قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩].
الأمرُ في الآيةِ لمَن حضَرَ مُوصِيًا يُوصِي أنْ يَخشَى اللهَ فيه ويتَّقيَهُ، فقد تَغِيبُ بعضُ الحقوقِ عن المُوصِي، وخاصَّةً عندَ قُربِ الأجَلِ وظهورِ علاماتِه؛ لتشتُّت الذهنِ وضَعْفِ الإدراكِ؛ لأنَّ المُوصِيَ قد لا يطُولُ عمُرُهُ بعدَ وصيَّتِهِ فيَستدرِكَ، ولأنَّ مقامَ تغييرِ الوصيَّةِ عظيم مِن بعدِه، فربَّما أَوْصَى المُوصِي بكلِّ مالِهِ أو ثُلُثَيْهِ أو نِصْفِهِ ولدَيه ذريَّةٌ ضعفاءُ، وعليه حقوقٌ كثيرةٌ، فيجبُ على مَن حضَرَهُ تذكيرُه.
التشديدُ على شهودِ الوصيَّة:
والأمرُ هنا اقترَنَ بتذكيرِ مَن شَهِدَ الوصيَّةَ أنْ ينظُرَ في نفسِهِ لو كان مُوصِيًا وترَكَ ذريَّةٌ ضعفاءَ، فهو يخافُ عليهم أكثَرَ مِن غيرِهم؛ فلا يَطمَعُ مَن حضَرَ الوصيَّةَ في الوصيَّةِ له، أو لمَن أَحَبَّ، أو فيما يُحِبُّ مِن المصارفِ وَيغْفُلُ عن حقِّ ورثةِ الميِّتِ.
فأمَرَ اللهُ مَن شَهِدَ الوصيَّةَ بتَقْواهُ وحَذَّرَهُ مِنَ الحَيْفِ فيها، وأمَرَهُ بالقولِ السديدِ والقَصْدِ والإنصافِ في النصحِ للمُوصِي؛ حتى لا يتأثَّرَ بقولِهِ وتلقينِهِ له.
وهذا قولُ ابنِ عبَّاسٍ والحسنِ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ ومجاهدٍ وغيرِهم.
روى ابن جريرٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ في قولِهِ تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾، إلى آخِرِ الآيةِ: "فهذا في الرجُلِ يحضُرُهُ الموتُ فيسمعُهُ يُوصِي بوصيَّةٍ تُضِرُّ بورثتِه، فأمَرَ اللهُ سبحانَهُ الذي سَمِعَهُ أنْ يَتَّقِيَ الله ويُوَفِّقَهُ ويُسَدِّدَهُ
стр. 737
للصواب، ولْينظُر لورثتِه، كما كان يُحِبُّ أنْ يُصنَعَ لورثتِهِ إذا خَشِيَ عليهمُ الضَّيْعَةَ" (١).
وكانُوا في أولِ الأمرِ يجلِسونَ عندَ الميِّت، ويُزَهِّدُونَهُ في حقِّ ذريَّتهِ ليُوصِيَ في مالِهِ بحُسْنِ ظنٍّ، فنُهُوا عن ذلك، وكان هذا قبلَ تقديرِ الوصيَّةِ بالثُّلثِ؛ روى عطاءٌ معنى هذا عن ابنِ عبَّاسِ (٢).
وقال بعضُ السلفِ: إنَّ الخطابَ في الآيةِ لأولياءِ اليتامَى أنْ يتَّقوا الله فيهم فيُحْسِنُوا وَيَقْصِدُوا معهم كما يُحسِنُونَ مع أولادِهم، وكما يُحِبُّونَ أنْ يُحسِنَ وُلاةُ أولادهم وكذلك أوصياؤُهم مِن بعدِهم إذا صار أولادُهم أيتامًا؛ وهو مرويٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ (٣) وعطاءِ بنِ السائبِ.
وقيل: هو خطابٌ للأوصياءِ أنْ يُؤَدُّوا الوصيَّةَ، كما أمَرَ بها المُوصِي؛ وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ الكلامُ على تحريمِ تبديلِ الوصيَّةِ في قوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨١].
العدلُ في الوصيَّةِ:
وتتضمَّنُ الآيةُ وجوبَ العدلِ في الوصيَّة، وتحريمَ الحَيْفِ بها، ومِن ذلك: الوصيَّةُ بما يُضِرُّ بالورثةِ ويَظلِمُ بعضُهم بعضًا، كالوصيَّةِ للوارثِ، والوصيَّةِ بأكثَرَ مِن الثُّلُثِ، والوصيَّةِ بحَرَامٍ، والوصيَّةِ بعملِ بِرٍّ وعدمِ تركِ وفاءٍ للدَّيْنِ، والوصيَّةِ بدونِ الثُّلثِ والمالُ الباقي قليلٌ لا يَرفَعُ فَقْرَ الورثةِ ولا يَدفَعُ حاجتَهم.
وروى ابنُ طاوسٍ، عن أبيه، قال: "لا يجوزُ لمَنْ كان ورثتُهُ كثيرًا، ومالُه قليلًا: أنْ يُوصِيَ بثُلُثِ مالِه" (٤).
стр. 738
ففي "الصحيحينِ"؛ مِن حديثِ عامرِ بنِ سعدٍ، عن أبيهِ؛ قال: "عَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ؛ مِنْ وَجَعٍ أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى المَوْتِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ؟ (لَا)، قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: (لَا)، قُلْتُ: فَالثُّلُثِ؟ قَالَ: (وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ؛ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ" (١).
وسعدٌ لم يكن له إلا بنتٌ حينَها، فاستكثَرَ النبيُّ عليه الوصيَّةَ بالثُّلُثِ؛ لأنَّ الوصيَّةَ لسدِّ حاجةِ محتاجٍ وحاجةُ الورثةِ أَوْلى، وسدُّ حاجتِهم المظنونةِ أعظَم مِن سدِّ حاجةِ غيرِهم المتيقَّنةِ؛ لأنَّ الوليَّ مُكلَّفٌ بذرَيَّته أعظَمَ مِن تكليفِهِ بغيرِهم، وعنهم يُسأَلُ أعظَمَ مِن غيرِهم.
والورثةُ مِن غيرِ وليِّهم يَنقطِعونَ غالبًا، وغيرُهم لهم مَن يقومُ بأمرِهم وشأنِهم، لهذا جعَلَ النبيُّ ﷺ إغناءَ الورثةِ أَوْلى مِن سدِّ فقرِ غيرِهم.
وقد بيَّنَ النبيُّ ﷺ سبَبَ تقييدِهِ الوصيَّةَ بالثُّلُثِ لسعدٍ مع استكثارِهِ لها، وهو خوفُ فقرِ الورثةِ ولسدِّ حاجتِهم وإغنائِهم؛ وذلك في قولِه: (إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً).
مع أنَّ وريثةَ سعدٍ ابنتُهُ، والبنت غالبًا لا تحتاجُ إلى مالٍ إذا كانتْ في ذمَّةِ زَوْجٍ يقومُ عليها؛ فالنفقةُ عليه لا عليها؛ ولذا فالوصيَّة بالثُّلُثِ مع الابنِ أَوْلى باستكثارِها؛ لأنَّه أكثَرُ نفقةً على نفسِه ومَن يَعُولُ.
حكمُ الوصيَّة بأكثر من الثلثِ:
ولا تجوزُ الوصيَّةُ بأكثَرَ مِن الثُّلُثِ ولو كان المالُ عظيمًا والورثةُ قليلًا؛ لِظاهرِ الدليلِ, ولكنْ لو أنفَقَ الرجلُ في حياتِهِ وصحَّتِهِ وأكثَرَ مِن النفقةِ ولو بأكثَرَ مِن الثُّلُث، جازَ منه ذلك بلا خلافٍ؛ فقد أنفَقَ أبو بكرٍ
стр. 739
مالَه كلَّه، وأنفَقَ عمرُ نِصْفَ مالِه، وقد حَكَى الإجماعَ الطبريُّ كما ذكَرَهُ عنه ابن المُلَقِّن، وحكاهُ ابن حزمٍ في "مراتبِ الإجماعِ"، وغيرُهما.
وإذا كانت ورثةُ الشخصِ أَغنياءَ, ومالُهم أكثَرَ مِن مالِه، فلا يجوزُ له الوصيَّةُ بأكثَرَ مِن الثُّلُثِ أيضًا، لعمومِ قولِ النبيِّ ﷺ لسعدٍ؛ فهو يعلَمُ أنَّ الثُّلُثَيْنِ مِن مالِ سعدٍ يُغنيانِ ابنتَهُ بعدَ موتِه، ومع ذلك استكثَرَ الثُّلُثَ؛ فغِنَى الورثةِ لا يُجِيزُ الوصيَّةَ بأكثَرَ مِن الثُّلُث، ثمَّ إنَّ النبيَّ ﷺ لم يَسأَلْ عن ابنتِه: هل هي غنيَّةٌ بنفسِها ولها مالٌ بيدِها يَسُدُّ حاجَتَها مِن غيرِ مالِ والدِها؟ وفي القاعدةِ: أنَّ تركَ الاستِفصال، في حكاياتِ الأحوال، يُنَزَّلُ منزلةَ العمومِ في المَقال؛ وهذه قاعدةٌ صحيحةٌ نصَّ عليها الشافعيُّ وغيرُهُ، وتَشهَدُ لها الأدلَّةُ؛ فقد قال النبيُّ ﵇ لغَيْلَانَ حين أسلَمَ على عَشْرِ نِسْوةٍ: (أَمْسِكْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ) (١)، ولم يَسأَلْهُ عن الأَقْدَمِ منهنَّ وعددِ ذريَّتِهنَّ؛ فدَلَّ على أنَّه لا أثَرَ لذلك في الحُكْمِ.
وصيَّةُ مَن لا وَرَثَةَ له بمالِهِ كلِّه:
ومَن كان له مالٌ ولا ورثَةَ له، فقد اختُلِفَ في وصيَّتِهِ بمالِهِ كلِّه على قولَين، وهما روايتانِ عن أحمدَ.
الأُولى: المنعُ؛ وبهذا القولِ قال مالكٌ والشافعيُّ وأهلُ المدينةِ والأوزاعيُّ.
الثانيةُ: الجوازُ؛ وبهذا القولِ قال أبو حنيفةَ وإسحاقُ.
وهذا القولُ مرويٌّ عن ابنِ مسعودٍ؛ وهو الأظهَرُ والأقرَبُ للصوابِ؛ لأنَّ النبيَّ منَعَ سعدًا مِن الوصيَّةِ بأكثَرَ مِن الثلُثِ، وعلَّلَ ذلك بالورثةِ وحاجتِهم، والحُكْمُ يدورُ مع عِلَّتِه.
стр. 740
روى أبو مَيْسَرَةَ، قال: قال لي ابنُ مسعودٍ: "إِنَّكُمْ مِنْ أَحْرَى حَيٍّ بِالْكُوفَةِ أَنْ يَمُوتَ أحَدُكُمْ، وَلَا يَدَعُ عَصَبَةً وَلَا رَحِمًا، فَمَا يَمْنَعُهُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَنْ يَضَعَ مَالَهُ فِي الْفُقَرَاء وَالمَسَاكِينِ؟ ! " (١).
وروى ابنُ سِيرينَ، عن عَبيدَةَ؛ قال: "إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَلَيسَ عَلَيْهِ عَقْدٌ لِأَحَدٍ وَلَا عَصَبَةٌ يَرِثُونَهُ، فَإِنَّهُ يُوصِي بِمَالِهِ كُلِّهِ حَيْثُ شَاءَ" (٢).
وكان زيدُ بنُ ثابتٍ يرَى أنَّ بيتَ المالِ أحَقُّ بذلك مِن الوصيَّةِ بما زادَ عن الثلُثِ.
إذنُ الورثةِ بالوصيَّةِ بأكثر منَ الثلثِ:
وإذا أَوْصَى الشخصُ بأكثَرَ مِن ثلُثِ مالِهِ، لم تكنِ الوصيَّةُ بما فوقَ الثلثِ نافذةً، واختُلِفَ في بُطْلانِها وعدمِ صحَّتِها:
فذهَبَ عبدُ الرحمن بنُ كَيْسَانَ والمُزَنِيُّ وبعضُ الفقهاءِ مِن المالكيَّةِ والحنابلةِ: إلى بُطلانِها وعدمِ صحَّتِها.
وذهَبَ جمهورُ الفقهاءِ: إلى أنَّها مُعلَّقةٌ بإجازةِ الورثةِ لها، وإجازةُ الورثةِ لها على حالَيْنِ:
- إجازةٌ لها قبلَ موتِ المُوصي؛ وهذه إجازةٌ غيرُ مُعتبَرةٍ؛ لأنَّ المالَ لا يكونُ مِلْكًا لهم إلا بعدَ موتِه، وإجازتُهم للوصيَّةِ فرعٌ عن مِلْكِهم للمالِ كلِّه.
- إجازةٌ للوصيَّةِ بعدَ موتِ المُوصِي؛ فهذه معتبَرةٌ؛ لأنَّهم مَلَكُوا المالَ، ولهم حقُّ التصرُّفِ فيه.
وأمَّا مَن قال ببُطْلانِها أصلًا؛ فلا يرَى أنَّ عَقْدَها صحيحٌ مِن المُوصِي؛ فإنْ سَمَّى مصارفَ وأعيانًا، لا تَمْضِي إليهم كما سمَّاهُ؛ لبُطْلانِ
стр. 741
أصلِ الوصيَّةِ، فلا يَلزَمُ الورثةَ إمضاءُ ما سَمَّى، ومَن قال بجوازِها مع إمضاءِ الورثة، فهو يرَى صحَّةَ عقدِها منه ابتداءً، فتَمضِي على ما سمَّاهُ المُوصِي مِن غيرِ تغييرٍ.
* * *
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠].
وُرُودُ الآيةِ في التحذيرِ مِن أكلِ مالِ اليتامى بعدَ الآيةِ السابقةِ قرينةٌ لقولِ مَن قال: إنَّ الآيةَ السابقةَ يُخاطَبُ بها أولياءُ اليتامَى أن يتَّقُوا اللهَ فيهم كما يُريدونَ أنْ تُعامَلَ أيتامُهم مِن بَعدِهم لو ماتوا عنهم.
التشديدُ في أكلِ مالِ اليتيمِ:
وفي الآيةِ: شدَّةُ الوعيدِ لآكِلِ مالِ اليتيم، وتقدَّمَ أنَّ جنسَ أكلِ مالِ اليتيمِ أعظَمُ مِن جنسِ أكلِ مالِ الرِّبا، وقوله تعالى ﴿يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ جزاءٌ مِن جنسِ العملِ، وهذا شبيهٌ بقولِ النبي ﷺ : (مَنْ شَرِبَ فِي إِنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ)، وهو في "الصحيحَينِ"؛ مِن حديثِ أمِّ سلمةَ (١).
ولكنَّ أكلَ مالِ اليتيمِ أعظَمُ؛ لأنَّه ذُكِرَ مع أكلِ النارِ: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾، وهذه عقوبةٌ زائدةٌ ليست في الأكلِ بآنيةِ الذهبِ والفِضَّةِ.
والصَّلْيُ هو الشَّيُّ، كما جاء في "الصحيحِ"؛ أنَّ النبيَّ ﷺ أكَلَ مِن شاةٍ مَصْلِيَّةٍ (٢)؛ يعني: مشويَّة.
стр. 742
وقولُه: ﴿ظُلْمًا﴾ دليلٌ على جوازِ الأكلِ مِن مالِ اليتيم بغيرِ ظلمٍ، للفقيرِ المُحتاجِ مِن غيرِ إهلاكٍ وإفسادٍ؛ كما تقدَّمَ.
* * *
قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١].
إحكامُ الله لأمور الأموالِ في الإسلامِ:
مِن إحكامِ اللهِ في الأموالِ: أن ذَكَرَ المواريثَ بعدَ فصلِهِ في أمورِ الأموالِ الأُخرى في هذه السورِة؛ فالمواريثُ تكونُ بعدَ موتِ صاحِبِ المال، وَيَسبِقُ المواريثَ الوصيَّةُ؛ لأنَّها قبلَ موتِه، ويَسبقُ الوصيَّةَ نفقتُه على ذريَّتِه، وقبلَ نفقتِه على ذريتِه نفقتُه على زوجتِه، وقبلَ نفقتِه على زوجتِه مهرُها وصَدَاقُها؛ فبيَّنَ اللهُ تلك الأحكامَ بالترتيب على وقوعِها في الحياةِ.
ترابُطُ الأمورِ الماليَّة بعضِها ببعضٍ:
فقال تعالى في الحِيَاطةِ في أمرِ الأموالِ: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢].
ثمَّ ذكَرَ اللهُ بعدَ ذلك بدايةَ تكوُّنِ الذريَّةِ بالزواجِ، فبيَّنَ الحقوقَ الماليَّةَ لها، فقال: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤].
стр. 743
ثمَّ بعدَ العقدِ والدخولِ تَكُونُ النفقةُ والكِسْوةُ عليها وعلى ذريَّتِها منه؛ فقال: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥].
ثمَّ بيَّنَ حالَ الوصيَّةِ وحذَّرَ مِن أسبابِ الحَيْفِ فيها.
وهذا تسلسلٌ وإحكامٌ لا يُفهَمُ ما بعدَهُ إلا به، وعدلُ اللهِ في الأموالِ ملازِمٌ؛ لا يُفهَمُ أوَّلُهُ إلَّا بفهمِ آخِرِه، ولا يُفهَمُ أوسَطُهُ إلا بفهمِ أوَّلِهِ وآخِرِه.
وقد تشبَّثَ بعضُ أهلِ الأهواءِ مِن الملاحِدةِ وبعضُ النصارى طعنًا في الشريعةِ: أنَّ إعطاءَ الابنِ ضِعْفَ ما للبنتِ ليس مِن العدل، وفَصَلُوها عمَّا قبلَها بن الآياتِ التي تُوجِبُ على الرجلِ القيامَ على الأُنثى؛ فإنْ كانتْ صغيرةً أو كبيرةً بلا زوجٍ، أنفَقَ عليها: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥]، وهي في الصِّغار والنساءِ بالاتِّفاقِ ولو كانتِ المرأةُ كبيرةً، وأمَّا الرجُلُ لو كَبِرَ فيجبُ عليه العمل والتكسُّبُ بخلافِ المرأة، وإنْ تزوَّجَت، وجَبَ على الرجُلِ أنْ يُعطِيَها صداقَها، فهو على الرجُلِ لها، لا عليها له: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، ثم يُنفِقُ عليها بعدَ ذلك إلى موتِها أو موتِه، فكان الوريثُ الذَّكَرُ أحوَجَ للمالِ مِن الأُنثى؛ لأنَّ الأُنثى استعاضَتْ نفقةً وكفايةً قبلَ ذلك، ولا تَستقبِلُ مِثْلَها في حياتِها؛ لأنَّها في ولايةِ وكفالةِ غيرِ والدِها كزوجِها أو ابنِها، بخلافِ الذَّكَرِ؛ فهو يَستقبِلُ نفقةً على غيرِهِ مِن أبنائِهِ وبناتِهِ وغيرِهم، والأُنثى لا تجبُ عليها النفقةُ على أحدٍ، ولو كانت غنيَّةً، ووليُّها أقَلَّ منها مالًا، وجَبَ عليه أنْ يُنفِقَ عليها، لا أنْ تُنفِقَ عليه؛ فالأُنثى مكفولةٌ قبلَ الميراثِ وبعدَه، والذَّكَرُ بخلافِها؛ لهذا كان نصيبُهُ في الميراثِ أكثَرَ منها.
والمرأةُ لا تدخُلُ في كثيرٍ مِن التكاليفِ الماليَّةِ والغراماتِ؛ فلا تدخُلُ في عاقِلَةِ الرجُلِ عندَ الدِّيَة، ولا تَضْمَنُ على ولدِها لو أفسَدَ مالَ غيرِه؛ وإنَّما ذلك على الأولياءِ الرِّجَالِ.
стр. 744
ومَن نَظَرَ إلى هذه الآيةِ وفَصَلَها عن انتظامِها في الشريعةِ؛ كما في هذه السورةِ، لم يَفهَمْ إحكام الشريعةِ وعَدْلَها ودِقَّتَها.
واللهُ قدَّمَ الأولادَ على غيرِهِمْ في الذِّكْرِ والحقِّ في المواريثِ؛ لأنَّهم أَوْلى الناسِ بمالِ أبيهِم بعدَ موتِه، وإنْ كان الآباءُ والأمَّهاتُ أحَقَّ بالبِرِّ؛ ولكنَّ المواريثَ حَقٌّ ماليٌّ يتعلَّق بالحاجةِ لا بالبِرِّ الذي يفعَلُهُ الولدُ في حياتِه؛ فذاك انقطَعَ بموتِهِ عن والدَيْه، والميرِاثُ يحتاجُ إليه الأولادُ أكثَرَ مِن الوالدَينِ؛ لأنَّ الوالدَينِ استقَلَّا واكْتَفَيَا، وغالبًا ما يكونُ العمرُ الباقي منهما أقَلَّ من العمرِ الباقي مِن أولادِ الميِّتِ؛ فالأولاد يَستقبِلونَ حاجةً أشدَّ مِن حاجةِ الوالدَين، فقُدِّمُوا لهذا الأمر، وقد يكونُ الأولادُ قُصَّرًا ضِعافًا، والوالدُ كبيرًا شديدًا.
والوالدانِ سبَقَا الولدَ الميِّتَ بكفايةِ نَفْسَيْهما، والإخوةُ قارَنَا الأخَ الميِّتَ بكفايةِ أنفُسِهم غالبًا، والأولادُ يَقصُرُونَ عن الوالدَيْنِ والإخوةِ في كفايةِ أنفُسِهم؛ لهذا كانوا أحَقَّ بالإرثِ.
وقد قدَّمَ اللهُ الأولادَ، ثمَّ ثنَّى بالوالدَيْنِ؛ لأنَّهما أحَقُّ مِن الإخوةِ؛ لحاجتِهما لغلَبةِ الكِبَرِ والضَّعْفِ، بخلافِ الإخوةِ.
وقولُ الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾؛ الوصيَّةُ أمرٌ مِن اللهِ وفرضٌ منه بلا خلافٍ؛ فاللهُ ختَمَ هذه الآيةَ بقوله ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾.
ذَكَرَ اللهُ الذُّكُورَةَ والأُنُوثَةَ، ولم يَذْكُرِ الرجالَ والنساءَ؛ لِيَدْخُلَ في ذلك الصغيرُ والكبيرُ مِن الجنسَيْنِ، ولا فرقَ بينَ رضيعٍ وشيخٍ كبيرٍ، ولا فرقَ بينَ مجنونٍ وعاقلٍ.
стр. 745
أحوالُ إرثِ الأولادِ:
وللأولادِ في الميراثِ باعتبارِ جنسِهم وعَدَدِهم حالاتٌ ثلاثٌ:
الحالةُ الأُولى: إذا كان الوارثُ ذَكَرَا، سواءٌ كان واحدًا أو أكثَرَ مِن ذلك، فلهم جميعُ المالِ يتقاسَمُونَهُ بينَهم بالسويَّةِ إذا لم يُوجَدِ الأصلُ الوارثُ، وهما الأبوان، فللأبوَينِ مع الأولادِ السُّدُسُ، وللولدِ الباقي واحدًا أو جماعةً بلا خلافٍ.
الحالة الثانيةُ: إذا كان الوارثُ أُنثَى، فإن كانت واحدةً، فلها النِّصْفُ، وإن كانَتَا اثنتَينِ فأكثَرَ، فلهما الثلُثانِ بالسويَّةِ بينَهُنَّ، وُجِدَ الأبوانِ أو لم يُوجَدَا، فنِصَابُ البناتِ واحدٌ بلا خلافٍ.
الحالةُ الثالثةُ: إذا كان الوارثُ مِن الجنسَيْنِ ذكورًا وإناثًا، فللذَّكَرِ مِثلُ حظِّ الأُنْثَيَيْنِ مِن المالِ كلِّه إذا لم يُوجَدْ أبوان، وإن وُجِدَا أو أحدُهما، فلكلِّ واحدٍ مِن الأبوينِ السدُسُ، والباقي للأبناء، للذَّكَرِ مِثلُ حظ الأُنْثَيَيْن، بلا خلافٍ؛ لظاهِرِ الآيةِ.
الوارثُ الابنُ الواحدُ له المالُ كاملًا؛ لأنَّ هذا ظاهِرُ الآيةِ ومفهومُها، فقوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وقولُه: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾: ظاهِرُهُ: أنَّ حَظَّ البنتِ وحْدَها النصفُ، فكذلك حظُّ الابنِ المالُ كاملًا إنْ كان وحدَهُ؛ لأنَّه ضِعفُ نصيبِ البنتِ وحدَها، وهكذا فالولدُ وحدَهُ مع أبيهِ أَوْلى مِن الأخِ وحدَهُ مع أختِه؛ فاللهُ يقولُ في الكلالةِ: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦].
وهذا لا خلافَ فيه؛ حَكَى الإجماعَ عليه جماعةٌ، كابنِ عبدِ البَرِّ وابنِ رُشدٍ وغيرِهما.
حكمُ الاثنتينِ من البناتِ حكم الثلاثِ في الميراث:
واتِّفاقُ العلماءِ على أنَّ حُكمَ الاثنتَيْنِ كحُكْمِ الثلاث، وما زاد
стр. 746
عليهنَّ لهنَّ الثلُثان، ويُحكى خلافُ هذا بسندٍ لا يَثْبُتُ عن ابنِ عبَّاسٍ في البنتَيْن، قال: إنَّ الاثنتَينِ كالواحدةِ، لا كالثلاثِ وما زاد، وإنَّ الثلُثَيْنِ لما زاد على اثنتَيْنِ؛ لظاهِرِ الآيةِ في قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾.
وهو قولٌ لا يُعلَمُ مَن قال به من الصحابة، وقال بشذودِه وعدمِ صحَّتِه بعضُ العلماء، كابنِ عبدِ البَرِّ وغيرِه (١).
وأمَّا القولُ بأنَّ أقَلَّ الجمعِ ثلاثةٌ، فهذا مِن مسائلِ الخلافِ، والأخذُ بأحدِ القولَيْنِ مِن مواضِعِ الاجتهاد، ولكنْ في غيرِ مواضِعِ الإجماع، وفي غيرِ ما دَلَّ الدليلُ على خلافِه، كما في مسألةِ البنتَيْنِ والإخوةِ مع الأمِّ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾، فعلى القولِ بأنَّ أقَلَّ الجمع ثلاثةٌ، لا يَحْجُبُ الأمَّ مِن الثلُثِ إلى السدُسِ إلا ثلاثةٌ مِن الإخوةِ فما زاد؛ لأنَّه أقلُّ الجمعِ.
وقد يقولُ بعضُ الأئمَّةِ: إنَّ أقَلَّ الجمعِ ثلاثةٌ، في أصلِه، ويقولونَ بخلافِهِ في التنزيلِ؛ لأدلَّةِ خاصَّةٍ؛ كالحنابلةِ: يقولونَ بأنَّ أقلَّ الجمعِ ثلاثةٌ، ويرَوْنَ أنَّ جماعةَ الصلاةِ تَنعقِدُ باثنَيْنِ.
والقولُ بأنَّ أقلَّ الجمع ثلاثةٌ هو قول الجمهور، خلافًا للمالكيَّةِ والظاهريَّةِ الذين يرَوْنَ أنَّ أقلَّ الجمعِ اثنانِ.
وربَّما أخَذَ بعضُ الفقهاءِ بأنَّ أقلَّ الجمعِ ثلاثةٌ، وجعَلَهُ في بعضِ المواضِعِ اثنَيْنِ مجازًا.
واللهُ ذَكَرَ الإخوةَ في الآية، ولم يذكُرِ الأخَ الواحدَ، بخلافِ فَرْضِهِ في البنتِ؛ فاللهُ ذَكَرَ البناتِ ثم ذكَرَ البنتَ الواحدةَ؛ وهذا دليلٌ على أنَّ الواحدةَ خاصَّةٌ بحُكْمٍ لا يُشارِكُها الاثنتانِ والثلاث.
стр. 747
والحقُّ ما عليه عامَّةُ العلماءِ؛ فإنَّ قولَه: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾؛ يعني: اثنتَيْنِ وزيادةً، فقولُه: ﴿فَوْقَ﴾ صلةٌ وزيادةٌ، كما في قولهِ تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢]؛ أي: الأعناقَ وما عَلَاهَا منها.
وبهذا جاء الحديثُ؛ كما في "المُسنَدِ"، و"السنن"؛ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ محمَّدِ بنِ عَقِيلٍ، عن جابرٍ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ أَعْطَى البِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ (١).
وقد ثبَتَ عن ابنِ عبَّاسٍ ما يُوافِقُ فيه عامَّةَ العلماءِ؛ كما رواهُ الزهريُّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ الله، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّ للبنتَيْنِ الثلُثَيْنِ (٢).
وهذا يدُلُّ على نكار ما يُحكَى عنه بأنَّ البنتَينِ تأخُذَانِ النصفَ كالبنتِ.
واللهُ تعالى قال: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾؛ لبيانِ المُفارَقةِ بينَ الوارِثةِ الأُنثى الواحدةِ وغيرِها، فلو كان الإرثُ على هذا القولِ الشاذِّ، فيكونُ للواحدةِ النصفُ، وللثلاثِ الثلُثان، وتبقَى الاثنتانِ مِن غيرِ بيانٍ، وهذا غيرُ واردٍ في القرآنِ، فلا يُمكِنُ أنْ تُوصَفَ الاثنتانِ بدخُولِهما في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾؛ للإجماعِ في اللُّغةِ والشرعِ على عدمِ صحَّةِ ذلك ولا جوازِه؛ فدخولُ الاثنتَيْنِ في حُكمِ الثلاثِ أَوْلى مِن دخولِه في حُكمِ الواحدةِ في اللغةِ والشرعِ؛ وهذا دليلٌ على أنَّ حُكْمَ النصفِ خاصٌّ بالواحدة، لا بالاثنتَيْن، وأنَّ قولَه: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾؛ يعني: مَن خرَجَ عن الواحدةِ اثنتَيْن وزيادةَ فلهما الثلُثانِ.
وذكَرَ تعالى: ﴿فَوْقَ﴾؛ حتى لا يُظَنَّ أنَّ الحُكْمَ خاصٌّ بالاثنتَيْنِ؛ فيُحتاجَ إلى البيانِ الجديدِ فيما زادَ على ذلك.
стр. 748
وكذلك: فإنَّ الأختينِ الاثنتَيْنِ يأخُذَانِ الثلُثَيْنِ عندَ عدمِ الفرعِ الوارثِ؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، فالبنتانِ أَوْلى مِن الأخَتَيْنِ بذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾.
ميراثُ الأبوَيْنِ:
ذكَرَ اللهُ ميراثَ الأبوينِ فجعَلَهُ على حالَيْنِ:
الأُولى: مع ولدِ الميِّتِ واحدًا أو أكثَرَ، لهما السدُسُ، والأمُّ مع جمعِ الإخوةِ ولو مِن غيرِ ولدٍ للميِّتِ تأخُذُ السدُسَ.
الثانيةُ: عندَ عدمِ الولدِ وولدِ الابنِ للميِّتِ والجمعِ مِن الإخوةِ جعَلَ للأمِّ الثلُثَ.
ولهما حالٌ ثالثةٌ تُؤخَذُ مِن الأثرِ ومفهومِ الآية، وهي مع الزوجِ والأبوَين، أو الزوجةِ والأبوَيْن، فللأمِّ ثلُثُ الباقي، لا ثلُثُ المالِ المتروكِ كاملًا، بعدَ فرصِ الزوجَيْنِ على الصحيحِ؛ لأنَّ اللهَ قال في الأمِّ: ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾، ولم يقُلْ سبحانَه: (ثلُثُ ما تَرَكَ)؛ كما في المواضِعِ السابقةِ: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ﴾، وقوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾، ولأنَّ إعطاءَ الأمِّ الثلُثَ ممَّا ترَكَ بعدَ فرضِ الزوجِ النصفِ: يجعَل الأبَ يأخُذُ السدُسَ، فتأخُذُ الأمُّ ضِعْفَيْه، والأصلُ عندَ استواءِ الدرجةِ في الإخوةِ والأولادِ: أنَّه للذَّكَرِ مِثلُ حظِّ الأُنثيَيْن، والأبُ والأمُّ هنا متساويان، فالأصلُ تَسَاوِيهما في الإرثِ في السدُسِ مع الأولاد، أو زيادةُ الأبِ على الأمِّ بفرضٍ وتعصيبٍ أو تعصيبٍ.
وهذا الذي عليه جمهورُ السلفِ والخَلَفِ؛ أنَّ للأمِّ ثلُثَ الباقي،
стр. 749
لا ثلُثَ ما ترَكَ، ويَبقَى الثلُثانِ للأبِ تعصيبًا؛ لأنَّ الأبَ أَوْلى بقوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ مِن الأولادِ والإخوة، وليس في الآيةِ نصٌّ يُعارِضُهُ؛ فقولُه: ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ ليس فيه (ممَّا ترَكَ)، فحُمِلَ الثلُثُ على ما يُوافِقُ الأصولَ، وهو ثلُثُ الباقي بعدَ فرضِ الزوج، والزوجُ حقُّه منصوصٌ عليه ممَّا ترَكَتِ الزوجةُ؛ كما في قولِه: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢]، وفي ميراثِ الزوجةِ مِن الزوجِ قال: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢]، وأمَّا الأمُّ، فأطلَقَ حَقَّها في الثلُث، فحُمِلَ على ما يُوافِقُ الأصولَ.
وبهذا قال زيدُ بنُ ثابتٍ؛ فروى عبدُ الرَّزَّاقِ وابنُ أبي شَيْبَةَ، عنه؛ قال: "لا أُفَضِّلُ أُمًّا عَلَى أَبٍ" (١).
ورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ وشريحٍ وداودَ: جَعْلُ الثلُثِ فيما ترَكَ كلِّه، فيكونُ للزوجِ النصفُ، وللأمِّ الثلُثُ، وللأبِ ما تبقَّى، وهو السدُسُ.
ولم يذكُر اللهُ الأبَ في الحالةِ الثانيةِ: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾.
وظاهرُ الآيةِ أنَّ للأبِ الباقيَ كلَّه؛ وذلك أيضًا لقولِه ﷺ : (اقْسِمُوا المَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ الله، فَمَا تَرَكَتِ الْفَرَائِضُ، فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ) (٢)، وحقُّه في الباقي بعدَ فرضِه وهو السدُسُ، فهو باقٍ عليه، ثمَّ يأخُذُ الباقيَ زيادةً عليه.
ولا فَرْقَ في الولدِ بينَ الذكَرِ والأُنثى في قولِه: ﴿إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ﴾، والولدُ وولدُ الابنِ سواءٌ.
стр. 750
الولدُ والإخوةِ في حجبِ الأمِّ:
والولدُ الواحدُ يُساوي الجمعَ مِن الإخوةِ في حَجْبِ الأمِّ مِن الثلُثِ إلى السدُسِ؛ وهذا دليلٌ على أنَّ الأولادَ أحَقُّ بالمالِ مِن الإخوةِ بكلِّ حالٍ.
حقُّ الوالدِ في الميراثِ أعظم من الأخ:
وقولُه تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ دليلٌ على أنَّ حَقَّ الوالدِ أعظَمُ مِن حقِّ الأخِ في الميراث، فالأخُ الواحدُ لا يَنقُصُ حقَّ الوالدَينِ مِن الإرثِ حتى يكونَ الإخوةً جماعةً.
والأخُ لا يحجُبُ فيَنقُصَ حقَّ الأمِّ أو الأبِ منفرِدًا؛ لقوَّةِ حقِّهما على انفرادِ الواحدِ مِن الإخوة، وإنْ تعدَّدُوا ولو بالكثرة، لم يَنقُصُوا حقَّ الأمِّ عن السدُسِ.
ترتيبُ الأحَقِّ مِن أصحابِ الفروضِ:
وظاهِرُ ترتيب الفروضِ في الآيةِ: أنَّ الأولادَ أحَقُّ مِن الأبوَيْن، والأبوَينِ أحَقُّ مِن الإخوةِ, ولا يتأثَّرُ نِصَابُ الأولادِ المذكورُ في القرآنِ بوجودِ الأبوَيْن، فمع عدمِ وجودِ الأبناءِ: فللبِنْتِ النصفُ، وللبنتَيْنِ الثلُثان، وُجِدَ الأبوانِ أو فُقِدَا، وكذلك الأبناءُ مع عدمِ وجودِ الشريكِ مِن البناتِ: يأخُذُونَ المالَ بعدَ أخذِ الوالدَيْنِ حقَّهما وهو السدُسُ؛ ففرضُ الأولادِ واحدٌ ذُكورًا وإناثًا، لا يتأثَّرُ بالوالدَيْنِ نصابًا، ولكنَّه قد يتأثَّرُ قيمةً، والذَّكَرَ أكثَرَ تأثُّرًا بقيمةِ حقِّه بسبِ والدَي الميِّتِ مِن الأُنثى؛ لأنَّ فَرْضَهُ أكثَرُ منها، فنقَصَ حقُّه إذا كان واحدًا؛ لأنَّه يأخُذُ المالَ كلَّه، فزاحَمَهُ أبَوَا الميِّت، وأمَّا البنتُ الواحدةُ، فلا يَنقُصُها الأبوان، فهي تأخُذُ النصفَ بكلِّ حالٍ، وسُدُسُ الأبوينِ يَنقُصُ مِن مالِ الابن، ولا يَنقُصُ مِن نصفِ الأُنثى الواحدةِ؛ لأنَّ سُدُسَهما لا يُزاحِمُ نِصْفَها.
стр. 751
وتخصيصُ اللهِ حَجْبَ الإخوةِ للأمِّ مِن الثلُثِ إلى السدُسِ دليلٌ على أنَّه لا أثَرَ مِن الإخوةِ في الأولادِ؛ فالأولادُ أقْوَى مِن الوالدَينِ في المواريثِ.
حجبُ الإخوةِ للأمِّ:
والاثنانِ مِن الإخوةِ كالثلاثةِ فما فوقُ يَحجُبانِ الأمَّ مِن الثلُثِ إلى السدُسِ؛ وقد اختلَفَ العلماء في هذا على قولَيْنِ:
الأولُ: أنَّ الاثنَيْنِ يَحجُبانِ كالثلاثةِ؛ وعلى هذا عامَّةُ العلماء، وبه قضَى الخلفاء الراشدونَ.
الثاني: رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ خلافه، ويُروى عن مُعَاذٍ؛ أنَّه لا يَحجُبُ الأمَّ إلَّا الثلاثةُ مِن الإخوةِ فما فوقُ لأنَّه أقلُّ الجمعِ.
وهذا القولُ لا يصحُّ سندُهُ عن ابنِ عبَّاسٍ، فيَرْوِيهِ شعبةُ مَوْلَى ابنِ عبَّاسٍ عنه، وهو متكلَّمٌ فيه، والعملُ على ما عليه الخلفاءُ، وهو الصوابُ؛ لأنَّ اللهَ إذا ذَكَرَ الحَجْبَ في كتابِهِ في الجمع، فهو يقعُ على الاثنَينِ فما زادَ، كحَجْبِ البناتِ بناتِ الابن، والأخواتِ مِن الأبوَيْنِ الأخواتِ مِن الأبِ، وكذلك: فإنَّ الإخوةَ تُستعمَلُ في الاثنَيْنِ؛ قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦].
والمرويُّ عن ابنِ عبَّاسٍ ضعيفٌ، ولو صحَّ، لقالَ به أصحابُه، وأصحابُه على خلافِه.
وقولُه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ دليلٌ على أنَّ الإخوةَ الذكورَ والإناثَ سواءٌ، ولأنَّ اللهَ يقولُ: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً﴾ [النساء - ١٧٦].
ولا خلافَ عندَ العلماءِ في هذا.
تقديمُ الدَّيْنِ والوصيَّةِ على الميراثِ:
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
стр. 752
فيه: أنَّ قِسمةَ الميراثِ تكونُ بعدَ الوصيَّة، وهذا فيه منزلةُ الوصيَّةِ في الدِّين، وعِظَمُ أثرِها على صاحِبِها ومن وراءَه.
وقوله: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ دليلٌ على تقدُّمِ قضاءِ الدَّينِ قبلَ قِسْمةِ الميراثِ؛ لأنَّ الدَّيْنَ في ذمَّةِ الميِّتِ، والدَّيْنَ وجَبَ في مالِهِ قبلَ موتِه.
والدَّيْنُ والوصيَّةُ لا يَمنعانِ الإرثَ واستحقاقَ الورثةِ لحقِّهم؛ وإنَّما يَمنعانِ قِسْمةَ الميراثِ.
والدَّينُ مُقدَّمٌ على الوصيَّةِ؛ لأنَّه حَقُّ الآدميِّينَ، وأمَّا الوصيَّةُ، فليستْ حقًّا لأحدٍ؛ وإنَّما حقٌّ أَوْجَبَهُ الميِّتُ في مالِه، والدَّينُ يُؤخَذُ مِن رأسِ المال، وأمَّا الوصيَّةُ، فتُؤخَذُ مِن الثلُثِ بلا خلافٍ عندَ السلفِ.
مؤنةُ تجهيزِ الميِّت مِن مالِهِ:
وتكونُ مُؤْنَةُ تجهيزِ الميِّتِ وغُسْلِهِ وتكفينِهِ وحَمْلِهِ ودَفْنِهِ مِن مالِه؛ لأنَّه مِن حملةِ النفقةِ عليه، فإذا مات غريقًا أو مفقودًا في بَرِّيَّةٍ ومَفَازَةٍ مُهْلِكَةٍ أو وقَعَ في بئرٍ، فمؤنةُ إخراجِهِ وحَمْلِهِ وما تَبِعَ ذلك، مِن مالِه؛ وهذا أحَقُّ مِن الدَّيْنِ والوصيَّةِ.
وهذه المؤنةُ مِن رأسِ مالِه، موسرًا كان أو فقيرًا، في قولِ جمهورِ العلماء، خلافًا للزُّهْريِّ؛ فقد جعَلَ المؤنةَ في ثلُثِ مالِه إذا كان فقيرًا.
وقد كان النبيُّ ﷺ يأمُرُ بتكفينِ الميِّت، ودَفَنَ، وكفَّنَ المُحْرِمَ الذي وَقَصَتْهُ ناقتُه بثوبَيْه، وكفَّنَ مُصْعَبَ بنَ عُمَيْرٍ في نَمِرَةٍ ليس عليه غيرُها، ولم يَسْأَلْ هو وأصحابُهُ عن حالِه وما بَقِيَ مِن مالِه.
وفي قولِه: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ دليلٌ على أنَّ التَّرِكَةَ تُقسَّمُ على ما فرَضَ اللهُ، لا على ما يرَاهُ الورثةُ مِن نفعِ بعضِهم للميِّتِ؛ فاللهُ أعلَمُ بمَن هو أقرَبُ إليه، فيُغيِّرُ مَن شاء مِن حالٍ إلى حالٍ؛ مِن صلاحٍ إلى فسادٍ، ومِن فسادٍ إلى صلاحٍ، ويُثَبِّتُ مَن شاء مِن عِبادِه.
الحالةُ الثانيةُ: إن لم يكنْ لها ولدٌ، فله النِّصْفُ ممَّا ترَكَتْ.
وجعَلَ اللهُ ميراثَ الزوجةِ مِن زوجِها على حالتَيْنِ:
الأُولى: إنْ كان للزوجِ ولدٌ ولو مِن غيرِها، فلها الثُّمُنُ ممَّا تَرَكَ.
الثانيةُ: إنْ لم يكنْ له ولدٌ، فلها الربُعُ ممَّا تَرَكَ.
وإنْ تعدَّدَتِ الزوجاتُ، فهُنَّ شريكاتٌ في هذا الفرضِ: الرُّبُعِ أو الثمُنِ؛ الزوجةُ والزوجتانِ والثلاثُ والأربعُ.
وجعَلَ اللهُ ذلك كلَّه بعدَ الوصيَّةِ والدَّيْنِ؛ فقال في ميراثِ الزوجةِ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، وقال في ميراثِ الزوجِ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.
ولا خلافَ أنَّ الدَّيْنَ مقدَّمٌ على الوصيَّة، وأنَّ الوصيَّةَ مقدَّمةٌ على الميراثِ.
ولا خلافَ أنَّ حكْمَ أولادِ البنينَ كحُكمِ أولادِ الصُّلْبِ.
معنى الكَلَالَةِ:
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ والكلالةُ مِن الإكليلِ الذي يُحِيطُ بالرأسِ مِن جوانِبِه، فكأنَّ الورَثَةَ الذين يَرِثُونَهُ هم حَوَاشِيهِ؛ أيْ: جوانِبُه، لا أصولُهُ وهم أبواهُ وإنْ علَوْا، ولا فروعُهُ وهم أبناؤُهُ وإنْ نزَلُوا.
فهي مَصْدَرٌ مِن قولِهم: تكلَّلَهُ النَّسَبُ تكلُّلًا وكَلَالةً؛ بمعنى: تعطَّفَ عليه النَّسَبُ.
ولهذا فسَّرَها أبو بكرٍ وعمرُ، كما روى الشُّعْبيُّ، عن أبي بكرٍ الصدِّيقِ: أنَّه سُئِلَ عن الكَلالَة، فقال: أقولُ فيها برَأْيِي، فإنْ يكُنْ صوابًا فمِن الله، وإنْ يكنْ خطأً فمني ومِن الشيطان، واللهُ ورسولُهُ بريئانِ منه، الكلالةُ: مَن لا وَلَدَ له ولا والِدَ، فلمَّا وَليَ عمرُ، قال: إنِّي لَأَسْتَحْيِي أنْ
стр. 755
أُخالِفَ أبا بكرٍ في رأيِ رآهُ؛ رواهُ ابنُ جريرٍ وغيرُه (١)؛ ورواهُ طاوسٌ، عن ابنِ عبَّاسٍ، عن عمرَ؛ أخرَجَهُ ابن أبي حاتمٍ وابنُ جريرٍ (٢).
وبهذا قال عليٌّ وابنُ مسعودٍ وزيدُ بنُ ثابتٍ وابنُ عبَّاسٍ وأهلُ المدينةِ والعراقِ والفقهاءُ السبعةُ والأئمَّةُ الأربعةُ، وحَكَى بعضُ الأئمَّةِ الإجماعَ على هذا.
روى أبو إسحاقَ، عن سُلَيْمِ بْنِ عَبْدٍ السَّلُولِيِّ: أنَّهم اتَّفَقُوا على هذا؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ وغيرُه (٣).
ميراثُ الكَلَالَةِ:
واللهُ قد ذكَرَ ميراثَ الإخوةِ الأشقَّاءِ والإخوةِ لأبٍ في آيةِ الكَلالةِ؛ فللأُخْتِ الواحدةِ مِن أخِيها النِّصْفُ، وللاثنتَيْنِ منه الثلُثان، والأخُ يَرِثُها إنْ لم يكُنْ لها ولَدٌ، وهذا يختلِفُ عن حُكْمِ الإخوةِ في هذه الآيةِ؛ فدَلَّ على أنَّ الإخوةَ في آيةِ البابِ هم الإخوةُ لأمٍّ، وأنَّ حُكْمَ الإخوةِ هنا غيرُ حُكْمِ الإخوةِ هناك، ولا نَسْخَ بينَ الآيتَيْنِ.
ورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ ما يُخالِفُ ذلك: أنَّه مَن لا والِدَ له فقطْ.
والصحيحُ عنه: ما يُوافِقُ الخلفاءَ؛ فإنَّ الآيةَ فسَّرَتْ معنى الكلالةِ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾، فذكَرَ مَن يَرِثُهُ، وهم الإخوةُ، وهذا لا يكونُ إلا عندَ فقْدِ الأصلِ وهو الوالدُ، والفروعِ وهي الأبناءُ والبناتُ.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ والمقصودُ بالأخ والأختِ هنا هو مِن الأمِّ بالإجماعِ، قرَأَها سعدُ: (أختٌ لأمٍّ) (٤)، ورواهُ قتادةُ
стр. 756
عن أبي بكرٍ (١).
مخالفةُ الإخوةِ لأمٍّ بقيَّة الإخوة:
والإخوةُ مِن الأمِّ يُخالِفونَ غيرَهم مِن الإخوةِ مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنَّهم يَرِثُونَ مع مَن أَدْلَوْا به؛ وهي الأمُّ.
ثانيها: أنَّ ذُكُورَهم وإناثَهم في الميراثِ سواءٌ؛ فقد رَوى يونُسُ، عن الزُّهريِّ؛ قال "قَضَى عمرُ أنَّ ميراثَ الإخوةِ مِن الأمِّ بينَهم للذَّكَرِ مِثلُ الأُنثى"، قال الزهريُّ: "ولا أرَى عمرَ قَضَى بذلك، حتى عَلِمَ بذلك مِن رسولِ اللهِ ﷺ ؛ ولهذه الآيةِ التي قال اللهُ تعالى فيها: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ (٢).
ويستوي الإخوةُ مِن الأمِّ في الميراثِ ذكورًا وإناثًا؛ لأنَّهم يُدْلُونَ بالرَّحِمِ فقط.
ثالثُها: أنَّهم لا يَرِثُونَ إلَّا في الكلالةِ ممَّن مات، وليس له أبٌ ولا فروعٌ، فلا يَرِثُونَ مع الأبِ والأولادِ وأولادِ الأبناءِ.
رابعُها: أنَّهم لا يَزيدونَ في ميراثِهم على الثلُثِ مهما كَثُرُوا.
الإضرارُ بالوصيَّةِ:
وقولُه: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارّ﴾ نهيٌ عن المُضَارَّةِ في الدَّيْنِ والوصيَّة، وقد اختُلِفَ في عمومِ النهيِ عن الإضرارِ؛ لإتيانِه بعدَ جُمَلٍ، فهل يشمَلُها جميعًا أو يختصُّ بآخِرِها؟ :
جمهورُ العلماءِ: على أنَّ الصفةَ إذا جاءتْ عَقِبَ جُمَلٍ، فإنَّها تشمَلُ جميعَها؛ وهو قولٌ مالكٍ والشافعيِّ.
وجعَلَها أبو حنيفةَ وأصحابُه خاصَّةً بالأخيرِ منها؛ وهي الوصيَّةُ.
стр. 757
وعلى القولَينِ: فالآيةُ تتضمَّن نهيًا عن الإضرارِ بالوصيَّةِ والجورِ فيها بالإجماعِ؛ كمَن يَحْرِمُ بعضَ الورثة، أو مَن يخُصُّ بعضَ الورثةِ؛ فلا وصيَّةَ لوارثٍ، أو مَن يُوصي بأكثَرَ مِن الثلُث، أو يُوصِي بأقلَّ مِن ذلك ولكنَّ على الورثةِ الضررَ بالوصيَّةِ؛ لكثرتِهم أو لفَقرِهم، أو مَن يُوصِي بحَرَامٍ.
وروى عِكْرِمةُ، عن ابنِ عبَّاسٍ، موقوفًا ومرفوعًا؛ (الإضرارُ في الوصيَّةِ مِن الكبائرِ) (١).
والموقوفُ أصحُّ (٢).
ورُوِيَ عن أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْخَيْرِ سَبْعِينَ سَنَةً، فَإِذَا أَوْصَى، حَافَ فِي وَصِيَّتِه، فَيُخْتَمُ لَهُ بِشَرِّ عَمَلِه، فَيَدْخُلُ النَّارَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الشَّرِّ سَبْعِينَ سَنَةً، فَيَعْدِلُ فِي وَصِيَّتِه، فَيُخْتَمُ لَهُ بِخَيْرِ عَمَلِه، فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ) (٣).
الوصيَّةُ للوارثِ:
والوصيَّةُ للوارثِ غيرُ جائزةٍ على الصحيحِ؛ لما جاءَ في "المسنَدِ"، و"السُّننِ"، قال ﷺ : (إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" (٤).
وهذا قولُ الأئمَّةِ الأَربعة، خلافًا للشافعيِّ في الجديدِ.
وإنْ أَوْصَى أحدٌ لوارثٍ، فأجَازَها الورثةُ بعدَ موتِ المُوَرِّث، صحَّتْ إجازتُهم لها على الصحيحِ؛ ففي الحديثِ: (لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، إِلَّا
стр. 758
أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ)؛ رواهُ الدارقطنيُّ، عن عمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه (١).
وله عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄: (لَا تَجُوزُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ) (٢).
ولا تعارُضَ بينَ قولِهِ ﷺ : (لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) وبينَ قولِ اللهِ تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] فالآيهُ منسوخةٌ عندَ عامَّةِ العلماء، وإنِ اختَلَفَ المفسِّرونَ في ناسِخِها.
وهذه الآيةُ كانت في بدايةِ الإسلامِ؛ ففد كانتِ العربُ تَدفَعُ الأموالَ للأولاد، ولا تُعطي الآباءَ؛ فكانتِ الوصيَّةُ للآباءِ قبلَ فرضِ حقِّهم، ثمَّ خصَّ الله الآباءَ بميراثٍ، ووصَّى بالأقربينَ.
وفي "صحيحِ البخاريِّ"، في بابِ: "لا وصيَّةَ لوارثٍ"، عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄؛ قال: "كَانَ المَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْن، فَنَسَخَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْن، وَجَعَلَ لِلْأبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ، وَجَعَلَ لِلْمرأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبُعَ، وَللزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ" (٣).
وحديثُ: (لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) مُحكَمٌ صحيحٌ، وجعَلَهُ بعضُ الأئمَّةِ متواتِرًا؛ فقد رُوِيَ مِن حديثِ جماعةٍ مِن الصحابةِ يَزيدونَ على العَشَرةِ، وقد عدَّهُ الشافعيُّ متواترًا في "الأمِّ"، ثمَّ قال: "أهلُ العلمِ بالمَغازي؛ مِن قريشٍ وغيرِهم، لا يختلِفونَ في أنَّ النبيَّ ﷺ قال عامَ
стр. 759
الفتحِ: (لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) " (١).
والوصيَّةُ للورثةِ تُوقِعُ الحَيْفَ، وتُعطِّلُ الفرائضَ، وتُورِثُ البغضاءَ والشحناءَ بينَ الورثة، وتَقْطَعُ الأرحامَ، فيُظلَمُ أقوامٌ، ويَظلِمُ آخَرونَ.
ورُوِيَ عن طاوسٍ وعطاءِ والحسنِ وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ: القولُ بجوازِ الوصيَّةِ للوارِث، ونُسِبَ هذا القولُ لرافِعِ بنِ خَدِيجٍ؛ لأنَّه أَوْصَى ألَّا تُكْشَفَ امرأتُهُ الفَزَارِيَّةُ عمَّا أُغلِقَ عليه بابُها، ونُسِبَ للبخاريِّ؛ لإخراجِه لخبرِ رافعٍ، وترجَمَ عيه: (بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْن﴾ [النساء: ١١]) (٢).
وفي نسبةِ هذا القولِ إلى رافعٍ والبخاريِّ نظرٌ؛ فليس هو بصريحٍ عنهما، وما جاء في خبرِ رافِعٍ أنَّه جعَلَ لزوجتِهِ - واسمُها سَلْمَى - ما أغلَقَتْ عيه بابَها مِن متاعٍ وأثاثٍ وطعامٍ ولباسٍ؛ وإنَّما رافعٌ أقَرَّ وأشهَدَ على هذا؛ لأنَّه تزوَّجَها فيما يَظهَرُ فقيرةً فبيَّنَ أنَّ متاعَ بيتِها لها لا يُنزَعُ منها؛ لأنَّها لا مالَ عندَها قبلَ زواجِهِ بها؛ وهذا قولٌ معروفٌ عندَ الفقهاءِ، يقولُ به مالكٌ وغيرُه، وهو ممَّن يقولُ أنْ لا وصيَّةَ لوارثٍ، والإقرارُ للوارثِ في حالِ الحياةِ شيءٌ, والوصيَّةُ له بعدَ المماتِ شيءٌ.
والنبيُّ ﷺ مع أنَّه لا يُورَثُ؛ كما قال في "الصحيحِ": (لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ) (٣)، لم تدخُلْ نفقةُ نسائِهِ ومؤونةً عامِلِهِ في تَرِكَتِهِ التي لا تُورَثُ؛ فقد جاء في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَؤُونَةِ عَامِلِي، فَهُوَ صَدَقَةٌ) (٤).
стр. 760
وقد ترجَمَ البخاريُّ في "صحيحِه": (بابٌ: لا وصيَّةَ لوارثٍ) (١)، وهي أصرَحُ مِن غيرِها، وموافقتُهُ للدليلِ وللأئمَّةِ بدليلٍ صريحٍ أَوْلى مِن مخالفتِهم بدليلٍ محتمِلٍ.
ميراثُ أولادِ الأولادِ:
ويُنزَّلُ ابنُ الابنِ مكانَ الابنِ عندَ فَقدِهِ بلا خلافٍ في الميراثِ والحَجْبِ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ: أنَّ ولدَ الابنِ لا يَحجُبُ الزوجَ والزوجةَ مِن فرضِهما الأَعْلى إلى الأَدْنى، ولا الأمَّ مِن الثلُثِ إلى السدُس، والصوابُ خلافُه؛ لظهورِ الدليلِ.
ولا خلافَ في أنَّ بناتِ الابنِ لا يَرِثْنَ إذا استكمَلَتِ البناتُ مِن الصُّلْبِ الثلُثَيْن، إلَّا إذا وُجِدَ ابنُ الابنِ معها؛ فإنَّها تُشارِكُهُ للذَّكَرِ مِثلُ حظِّ الأُنثيَيْنِ مِن الباقي في قولِ أكثرِ العلماء، وقَضَى به عمرُ وعليٌّ وزيدٌ وابنُ عبَّاسٍ؛ وهذا ظاهرُ قولِ اللهِ تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١].
وذهَبَ قلةٌ مِن الفقهاءِ: إلى أنَّ الميراثَ الباقيَ يكونُ لابنِ الابنِ وحدَهُ؛ لعمومِ قولِهِ ﷺ : (اقْسِمُوا المَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ اللهِ؛ فَمَا تَرَكَتِ الْفَرَائِضُ، فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ) (٢)، وعمومُ الحديثِ ليس بأوْلى مِن عمومِ الآية، فالآيةِ؛ في اجتماعِ الذكورِ والإناث، والحديثُ عندَ بقاءِ شيءٍ مِن المالِ بينَ ذكورٍ، فيُعطى أقرَبُهم مِن الميِّتِ، ولو وُجِدَ مَثلًا مَن يُساوي أقرَبَ الرجالِ مِن الرجالِ رَحِمًا، لَوَجَبَ أنْ يُقاسِمَهُ الباقيَ، وكذلك عندَ وجودِ مَن يُساويهِ مِن الإناثِ تُشاركُه؛ للآية، وإذا انفرَدَ، يأخُذُه كلَّه؛ للحديث، ولا تعارُضَ بينَهما.
стр. 761
ميراث الجَدِّ وحجبُهُ:
والجَدُّ ينزلُ منزلةَ الأبِ في أخذِ جميعِ المالِ عندَ انفرادِه، ويحجُبُ الإخوةَ لأمٍّ، وله السدُسُ مع الابنِ وابن الابن، حكى الإجماعَ ابنُ المُنذِرِ وغيرُه.
وإنَّما الخلافُ في حَجْبِ الجَدِّ للإخوة والأخواتِ وإنزالهِ منزِلةَ الأبِ في ذلك؛ فالإخوةُ يُدْلُونَ بالأبِ، وهو دونَ الجَدِّ، والجدُّ فوقَه؛ ولذا تحرَّجَ الصحابةُ مِن مراثِ الجَدِّ مع الإخوةِ والأخواتِ؛ فقد روى الدارميُّ وسعيدُ بن منصورٍ وغيرُهما، عن عليِّ بن أبي طالبٍ؛ قال: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَقَحَّمَ جَرَاثِيمَ جَهَنَّمَ، فَلْيَقْضِ بَيْنَ الْجَدِّ وَالإخْوَةِ" (١).
وجمهورُ الفقهاءِ: على أنَّ الإخوةَ يَرِثُونَ مع الجَدِّ؛ وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ والأوزاعيِّ، ورُوِيَ هذا عن عمرَ وعثمانَ وعليٍّ وزيدٍ وابنِ مسعودٍ، ورُوِيَ عن أبي بكرٍ وابنِ عبَّاسٍ وعائشةَ ومعاذٍ خلافُهُ.
واختَلَفُوا في مقدارِ ميراثِ الجَدِّ على أقوالٍ، يأتي ذِكرُها في آيةِ الكَلالةِ مِن آخِرِ سورةِ النِّساءِ بإذنِ اللهِ.
* * *
قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥ - ١٦].
الشهادةُ على الزِّنى أربعةٌ؛ لهذه الآية، ولقولِه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ
стр. 762
الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤]، ولقولِه: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨]، وكذلك لِما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ، في استشهادِ النبيِّ ﷺ للزَّاني على نفسِه أربعًا.
وقولُه تعالى في الآيةِ: ﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ تقييدٌ للشهودِ بالمؤمنينَ، ومِثلُ هذا قولُهُ في الطلاقِ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [٢] وفي البقرةِ قال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [٢٨٢].
تعظيمُ فاحشةِ الزنى:
نزَلَتْ هذه الآية قبلَ آياتِ الحدودِ؛ تشنيعًا وتبشيعًا لفاحشةِ الزِّنى، وتهديدًا لفاعِلِها، ثمَّ بيَّنَ اللهُ حُكمَهُ وسبيلَهُ في سورةِ النورِ لمَّا أنزَلَ اللهُ حَدَّ الزنيةِ والزاني غيرِ المُحْصَنِ بالجَلْدِ والتغريب، والمُحصَنِ بالرَّجْمِ والجَلْدِ؛ كما في آيةِ: "الشيخُ والشيخةُ"، والأحاديثِ المتواترةِ في الرجمِ في "الصحيحَيْنِ"، وغيرِهما.
وفي الآيةِ: أنَّ العقوباتِ لا تُنزَلُ إلا بالبيِّناتِ كالشهود، ولو مِن الوليِّ؛ كالزوجِ على زوجتِه، والأبِ على ابنتِه، وإنزالُها بالتشهِّي والظنِّ محرَّمٌ.
وقولُه: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ هذا حُكْمٌ للنساءِ خاصَّةً في أولِ الأمرِ؛ لقوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾.
وقولُهُ: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ حُكْمُ الرجالِ والنساء، ثمَّ جعَلَ الله حُكْمَ الجميعِ كما في سورةِ النورِ.
وقال بعضُ السلفِ: "إنَّ الأَذَى للرجالِ فقطْ"؛ وهو قولُ مجاهدٍ (١).
стр. 763
والأظهَرُ: عمومُ ذلك للرجلِ والمرأةِ؛ وهو قولُ عطاءٍ وعِكْرِمةَ والحسنِ (١).
وقال ابنُ جريرٍ: إنَّ المرادَ بقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾، هما البِكْرَانِ (٢)، فالحبسُ حتى الموتِ على المُحصَنِينَ، والأذَى على غيرِ المُحصَنِ مِن الجنسَيْنِ.
وقد يصحُّ هذا القولُ لولا أنَّ الخِطابَ الأولَ خاصٌّ بالنِّساءِ: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ , والأصلُ أنَّ التذكيرَ يَغلِبُ التأنيثَ، لا العكسُ.
والأشهَرُ: أنَّ العقوبةَ كانتْ في أولِ الأمرِ للمُحصَنِ وغيرِ المُحصَنِ؛ ترهيبًا مِن هذا الفعلِ، وظاهِرُ الآيةِ: أنَّ اللهَ أرادَ الترهيبَ والتشديدَ؛ لِيَعْقُبَهُ التيسيرُ فتتقبَّلَهُ النفوسُ؛ لأنَّه يُناسِبُ العقوبةَ على بشاعةِ فاحِشةِ الزِّنى.
عقوبةُ الحَبْسِ:
وفي الآيةِ: دليلٌ على عقوبةِ الحبس، وهو السَّجْنُ، وهو قولُه: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾، وهكذا كانت عقوبةُ الحبسِ التعزيريَّةُ بعدَ ذلك بتعويقِ المُذنِبِ عن التصرُّفِ والسيرِ في الأرض، وعقوبةُ الحبسِ يُلجَأُ إليها ضرورةً، وليستْ عقوبةً اختياريَّةً؛ ولهذا نسَخَها اللهُ حتى في الفاحشةِ ولو في المُحصَن، وجعَلَ مكانَها الرَّجْمَ له، والجَلْدَ والتغريبَ لغيرِ المُحصنِ.
وليس السَّجْنُ كما يَفعَلُهُ بعضُ الظَّلَمَةِ والطُّغَاةِ اليوم بالحبسِ في أَذْرُعٍ ضيِّقةٍ لا تتَّسِعُ إلا للنائمِ، وربَّما القاعد، وهذه عقوبةٌ فوقَ الحبسِ لا تجوزُ بحالٍ.
стр. 764
وقولُه: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ إشارةٌ إلى الحُكْمِ المخفَّف، فسمَّاهُ سبيلًا، وهو الجَلْدُ والتغريبُ والرَّجْمُ؛ كما قاله ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه.
قال ابنُ عبَّاسٍ ﵁: "كان الحُكْمُ كذلك، حتى أنزَلَ اللهُ سورةَ النور، فنسَخَها بالجَلْدِ أو الرجمِ"، وكذا رُوِيَ عن عِكْرِمةَ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ والحسنِ وعطاءٍ الخراسانيِّ وأبي صالحٍ وقتادةَ وزيدِ بنِ أسلَمَ والضحَّاكِ: أنَّها منسوخةٌ، وهو أمرٌ متَّفقٌ عليه (١).
روى مسلمٌ، عن عُبَادَةَ بنِ الصامت، عن النبيِّ ﷺ ؛ قال: (خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ وَالرَّجْمُ) (٢).
وقولُه: تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ هو التوبيخُ واللَّوْمُ، وفي هذا أنَّ التوبيخَ واللومَ والتَّعْيِيرَ عقوبةٌ لا تَنزِلُ إلا على ذنبٍ؛ وكلَّما كان الذنبُ أشَدَّ، كان الأَذَى باللسانِ أشَدَّ.
وقال بعضُ السلفِ: "إنَّ الأذى في الآيةِ يدخُلُ فيه الضربُ باليدِ والنِّعالِ"؛ صحَّ ذلك عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ (٣).
تأديبُ فاعلِ الفاحشةِ:
وفيه: جواز إلحاقِ الأذى بفاعِلِ الفاحشةِ؛ فيؤدَّبُ باللسانِ واليدِ ممَّا لا يَصِلُ إلى الحدِّ؛ ردعًا له وتوبيخًا وتشنيعًا له على عملِه، ومَن عَلِمَ وتيقَّنَ بزِنى رجلٍ أو امرأةٍ، وغلَبَ على ظنِّه عدمُ إقامةِ السُّلْطانِ الحَدَّ عليهما لو رفَعَهما إليه، جاز له إلحاقُ الأذى بهما بالتوبيخِ واللومِ والضربِ باليدِ تأديبًا لهما.
стр. 765
توبةُ الزاني:
وفي الآيةِ: وجوبُ تركِ مَن تابَ، وصحَّتْ توبتُهُ بعدَ إقامةِ الحدِّ عليه؛ فلا يُعَيَّرُ ولا يُسَبُّ ولا يُوَبَّخُ ولا يُذكرُ بذنبِه؛ حتى لا يُلازِمَهُ فيَهزِمَهُ، وقد ثبَتَ فِي "الصحيحَيْنِ": (إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا) (١)؛ أيْ: ثمَّ لا يجوزُ أن يُعيِّرَها بما فعَلَتْ بعدَ الحدِّ الذي هو كفارةٌ لِما صنَعَتْ.
ومِثلُه: مَن ظهَرَتْ توبتُهُ ولو لم يُقَمْ عليه الحدُّ مِن قِبَلِ السُّلْطانِ، فليس للعامَّةِ تعييرُهُ وسَبُّهُ؛ لأنَّ الحَدَّ إلى السُّلْطان، والإعراضُ الذي في الآيةِ ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ خطابٌ للسُّلْطانِ وللعامَّةِ.
والتوبةُ لا تُسقِطُ الحَدَّ على مَن قامَتِ البيِّنة عليه عندَ السُّلْطانِ؛ وهذا قولُ الجمهورِ؛ كمالكٍ وأبي حنيفةَ والشافعي في آخِرِ قولَيْهِ.
وإذا تقادَمَ العهدُ بالذنبِ، وتَبِعَهُ صلاحٌ طويلٌ، وتربَّصَ أحدٌ بمصلِحٍ لأخذِهِ بسابقتِهِ البعيدةِ مِن الذنوب، فللحاكمِ أنْ يُسقِطَها عنه؛ لهذه الآية، ولا يصحُّ إسقاطُ الحدودِ بكلِّ دعوَى توبةٍ وصلاحٍ؛ فهذا يُعطِّلُ الشريعةَ، ويُكثِرُ مِن النِّفاقِ والفِسْقِ والكذبِ.
* * *
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].
بعدَما ذكَرَ اللهُ المواريثَ على وجهٍ مشروعٍ، نَبَّهَ على الممنوعِ منها
стр. 766
بالإكراهِ والتحايُلِ والإضرارِ؛ وذلك أنَّهم كانوا يَستعجلونَ مَنِيَّةَ المرأةِ، وربَّما تسبَّبُوا في ذلك أو أحَبُّوهُ، وكانوا يَحبِسُونَ النساءَ؛ ليتسبَّبَ في موتِهنَّ فيَرِثُوهنَّ، ثمَّ استثنَى مَن تأتي بفاحشةٍ - وهي الزِّنى - مِن العَضْلِ والحبسِ.
واختُلِفَ في نسخِ هذه الآيةِ:
فجعَلَ عطاءٌ - وتَبِعَهُ الشافعيُّ - هذه الآيةَ تابعةً للآيتَيْنِ السابقتَيْنِ في حُكْمِ مَن زنى وحَبْسِهِ حتى الموتِ، فنُسِخَتْ معها بآياتِ الحدودِ في النورِ.
وقال آخَرُونَ: إنَّ الآيةَ مُحكَمَةٌ؛ فقد صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ في البخاريِّ: أنَّ أولياءَ المرأةِ بعدَ موتِ زوجِها في الجاهليَّة، كانوا أحَقَّ بها حتى مِن نفسها؛ إنْ شاؤُوا تزوَّجُوها, وإنْ شاؤُوا زوَّجُوها غيرَهم أو عَضَلُوها؛ فأعلَمَ اللهُ أنَّ ذلك حرامٌ (١).
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ دليلٌ على الخُلْعِ وإباحِتهِ؛ لأنَّ اللهَ حرَّمَهُ مع العَضْل، وهو جائزٌ بغيرِهِ بالاتِّفاقِ.
جهاتُ النشوزِ:
وللنُّشوزِ بينَ الزوجَيْنِ ثلاثُ جهاتٍ:
الجهة الأُولى: نشوزُ الزوجةِ وحدَها مِن غيرِ تقصيرٍ مِن زوجِها؛ فيجوزُ للزوجِ أنْ يُخالِعَها، وتَفتدِيَ نفسَها بمالِها؛ وذلك حتى لا يُتَّخَذَ نشوزُ النساءِ بابًا للإضرارِ بالأزواجِ في أموالِهم.
الجهةُ الثانيةُ: نشوزُ الزوجِ وحدَهُ مِن غيرِ تقصيرٍ مِن الزوجةِ في
стр. 767
حقِّه؛ فلا يجوزُ للزوجِ أنْ يأخُذَ مِن مالِها شيئًا، ولا أنْ يَعْضُلَها لِتَفتدِيَ نفسَها بمالِها دفعًا لعَضْلِهِ وضررِهِ لها؛ وهذا لا خلافَ فيه إلا في قولٍ غيرِ معتبَرٍ.
الجهة الثالثةُ: نشوزُ الزوجَينِ بعضِهما عن بعضٍ، فلا يَرْغَبانِ في البقاءِ بعضِهما مع بعضٍ؛ لانصرافِ النفسِ عن المودَّةِ والأُلْفة، مع حِرْصِهما على الإصلاحِ وبَذْلِ الحقوقِ، فيجوزُ للزوجِ مخالَعَةُ امرأتِهِ بمالٍ مِن غيرِ عَضْلِها لِتَفتدِيَ نفسَها؛ لأنَّ العضلَ إضرارٌ بالزوجة، وأمَّا المالُ فيجوزُ أَخْذُهُ؛ لأنَّ الزوجةَ نَشَزَتْ عنه، فربَّما لو كانتْ راضيةً به تُرِيدُ البقاءَ معه، لَخَفَّ نُشُوزُهُ ونُفُورُهُ منها، وقد أباحَ اللهُ للزوجَينِ الخُلْعَ عندَ الخوفِ مِن عدم إقامةِ حدودِ اللهِ لتنافُرِ نفسَيْهما عن الأُلْفةِ والمودَّةِ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
أخذُ الزوجِ من مهرِ زوجتِهِ:
والأصلُ: أنَّه لا يَحِلُّ للزوج أنْ يأخذَ مِن مهرِ زوجتِهِ شيئًا إلا بطِيبِ نَفْسِها ولو لم يُرِدْ طلاقَها؛ لأنَّه حقٌّ لها، وربَّما ظَنَّتْ أنَّ بقاءَ زوجِها معها وحُبَّهُ لها مرهونٌ بإعطائِه مِن مالِها ومهرِها، فتُعطِيهِ بنفسٍ غيرِ طيِّبةٍ؛ لِيُبقِيَها في عِصْمَتِه، فحَرَّمَ اللهُ ذلك؛ على ما تقدَّمَ في أولِ السورةِ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ [النساء: ٤].
حكمُ الخُلْعِ بقصدِ أخْذِ المالِ:
وفي آيةِ البابِ: نهيٌ عن مخالَعَةِ المرأةِ على وجهِ الإضرارِ بها وأَخْذِ مالِها، ولا خلافَ عندَ العلماءِ: أنَّ مَن خالَعَ امرأتَهُ؛ لِيُضِرَّ بها، ويأخُذَ مالَها: أنَّه عاصٍ وآخِذٌ للمالِ بغيرِ حقِّه، ولا يَحِلُّ له؛ بل تجبُ إعادتُه لها.
стр. 768
وقال بعضُ أهلِ الرأي: بصحَّةِ الخُلْعِ مع الإثمِ؛ وهذا قولٌ يُخالِفُ ما عليه السلفُ وظواهرَ الأدلَّةِ؛ كهذه الآية، وحديثِ امرأةِ ثابتٍ.
ونُقِلَ عن مالكٍ جوازُهُ إذا رَضِيَتْ ولو كان النشوزُ مِن قِبَلِ الزوجِ، ويَحِلُّ له ما أخَذَهُ مِن مالِها.
وأمَّا لو رضِيَتِ المرأةُ، وأعطَتْ زوجَها المالَ بلا شرطٍ منه، وهو يُرِيدُ طلاقَها بلا مقابلٍ، ولم يظهَرْ منه ما يُضِرُّ بها ويُلْجِئُها إلى مُخالعتِه، فأرادَت أنْ تكونَ حَسَنَةَ العهدِ، ولها اليدُ عليه، صحَّ وجازَ؛ لأنَّ اللهَ نَهَى عن الإضرار، وهذا ليس بإضرارٍ.
أخذُ مهرِ مَنْ فعَلَتِ الفاحشةَ:
وأباحَ اللهُ أخْذَ المهرِ منهنَّ إذا أَتَيْنَ بفاحشةٍ، والفاحشةُ هنا: كلُّ ما فَحُشَ مِن القولِ؛ مِن البذاءةِ واللعنِ والقذفِ والسَّبِّ والتعيِيرِ؛ وبهذا قال عامَّةُ السلفِ مِن المفسِّرينَ؛ فالفاحشةُ في هذا الموضِعِ غيرُ الفاحشةِ في الآياتِ السابقةِ؛ فهي هناك يُرادُ بها الزِّنى، وهذه قرينةٌ على أنَّ الآيةَ مُحكَمةٌ لا منسوخةٌ؛ كما يقولُه عطاءٌ والشافعيُّ؛ فعامَّةُ المفسِّرينَ مِن السلفِ على أنَّ الفاحشةَ في هذه الآيةِ: بذاءةُ اللسان، وقد قال ذلك ابنُ عبَّاسٍ وابن مسعودٍ والضحَّاكُ وقتادةُ.
وخالَفَ أبو قِلَابَةَ، فقال: إنَّ الفاحشةَ في هذا الموضِعِ هي الزِّنى، ورُوِيَ نحوُه عن ابنِ سِيرِينَ.
وهذا القولُ فيه نظرٌ؛ فالزِّنى أعْلى الفاحشة، ولكنَّ الفاحشةَ هي الزيادةُ؛ أيْ: كلُّ ما خرَجَ عن المباحِ مِن الأقوالِ والأفعال، وعندَ العربِ الفواحشُ: القبائحُ، ففي "الصحيح"؛ قال النبيُّ ﷺ لعائشةَ: (عَلَيْكِ بِالرِّفْق، وَإِيَّاكِ وَالعُنْفَ وَالفُحْشَ) (١)، وفي "الصحيحينِ"؛ مِن حديثِ
стр. 769
عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو: "لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ فَاحِشًا وَلَا مُتفَحِّشًا" (١)، وفي "السُّنَنِ": (إِنَّ اللهَ لَيُبغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ) (٢).
ومَن وجَدَ مِن امرأتِهِ فُحْشًا وبذاءةً في القول، جازَ له أنْ يُضَارَّها؛ حتى تَختلِعَ وتَفتدِيَ نفسَها بمالِها، وأمَّا الزِّنى، فجعَلَ اللهُ للزوجِ اللِّعانَ إنْ شاء، أو الطلاقَ بلا لِعانٍ لو أراد، خلافًا لأبي قلابةَ في قولِه: "إنَّ للزوجِ الإضرارَ مع فاحشةِ الزِّنى لِتفتديَ نفسَها".
وقولُه: تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قيَّدَ الفاحشةَ بالبيِّنةِ؛ إشارةً إلى حُرْمةِ الأخذِ بالشكِّ والرِّيبة وسُوءِ الظنِّ؛ فإنَّ ذلك مِن المحرَّمات، ولا يجوزُ أخذُ المالِ إلا ببيِّنةٍ؛ لأنَّ مهرَها حقٌّ لها؛ فلا يجوزُ أخذُه بغيرِ حقٍّ وبيِّنةٍ.
* * *
قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢٠ - ٢١].
الأصلُ في الطلاقِ: المشروعيَّة بالاتِّفاق، وفي الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ الأصلَ فيه الإباحةُ، وقد يخرُجُ عنها بحسَبِ عوارضِهِ وأحوالِهِ وآثارِه؛ وهذا على قولِ أكثَرِ العلماء، خلافًا لأبي حنيفةَ، فهو يرَى أنَّ الأصلَ فيه الحظرُ مع استقامةِ الحال، وقد يُباحُ ويُكرَهُ بل ويجبُ؛ وهذا القولُ الثاني روايةٌ عن أحمدَ.
стр. 770
ثمَّ بيَّنَ اللهُ عِصْمةَ مالِ الزوجةِ ومهرِها، وأنَّه لا يجوزُ أَخْذُهُ لمجرَّدِ مُفارقتِها؛ لِيَنْكِحَ الرجلُ زوجةً أُخرى بمهرِها، وقولُه: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾؛ يعني: ولو كان مهرُها كثيرًا كقِنْطارِ الذهبِ، فلا يجوزُ أخذُ شيءٍ منه ولو قَلَّ، وبيَّنَ أنَّ أَخْذَهُ كبيرةٌ: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، وقال: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾، وهذانِ استفهامانِ استنكاريَّانِ.
وقولُه: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾؛ أيْ: تَبَادَلْتُما الحقوقَ والنفعَ والإحسانَ بالعِشْرةِ والجِمَاعِ؛ كما قاله ابنُ عبَّاسٍ (١).
وقولُه: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾؛ يعني: عقدَ النِّكَاحٍ والمهرَ معه باستحلالِ فَرْجِها به: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]؛ فما تَملَّكْنَهُ لا يُؤخَذُ منهنَّ بغيرِ حقٍّ.
حكمُ الخُلْعِ قبل الدخولِ:
وقد أخَذَ بعضُ العلماء مِن مفهومِ خِطابِ الآيةِ: جوارَ المخالَعةِ قبلَ إفضاءِ الزوجَيْنِ بعضِهما إلى بعضٍ، وقبلَ الدخولِ؛ وبهذا قال الشافعيُّ.
وذهَبَ مالكٌ وأبو حنيفةَ: إلى أنَّ الخُلْعَ قلَ الخَلْوَةِ بالزوجةِ جائزٌ؛ لمفهومِ الآيةِ، ولو لم تأتِ الزوجةُ بفاحشةٍ مبيِّنةٍ؛ لعدمِ الإفضاءِ بينَهما والمعاشرةِ التي قُيِّدَ تحريمُ أخذِ المالِ لأجلِه.
والأظهَرُ: أنَّ الآيةَ عامَّةٌ، والتعليلَ بالإفضاءِ للغالبِ مِن حالِ الزوجَيْنِ: أنَّهما يتفارَقانِ بعدَ الدخُولِ لا قَبْلَه، وللتنفيرِ ممِّا يُستقبَحُ أنْ يُؤخَذَ المهرُ بعدَ ما كان بينَهما مِن عِشْرةٍ وإفضاءٍ؛ فالنهيُ في الآيةِ عامٌّ، والتعليلُ للعمومِ لا للتقييد، وكذلك لعمومِ آيةِ البقرةِ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ
стр. 771
تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
* * *
قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢].
نزَلَتِ الآيةُ لتساهُلِ أهلِ الجاهليَّةِ في نكاحِ زوجاتِ آبائِهم؛ فقد روى ابنُ أبي حاتم وغيرُه، عن عديِّ بنِ ثابتٍ، عن رجلٍ مِن الأنصارِ؛ قال: لمَّا تُوُفِّيَ أبَو قيسٍ - يعني: ابنَ الأَسْلَتِ - وكان مِن صالِحي الأنصار، فخطَبَ ابنُهُ قيسٌ امرأتَهُ، فقالتْ: إنَّما أَعُدُّكَ ولدًا! وأنتَ مِن صالِحِي قومِكَ، ولكنْ آتِي رسولَ اللهِ ﷺ ، فأَسْتَأْمِرُهُ، فأتَتْ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقالتْ: إنَّ أبا قيسٍ تُوفِّيَ، فقال خيرًا، ثمَّ قالتْ: إنَّ ابنَهُ قَيْسًا خَطَبَنِي، وهو مِن صالِحِي قَوْمِه، وإنَّما كنتُ أَعُدُّهُ ولدًا، فما تَرَى؟ فقال لها: (ارْجِعِي إِلَى بَيْتِكِ)، فنزَلَتِ الآيةُ بالتحريمِ (١).
وبنحوِه رواهُ ابنُ جُرَيجٍ، عن عِكْرِمةَ، مُرْسَلًا؛ رواهُ ابنُ جريرٍ (٢).
وقد ذَكَرَ اللهُ المواريثَ، ثمَّ أَعْقَبَهَا بذِكْرِ المحرَّماتِ مِن النِّساءِ؛ لمعرفةِ حقوقِ القَرَابَاتِ وفَضْلِهم في الحياةِ وبعدَ المماتِ، وقدَّمَ في المحرَّماتِ نِكاحَ زوجاتِ الآباءِ على غيرِهنَّ؛ لأنَّه ممَّا يَتساهَلُ به أهلُ الجاهليَّة، وقد كان أهلُ الجاهليَّةِ يحرِّمُونَ ما حَرَّمَة اللهُ مِن النِّكاحِ إلا نكاحَ زَوْجاتِ الآباءِ والجَمْعَ بينَ الأُختَيْنِ؛ كما قاله ابنُ عبَّاسٍ (٣).
стр. 772
أولوَيَّاتُ الإصلاحِ:
ومِن الحِكمةِ: تقديمُ ما يفرِّطُ فيه الناسُ ويُضيِّعُونَهُ مِن أحكامِ اللهِ ولو كان مفضولًا، على ما يَحفَظُونَهُ وَيَعْمَلُونَ به ولو كان فاضلًا، مع عدمِ إهمالِ المحفوظِ؛ حتى لا يُنسى، وهكذا يَنزِلُ الوحيُ، وهذا مِن الحِكْمةِ التي يجبُ أنْ يَسلُكَها العالِمُ في إصلاحِه، فيَنظُرُ إلى جهتَيْنِ:
الأُولى: أنْ ينظُرَ إلى مواضِعِ بُعْدِ الناسِ عن الحقِّ وقُرْبِهم منه، فيُقرِّبَ البعيدَ حتى لا يُفرِّطَ، ويَحفَظَ القريبَ حتى يَثبُتَ فلا يَغْلُوَ.
الثانيةُ: أنْ ينظُرَ إلى منازِلِ الأحكامِ مِن الشريعةِ ومراتِبِها منها؛ حتى لا يُصلِحَ بالتشهِّي، أو بما يُحِبُّهُ الناسُ، فيَترُكَ المنهيَّاتِ التي يُحِبُّها الناسُ إلى المنهيَّاتِ التي لا يُحِبُّونَها، فيَظُنَّ أنَّه حَفِظَ الشريعةَ بانشغالِه بما هو محفوظٌ مِن غيرِه، ويَتْرُكَ المُهْمَلَ المُضَيَّعَ مِن حدودِ اللهِ تهيبًا للناسِ.
ولا شكَّ أنَّ نِكاحَ الأمِّ والأختِ والبنتِ أعظَمُ عندَ اللهِ مِن نِكاحِ زوجةِ الأبِ، ولكنَّ تحريمَ نكاحِ الأمِّ والأختِ والبنتِ معظَّمٌ في الجاهليَّةِ، ويَسْتَحِلُّونَ نِكاحَ زوجةِ الأبِ؛ فقدَّمَ تحريمَ نكاحِ زوجةِ الأبِ على غيرِه.
العقدُ على زَوْجة الأبِ:
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾، المرادُ بالنِّكاحِ هنا العَقْدُ، فيحرُمُ العقدُ على زوجةِ الأبِ ولو لم تُوطَأُ، وهذا ظاهرُ الآيةِ؛ لأنَّ الآيةَ وما بعدَها لبيانِ المحرَّماتِ نكاحًا لا سفاحًا؛ فالآيةُ في سباقِ بيانِ العقودِ؛ فاللهُ لمَّا أطلَقَ في أوَّلِ السورةِ حِلَّ النِّكاحِ مِن النِّساء، وقيَّدَ ذلك بالعدَدِ في قولِه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، احتاجَ إلى التقييدِ بالوصفِ مع العددِ؛ حتى لا يُفهَمَ الحِلُّ
стр. 773
على إطلاقِه، والآيةُ مِن أولِ السورةِ لبيانِ ما يَحِلُّ وَيحرُمُ مِن نِكاحِ النِّساءِ والعقدِ عليهنَّ, وهذا يظهَرُ في مواضِعَ مِن هذه الآياتِ:
الأولُ: قولُه تعالى في أولِ السورِة: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وقولُه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾، والنكاحُ إذا أُطلِقَ في الشريعةِ فيُرادُ به العقدُ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فلا يقعُ الطلاقُ إلا بعدَ عقدٍ.
والنِّكاحُ إذا أُطلِقَ في القرآنِ؛ كقولِهِ: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]؛ يعني: زوِّجُوهم، وقولِهِ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]؛ يعني: لا تتزوَّجُوهُنَّ، فذكَرَ القيدَ (الإيمانَ)، وزِنى المُشرِكةِ والمؤمِنةِ محرَّمٌ لا فرقَ بينَهما، إلا أنَّ المؤمنةَ أشَدُّ إحصانًا وعِرْضًا وعِفَّةً، فهي أشَدُّ تحريمًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ يعني: تتزوَّج بل ويَدخُلُ عليها.
ومنه قولُه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، يعني: تزوَّجُوا.
الثاني: أنَّ اللهَ ذكَرَ المحرَّماتِ بعدَ ذلك؛ فقال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وهذا تحريمٌ للزَّواجِ منهنَّ والعقدِ عليهنَّ.
فالزِّنى لا تقولُ العربُ حتى في الجاهليَّةِ بحِلِّه بِهِنَّ، فالآياتُ في سباقِ تحريمِ النِّكاح، لا وطءِ الزِّنى.
الثالث: أنَّ اللهَ قال في المحرَّماتِ بعدَ ذلك: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وَصَفَهُنَّ بالحلائلِ؛ يعني: ما أحَلَّهُ اللهُ لهم، ولا تَحِلُّ المرأةُ إلا بعقدٍ صحيحٍ.
стр. 774
الرابعُ: أنَّ اللهَ ذكَرَ محرَّماتٍ وقيَّدَ التحريمَ بأوصافٍ، منها إذا تزوَّجَها الأبُ، ومنها الرَّضَاعُ, ومنها جمعُ الأُختَيْن، وهذه الأوصافُ لا تُغَيِّرُ حكْمَ الزِّنى قَبلَ وُجودِهِنَّ في المرأةِ وبَعْدَه، فالزِّنى حرامٌ، كان ذلك قبلَ الرَّضاع أو بعدَه، وبَعْدَهُ أشَدُّ، والزِّنى حرامٌ قبلَ نِكاحِ الأبِ أو بعدَه، وبعدَه أشَدُّ، والزِّنى بأُختِ الزوجةِ حرامٌ قبلَ العقدِ على الزوجةِ أو بعدَه، وبعدَه أشَدُّ.
والقولُ بأنَّ النِّكاحَ في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ هو العقدُ: هو قولُ عامَّةِ السلفِ وجمهورِ الفقهاءِ.
خلافًا لأبي حنيفةَ وقولٍ لمالكٍ، ولازمُ قولِ أبي حنيفةَ: أنَّ مَن زَنَى بامرأةٍ حَرُمَ على ابنِهِ الزواجُ منها؛ لأنَّ النِّكاحَ في اللُّغةِ الضمُّ والجمعُ، وهو شاملٌ لهذا المعنَى.
ويدُلُّ على خطأِ هذا القولِ: أنَّ مَن عَقَدَ على امرأةٍ، ولم يَدخُلْ بها، لا يَحرُمُ على ابنِه الزواجُ منها؛ وهذا مخالفٌ للإجماع، وقد روى عليُّ بنُ أبي طلحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: "كُلُّ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا أَبُوكَ أَوِ ابْنُكَ، دَخَلَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فَهِيَ عَلَيْكَ حَرَامٌ"؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ (١).
ويدُلُّ على أنَّ التحريمَ مُتعلِّقٌ بالعقد، لا بالدخُولِ: أنَّ اللهَ حرَّمَ على البناتِ نِكاحَ أزواجِ أمَّهاتِهنَّ، وحرَّمَ على الأبناءِ نِكاحَ زوجاتِ آبائِهم، وقال في تحريم البناتِ على أزواجِ الأمَّهاتِ: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، فقيَّدَ التحريمَ بالدخولِ بأمهاتِهنَّ، وأطلَقَ التحريمَ في زوجاتِ الآباءِ بلا تقييدٍ، ولو كان مقيَّدًا بالدخول، لَقيَّدَهُ في حُرْمةِ زوجاتِ الآباءِ على الأبناء، كما قيَّدَهُ في حُرْمةِ أزواجِ الأمَّهاتِ على البناتِ.
стр. 775
وكذلك: فإنَّ الشريعةَ لا تُحِيلُ وَصْفَ المحرَّمِ إلى ما يَشُقُّ معرفتُه، فأنَّى للأبناءِ أنْ يَعرِفُوا فواحشَ الآباءِ؟ ! ولو زَنَى الرجلُ بامرأةٍ ولم يَعلَمْ به أحَدٌ، لم يَحِلَّ له أنْ يُخبِرَ ابنَهُ بزِناهُ إذا رغِبَ في نكاحِها؛ وإنَّما له أنْ يَمْنَعَهُ ويَنهَاهُ عنها، لا أنْ يُخبِرَهُ بزِناهُ؛ لأنَّ هذا هتكٌ لسِترِه وسِترِها، وإشاعةٌ للفاحشةِ.
وقولُه تعالى: ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ يحرُمُ نكاحُ زوجةِ الأبِ وإنْ علا؛ كالجَدِّ مِن جميعِ جهاتِه؛ مِن الأمِّ والأب، ويحرُمُ ذلك على الأبناءِ وإنْ نزَلُوا، ولو كانوا أبناءَ البنتِ.
نكاحُ الابنِ مولاةَ أبيهِ:
ويحرُمُ على الابنِ وطءُ الموطوءةِ مِن أبيهِ بمِلْكِ يمينٍ؛ لأنَّه نكاحٌ مشروعٌ أَشْبَهَ النكاحَ بعقدٍ، وهذا وطءٌ عقدِ المِلكِ.
وما يَملِكهُ الأبُ مِن الإماءِ إذا لم يَرَ الأبُ منها ما يحرُمُ عليه لو كان أجنبيًّا، جاز للابنِ الزواجُ بها، وأمَّا إذا رَأَى منها ما لا يراهُ إلا الزوجُ أو باشرَها مِن غيرِ جِماعٍ، فقد اختُلِفَ في تحريمِها على ابنِه، والصوابُ التحريمُ؛ وبه قال أَحمدُ، ورَوى ابنُ عساكرَ، عن خَدِيجٍ الخَصِيِّ مَوْلَى معاويةَ، عن معاويةَ؛ أنَّه أخَذَ بالمنعِ (١).
وقولُه: تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ عفوٌ عمَّا مَضَى مِن الأفعالِ المُخالِفةِ لأمرِ الله، لا أنَّ اللهَ أحَلَّ لهم أنْ يُبْقُوا على نكاحِ نساءِ آبائِهم ممَّا سبَقَ نزولَ الوحيِ؛ فإنَّ اللهَ ذكَرَ في المحرَّماتِ مِن النساء، ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢ و ٢٣] في موضعَيْنِ؛ الأولُ: في زوجاتِ الآباء، والثاني: في الجمعِ بينَ الأُختَيْن، وهذا لأنَّهم في الجاهليَّةِ لم يَسْلفْ منهم نكاحُ غيرِ هاتَيْنِ مِن المحرَّمات، فهم يُعظِّمونَ المُحرَّماتِ التي