تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
* * *
قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢].
نزَلَتِ الآيةُ لتساهُلِ أهلِ الجاهليَّةِ في نكاحِ زوجاتِ آبائِهم؛ فقد روى ابنُ أبي حاتم وغيرُه، عن عديِّ بنِ ثابتٍ، عن رجلٍ مِن الأنصارِ؛ قال: لمَّا تُوُفِّيَ أبَو قيسٍ - يعني: ابنَ الأَسْلَتِ - وكان مِن صالِحي الأنصار، فخطَبَ ابنُهُ قيسٌ امرأتَهُ، فقالتْ: إنَّما أَعُدُّكَ ولدًا! وأنتَ مِن صالِحِي قومِكَ، ولكنْ آتِي رسولَ اللهِ ﷺ ، فأَسْتَأْمِرُهُ، فأتَتْ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقالتْ: إنَّ أبا قيسٍ تُوفِّيَ، فقال خيرًا، ثمَّ قالتْ: إنَّ ابنَهُ قَيْسًا خَطَبَنِي، وهو مِن صالِحِي قَوْمِه، وإنَّما كنتُ أَعُدُّهُ ولدًا، فما تَرَى؟ فقال لها: (ارْجِعِي إِلَى بَيْتِكِ)، فنزَلَتِ الآيةُ بالتحريمِ (١).
وبنحوِه رواهُ ابنُ جُرَيجٍ، عن عِكْرِمةَ، مُرْسَلًا؛ رواهُ ابنُ جريرٍ (٢).
وقد ذَكَرَ اللهُ المواريثَ، ثمَّ أَعْقَبَهَا بذِكْرِ المحرَّماتِ مِن النِّساءِ؛ لمعرفةِ حقوقِ القَرَابَاتِ وفَضْلِهم في الحياةِ وبعدَ المماتِ، وقدَّمَ في المحرَّماتِ نِكاحَ زوجاتِ الآباءِ على غيرِهنَّ؛ لأنَّه ممَّا يَتساهَلُ به أهلُ الجاهليَّة، وقد كان أهلُ الجاهليَّةِ يحرِّمُونَ ما حَرَّمَة اللهُ مِن النِّكاحِ إلا نكاحَ زَوْجاتِ الآباءِ والجَمْعَ بينَ الأُختَيْنِ؛ كما قاله ابنُ عبَّاسٍ (٣).
стр. 772
أولوَيَّاتُ الإصلاحِ:
ومِن الحِكمةِ: تقديمُ ما يفرِّطُ فيه الناسُ ويُضيِّعُونَهُ مِن أحكامِ اللهِ ولو كان مفضولًا، على ما يَحفَظُونَهُ وَيَعْمَلُونَ به ولو كان فاضلًا، مع عدمِ إهمالِ المحفوظِ؛ حتى لا يُنسى، وهكذا يَنزِلُ الوحيُ، وهذا مِن الحِكْمةِ التي يجبُ أنْ يَسلُكَها العالِمُ في إصلاحِه، فيَنظُرُ إلى جهتَيْنِ:
الأُولى: أنْ ينظُرَ إلى مواضِعِ بُعْدِ الناسِ عن الحقِّ وقُرْبِهم منه، فيُقرِّبَ البعيدَ حتى لا يُفرِّطَ، ويَحفَظَ القريبَ حتى يَثبُتَ فلا يَغْلُوَ.
الثانيةُ: أنْ ينظُرَ إلى منازِلِ الأحكامِ مِن الشريعةِ ومراتِبِها منها؛ حتى لا يُصلِحَ بالتشهِّي، أو بما يُحِبُّهُ الناسُ، فيَترُكَ المنهيَّاتِ التي يُحِبُّها الناسُ إلى المنهيَّاتِ التي لا يُحِبُّونَها، فيَظُنَّ أنَّه حَفِظَ الشريعةَ بانشغالِه بما هو محفوظٌ مِن غيرِه، ويَتْرُكَ المُهْمَلَ المُضَيَّعَ مِن حدودِ اللهِ تهيبًا للناسِ.
ولا شكَّ أنَّ نِكاحَ الأمِّ والأختِ والبنتِ أعظَمُ عندَ اللهِ مِن نِكاحِ زوجةِ الأبِ، ولكنَّ تحريمَ نكاحِ الأمِّ والأختِ والبنتِ معظَّمٌ في الجاهليَّةِ، ويَسْتَحِلُّونَ نِكاحَ زوجةِ الأبِ؛ فقدَّمَ تحريمَ نكاحِ زوجةِ الأبِ على غيرِه.
العقدُ على زَوْجة الأبِ:
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾، المرادُ بالنِّكاحِ هنا العَقْدُ، فيحرُمُ العقدُ على زوجةِ الأبِ ولو لم تُوطَأُ، وهذا ظاهرُ الآيةِ؛ لأنَّ الآيةَ وما بعدَها لبيانِ المحرَّماتِ نكاحًا لا سفاحًا؛ فالآيةُ في سباقِ بيانِ العقودِ؛ فاللهُ لمَّا أطلَقَ في أوَّلِ السورةِ حِلَّ النِّكاحِ مِن النِّساء، وقيَّدَ ذلك بالعدَدِ في قولِه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، احتاجَ إلى التقييدِ بالوصفِ مع العددِ؛ حتى لا يُفهَمَ الحِلُّ
стр. 773
على إطلاقِه، والآيةُ مِن أولِ السورةِ لبيانِ ما يَحِلُّ وَيحرُمُ مِن نِكاحِ النِّساءِ والعقدِ عليهنَّ, وهذا يظهَرُ في مواضِعَ مِن هذه الآياتِ:
الأولُ: قولُه تعالى في أولِ السورِة: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وقولُه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾، والنكاحُ إذا أُطلِقَ في الشريعةِ فيُرادُ به العقدُ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فلا يقعُ الطلاقُ إلا بعدَ عقدٍ.
والنِّكاحُ إذا أُطلِقَ في القرآنِ؛ كقولِهِ: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]؛ يعني: زوِّجُوهم، وقولِهِ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]؛ يعني: لا تتزوَّجُوهُنَّ، فذكَرَ القيدَ (الإيمانَ)، وزِنى المُشرِكةِ والمؤمِنةِ محرَّمٌ لا فرقَ بينَهما، إلا أنَّ المؤمنةَ أشَدُّ إحصانًا وعِرْضًا وعِفَّةً، فهي أشَدُّ تحريمًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ يعني: تتزوَّج بل ويَدخُلُ عليها.
ومنه قولُه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، يعني: تزوَّجُوا.
الثاني: أنَّ اللهَ ذكَرَ المحرَّماتِ بعدَ ذلك؛ فقال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وهذا تحريمٌ للزَّواجِ منهنَّ والعقدِ عليهنَّ.
فالزِّنى لا تقولُ العربُ حتى في الجاهليَّةِ بحِلِّه بِهِنَّ، فالآياتُ في سباقِ تحريمِ النِّكاح، لا وطءِ الزِّنى.
الثالث: أنَّ اللهَ قال في المحرَّماتِ بعدَ ذلك: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وَصَفَهُنَّ بالحلائلِ؛ يعني: ما أحَلَّهُ اللهُ لهم، ولا تَحِلُّ المرأةُ إلا بعقدٍ صحيحٍ.
стр. 774
الرابعُ: أنَّ اللهَ ذكَرَ محرَّماتٍ وقيَّدَ التحريمَ بأوصافٍ، منها إذا تزوَّجَها الأبُ، ومنها الرَّضَاعُ, ومنها جمعُ الأُختَيْن، وهذه الأوصافُ لا تُغَيِّرُ حكْمَ الزِّنى قَبلَ وُجودِهِنَّ في المرأةِ وبَعْدَه، فالزِّنى حرامٌ، كان ذلك قبلَ الرَّضاع أو بعدَه، وبَعْدَهُ أشَدُّ، والزِّنى حرامٌ قبلَ نِكاحِ الأبِ أو بعدَه، وبعدَه أشَدُّ، والزِّنى بأُختِ الزوجةِ حرامٌ قبلَ العقدِ على الزوجةِ أو بعدَه، وبعدَه أشَدُّ.
والقولُ بأنَّ النِّكاحَ في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ هو العقدُ: هو قولُ عامَّةِ السلفِ وجمهورِ الفقهاءِ.
خلافًا لأبي حنيفةَ وقولٍ لمالكٍ، ولازمُ قولِ أبي حنيفةَ: أنَّ مَن زَنَى بامرأةٍ حَرُمَ على ابنِهِ الزواجُ منها؛ لأنَّ النِّكاحَ في اللُّغةِ الضمُّ والجمعُ، وهو شاملٌ لهذا المعنَى.
ويدُلُّ على خطأِ هذا القولِ: أنَّ مَن عَقَدَ على امرأةٍ، ولم يَدخُلْ بها، لا يَحرُمُ على ابنِه الزواجُ منها؛ وهذا مخالفٌ للإجماع، وقد روى عليُّ بنُ أبي طلحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: "كُلُّ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا أَبُوكَ أَوِ ابْنُكَ، دَخَلَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فَهِيَ عَلَيْكَ حَرَامٌ"؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ (١).
ويدُلُّ على أنَّ التحريمَ مُتعلِّقٌ بالعقد، لا بالدخُولِ: أنَّ اللهَ حرَّمَ على البناتِ نِكاحَ أزواجِ أمَّهاتِهنَّ، وحرَّمَ على الأبناءِ نِكاحَ زوجاتِ آبائِهم، وقال في تحريم البناتِ على أزواجِ الأمَّهاتِ: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، فقيَّدَ التحريمَ بالدخولِ بأمهاتِهنَّ، وأطلَقَ التحريمَ في زوجاتِ الآباءِ بلا تقييدٍ، ولو كان مقيَّدًا بالدخول، لَقيَّدَهُ في حُرْمةِ زوجاتِ الآباءِ على الأبناء، كما قيَّدَهُ في حُرْمةِ أزواجِ الأمَّهاتِ على البناتِ.
стр. 775
وكذلك: فإنَّ الشريعةَ لا تُحِيلُ وَصْفَ المحرَّمِ إلى ما يَشُقُّ معرفتُه، فأنَّى للأبناءِ أنْ يَعرِفُوا فواحشَ الآباءِ؟ ! ولو زَنَى الرجلُ بامرأةٍ ولم يَعلَمْ به أحَدٌ، لم يَحِلَّ له أنْ يُخبِرَ ابنَهُ بزِناهُ إذا رغِبَ في نكاحِها؛ وإنَّما له أنْ يَمْنَعَهُ ويَنهَاهُ عنها، لا أنْ يُخبِرَهُ بزِناهُ؛ لأنَّ هذا هتكٌ لسِترِه وسِترِها، وإشاعةٌ للفاحشةِ.
وقولُه تعالى: ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ يحرُمُ نكاحُ زوجةِ الأبِ وإنْ علا؛ كالجَدِّ مِن جميعِ جهاتِه؛ مِن الأمِّ والأب، ويحرُمُ ذلك على الأبناءِ وإنْ نزَلُوا، ولو كانوا أبناءَ البنتِ.
نكاحُ الابنِ مولاةَ أبيهِ:
ويحرُمُ على الابنِ وطءُ الموطوءةِ مِن أبيهِ بمِلْكِ يمينٍ؛ لأنَّه نكاحٌ مشروعٌ أَشْبَهَ النكاحَ بعقدٍ، وهذا وطءٌ عقدِ المِلكِ.
وما يَملِكهُ الأبُ مِن الإماءِ إذا لم يَرَ الأبُ منها ما يحرُمُ عليه لو كان أجنبيًّا، جاز للابنِ الزواجُ بها، وأمَّا إذا رَأَى منها ما لا يراهُ إلا الزوجُ أو باشرَها مِن غيرِ جِماعٍ، فقد اختُلِفَ في تحريمِها على ابنِه، والصوابُ التحريمُ؛ وبه قال أَحمدُ، ورَوى ابنُ عساكرَ، عن خَدِيجٍ الخَصِيِّ مَوْلَى معاويةَ، عن معاويةَ؛ أنَّه أخَذَ بالمنعِ (١).
وقولُه: تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ عفوٌ عمَّا مَضَى مِن الأفعالِ المُخالِفةِ لأمرِ الله، لا أنَّ اللهَ أحَلَّ لهم أنْ يُبْقُوا على نكاحِ نساءِ آبائِهم ممَّا سبَقَ نزولَ الوحيِ؛ فإنَّ اللهَ ذكَرَ في المحرَّماتِ مِن النساء، ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢ و ٢٣] في موضعَيْنِ؛ الأولُ: في زوجاتِ الآباء، والثاني: في الجمعِ بينَ الأُختَيْن، وهذا لأنَّهم في الجاهليَّةِ لم يَسْلفْ منهم نكاحُ غيرِ هاتَيْنِ مِن المحرَّمات، فهم يُعظِّمونَ المُحرَّماتِ التي
стр. 776
حرَّمَ اللهُ، ولم يكنْ يقَعُ منهم شيءٌ يُخالِفُ ما حرَّمَهُ اللهُ إلا في هذَيْنِ الموضعَيْنِ؛ كما قاله ابنُ عبَّاسٍ، فيما رواهُ عنه عكرمةُ؛ أخرَجَه ابنُ المُنذِرِ (١).
فقد تزوَّجَ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ امرأةَ أبيهِ بعدَه، وهي فاخِتَةُ بنتُ الأَسْوَدِ بنِ عبدِ المطلبِ، وكذلك كِنانةُ بنُ خُزيمةَ تزوَّجَ امرأةَ أبيهِ وولَدَتْ له ابنه النضرَ بنَ كِنانةَ.
حدودُ ما يحرُمُ من زوجاتِ الآباءِ:
ولا ينتشرُ التحريمُ من زوجاتِ الآباءِ إلى أُصُولِهنَّ وفُرُوعِهنَّ وحَوَاشِيهِنَّ؛ فلا يحرُمُ على أبناءِ الآباءِ أنْ يتزوَّجُوا مِن بناتِ زوجةِ الأبِ مِن غيرِه، فإذا جاز هذا في المُحرَّمةِ بالنصِّ على التأبيدِ كالعَمَّةِ والخالة، فيجوزُ نكاحُ بنتِها، فبنتُ زوجةِ الأبِ مِن غيرِ الأبِ مِن بابِ أَوْلَى.
وتحريمُ زوجاتِ الآباءِ على الأبناء، كتحريمِ زوجاتِ الأبناءِ على الآباءِ.
وقول اللهِ تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾؛ يعني: بعدَ تحريمِه.
وقيل: إنَّ وَصْفَ العاقِدِ على زوجةِ أبيهِ بعدَ التحريمِ بفاعِلِ الفاحِشةِ والمقتِ وساء سبيلًا، إشارةً إلى عدمِ كفرِه، قال: ولو كان كافرًا، لكان وصفُهُ بالكفرِ أعظَمَ مِن فعلِ الفاحشةِ والمقتِ، والمقتُ هو شدةُ البُغضِ مِن اللهِ للفعلِ وفاعِلِه.
وهذه الآيةُ مِن مواضعِ النزاع فيمَن عقَدَ على امرأةٍ تحرُمُ عليه، وقبلَ ذِكرِ كلامِ العلماءِ في هذا، فإنَّ الأمرَ المُجمَعَ عليه: أنَّ مَن حرَّمَ ما أَحَلَّ اللهُ في كتابِه، أو حَلَّلَ ما حرَّمَه اللهُ في كتابِه: كافرٌ، ولكنَّ فِعْلَهُ
стр. 777
دونَ استحلالٍ فِسْقٌ وفُحْشٌ؛ فلا يلزَمُ مِن فعلِ المُحرَّمِ تشريعُ حِلِّه، ولا مِن تركِ الحلالِ تشريعُ تحريمِه.
حكمُ العقدِ على مَحْرَمٍ:
وإنَّما الخلافُ طرَأَ عندَ الفقهاءِ؛ لاختلافِهم في أمرِ العقودِ: هل هي استحلالٌ صريحٌ للمُحرَّمِ أو لا؟
والحقُّ: أنَّ مُشرِّعَ العقودِ وسَانَّها حُكْمُهُ أشَدُّ مِن حُكْمِ المُتعاقِدين، فمَن شرَّعَ العقودَ للوقوعِ في المُحرَّمِ؛ كمَن يُشرِّعُ الحرامَ بسَنِّ عقودٍ للزُّناةِ إذا أرادُوا الزِّنى، ومَن يسُنُّ ويُشرِّعُ عقودًا لمتبايِعِي الخمرِ إذا تبايَعُوا، فهذا مُشرِّعٌ مِن دونِ اللهِ حاكمًا أو نظامًا، وهذا كفرٌ باللهِ.
وأمَّا المتعاقِدانِ على محرَّمٍ قطعيٍّ مِن نِكاحٍ أو بيعٍ أو طعامٍ ونحوِ ذلك مع العِلْمِ بتحريمِهِ؛ كمَن عقَدَ على امرأةٍ لا تَحِلُّ له:
فقد ذهَبَ جماعةٌ مِن الفقهاءِ: إلى أنَّ ذلك ليس بتشريعٍ قطعيٍّ حتى تقومَ قرينةٌ أو بيِّنةٌ عليه، وإنَّما هو فِعلٌ للمحرَّمِ؛ وبهذا قال جماعةٌ مِن الفقهاءِ؛ كأبي حنيفةَ ومالكٍ والشافعيِّ وأبي يوسُفَ ومحمدِ بنِ الحسنِ وجماعةٍ مِن فقهاءِ المالكيَّة، وهو قولُ ابنِ عبدِ الحكمِ وأبِيهِ وابنِ القاسِمِ وأَشْهَبَ وغيرِهم، وهؤلاء وإنِ اختلَفُوا في العقوبةِ وصِفةِ إنزالِها، فإنَّهم يتَّفقونَ على أنَّ المتعاقدينِ لم يَكْفُرَا.
وظاهرُ مذهبِ أحمدَ وقولِهِ: أنَّ مَن عقَدَ على امرأةٍ محرَّمةٍ عليه تحريمًا قطعيًّا: أنَّه يُحَدُّ رِدَّةً؛ لأنَّ التعاقُدَ عليه استحلالٌ عندَهُ؛ وبهذا قال إسحاقُ والطحاويُّ وابنُ تيميَّةَ وابن كثيرٍ.
واستدَلَّ أحمدُ: بما رواهُ هو مِن حديثِ عديِّ بنِ ثابتٍ، وأبي الجَهْمِ؛ كلاهما عن البراءِ بنِ عازبٍ؛ قال: "مَرَّ بي عَمِّي الحَارِثُ بْنُ عَمرٍو وَمَعَهُ لِوَاءٌ قَدْ عَقَدَهُ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهُ: أَيْ عَمِّ،
стр. 778
أَيْنَ بَعَثَكَ النَّبيُّ ﷺ ؟ قَالَ: بَعَثَني إلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيه، فَأَمَرَني أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ" (١).
ورواهُ أهل السُّننِ من طرقٍ وألفاظٍ مُتقاربةٍ (٢).
وخلافُ العلماء في التعاقد على المحرّم هل يكون دليلًا صريحًا على الاستحلال أو لا؟ وأمَّا الاستحلال للمحرَّم القطعيِّ، فلا خلاف في كونه كفرًا.
والصحيحُ كما سبق: أنَّ من سنَّ العقود للناس وشرعها ليفعلوا، فهو مستحِلٌّ للفعْل، وهذا في الحُكَّام والنظم والقوانين والحكومات، والقرينة فيه مشرِّعًا أصرحُ من المتعاقدين، فالمشرِّعُ للعقود وسنِّ الأنظمةِ التي يصلُ بها المتعاقدون للمُحرَّم - البيِّنَة عليه في استحلاله للمُحرَّم أظهر وأقوى - فيأخذ حكم المستحلِّ بالكفر؛ لأن المتعاقدين تختلف مقاصدهم بين مستحِلٍّ وغير مستحِلٍّ، فهو قد شرَّع للجميع مع اليقين بوجود من يتعاقدُ منهم استحلالًا.
والمتعاقدان قد يتعاقدان على مُحرَّمٍ شهوةً؛ من مالٍ كالرِّبا، أو مطعمٍ كالخمرِ، فلا يحصُلُ لهما إلا بعقدٍ؛ كمن يتعاقد مع بائعٍ على بيع ربًا، أو غَرَرٍ، أو شراء خمرٍ، وهو يعلم؛ لأنَّه لا يجدُ ما يُمضي به الصفقة إلا بعقدها، فهذا لا يكفُر، وهو آثمٌ، ومثله من عقد على ذاتِ محْرمٍ يُريد الزِّنى بها، فلم يصل إلى مواقعتها وقضاء شهوته منها إلا بالعقد عليها؛ فهذا يقام عليه حدُّ الزِّنى، ولا يكفُر، وإذا قامت البيِّنةُ على من عقد على ذاتِ مَحْرَمٍ: أنَّه فعله لا لقضاءِ شهوة المواقعة، بل للبقاء والولادة منها، ولو أرادها زنًى من غير عقدٍ، وجدَها، فهذا مستحِلٌّ، وعليه يُحملُ حديث
стр. 779
البراءِ وقول أحمد فيه؛ لأنَّ الفاعل عالمٌ بالتحريم، وظهر منه استحلاله، وأنَّه يُريد النِّكاح لا الزنى، وذلك أنّ أهل الجاهلية كانوا يعتقدون أنَّ الابن أولى بامرأة أبيه من غيره، فظهر: أنَّ مقصود ناكح امرأة أبيه العقد عليها والزواج منها، لا الزِّنى بها؛ وهذا استحلالٌ؛ كما سبق.
والشافعيُّ إنما جعل مَن عَقَدَ على امرأة أبيه زانيًا، فيقام عليه حدُّ الزِّنى، لا الردَّة؛ لعدم قيام البيِّنة على استحلاله.
والاستحلال لا خلاف فيه عند الجميع، ولكن الخلاف في تحقُّق صورته في الأفعال؛ ولذا فأبو حنيفة يرى أنَّ العقد يُقيم الشبهة على جهل المتعاقدين؛ لأنهما لو أرادا الفاحشة، لما تعاقدا، ولكنَّهما أرادَا النِّكاح المشروع، فأخطأ موضعهُ.
وعلى هذا: فلا خلاف بين قول أحمد وبين غيره من الأئمَّة فيما قامت البيِّنَة على استحلاله من المُحرَّمات بعقدٍ أو بغير عقدٍ: أنَّ فاعله كافرٌ بالله، فإنّ أحمد يُفرِّق بين الجاهل والعالِمِ إذا نكَحَ ذات المحْرم؛ كما في رواية ابنه عبد الله:
قال عبد الله: "سألتُ أبي عن حديثِ النبيِّ ﷺ : أنَّ رجلًا تزوَّج امرأة أبيه، فأمر النبيُّ ﷺ بقتله وأخذ ماله؟
قال أبي: نرى - والله أعلم - أن ذلك منه على الاستحلال، فأمر بقتله بمنزله وأخذ ماله" (١).
ويُؤيِّد هذا: أنَّ النبيَّ ﷺ لم يأمر بقتل امرأة الأب التي تزوَّجَها ابن زوجها، ولم يأمُرُ بقتل الوليِّ إن وُجدَ؛ لأنَّ القرينة في قصد الابن بالزواج من امرأة أبيه أنه استحَلَّ: أظهر منه في غيره؛ فدَلَّ على أنَّ الحُكم على المتعاقدين على حرامٍ يختلف باختلاف حالهما في القصد وفي الجهل والعلم.
стр. 780
وعلى هذا: يُفرَّق بين المُحرَّم البيِّن فيما يُتعاقد عليه وبين المشتبه بحسب حال المتعاقدين وبُلدانهم ووفرة العلم فيها؛ فنكاحُ الأمِّ يختلفُ عن نكاح زوجة الأب، والبنتُ تختلفُ عن الأخت، وكلَّما كانت المرأة أشدَّ تحريمًا بالطبع والشرعِ، فالقرينة على الاستحلال أقوى.
وإنما كان التفريقُ بين مشرِّع العقود وسانِّها للناس وبين المتعاقدين؛ أنَّ فِعل مشرِّع العقود المُحرَّمة وسانِّها يقع على العقد، لا على فعل الحرام؛ كالرِّبا والخمر والزِّنى والانتفاع به؛ فليس هو من المتعاقدين، ولا شهوة له بالمال ولا الطعام ولا الفرج الحرام المعقود عليه، وأمَّا المتعاقدان: فَفِعلهما يقع على الحصول على المحرَّم، وشبهة الاستحلال بالعقد قائمةٌ؛ لأنهما فعلا العقد لأكل مال الرِّبا وشرب الخمر وفعل الزِّني، فلم يجداهُ إلا بعقدٍ عليه، ولو وجداهُ من غير عقدٍ، لما اشترطا العقد، ولا بحثا عنه، والحاكم يسُنُّ العقود ويشرِّعُها للناس للحصول على المُحرَّم، ففعله تشريعٌ فقط، وأعظم من ذلك من يُلزم بالعقود المُحرَّمة القطعيَّة ويعاقب على تركها.
* * *
* قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣].
حرَّم الله تعالى في هذه الآية سبعًا بالنَّسَبِ، وسبعًا بالمصاهرةِ،
стр. 781
وجملةُ ذلك أربع عشرة امرأةً؛ كما رواه سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عبَّاسٍ (١)، وبنحوه قال سُفيان وغيره.
المحرَّماتُ من النساء:
وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾: فيه المُحرَّماتُ من النَّسَبِ، وتحْرُمُ الأمَّهاتُ والعمَّاتُ والخالاتُ وإن علوْن بلا خلافٍ؛ فالجَدَّاتُ من جميع الجهات كالأمَّهات، وعمَّاتُ الآباء والأمَّهات كالعمَّاتِ مباشرةً، وخالاتُ الآباء والأمَّهاتِ كالخالاتِ مباشرةً.
وتحرُم بناتُ البنات كالبنات، وكذلك: فإنَّ بنات بنات الأخ والأُختِ كبنات الأخ والأخت مباشرةً، سواءٌ كُنِّ بواسطة الأم أو الأب أو بهما جميعًا؛ فاللهُ إنما ذكر في الآية أُصُول المُحرَّمات.
وبدأ الله بالأمَّهات؛ لعظم منزلتهنَّ وحقِّهنَّ وفضلهنَّ على غيرهنَّ؛ فالمرأة الواحدة قد تكون أمًّا من وجهٍ، وتكون أختًا وبنتًا وجدَّةً وعمَّةً وخالةً وبنت أخٍ وبنت أختٍ من وجوهٍ أُخرَى بحسب وشائج القربى والرَّحِم التي تتعلَّق بها؛ فقدَّم الله من هذه المنازل منزلة الأمِّ؛ لأنها أصل الرَّحِم وأوَّله، وهي أعظم حقًّا من الأب، وتقديم التحريم للأُمِّ تفضيلٌ لها وتعظيمٌ لحقِّها، ويليها في التحريم والحقِّ والصِّلة: البنتُ؛ فالبنتُ أعظم حقًّا وصلةً من الأخت، وعند التزاحُم في الحقوق تُقدَّم الأُمُّ فالبنتُ فالأختُ، ثمَّ العمَّةُ والخالة، وهما أعظم حقًّا من بنات الأخ وبنات الأخت.
تحريم بنتِ الزنى:
وتحرُمُ بنتُ الزِّنى على أبيها كالبنتِ مِن النِّكاح، ولو كانتْ
стр. 782
لا تنتسبُ إلى أبيها، ولا يجب بينها وبينه صلة رحم ولا نسبٌ ولا ميراثٌ؛ لأنَّ الأصل أنَّها بنتُهُ على الحقيقة، ولكنَّ اللهَ رفع الحقوق بينهما، وبقي تحريمُ الوطءِ؛ لعموم الآية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾؛ وهذا قول عامَّةِ الفقهاء.
وقيل بعدم تحريم النِّكاح؛ لأنَّ الابن والبنت من الزِّنى لا يدخلون في عموم قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]؛ وهذا القول ثقيلٌ، ويلزم من هذا: أن يطأ الرجل أمّه من الزِّنى؛ وهذا يحرُم بالإجماع، ولا فرق بينها وبين أبيه؛ فالخلق من مائهما جميعًا، وتحريم الأمِّ على ولدها من الزِّنى، لا يُخالف فيه مَن قال بعدم تحريم البنت على أبيها من الزِّنى، وينبغي أن يكون تحريم البنت على أبيها والابن على أمِّه إجماع السلف، وقد كان أحمد يُنكر أن يكون السلف يتنازعون في هذا.
تحريمُ بنتِ الملاعنة:
والملاعنُ لا يجوز له أن يطأ ابنة مُلاعنتِه، مع أنَّه لا يُقرُّ بكونها منه؛ فكيف بإقراره أنَّها منه بسِفاحٍ لا نكاحٍ؟ ! وهي ابنتُهُ حقيقةً حسيَّةً، ولكنَّها ليست ابنتهُ شرعًا، والتحريم في النكاح يثبتُ للحقيقة الحسيَّة.
ونُسِبَ القول بالجواز للشافعيِّ؛ لأنَّه نصَّ على الكراهة، والأولى: حمل مُرادِهِ بالكراهة على التحريم، لا على الجواز؛ لموافقة السلفِ والفِطْرة القويمة.
المحرَّماتُ من الرَّضاع:
وأمَّا في الميراث، فلا يرثُ ولدُ الزِّنى بالاتِّفاق.
وقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، لا يختلفُ العلماء في حُرْمة الأمَّهات والأخوات من
стр. 783
الرَّضاعةِ، وأنَّ حُرْمة الرَّضاعة في النِّكاح كحُرْمة النَّسبِ، وليس الرَّضاعُ رحِمًا؛ لأنَّ من اتَّصلت بواسطته لم تُدْل برحِمٍ؛ وإنَّما برَضاعٍ.
وأدْنى المُحرَّماتِ مِن النَّسَب: كبنات الأخ والأخت أعظم من أعْلى المُحرَّمات من الرَّضاع كالأمِّ من الرَّضاع وإن اشتركن في التحريم؛ لأنَّ أبعد الرَّحِم المُحرَّم أقوى مِن أدني الرَّضاع وأقربه؛ فليس الرَّضاعُ رحِمًا يجب وصلُه، ولا عاقلةً يعقل الدية عنه، ولا يلحَق به نسبٌ، وفي "الصحيح": أنَّ عائشة استأذن عليها عمُّها من الرَّضاع، فلم تأذن له حتى سألَتِ النبيَّ ﷺ ، فأمرها بالإذن له بالدخول عليها (١)، وفي هذا دليلٌ على أنَّه لم يدخل عليها ولم تدخل عليه من قبل، فلم ينهها النبيُّ ﷺ عن قطيعته السابقة؛ لعدم وجوب صلته عليها.
ولذا أخَّر الله أقرب المُحرَّماتِ من الرَّضاع - وهنَّ الأمَّهاتُ - بعد أبعد المُحرَّمات مِن النَّسب، وهنَّ بناتُ الأخ والأخت.
وقولُه تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ ولا خلافَ في حُرْمة الأخت مِن الرَّضاعةِ.
انتشار حُرْمة الرضاع من الأب والأمِّ:
واتَّفق العلماء في ثبوت مَحْرَميّة الرَّضاع في الأمِّ ومن يُدْلي بها، وأمَّا ثُبُوتُ مَحْرَميّة الرَّضاع للأب ومن يُدْلي بواسطتِه وحده كأب الأب وإخوته وأعمامه وأخواله، فعامَّة السلفِ على ثبوت المحرميَّة للأب ومن في جهتِه كالأُمِّ؛ وبه ثبت الدليل؛ ففي "الصحيح"، عن عائشة؛ أنَّ أخا أبي القُعَيس استأذن عليها، فقال النبيُّ ﷺ : (ائْذَني لَهُ؛ فإنَّهُ عمُّكِ) (٢).
وأبو القُعَيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة.
стр. 784
روي سالمٌ، عن ابن عمر؛ قال: "لا بأسَ بلبن الفَحْل" (١).
وروى مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن عمرو بن الشَّريدِ؛ قال: سُئل ابنُ عبَّاسٍ عن رجلٍ كانت له امرأتان، فأرضعت إحْدَاهما غُلامًا، وأرضعتِ الأخرى جاريةً، فقيل له: هل يتزوَّج الغلام الجارية؟ فقال: "لا؛ اللِّقاحُ وَاحِدٌ" (٢).
ولا مخالف لهم من الصحابة، وأمَّا ما رواه مالكٌ، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة؛ أنَّها كان يدْخل عليها مَن أرضَعَتْه أخواتُها وبناتُ أخيها، ولا يدْخُلُ عليها مَن أرضعه نِساءُ إخوتها (٣) , فهذا عملٌ لا رفعٌ للتحريم، وقد يكون حامل ذلك الورع، وقد أدخل النبيُّ ﷺ عليها عمَّها من الرَّضاعة؛ فلا يُتصوَّر أن تقول بخلافِه.
وبه قال عروة والزُّهريُّ وطاوسٌ وعطاءٌ ومجاهدٌ ومكحولٌ والنَّخعيُّ؛ وهو قول الأئمَّة الأربعة؛ لثبوت الدليل في مُشابهة التحريم من جهات الرَّضاع كالتحريم من جهات النَّسبِ؛ لهذه الآية، فتخصيصُ الأمَّهات والأخوات بالذِّكر، لا يُخرج البنات من الرَّضاعة؛ لأنَّهنَّ أولى بالتحريم من الأخوات، ولقوله ﷺ : (يحْرُمُ من الرَّضاعة ما يحْرُمُ مِن الوِلادَةِ)؛ مِن حديث عمرَةَ عن عائشة؛ أخرجه الشيخانِ (٤).
وذهب بعض السلف: إلى أنَّ التحريم لا يكونُ من جهة الرَّجلِ، وهو الأب وأصولُهُ وفروعُهُ وحواشيه؛ وإنما من جهة الأمِّ خاصَّةً وفروعها وحواشيها، ورُوي هذا القول عن ابن المسيَّب وسليمان بن يسارٍ
стр. 785
وأبي سلمة وغيرهم؛ فقد روى محمَّد بن عمرٍو، عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيْطٍ؛ أنَّه قال: سأل سعيد بن المُسيَّب، وعطاء بن يسارٍ، وسليمان بن يسارٍ، وأبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوفٍ، فقالوا: "إنَّما تحرُمُ من الرَّضاعة ما كان من قبل النِّساء، ولا تحرُمُ ما كان من قبل الرِّجال" (١).
عددُ الرَّضعات المحرِّمة:
ولا يختلفُ العلماء في أنَّ خمس الرضعات يُحرِّمْنَ؛ وإنَّما الخلافُ فيما دُونهنَّ، فقد اختلف الأئمَّة على أقوالٍ ثلاثةٍ، وهي ثلاث رواياتٍ عن أحمد:
القول الأول: يُحرِّم من الرَّضاع قليله وكثيره؛ لعموم الآية وإطلاقها؛ وبهذا القول قال مالكٌ، وعليه مذهبه، والحنفيَّة، وبه قال ابن المسيَّب وعروة وابن شهابٍ.
القول الثاني: لا يُحرِّم أقلُّ من ثلاث رضعاتٍ، وتُحرِّمُ الثلاث وما فوقها؛ وذلك لما ثبت في مسلمٍ، عن عائشة؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (لا تُحَرِّمُ المصَّةُ والمصَّتانِ) (٢).
ومِن حديث أمِّ الفضل؛ قالت: قال رسول اللهِ ﷺ : (لا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ أو الرَّضْعَتان، أوِ المصَّةُ أوِ المصَّتَانِ) (٣).
وفي لفظٍ آخر لمسلم أيضا: (لا تُحَرِّم الإِمْلاجَةُ والإمْلاجَتَانِ) (٤).
وقال به إسحاق وأبو عبيدٍ وابن المنذر.
القول الثالث: لا يُحرِّمُ من الرَّضاع إلا خمسُ رضعاتٍ فما فوقُ، ولا يُحرِّمُ أقلُّ مِن ذلك؛ وهو قول الشافعيِّ، والصحيحُ في مذهب أحمد؛ وهو قول عائشة وابن مسعودٍ وابن الزُّبير وطاوسٍ وعطاءٍ؛ وذلك
стр. 786
لما في مسلمٍ، عن عمرة، عن عائشة ﵂؛ قالتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ: "عَشْرُ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ يُحَرِّمْنَ"، ثمَّ نُسِخْنَ بخَمْسٍ مَعْلومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ (١).
ورواهُ عن عائشة عروة وغيرُه.
وجاء مرفوعًا من حديث عائشة: أنَّ النبيَّ ﷺ قال لسهلة بنت سُهَيلٍ: (أَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ) (٢).
وهذا القول أقوى، والدليل فيه أصرحُ، والدليل إذا جمع بين الناسخ والمنسوخ كان أحكم من غيره وأقوى.
وتقدَّم في سورة البقرة الكلام على تقييد الرَّضاع بالحَوْلين في قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وقولُه تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾: يحرُمُ على الرجُل بسبب زوجته: أصلها (وهي أمُّها)، وفرعُها (وهي بنتُها)، وتحرُمُ أمُّ الزوجة بمجرَّد العقد على الزوجة ولو لم يدخل بها؛ لعموم الآية وإطلاقها، وأمَّا بنتُها، فلا تحرُمُ عليه حتى يدخل بها؛ لتقييد التحريم بذلك كما يأتي.
تحريم زوجة الولد:
ويحرُمُ على المرأة بمجرَّد العقد عليها: والدُ زوجها وولدُه؛ فالوالدُ لأنها حليلةُ ابنه؛ كما يأتي في الآية، والولد لأنَّها زوجة أبيه؛ كما سبق في الآية.
وقد روى عبد الرزَّاق، وعنه ابن أبي حاتم، عن معْمرٍ، عن قتادة؛ قال في الرجل يتزوَّج المرأة، ثم يُطلِّقُها قبل أن يراها، قال: "لا تحِلُّ
стр. 787
لأبيه، ولا لابنه" (١).
تحريمُ أُمِّ الزوجة:
ونصَّ على تحريم أُمِّ الزوجة ولو لم يدخل ببنتها: جماعةٌ من الصحابة؛ كابن مسعودٍ وابن عمر وعمران بن حُصَينٍ، ومِن التابعين مسروقٌ وطاوسٌ وعِكْرمةُ وقتادةُ وغيرهم.
وهذا القول هو الأصحُّ والأظهرُ، وفي المسألة قولانِ آخران:
الأول - وهو القول الثاني في المسألة -: أنَّ الأمَّ لا تحرُمُ إلا بالدُّخُول على بنتها، وحُكْمُها كحُكْم البنت مع أُمِّها: لا تحرُمُ إلا بالدخُولِ على أمِّها، لا بمجرَّد العقد، وقد روى ابن المُنذر، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادةَ، عن عليٍّ: أنَّه جعل أمَّ الزوجة والرَّبيبةَ سواءً؛ لا تحرُمُ واحدةٌ إلَّا بالدخول على الأخرى (٢).
وقتادةُ لم يَسمع من عليٍّ، ورواهُ حمَّادٌ عن قتادة، وجعل الواسطة خلَّاس بن عمرٍو (٣).
ورُوِيَ هذا القول عن ابن عبَّاسٍ، وخالفه ابن عمر (٤).
وروي عبدُ الرزَّاق، وعنه ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن الزُّبير: خلاف ذلك، ولا يصحُّ عنه؛ ففي إسناده من لا يُعرفُ، يرويه رجلٌ عنه؛ قال: "الرَّبِيبَةُ والأمُّ سواءٌ، لا بأسَ بهما إذَا لم يَدْخُلْ بالمرْأةِ" (٥).
стр. 788
وروي ابن المُنذِرِ وابنُ جريرٍ، عن عِكْرمة بن خالدٍ، عن مجاهدٍ، قال في قولِه تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ قال: "أُريدَ بهما الدخول جميعًا" (١).
ومَن قال بهذا القول جعل الوصف في قولِه: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ على أمهات النِّساء وبناتِ النِّساء، فجعل قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ لما سبقه من الحالتين: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ , فجعلوا التحريم مقيَّدًا بالدخول بالنساء؛ فعلى قولهم هذا لا يحرم الأصل ولا الفرع إلا بالدخول بالمرأة، لا بمجرَّد العقد عليها.
القولُ الثاني - وهو القول الثالث في المسألة -: وهو قول زيد بن ثابتٍ؛ وهو التفريق بين سبب مُفارقة البنت قبل الدخول بها؛ إن كان سبب الفرقة وفاتها، لم يَجُزْ له أن ينكح أمِّها؛ لأنَّه يرثُ بنتها إرثَ الزوجيَّة، فالأمُّ تُشاركُهُ في ميراث بنتها، فليس له أن يتزوَّج أمها، وإن كان سبب الفراق طلاقهُ لها قبل دخوله بها، فله الزواج من أُمِّها.
فقد روى ابن المُنذر، عن ابن المسيَّب، عن زيد بن ثابتٍ؛ قال: فإن تزوَّجَها فتُوفِّيَتْ، فأصاب ميراثها، فليس له أن يتزوَّج أمَّها، وإن طلَّقها، فما شاء فعل؛ يعني: إن شاء تزوَّجها" (٢).
وخلاف الصحابة في ذلك معروفٌ؛ فقد قال بالمنع ابن عمر وآخرون، وبالإباحة ابن عبَّاسٍ وآخرون، وتوقَّف في ذلك معاوية؛ فقد روى عبدُ الرزَّاق، وعنه ابن المنذر، عن مُسْلم بن عُوَيْمِرٍ الأجدَع، مِن بكرِ كنانة: "أنَّ أباه أنكَحَهُ امرأةً بالطَّائِف، قال: فَلَم أجمعها حتَّى تُوُفِّيَ
стр. 789
عمِّي عن أُمِّها، وأُمُّها ذَاتُ مَالٍ كثيرٍ، فقال أبي: هل لك في أُمِّها؟ قال: فسألتُ ابن عبَّاسٍ وأخبرتُهُ الخبر، فقال: انكحْ أُمَّها، قال: فسألتُ ابن عُمر، فقال: لا تَنكِحْها، فأخبرتُ أبي ما قال ابن عبَّاسٍ، وما قال ابن عُمر، فكتب إلى مُعاوية، وأخبرهُ في كتابه بما قال ابن عُمر وابن عبَّاسٍ، فكتب مُعاويةُ: إنِّي لا أُحِلُّ مَا حَرَّم الله، ولا أُحَرِّم ما أَحَلَّ الله، وأنت وذاك، والنِّساء كثيرٌ، ولم يَنْهني، ولم يأْذَن لي، وانصرف أبي عن أُمِّها، فلم ينكِحْها" (١).
وقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾: قيَّد اللهُ تحريم الرّبائب - وهنَّ بناتُ الأزواج - بالدخول بأمَّهاتهنَّ، فإذا دُخل بأمَّهاتهنَّ، حُرِّمت البناتُ.
الجمع بين الأمِّ وبنتها:
والجمع بين الأمِّ وبنتها أعظم حُرْمةً من الجمع بين المرأة وعمّتها أو خالتها، وأعظم من الجمع بين الأختين؛ لأنَّ الحقَّ بين الأمِّ وبنتها أعظم من حقوق غيرهنَّ من ذوي الأرحام فيما بينهنَّ، والجمع بين الأمِّ وبنتها داعٍ للقطيعة والفتنة.
حكم ابنة الطليقة:
وإذا طلَّق الرجل المرأة، وكانت ابنتها في حَجْره، حَرُمَتْ عليه إلى الأبد بلا خلافٍ، وتحرُمُ عليه كذلك لو كانت في غير حَجْره؛ كأن تكون في حَجْر أبيها بعد طلاق أمِّها، أو كانت في حَجْر عمِّها أو خالها أو غيرهم من ذوي رحمها، وعلى هذا عامَّة السلف، وحُكي اتِّفاقُ الفقهاء عليه؛ خلافًا لداود الظاهريّ، وحُكى في هذا خلافٌ عن عليٍّ في التفريق
стр. 790
بين البنت التي تكون في حَجْر الزوج وبين من تكون في حَجْر غيره؛ لأنَّ الله قال: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ (١).
والصحيحُ: أنَّ الله ذكر الحُجور وأضافها للأزواج بقولِه: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾؛ لأنَّ هذا هو الغالب؛ أنَّ البنت تتبع أُمَّها، والمعاني تُعلَّق بغالب الحال، وكذلك: فإنَّ في ذكر الحُجُور إشارةً إلى ما ينبغي أن تكون عليه الحال، ومن حُسْن العهد والمَعْشر مع الزوجة إكرام بنتها في كنفها ورعايتها معها.
ثمَّ إنَّ أحكام الحرام بيِّنةٌ، وتُناطُ بالأوصافِ والعلل الواضحة المُنضبطة، وتقييد الحُكم بالرَّبيبةِ إذا كانت في الحجر، ورفعُهُ إذا كانت في غيرهِ: لا ينضبِطُ؛ فلا تخلو الأمُّ من تعهُّد بنتها لها في حَجْر زوجها بعد أبيها، وربّما تنقَّلت البنتُ بين حَجْر زوج أمِّها وبين حَجْر أبيها أو كفيلها ووصيِّها من ذوي رحمها؛ فالبقاء في الحجورِ في مِثل هذه الصُّور لا ينضبِطُ؛ فقد تبقى البنتُ يومًا أو أسبوعًا أو شهرًا في حَجْر الزوج، ومثل هذه المدة أو قريبًا منها في حَجْر غيره، وحدُّ القَدْر الذي تكون فيه البنتُ (ربيبةً في الحجر) لا ينضبط، وأحكام التحريم تنضبط بوصفٍ بيِّنٍ؛ كزوجات الآباء، وتقييد تحريم البنات بالدخول على أُمَّهاتِهنَّ، وتحريم الرَّضاع بعددٍ معيَّنٍ وقدرٍ منضبطٍ.
وتحرُمُ بنتُ الزوجة على زوج أمِّها، ولو وُلدَت البنتُ من رجُلٍ بعد طلاقه لأمِّها؛ لأنَّ علَّة التحريم الدخول بأمِّها.
وتحريم زوج الأُمِّ على ابنتها شبيهٌ بتحريم زوجة الأب على ابنه، إلا أنَّ الله حرَّم نكاح زوجات الآباء بلا تقييد بالدخول بهنَّ، فيحْرُمْنَ بمجرَّد العقد، وجعل تحريم زوج الأُمِّ علي البنت بشرط الدخول بأمِّها،
стр. 791
وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ نكاح زوجات الآباء من الأبناء أشدُّ تحريمًا من نكاح أزواج الأمَّهات من البنات.
وأكَّدَ اللهُ تقييد التحريم بالدخول، وجوازه بغيره في قوله تعالي: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ يعني: من نكاحهنَّ.
والدخُول: النِّكاحُ؛ قاله ابنُ عبَّاسٍ؛ رواهُ ابنُ أبي طلحة عنه (١).
وقال طاوسٌ: الجِماعُ (٢).
والمراد بذلك: الدخول والتمكُّن منها، لا حقيقة الجماع، فقد يدخل بالمرأة زوجٌ لا يُريدُ جماعها؛ وإنَّما مُساكنتها ومُعاشرتها؛ لكبر سنٍّ وعجزٍ بمرضٍ ونحوه، فلا يرفع ذلك الحُكْم.
تحريم زوجة الولد:
وقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾؛ يعني: من المُحرَّمات؛ فتحرُمُ زوجة الابن بمجرَّد العقد عليها ولو لم يدخُل بها؛ لإطلاق التحريم في الآية، ولسبق التحريم المقيَّد للرَّبائب عند الدخول بأمَّهاتهنَّ فقط، ولو كان ما يتلوها مقيَّدًا مثلَها، لتأخَّر التقييدُ ليشمل الحُكْمَينِ جميعًا.
وتحرُمُ الربائب - وهنَّ بناتُ الزوجات، وإن نزَلن - على أزواج أمَّهاتهنَّ، وإن عَلَوْا وعلوْن.
روى ابن المُنذر، عن قتادة؛ قال: "بنتُ الربيبة وبنتُ ابنتها لا تصلُحُ وإن كان أسفل بطونٍ كثيرةٍ" (٣).
стр. 792
ورواه قتادة عن أبي العالية؛ قال: "وإن كان أسفل بسبعين بطنًا، لا تصلُحُ" (١).
تحريم زوجة الأب:
وتحريم زوجة الأب على ابنه أعظم مِن تحريم زوج الأُمِّ على ابنتها؛ لأنَّ الله حرَّم زوجة الأب بلا قيدٍ ولا شرطٍ، وحرَّم زوجَ الأمِّ على ابنتها بقيد الدخول بأمِّها، والمُحرَّمُ بلا قيدٍ أقوى من المُحرَّمِ بقيدٍ؛ لأنَّ المُحرَّم بلا قيدٍ لا مدخل لحلِّه، أمَّا المُحرَّمُ بقيدٍ فيحِلُّ بزوال قيده، وهذه قاعدةٌ في المُحرَّمات كلِّها؛ في النِّكاح، والطعام، واللِّباس، وغيرها.
وفي قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾؛ يعني: ما يحِلُّ لهنَّ من النِّساء، والمرأة تحِلُّ بمجرَّد العقد عليها، لا بالدخول والتمكين منه.
ورُوِيَ أن سبب نزول هذه الآية زواج النبيِّ ﷺ مِن امرأة زيدٍ، فقال المشركون بمكَّة بذلك وعابوه؛ فأنزل اللهُ قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾؛ رواه ابن أبي حاتمٍ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ، مرسلًا (٢).
والمُحرَّمُ نكاحُ حلائل الأبناء وإن نزلوا، تحرُمُ على الآباء وإن علوا.
الجمع بين الأختين:
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾: وهذا من المُحرَّماتِ لسببٍ، والسبب عارضٌ؛ فكلُّ أختين حلالٌ على غير المُحرَّم منهما مُفرَّقاتٍ لا مُجتمعاتٍ، وإذا طلَّق واحدةً، جاز له نكاح أختها مِن بعدها.
стр. 793
ومثل ذلك المرأة وعمَّتها، والمرأة وخالتها: يحرم الجمع بينهما بالاتِّفاق؛ حكاه الشافعيُّ وغيره، ويجوز الانفرادُ بالواحدة منهنَّ ثمَّ الانفراد بالأخرى.
الجمع بين الأختين الأمتَيْنِ:
واختلف العلماء في الجمع بين الأختين الأمتين بالوطء على قولين:
القول الأول: التحريم؛ وهو قول جمهور الفقهاء، وبه قضى عليٌّ والزبير وابن مسعودٍ.
وقد روى مالكٌ في "الموطَّأ"، عَنْ قَبِيصَةَ بنِ ذُؤَيْبٍ؛ أنَّ رَجُلًا سألَ عُثمانَ بنَ عفَّانَ: عن الأُخْتَيْنِ مِن مِلكِ اليَمينِ: هل يُجْمَعُ بينهُما؟ فَقالَ عُثْمَانُ: أحَلَّتْهُما آيَةٌ، وَحَرَّمَتهُما آيةٌ، وَمَا كُنتُ لأصْنَعَ ذلك، فخرج من عندِه، فلقيَ رَجُلًا مِن أصْحَاب النبيِّ ﷺ ، فسألهُ عَنْ ذلك، فَقَال: لوْ كانَ إليَّ مِنَ الأَمْر شَيءٌ، ثمَّ وجدتُ أحدًا فعل ذلك، لجَعلتُهُ نكالًا.
قال مالكٌ: قال ابن شهابٍ: أُراهُ عليَّ بن أبي طالبٍ؛ قال: وبلغني عَنِ الزُّبير بنِ العوَّام مثلُ ذلك" (١).
وروى ابن أبي حاتمٍ، عن عبد الله بن أبي عُتْبَة، عن ابن مسْعُودٍ: "أنَّهُ سُئِلَ عن الرَّجُلِ يجمع بين الأختين الأمَتَين، فكرهه، فقال: يقول اللهُ تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]؟ فقال له ابن مسْعُودٍ: بعيرُكَ أيضًا ممَّا ملكت يمينُك! " (٢).
وروى مَسْروقٌ: قال ابن مسعودٍ: يحرُمُ من الإماء ما يحرُمُ من الحرائر إلا العَدَد" (٣).
стр. 794
وهذا هو الأظهر، فالله حرَّم الجمع بين المرأة وعمَّتها أو خالتها، والجمع بين الأختين بلا قيدٍ، ويؤخذ ذلك على إطلاقه؛ فاللهُ حرَّم الجمع لحِكَمٍ وعلَلٍ؛ منها القطيعة؛ لأنَّهنَّ ضَرَّاتٌ، ويقع هذا في وطء النِّكاح ووطء التَّسرِّي.
وحِلُّ مِلْكِ اليمين لا يلزم منه حِلُّ الوطء؛ كمِلْكِ يمين الأَمَةِ المُشركةِ والمُبَعَّضَة، لا يجوز وطؤها، والمملوكة قبل استبرائها.
القول الثاني: الجواز؛ وهو قول ابن عبَّاسٍ؛ حكاه عمرو بن دينارٍ عنه؛ أخرجهُ ابن المُنذر، عن حمَّادٍ، عن عمرٍو، به (١).
والنهيُ في الجمع بين الأختين والجمع بين المرأة وعمَّتها أو خالتها من النَّسب بلا خلافٍ، وأمَّا الجمع بين الأختين والجمع بين المرأة وعمَّتها أو خالتها من الرضاع، فقد حكى الإجماع فيه غير واحد؛ وهو قول الأئمَّة الأربعة، وخالف في ذلك بعض الأئمة؛ كابن تيمية.
ويحرُمُ الجمعُ بالوطءِ بين المرأة وعمَّتها والمرأة وخالتها من الإماء، والحُكْمُ في ذلك كالحُكْم في الجمع بين الأختين، والجمع بين الأختين أغلظُ، وأغلظُ من ذلك الجمعُ بالوطءِ بينَ الأُمِّ وبنتِها من الإماءِ.
وقد قال تعالى في آخر آية المُحرَّمات من النِّساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ غفورًا لما سلف من مُخالفة أمره قبل العلم به في الجاهليَّة، رحيمًا بهم في تشريعه وحُكْمه وإنْ خَفِيَتْ على العباد عِلَّتُه.
* * *
стр. 795
* قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٢٤].
الإحصان يُطلق في القرآن على معانٍ:
منها: إحصان النِّكاح والزواجِ؛ فالمتزوِّج من الرجال والنساء يُسمَّى مُحْصَنًا.
ومن معاني الإحصان: إحصانُ عفافٍ وبُعدٍ عن الفاحشة، ومن هذا قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]؛ يعني: العفيفات، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [الأنبياء: ٩١]؛ يعني: أعفَّتْهُ وعَصَمَتْه من الحرام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]؛ يعني: العفيفات البعيدات عن الفاحشة.
ومن معاني الإحصان: الحرية، وأُلحِق وصفُ الإحصان بالحرائر؛ لغلبة العفاف عليهنَّ بخلاف الجوَاري؛ ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] , وفرقٌ بين وصف الإيمان، ووصف الإحصان.
ومثله قوله تعالي في المائدة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [٥] , فسَّر ابن عبَّاسٍ الإحصان بالحرية (١).
стр. 796
ومن مَعاني الإحصان: الإسلام؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] , فسَّرَ الإحصان بالإسلام: ابن مسعودٍ والشَّعْبيُّ والحَسَنُ والنخعيُّ والسُّدِّيُّ (١) والشافعيُّ (٢).
واختلف كلام المفسِّرين في المراد بالمُحْصَنات في هذه الآية:
وأكثر السلف على أنَّ المراد بالمحصنات هنا هُنَّ النساء اللاتي في عِصْمة أزواجٍ؛ فهنَّ من المُحرَّمات أن يُعقَد عليهنَّ، واسْتثنى الله المملوكاتِ المسْبيَّات، ولو كُنَّ في عِصْمة زوجٍ مُشركٍ، فيبطل نكاحُها بسَبْيِها ومِلْكِها؛ روي ابن جريرٍ، عن عليِّ بن أبي طلحَة، عن ابن عبَّاسٍ، في قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؛ يقول: "كلُّ امرأةٍ لها زوجٌ، فهي عليك حرامٌ، إلَّا أمةً ملَكْتها ولها زوجٌ بأرضِ الحربِ، فهي لك حلالٌ إذا اسْتبرأتها" (٣).
ورواهُ سعيدُ بنُ جُبيرٍ، عن ابن عبَّاسٍ (٤).
وقاله أبو قلابة ومكحولٌ وابن زيد وغيرُهم (٥).
وهذا قول جمهور العلماءِ، وقيَّد أبو حنيفة وأحمدُ فَسْخ المسْبيَّةِ مِن زوجها المشرك إذا سُبِيَت وحدها دُونهُ؛ سواءٌ كان سبيُها قبلَهُ أو بعدَهُ.
وقيل: إنَّ المراد بالمُحْصَنات في الآية: العفيفاتُ؛ وبهذا قال
стр. 797
أبو العاليةِ وطاوسٌ وغيرُهما (١)، ومعنى ذلك على هذا القول: أنَّ الله حرَّم العفيفات إلّا بعقد نكاحٍ ووليٍّ وشهودٍ ومهْرٍ، ويحرم ما زاد عن أربعٍ منهنَّ.
والقولُ الأولُ أصحُّ، والقول الثاني يعضُدُ أنَّ المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]؛ أي: ما وطئها الأبُ بعقدٍ ونكاحٍ، لا بِزنًى وسِفاحٍ، وأنَّ الموطوءة بسِفاحٍ من الأب لا تحرُمُ على الابنِ.
والأرجحُ: أنَّ المراد بالمُحْصَنات في هذه الآية: النساء المتزوجاتُ؛ فقد نزلت الآية في سبي أوطاسٍ؛ حيث سُبين وهنَّ تحت أزواجٍ، فتحرَّج الصحابة من ذلك ﵃ , فأنزل اللهُ هذه الآية؛ كما روى أحمد ومسلمٌ في "صحيحه"؛ من حديث أبي سعيدٍ الخُدْريِّ؛ قال: "أصَبْنَا نساءً من سَبْيِ أوطاسٍ، ولهنَّ أزواجٌ، فكرهنا أن نَقَعَ عليهنَّ ولهنَّ أزواجٌ، فسألنا النبيَّ ﷺ ، فنزلَتْ هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ , فاسْتَحْلَلْنا بها فُرُوجَهُنَّ" (٢).
اعتبارُ بَيْعِ الأمة طلاقًا:
وقولُه تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: أخذ بعض السلف منه: أنَّ بيع الأمة طلاقٌ لها من زوجها؛ لأنَّ الله ذكر حِلَّها لمالكها بمجرَّد مِلْكِها، ولازم ذلك: أنَّ بيعها فسخٌ أو طلاقٌ، وقد اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القولُ الأولُ: أنَّ البيعَ طلاقٌ؛ وبهذا قال ابنُ مسعودٍ، كما رواهُ النخَعيُّ؛ وقد سُئِلَ: الأمَةُ تُباعُ ولها زوجٌ؟ قال: كان عبدُ اللهِ يقولُ:
стр. 798
بيعُها طلاقُها، وتلا هذه الآيةَ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١).
وروايةُ النخَعيِّ عن ابنِ مسعودٍ محمولةٌ على الاتِّصالِ ولو كانتْ متقطِعةً؛ فإنَّه يَروي عن جماعةٍ عن ابنِ مسعودٍ.
وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ وأُبَيٌّ وجابرٌ؛ رواهُ عنهم قتادةُ (٢).
ورواهُ عن ابنِ عبَّاسٍ عِكْرِمةُ (٣).
وبه قال ابن المسيَّبِ والحسنُ وغيرُهم (٤).
وهو روايةٌ عن مالكٍ.
القولُ الثاني: قالوا: إنَّ البيعَ ليس بطلاقٍ حتى تُطلَّقَ مِن زوجِها، حرًّا كان أو عبدًا، وإنَّ الآيةَ خاصَّةٌ بمَن سُبِيَتْ، وهي تحتَ كافرٍ، وهذا سَبْيٌ وليس بيعًا، وإنَّ الزواجَ مِن الأَمَةِ قد يكونُ لغيرِ مالِكِها، فيُسقِطُ مالكُها منفعَتَهُ ببُضْعِها ويُزوِّجُها غيرَهُ لحرٍّ أو عبدٍ، فبائعُها لا يَملِكُ فَرْجَها وكذلك مُشترِيها، والمُشترِي في ذلك كالبائعِ.
وبهذا قال جمهورُ الفقهاء، واحتَجُّوا بحديثِ بَرِيرَةَ؛ حيثُ اشتَرَتْها عائشةُ وهي في عِصْمةِ زَوْجِها مُغِيثٍ، وهو عبدٌ، حيثُ أنجَزَتْ ثَمَنَها وأعتَقَتْها، وبَقِيَتْ في عِصْمةِ مُغيثٍ زوجِها قبلَ بيعِها، وخُيِّرَتْ بينَ البقاءِ أو تركِه، فاختارتْ تَرْكَهُ، والحديثُ في "الصحيحَينِ" (٥).
وهذا قولُ جمهورِ الفقهاءِ؛ كأبي حنيفةَ ومالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ، ورُوِيَ هذا عن عمرَ وعثمانَ وعليٍّ.
стр. 799
ثمَّ قال تعالى ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾؛ أيْ: أحَلَّ الله لكم غيرَ ما ذُكِرَ، وما كَتَبَ عليكم تحريمَهُ.
وبقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ توقَّفَ بعضُ الصحابةِ والتابِعينَ في تحريمِ الجمعِ بينَ الأُختَيْنِ الأَمَتَيْنِ بالوطءِ, وقالُوا: "أحَلَّتْهُما آيةٌ" يَعْنُونَ هذه الآيةَ، "وحرَّمَتْهُما آيةٌ"؛ يعني: الآيةَ السابقةَ في قولِه تعالى منها: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣].
وتقدَّمَ الكلامُ على ذلك.
وفي الآيةِ: جوازُ نِكاح النِّساءِ ولو تبايَنَتْ أعمارُ الزوجَيْنِ؛ فيجوزُ أنْ يتزوَّجَ الكبيرُ الصغيرةَ، وأنْ يتزوَّجَ الصغيرُ الكبيرةَ؛ فاللهُ فَضَّلَ الحرامَ، وأجمَلَ الحلالَ، وكلُّ ما لم يُفَصِّلْهُ اللهُ ويحرِّمه، فهو مِن الحلال، وفي الآيةِ حِلُّ نِكاحِ المَوَالِي مِن الحرائر، والأحرارِ مِن الإماء، وأنَّ الناسَ يَسْتَوُونَ في بابِ النِّكاحِ في النَّسَبِ؛ إذْ لا اعتبارَ بتفاوُتِ الأَنْسَابِ والأَحْسَابِ في صِحَّةِ النِّكاح، وإنْ كانَتِ المَفاسِدُ تَلْحَقُ الزوجَ أو الزوجةَ وأهلَهما مِن ذلك، فيُنهى عن ذلك، ولا يُحرَّمُ لِذَاتِه.
وقولُه تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ فيه إشارةٌ إلى القُدْرةِ الماليَّةِ في الرجُل، وأنْ يكونَ مُرِيدًا للإحْصَانِ والعَفافِ له أو لزَوْجِهِ.
وفي هذا وفي قولِه تعالى بعدَ ذلك: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ دليلٌ على وجوبِ المهرِ في النِّكَاح، وتقدَّمَ الكلامُ على المهرِ وأحكامِهِفدي سورةِ البقرةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [٢٣٧]، وفي أولِ سُورةِ النِّساءِ عندَ قولِه تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [١].
стр. 800
نكاحُ المُتْعةِ:
وفي الآيةِ: إشارةٌ إلى مُتْعةِ النِّساءِ قبلَ النسخِ في قولِه تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنّ أُجُورَهُنَّ﴾، وكان ابنُ عبَّاسٍ وأُبَيٌّ يَقرَأانِ: "فَمَا اسْتمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلى أجَلٍ مسمَّى" (١).
وعامَّةُ السلفِ والأئمَّةِ على نسحِ نِكاحِ المُتْعةِ وتحريمِهِ؛ وإنَّما اختلَفُوا في عَدَدِ مَرَّاتِ حِلِّهِ ونَسْخِهِ:
فمنهم مَن قال: إنَّ اللهَ أحَلَّهُ ثمَّ حرَّمَهُ ثمَّ نسَخَ التحريمَ فأحَلَّه ثمَّ نسَخَه إلى التحريم، وكان ختامُ الأمرِ النسخَ؛ وهذا قولُ الشافعيِّ.
ومنهم مَن قال: إنَّ اللهَ حرَّمَهُ مرةً واحدةً، ولم يُحرَّمْ غيرَها، وبَقِيَ التحريمُ على ذلك.
ولابنِ عبَّاسٍ قولٌ بحِلِّ نِكاح المتعةِ للحاجَة، ورُوِيَ عن أحمدَ للضرورة، ولا شَكَّ أنَّه دونَ الزِّنى؛ لأنَّ اللهَ لا يُحِلُّ الزِّنى، وقد أَحَلَّ اللهُ المتعةَ، ثمَّ حرَّمَها، والتحريمُ مقطوعٌ به مستفيضٌ في السُّنَّةِ؛ ومِن ذلك ما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ؛ قال: "نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عَنْ نِكَاحِ المُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ" (٢).
ومِن ذلك: ما في مسلمٍ؛ مِن حديثِ الربيعِ بنِ سَبْرَةَ بنِ مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ، عن أبيه؛ أنَّه غَزَا مع رسولِ اللهِ ﷺ يومَ فتحِ مكةَ، فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الاسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاء، وَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ، فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ، وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيْئًا) (٣).
стр. 801
وفي روايةٍ عندَ أبي داودَ: أنَّ ذلك كاد في حَجَّةِ الوداعِ (١)؛ وهي روايةٌ شاذَّةٌ.
وفي مسلمٍ؛ مِن حديثِ سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ: "رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَامَ أَوْطَاسٍ فِي المُتْعَةِ ثَلَاثًا، ثُمَّ نَهَى عَنْهَا" (٢)
وعامُ أَوْطَاسٍ وفتحِ مكةَ واحدٌ.
ورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسِ روايةٌ بالتحريم، وروايةُ الجوازِ أصحُّ عنه وأشهَرُ.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾.
على قولِ مَن قال: إنَّ الآيةَ نَزَلَتْ في نِكاحِ المُتْعة، والمتعةُ هي النكاحُ إلى أجَلٍ بيِّنِ مشروطٍ، فمعنى الآيةِ: لا حَرَجَ عليكم مِن الزيادةِ على ذلك الأجَلِ المُسمَّى بإضافةِ أجَلٍ جديدٍ قبلَ أنْ يَحِلَّ الأجَلُ الأَولُ، فإذا حَلَّ، مَلَكَتْ نفسَها مِن زوجِها.
وقال ابنُ عبَّاسٍ في التراضِي بالآيةِ بعدَ الفريضةِ: أنْ يُوَفِّيَها مهرَها ثمَّ يُخيِّرَها بينَ البقاءِ عندَهُ وبينَ مفارقتِهِ إحسانًا ومعروفًا منه، وهو صحيحٌ عنه؛ رواهُ عليُّ بنُ أبي طلحةَ عنه؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ وغيرُهُ (٣).
وختمُ اللهِ لِمَا سَبَقَ بقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ إشارةٌ إلى أنَّ اللهَ لا يَقْضِي لعِبادِهِ إلا الحقَّ والخيرَ ممَّا يُصْلِحُهُمْ، فيَحْكُمُ بعِلْمٍ ويَقضي برَحْمةٍ؛ فإنَّ مِن القضاءِ وحُكْمِ اللهِ ما لا تَظهَرُ حِكْمَتُهُ وعِلَّتُهُ لبعضِ الناسِ؛ فوَكَلَ اللهُ ذلك لعِلْمِهِ الواسعِ الذي لا يُحِيطُ له أحدٌ،
стр. 802
والواجبُ التسليمُ والرِّضَا والانقيِادُ ولو قَصَرَتِ الأفهامُ عن المقاصِد، وهذه مرتبةُ أهلِ اليقينِ والصِّدْقِ مِن المؤمنينَ لا يَمنَعُهم خفاءُ لعِللِ عن التسليمِ والرِّضَا.
* * *
* قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النساء: ٢٥].
بعدَما ذكَرَ اللهُ في الآياتِ السابقاتِ ما يَحرُمُ وما يَحِلُّ مِن النِّساءِ الحرائرِ والإماءِ, ذكَرَ التفاضُلَ بينَ نِكاحِ الحرائرِ والإماءِ وأنَّ الأَوْلى نكاحُ الحرائرِ مِن الحُرِّ، وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾؛ يعني: قدرةً ماليَّةً تجعَلُهُ يتمكَّنُ مِن نِكاحِ الحرائرِ.
وفي هذا: استحبابُ اختبارِ الزوجاتِ وتحرِّي الأعراقِ والأحسابِ الشريفةِ لنجابةِ الولدِ ونَسَبِه، وأعظَمُ ذلك حَسَبُ الدِّينِ وشرفُه.
الوليُّ في نكاحِ الإماءِ:
وقولُه تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنّ﴾ فيه دلالةٌ على وجوبِ الوليِّ في النِّكاحِ حتى للإماء، ووليُّ الأَمَةِ سيِّدُها ولو كان أبوها وأخوها حيًّا معلومًا، ولو كان حرًّا؛ فهو يَمْلِكُ أَمْرَه، لا يَملِكُ أَمْرَ غيرِه.
والسيِّدُ وليُّ العبد، لا يَنكِحُ إلا بإذنِ سيِّدِهِ كالأمَةِ؛ وفي الحديثِ
стр. 803
قال ﷺ : (أَيُّمَا عَنْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيه، فَهُوَ عَاهِرٌ) (١)، وإنْ كانتْ سيِّدةُ الأَمَةِ امرأةً، لا تُزَوِّجُها؛ لأنَّ المرأةَ لا تتولَّى في النِّكاحِ؛ لما في الحديثِ: (لَا تُزَوَّجُ المَرْأَةُ المَرْأَةَ، وَلَا تُزَوِّجُ المَرْأَةُ نَفْسَهَا؛ فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا) (٢).
إذنُ السيِّد لزواجِ اليتيمة:
ولا خلافَ عندَ العلماءِ أنَّ الأَمَةَ لا تَتزوَّجُ إلا بإذنِ سيِّدِها؛ حتى لا يكونَ ذلك ذريعةً للزِّنى؛ لكثرةِ خروجِ الإماءِ ودخولِهِنَّ في خِدْمةِ أهلِهِنَّ، والعبدُ كالأَمَةِ إذنُهُ بيدِ سيِّدِه؛ لأنَّ نِكاحَهُ يَقتضي انشغالَهُ وحقَّ زوجِهِ عليه، وهذا يُفَوِّتُ حقَّ سيِّدِه، وهو أعظَمُ وآكَدُ؛ وهذا بلا خلافٍ.
حكمُ الزواجِ من الأمةِ:
وإنَّما اختلَفَ العلماءُ في أمرَيْنِ مِن نِكاحِ الإماء في الآية:
الأولُ: عدمُ الاستطاعةِ على نِكاحِ الحُرَّة: هل هو شرطٌ واجبٌ في نِكاحِ الإماءِ؟
الثاني: خوفُ العَنَتِ والزِّنى عندَ عدمِ نِكاحِ الأَمَةِ: هل هو شرطٌ في جوازِ نِكاحِها؟
وهذان الأمرانِ شرطانِ عندَ الجمهورِ في جوازِ نِكاحِ الأَمَة، ورُوِيَ ذلك عن الأئمَّةِ الأربعة، وبه قال عليٌّ وابنُ عبَّاسِ وجابرٌ وعطاءٌ والزهريُّ.
ورُوِيَ عن بعضِ السلفِ ويعضِ أهلِ الرأيِ: جوازُ ذلك مع الكراهة، وأنَّ الشروطَ في نِكاحِ الأَمَةِ في الآيةِ كشرطِ العَدْلِ في التعدُّدِ؛
стр. 804
كما قي قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]؛ فالنِّكاحُ جائزٌ، ويأثَمُ على عدمِ عدلِهِ وظُلْمِهِ لأزواجِه، وجمهورُ العلماءِ على جوازِ التعدُّدِ وإنْ خافَ عدمَ العدل، خلافًا لأبي حنيفةَ، فقد منَعَ مِن التعدُّدِ عندَ خوفِ عدمِ العدلِ.
والتفريقُ بين ابتداءِ النِّكاحِ وبينَ ديمومتِهِ هو الأَلْيَق والأَنْسَبُ لإحكامِ الشريعةِ وعدلِها؛ فأصلُ التعدُّدِ في النِّكاحِ مشروعٌ؛ لا يحرُمُ لمجرَّدِ خشيةِ عدمِ العدلِ والخوفِ منه، وإذا عدَّدَ ولم يَعدِلْ، فلا يخلُو مِن حالَيْنِ:
الأُولى: إنْ خَشِيَ الزِّنى والعَنَتَ بطلاقِه، أَبْقاها واجتَهَدَ بالعدل، ويأثَمُ على ظُلمِه، ويُعذَرُ بنكاحِهِ خوفَ الزِّنى.
الثانيةُ: إنْ لم يَخْشَ الزِّنى، فيحرُمُ عليه إبقاءُ الزوجةِ مع ظُلْمِها.
فعدمُ الطَّوْلِ وخوفُ العَنَتِ ليسَا شرطًا في نكاحِ الإماء، فمَن تزوَّجَ أَمَةً، ثمَّ قَدَرَ على الزواجِ بحُرَّةٍ، لا يجبُ عليه طلاقُ الأَمَةِ بعدَ ذلك؛ وبهذا قال عطاءٌ والشافعيُّ، وهو قولُ أصحابِ أبي حنيفةَ وأحمدَ.
وقيل: بفسخِ نِكاحِ الأَمَةِ بمجرَّدِ القدرةِ على نِكاحِ الحُرَّةِ؛ وبه قال مسروقٌ والنخَعيُّ.
وقال أحمدُ ومالكٌ وغيرُهما: إنَّ الحرةَ تخيَّرُ بينَ البقاءِ والطلاقِ؛ إنْ لم تَعلَمْ بالأَمَةِ التي مع زوجِها قَبلَها.
نكاحُ الأمةِ غير المؤمنةِ:
وقولُه تعالى، ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أخَذَ منه بعضُ السلفِ عدمَ جوازِ نِكاحِ الأَمَةِ غيرِ المؤمنة، وإنْ جازَ وَطْؤُها بلا نكاحٍ تَسَرِّيًا، وهو قولُ الزُّهْريِّ والأوزاعيِّ، وبه أخَذَ مالكٌ والشافعيُّ، خلافًا لأبي حنيفةَ وجماعهِ أهلِ الرأيِ؛ لعدمِ اعتدادِهم بدَلَالةِ الخِطَابِ.
стр. 805
ويدُلُّ على ذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]؛ فسَّرَ ابنُ عبَّاسِ وابنُ عُمَرَ الإحصانَ: بالحُرِّيَّةِ.
والقياسُ عندَ أبي حنيفةَ: أنَّ مَن قَدَرَ على حُرَّةٍ كتابيَّةٍ، لم يَجُزْ له نِكاحُ أَمَةٍ كتابيَّةٍ؛ لأنَّه لا يخافُ العَنَتَ بنِكاحِ الكتابيَّةِ الحرةِ؛ وهذا قياسًا على الحرةِ مع الأَمَةِ.
مهرُ زواجِ الأَمَةِ:
ويجبُ للأَمَةِ مهرُها في زواجِها بما يُعرَفُ عندَ الناس، فلا تُبخَسُ لكونِها أمَةً، لقوله تعالي: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وظاهرُ الآيةِ: أنَّ الصَّدَاقَ للأَمَة، لا لسيِّدِها؛ وبه قال مالكٌ، خلافًا للجمهورِ؛ لأنَّ الأَمَةَ لسيِّدِها، وإنْ مَلَكَتْ بعملٍ أو إجارةٍ أو حِرْفةٍ، فهو لسيِّدِها؛ لأنَّه يَملِكُها ومالَها، وألحَقُوا المهرَ بغيرِه مِن المالِ والمنافعِ.
وقولُه تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾: اختُلِفَ في المرادِ بالإحصانِ؛ فابنُ مسعودٍ يرَى أنَّه الإسلامُ (١)، وابنُ عبَّاسِ يرَى أنَّه النِّكاحُ (٢)، وبقولِ ابنِ مسعودٍ قال جماعةٌ، كالشَّعْبيِّ والحسنِ والنخَعيِّ والسُّدِّيُ والأعمشِ والشافعيِّ (٣).
العقوبةُ على زنى الأَمَةِ:
وعامَّةُ العلماءِ على أنَّ الأَمَةَ لا رَجْمَ عليها حتى تتزوِّجَ بعدَ حُرِّيَّتِها، ولو تزوَّجَتْ وهي أَمَةٌ، ثمَّ أُعتِقتْ، لم يُعْتَدَّ بزواجِها حالَ رِقِّها إلَّا إنِ استمَرَّتْ عليه وهي حُرَّةٌ؛ لأنَّ العقوبةَ تكونُ على الزِّنى، والزِّنى لا بدَّ أنْ يَسْبِقَهُ إحصانٌ وحريَّةٌ، والرجمُ لا يُنَصَّفُ؛ فاللَّهُ يقول: ﴿فَعَلَيْهِنَّ
стр. 806
نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾؛ فدَلَّ على أنَّ العقوبةَ محصورةٌ بما يُنصَّفُ، وهو الجَلْدُ، خلافًا لأبي ثَوْرٍ، فقد قال بأنَّ الأَمَةَ المُحصَنةَ تُرجَمُ.
ولا خلافَ عندَ العلماءِ: أنَّ جَلْدَها لا يَزِيدُ على الخمسينَ؛ لأنَّه الحَدُّ المنصوصُ عليه في سورةِ النورِ للحُرَّةِ؛ كلما سيأتي.
والسُّنَّةُ لم تُفرِّقْ بينَ الأَمَةِ المتزوِّجةِ وغيرِها في الزِّنى؛ فنصَّتْ على عقوبةٍ واحدةٍ ولو تكرَّرَ الزِّنى، مِن غيرِ تفصيلٍ في الحالِ؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال: قال ﷺ : (إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ، فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ئُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَبِعْهَا، وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ) (١).
وعقوبةُ الزِّنى على الأَمَةِ حدٌّ، لا تعزيرٌ؛ لقولِه: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ عندَ عامَّةِ السلفِ؛ وإنَّما الخلافُ عندَهم في حدِّ الأَمَةِ: هل يجبُ ذلك بعدَ زواجِها أو لا فرقَ بينَ المتزوِّجةِ وغيرِ المتزوِّجةِ مِن الإماءِ؟ :
فمَن فسَّر الإحصانَ بالنِّكاحِ في الآيةِ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، فرَّقَ بينَ المتزوِّجةِ وغيرِها، وجعَلَ الحَدَّ على المتزوِّجةِ فحَسْبُ، وعلى غيرِها التعزيرَ والتأديبَ والزجرَ والتثريبَ؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ كما سبَقَ، وبه قال طاوسٌ وغيرُه.
والأظهَرُ: وجوبُ الحدِّ مطلقًا؛ ففي" الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ، وزيدِ بنِ خالدٍ" أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ
стр. 807
تُحْصِنْ؟ قَالَ: (إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَبِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ) (١).
وهو قولُ الأئمَّةِ الأربعة، وعندَهم يُقاسُ العبدُ على الأَمَةِ؛ خلافًا لأهلِ الظاهرِ.
وقولُه لعالى بعدَ ذِكْرِ عقوبةِ الحدِّ: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ذلك لأنَّ الآيةَ لدفعِ مُوَاقَعَةِ الذنبِ؛ ببيانِ الأحكامِ وسَنِّ الحدود، وإنْ لم تَضْبِطْهُ الحدودُ وتجاوَزَ الأحكامَ، فبابُ التوبةِ مفتوحٌ له؛ فاللهُ غفورٌ للمذنِبِ المتجاوِز، رحيمٌ به.
وفي الآيةِ: ذِكرٌ لغُفرانِ اللهِ ورحمتِه بعدَ حدِّ الزِّنى للأَمَةِ؛ إشارةً إلى أنَّ الحدودَ كفَّارةٌ لأصحابِها، ولو لم يكنْ في ذلك توبةٌ خاصَّةٌ بذاتِ الذنب؛ لأنَّ اللهَ لا يَجْمَعُ على عبدِه عقوبتَيْنِ؛ ففي "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ عُبَادَةَ؛ قال ﷺ : (وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَأُخِذَ بِهِ فِي الدُّنْيَا، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَطَهُورٌ) (٢).
وقيل: بأنَّ الحدودَ لا تُكفِّرُ الذنبَ حتى يُتابَ منه؛ استدلالًا بما رُوِيَ مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: (مَا أَدْرِي الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ لأَهْلِهَا أَمْ لَا! ) (٣)، وهو حديثٌ مُنكَرٌ أَعَلَّهُ البخاريُّ؛ حيثُ أخرَجَ خلافَهُ؛ بل قال: لا يَثْبُتُ.
والصوابُ فيه الإرسالُ مِن مُرسَلِ الزهريِّ (٤).
* * *
(١) أخرجه البخاري (٢١٥٣) (٣/ ٧١)، ومسلم (١٧٠٣) (٣/ ١٣٢٩).
(٢) أخرجه البخاري (٦٨٠١) (٨/ ١٦٢).
(٣) أخرجه البزار في "مسنده" (٨٥٤١) (١٥/ ١٧٦)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٣٦) و (٢/ ١٤ و ٤٥٠)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٨/ ٣٢٩).
(٤) "التاريخ الكبير" للبخاري (١/ ١٥٣).
стр. 808
* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩].
تقدَّمَ في سورةِ البقرةِ الكلامً على أكلِ أموالِ الناسِ بالباطل، والتحايُلِ في أخْذِها بكَتْم البيِّناتِ والأدلَّة، وأخذِها بحُكْمِ الحاكمِ؛ في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
عصمةُ مالِ المسلِمِ ودَمِهِ:
وفي هذه الآيةِ وأمثالِها في القرآنِ: دليلٌ على عِصْمةِ مالِ المُسلِمِ ودمِه، وتوجيهُ الخِطَابِ في الآيةِ إلى الذين آمَنُوا: دليلٌ على أنَّ الأصلَ في أموالِ المسلِمِينَ ودمائِهم العِصْمةُ، وفي دليلِ الخِطابِ: أنَّ الأصلَ في أموالِ المشرِكِينَ ودمائِهم الحِلُّ، إلا ما عَصَمَهُ اللهُ بحُكْمٍ؛ كأهلِ الذِّمَّةِ والعهدِ والأمانِ.
وفي قوله تعالى: ﴿تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾، وقولِه، ﴿تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ إشارةٌ إلى أنْ ينظُرَ المؤمِنُ إلى عِصْمةِ مالِ أخيهِ المسلِمِ؛ كما ينظُرُ إلى عِصْمةِ مالِه هو ودمِه؛ فنفوسُهُمْ وأموالُهُمْ سواءٌ، لا تتفاضَلُ لاختلافِ منازلِهم ومَراتبِهم وأجناسِهم وأعراقِهم؛ فعِصْمةُ مالِ الصغيرِ ودمِه كعِصْمةِ الكبيرِ ودمِه، وعِصْمةُ مالِ المرأةِ ودمِها كعِصْمةِ مالِ الرجُلِ ودمِه، وعِصْمةُ مالِ الضعيفِ ودمِه كعِصْمةِ مالِ الشريفِ ودمِه.
وفي قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ دليلٌ على أنَّ الأصلَ في أعمالِ التجارةِ: الحِلُّ؛ حيت استَثْناها مِن أكلِ أموالِ الناسِ بالباطل؛ وهذا قولُ جمهورِ العلماء، وقيَّدَ التجارةَ بالرضا، وليس قيدُ الرضا وحدَه يَمنَعُ مِن تحريمِ التجارةِ؛ فقد تكونُ رِبًا أو غَرَرًا ولو عن
стр. 809
تَرَاضٍ فتَحرُمُ، ولكنَّ سياقَ الآيةِ في بيانِ تحريمِ أخذِ مالِ الناسِ بالباطل، والأصلُ في النفوسِ المؤمنةِ: أنَّها لا تَرْضَى بالباطلِ والحرام، فجاء سياقُ الآيةِ على ذلك.
وجاء في سببِ نزولِ هذه الآيةِ والمقصودِ منها آثارٌ عن غيرِ واحدٍ مِن السلفِ؛ مِن ذلك ما جاء عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ في الرجُلِ يشتري مِن الرجُلِ الثوبَ، فيقولُ: إنْ رَضِيتَهُ أخَذْتَه، وإلا رَدَدتَّهُ ورَدَدتَّ معه دِرْهَمًا، قال: هو الذي قال اللَّهُ: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.
أخرَجَه ابنُ جريرٍ (١).
وروى أيضًا عن يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عن عِكْرِمةَ والحسنِ البصريِّ، قالا في قولِه ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ الآيةَ: فكان الرجُلُ يتحرَّجُ أنْ يأكُلَ عندَ أحدٍ مِن الناسِ بعدَما نزَلَتْ هذه الآيةُ، فنُسِخَ ذلك بالآيةِ التي في" سورةِ النورِ"؛ فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] (٢).
أخذُ المالِ بسفِ الحياءِ:
وفي قولِهِ تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ دليلٌ على عدمِ جواز أخذِ المالِ مِن غيرِ طِيبِ نَفْسٍ؛ كأخذِهِ بسَيْفِ الحياءِ أو الترهيب، وهذا إكراهٌ، والإكراهُ على نوعَيْنِ:
ظاهرٌ: وهو الغَصْبُ والسَّلْبُ والنَّهْبُ.
وباطنٌ: وهو أخذُهُ بسَيْفِ الحياء، أو لضَعْفِ البائعِ وقُوَّةِ
стр. 810
المُشترِي، فيَغلِبُ على الظنِّ بيعُهُ لأجلِ الخوفِ مِن امتناعِهِ مِن البيعِ.
وفي الآيةِ: وجوبُ ظُهورِ الرِّضا أو قرينتِهِ التي تدُلُّ على حصولِهِ باطنًا؛ فما كلُّ النفوسِ تَقْدِرُ على إظهارِ ما تَكْرَهُ، وفي قولِهِ تعالى في مهرِ الزوجةِ وصَدَاقِها: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ [النساء: ٤] فطِيبُ النفسِ لا بدَّ منه , فما يخرُجُ مع خبثِ نفسٍ وعدمِ رِضًا محرَّمٌ؛ لأنَّه إكراهٌ باطنٌ.
حكمُ المعاقَدة في البيوعِ:
وقد استدَلَّ بعضُ الفقهاء بقولِه: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ على وجوبِ المعاقَدةِ في البيوعِ وعدمِ جوازِ بيعِ المعاطاةِ؛ لأنَّ الشارعَ اشترَطَ الرِّضا، والرِّضا لا يظهَرُ إلا بالمعاقَدةِ كتابةً أو شهادةً أو قولًا بينَ المُتبايِعَيْنِ بالقَبولِ والإيجابِ.
وفي هذا نظرٌ؛ فالمعاطاةُ بينَ المُتبايعَيْنِ كافيةٌ في صِحَّةِ البيعِ عندَ عامَّةِ السلف، وجاريةٌ في عُرْفِ الصَّدْرِ الأول، وخاصَّةً في صغيرِ السلعِ وحقيرِها الني يثقُلُ في مِثلِها المعاقدةُ ولو قوليَّةً، فيَجري الناسُ في أخذِها مَجرى العادةِ لمَثيلاتِها، فيدخُلُ المُشترِي مَتْجَرًا، فيأخُدُ سلعةً يَشتَهِرُ ثمنُها عُرْفًا، ويُقدِّمُ ثمَنَها للبائع، ويَمضي مِن غيرِ قولٍ أو كتابةٍ أو شهادةٍ؛ وهذا عليه عملُ الصَّدْرِ الأولِ والناسِ إلى يومِنا لا يُشدِّدونَ فيه؛ وهذا قولُ جمهورِ الفقهاءِ؛ كالمالكيَّةِ والحنفيَّةِ والحنابلةِ؛ خلافًا للشافعيَّةِ الذين لا يرَوْنَ المعاطاةَ بيعًا؛ أخذًا بظاهرِ الآية، وبقولِه ﷺ : (إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ) (١).
وبعضُ فُقهاءِ الشافعيَّةِ يُقيِّدُ جوازَ بيعِ المعاطاةِ بالمُحقَّرات، ومَنَعَهُ في كرائمِ المالِ وعزيزِه.