← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

الثانيةُ: رَحِمٌ غيرُ مُحرَّمٍ غيرُ محتاجٍ؛ فهذا وصلُهُ مِن أعظَمِ الأعمالِ وأفضلِ البِرِّ، إلا أنَّه لا يجبُ؛ فاللهُ لم يُحرِّمِ الجمعَ بينَ بناتِ العمِّ والعمَّة، وبناتِ الخالِ والخالة، وإنْ أدَّى ذلك إلى القطيعة، وعامَّةُ الفقهاءِ على جوازِ هذا الجمعِ بينَ القَرابات، واللهُ لا يُحِلُّ شيئًا يُؤدِّي إلى حرامٍ غالبٍ أو قطعيٍّ، والقطيعةُ بينَ الضَّرَّاتِ غالبةٌ، وقد جاء تعليلُ النهيِ في الجمعِ بينَ المرأةِ وعمَّتِها أو خالتِها خوفَ القطيعةِ في بعضِ الرواياتِ عندَ ابنِ حِبَّانَ؛ قال ﷺ : (إِنَّكُنَّ إِذَا فَعَلْتُنَّ ذَلِكَ، قَطَعْتُنَّ أَرْحَامَكُنَّ) (١). والأحاديثُ الواردةُ في الأرحامِ وصِلَتِهِم يُحمَلُ الوجوبُ منها على النوعِ الأوَّل، وعلى الحالةِ الأُولى مِن النوعِ الثاني، ويُحمَلُ الفضلُ على الجميع، وأقرَبُهم أحقُّهم وأعظَمُهم أجرًا في وصلِه، وإطلاقُ صلةِ الرحمِ مِن غيرِ تقييدٍ بقيدٍ فاصلٍ يُهدِرُ الحُكْمَ ويُضيِّعُهُ، والواجباتُ تُحكَمُ في الشريعةِ وتُضبَطُ، ولو قيل بصِلةِ كلِّ القراباتِ والأرحامِ لَمَا عُرِفَ لذلك حدٌّ ولَشَقَّ على الناسِ ذلك، وتقييدُهُ بذوي الأرحامِ هو قولُ أبي الخطَّابِ مِن الأصحاب، وقولُ جماعةٍ مِن فقهاءِ الحنفيَّةِ والمالكيَّةِ كالقَرَافِيِّ وغيرِه. وفي هذا يقولُ النبيُّ ﷺ ؛ كما رواهُ أحمدُ، عن أَبِي رِمْثَةَ؛ قال رسولُ اللهِ ﷺ : (أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ) (٢). وفي "الصحيحِ"، عن أبي هريرةَ؛ قال: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قال: (أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ, ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ) (٣).

стр. 702

وبعضُ الفقهاءِ يجعلُ ذوي الأرحامِ الذين يجبُ وصلُهُمْ هم الذين يَرِثُونَ؛ وبهذا القولِ يخرُجُ الأخوالُ؛ وهذا ضعيفٌ؛ ففي "الصحيحِ": (الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ) (١)، وقد جاء مِن قولِ النبيِّ ﷺ في أحاديثَ في "المسندِ"، و"السُّنَنِ"، و"المسانيدِ"؛ مِن حديثِ عليٍّ والبَرَاءِ (٢). وفي "المسندِ"؛ مِن حديثِ عليِّ بن أبي طالبٍ؛ قال ﷺ : (فَإِنَّ الْخَالَةَ وَالِدَةٌ) (٣). وكذلك فإنَّ العمَّ بمنزلةِ الأبِ؛ كما في "صحيح مسلمٍ"؛ قال النبيُّ ﷺ لعُمَرَ: (يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ) (٤). والوعيدُ الواردُ في القرآنِ والسُّنَّةِ في قطعِ الأرحامِ يُحمَلُ على ذوي الأرحامِ؛ كقولِهِ تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٢، ٢٣]. وقولِه ﷺ : (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ) (٥). والفضلُ واردٌ على جميع الأرحامِ؛ كقولِهِ: (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِه، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِه، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) (٦)، وأقربُهُمْ رَحِمًا أعظمُهُمْ حقًّا، ووصلُهُ أعظَمُ أجرًا. المحرَّمُ بالرضاعِ لا يدخُلُ في الأرحامِ: ولا يدخُلُ في الأرحامِ الرَّضَاعُ بالاتِّفاقِ؛ لأنَّ الرحِمَ إنَّما سُمِّيَتْ

стр. 703

رحِمًا للولادة، لا للرَّضَاعِ؛ (خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ، قَامَتِ الرَّحِمُ، فَقَالَ: مَهْ، قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَة، فَقَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَك، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَذَلِكِ لَكِ) (١). * * * قال تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]. ذكَرَ اللهُ أموالَ الأيتامِ بعدَ بيانِ حقِّهِ تعالى بتَقْواهُ وحُكْمِ الرحِمِ بالوصلِ؛ لأنَّ غالبَ كفالةِ الأيتامِ تكون مِن ذوي الرحِمِ والقُربى، فيتتبَّعُ الرجلُ أيتامَ أخيهِ وأختِهِ وعمِّهِ ونحوِهِمْ؛ فبَيَّنَ اللهُ حقَّهم وخصيصتَهُمْ بالحقِّ والفضلِ والحُرْمةِ. وأعظَمُ اليُتْمِ فَقْدُ الأبَويْن، ثمَّ فقدُ الأب، ثمَّ فقدُ الأمِّ، ويُطلَقُ في الشرعِ اليُتْمُ على مَن فقَدَ أباهُ ولو كانتْ أُمُّه باقيةً؛ قال ابنُ السِّكِّيتِ: "اليُتْمُ في بني آدمَ مِن قِبَلِ الأب، وفي غيرِهم مِن قِبَلِ الأمِّ" (٢). وتُسمِّي العربُ مَن فقَدَ أبوَيْهِ لَطِيمًا، ويستمرُّ وصفُهُ باليُتْمِ ما لم يَحتلِمْ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : (لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ)؛ رواهُ أبو داودَ (٣). تعظيمُ حقِّ اليتيمِ ومالِهِ: وعظَّمَ اللهُ مالَ اليتيمِ؛ لضَعْفِهِ عن الانتصارِ لنفسِهِ ومعرفةِ حقِّه، ولمَّا كانتِ البَلْوَى تَعُمُّ بمخالَطةِ مالِهم في أموالِ مَن يَكفُلُهُمْ لتنميتِها أو

стр. 704

حِفْظِها، شدَّدَ اللهُ فيها أنْ تُخلَطَ بغيرِها قَصْدَ الإضرارِ بها والتكثُّرِ بها والإفسادِ لها؛ كمَن يَخلِطُ مالَهُ بمالِ اليتيمِ لِيَأْكُلَهُ، أو لأنَّ مالَهُ قليلٌ ومالَ اليتيمِ كثيرٌ، أو مالَهُ رديءٌ ومالَ اليتيمِ جيِّدٌ وطيِّبٌ؛ ليتقاسَمَهُ بعدَ ذلك؛ فيكونَ الطيِّبُ مِن نصيبِه، والخبيثُ مِن نصيبِ اليتيمِ؛ فيُبْدِلَ هذا بهذا. وقال سعيدُ بنُ المسيَّبِ والزهريُّ: "لا تُعْطِ مَهْزولًا، وتأخُذَ سَمِينًا" (١). وقال إبراهيمُ النَّخَعيُّ والضحَّاكُ: "لا تُعْطِ زائفًا، وتأخُذَ جيِّدًا" (٢). وجنسُ أكلِ مالِ اليتيمِ أعظَمُ مِن جنسِ أكلِ مالِ الرِّبا؛ لأنَّ مالَ اليتيمِ يُؤخَذُ عن جهلٍ وضعفٍ، أو قهرٍ وغلَبةٍ، ويستتِرُ بأكلِهِ عن الناس، ويُؤكَلُ بالتحايُلِ وتأكُلُهُ النفوسُ الضعيفةُ الدنيئةُ، بخلافِ الرِّبا؛ فكثيرًا ما يُؤخَذُ عن رِضًا وتوافُقٍ، والنفوسُ تَعَافُ أكلَ مالِ اليتيمِ؛ لِمَا جُبِلَتْ عليه مِن الرحمةِ والأنَفةِ عن الضعيف، ولأنَّ اليتيمَ غالبًا ما يكونُ في كفالةِ ذي الرحمِ؛ لذا كان أكلُ مالِ اليتيمِ أقَلَّ وقوعًا وانتشارًا بخلافِ الرِّبا؛ لذا جاءَتِ النصوصُ في الوعيدِ في الرِّبا أكثَرَ وأشَدَّ مِن مالِ اليتيمِ؛ لأنَّ الرِّبا بلاءٌ عامٌّ، وأكْلَ مالِ اليتيمِ بلاءٌ خاصٌّ. والشريعةُ تُعظِّمُ الذنبَ الذي ينتشرُ ويَشِيعُ، وتُشدِّدُ فيه أكثَرَ مِن غيرِهِ ولو كان أشَدَّ منه؛ ولهذا قُدِّمَ في الحديثِ أكلُ الرِّبا على أكلِ مالِ اليتيمِ؛ كما في البخاريِّ؛ قَالَ النبيُّ ﷺ : (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: (الشِّرْكُ بِالله، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيم، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ

стр. 705

الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ) (١). وجاء في روايةِ مُسلِمٍ في هذا الحديثِ تقديمُ أكلِ مالِ اليتيمِ على أكلِ الرِّبا (٢). وقولُه: ﴿حُوبًا كَبِيرًا﴾؛ يعني: إثمًا عظيمًا؛ قاله ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه (٣). وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ الكلامُ على جوازِ مشارَكَةِ الكفيل لمالِ اليتيمِ والمتاجَرةِ به في قولِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. * * * قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]. بعدَما ذكَرَ اللهُ الأيتامَ وحَقَّهم ببرِّهم وحفظِ مالِهم ذكورًا وإناثًا، أشار إلى ما تَحْتَرِزُ منه نفسُ كفيلِ اليتيمِ عادةً، مِن أمرِ المخالطةِ؛ كما تقدَّمَ في قولِهِ تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، فالناسُ تتهيَّبُ قُرْبَ مالِ اليتيمِ؛ لحُرمَتِهِ ولضَعْفِ صاحِبِه، فتخافُ الإثمَ، وخوفُها ربَّما أجحَفَ باليتيمِ وبمالِه، فيُترَكُ عن النَّمَاءِ والإصلاحِ؛ فيَهْلِكُ بأكلِهِ أو تفسُدُ عينُهُ بعدمِ العنايةِ به إذا كان زرعًا أو ماشيةً ونحوَ ذلك. وممَّا تتهيَّبُهُ النفوسُ: العدلُ في حقِّ اليتيمةِ التي تكونُ في حَجْرِ كفيلِها، وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾؛ يعني: تحرَّجْتُم؛ كما قاله مجاهدٌ (٤).

стр. 706

ولايةُ اليتيمةِ: والحَرَجُ المذكورَ في الآيةِ حُمِلَ على مَعانٍ عدةٍ؛ منها: الحَرَجُ مِن اليتيمةِ التي تكونُ في حَجْرِ وليِّها، وليس لها وليٌّ غيرُهُ يَحمِيها، ويَدْفَعُ عنها عندَ أَذِيَّتِها وأخذِ حقِّها، ويُريدُ كفيلُها مِن أوليائِها الزواجَ منها بمَهْرٍ دونَ مهرِ مِثْلِها، وربَّما كان لها مالٌ وفيها جمالٌ؛ فطَمِعَ فيها لأجلِ ذلك، وقد يُقَصِّرُ في حقِّها، وربَّما ضَرَبَها وأضَرَّ بها، فأمَرَ اللهُ النفوسَ الواجدةَ لذلك بتركِها وتزويجِها غيرَهُ، ويكون هو وليًّا لها عندَ زوجِها يَحْمِيهَا ويطلُبُ لها مهرَ المِثْل، وهو يتزوَّجُ ممَّا أحَلَّ اللهُ له مِن النِّساءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ؛ كما روى الشيخان، عن عروة، عن عائشةَ؛ في قولِه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾؛ قَالَتْ: "أُنْزِلَتْ فِي الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْيَتِيمَةُ وَهُوَ وَلِيُّهَا وَوَارِثُهَا، وَلَهَا مَالٌ وَلَيْسَ لَهَا أَحَدٌ يُخَاصِمُ دُونَهَا، فَلَا يُنْكِحُهَا لِمَالِهَا، فَيُضِرُّ بِهَا وَيُسِيءُ صُحْبَتَهَا، فَقَالَ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يَقُولُ: مَا أَحْلَلْتُ لَكُمْ، وَدَعْ هَذِهِ الَّتِي تُضِرُّ بِهَا" (١). ومِن مَعانيه: دفعُ النفوسِ التي تتحرَّجُ مِن مالِ اليتيمةِ أنْ تتحرَّجَ مِن الزِّنى كذلك، سواءٌ باليتيمةِ التي في حَجْرِهِ أو بغيرِها، وكما أمَرَهُ اللهُ بالحِيَاطَةِ في أموالِ الأيتامِ وغيرِهم، ووضَعَ له مِن ذلك مَخرَجًا، كذلك أمَرَهُ اللهُ بتجنُّبِ الزِّنى، ووضَعَ له مَخرَجًا، وهو التعدُّدُ بالأزواجِ ممَّا أباحَ اللهُ؛ كما روى ابنُ المُنذِر، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾؛ يَقُولُ: "إنْ تَحَرَّجْتُمْ مِن ولايةِ اليتامَى وأكلِ أموالِهم إيمانًا وتصديقًا، فكذلك تحرَّجُوا مِن الزِّنى، فانكِحُوا النِّساءَ نكاحًا

стр. 707

طيِّبًا: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ " (١). ومِن مَعانيه: الحثُّ على العدلِ مع الزوجات، والتخويفُ مِن ظُلْمِهِنَّ؛ فقد روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن ابنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ فِي قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾؛ قَالَ: "فَكَمَا خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فِي الْيَتَامَى، فَخَافُوا أَلَّا تَعْدِلُوا فِي النِّسَاءِ؛ إِنَّمَا جَمَعْتُمُوهُنَّ عِنْدَكُمْ" (٢). تزويجُ اليتيمةِ: وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ إشارةٌ إلى جوازِ تزويجِ غيرِ اليتيمةِ بأقلَّ مِن مِهرِ مِثْلِها؛ لأنَّ اللهَ لمَّا نَهَى عنه في اليتيمة، دَلَّ على جوازِه في غيرِها؛ وهذا قولُ جمهورِ الفقهاءِ خلافًا للشافعيِّ؛ فقد منع الوليَّ كالأبِ مِن تزويجِها الا بمِهْرِ مِثلِها. وأبو حنيفةَ يجعلُ الثيِّبَ التي لا حَجْرَ عليها لا تُزوَّجُ إلا بمهرِ مِثْلِها ولو رَضِيَتْ بأقلَّ منه، ويجعلُ مهرَ المِثْلِ مِن الكفاءةِ في النِّكاحِ. وظاهرُ الآيةِ والسُّنَّةِ جوازُ ذلك، وهو الصحيحُ. تزويجُ وليِّ اليتيمة نفسَهُ: وتتضمَّنُ الآيةُ دَلالةً على وجوبِ الوليِّ في النكاح، وأنَّه شرطٌ فيه. واختَلَفَ العلماءُ في تزويجِ وليِّ اليتيمةِ مِن نفسِه: فمَنَعَ منه الشافعيُّ. وكَرِهَ مالكٌ تزويجَ الوليِّ لها حتى مِن ابنِه؛ وعلَّلُوا ذلك بحفظِ حقِّها مِن أنْ تَطمَعَ النفوسُ فيه. وإذا زوَّجَها منه أو مِن ابنِه سلطانٌ أو وليٌّ غيرُه، جاز عندَهم؛ لأنَّه

стр. 708

أحفَظُ لحقِّها ممَّا لو كان مِن وليِّ اليتيمةِ الأولِ لنفسِهِ أو لابنِهِ. وأجازَ أن ينكِحَ وليُّ اليتيمةِ ووصيُّها اليتيمةَ منِ نفسِهِ - وهو قولٌ لمالكٍ -: أهلُ الكوفةِ والأوزاعيُّ وأحمدُ والليثُ وغيرُهم؛ لدلالةِ التضمينِ في الآيةِ؛ فاللهُ منَعَ أنْ يُزوِّجَها الوليُّ مِن نفسِه عندَ خوفِ عدمِ القسطِ في حقِّها، ومفهومُ ذلك الجوازُ عندَ الأمنِ منِ ذلك؛ فالمنعُ حينَما تَوَجَّهَ إليه: دليلٌ على أنَّه يَملِكُ ولايتَها، ولو كانَتِ الولايةُ لغيرِه حتى لنفسِه، لم يكنْ لتوجيهِ الخطابِ إليه معنًى في قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا﴾. تزويجُ اليتيمةِ قبلَ بلوغها: واختُلِفَ في تزويجِ اليتيمةِ حالَ يُتمِها، وقبلَ بلوغِها: فمنهم مَن أجاز تزويجَها كغيرِها مِن الصغيرات، ومَن أجاز، أخَذَ بظاهرِ الآيةِ؛ لأنَّه بالبلوغِ يرتفعُ اليُتْمُ فسمَّاها اللهُ يتيمةً: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، وقياسًا على جوازِ إنكاحِ غيرِ اليتيمةِ؛ لأنَّ العِلَّةَ الصِّغَرُ، فجاز في غيرِها ويجوزُ فيها على اختلافٍ عندَهم في حدِّ الصغيرةِ؛ وهو مرويٌّ عن بعضِ الصحابةِ؛ كعليٍّ وابنِ مسعودٍ وابنِ عمرَ وزيدٍ وأمِّ سلمةَ، والحسنِ وعطاءٍ وطاوسٍ وأهلِ الكوفةِ. ومنَعَ الجمهورُ مِن تزويجِ اليتيمةِ قبلَ بلوغِها حتى تُستأذَنَ بنفسِها؛ لأنَّ صِغَرَها يمنَعُ مِن استئذانِها؛ وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ؛ وحمَلُوا الآيةَ في تسميةِ اليتيمةِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ على استصحابِ وصفِها قبلَ بلوغِها ممَّا عُرِفَتْ عليه؛ فمَن وُلِدَ يتيمًا وبلَغَ يَتْبَعُهُ وصفُ اليُتمِ بعدَ بلوغِه؛ ويُؤيِّدُ هذا ما رواهُ أحمدُ؛ مِن حديثِ نافعٍ، عن ابنِ عمرَ؛ قال: "تُوُفِّيَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَتَرَكَ ابْنَةً لَهُ مِن خُوَيْلَةَ بِنْتِ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ حَارِثَةَ بنِ الْأَوْقَصِ، قَالَ: وَأَوْصَى إِلَى أَخِيهِ قُدَامَةَ بْنِ

стр. 709

مَظْعُونٍ، قَالَ عَبْد اللهِ: وَهُمَا خَالَايَ، قَالَ: فَخَطَبْتُ إِلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ ابْنَةَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فَزَوَّجَنِيهَا، وَدَخَلَ المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ - يَعْنِي: إلَى أُمِّهَا - فَأَرْغَبَهَا فِي المَالِ، فَحَطَّتْ إِلَيْه، وَحَطَّتِ الْجَارِيَةُ إِلَى هَوَى أُمِّهَا، فَأَبَيَا حَتَّى ارْتَفَعَ أَمْرُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ: يَا رَسُولَ الله، ابْنَةُ أخِي أَوْصَى بِهَا إِلَيَّ، فَزَوَّجْتُهَا ابْنَ عَمَّتِهَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، فَلَمْ أُقَصِّرْ بِهَا فِي الصَّلَاحِ وَلَا فِي الْكَفَاءَة، وَلَكِنَّهَا امْرَأَةٌ، وَإِنَّمَا حَطَّتْ إِلَى هَوَى أُمِّهَا، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (هِيَ يَتِيمَةٌ، وَلَا تُنْكَحُ إِلَّا بِإِذْنِهَا)، قَالَ: فَانْتُزِعَتْ وَاللهِ مِنِّي بَعْدَ أَنْ مَلَكْتُهَا، فَزَوَّجُوهَا المُغِيرَةَ" (١). قالوا: لو كانتْ صغيرةً قبلَ بلوغِها، لم يكنْ لها استئذانٌ؛ لأنَّ الصغيرةَ يُزوِّجُها وليُّها، فسمَّاها يتيمةً، وأمَرَ باستئذانِها؛ استصحابًا لاسمِ اليُتْمِ الذي كانتْ عليه قبلَ بلوغِها. ولمَّا كانتْ ولايةُ اليتيمةِ في النكاحِ قاصرةً، شُدِّدَ في ذلك؛ فالأصلُ أنَّ النفوسَ تحتاطُ لبنتِها مِن صُلْبِها عندَ تزويجِها وهي صغيرةٌ ما لا تحتاطُ للبنتِ مِن غيرِ صُلْبِها، فربَّما أراد الوليُّ والوصيُّ الخلاصَ مِن اليتيمةِ وهي صغيرةٌ؛ وهذا لا يكونُ في الأبِ مع ابنتِه. تعدُّدُ الزوجاتِ: وكان العربُ يَنكِحونَ في الجاهليَّةِ عشرَ نسوةٍ مِن الأَيَامَى، ثمَّ جعَلَ اللهُ ذلك في أربعِ نِسْوةٍ فقطْ؛ قاله ابنُ عبَّاسٍ (٢)، وحدُّ تعدُّدِ النساءِ بأربعٍ متَّفقٌ عليه عندَ السلفِ والخلف، وخالَفَتِ الرافضةُ. وكانتْ ثقيفٌ مِن أكثرِ قبائلِ العربِ في الجاهليَّةِ تعدُّدًا للنساءِ,

стр. 710

فربَّما كان للواحدِ مِن رجالِها عشرُ نسوةٍ؛ كعُرْوةَ بنِ مسعودٍ، ومسعودِ بنِ مُعَتِّبٍ، وأبي عقيلٍ مسعودِ بنِ عامرٍ، وسفيانَ بنِ عبدِ الله، وغَيْلَانَ بنِ سلمةَ، فلمَّا أسلَمَ أبو عقيلٍ وسفيانُ وغيلانُ، نزَلَ كلٌّ منهم عن ستِّ زوجاتٍ، وأمسَكَ أربعًا (١). نكاحُ أهلِ الجاهليةِ: وأصلُ النِّكاحِ عندَ العربِ في الجاهليَّةِ شبيهٌ به في الإسلامِ؛ في المهرِ والوليِّ والإشهارِ، لكنَّهم لا يَحُدُّنَ العَدَدَ، وعندَهم أنواعٌ مِن النِّكاحِ قليلةٌ لا يفعلُها كثيرٌ منهم؛ كنكاحِ الاسْتِبْضَاعِ: أنْ يُفارِقَ الرجلُ زوجتَهُ حتى تَسْتَبْرِئَ يحيضةٍ، ثمَّ تَسْتَبْضِعَ مِن غيرِه، فإنْ حمَلَتْ وبانَ حملُها، رجَعَتْ لزوجِها ويُنسَبُ الولدُ لأبيه، وكأنَّها تُؤجِّرُهُ رَحِمَها، وهو زِنًى وسِفاحٌ، وما كان يفعلُه أكثرُ العربِ ولكنَّه فيهم، وكان موجودًا عندَ قدماءِ اليونان، وقد حكاهُ أفلاطونُ في "جمهوريَّتِه"، ومنه نكاحُ الرَّهْطِ الذي وَرِثَهُ بعضُ عربِ اليمنِ مِن الفُرْس، وهو أنْ يطَأَ رجالٌ دونَ العَشَرةِ امرأةً في يومٍ، ثمَّ تختارَ منهم أبًا لولدِها إنْ حمَلَتْ منهم. وقد أخرَجَ البخاريُّ وأبو داودَ، عن عائشةَ ﵂؛ قالتْ: "إنَّ النِّكَاحَ فِي الجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ: فَنِكَاحٌ مِنهَا نِكَاحُ النَّاسِ اليَوْمَ: يَخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ أَوِ ابْنَتَهُ، فَيُصْدِقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا، وَنِكَاحُ آخَرُ: كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا: أَرْسِلِي إِلَى فُلَانٍ فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ، وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا وَلَا يَمَسُّهَا أَبَدًا، حَتَّى يتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ, فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا, أَصَابَهَا زَوْجُهَا إِذَا أَحَبَّ؛ وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الوَلَدِ؛ فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الاِسْتِبْضَاعِ, وَنِكَاحٌ آخَرُ: يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ العَشَرَةِ, فَيَدْخُلُونَ عَلَى

стр. 711

المَرْأَةِ، كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا، فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ، وَمَرَّ عَلَيْهَا لَيَالٍ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا، أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمتَنِعَ، حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا، تَقُولُ لَهُمْ: قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي كَانَ مِن أَمْرِكُمْ وَقَدْ وَلَدتُّ، فَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلَانُ، تُسَمِّي مَن أَحَبَّتْ بِاسْمِه، فَيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ بِهِ الرَّجُلُ، وَنِكَاحُ الرَّابعِ: يَجْتَمِعُ النَّاسُ الكَثِيرُ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى المَرْأَة، لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جَاءَهَا، وَهُنَّ البَغَايَا، كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ تَكُونُ عَلَمًا، فَمَنْ أرَادَهُنَّ، دَخَلَ عَلَيْهِنَّ، فَإِذَا حَمَلَتْ إِحْدَاهُنَّ، وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا، جُمِعُوا لَهَا، وَدَعَوْا لَهُمُ القَافَةَ - أي: الَّذِينَ يَعْرِفُونَ شَبَهَ الوَلَدِ بِالوَالِدِ بِالآثَارِ الخَفِيَّةِ - ثُمَّ أَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِالَّذِي يَرَوْنَ، فَالْتَاطَ بِه، وَدُعِيَ ابْنَهُ، لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ" (١). النكاحُ في الإسلامِ: وقد عَظَّمَ اللهُ أمرَ النكاحِ في الإسلام، وحَفِظَ حقَّ الزوجَيْنِ والذريَّة، وسمَّى عقدَ النكاحِ وما يتضمَّنُهُ: "المِيثَاقَ الغليظَ"؛ قال تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١]، واللهُ لم يَصِفِ الميثاقَ بالغليظِ إلا في ميثاقِ عقدِ الزوجَيْن، وميثاقِهِ على الأنبياءِ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧]، وكذلك ميثاقُهُ على بني إسرائيلَ ألَّا يَعْدُوا في السبتِ نذيرًا لعذابِهِمُ الذي يَعْقُبُ عِصْيَانَهم للهِ: ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ١٥٤]. وإنَّما جعَلَ اللهُ المرأةَ هي التي تأخُذُ الميثاقَ في قولِهِ: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١]، ولم يجعَلْهُ بينَ الزوجَيْنِ؛ لأنَّ المرأةَ هي مَن تُغلَبُ على حقِّها غالبًا؛ لضَعْفِها وقِلَّةِ قُدْرتِها على أخذِه.

стр. 712

وقيَّدَ اللهُ الرخصةَ بالتعدُّدِ عندَ الأمنِ مِن الحَيْفِ وظُلْمِ الأزواجِ؛ روى ابنُ أبي حاتم وابنُ جريرٍ، عن قتادةَ؛ قال في قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾؛ يَقُولُ: "إِنْ خِفْتَ أَلَّا تَعْدِلَ فِي أَرْبَعٍ فَثَلاثًا، وَإِلَّا فَاثْنَيْن، وَإِلَّا فَوَاحِدَةً" (١). وقولُهُ تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾؛ أيْ: ألَّا تَجُورُوا وتَميلُوا في حقِّهنَّ؛ قالتْهُ عائشةُ، وبه قال ابنُ عبَّاسٍ ومجاهدٌ وعكرمةُ وغيرُهم، ورُوِيَ مرفوعًا مِن حديثِ عائشةَ؛ ولا يصحُّ، والصوابُ وقفُه؛ قاله أبو حاتمٍ (٢). وروى الشافعيُّ، عن ابنِ عُيَيْنَةَ؛ أنَّه قال: "ذلك أَدْنَى ألَّا تَفْتَقِرُوا" (٣). وقيل في قولِه: ﴿أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾؛ أيْ: كيلا تكثُرَ عيالُكُمْ فلا تَقدِرُوا على النفقةِ. وأظهَرُ المَعاني في هذه الآيةِ: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾؛ أيْ: ألَّا تَجُورُوا وتَمِيلُوا في حقِّ النِّساءِ فتَظلِموهُنَّ؛ كما هو قولُ عامَّةِ المفسِّرينَ، وهو ما يَجري استعمالُهُ في لغةِ العربِ وقريشٍ خاصَّةً؛ قال أبو طالبٍ: بِمِيزَانِ صِدْقٍ مَا يَعُولُ شَعِيرَةً … وَوَزَّانِ صِدْقٍ وَزْنُهُ غَيْرُ عَائِلِ وقال الشاعرُ: إِنَّا تَبِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَاطَّرَحُوا … قَوْلَ الرَّسُولِ وَعَالُوا فِي المَوَازِينِ وأمَّا قولُ الشافعيِّ: إنَّ المرادَ: حتى لا تكثُرَ عيالُكُمْ، فلا تَقدِرُوا على الإنفاقِ؛ فهو قولٌ مرجوحٌ، ولم يُفسِّرْهُ بهذا أحدٌ مِن الصحابة،

стр. 713

وقولُ الثعلبيِّ: "إنَّه لم يَقُلْ بهذا التأويلِ غيرُ الشافعيِّ" (١)، فِيه نظرٌ؛ فقد رواهُ الدارقطنيُّ، عن زيدِ بنِ أَسْلَمَ؛ قال: "ذلك أَدْنى ألَّا يكثُرَ مَن تَعُولُونَه" (٢). وربَّما أخَذَهُ الشافعيُّ مِن قولِهِ ﷺ ؛ كما في "الصحيحَيْنِ": (وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ) (٣). ولكنَّ النصوصَ والأثرَ تُضعِّفُ القولَ بهذا التأويلِ في هذه الآيةِ وفي هذا السياقِ؛ فلم يَثْبُتْ في تركِ الأولادِ وتكثيرِهم خشيةَ الفقرِ والنفقةِ شيءٌ. حكمُ تعدُّدِ الزوجاتِ: وتعدُّدُ الأزواجِ للقادرِ العادلِ شِرْعَةٌ نبويَّةٌ وفِطْرةٌ صحيحةٌ؛ فقد تزوَّجَ إبراهيمُ اثنتَيْن، وتزوَّجَ داودُ ألفَ امرأةٍ؛ كما جاء في التوراةِ وفي بعضِ حكاياتِ بني إسرائيلَ، وتزوَّج سليمانُ مِئَةَ زوجةٍ؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ (٤)، وجمَعَ خيرُ الناسِ محمدٌ ﷺ إحدى عَشْرةَ، وقيل: تسعَ نِسْوةٍ، والروايتانِ في "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ أنسٍ (٥). وأكثرُ الصحابةِ تزوَّجُوا أكثَرَ مِن واحدةٍ، منهم مَن جمَعَهنَّ، ومنهم مَن تزوَّجَ وفارَقَ، وقد روى البخاريُّ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ؛ قال: قال لي ابنُ عبَّاسٍ: "هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ: لا، قال: فَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً" (٦). وهو شِرْعَةٌ إلهيَّةٌ لحكمةٍ عظيمةٍ، بها يتحقَّقُ دفعُ مفاسدَ عظيمةٍ مِن

стр. 714

النِّساءِ والرِّجال، وإنْ غابتْ حكمتُها عندَ بعضِ الناس؛ فلِقصورِها ومُكابَرتِها عن إدراكِ مكامنِ النفوسِ وبواطنِ الغرائزِ. وأكثرُ مَن يُنكِرُ شريعةَ اللهِ في التعدُّدِ مِن الرجالِ اليومَ هم ممَّن هان الزِّنى في قلبِه؛ فاللهُ يُنظِّمُ ما تفعلُهُ النفوسُ المريضةُ في السرِّ ليكونَ في العَلانِيَة، ويدفَعُ به العَنَتَ والمشقَّةَ التي تجدُها النفوسُ السويَّةُ، وبه تنتظمُ الفِطْرةُ، ويُدفَعُ الحرامُ، وتتحصَّنُ الأعراضُ، وقد قُلْتُ لأحدِ الفلاسفةِ الغربيِّينَ: "تقييدُ تعدُّدِ الزوجاتِ بأربعٍ خيرٌ ممَّا تُبيحُونَهُ مِن الزِّنى بالعشيقاتِ بلا عددٍ؛ فالإسلامُ أمَرَ بإعلانِ ما تُخْفُونَهُ وضبَطَه وحَدَّهُ حتى لا تضيعَ الحقوقُ، وتحريمُ التعدُّدِ والزِّنى بالعشيقاتِ جميعًا اختلالٌ لفِطْرةِ المجتمع، وتكليفٌ لها بما لا تُطِيقُ، وإباحةُ الزِّنى وتحريمُ التعدُّدِ ظُلْمٌ في الدِّينِ وإهدارٌ لحقوقِ الزوجينِ". وأمَّا كراهةُ المرأةِ أنْ يُعدِّدَ عليها زوجُها، فذاك ليس كُرْهًا للشريعةِ؛ ولكنَّه كُرْهٌ لأنْ تُشارَكَ هي في نصيبِها مِن زوجِها، وهذا مِن أبوابِ الغَيْرَةِ والشُّحِّ، لا مِن أبوابِ كُرْهِ التشريعِ؛ ولذا لا تجدُ المرأةُ المسلمةً حَرَجًا مِن تعدُّدِ غيرِ زوجِها، وتَكرَهُهُ في زوجِها لحَظِّ نفسِها. واتَّفَقَ العلماءُ أنَّ الحُرَّ يتزوَّجُ أربعَ نسوةٍ، واختلَفُوا في العبد، وهما روايتانِ عن مالكٍ: قيل: إنَّه كالحُرِّ؛ وهذا قولُ أهلِ الظاهر، وقال الجمهورُ: يتزوَّجُ اثنتَيْن، وهو الأصحُّ؛ فهو قولُ عمرَ وعليٍّ وابنِ عوفٍ، ولا أعلَمُ مَن خالَفَهم مِن الصحابةِ. * * *

стр. 715

قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]. والصَّدَاقُ هو المَهْرُ، ويُسمَّى في القرآنِ أَجْرًا؛ قال تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤]. حكمُ المهرِ: وهو فريضةٌ في النكاحِ؛ لقولِهِ في الآيةِ: ﴿نِحْلَةً﴾؛ يعني: فريضةً؛ وبهذا فسَّرَهُ ابنُ عبَّاسٍ وعائشةُ وقتادةُ وابنُ جُرَيْجٍ (١)، وهو فرضٌ بالاتِّفاقِ كما حكاهُ غيرُ واحدٍ؛ كابْنِ رُشْدٍ. والعقدُ يصحُّ بلا تسميةٍ للمهرِ على قولِ جمهورِ الفُقَهاءِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]؛ فإباحَةُ اللهِ الطلاقَ قبلَ تسميةِ المهرِ دليلٌ على صحةِ العقد، وأنَّ المهرَ والصَّدَاقَ لا يتعلَّقُ بصحةِ العقدِ؛ وإنَّما هو حقٌّ لاستباحةِ البُضْعِ؛ قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فيُبتغى النكاحُ بالأموالِ؛ سواءٌ سُمِّيَ أو لم يُسَمَّ. وشرطُ عدمِ المهرِ وإسقاطِهِ عندَ العقدِ فاسدٌ في نفسِهِ بالاتِّفاق، مُفسِدٌ للعقدِ على الصحيحِ؛ لأنَّ العقدَ بلا مهرٍ هِبَةٌ، والهبةُ لا تصحُّ في النكاح إلا للنبيِّ ﷺ ؛ كما قال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٠]، ولا خلافَ عندَ العلماءِ أنَّ الهبةَ في النكاحِ بلا صداقٍ لا تجوزُ، وقد نصَّ على الإجماعِ غيرُ واحدٍ.

стр. 716

تأخُّرُ المهرِ عن العقدِ: ولو تأخَّرَ تقابُضُ المهرِ عن العقدِ أو تمَّ العقدُ بلا تسميةٍ للمهر، جاز؛ لِمَا تقدَّمَ، ولِمَا روى أبو داودَ والترمذيُّ؛ أنَّ ابنَ مسعودٍ سُئِلَ عن رجلٍ تزوَّجَ امرأةً، ولم يَفْرِضْ لها صداقًا، ولم يَدْخُلْ بها حتى مات؟ فقال ابنُ مسعودٍ: "لها صداقُ نسائِها، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، وعليها العِدَّةُ، ولها الميراثُ؛ فقام مَعْقِلُ بنُ سِنَانٍ الأشجعيُّ، فقال: "قَضَى رسولُ اللهِ ﷺ في بِرْوَعَ بِنتِ واشِقٍ: امرأةٍ منَّا، مِثلَ ما قَضَيْتَ" (١). والأَمَةُ يجوزُ وَطْؤُها بلا مهرٍ؛ لأنَّ حقَّها غيرُ حقِّ غيرِها مِن النساءِ. المهرُ حقٌّ للمرأةِ: وفي الآيةِ: دليلٌ على أنَّ المهرَ حقٌّ للمرأة، لا لوليِّها ولا لأهلِها؛ فاللهُ يقولُ: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾، فأمَرَ بإعطائِهِنَّ أنفُسِهِنَّ، وأكَّدَهُ بقولِه: ﴿نِحْلَةً﴾، ثمَّ بيَّنَ أنَّ المهرَ لا يُسقِطُهُ الوليُّ؛ لأنَّه ليس مِن حقِّه، في قولِه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾، فالأمرُ بإسقاطِ شيءٍ مِن المهرِ وهبتِه: لها، لا لوليِّها، وهذا يُؤكِّدُ حقَّها وَحْدَها فيه؛ وهذا خلافُ ما كان عليه أهل الجاهليَّةِ؛ إذْ كان يتكثَّرُ الأولياءُ بمهورِ بناتِهم وأخواتِهم، وكان الرجلُ إذا وُلِدَ له بنتٌ يقالُ له: (هنيئًا لك النَّافِجَةُ) (٢)؛ يعني: ما تَزِيدُ في مالِك وتُغنِيكَ بمَهْرِها، فكان المهرُ مِلْكًا للوليِّ لا للزوجة، فأبطَلَهُ اللهُ وجعَلَهُ حقًّا للزوجة، تَضَعُ منه ما تشاءُ، وتُبقِي لها ما تشاءُ، عن طِيبِ نفسٍ منها بلا إكراهٍ، وقد كان بعضُ الجاهليِّينَ تترفَّعُ نفوسُهم عن مهورِ بناتِهم تعفُّفًا عن حَقِّهِنَّ؛ كما يقولُ الشاعرُ:

стр. 717

وَلَيْسَ تِلَادِي مِنْ وِرَاثَةِ وَالِدِي … وَلَا شَادَ مَالِي مُسْتَفَادُ النَّوَافِجِ تعظيم شرطِ المهرِ للنكاحِ: وفي قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ دليلٌ على أنَّ حقَّ اللهِ في المهرِ أعظَمُ مِن حقِّ الزوجة، وأنَّ الزوجةَ لا تَملِكُ إسقاطَ جميعِ مَهْرِها ولو كان بِطِيبِ نفسٍ منها؛ ولذا قال: ﴿طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ﴾ , فلا يجوزُ للمرأةِ أن تُسقِطَهُ كلَّه، ولكنْ لها أنْ تُسقِطَ منه؛ فاللهُ شرَعَهُ لتُحفَظَ به الحقوقُ، وتُكرَمَ به المرأةُ، وحتى لا يُتَّخَذَ إباحةُ إسقاطِ المرأةِ للمهرِ ذريعةً لإلغائِهِ كلِّه في العقود، فأجاز اللهُ لها إسقاطَ بعضِهِ لا كلِّه. إسقاطُ المرأةِ لبعضِ مَهْرِها: وفي قولِه تعالى: ﴿عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ تحريمُ أخذِ المالِ بالإكراهِ وبسيفِ الحياء، ولو أظهَرَتِ الرضا؛ لحيائِها أو خوفِها، وقد حَكَى غيرُ واحدٍ مِن العلماءِ: أنَّ ما أُخِذَ مِن المالِ بسيفِ الحياءِ, فهو حرامٌ؛ لأنَّ الحياءَ, يَغْلِبُ بعضَ النفوس، فتهابُ مَعَرَّةَ الإمساك، فلا تُحِبُّ الذمَّ، فإذا أُخِذَ الحقُّ تخويفًا مِن كلامِ الناس، أو تهيبًا مِن معرَّتِهم وذمِّهم، فالمأخوذُ حرامٌ، وسيفُ الحياءِ كسيفِ الإكراه، وكلُّها مَعَانٍ تقومُ في النفسِ تدفَعُ صاحِبَها إلى بذلِ ما لا يُريدُ بَذْلَهُ لو كان مختارًا. فإذا لم تَملِكِ الزوجةُ إسقاطَ المَهْرِ كلِّه، فوَلِيُّها مِن بابِ أَولى؛ لأنَّه حقٌّ للهِ رخَّصَ لهم بإسقاطِ بعضِهِ لا كلِّه، والتراضِي على الإسقاطِ لا يُجِيزُ الإسقاطَ؛ كالتراضِي بينَ الطرَفَيْنِ على الرِّبا لا يُجِيزُهُ. المهرُ المؤخَّر: وفي قولِه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ دليلٌ على جوازِ تأخيرِ بعضِ المهرِ بعدَ الدخولِ أو عندَ الطلاق، وهو ما يعتادُهُ بعضُ الناسِ

стр. 718

اليومَ بمُؤخَّرِ المهرِ؛ لأنَّ ما جازَ إسقاطُهُ جاز تأخيرُهُ، وإذا تشارَطَ الزوجانِ تأخيرَ بعضِ المهر، وجَبَ الوفاءُ به، وهو شرطٌ صحيحٌ، وفي "السُّنَنِ"؛ قال ﷺ : (المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا) (١)، وفي "الصحيحَيْنِ"؛ قال ﷺ : (إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوفَى بِه، مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفرُوجَ) (٢). وقوله: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ إشارةٌ لحِلِّهِ بطِيبِ نفسٍ منها، لا مكرًا ولا خديعةً، ولا إكراهًا وتغلُّبًا بسيفِ الحياءِ. وفي الآيةِ: دفعٌ لِحَرَجِ النفوسِ التقيَّةِ مِن قُرْبِ مهرِ الزوجةِ إذا أَحَلَّتْهُ لزوجِها أو لأبيها عن طِيبِ نفسٍ منها. شرطُ الوليِّ لنفسِهِ مالًا: وإذا شرَطَ الأبُ حقًّا له مِن مالٍ ونحوِهِ على الزوجِ عندَ العقدِ وقَبلَهُ الزوجُ، فاختلَفَ العلماءُ في صحةِ ذلك الشرطِ على قولَينِ: قال بجوازِه مسروقٌ وإسحاقُ. وقد رُوِيَ عن مسروقٌ: أنَّه لمَّا زوَّجَ ابنتَهُ شترَطَ لنفسِهِ عَشَرةَ آلافٍ، فجعَلَها في الحجِّ والمساكين، ثمَّ قال للزوجِ: "جَهِّزِ امرأتَك". ورُوِيَ هدا عن عليِّ بنِ الحُسَيْنِ (٣). وقال مَن جَوَّزَ ذلك للأبِ: إنَّه يَملِكُ مالَ أولادِهِ مِن غيرِ شرطٍ، وفي الشرطِ مِن بابِ أَولى. وقال عطاءٌ وعكرمةُ وطاوسٌ وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ والثوريُّ ومالكٌ والشافعيُّ: بعدمِ صحةِ ذلك، ويكونُ الشرطُ عندَهم - إلَّا الشافعيَّ - حقًّا

стр. 719

للمرأةِ؛ لأنَّه أخَذَ مالًا بسب نكاحِها؛ فيكونُ في حُكمِ مهرِها الذي تَملِكُه؛ فيَؤُولُ إليها، لا لأبيها. وهذا هو الأظهَرُ؛ لأنَّ المهرَ يَنْقُصُ لأجلِ هذا الشرطِ عادةً، فربَّما نقَصَ الأبُ ين مهرِ ابنتهِ لِيَقْبَلَ الزوجُ شرطَه لنفسِه، فيكونُ حيلةً للإضرارِ بالزوجةِ. ونصَّ أحمدُ على أنَّ شرطَ غيرِ الأبِ كالجَدِّ والعمِّ والخالِ والأخِ في المهر، لا يصحُّ، ويعودُ الشرطُ مهرًا للزوجةِ. ويرى الشافعيُّ الشرطَ مِن الأبِ وغيرِهِ يُفسِدُ تسميةَ المهرِ كلِّه؛ لأنَّ الشرطَ عدَ اشتراطِهِ ينقُصُ مِن حقِّها، حتى لا يُثقِلَ على الزوجِ؛ فيكونُ تسميةُ المهرِ باطلًا، ولها مهرُ المِثلِ. ويأتي مزيدُ كلام في شرطِ النكاح في قصةِ شعيبٍ ﵇ في سورةِ القصصِ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]. * * * قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ [النساء: ٥]. والنهيُ في هذه الآيةِ متوجِّهٌ للأولياءِ آباءً أو أزواجًا أو غيرَهم، والمقصودُ بالسَّفَهِ في الآيةِ: عدمُ إحسانِ التصرُّفِ؛ سواءٌ كان مِن الرجلِ أو المرأة، أو الصغيرِ أو الكبيرِ؛ وقد يكونُ سوءُ التدبيرِ في بابِ دونَ بابٍ، فما لم يُحسِنِ التصرُّفَ فيه الإنسانُ، يَدخُلُ في حُكمِ الآية، فمَن يُضارِبُ في سوقٍ لا يَعرِفها ولا يعرفُ إقبالَها ولا إدبارَها، ولا مواضعَ الربحِ والخسارةِ فيها، ولو كان عاقلًا مكلَّفًا في نفسِه، فهو داخلٌ في الآيةِ.

стр. 720

إعطاءٌ المالِ مَنْ لا يُحْسِنُ تدبيرَهُ: والعلماءُ مِن المفسِّرينَ مِن السلفِ يُدْخِلُونَ في الآيةِ الصغيرَ والمرأةَ التي لا تُحسِنُ التدبيرَ في المالِ؛ قاله ابنُ عبَّاسٍ وابنُ مسعودٍ والحسَنُ والحَكَمُ وغيرُهم (١). وقال أبو هُريرةَ: هم الخَدَمُ (٢). وهذا كلُّه مِن التنُّوع، لا الحصرِ في نوعٍ، فربَّما كان السفيهُ كبيرًا، وربَّما كان امرأةً، وربما كان رجلًا. الحجرُ على السفيهِ: وهذه الآية أصلٌ في الحَجْرِ على السَّفِيه، والحَجْرُ عليه محلُّ اتِّفاقٍ عندَ العلماءِ؛ قال ابنُ المُنذِرِ: أكثرُ علماءِ الأمصارِ يَرَوْنَ الحَجْرَ على كلِّ مُضيِّعٍ لمالِه؛ صغيرًا كان أم كبيرًا" (٣). والسَّفَهُ: هو صرفُ المالِ في الحرام، أو السَّرَفُ قي المباح، ومَن حُكِمَ عليه بالحجر، لا يصحُّ تصرُّفُه؛ لأنَّ هذا هو مقتضَى الحجر، فلا ينعقدُ شراؤُهُ ولا بيعُهُ ولا وَقْفُه، ولا يصحُّ له إقرارٌ. وإقرارُ المحجورِ عليه على نفسِهِ صحيحٌ مجمَعٌ عليه، إذا كان بزنًى أو سرقةٍ أو شربِ خمرٍ أو قذفٍ أو قتلٍ؛ وحكى الإجماعَ على هذا ابنُ المُنذِرِ (٤). وأكثرُ العلماءِ على أنَّ الحدودَ تُقامُ عليه، وإن طلَّقَ، نفَذَ طلاقُهُ ومَضَى.

стр. 721

وجوبُ حفظِ الأموالِ وعدمِ السَّرَفِ: وحرَّمَ اللهُ إيتاءَ السفهاءِ المالَ؛ لأنَّ المالَ ولو كان ملكًا بيدِ العبد، فهو حقٌّ لله، لا يجوزُ التخوُّضُ فيه بلا حقٍّ؛ ففي "الصحيحِ"؛ قال ﷺ : (إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القيَامَةِ) (١). واللهُ مَلَّكَ الإنسانَ مالَهُ لِيندبَّرَهُ وينتفِعَ ويستمتِعَ به، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وحَدَّ ذلك بالتدبيرِ وحَسْنِ التصرُّفِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف - ٣١]. بل نَهَى اللهُ عن السَّرَفِ حتى في النفقةِ إذا أضَرَّ بصاحِبِهِ وأهلِه في غيرِ ما ضرورةٍ عامَّةٍ بالأمَّةِ؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. وفي "السُّنَنِ"؛ قال ﷺ : (كلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا، مَا لَمْ يُخَالِطْهُ إِسْرَافٌ أَوْ مَخِيلَةٌ) (٢). وفي الآيةِ: حفظٌ للمالِ حقًّا للهِ وحقًّا لصاحِبِ المالِ أنْ يُهدِرَهُ وهو في حاجة إليه؛ ولذا جعَلَ اللة الوِلايةَ والقِوامةَ، فأمَرَ بالإنفاقِ على السفيهِ والإحسانِ إليه، وأنَّ النهيَ عن تصرُّفِه في المالِ في موضعٍ لا يُحسِنُهُ: لا يعني ظُلْمَهُ والتقصيرَ في حقِّه؛ وقد روى ابنُ جريرٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عبَّاسِ؛ قال: "كُنْ أَنْتَ الَّذِي تُنْفِقُ عَلَيهِمْ فِي كِسْوَتِهِمْ وَمُؤْنَتِهِمْ" (٣). وأمَرَ اللهُ - مع حبسِ المالِ عن تصرُّفِهم والإنفاقِ عليهم - بالإحسانِ إليهم حتى في القولِ؛ تطييبًا لنفوسِهم، وكسبًا لودِّهم؛ لأنَّهم يَجهَلُونَ

стр. 722

مواضعَ النفعِ والضرِّ في أموالِهم، فربَّما كَرِهُوا الحجرَ عليهم إساءةً للظنِّ، وقولُ المعروفِ يَدفعُ ظنَّ السوء، وُيطيِّبُ النفوسَ. وقولُه: ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾؛ أي: تَقُومُ الحياةُ بالمالِ؛ فلا يضعُفُ الإنسانُ بفقرٍ أو حاجةٍ لغيرِه، فبالمادَّةِ تقومُ الحياةُ الدُّنيا، وبالعبادة تقومُ الحياةُ الأُخرى. قِوَامةُ الرجالِ على النساءِ: وفي قولِه تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ دليلٌ على قِوَامةِ الرجالِ على النساء، فاللهُ أمَرَهُمْ بالإنفاقِ على النساءِ والصِّغَار، وفيه أنَّ العملَ والتكسُّب على الرجالِ لا على النساءِ؛ فاللهُ لم يأمُرِ النساءَ في الوحي بالتكسُّبَ والضَّرْب في الأرضِ؛ وهذه هي الفِطْرة التي جُبِلَ عليها البَشَرُ؛ كما فال تعالى لآدَمَ وحوَّاءَ في الجَنَّةِ: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧]، فيَخرُجانِ جميعًا والشقاءُ لآدمَ؛ لأنَّه مَكفِيٌّ في الجنةِ مِن الضربِ في الأرضِ والعملِ والتكسُّب، وأمَّا في الدُّنيا فسيَشْقَى وحدَه، ومحلُّ حواءَ في قرارِها، واللهُ أمَرَ الرجالَ ولم يَنْهَ النساءَ عن التكسُّبِ إنِ احْتَجْنَ إليه مِن غيرِ تبرُّجٍ ولا اختلاطٍ بالرجالِ الأجانبِ. كفايةُ الأهلِ والزوجة بالنفقةِ: ولا حَدَّ للرزقِ والكسوةِ المأمورِ لها في الآيةِ؛ لعمومِ الآيةِ، ولظاهرِ السُّنَّةِ؛ كما في قولِ النبيِّ ﷺ لهندَ بنتِ عُتْبةَ: (خُذِي مَا يَكفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ) (١)؛ فالواجبُ الكفايةُ مِن غيرِ سَرَفٍ ولا مَخِيلَةٍ، والكفايةُ تختلِفُ بحسَبِ الأشخاصِ والأزمانِ والأحوال، والعلماءُ يتَّفقونَ على عدمِ تحديدِ حَدٍّ للكِسْوة، ويَختلفونَ في تحديدِ النفقة، والأرجحُ عدمُ تحديدِها أيضًا، وهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ وأحمدَ، خلافًا للشافعيِّ

стр. 723

فيَرى تقديرَها اعتبارًا بكفارةِ اليمينِ؛ حيثُ قُدِّرَ الرزقُ فيها، ولم تُقدَّرِ الكِسْوةُ، وعلى مذهبِ الشافعيةِ يرَوْنَ على الزوجِ رزقًا واجبًا وهو مدينٌ ككفارةِ اليمينِ، وهذا قد يُقالُ به لو لم يكُنْ في البابِ حديثُ هندَ بنتِ عتبةَ، وحديثُ هندَ أصرَحُ وأوضَحُ. * * * * قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦]. أمَرَ اللهُ الأولياءَ والأوصياءَ بامتحانِ اليتيمِ قبلَ دفعِ مالِهِ إليه؛ أي: اختبارِهِ لمعرفةِ بلوغِهِ النكاحَ، وسلامةِ عقلِه، وصحةِ رُشْدِه، والمرادُ ببلوغِ النكاحِ هو سنُّ التزويجِ عادةً ممَّا يُعرَفُ به مَيْلُ الرجلِ إلى المرأةِ، وله علاماتُهُ المعروفةُ. علاماتُ البلوغِ: وعلاماتُ البلوغِ ودلالتُهُ في السُّنَّةِ بلوغُ سنِّ الخامسةَ عَشْرةَ؛ لما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديتِ نافعٍ، عن ابنِ عمرَ؛ قال: "إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَرَضَني يَوْمَ أُحُدٍ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزنِي، ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْمَ الخَنْدَقِ وَأنَا ابْنُ خَمْسَ عَشرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي"، قَالَ نَافِعٌ: "فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وَهُوَ خَلِيفَةٌ، فَحَدَّثْتُهُ هَذَا الحَدِيثَ، فَقَالَ: إنَّ هَذَا لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا لِمَن بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ" (١).

стр. 724

وعلى هذا الحديثِ عملُ الصحابةِ والتابعينَ وجمهورِ الفقهاءِ؛ كالشافعيِّ وأحمد وصاحِبَيْ أبي حنيفةَ وبعضْ أصحابِ مالكٍ. وحَدَّ مالكٌ وأبو حنيفةَ البلوغَ لغيرِ المُحتلِمِ بثمانيةَ عشَرَ، وفي روايةٍ عنهما بسبعةَ عشَرَ، وفي قولٍ فرَّقَ أبو حنيفةَ بينَ الجاريةِ والغلامِ؛ فحَدَّ الجاريةَ بسبعةَ عشَرَ، ما لم يبلُغَا الاحتلامَ قبلَ ذلك؛ تمسُّكًا بظاهرِ القرآنِ في قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]. واعتبارُ السنِّ في البلوغِ ثَبَتَتْ به السُّنَّةُ، وجَرَى عليه عملُ السلفِ، والاحتلامُ لا يُنافِيهِ؛ بل هما علامتانِ للبلوغِ قد يَجتمِعانِ وقد يَفترِقانِ؛ فمَا يسْبِقْ منهما، فهو مُثْبِتٌ للبلوغِ، فقد تتعدَّدُ العلاماتُ والأدلَّةُ على ثبوتِ الشيءِ الواحدِ مجتمِعةً ومفترِقةً، يدُلُّ على هذا العقلُ والنقلُ. وحدُّ البلوغِ بسنِّ الثامنةَ عَشْرةَ لا دليلَ عليه سوى ما يراهُ أبو حنيفةَ: أنَّه أقصَى ما يَغْلِبُ على الظنِّ معه بلوغُ الرجالِ حدَّ نضوجِ العقلِ والقوَّةِ، وما قَبْلَه ظنٌّ؛ وهذا نظرٌ لا يَدفَعُ النصَّ. بلوغ الفتاةِ بالحَيْضِ: وتبلُغُ النساءُ بنزولِ الحيضِ؛ وذلك لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. وجعَلَ مالكٌ غِلَطَ الصوتِ وخشونتَهُ علامةً على البلوغِ. علامةُ إنباتِ الشَّعْر على البلوغ: والإنباتُ دليلٌ على البلوغِ ما لم يكُن ذلك عن مرضٍ في دمٍ أو هرمونٍ يَعرِفُهُ أهلُ الطِّبِّ؛ وقال بهذا أحمدُ، وهو قولٌ لمالكٍ والشافعيِّ، وهو الصحيحُ؛ لقضاءِ سعدِ بنِ معاذٍ، في يهودِ في قُرَيْظَةَ؛ أنَّ يُقتَلَ مَن أنبَتَ مِن رجالِهم، وتُسْبَى ذَرَارِيُّهم؛ فقال النبيُّ ﷺ : (قَضَيْتَ

стр. 725

بِحُكْمِ اللهِ) (١). ولم يجعَلْه أبو حنيفةَ دليلًا على البلوغِ، والصحيحُ خلافُ قولِه؛ لثبوتِ الدليلِ في ذلك؛ فقد روى أحمدُ، وأصحاب "السُّنَنِ"، عن عبدِ الملكِ بنِ عُمَيرِ: حَدَّثَنِي عَطِيَّةُ الْقُرَظِيُّ، قَالَ: "كُنْتُ مِنْ سَبْي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَكَانُوا يَنْظُرُونَ؛ فَمَنْ أَنْبَتَ الشَّعْرَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ لَمْ يُقْتَلْ، فَكُنْتُ فِيمَنْ لَمْ يُنْبِتْ" (٢). وسندُه صحيحٌ، وله طُرُقٌ، ولو لم يكونُوا بالِغِينَ، ما قَتَلَهم، ولا قال النبيُّ ﷺ : (قَضَيْتَ بِحُكمِ اللهِ)؛ لأنَّ الصغيرَ غيرُ مُكلَّفٍ؛ فلا تَجرِي عليه الحدودُ، وخاصَّةَ القتلَ. وقولُه: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ الإيناسُ: المعرفةُ والإدراكُ؛ روى عليُّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عبَّاسٍ قال: "عرَفْتُم منهم رُشْدًا" (٣). وهذا كما في قولِهِ تعالى: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ [طه: ١٠]. معنى بلوغِ الرُّشْدِ: والرشدُ: هو العقلُ؛ قاله مجاهدٌ (٤)؛ فما كلُّ بالغٍ راشدًا عاقلًا، فالصبيُّ ينشَأُ سفيهًا، فربَّما صاحَبَهُ السَّفَهُ بعدَ بلوغِهِ عامًا أو أعوامًا، ويُعرَفُ رُشدُهُ بمعرفةِ مواضعِ الشرِّ والخيرِ وتَوَقِّيها، ومجرد المعرِفةِ لا تجعلُهُ راشدًا حتى يتوقَّى.

стр. 726

والمقصودُ بالرشدِ في هذا الموضعِ؛ الانفرادُ بإحسانِ تدبيرِ المال، ولو كان اليتيمُ لا يُحسِنُ في غيرِ المالِ؛ كمَن يُقصِّرْ في عبادتِه، ولكنَّه حريصٌ على دُنياهُ، مُتَوَقٍّ لبذلِهِ في حرامٍ وسَرَفٍ؛ ولذا قال ابنُ عبَّاسٍ: "إذا عرَفْتُم رشدًا في حالِهم، والإصلاحَ في أموالِهم"؛ رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ، بسندٍ صحيحٍ (١). والرشدُ: هو الشدَّةُ في حِياطَةِ المال، وحمايتُهُ والدفعُ عنه مِن المَكْرِ والخديعةِ والقُوَّةِ؛ ويفسِّرُ هذا قولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢، والإسراء: ٣٤]. والرشدُ قد يُصاحِبُ البلوغَ وقد يتأخَّرُ عنه، ولكنَّه لا يَسبِقُهُ حُكْمًا، ولو سَبَقَهُ حقيقةً، فَعُرِفَ في الصبيِّ نجابةُ ونباهةُ الشيوخ، فلا يُدفَعُ إليه المالُ حتى يبلُغَ. وللرشدِ علاماتٌ؛ كصلاحِ الدِّينِ وخشيةِ اللهِ؛ قال عَبِيدَةُ بنُ عمرٍو: "إذا أقام الصلاةَ، رشَدَ" (٢). حَدُّ بلوغِ الرُّشدِ: ولا حَدَّ للمدةِ التي يظهَرُ فيها الرشدُ، وما يذكُرُهُ الفقهاءُ، فهو تعليقٌ للأغلبِ مِن حالِ الغِلْمانِ بعدَ بلوغِهم؛ وهذا لا يَطَّرِدُ بكلِّ حالٍ، ولا يستقيمُ في كلِّ غلامٍ؛ ولهذا قيَّدَ اللهُ معرِفةَ الرشدِ بالابتلاءِ والاختبار، لا بمدةٍ كعامٍ أو عامَيْنِ؛ لعدمِ انضباطِ ذلك. ثمَّ بيَّنَ اللهُ أنَّ المالَ حقٌّ لهم يُدفَعُ إليهم متى ارتفَعَ مُوجِبُ الحَجْرِ والوصاية، ولا يجوزُ حبسُ مالِ اليتيم عنه عندَ جوازِ تصرُّفِهِ وتمامِ رشدِهِ إلا بإذنِه؛ قال تعالى: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾.

стр. 727

التحرِّي عند إعطاءِ اليتيم مالَهُ: وفي الآيةِ: شدةُ التحرِّي عندَ إعطاءِ اليتيمِ مالَهُ في قوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾، والابتلاءُ هو الاختبارُ المتكرِّرُ الذي يَثْبُتُ معه المرادُ بيقينٍ، والاختبارُ في متابعةٍ وتَحَرٍّ، وظاهرُهُ: أنْ يُختبَرَ في إحسانِ التصرُّفِ بالمال، فيُعطَى مالًا يسيرًا لا يَضُرُّ إفسادُهُ؛ سواءٌ كان مِن مالِ اليتيمِ أو مالِ الوليِّ، ومِن مالِ الوليِّ أَوْلى، ومِن مالِ اليتيمِ جائزٌ. ولا فرقَ في ذلك بينَ ذُكُورِ الأيتامِ وإناثِهم عندَ الأئمَّةِ الأربعة، خلافًا لمالكٍ في قولٍ؛ فيَرَى أنَّ المرأةَ لا يسْتَبِينُ رَشدُها، إلَّا بعدَ تزويجِها، فيُؤنَسُ منها مع كثرةِ العِشْرةِ رشدٌ، وهذا تفصيلٌ منه، والعِبْرةُ بعمومِ الدليلِ. الأكلُ مِن مالِ اليتيمِ: ونَهَى اللهُ الأولياءَ والأوصياءَ عن مسابقةِ اليتيمِ بأكلِ مالِهِ قبلَ بلوغِهِ ورُشْدِه؛ حتى لا يُدرِكَ ما فاتَ مِن مالِهِ وما بَقِيَ منه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾؛ لأنَّ اليتيمَ إذا بلَغَ، عَرَفَ ما نَقَصَ مِن مالِه وما فَسَدَ عليه منه؛ فيأكُلُ منه قبلَ كِبَرِهِ وإدراكِه. وفي تقييدِ الأكلِ بالسَّرَفِ والمبادرةِ: دليلٌ على جوازِ الأكلِ في غيرِ سَرَفٍ ولا قَصْدِ الإضرارِ عندَ الحاجةِ، وهذا محدودٌ مضبوطٌ في قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فأمَرَ الغنيَّ بالعفافِ، وهو التورُّعُ والاحترازُ عن أكلِ مالِ اليتيمِ مِن غيرِ حاجةٍ؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ وعائشةُ ومجاهدٌ والحسنُ وأَكثرُ المفسِّرينَ. وقال بعضُ المفسِّرينَ؛ كيحيى بنِ سعيدٍ وربيعةَ: إن المرادَ بالغنيِّ في الآيةِ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا﴾؛ يعني: مِن الأيتام، أُنفِقَ عليه بحسَبِ حالِه؛

стр. 728

فلا يُجحَفُ في نفقتِهِ ويُقصَّرُ في كسوتِهِ وسُكْناهُ؛ لينالَ الوليُّ أو الوصيُّ ممَّا أبْقَاهُ مِن نفقةِ اليتيمِ؛ رواهُ نافعُ بن أبي نُعَيْمٍ عنهما؛ أخرَجَه ابنُ أبي حاتمٍ في "تفسيرِه" (١). وهذا التأويل خلافُ المشهورِ مِن كلامِ المفسِّرينَ مِن السلفِ في أنَّ المرادَ بالغني والفقيرِ هو الوليُّ والوصيُّ. وأَذِنَ اللهُ لوليِّ اليتيمِ ووصيِّه إنْ كان فقيرًا أنَّ يأكُلَ بالمعروفِ بمقدارِ حاجتِه؛ رَوَى عروةُ، عن عائشةَ؛ قالتْ: "نَزَلَت فِي وَلِيِّ الْيَتِيمِ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ وَيُصْلِحُهُ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا أنَّ يَأكُلَ مِنْهُ"؛ رواهُ ابنُ جريرٍ، وابنُ أبي حاتمٍ (٢). وأكلُ مالِ اليتيمِ مِن غيرِ حقٍّ كبيرةٌ، وتقدَّمَ أنَّ جنسَ أكلِ مالِ اليتيمِ أعظَمُ مِن جنسِ أكلِ مالِ الرِّبا، وقال عامرٌ الشعبيُّ؛ "هو كالمَيْتَةِ والدمِ" (٣). ويجبُ الاحتياطُ عندَ أكلِ الوليِّ الفقيرِ مِن مالِ اليتيمِ مِن شَرَهِ نَفْسِهِ وطَمَعِها وهَوَاهَا؛ فلا يأكُلُ طَيِّبَ مالِهِ ونَفِيسَهُ، بل يأكُلُ مِن أطرافِهِ وحواشِيه، ولا يُكثِرُ، وقد قال ابنُ عبَّاسٍ: "يأكُلُ ثلاثِ أصابعَ" (٤). ومرادُهُ بلا شَرَهٍ وقضاءِ نَهَمٍ ووَطَرٍ كما يفعلُ الرجل في مالِه، وقد قال النَّخَعيُّ: "ليس المعروف بلُبْسِ الكَتَّانِ، ولكنَّ المعروفَ: ما سَدَّ الجُوعَ، ووَارَى العَوْرَةَ" (٥). الأكلُ مِن مالِ اليتيم بمقدار ولايتهِ: ويجبُ أنَّ يكونَ أكلُ الوليِّ الفقيرِ مِن مالِ اليتيمِ بمقدارِ قيامِهِ عليه،

стр. 729

وما يُكلِّفُهُ مِن عملٍ مِن قيام بشأنِه، فإنْ كان يقومُ على كلِّ شأنِه، فيأخُذُ مِن وقتِهِ وعملِهِ الذي لو بُذِلَ في كسبٍ لنالَ خيرًا، فيأكُلُ بمقدارِ حاجتِهِ ودونَ ما يَفُوتُهُ ممَّا لو تفرَّغَ للعملِ لصالِحِ نفسِهِ لَحَصَّلَهُ؛ فإنَّ هذا هو العدلُ في مالِ اليتيمِ وعدمُ الإضرارِ في الوليِّ الفقيرِ. فإنْ كان أكلُ الفقيرِ مِن مالِ اليتيمِ يُفسِدُهُ لِقِلَّتِه، فالأَوْلى تركُ ولايتِهِ إلى غنيٍّ غيرِهِ مِن قراباتِهِ ممَّن يقومُ به كقيامِه. حكمُ إعادةِ الوليِّ ما أكل من مالِ اليتيمِ: وبعضُ السلفِ جعَلَ الأكلَ مِن مالِ اليتيمِ قَرْضًا يجبُ ردُّه؛ صحَّ ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ وغيرِهما (١). وقيَّدَ سعيد بنُ جُبيرٍ إعادتَهُ بالقُدْرةِ قبلَ الموتِ والمُسامَحةِ بعدَهُ (٢)، وكأنَّه جعَلَ إعادتَهُ فضلًا لا فرضًا؛ ولو كان فرضًا؛ لَبَقِيَ في الذمَّةِ ولو بعدَ موتِه. واستدَلَّ مَن قال بالقضاءِ بما رواهُ حارثةُ بنُ مُضَرِّبٍ؛ قال: قال عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁: "إنِّي أَنْزَلْتُ مَالَ اللهِ تَعَالَى مِنِّي بِمَنْزِلَةِ مَالِ الْيَتِيم؛ إِنْ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ، وَإِنِ افتَقَرْتُ أَكَلْتُ بالمَعْرُوف، فَإِذَا أَيْسَرْتُ قَضَيْتُ"؛ أخرَجَه الطبريُّ والبيهقيُّ (٣)، وله طُرُقٌ أخرى عن عمرَ؛ وهو صحيحٌ. والصحيحُ؛ عدمُ وجوبِ إعادتِهِ إذا كان مِن وليٍّ فقيرٍ وبالمعروفِ؛ قال بهذا عطاءٌ والحسنُ والشافعيُّ؛ لأنَّ اللهَ سمَّاهُ أكلًا، والأصلُ في الأكلِ في القرآنِ الإباحةُ مِن غيرِ عِوَضٍ، وما جاء عن عمرَ بنِ الخطابِ

стр. 730

محمولٌ على التورُّعِ أو كمالِ المنزِلة، فيكونُ للفقيرِ الوليِّ مع اليتيمِ في الأكلِ مِن مالِهِ حالتانِ: الأُولى: حالةُ فضلٍ؛ أنْ يأكُلَ ويُعِيدَ ما أكَلَ فيجعَلَهُ على نفسِه في حُكْمِ القرضِ؛ مِن عبرِ إلزامٍ إلا مِن نفسِهِ على نفسِه. الثانيةُ: حالةُ جوازٍ؛ أنَّ يأكُلَ مِن مالِ الفقيرِ بالمعروفِ ولا يُعِيدَه؛ وهذا جائزٌ لظاهرِ القرآن، وعمرُ قصَدَ الحالةَ الأولى؛ لأنَّه أجاز الأكلَ ولم يُبَيِّنِ القضاءَ والسدادَ، وبيانُ السدادِ أوجَبُ؛ لأنَّه حقٌّ لضعيفٍ غيرِ مكلَّفٍ، وهو اليتيمُ، والأكل حقٌّ لمكلَّفٍ قويٍّ، وهو الوليُّ والوصيُّ، والقرآنُ يُبيِّنُ حقَّ الضعفاء أكثَرَ وأشَدَّ مِن بيان حقِّ الأقوياءِ. وقد أذِنَ اللهُ بالأكلِ مِن غيرِ ذِكرِ القضاءِ؛ كما روى أحمدُ وأصحابُ "السُّننِ"، عن عَمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جدِّه؛ أنَّ رجلًا سألَ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال: لَيْسَ لِي مَالٌ، وَلي يَتِيمٌ؟ فَقَالَ: (كُلْ مِن مَالِ يَتِيمِكَ، غَيْرَ مُسْرِفٍ وَلَا مُبَذِّرٍ، وَلَا مُتَأَثِّلٍ مَالًا، وَمِنْ غَيْرِ أَنْ تَقِيَ مَالَكَ - أَوْ قَالَ: تَفْدِيَ مَالَكَ - بِمَالِهِ) (١). الإنفاق على اليتيمِ من مالِهِ: ويُنْفِقُ على اليتيم مِن مالِ اليتيمِ نفسِه، ويُسكِنُهُ في مسكنِ الوليِّ، إلَّا إنْ كانت دارُهُ ضيِّقةً، أو يَخْشَى على إناثِ محارمِهِ مِن الخِلْطَةِ به؛ فيَجُوزُ إسكانُ اليتيمِ مِن مالِهِ نَفْسِه. والأَوْلى: ألَّا يأخُذَ الوليُّ زكاةَ مالِ اليتيمِ لنفسِه؛ حتى لا يُحابيَ نفسَهُ وعيالَهُ ولو كان فقيرًا، وإنْ أخَذَها بحقِّها، جازَ.

стр. 731

الإشهادُ عندَ دفعِ مالِ اليتيم له: ثمَّ أمَرَ اللهُ بالإشهادِ عندَ دفعِ الأموالِ للأيتامِ؛ حتى لا يقَعَ في النفوسِ ظنُّ سَوْءٍ، أو تَسْرِيَ على الوصيِّ والوليِّ وِشَايةُ مَكْرٍ وقالَةُ سُوءٍ، فتُفسِدَ ما بينَهُ وبينَ اليتيم وذوي رَحِمِهِ وقراباتِه. وبعضُ مَن قال بأنَّ ما يأكُلُهُ الوليِّ والوصيُّ مِن مالِ اليتيمِ قرضٌ، حمَلَ الأمرَ بالإشهادِ في الآيةِ: على الإشهادِ عندَ سدادِ القرضِ وإعادتِه، والأظهَرُ: أنَّ المرادَ بالإشهادِ العمومُ في كلِّ حقٍّ لليتيمِ يُعادُ إليه؛ لأنَّ الآيةَ في حفظِ حقِّ اليتيمِ في مالِه، فيشمَلُ كلَّ حقٍّ له. وقيل: إنَّ الأكلَ واجبٌ؛ لظاهِرِ الأمرِ، والأظهَرُ أنَّ الأمرَ للإرشادِ لا للفرضِ؛ لأنَّ اللهَ ائتمَنَ الوليَّ والوصيَّ على قبضِ مالِ اليتيمِ كلِّه، والمُتاجَرةِ به، والأكلِ منه عندَ فقرِهِ بالمعروفِ؛ فالأمانةُ عندَ تسليمِهِ وتوثيقُها أَهْوَنُ مِن ذلك؛ وإنَّما أمَرَ بالإشهادِ؛ دفعًا للتُّهَمَةِ وتَطْيِيبًا لنفسِ اليتيمِ وقراباتِه، وهذا أمرٌ مستحَبٌّ؛ لأنَّ التهمةَ في المُتاجَرةِ والكفالةِ أَقْوَى. ولكنْ لمَّا كان الإشهادُ على مالِ اليتيمِ والنفقةِ عليه والأكلِ منه شاقًّا، لم يُوجِبْهُ اللهُ، وجعَلَ التخويفَ مِن عقابِ اللهِ ورقابتِهِ أقوَى في حفظِ مالِ اليتيمِ؛ لأنَّ اللهَ قال بعدَ الأمرِ بالإشهادِ: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾؛ يعني: شهيدًا رقيبًا، وهذه قرينةٌ على أنَّ الأمرَ بالإشهادِ للاستحبابِ؛ وهو قولُ أكثرِ العلماءِ. وقد تقدَّمَ حُكْمُ الاتِّجارِ بمالِ اليتيمِ ومخالطِتهِ في سورةِ البقرةِ في قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [٢٢٠]. * * *

стр. 732

قال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧]. كان أهلُ الجاهليَّةِ يجعَلُونَ الميراثَ للرجالِ، وَيمْنَعُونَ النساءَ والصِّغارَ؛ فبيَّنَ اللهُ بُطْلانَ ذلك، وأنَّ حقَّهم في الإرثِ مِن حقِّهم في القَرَابَةِ، ولا فَرْقَ بينَ صغيرٍ وكبيرٍ، مِن الرجالِ والنساء، والفرقُ بينَ الذكورِ والإناثِ مقدَّرٌ بحكمتِهِ سبحانَهُ كما يأتي بيانُهُ بإذنِ اللهِ. قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ وقتادةُ: "كان المُشرِكونَ يجعلونَ المالَ للرجالِ الكِبَار، ولا يُوَرِّثُونَ النساءَ ولا الأطفالَ شيئًا" (١). والاشتراكُ في الميراثِ والحق بينهم لا يَختلِفُ في كثرةِ المالِ وقِلَّتِه؛ وذلك ظاهرٌ في قوله: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾، فإذا كان المتروكُ دِرْهَمًا، كما لو كان المتروكُ قِنْطارًا، فلكلِّ حقُّهُ ونَصِيبُهُ المفروضُ، لا تَمنَعُ مِن قِسْمةِ اللهِ وحقوقِ الوارِثِينَ قِلَّةُ المال، ولا تَدْفَعُهُمْ عليها كَثْرَتُهُ. وقيل: إنَّ الآيةَ كانت قبلَ تقديرِ اللهِ فرائضَ الوَرَثَةِ؛ فكان لكلِّ نصيبُهُ ضربًا ما تراضَوْا، ثمَّ نُسِخَتْ بالفرائصِ في القرآنِ والسُّنَّةِ؛ وبهذا قال الشافعيُّ. تعصيبُ الأخواتِ مع البناتِ: وفي الآيةِ: ﴿لِلرِّجَالِ﴾، وقولُه: ﴿وَلِلنِّسَاءِ﴾ دليلٌ على عدمِ التفريقِ في الحقِّ ببنَ الذكورِ والإناث، إلا ما دَلَّ عليه النصُّ، وقد اختُلِفَ في

стр. 733

الأخواتِ: هل يكُنَّ عَصَبَاتٍ مع البناتِ كما يَرِثُ الإخوةُ معهنَّ تَعْصِيبًا؟ : فذهَبَ جمهورُ العلماءِ: إلى توريثِهِنَّ تعصيبًا. وذهَبَ ابنُ عبَّاسٍ: إلى عدمِ توريثِهنَّ مع البناتِ؛ وبقولِه قال داودُ. واختُلِفَ في إرثِ النساءِ بالوَلَاءِ: فذهَبَ الجمهورُ: إلى أنَّه لا ولاءَ لهنَّ، الا فيما أَعْتَقْنَ أو عَتَقَ مَن أَعْتَقْنَ أو وَلَدَ مَن أَعْتَقْنَ خصوصًا. وذهَبَ طاوسٌ ومسروقٌ: إلى إرثِهِنَّ مِن الولاءِ كما يَرِثْنَ مِن المالِ؛ لعمومِ هذه الآيةِ؛ وقيل بشدوذِ هذا القولِ. * * * قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨]. هذه الآية فيمَن حضَرَ قِسْمةَ التَّرِكَةِ مِن غيرِ الوارِثِينَ، واختُلِفَ في نسخِها: فقيل: كانت هذه الآيةُ قبلَ نسخِها في حقِّ مَن حضَرَ قِسْمةَ الميراث، وشَهِدَها مِن غيرِ الوَرَثَةِ مِن الفقراءِ واليتامَى الذين تتشوَّفُ نفوسهم إلى المالِ المقسوم، فيُعطَوْنَ منه، تطييبًا لنفوسهم ضربًا يسيرًا مِن غيرِ تقديرٍ، ثمَّ نسَحَ اللهُ ذلك بآياتِ المواريثِ. ومَن قال بالناسخِ لهذه الآيةِ جعَلَهُ جميعَ آياتِ الفرائضِ التي تُقَدِّرُ للوارِثينَ أَنْصِبَاءَهم؛ فاللهُ جعَلَ مِن الوارِثينَ ما له الثُّلُثان، ومنهم ما له النِّصْفُ، ومنهم ما له الثُّلُث، ومنهم ما له الرُّبُعُ، ومنهم ما له السُّدُسُ، ومنهم ما له الثُّمُن. والقولُ بالنسخِ هو قولُ جماعةٍ مِن السلفِ مِن المفسِّرينَ، وهو قولُ

стр. 734

الأئمَّةِ الأربعةِ؛ لأنَّهم لو جُعِلَ لهم حقٌّ في الميراثِ قبلَ قِسْمَتِه، ما كان صاحِبُ النِّصْفِ يأخُذُ النِّصْفَ، والثُّلُثِ يأخْدُ الثُّلُثَ، والرُّبُعِ يأخُدُ الرُّبُعَ، لأنَّ الميراثَ نَقَصَ قبلَ قِسْمَتِه، فنَقَصَ حقُّه. وجعَلَ ابنُ عبَّاسٍ ناسِخَها ما يَلِيها مِن آياتِ الميراثِ؛ كقولِه: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]. وجعَلَ ابنُ عبَّاسٍ في قولٍ وابنُ المسيَّبِ وعطاءٌ: الناسخَ كلَّ آياتِ المواريثِ وآياتِ الوصيَّةِ. وهذا مِن خلافِ التنوُّع، لا التضادِّ؛ فكلُّ آياتِ المواريثِ والوصيَّةِ دالَّةٌ على وجوب حِفظِ المالِ لأهلِهِ مِن الورثةِ والمُوصَى لهم بالمقدارِ المُقدَّرِ في الوصَيَّة، وبالمقدارِ الذي قدَّرَهُ اللهُ في الميراثِ. وقيل بإحكامِ الآية، ومَن قال بهذا قال: هي على الاستحبابِ بطِيبِ نفسٍ مِن الورثة، وبهذا قال سعيدُ بنُ جُبيرٍ والحسنُ. وقال جماعةٌ مِن السلفِ: إنَّ الآيةَ مُحْكَمَةٌ غيرُ منسوخةٍ، وهو قولٌ صحيحٌ عن ابنِ عبَّاسٍ، وجاء عن عائشةَ وأبي موسى وأبي العاليةِ والحسنِ وابنِ جُبيرٍ والنَّخَعيِّ والزُّهْريِّ. رواهُ البخاريُّ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ: "هِيَ مُحْكَمَةٌ، وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ" (١). وبهذا قال مالكٌ والشافعيُّ. وحمَلَ مَن قالَ بعدمِ النسخِ الآيةَ على النَّدْب، ومنهم مَن حَمَلَها على استحبابِ الوصيَّة لهم. وقيل بالوجوب، وفي الوجوبِ نظرٌ؛ فاللهُ لو جعَلَ ذلك حقًّا

стр. 735

للقَرَابَاتِ أنَّ يُضْرَبَ لهم إن حَضَرُوا، فربَّما كان مَنْ هو أقرَبُ منه لم يحضُرْ، ويَلْزَمُ منه بيانُ مقدارِ الحضورِ ونوعِه؛ فمنهم: مَن شَهِد القِسمةَ كلَّها مِن أوَّلِها إلى آخِرِها، ومنهم؛ مَن حضَرَ آخِرَها، ومنهم: مَن شهِدَهم يَقْبِضُونَ لا يَقْتَسِمُونَ؛ وهذا لا يَثْبُتُ به حقٌّ بيِّنٌ، ولا يُلزِمُ له الوحيُ المُحْكَمُ. والقولُ بأنَّ الآيةَ مُحكمةٌ قولٌ محتملٌ، ولكنَّ حَمْلَهُ على الوجوبِ فيه نظرٌ. وقد رواهُ ابن أبي نجِيحٍ، عن مُجاهدٍ، في هذه الآيةِ؛ قال: "هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى أَهْلِ المِيرَاث، مَا طَابَت بِهِ أنفُسُهمْ" (١). وروى ابن أبي حاتمٍ وابنُ جريرٍ، عن يُونُسَ بنِ عُبَيْدٍ، عن محمَّدِ بنِ سِيرينَ؛ قال: "وَليَ عَبيدَة وصيَّةً، فأمَرَ بشاةٍ فذُبِحَت؛ فأطعَمَ أصحابَ هذه الآية، وقال: لولا هذه الآيةُ، لكان هذا مِن مالي" (٢). وروى مالكٌ، عن الزُّهْريِّ: "أنَّ عُرْوَةَ أَعْطَى مِن مالِ مُصْعَبٍ حِينَ قَسَّمَ مالَه" (٣). ومَن فعَلَ بهذه الآيةِ عن طِيبِ نفسٍ ولا يقولُ بالوجوب، فهو يقولُ بالنسخِ على قولِ مَن يقولُ بأنَّ الآَيةَ على الوجوب، وَيحْمِل ما جاء عن السلفِ مِن تقديرٍ لمَن حضَرَ حقًّا، أو جعَلَ الآيةَ مُحكَمةً: أنَّ الإحكامَ في الندب، لا في الوجوبِ؛ فمِن الإحسانِ إعطاءُ مَن حضَرَ وشَهِدَ القِسْمةَ إكرامًا وفضلًا.

стр. 736

قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩]. الأمرُ في الآيةِ لمَن حضَرَ مُوصِيًا يُوصِي أنْ يَخشَى اللهَ فيه ويتَّقيَهُ، فقد تَغِيبُ بعضُ الحقوقِ عن المُوصِي، وخاصَّةً عندَ قُربِ الأجَلِ وظهورِ علاماتِه؛ لتشتُّت الذهنِ وضَعْفِ الإدراكِ؛ لأنَّ المُوصِيَ قد لا يطُولُ عمُرُهُ بعدَ وصيَّتِهِ فيَستدرِكَ، ولأنَّ مقامَ تغييرِ الوصيَّةِ عظيم مِن بعدِه، فربَّما أَوْصَى المُوصِي بكلِّ مالِهِ أو ثُلُثَيْهِ أو نِصْفِهِ ولدَيه ذريَّةٌ ضعفاءُ، وعليه حقوقٌ كثيرةٌ، فيجبُ على مَن حضَرَهُ تذكيرُه. التشديدُ على شهودِ الوصيَّة: والأمرُ هنا اقترَنَ بتذكيرِ مَن شَهِدَ الوصيَّةَ أنْ ينظُرَ في نفسِهِ لو كان مُوصِيًا وترَكَ ذريَّةٌ ضعفاءَ، فهو يخافُ عليهم أكثَرَ مِن غيرِهم؛ فلا يَطمَعُ مَن حضَرَ الوصيَّةَ في الوصيَّةِ له، أو لمَن أَحَبَّ، أو فيما يُحِبُّ مِن المصارفِ وَيغْفُلُ عن حقِّ ورثةِ الميِّتِ. فأمَرَ اللهُ مَن شَهِدَ الوصيَّةَ بتَقْواهُ وحَذَّرَهُ مِنَ الحَيْفِ فيها، وأمَرَهُ بالقولِ السديدِ والقَصْدِ والإنصافِ في النصحِ للمُوصِي؛ حتى لا يتأثَّرَ بقولِهِ وتلقينِهِ له. وهذا قولُ ابنِ عبَّاسٍ والحسنِ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ ومجاهدٍ وغيرِهم. روى ابن جريرٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ في قولِهِ تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾، إلى آخِرِ الآيةِ: "فهذا في الرجُلِ يحضُرُهُ الموتُ فيسمعُهُ يُوصِي بوصيَّةٍ تُضِرُّ بورثتِه، فأمَرَ اللهُ سبحانَهُ الذي سَمِعَهُ أنْ يَتَّقِيَ الله ويُوَفِّقَهُ ويُسَدِّدَهُ

стр. 737

للصواب، ولْينظُر لورثتِه، كما كان يُحِبُّ أنْ يُصنَعَ لورثتِهِ إذا خَشِيَ عليهمُ الضَّيْعَةَ" (١). وكانُوا في أولِ الأمرِ يجلِسونَ عندَ الميِّت، ويُزَهِّدُونَهُ في حقِّ ذريَّتهِ ليُوصِيَ في مالِهِ بحُسْنِ ظنٍّ، فنُهُوا عن ذلك، وكان هذا قبلَ تقديرِ الوصيَّةِ بالثُّلثِ؛ روى عطاءٌ معنى هذا عن ابنِ عبَّاسِ (٢). وقال بعضُ السلفِ: إنَّ الخطابَ في الآيةِ لأولياءِ اليتامَى أنْ يتَّقوا الله فيهم فيُحْسِنُوا وَيَقْصِدُوا معهم كما يُحسِنُونَ مع أولادِهم، وكما يُحِبُّونَ أنْ يُحسِنَ وُلاةُ أولادهم وكذلك أوصياؤُهم مِن بعدِهم إذا صار أولادُهم أيتامًا؛ وهو مرويٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ (٣) وعطاءِ بنِ السائبِ. وقيل: هو خطابٌ للأوصياءِ أنْ يُؤَدُّوا الوصيَّةَ، كما أمَرَ بها المُوصِي؛ وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ الكلامُ على تحريمِ تبديلِ الوصيَّةِ في قوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨١]. العدلُ في الوصيَّةِ: وتتضمَّنُ الآيةُ وجوبَ العدلِ في الوصيَّة، وتحريمَ الحَيْفِ بها، ومِن ذلك: الوصيَّةُ بما يُضِرُّ بالورثةِ ويَظلِمُ بعضُهم بعضًا، كالوصيَّةِ للوارثِ، والوصيَّةِ بأكثَرَ مِن الثُّلُثِ، والوصيَّةِ بحَرَامٍ، والوصيَّةِ بعملِ بِرٍّ وعدمِ تركِ وفاءٍ للدَّيْنِ، والوصيَّةِ بدونِ الثُّلثِ والمالُ الباقي قليلٌ لا يَرفَعُ فَقْرَ الورثةِ ولا يَدفَعُ حاجتَهم. وروى ابنُ طاوسٍ، عن أبيه، قال: "لا يجوزُ لمَنْ كان ورثتُهُ كثيرًا، ومالُه قليلًا: أنْ يُوصِيَ بثُلُثِ مالِه" (٤).

стр. 738

ففي "الصحيحينِ"؛ مِن حديثِ عامرِ بنِ سعدٍ، عن أبيهِ؛ قال: "عَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ؛ مِنْ وَجَعٍ أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى المَوْتِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ؟ (لَا)، قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: (لَا)، قُلْتُ: فَالثُّلُثِ؟ قَالَ: (وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ؛ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ" (١). وسعدٌ لم يكن له إلا بنتٌ حينَها، فاستكثَرَ النبيُّ عليه الوصيَّةَ بالثُّلُثِ؛ لأنَّ الوصيَّةَ لسدِّ حاجةِ محتاجٍ وحاجةُ الورثةِ أَوْلى، وسدُّ حاجتِهم المظنونةِ أعظَم مِن سدِّ حاجةِ غيرِهم المتيقَّنةِ؛ لأنَّ الوليَّ مُكلَّفٌ بذرَيَّته أعظَمَ مِن تكليفِهِ بغيرِهم، وعنهم يُسأَلُ أعظَمَ مِن غيرِهم. والورثةُ مِن غيرِ وليِّهم يَنقطِعونَ غالبًا، وغيرُهم لهم مَن يقومُ بأمرِهم وشأنِهم، لهذا جعَلَ النبيُّ ﷺ إغناءَ الورثةِ أَوْلى مِن سدِّ فقرِ غيرِهم. وقد بيَّنَ النبيُّ ﷺ سبَبَ تقييدِهِ الوصيَّةَ بالثُّلُثِ لسعدٍ مع استكثارِهِ لها، وهو خوفُ فقرِ الورثةِ ولسدِّ حاجتِهم وإغنائِهم؛ وذلك في قولِه: (إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً). مع أنَّ وريثةَ سعدٍ ابنتُهُ، والبنت غالبًا لا تحتاجُ إلى مالٍ إذا كانتْ في ذمَّةِ زَوْجٍ يقومُ عليها؛ فالنفقةُ عليه لا عليها؛ ولذا فالوصيَّة بالثُّلُثِ مع الابنِ أَوْلى باستكثارِها؛ لأنَّه أكثَرُ نفقةً على نفسِه ومَن يَعُولُ. حكمُ الوصيَّة بأكثر من الثلثِ: ولا تجوزُ الوصيَّةُ بأكثَرَ مِن الثُّلُثِ ولو كان المالُ عظيمًا والورثةُ قليلًا؛ لِظاهرِ الدليلِ, ولكنْ لو أنفَقَ الرجلُ في حياتِهِ وصحَّتِهِ وأكثَرَ مِن النفقةِ ولو بأكثَرَ مِن الثُّلُث، جازَ منه ذلك بلا خلافٍ؛ فقد أنفَقَ أبو بكرٍ

стр. 739

مالَه كلَّه، وأنفَقَ عمرُ نِصْفَ مالِه، وقد حَكَى الإجماعَ الطبريُّ كما ذكَرَهُ عنه ابن المُلَقِّن، وحكاهُ ابن حزمٍ في "مراتبِ الإجماعِ"، وغيرُهما. وإذا كانت ورثةُ الشخصِ أَغنياءَ, ومالُهم أكثَرَ مِن مالِه، فلا يجوزُ له الوصيَّةُ بأكثَرَ مِن الثُّلُثِ أيضًا، لعمومِ قولِ النبيِّ ﷺ لسعدٍ؛ فهو يعلَمُ أنَّ الثُّلُثَيْنِ مِن مالِ سعدٍ يُغنيانِ ابنتَهُ بعدَ موتِه، ومع ذلك استكثَرَ الثُّلُثَ؛ فغِنَى الورثةِ لا يُجِيزُ الوصيَّةَ بأكثَرَ مِن الثُّلُث، ثمَّ إنَّ النبيَّ ﷺ لم يَسأَلْ عن ابنتِه: هل هي غنيَّةٌ بنفسِها ولها مالٌ بيدِها يَسُدُّ حاجَتَها مِن غيرِ مالِ والدِها؟ وفي القاعدةِ: أنَّ تركَ الاستِفصال، في حكاياتِ الأحوال، يُنَزَّلُ منزلةَ العمومِ في المَقال؛ وهذه قاعدةٌ صحيحةٌ نصَّ عليها الشافعيُّ وغيرُهُ، وتَشهَدُ لها الأدلَّةُ؛ فقد قال النبيُّ ﵇ لغَيْلَانَ حين أسلَمَ على عَشْرِ نِسْوةٍ: (أَمْسِكْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ) (١)، ولم يَسأَلْهُ عن الأَقْدَمِ منهنَّ وعددِ ذريَّتِهنَّ؛ فدَلَّ على أنَّه لا أثَرَ لذلك في الحُكْمِ. وصيَّةُ مَن لا وَرَثَةَ له بمالِهِ كلِّه: ومَن كان له مالٌ ولا ورثَةَ له، فقد اختُلِفَ في وصيَّتِهِ بمالِهِ كلِّه على قولَين، وهما روايتانِ عن أحمدَ. الأُولى: المنعُ؛ وبهذا القولِ قال مالكٌ والشافعيُّ وأهلُ المدينةِ والأوزاعيُّ. الثانيةُ: الجوازُ؛ وبهذا القولِ قال أبو حنيفةَ وإسحاقُ. وهذا القولُ مرويٌّ عن ابنِ مسعودٍ؛ وهو الأظهَرُ والأقرَبُ للصوابِ؛ لأنَّ النبيَّ منَعَ سعدًا مِن الوصيَّةِ بأكثَرَ مِن الثلُثِ، وعلَّلَ ذلك بالورثةِ وحاجتِهم، والحُكْمُ يدورُ مع عِلَّتِه.

стр. 740

روى أبو مَيْسَرَةَ، قال: قال لي ابنُ مسعودٍ: "إِنَّكُمْ مِنْ أَحْرَى حَيٍّ بِالْكُوفَةِ أَنْ يَمُوتَ أحَدُكُمْ، وَلَا يَدَعُ عَصَبَةً وَلَا رَحِمًا، فَمَا يَمْنَعُهُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَنْ يَضَعَ مَالَهُ فِي الْفُقَرَاء وَالمَسَاكِينِ؟ ! " (١). وروى ابنُ سِيرينَ، عن عَبيدَةَ؛ قال: "إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَلَيسَ عَلَيْهِ عَقْدٌ لِأَحَدٍ وَلَا عَصَبَةٌ يَرِثُونَهُ، فَإِنَّهُ يُوصِي بِمَالِهِ كُلِّهِ حَيْثُ شَاءَ" (٢). وكان زيدُ بنُ ثابتٍ يرَى أنَّ بيتَ المالِ أحَقُّ بذلك مِن الوصيَّةِ بما زادَ عن الثلُثِ. إذنُ الورثةِ بالوصيَّةِ بأكثر منَ الثلثِ: وإذا أَوْصَى الشخصُ بأكثَرَ مِن ثلُثِ مالِهِ، لم تكنِ الوصيَّةُ بما فوقَ الثلثِ نافذةً، واختُلِفَ في بُطْلانِها وعدمِ صحَّتِها: فذهَبَ عبدُ الرحمن بنُ كَيْسَانَ والمُزَنِيُّ وبعضُ الفقهاءِ مِن المالكيَّةِ والحنابلةِ: إلى بُطلانِها وعدمِ صحَّتِها. وذهَبَ جمهورُ الفقهاءِ: إلى أنَّها مُعلَّقةٌ بإجازةِ الورثةِ لها، وإجازةُ الورثةِ لها على حالَيْنِ: - إجازةٌ لها قبلَ موتِ المُوصي؛ وهذه إجازةٌ غيرُ مُعتبَرةٍ؛ لأنَّ المالَ لا يكونُ مِلْكًا لهم إلا بعدَ موتِه، وإجازتُهم للوصيَّةِ فرعٌ عن مِلْكِهم للمالِ كلِّه. - إجازةٌ للوصيَّةِ بعدَ موتِ المُوصِي؛ فهذه معتبَرةٌ؛ لأنَّهم مَلَكُوا المالَ، ولهم حقُّ التصرُّفِ فيه. وأمَّا مَن قال ببُطْلانِها أصلًا؛ فلا يرَى أنَّ عَقْدَها صحيحٌ مِن المُوصِي؛ فإنْ سَمَّى مصارفَ وأعيانًا، لا تَمْضِي إليهم كما سمَّاهُ؛ لبُطْلانِ
следующие страницы →