ المواريثِ وآياتِ الوصيَّةِ.
وهذا مِن خلافِ التنوُّع، لا التضادِّ؛ فكلُّ آياتِ المواريثِ والوصيَّةِ دالَّةٌ على وجوب حِفظِ المالِ لأهلِهِ مِن الورثةِ والمُوصَى لهم بالمقدارِ المُقدَّرِ في الوصَيَّة، وبالمقدارِ الذي قدَّرَهُ اللهُ في الميراثِ.
وقيل بإحكامِ الآية، ومَن قال بهذا قال: هي على الاستحبابِ بطِيبِ نفسٍ مِن الورثة، وبهذا قال سعيدُ بنُ جُبيرٍ والحسنُ.
وقال جماعةٌ مِن السلفِ: إنَّ الآيةَ مُحْكَمَةٌ غيرُ منسوخةٍ، وهو قولٌ صحيحٌ عن ابنِ عبَّاسٍ، وجاء عن عائشةَ وأبي موسى وأبي العاليةِ والحسنِ وابنِ جُبيرٍ والنَّخَعيِّ والزُّهْريِّ.
رواهُ البخاريُّ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ: "هِيَ مُحْكَمَةٌ، وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ" (١).
وبهذا قال مالكٌ والشافعيُّ.
وحمَلَ مَن قالَ بعدمِ النسخِ الآيةَ على النَّدْب، ومنهم مَن حَمَلَها على استحبابِ الوصيَّة لهم.
وقيل بالوجوب، وفي الوجوبِ نظرٌ؛ فاللهُ لو جعَلَ ذلك حقًّا
стр. 735
للقَرَابَاتِ أنَّ يُضْرَبَ لهم إن حَضَرُوا، فربَّما كان مَنْ هو أقرَبُ منه لم يحضُرْ، ويَلْزَمُ منه بيانُ مقدارِ الحضورِ ونوعِه؛ فمنهم: مَن شَهِد القِسمةَ كلَّها مِن أوَّلِها إلى آخِرِها، ومنهم؛ مَن حضَرَ آخِرَها، ومنهم: مَن شهِدَهم يَقْبِضُونَ لا يَقْتَسِمُونَ؛ وهذا لا يَثْبُتُ به حقٌّ بيِّنٌ، ولا يُلزِمُ له الوحيُ المُحْكَمُ.
والقولُ بأنَّ الآيةَ مُحكمةٌ قولٌ محتملٌ، ولكنَّ حَمْلَهُ على الوجوبِ فيه نظرٌ.
وقد رواهُ ابن أبي نجِيحٍ، عن مُجاهدٍ، في هذه الآيةِ؛ قال: "هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى أَهْلِ المِيرَاث، مَا طَابَت بِهِ أنفُسُهمْ" (١).
وروى ابن أبي حاتمٍ وابنُ جريرٍ، عن يُونُسَ بنِ عُبَيْدٍ، عن محمَّدِ بنِ سِيرينَ؛ قال: "وَليَ عَبيدَة وصيَّةً، فأمَرَ بشاةٍ فذُبِحَت؛ فأطعَمَ أصحابَ هذه الآية، وقال: لولا هذه الآيةُ، لكان هذا مِن مالي" (٢).
وروى مالكٌ، عن الزُّهْريِّ: "أنَّ عُرْوَةَ أَعْطَى مِن مالِ مُصْعَبٍ حِينَ قَسَّمَ مالَه" (٣).
ومَن فعَلَ بهذه الآيةِ عن طِيبِ نفسٍ ولا يقولُ بالوجوب، فهو يقولُ بالنسخِ على قولِ مَن يقولُ بأنَّ الآَيةَ على الوجوب، وَيحْمِل ما جاء عن السلفِ مِن تقديرٍ لمَن حضَرَ حقًّا، أو جعَلَ الآيةَ مُحكَمةً: أنَّ الإحكامَ في الندب، لا في الوجوبِ؛ فمِن الإحسانِ إعطاءُ مَن حضَرَ وشَهِدَ القِسْمةَ إكرامًا وفضلًا.
стр. 736
قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩].
الأمرُ في الآيةِ لمَن حضَرَ مُوصِيًا يُوصِي أنْ يَخشَى اللهَ فيه ويتَّقيَهُ، فقد تَغِيبُ بعضُ الحقوقِ عن المُوصِي، وخاصَّةً عندَ قُربِ الأجَلِ وظهورِ علاماتِه؛ لتشتُّت الذهنِ وضَعْفِ الإدراكِ؛ لأنَّ المُوصِيَ قد لا يطُولُ عمُرُهُ بعدَ وصيَّتِهِ فيَستدرِكَ، ولأنَّ مقامَ تغييرِ الوصيَّةِ عظيم مِن بعدِه، فربَّما أَوْصَى المُوصِي بكلِّ مالِهِ أو ثُلُثَيْهِ أو نِصْفِهِ ولدَيه ذريَّةٌ ضعفاءُ، وعليه حقوقٌ كثيرةٌ، فيجبُ على مَن حضَرَهُ تذكيرُه.
التشديدُ على شهودِ الوصيَّة:
والأمرُ هنا اقترَنَ بتذكيرِ مَن شَهِدَ الوصيَّةَ أنْ ينظُرَ في نفسِهِ لو كان مُوصِيًا وترَكَ ذريَّةٌ ضعفاءَ، فهو يخافُ عليهم أكثَرَ مِن غيرِهم؛ فلا يَطمَعُ مَن حضَرَ الوصيَّةَ في الوصيَّةِ له، أو لمَن أَحَبَّ، أو فيما يُحِبُّ مِن المصارفِ وَيغْفُلُ عن حقِّ ورثةِ الميِّتِ.
فأمَرَ اللهُ مَن شَهِدَ الوصيَّةَ بتَقْواهُ وحَذَّرَهُ مِنَ الحَيْفِ فيها، وأمَرَهُ بالقولِ السديدِ والقَصْدِ والإنصافِ في النصحِ للمُوصِي؛ حتى لا يتأثَّرَ بقولِهِ وتلقينِهِ له.
وهذا قولُ ابنِ عبَّاسٍ والحسنِ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ ومجاهدٍ وغيرِهم.
روى ابن جريرٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ في قولِهِ تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾، إلى آخِرِ الآيةِ: "فهذا في الرجُلِ يحضُرُهُ الموتُ فيسمعُهُ يُوصِي بوصيَّةٍ تُضِرُّ بورثتِه، فأمَرَ اللهُ سبحانَهُ الذي سَمِعَهُ أنْ يَتَّقِيَ الله ويُوَفِّقَهُ ويُسَدِّدَهُ
стр. 737
للصواب، ولْينظُر لورثتِه، كما كان يُحِبُّ أنْ يُصنَعَ لورثتِهِ إذا خَشِيَ عليهمُ الضَّيْعَةَ" (١).
وكانُوا في أولِ الأمرِ يجلِسونَ عندَ الميِّت، ويُزَهِّدُونَهُ في حقِّ ذريَّتهِ ليُوصِيَ في مالِهِ بحُسْنِ ظنٍّ، فنُهُوا عن ذلك، وكان هذا قبلَ تقديرِ الوصيَّةِ بالثُّلثِ؛ روى عطاءٌ معنى هذا عن ابنِ عبَّاسِ (٢).
وقال بعضُ السلفِ: إنَّ الخطابَ في الآيةِ لأولياءِ اليتامَى أنْ يتَّقوا الله فيهم فيُحْسِنُوا وَيَقْصِدُوا معهم كما يُحسِنُونَ مع أولادِهم، وكما يُحِبُّونَ أنْ يُحسِنَ وُلاةُ أولادهم وكذلك أوصياؤُهم مِن بعدِهم إذا صار أولادُهم أيتامًا؛ وهو مرويٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ (٣) وعطاءِ بنِ السائبِ.
وقيل: هو خطابٌ للأوصياءِ أنْ يُؤَدُّوا الوصيَّةَ، كما أمَرَ بها المُوصِي؛ وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ الكلامُ على تحريمِ تبديلِ الوصيَّةِ في قوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨١].
العدلُ في الوصيَّةِ:
وتتضمَّنُ الآيةُ وجوبَ العدلِ في الوصيَّة، وتحريمَ الحَيْفِ بها، ومِن ذلك: الوصيَّةُ بما يُضِرُّ بالورثةِ ويَظلِمُ بعضُهم بعضًا، كالوصيَّةِ للوارثِ، والوصيَّةِ بأكثَرَ مِن الثُّلُثِ، والوصيَّةِ بحَرَامٍ، والوصيَّةِ بعملِ بِرٍّ وعدمِ تركِ وفاءٍ للدَّيْنِ، والوصيَّةِ بدونِ الثُّلثِ والمالُ الباقي قليلٌ لا يَرفَعُ فَقْرَ الورثةِ ولا يَدفَعُ حاجتَهم.
وروى ابنُ طاوسٍ، عن أبيه، قال: "لا يجوزُ لمَنْ كان ورثتُهُ كثيرًا، ومالُه قليلًا: أنْ يُوصِيَ بثُلُثِ مالِه" (٤).
стр. 738
ففي "الصحيحينِ"؛ مِن حديثِ عامرِ بنِ سعدٍ، عن أبيهِ؛ قال: "عَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ؛ مِنْ وَجَعٍ أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى المَوْتِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ؟ (لَا)، قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: (لَا)، قُلْتُ: فَالثُّلُثِ؟ قَالَ: (وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ؛ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ" (١).
وسعدٌ لم يكن له إلا بنتٌ حينَها، فاستكثَرَ النبيُّ عليه الوصيَّةَ بالثُّلُثِ؛ لأنَّ الوصيَّةَ لسدِّ حاجةِ محتاجٍ وحاجةُ الورثةِ أَوْلى، وسدُّ حاجتِهم المظنونةِ أعظَم مِن سدِّ حاجةِ غيرِهم المتيقَّنةِ؛ لأنَّ الوليَّ مُكلَّفٌ بذرَيَّته أعظَمَ مِن تكليفِهِ بغيرِهم، وعنهم يُسأَلُ أعظَمَ مِن غيرِهم.
والورثةُ مِن غيرِ وليِّهم يَنقطِعونَ غالبًا، وغيرُهم لهم مَن يقومُ بأمرِهم وشأنِهم، لهذا جعَلَ النبيُّ ﷺ إغناءَ الورثةِ أَوْلى مِن سدِّ فقرِ غيرِهم.
وقد بيَّنَ النبيُّ ﷺ سبَبَ تقييدِهِ الوصيَّةَ بالثُّلُثِ لسعدٍ مع استكثارِهِ لها، وهو خوفُ فقرِ الورثةِ ولسدِّ حاجتِهم وإغنائِهم؛ وذلك في قولِه: (إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً).
مع أنَّ وريثةَ سعدٍ ابنتُهُ، والبنت غالبًا لا تحتاجُ إلى مالٍ إذا كانتْ في ذمَّةِ زَوْجٍ يقومُ عليها؛ فالنفقةُ عليه لا عليها؛ ولذا فالوصيَّة بالثُّلُثِ مع الابنِ أَوْلى باستكثارِها؛ لأنَّه أكثَرُ نفقةً على نفسِه ومَن يَعُولُ.
حكمُ الوصيَّة بأكثر من الثلثِ:
ولا تجوزُ الوصيَّةُ بأكثَرَ مِن الثُّلُثِ ولو كان المالُ عظيمًا والورثةُ قليلًا؛ لِظاهرِ الدليلِ, ولكنْ لو أنفَقَ الرجلُ في حياتِهِ وصحَّتِهِ وأكثَرَ مِن النفقةِ ولو بأكثَرَ مِن الثُّلُث، جازَ منه ذلك بلا خلافٍ؛ فقد أنفَقَ أبو بكرٍ
стр. 739
مالَه كلَّه، وأنفَقَ عمرُ نِصْفَ مالِه، وقد حَكَى الإجماعَ الطبريُّ كما ذكَرَهُ عنه ابن المُلَقِّن، وحكاهُ ابن حزمٍ في "مراتبِ الإجماعِ"، وغيرُهما.
وإذا كانت ورثةُ الشخصِ أَغنياءَ, ومالُهم أكثَرَ مِن مالِه، فلا يجوزُ له الوصيَّةُ بأكثَرَ مِن الثُّلُثِ أيضًا، لعمومِ قولِ النبيِّ ﷺ لسعدٍ؛ فهو يعلَمُ أنَّ الثُّلُثَيْنِ مِن مالِ سعدٍ يُغنيانِ ابنتَهُ بعدَ موتِه، ومع ذلك استكثَرَ الثُّلُثَ؛ فغِنَى الورثةِ لا يُجِيزُ الوصيَّةَ بأكثَرَ مِن الثُّلُث، ثمَّ إنَّ النبيَّ ﷺ لم يَسأَلْ عن ابنتِه: هل هي غنيَّةٌ بنفسِها ولها مالٌ بيدِها يَسُدُّ حاجَتَها مِن غيرِ مالِ والدِها؟ وفي القاعدةِ: أنَّ تركَ الاستِفصال، في حكاياتِ الأحوال، يُنَزَّلُ منزلةَ العمومِ في المَقال؛ وهذه قاعدةٌ صحيحةٌ نصَّ عليها الشافعيُّ وغيرُهُ، وتَشهَدُ لها الأدلَّةُ؛ فقد قال النبيُّ ﵇ لغَيْلَانَ حين أسلَمَ على عَشْرِ نِسْوةٍ: (أَمْسِكْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ) (١)، ولم يَسأَلْهُ عن الأَقْدَمِ منهنَّ وعددِ ذريَّتِهنَّ؛ فدَلَّ على أنَّه لا أثَرَ لذلك في الحُكْمِ.
وصيَّةُ مَن لا وَرَثَةَ له بمالِهِ كلِّه:
ومَن كان له مالٌ ولا ورثَةَ له، فقد اختُلِفَ في وصيَّتِهِ بمالِهِ كلِّه على قولَين، وهما روايتانِ عن أحمدَ.
الأُولى: المنعُ؛ وبهذا القولِ قال مالكٌ والشافعيُّ وأهلُ المدينةِ والأوزاعيُّ.
الثانيةُ: الجوازُ؛ وبهذا القولِ قال أبو حنيفةَ وإسحاقُ.
وهذا القولُ مرويٌّ عن ابنِ مسعودٍ؛ وهو الأظهَرُ والأقرَبُ للصوابِ؛ لأنَّ النبيَّ منَعَ سعدًا مِن الوصيَّةِ بأكثَرَ مِن الثلُثِ، وعلَّلَ ذلك بالورثةِ وحاجتِهم، والحُكْمُ يدورُ مع عِلَّتِه.
стр. 740
روى أبو مَيْسَرَةَ، قال: قال لي ابنُ مسعودٍ: "إِنَّكُمْ مِنْ أَحْرَى حَيٍّ بِالْكُوفَةِ أَنْ يَمُوتَ أحَدُكُمْ، وَلَا يَدَعُ عَصَبَةً وَلَا رَحِمًا، فَمَا يَمْنَعُهُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَنْ يَضَعَ مَالَهُ فِي الْفُقَرَاء وَالمَسَاكِينِ؟ ! " (١).
وروى ابنُ سِيرينَ، عن عَبيدَةَ؛ قال: "إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَلَيسَ عَلَيْهِ عَقْدٌ لِأَحَدٍ وَلَا عَصَبَةٌ يَرِثُونَهُ، فَإِنَّهُ يُوصِي بِمَالِهِ كُلِّهِ حَيْثُ شَاءَ" (٢).
وكان زيدُ بنُ ثابتٍ يرَى أنَّ بيتَ المالِ أحَقُّ بذلك مِن الوصيَّةِ بما زادَ عن الثلُثِ.
إذنُ الورثةِ بالوصيَّةِ بأكثر منَ الثلثِ:
وإذا أَوْصَى الشخصُ بأكثَرَ مِن ثلُثِ مالِهِ، لم تكنِ الوصيَّةُ بما فوقَ الثلثِ نافذةً، واختُلِفَ في بُطْلانِها وعدمِ صحَّتِها:
فذهَبَ عبدُ الرحمن بنُ كَيْسَانَ والمُزَنِيُّ وبعضُ الفقهاءِ مِن المالكيَّةِ والحنابلةِ: إلى بُطلانِها وعدمِ صحَّتِها.
وذهَبَ جمهورُ الفقهاءِ: إلى أنَّها مُعلَّقةٌ بإجازةِ الورثةِ لها، وإجازةُ الورثةِ لها على حالَيْنِ:
- إجازةٌ لها قبلَ موتِ المُوصي؛ وهذه إجازةٌ غيرُ مُعتبَرةٍ؛ لأنَّ المالَ لا يكونُ مِلْكًا لهم إلا بعدَ موتِه، وإجازتُهم للوصيَّةِ فرعٌ عن مِلْكِهم للمالِ كلِّه.
- إجازةٌ للوصيَّةِ بعدَ موتِ المُوصِي؛ فهذه معتبَرةٌ؛ لأنَّهم مَلَكُوا المالَ، ولهم حقُّ التصرُّفِ فيه.
وأمَّا مَن قال ببُطْلانِها أصلًا؛ فلا يرَى أنَّ عَقْدَها صحيحٌ مِن المُوصِي؛ فإنْ سَمَّى مصارفَ وأعيانًا، لا تَمْضِي إليهم كما سمَّاهُ؛ لبُطْلانِ