نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾؛ فدَلَّ على أنَّ العقوبةَ محصورةٌ بما يُنصَّفُ، وهو الجَلْدُ، خلافًا لأبي ثَوْرٍ، فقد قال بأنَّ الأَمَةَ المُحصَنةَ تُرجَمُ.
ولا خلافَ عندَ العلماءِ: أنَّ جَلْدَها لا يَزِيدُ على الخمسينَ؛ لأنَّه الحَدُّ المنصوصُ عليه في سورةِ النورِ للحُرَّةِ؛ كلما سيأتي.
والسُّنَّةُ لم تُفرِّقْ بينَ الأَمَةِ المتزوِّجةِ وغيرِها في الزِّنى؛ فنصَّتْ على عقوبةٍ واحدةٍ ولو تكرَّرَ الزِّنى، مِن غيرِ تفصيلٍ في الحالِ؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال: قال ﷺ : (إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ، فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ئُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَبِعْهَا، وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ) (١).
وعقوبةُ الزِّنى على الأَمَةِ حدٌّ، لا تعزيرٌ؛ لقولِه: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ عندَ عامَّةِ السلفِ؛ وإنَّما الخلافُ عندَهم في حدِّ الأَمَةِ: هل يجبُ ذلك بعدَ زواجِها أو لا فرقَ بينَ المتزوِّجةِ وغيرِ المتزوِّجةِ مِن الإماءِ؟ :
فمَن فسَّر الإحصانَ بالنِّكاحِ في الآيةِ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، فرَّقَ بينَ المتزوِّجةِ وغيرِها، وجعَلَ الحَدَّ على المتزوِّجةِ فحَسْبُ، وعلى غيرِها التعزيرَ والتأديبَ والزجرَ والتثريبَ؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ كما سبَقَ، وبه قال طاوسٌ وغيرُه.
والأظهَرُ: وجوبُ الحدِّ مطلقًا؛ ففي" الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ، وزيدِ بنِ خالدٍ" أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ
стр. 807
تُحْصِنْ؟ قَالَ: (إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَبِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ) (١).
وهو قولُ الأئمَّةِ الأربعة، وعندَهم يُقاسُ العبدُ على الأَمَةِ؛ خلافًا لأهلِ الظاهرِ.
وقولُه لعالى بعدَ ذِكْرِ عقوبةِ الحدِّ: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ذلك لأنَّ الآيةَ لدفعِ مُوَاقَعَةِ الذنبِ؛ ببيانِ الأحكامِ وسَنِّ الحدود، وإنْ لم تَضْبِطْهُ الحدودُ وتجاوَزَ الأحكامَ، فبابُ التوبةِ مفتوحٌ له؛ فاللهُ غفورٌ للمذنِبِ المتجاوِز، رحيمٌ به.
وفي الآيةِ: ذِكرٌ لغُفرانِ اللهِ ورحمتِه بعدَ حدِّ الزِّنى للأَمَةِ؛ إشارةً إلى أنَّ الحدودَ كفَّارةٌ لأصحابِها، ولو لم يكنْ في ذلك توبةٌ خاصَّةٌ بذاتِ الذنب؛ لأنَّ اللهَ لا يَجْمَعُ على عبدِه عقوبتَيْنِ؛ ففي "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ عُبَادَةَ؛ قال ﷺ : (وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَأُخِذَ بِهِ فِي الدُّنْيَا، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَطَهُورٌ) (٢).
وقيل: بأنَّ الحدودَ لا تُكفِّرُ الذنبَ حتى يُتابَ منه؛ استدلالًا بما رُوِيَ مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: (مَا أَدْرِي الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ لأَهْلِهَا أَمْ لَا! ) (٣)، وهو حديثٌ مُنكَرٌ أَعَلَّهُ البخاريُّ؛ حيثُ أخرَجَ خلافَهُ؛ بل قال: لا يَثْبُتُ.
والصوابُ فيه الإرسالُ مِن مُرسَلِ الزهريِّ (٤).
* * *
(١) أخرجه البخاري (٢١٥٣) (٣/ ٧١)، ومسلم (١٧٠٣) (٣/ ١٣٢٩).
(٢) أخرجه البخاري (٦٨٠١) (٨/ ١٦٢).
(٣) أخرجه البزار في "مسنده" (٨٥٤١) (١٥/ ١٧٦)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٣٦) و (٢/ ١٤ و ٤٥٠)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٨/ ٣٢٩).
(٤) "التاريخ الكبير" للبخاري (١/ ١٥٣).
стр. 808
* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩].
تقدَّمَ في سورةِ البقرةِ الكلامً على أكلِ أموالِ الناسِ بالباطل، والتحايُلِ في أخْذِها بكَتْم البيِّناتِ والأدلَّة، وأخذِها بحُكْمِ الحاكمِ؛ في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
عصمةُ مالِ المسلِمِ ودَمِهِ:
وفي هذه الآيةِ وأمثالِها في القرآنِ: دليلٌ على عِصْمةِ مالِ المُسلِمِ ودمِه، وتوجيهُ الخِطَابِ في الآيةِ إلى الذين آمَنُوا: دليلٌ على أنَّ الأصلَ في أموالِ المسلِمِينَ ودمائِهم العِصْمةُ، وفي دليلِ الخِطابِ: أنَّ الأصلَ في أموالِ المشرِكِينَ ودمائِهم الحِلُّ، إلا ما عَصَمَهُ اللهُ بحُكْمٍ؛ كأهلِ الذِّمَّةِ والعهدِ والأمانِ.
وفي قوله تعالى: ﴿تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾، وقولِه، ﴿تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ إشارةٌ إلى أنْ ينظُرَ المؤمِنُ إلى عِصْمةِ مالِ أخيهِ المسلِمِ؛ كما ينظُرُ إلى عِصْمةِ مالِه هو ودمِه؛ فنفوسُهُمْ وأموالُهُمْ سواءٌ، لا تتفاضَلُ لاختلافِ منازلِهم ومَراتبِهم وأجناسِهم وأعراقِهم؛ فعِصْمةُ مالِ الصغيرِ ودمِه كعِصْمةِ الكبيرِ ودمِه، وعِصْمةُ مالِ المرأةِ ودمِها كعِصْمةِ مالِ الرجُلِ ودمِه، وعِصْمةُ مالِ الضعيفِ ودمِه كعِصْمةِ مالِ الشريفِ ودمِه.
وفي قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ دليلٌ على أنَّ الأصلَ في أعمالِ التجارةِ: الحِلُّ؛ حيت استَثْناها مِن أكلِ أموالِ الناسِ بالباطل؛ وهذا قولُ جمهورِ العلماء، وقيَّدَ التجارةَ بالرضا، وليس قيدُ الرضا وحدَه يَمنَعُ مِن تحريمِ التجارةِ؛ فقد تكونُ رِبًا أو غَرَرًا ولو عن
стр. 809
تَرَاضٍ فتَحرُمُ، ولكنَّ سياقَ الآيةِ في بيانِ تحريمِ أخذِ مالِ الناسِ بالباطل، والأصلُ في النفوسِ المؤمنةِ: أنَّها لا تَرْضَى بالباطلِ والحرام، فجاء سياقُ الآيةِ على ذلك.
وجاء في سببِ نزولِ هذه الآيةِ والمقصودِ منها آثارٌ عن غيرِ واحدٍ مِن السلفِ؛ مِن ذلك ما جاء عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ في الرجُلِ يشتري مِن الرجُلِ الثوبَ، فيقولُ: إنْ رَضِيتَهُ أخَذْتَه، وإلا رَدَدتَّهُ ورَدَدتَّ معه دِرْهَمًا، قال: هو الذي قال اللَّهُ: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.
أخرَجَه ابنُ جريرٍ (١).
وروى أيضًا عن يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عن عِكْرِمةَ والحسنِ البصريِّ، قالا في قولِه ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ الآيةَ: فكان الرجُلُ يتحرَّجُ أنْ يأكُلَ عندَ أحدٍ مِن الناسِ بعدَما نزَلَتْ هذه الآيةُ، فنُسِخَ ذلك بالآيةِ التي في" سورةِ النورِ"؛ فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] (٢).
أخذُ المالِ بسفِ الحياءِ:
وفي قولِهِ تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ دليلٌ على عدمِ جواز أخذِ المالِ مِن غيرِ طِيبِ نَفْسٍ؛ كأخذِهِ بسَيْفِ الحياءِ أو الترهيب، وهذا إكراهٌ، والإكراهُ على نوعَيْنِ:
ظاهرٌ: وهو الغَصْبُ والسَّلْبُ والنَّهْبُ.
وباطنٌ: وهو أخذُهُ بسَيْفِ الحياء، أو لضَعْفِ البائعِ وقُوَّةِ
стр. 810
المُشترِي، فيَغلِبُ على الظنِّ بيعُهُ لأجلِ الخوفِ مِن امتناعِهِ مِن البيعِ.
وفي الآيةِ: وجوبُ ظُهورِ الرِّضا أو قرينتِهِ التي تدُلُّ على حصولِهِ باطنًا؛ فما كلُّ النفوسِ تَقْدِرُ على إظهارِ ما تَكْرَهُ، وفي قولِهِ تعالى في مهرِ الزوجةِ وصَدَاقِها: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ [النساء: ٤] فطِيبُ النفسِ لا بدَّ منه , فما يخرُجُ مع خبثِ نفسٍ وعدمِ رِضًا محرَّمٌ؛ لأنَّه إكراهٌ باطنٌ.
حكمُ المعاقَدة في البيوعِ:
وقد استدَلَّ بعضُ الفقهاء بقولِه: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ على وجوبِ المعاقَدةِ في البيوعِ وعدمِ جوازِ بيعِ المعاطاةِ؛ لأنَّ الشارعَ اشترَطَ الرِّضا، والرِّضا لا يظهَرُ إلا بالمعاقَدةِ كتابةً أو شهادةً أو قولًا بينَ المُتبايِعَيْنِ بالقَبولِ والإيجابِ.
وفي هذا نظرٌ؛ فالمعاطاةُ بينَ المُتبايعَيْنِ كافيةٌ في صِحَّةِ البيعِ عندَ عامَّةِ السلف، وجاريةٌ في عُرْفِ الصَّدْرِ الأول، وخاصَّةً في صغيرِ السلعِ وحقيرِها الني يثقُلُ في مِثلِها المعاقدةُ ولو قوليَّةً، فيَجري الناسُ في أخذِها مَجرى العادةِ لمَثيلاتِها، فيدخُلُ المُشترِي مَتْجَرًا، فيأخُدُ سلعةً يَشتَهِرُ ثمنُها عُرْفًا، ويُقدِّمُ ثمَنَها للبائع، ويَمضي مِن غيرِ قولٍ أو كتابةٍ أو شهادةٍ؛ وهذا عليه عملُ الصَّدْرِ الأولِ والناسِ إلى يومِنا لا يُشدِّدونَ فيه؛ وهذا قولُ جمهورِ الفقهاءِ؛ كالمالكيَّةِ والحنفيَّةِ والحنابلةِ؛ خلافًا للشافعيَّةِ الذين لا يرَوْنَ المعاطاةَ بيعًا؛ أخذًا بظاهرِ الآية، وبقولِه ﷺ : (إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ) (١).
وبعضُ فُقهاءِ الشافعيَّةِ يُقيِّدُ جوازَ بيعِ المعاطاةِ بالمُحقَّرات، ومَنَعَهُ في كرائمِ المالِ وعزيزِه.
стр. 811
عصمةُ الأموالِ والأنفُسِ والدفعُ عنها:
ثمَّ ذكَرَ الله تحريمَ قتلِ النفسِ بقولِه ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ بعدَما ذكَرَ تحريمَ أموالِ المؤمِنينَ وأخذِها بالباطل، وليس هذا تعظيمًا للأموالِ على الأنفُس، ولكنْ يظهَرُ أنَّ في ذِكرِ قتلِ النفوسِ بعدَ الأموالِ إشارةً إلى أنَّ أكثرَ ما يتنازَعُ الناسُ وَيتخاصَمونَ ويَتقاتَلونَ بسببِ الأموالِ وعدمِ امتثالِ أمرِ اللهِ وحدودِه في الأموالِ؛ فيَبْغِي بعضُهم على بعض، وَيسْرِقُ بعضُهم بعضًا، ويَغُشُّ وَيَغُرُّ ويَخدَعُ ويُدلِّسُ بعضُهم على بعضٍ، فيَتنازَعونَ ويَتقاتَلونَ لِما جُبِلَتْ عليه النفوسُ مِن الشُّحِّ والطمعِ والأثَرَةِ.
وليس في الآيةِ نهيٌ عن دفعِ الإنسانِ عن مالِهِ؛ إذا أُرِيدَ منه ظُلْمًا وغضبًا، فله أنْ يدفَعَ الصائلَ عنه، وقد استفاضَتِ الأحاديثُ في ذلك؛ ففي "صحيحِ مسلمٍ"، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: (فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ)، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: (قَاتِلْهُ)، قَالَ: أَرَأيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: (فَأَنْتَ شَهِيدٌ)، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: (هُوَ فِي النَّارِ) (١).
وفي الحديثِ الآخَرِ: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِه، فَهْوَ شَهِيدٌ) (٢).
وفي الباب مِن حديثِ قَابُوسَ بْنِ أبي المُخَارِق، عن أبيهِ؛ عندَ أحمدَ والنَّسائيِّ (٣).
ومَن أُرِيدَ مالُهُ منه غصبًا، فهو بالخيارِ: إنْ شاء قاتَلَ دونَ مالِه ولو كان قليلًا، ولو قُتِلَ فهو شهيدٌ، أو يُسْلِمُ مالَهُ ليَحفَظَ نفسَهُ كأنْ يكونَ
стр. 812
المالُ المرادُ محقَّرًا، فالأَوْلى فِداءُ النفسِ به، ولو دفَعَ نفسَهُ ليَحفَظَ مالَه، جاز له، ولو قُتِلَ فهو شهيدٌ.
ومَن دافَعَ صائلًا عن مالِه، وقَتَلَ الصائلَ بأَدْنَى ما يدفَعُهُ، فكان القتلُ، فدمُ المقتولِ هَدَرٌ، فإذا لم يكنْ للقاتلِ بيِّنةٌ في دفعِ الصائل، فيقادُ به؛ لأنَّ الأصلَ عِصْمةُ دمِ المقتول، ولو قُتِلَ القاتلُ قِصاصًا وهو في الحقيقةِ يدفَعُ عن مالِه، كان شهيدًا في إقامةِ الحدِّ عليه، ويجبُ على القاضي قتلُهُ؛ لعدمِ البيِّنةِ على دَعْواه؛ لأنَّ في هذا حفظًا للأمرِ العامِّ وضبطًا له، ولىس في هذا تناقضٌ مِن إجازةِ الشريعةِ للرَّجُلِ الخالي مِن البيِّنةِ على دفعِ الصائلِ أنْ يدفَعَ الصائلَ ولو بقتلِهِ إنْ كان لا يَندفِعُ إلا به، وبينَ قتلِهِ بالمقتولِ قِصاصًا إنْ لم يكنْ معه بيِّنةٌ؛ حتى لا تُستباحَ النفوسُ بعُذْرِ دفعِ الصائلِ؛ فيَكثُرَ البَغْيُ مِن الظالمينَ على الناس، وَينتقِمَ الناسُ بعضُهم مِن بعضِ بالقتلِ بلا بيِّنةٍ.
ومِثلُ هذا دفعُ الرجلِ عن عِرْضِهِ وأهلِهِ ولو بالقتل، ولو لم تكنْ لدَيْهِ بيِّنةٌ على دفعِه، يُقادُ بِمَنْ قتَلَهُ قِصاصًا، ولو قُتِلَ قصاصًا، فهو شهيدٌ، والحاكمُ معذورٌ؛ لأنَّه يَحكُمُ بما ظهَرَ له، وهذا لا يُناقِضُ أمرَ الشارعِ له بأنْ يدفَعَ عن عِرْضِه، ولكن لِيَحميَ النظامَ العامَّ والدمَ العامَّ مِن الهدرِ والسفك، ولكيلا يتسلَّلَ الظلمُ والبغيُ والانتقامُ بحُجَج الدفعِ عن العِرْضِ؛ فيُخطَفَ الناسُ مِن بُيُوتِهم ليُوضَعُوا في البيوتِ ليُقتَلُّوا فيها بدَعْوَى الدفعِ عن العِرْض، فلو عَلِمَ أصحابُ الشهواتِ والظلمِ أنَّ القتلَ في البيوتِ يُسقِطُ الحدودَ وحدَهُ بلا بيِّنةٍ، لكان ذلك محلًّا لسفكِ الدماءِ.
ولهذا تأمُرُ الشريعةُ بالشيءِ الخاصِّ مِن وجهٍ، وتُعاقِبُ عليه مِن وجهٍ؛ فالأمرُ به لحفظِ الحقِّ الخاصِّ ببيِّنةٍ أو بغيرِ بيِّنةٍ، وتُعاقِبُ على عدمِ البيِّنةِ عليه؛ لحفظِ الأمرِ العامّ، وحتى لا تضيعَ الأموالُ وتُستباحَ
стр. 813
الأعراضُ، فلا يَدفَعُ الرجلُ عن مالِهِ وعِرْضِهِ؛ لعدمِ البيِّنة، بل له في الشرعِ ذلك، ولا يُحاسَبُ عليه في الآخِرة، وحدودُ الدُّنيا إنَّما هي لضبطِها واستقامةِ أمرِ الناسِ وحالِهم، واللهُ أعلَمُ.
* * *
* قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١].
بعدَما ذكَرَ اللهُ حدودَهُ والذنوبَ والكبائرَ، بيَّنَ وجوبَ الإقلاعِ عنها لنَيْلِ عفوِ اللهِ وصَفْحِهِ ومسامَحتِه، ومَن اجتنَبَ الكبائرَ، كان تركُهُ لها موجِبًا لعفوِ اللهِ له عن الصغائرِ واللَّمَمِ.
التوبةُ من الصغائر، مع وجود الكبائر:
ومَن تاب مِن صغيرةٍ مستوفيًا شروطَ التوبة، قُبِلَتْ توبتُهُ ولو كان مقيمًا على كبيرةٍ أخرى، لأنَّ اللهَ اشترَطَ لتكفيرِهِ وعفوِهِ عن ذنوبِ عبدِهِ الصغائرِ إنْ لم يتُبْ منها أنْ يَجتنِبَ الكبائرَ ولو لم يَتُبْ مِن صغائرِهِ بنفسِه.
تكفيرُ الصغائر بالأعمالِ الصالحةِ؛ مع وجودِ الكبائر:
وقد اختلَفَ العلماءُ في تكفيرِ الأعمالِ الصالحةِ للصغائر، مع وجودِ الكبائرِ:
فذهَبَ أكثرُ العلماءِ - وحَكَى ابنُ عبدِ البَرِّ إجماعَ العلماءِ (١) - إلى أنَّ الصلواتِ الخمسَ والجمعةَ ورمضانَ لا تُكفِّرُ الصغائرَ لِمَنْ هو مقيمٌ على كبائرَ، وأنَّ اجتنابَ الكبائرِ شرطٌ لتكفيرِ الأعمالِ الصالحةِ للصغائرِ؛ وذلك لِمَا ثبَتَ في "صحيحِ مسلمٍ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ؛
стр. 814
قال: (الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَة، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ: مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ) (١).
وبنحوِه عندَ مسلمٍ عن عثمانَ في الصلاةِ (٢).
وجاء عندَ النَّسائيِّ، مِن حديثِ أبي هريرةَ وأبي سعيدٍ: تقييدُ الاجتنابِ للسبعِ المُوبِقاتِ حاصَّةً لتكفيرِ الصغائرِ؛ قال ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - مَا مِنْ عَبْدٍ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ، ويُخْرِجُ الزَّكَاةَ، وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ السَّبْعَ، إِلَّا فُتِّحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ, فَقِيلَ لَهُ: ادْخُلْ بِسَلَامٍ) (٣).
ورواهُ أحمدُ وغيره منِ حديثِ أبي أيوبَ (٤).
وجاء موقوفًا عن ابنِ مسعودٍ وسَلْمانَ الفارسيِّ اشتراطُ تقييدِ التكفيرِ باجتنابِ الكبائرِ (٥).
ومِن العلماءِ: مَن يَرى تكفيرَ الصلواتِ والجمعةِ ورمضانَ للصغائرِ بكلِّ حالٍ ولو لم تُجتنَبِ الكبائرُ:
والأولُ أصحُّ؛ لظاهِرِ الأدلَّةِ وتصريحِها.
ويُستثنى مِن هذا: ما جاء مُطلَقًا بتكفيرِ الذنوبِ مِن غيرِ قيدٍ؛ كالحَجِّ؛ كما في قولِه ﷺ : (مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَم يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) (٦)، وكما في تكفيرِ صومِ يومِ عرفةَ وعاشوراءَ.
فتُحمَلُ هذه النصوصُ على عمومِها وسَعَتِها؛ فرحمةُ اللهِ أوسَعُ.
стр. 815
تقسيمُ الذنوبِ إلى كبائر وصغائِرَ:
وقد ذهَبَ بعضُ المتكلِّمينَ: إلى عدمِ تقسيمِ الذنوبِ إلى كبائرَ وصغائرَ؛ كالبَاقِلَّانِيِّ والإسْفَرَايِيِنيِّ وإمامِ الحرَمَيْنِ الجُوَيْنِيِّ.
والنصوصُ دالَّةٌ صريحةٌ متواترةٌ على تقسيمِ الذنوبِ إلى صغائرَ وكبائرَ؛ كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]، واللممُ هي الصغائرُ، وفي قولِه تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧]، وفي هذه الآيةِ تقسيمُ الذنوبِ إلى كفرٍ وفسقٍ، وهي الكبائرُ، وعصيانٍ، وهي الصغائرُ؛ وتنويعُها بالاسمِ دليلٌ على اختلافِ قَدْرِها.
وقد تواتَرَتِ الأحاديثُ على ذلك في "الصحيحَيْنِ"، وغيرِهما، وتقسيمُ الذنوبِ إلى ذلك محلُّ اتِّفاقٍ عندَ السلف، ونسبةُ غيرِ ذلك إلى بعضِ الصحابةِ؛ كابنِ عبَّاس، ليس المرادُ مِنه نفيَ تبايُنِ الذنوبِ في عِظَمِها وكِبَرِها؛ وإنَّما حتى لا يتساهَلَ الناسُ في مُقارَفةِ الصغائر، وله أقوالٌ كثيرةٌ ورواياتٌ متعدِّدةٌ في تقسيمِ الذنوبِ إلى كبائرَ وصغائرَ.
وإنَّما يَختلِفُ السلفُ في حدِّها وعدِّها؛ فالكبائرُ فيها مُوبِقاتٌ، وفيها كبائرُ لم تُوصَفْ بالمُوبِقَة، وفي الذُّنوبِ صغائرُ تتبايَنُ في صِغَرِها، وتبايُنُ الذُّنوبِ كتبايُنِ الطاعات، والقولُ بعدمِ تبايُنِ الذُّنوبِ كالقولِ لعدمِ تبايُنِ الطاعاتِ؛ لأنَّ لكلِّ طاعةٍ مأمورٍ بها ذنبًا يُقابِلُها مِثلَها؛ سواءٌ بتركِ الطاعة، أو الابتداعِ فيها، أو التساهُلِ في أدائِها.
اختلافُ الذنوب، بحَسَبِ القلوبِ:
والذنوبُ تختلفُ بحسَبِ أعمالِ القلوب؛ فقد يكونُ الذنبُ عظيمًا فيَقترِفُهُ العبدُ بقلبٍ خائفٍ وَجِلٍ مِن عقوبتِهِ وَأثرِه؛ فهذا الذنبُ في حقِّه أقلُّ مِن غيرِه، وقد يَقترِفُ العبدُ الصغيرةَ وهو مستهينٌ بها غيرُ مبالٍ بمَن عَصَى؛ فتكونُ في حقِّه أكبَرَ مِن غيرِه.
стр. 816
كما دخَلَتِ امرأةٌ النارَ في هِرَّةٍ (١)، وعفا اللهُ عمَّن لم يَعمَلْ خيرًا قَطُّ وأمَرَ أبناءَهُ بتحريقِه؛ لأنَّه فعَلَ ذلك خوفًا مِن اللهِ (٢)، والحديثانِ في "الصحيحَيْنِ".
وهذا كما أنَّه في بابِ مقاديرِ الذنوب، فكذلك في تكفيرِها؛ فقد يَعظُمُ العملُ الصالحُ القليلُ في مقابلِ ذنبٍ عظيمٍ مُوبِقٍ فيُكفِّرُ اللهُ الذنبَ العظيمَ بالعملِ الصالحِ القليلِ؛ كما كفَّرَ اللهُ للبَغِيِّ زِناها لأجلِ سَقْيِها الكلبَ، والحديثُ في "الصحيحينِ" (٣).
ويُشكِلُ عندَ كثيرٍ مِن الفقهاءِ: أنَّ الصلواتِ والجمعةَ ورمضانَ وهي أركانُ الإسلامِ - لا تُكَفِّرُ الصغائرَ إلَّا باجتناب الكبائر، والحجُّ دونَها وقد جاء في الحديثِ في الحاجِّ: (مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) (٤)، وظاهرُه العمومُ، ولكنْ يَحمِلُونَ حديثَ الحجِّ على حديثِ الصلاةِ والجمعةِ ورمضانَ؛ لأنِّه دونَها في الرُّكْنِيَّةِ والفضل، ويَظنُّونَ أنَّ التكفيرَ يكونُ بحجمِ العمل، وهذا ليس بلازمٍ؛ ففضلُ العبادةِ في ذاتِهِ لا يَعني فَضْلَها على ما دونَها في تكفيرِ السيِّئاتِ؛ فالفضلُ للعملِ الصالحِ خاصٌّ لا يَلزَمُ منه مماثلةُ التكفيرِ؛ فالتكفيرُ يحتاجُ إلى نصِّ خاصٍّ لمعرفةِ ما يأتي عليه مِن الذُّنوبِ ونوعِها، ولا يُؤخَذُ بالقياسِ المجرَّدِ لبابِ التفاضُلِ؛ فالأذكارُ تتفاضَلُ، وأفْضَلُها قولُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، ولكنَّ الاستغفارَ أَقْوَى في تكفيرِ الذنبِ المُعَيَّنِ مع فضلِ كلمةِ الإخلاصِ على الاستغفارِ؛ ولذا أرشَدَ الشارعُ عندَ الذُّنوبِ إلى الإكثارِ مِن الاستغفارِ والتوبة؛ ، لأنَّه أظهَرُ في قصدِ الذنبِ وتعيينِ طلبِ تكفيرِه، مع
стр. 817
أنَّ كلمةَ الإخلاصِ تُكَفِّرُ أعظَمَ الذنوب، وهو الشِّرْكُ؛ لأنَّ كلمةَ التوحيدِ أظهَرُ في قصدِ نفيِ الشركِ والبراءةِ منه؛ ولذا قد يُكَفِّرُ اللهُ بالعملِ المفضولِ ذنبًا أعظَمَ ممَّا يُكَفِّرُهُ العملُ الفاضلُ، والأجرُ في العملِ الفاضلِ أكثَرُ، ولكنْ في التكفيرِ أقلُّ، والمفضولُ في الأجرِ أقَلُّ، وفي التكفيرِ أكثَرُ؛ لظهورِ قصدِ التوبةِ وطلبِ العَفْوِ والغُفْرانِ فيه أكثَرَ.
وقد يأتي التكفيرُ في الدليلِ للذُّنوبِ بالإطلاق، ويُقصَدُ منها الصغائرُ؛ كتكفيرِ الذنوبِ وتَحَاتِّهَا بالوُضوءِ؛ كما في الحديثِ: (إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ، تَحَاتَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ، كَمَا تَحَاتُّ وَرَقُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ) (١).
والمقصودُ مِن ذلك الصغائرُ بلا شكٍّ؛ وذلك مِن وجهَيْنِ:
الأولُ: أنَّ ورَقَ الشجرِ؛ يعني: خفيفَ حَمْلِها وصغيرَه، لا موتَ شجرِ الذُّنوبِ وسقوطَ أغصانِه.
الثاني: أنَّ الوضوءَ لازمٌ للصلاةِ؛ فلا صلاةَ بغيرِ طُهورٍ؛ كما في الحديثِ (٢)، والصلواتُ تُكفِّرُ ما بينَها إنِ اجْتُنِبَتِ الكبائرُ، فإذا كان الوضوءُ يُكفِّرُ الذنوبَ كلَّها الكبائرَ والصغائرَ، فالأَوْلى الاكتفاءُ بذِكْرِهِ وتعظيمِهِ في بابِ التكفيرِ على الصلاة، والنصوصُ في تكفيرِ الصلاةِ للذنوبِ أكثَرُ مِن الوضوءِ.
وعلى هذا يُحمَلُ حديثُ أبي هريرةَ في "الصحيحَيْنِ"؛ قال ﷺ (أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ )، قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ , قَالَ: (فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا) (٣).
النفوسَ يَقْصُرُ نظرُها، ولا تنظُرُ إلى جميعِ الوجوهِ؛ لِيَصِحَّ لها النظرُ، فيَصِحَّ لها الحُكْمُ.
والنهيُ هنا للأمانيِّ الباطِلةِ التي يظهَرُ منها الاعتراصُ والكراهيةُ لتقديرِ اللهِ وحُكْمِه؛ كتمنِّي المرأةِ ميراثَ الرجُل، وتمنِّي الرجُلِ مهرَ المرأةِ؛ فقد قالتْ أمُّ سلَمةَ: يا رسولَ الله، لا نُعطَى الميراثَ، ولا نَغْزُو في سبيلِ اللهِ فنُقتَلَ؟ فنزلَتْ، ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (١).
ورُوِيَ أنَّها قالتْ: يا رسولَ الله، تغزو الرجالُ ولا نغزو، وإنَّما لنا نِصْفُ الميراثِ! فنزَلَتْ: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾، ونزَلَتْ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] (٢).
عدلُ اللهِ في تساوي الجنسَيْنِ في الأجور:
فالله ما خَصَّ جنسًا بعملٍ صالحٍ، إلَّا وجعَلَ للجنسِ الآخَرِ مِن العملِ ما يُساوِيهِ في الأجرِ خاصًّا بجنسِه؛ كما في الجهادِ؛ فالله كتَبَهُ على الرِّجال، ولم يَحْرِمِ النَّساءَ مِن أجرِه؛ كما جاء عن عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، عَلَى النَّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: (نَعَمْ؛ عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الحَجُّ وَالْعُمْرَةُ) (٣).
وهذا مِن عدلِ اللهِ وحِكْمَتِه وفَضْلِه.
وهكذا في كلِّ شخصٍ؛ لا يَحْرِمُ اللهُ أحدًا مِن عملٍ إلَّا جعَلَ غيرَهُ يُساوي ما يَعجِزُ عنه؛ كالمشلولِ الذي لا يستطيعُ القيامَ والقعودَ والحَرَكةَ، لم يفوِّتِ اللهِ عليه الأجورَ، بل جعَلَ فيما يستطيعُهُ مِن
стр. 820
العباداتِ القوليَّةِ عوضًا للبدنيَّةِ التي تَفُوتُهُ، فتكونُ في حقِّه أعظَمَ مِن غيرِهِ؛ ليُدرِكَ غيرَهُ في الأجرِ.
وهذا في حالِ الممنوعِينَ؛ سواءٌ بعجزٍ بدنيٍّ، أو بحُكْمٍ شرعيٍّ، وأمَّا التاركُ القادِرُ، فمحرومٌ مِن العملِ الصالِحِ.
كراهةُ تمنِّي ما لا يمكِنُ تحقُّقُهُ:
ولا ينبغي تمنِّي ما لا يُمكِنُ تحقُّقُهُ أو يصعُبُ تحقُّقُهُ؛ فإنَّ هذا يُورِثُ العجزَ والحَسَدَ وتمنِّيَ زوالِ نِعْمةِ الغير، وربَّما أَوْرَثَ الاعتراضَ على قَدَرِ الله، والواجب سؤالُ اللهِ مِن فَضْلِه؛ قال ابنُ عبَّاسٍ: "لا يتمنَّى الرجلُ يقولُ: "لَيْتَ أنَّ لي مالَ فلانٍ وأهلَه! "؛ فنَهَى اللهُ سبحانَه عن ذلك، ولكن لِيَسْألِ اللهَ مِن فَضْلِه" (١).
والنهيُ عن تمنِّي مالِ الغيرِ خاصٌّ بمَن يتمنَّاهُ لأجلِ الدُّنيا تكثُّرًا ومُتْعةً، ومَن تمنَّاهُ ليعمَلَ كعملِهِ الصالحِ مِن النفقةِ والبذلِ في سبيلِ الله، فلا بأسَ بذلك، فتمنِّي الخيرِ لفعلِهِ جائزٌ؛ كما تمنَّى النبيُّ ﷺ الشهادةَ في سبيل الله مرَّاتٍ، وقد روى أَبُو هُرَيْرَةَ؛ قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (لَا تَحَاسُدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ القُرْآنَ، فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنّهَار، يَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هَذَا، لَفَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله مَالًا يُنْفِقُهُ فِي حَقِّه، فَيَقُولُ؛ لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ، لَفَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ) (٢).
وقال ﷺ : (إِنَّمَا الدَّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَه الله مَالًا وَعِلْمًا، فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ للهِ فِيهِ حَقًّا؛ فَهَذَا بِأفْضَلِ المَنَازِل، وَعَبْدٍ رَزَقهُ الله عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ؛ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي
стр. 821
مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ؛ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ … )؛ الحديثَ أخرَجَهُ الترمذيُّ (١).
وكثرةُ التمنِّي تُغيِّبُ حِكْمةَ اللهِ في نفوسِ الِعبادِ في تقسيمِ أرزاقِهم ومَعاشِهم؛ فاللهُ قد يُعطِي عبدًا لِيُصلِحَهُ، وَيحْرِمُ آخَرَ ليُصلِحَهُ" لاختلافِ حالِهما نفسًا ومكانًا وزمانًا، ولو تمنَّى المحرومُ ما للمرزوق، لَفَسَدَ، وإنَّما يتمنَّاهُ؛ لأنَّه ينظُرُ لحالِ المرزوقِ ولا ينظُرُ لحالِه؛ ولذا يُرْوَى عن الحسنِ قولُهُ: "لا يَتَمَنَّ أحدُكم المالَ وما يُدْرِيه، لعلَّ هلاكَه فيه! " (٢).
استقلالُ المرأةِ في مالِها:
وفي قولِه تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ إشارةٌ إلى استقلال المرأةِ في مالِها، وما اكتسَبَتْ؛ كالرَّجال، ولها التصرُّفُ فيه بما أحَلَّ اللهُ لها، ومالُها الذي تَملِكُهُ لا يَدخُلُ تحتَ قِوامةِ زَوْجِها عليها؛ فلها البيعُ والشراءُ والهِبَةُ منه كالرجُل، مِن غيرِ سَرَفٍ ولا مَخِيلَةٍ ولا قَصْدِ سُوءٍ، وهذا لا يُعارِضُ قولَ اللهِ تعالى السابق في أولِ النِّساءِ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]، لأنَّ المرادَ أموالُ الوليِّ نفسِه لا يُفَرَّطُ في إعطائِها مَن يَخْشَى إفسادَه ممَّن يَلي أمْرَه، وَيَدخُلُ في السُّفهاءِ كلُّ مَن لا يُحسِنُ تدبيرَ المالِ وإنفاقَه؛ مِن صبيٍّ صغيرٍ وامرأةٍ ورجُلٍ، ويُنفَقُ عليهم وتُقضَى حاجتُهم بالمعروفِ.
* * *
стр. 822
قال تعالى: " ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾ [النساء: ٣٣].
والمَوْلَى مِن مُشَتَرَكِ الألفاظِ التي ربَّما تقعُ على الضِّدَّيْنِ المُتقابِلَيْنِ؛ فيُسمَّى المُعَتَقُ وسيِّدُهُ كلُّ واحدٍ منهما: مَوْلًى؛ ويُسمَّى الناصرُ والمُعِينُ والعاضِدُ: مَوْلًى؛ كما في قولِه تعالى: ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨]، وفي الحديثِ: (اللهُ مَوْلَانَا) (١).
معنى المَوْلَى:
والمرادُ بالمَوْلى في الآيةِ: الوريثُ، والمَوَالِي: الوَرَثَةُ؛ رواهُ سعيدُ بن جُبيرٍ، وعليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ ورُوِيَ عن مجاهِدٍ وقتادةَ وغيرِهم؛ رواهُ ابنُ جريرٍ (٢).
جعَلَ اللهُ للميِّت ورثةً يَرِثُونَ مالَهُ ويَلُونَهُ بعدَ موتِه، وهؤلاءِ قد قَضَى الله في بيانِ ما لهم وما عليهم مِن الميِّتِ، كما قسَّمَهُ اللهُ في الآياتِ السابقة، وليس لأحدٍ أنْ يعترضَ على حُكْمِ اللهِ وفضلِهِ في الحقوقِ والمواريثِ، فيتمنَّى الرجلُ ما للمرأة، وتتمنَّى المرأةُ ما للرجُلِ؛ فاللهُ قسَّمَ الأرزاقَ كما قسَّمَ الأجناسَ لحِكْمةٍ بالِغةٍ، ولا يُصلِحُ دُنياهم إلَّا هذا.
عهد المؤاخاةِ والمواريثُ:
وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾؛ يعني: مِن عهودِ المؤاخاةِ ببنَ المُهاجِرِبنَ والأنصار، وقد كان الصحابةُ يَرِثُ
стр. 823
الأنصاريُّ المهاجِرِيَّ ولو مِن غيرِ رَحِمٍ؛ للاُخُوَّةِ التي جعَلَها النبيُّ ﷺ بينَهم أوَّل الهجرة، فكان المتآخِيانِ يقولُ أحدُهما للآخَرِ. دَمِي دَمُك، وهَدْمِي هَدْمُك، وثَأْرِي ثَأْرِك، وحَرْبِي حَرْبُكِ، وسِلْمِي سِلْمُك، وتَرِثُني وأَرِثُك، وتَطْلُبُ بي وأطْلُبُ بك، وتَعْقِلُ عني وأَعْقِلُ عنك؛ فيكونُ للحليفِ السُّدُسُ مِن ميراثِ الحليف، ثمَّ جاءتْ آياتُ المواريث، فنسَخَتْ توارُثَ غيرِ الأرحامِ.
وهذا لا خلافَ فيه عندَ السلفِ؛ أنْ لا ميراثَ لمجرَّدِ الحِلْفِ؛ إنَّما اختلَفُوا في قولِه: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾: هل هو الميراثُ فيِكونَ منسوخًا، أو غيرُه فلم يُنسَخْ؟ على أقوالٍ:
روى سعيدُ بنُ جُبَيْر، عن ابنِ عبَّاسٍ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قال: "كَانَ المُهَاجِرُونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ يَرِثُ الأنْصَارِيُّ المُهَاجِرِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِه، لِلأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا﴾، قال: نَسَخَتْهَا: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١).
وقد نسَخَتْها أيضًا آيةٌ أُخرى، وهي قولُهُ تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنقال: ٧٥] والأحزاب: ٦]، ويكون هذه الآيةِ ناسخةً للتوارُثِ بالمؤاخَاةِ قال أكثرُ السلفِ؛ رواهُ عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، وقال به عكرمةُ والحسنُ وقتادةُ.
ورُوِيَ عن بعضِ الفقهاءِ مِن السلفِ: أنَّ اللهَ جعَلَ للحُلفاءِ بالمؤاخَاةِ بينَ المُهاجِرينَ والأنصارِ حقًّا بالوصيَّة، لا بالميراثِ؛ لأنَّ اللهَ قَسَّمَ الميراثَ لأهلِهِ وفصَّلَ فيه، فلم يَبْقَ لغيرِهم منه شيءٌ؛ وبهذا قال ابنُ المسيَّبِ؛ فقد روى الزهريُّ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ؛ قال: "أمَرَ اللهُ
стр. 824
الذين تَبَنَّوْا غيرَ أبنائِهم في الجاهليَّة، ووَرِثُوا في الإسلامِ: أن يَجعَلُوا لهم نصيبًا في الوصيَّة، ورَدَّ الميراثَ إلى ذوي الرحِمِ والعَصَبَةِ" (١).
وقال بعضُ السلفِ: إنَّ الآيةَ مُحكَمةٌ، وإنَّ المرادَ بقولِه، ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾؛ يعني: نصيبَهم مِن النُّصْرةِ والنصيحةِ والإعانةِ وقضاءِ الحاجة، ونحوِ ذلك؛ وهذا رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ أيضًا، وعن مُجاهدٍ والسُّدِّيِّ (٢).
وقد نسَخَ اللهُ الحِلْفَ الذي يَتوارَثُ به الناسُ؛ فجاء في الحديثِ؛ قال ﷺ : (لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ) (٣).
وفي قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ تذكيرٌ بأنَّ اللهَ لا يَقضِي إلَّا بعِلْمٍ وشهادةٍ لِمَا تَفعَلُونَهُ وفعلتُموهُ مِن عَقْدِ الأَحْلَافِ بينَكم؛ فاللهُ شَهِدَها وعَلِمَها، وقَضَى ما قَضَاهُ بعِلْمٍ وحُكْمٍ يُصْلِحُ شأنَكُمْ.
* * *
قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ [النساء: ٣٤].
قوامهُ الرجالِ على النساءِ:
في الآيةِ: دليلٌ على قِوامَةِ الرجُلِ على المرأةِ وولايتِةِ لها؛ وهذا
стр. 825
ليس خاصًّا بالزوجيَّة، بل عامٌّ في النِّساءِ والرَّجال، لعمومِ الآية، فيقومُ على المرأةِ أقرَبُ أرحامِها إنْ لم يكنْ لها زوجٌ، وإنْ كان للمرأةِ زوجٌ فهو أوْلى بقِوامتها، والقِوامةُ والوِلايةُ لا تكونُ إلا لمَن قام شروطَها، لا بمَن عطَّلَها أو عَجَز عنها، فتنتقِلُ القوامةُ ممَّن عطَّلَ شروطَها إلى القادرِ المُوفي لها، وقد تكونُ القوامةُ مِن رجُلٍ واحدٍ لعددٍ مِن النَّساءِ ولو كَثُرْنَ، كما يقومُ الرجُلُ على بناتِهِ أو على زوجاتِهِ؛ كما في الحديث: قال ﷺ : (حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً القَيِّمُ الوَاحِدُ) (١).
أنواعُ القوامةِ:
والأصلُ في القوامةِ والولايةِ على الأشخاصِ أنَّها على نوعَيْنِ:
قوامةٌ وولايةٌ عامَّةٌ، وقوامةٌ وولايةٌ خاصَّةٌ:
أمَّا الأُولى - وهي الولايةُ العامَّةُ -: فتكونُ لِمَنْ لا يستطيعُ القيامَ بشيءٍ مِن أمرِه؛ كالطفلِ والمجنونِ والأسيرِ.
وأمَّا الثانيةُ - وهي الولايةُ والقوامةُ الخاصَّةُ -: فتكونُ لمَن يستطيعُ القيامَ بأمْرِه، ولكنَّه يَضعُفُ أو يَعجِزُ عن القيامِ بأمرٍ خاصٍّ مِن أمورِه؛ كالمرأةِ في نِكَاحِها والنفقةِ عليها، واليتيمِ في مالِه، وغيرِهما.
الحكمةُ من قوامةِ الرجلِ على المرأةِ:
والقوامةُ على المرأةِ تكميلٌ لمَا يَفُوتُ مِن حقِّ المرأةِ لو استَقلَّتْ بنفسِها، وأكثَرُ ما تَقْوَى القوامةُ للرجُلِ على المرأةِ عندَ حاجتِها إلى معامَلَةِ الرجالِ؛ لذا يحرُمُ سَفَرُها بلا مَحْرَمٍ، أو خَلْوَتُها أو اختلاطُها بهم؛ لأنَّ المرأةَ تضعُفُ عندَ الرجُلِ الأجنبيِّ لحيائِها، ويضعُفُ الرجُلُ والمرأةُ - إذا كانا أجنبيَّيْنِ - بعضُهما أمامَ بعضٍ؛ لميلِ أحدِ الجنسَيْنِ إلى
стр. 826
الآخَرِ فِطْرةً، فتَضِيعُ الحقوقُ الماليَّةُ والزوجيَّةُ وغيرُها تحتَ ستارِ العاطفةِ.
وإذا حَضَرَتِ العاطفةُ، فقد يغيبُ العقل، ويضيعُ العدلُ؛ لهذا فقد جعَلَ الله لها وليًّا في نِكاحِها لا تَحضُرُ العاطفةُ معه لي مُقابِلِ الرجُل، فيَحفَظُ للمرأةِ حقَّها في مهرِها واختيارِ زوحِها وشروطِ نِكاحِها، ولو جاز للنِّساءِ أنْ يَعْقِدْنَ لأنفُسِهنَّ على الرحال، لَضَاعَتْ حُقُوقُهُنَّ؛ فجعَلَ اللهُ بينَهما وليًّا يقومُ بما قد يَفُوتُ مِن حَظِّها؛ لحضورِ عاطفتِها مع الرجُلِ الأجنبيِّ عنها، وإذا زوَّجَها وليُّها، انتقَلَتِ القِوامةُ إلى زوجِها الذي كانتْ هي تحتاجُ إلى قيِّمٍ يقومُ بأمرِ زواجِها منه؛ لأنَّ الزوجَ قبلَ العقدِ أجنبيٌّ، وبَعْدَهُ قريبُ يَحفَظُ حقَّها، وَيَرْعَى شأنَها.
وقولُه تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ يعني: أُمَرَاءَ بالحقِّ وطاعةِ اللهِ، فيجبُ على الزوجةِ طاعةُ زوجِها، وحفظُ مالِهِ وعهدِه، وولدِهِ وبيتِه، والإحسانُ إلى أهلِهِ ووالدَيْهِ؛ روى عليُّ بن أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: "يعني: أُمَرَاءَ، عَلَيْهَا أَنْ تُطيعَهُ فِيمَا أَمَرَهَا اللهُ بِهِ مِنْ طَاعَتِه، وَطَاعَتُهُ. أَنْ تَكُونَ مُحْسِنَةً إِلَى أَهْلِه، حَافِظَةً لِمَالِه، وَفَضَّلَهُ عَلَيْهَا بِنَفَقَتِهِ وَسَعْيِهِ" (١)؛ وبنحوِه قال الضَّحَّاكُ (٢).
الإمارةُ والقوامةُ تكليفٌ:
والأصلُ في الإمارةِ: أنَّها تكليفٌ، لا تشريفٌ؛ لأنَّ غُرْمَها أعظَمُ مِن غُنْمِها؛ لهذا جاء في الشريعةِ التحذيرُ مِن طلبِ الوِلَايةِ والتشوُّفِ لها، وأنَّ الأصلَ في أهلِ الوِلَاياتِ: أنَّهم يُبعَثونَ مَغْلُولةً أيدِيهم إلى أعناقِهم؛ حتى يَثبُتَ عَدْلُهم وبِرُّهم لِمَنْ تحتَهم.
стр. 827
ويتولَّى الرجُلُ كاملُ الأهليَّةِ على المرأةِ كاملةِ الأهليَّة، لا العكسُ، ولكن تتولَّى المرأةُ على الرجلِ ناقصِ الأهليَّةِ؛ كالصغيرِ والأسيرِ والمريضِ، وبمقدارِ ما يَفُوتُ مِن الرجلِ تتولَّاهُ المرأةُ إلَّا ما اسْتَثنَتْهُ الشريعةُ بعينِه، وتتولَّى المرأةُ على المرأةِ كامِلةً أو ناقصةً إلَّا ما اسْتَثْنَتْهُ الشريعةُ؛ كالنِّكاحِ؛ فلا تُزوِّجُ الأمُّ ابنتَها؛ لأنَّه لا يَصِحُّ منها أنْ تُزَوِّجَ نفسَها.
فطرةُ اللهِ للجنسَيْنِ:
وقولُه تعالى: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾:
فَطَرَ اللهُ كلَّ جنسٍ على فِطْرةٍ واحدةٍ، وخَصَّ كلَّ واحدٍ منهما بخصائصَ ليستْ في الآخَرِ؛ ففي الرجُلِ مِن الخصائصِ الفِطْريَّةِ مِن القوَّةِ والصبرِ وبَسْطَةِ الجسمِ ما ليس في المرأة، وفي المرأةِ مِن الرحمةِ والتحنُّنِ على الولدِ والصبرِ على رعايتِه ما ليس في الرجُلِ؛ فلكلِّ جنسٍ فضلٌ ليس في الآخَر، وفي هذا قولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾ [النساء: ٣٢].
معنى التفاضُلِ بين الجنسَيْنِ:
والمقصودُ بالفضلِ: الزيادةُ، وهو ضِدُّ النقص، والجمعُ فُضُولٌ؛ يعني: ما زادَ اللهُ به بعضَهم على بعضٍ، ولمَّا كان السِّيَاقُ في تقديمِ الرجُلِ في القِوَامةِ والوِلَاية، كان المقصودُ فَضْلَ الرجل، والفضلُ في الآيةِ على نوعَيْنِ:
الأولُ: فِطْريٌّ خِلْقيٌّ، وهو ما ينشَأُ الرجلُ أو المرأةُ عليه؛ كقوَّةِ الرجُلِ وبَسْطَتِهِ وصبرِه؛ وهذا لا يُكتسَبُ حيثُ تَقْوَى المرأةُ على اكتسابِه؛ فهذا استرجالٌ منهيٌّ عنه، ومِثلُه تنعُّمُ الرجُلِ وترقيقُ صوتِهِ وتكسُّرُ مِشْيَتِه؛ وهو استئناثٌ منهيٌّ عنه.
стр. 828
الثاني: مُكتسَبٌ، وهو طلبُ الرِّزْقِ والنفقهُ، وهذا يجوزُ للمرأةِ فِعْلُه، لكنَّه لا يجبُ عليها؛ وإنَّما يجبُ على وليِّها، فإنْ فقَدَتِ المرأةُ وليًّا، أُعْطِيَتْ مِن بيتِ المالِ ومِن الزَّكاةِ ولو كانتْ قادرةً على العملِ؛ لأنَّها لم تُخاطَبْ بالكَسْب والعملِ ولم تُؤمَرْ به كالرجُلِ.
روى عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال "فَضَّلَهُ عَلَيْهَا بِنَفَقَتِهِ وَسَعْيِهِ"؛ وبنحوِه قال الشَّعْبيُّ وسُفْيانُ (١).
وذِكرُ اللهِ لفَضْلِ الرجُلِ على المرأةِ في سياقِ القِوَامةِ إشارةٌ إلى أنْ لا قوامةَ لرجُلٍ لا يقومُ بسببِ قِوامتِه، وهو الفضلُ الفِطْريُّ والمُكتسَبُ، فالذي لا يعملُ بالفضلِ الفِطْريِّ وهو القوةُ، فيَرْعَى المرأةَ وَيحمِيها مما يُخافُ منه، ولا يبذُلُ ما يَكتسِبُهُ مِن مالِ فيَكْفِيها ويُنفِقُ على زوجتِه -: لا ولايةَ له عليها، فتكون ولايتُها إمَّا لأبيها أو للسُّلْطان، ويُفسَخُ النَّكاحُ إنْ شاءتْ، ما لم تُسقِطْ حَقَّ النفقةِ عنه.
والأصلُ في القِوامةِ: أنَّها حَقٌّ يُبذَلُ مِن الزوجِ لزوجتِهِ مُقابِلَ حقُّ منها يُبذَلُ له؛ فهي مُكافَأةٌ ومُقابَلةٌ؛ ولذا قال معلِّلًا حَقَّ الِوامةِ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، وكلَّما كان الواحدُ منهما أشَدَّ عفوًا وصَفْحًا وإحسانًا، فهو أكَرَمُ وأفضَلُ.
حقيقةُ النشوزِ من الزوجةِ:
ولمَّا ذكَرَ اللهُ القِوَامةَ للرجُلِ، ذَكَرَ نُشُوزَ الزوجةِ؛ إشارةً إلى أنَّ النشوزَ الذي يُعالَجُ مِن الزوجِ النشوزُ الذي ينشَأُ مع تمامِ إعطاءِ حقِّ القِوَامةِ على الزوجةِ بالنفقةِ والحِمَاية، لا ما يكونُ مِن نشوزٍ سببُهُ تعطيلُ حقِّ القِوَامةِ؛ فذلك يُعالَجُ بالوفاءِ بها وبَذْلِها.
стр. 829
وفىِ قوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ إشارةٌ إلى الترغيبِ في الزوجةِ الصالحةِ ذاتِ الدِّينِ؛ لأنَّ صلاحَها في أمرِ ربِّها يَتْبَعُهُ صلاحُها في حقِّ زوجِها.
وقولُه تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾:
أصلُ النشوزِ: الارتفاعُ، وسببُهُ الكِبْرُ والاحتقارُ والبغضُ، ومَن تكبَّرَ واحتقَرَ وأبغَضَ، عَصَى وخرَجَ عن الطاعة، والمرادُ: خروجُ المرأةِ عن طاعهِ زوجِها بالامتناعِ عن فِرَاشِه وسائرِ حقوقهِ عليها.
نشوزُ الزوجةِ وعلاجُهُ:
قولُه تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾:
الوعظُ: التذكيرُ بحُكْمِ اللهِ مِن كتابِ اللهِ وسُنَّةِ نبيِّه، والتخويفُ مِن عقابِه، والوعظُ بالحقِّ الفِطْريِّ العقليِّ الذي فُطِرَتِ النفوسُ عليه، والتذكير بالعهدِ المأخوذِ عليها وعليه.
وجعَلَ اللهُ علاجَ النشوزِ على مرتبتَيْنِ:
الأُولى: علاجُ البيوت، فلا يَخرُجُ الناسِ؛ حِفْظًا لحقِّ البيتِ وحُرْمَتِهِ مِن ذُيُوعِ ما فيه مِن أسرارِ؛ لتُحفَظَ هيبتُهُ وكرامتُهُ؛ حتى لا يقَعَ في أفواهِ مَن يُفسِدُ على أهلِ البيت أمرَهُمْ بالقَالَاتِ والنميمةِ والغِيبة، وقد جاء في "المْسنَدِ"، و"السُّنَنِ"؛ مِن حديثِ مُعاويةَ بنِ حَيْدَةَ مرفوعًا: (وَلَا يَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا يُقبِّحْ، وَلَا يَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ) (١)، فجعَلَ مَحَلَّ ذلك في البيت لا خارجَهُ؛ ليَحفَظَ للبيتِ حُرْمَتَةُ، وللزوجةِ كرامتَها، وجعَلَ اللهُ هذه المرتبةَ على حالاتٍ:
стр. 830
الحالةُ الأُولى: الوعظُ بينَه وبينَها.
الحالةُ الثانيةُ: الهجر، وخَصَّهُ اللهُ في المَضْجَعِ؛ يعني: الفِراشَ، فلا يَهْجُرُها في المبيتِ كلِّه ويدَعُ الدارَ ويترُكُها أو يُخرِجُ المرأةَ مِن بيتِه؛ وإنَّما يكونُ معها في فِراشِها ويُولِيهَا ظَهْرَهُ؛ قاله عليُّ بنُ أبي طالبٍ وابنُ عبَّاسٍ والشَّعْبيُّ والحسنُ وقتادةُ وعامَّةُ السلفِ (١)؛ وذلك ليكونَ أقرَبَ لعودةِ النفوسِ ومراجعتِها، وأبعَدَ عن وسواسِ الشيطانِ بالخَلْوةِ.
ومِن السلفِ: مَن جعَلَ الهجرَ هنا هجرَ الكلامِ والحديثِ والمُؤانَسَةِ به، لا هَجْرَ الجِمَاعِ.
ومنهم مَن قال: هو هجرُ المؤانسةِ والجِماعِ جميعًا.
وبالأولِ قال ابنُ عبَّاسٍ وعِكْرِمةُ والضحَّاكُ.
والثاني روايةٌ أُخرى عن ابنِ عبَّاسٍ.
والهجرُ لا يكونُ فوقَ ثلاثٍ؛ لعمومِ النهي؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديتِ أنسٍ؛ قال ﷺ : (لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ) (٢).
وله أنْ يَهْجُرَ ثمَّ يَصِلَ ثمَّ يهجُرَ؛ إنْ قام مُوجِبُ الهجرِ وطال، ورأَى أنَّ الهجرَ يُصلِحُها لو طال، وظاهِرُ الآيةِ: أنَّ الهجرَ هنا هجرٌ لا يُسقِطُ الحقوقَ، فيَهجُرُ كلامَهُ معها المُشعِرَ بالمُؤانَسَةِ والقُرْبِ والرضا، ويُكلِّمُها في الضروراتِ والحاجات، لا هجرًا تامًّا؛ ولذا قيَّدَ الهجرَ بالمَضاجِعِ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾، مع أنَّ الرجُلَ يُخالِطُ زوجتَهُ في غيرِ المَضجَعِ أكثَرَ، وفي ذلك إشعارٌ بهجرِ المؤانَسَة، وعندَ الحاجةِ لهجرِ الجِماع يهجُرُ به.
الحالةُ الثالثة: الضَّرْبُ؛ ولا يَصِيرُ إلى حالةٍ حتى يأتيَ لما يَسبقُها؛
стр. 831
لأنَّ اللهَ رتَّبَ ذلك بقولِه: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾، والفاءُ للتعقيب، وبينَ كلِّ حالةٍ والتي تَلِيها ما يَكفِي لوجودِ أثرِها؛ ولذا قال سعيدُ بنُ جُبيرٍ: "يَعِظُها، فإنْ فعَلَتْ؛ وإلَّا هَجَرَها"؛ أخرَجَه ابنُ المُنذِرِ (١).
وظاهرُ قولِ الشافعيِّ: الترتيبُ إلا للحاجةِ؛ فيجوزُ الجمعُ بينَ العِظَةِ والهجرِ والضربِ.
وليس المرادُ بالضربِ: المبرِّحَ الذي يُوجِعُ وَيَجرَحُ ويَكسِرُ ويُفسِدُ العُضْوَ؛ وإنَّما ما يَثْبُتُ معه التذكيرُ بالقِوامةِ؛ كالضَّرْبِ بالسِّواكِ ونحوِه؛ قاله ابنُ عبَّاسٍ وعطاءٌ (٢).
وأمَّا المرتبةُ الثانيةُ: فهي معالجةُ نُشُوزِ المرأةِ خارجَ بيتِ زوحِها؛ وذلك بالسَّعْي بالإصلاحِ مِن الأَوْلياء، وبعثِ الحَكَمَيْنِ مِن أولياءِ الزوجَيْنِ؛ كما يأتي في الآيةِ التاليةِ.
والسُّنَّةُ: ألَّا يُصارَ إلى مرتبةٍ حتى يُؤتى بالأُولى.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ أيْ: لو رجَعَتِ الزوجةُ عن نُشُوزِها ومَنْعِ الزوجِ حقَّه منها كفِرَاشِه، فلا يجوزُ له أنْ يستمِرَّ في وعظِهِ كالمُعَيِّرِ لها لَيَكسِرَها، أو هَجْرِهِ وضَربِهِ ليُؤذِيَها ويَضُرَّها؛ لأنَّ التائبَ كمَن لا ذنبَ له، فلا يجوزُ المؤاخذةُ بما تِيبَ منه.
* * *
قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣].
الشِّقاقُ هو النِّزاعُ والخُصومةُ التي يَغلِبُ على الظنِّ عدمُ علاجِها
стр. 832
بينَ الزوجَيْنِ في بيتِهما، والخِطابُ في قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ هو للزوجَيْنِ وللسُّلطانِ؛ وحكى ابنُ جريرٍ الإجماعَ أنَّه ليس لغيرِهم؛ وإنَّما الخِلافُ عندَه في الآيةِ في المخاطَبِ بها: هل هو السُّلْطانُ، أو الزوجان، أو هما جميعًا؟ (١)، ولا أعلَمُ في تعيينِ المُخاطَبِ ببعثِ الحَكَمَيْنِ في السُّنَّةِ شيئًا.
وقال سعيدُ بنُ جُبيرٍ: "هو السُّلْطانُ" (٢).
وقال السُّدِّيُّ: "الخِطابُ للزوجَيْنِ" (٣).
وكلُّ ذلك صحيحٌ؛ فلكلِّ واحدٍ مِن أولئك طلَبُ الحَكَمَيْنِ وبعثُهما، والسُّلْطانُ أظهَرُ وأقْوَى بالإلزامِ بقضاءِ الحَكَمَيْنِ وإمضائِه.
ويصحُّ توجيهُ الخِطاب إلى أهلِ الزوجَيْنِ إنْ كانوا أوصياءَ على الزوجَيْنِ لضَعْفِ الأهليَّة، أو أنابَهُما الزوجان، أو رأَوْا تمرُّدًا مِن الزوجَيْنِ وعِصيانًا لا يَصلُحُ إلَّا بانتداب الأهلَينِ لِيَبْعَثُوا حَكَمَيْنِ.
فالأوْلى ألَّا يَمْضِيَ حُكْمُ الحَكَمَيْنِ مِن الأهلِ إلا بإمضاءِ السُّلْطانِ له؛ لأنَّ الخِطابَ في الآيةِ في قولِه: ﴿فَابْعَثُوا﴾ للسُّلْطانِ وللزوجَيْن، ودخولُ الأهلِ فيه ظنٌّ قال به بعضُ الفقهاءِ؛ لكنْ إنْ لم يكنْ ثَمَّةَ سُلْطانٌ في الأرضِ التي هم فيها، مَضَى حُكْمُ الحَكمَيْنِ مِن الأهلَينِ؛ لأنَّهما يقومانِ مقامَه، ولا تصلُحُ الحالُ ويزولُ الشِّقاقُ إلا بذلك.
رضا الزوجَيْنِ بحكمِ الحَكَمَيْنِ:
وفي الآيةِ: إشارةٌ إلى عدمِ لزومِ رِضا الزوجَيْنِ بالحَكَمَيْن لمَن قال بأنَّ الخِطابَ للسُّلْطان، أو مَن قال مِن المتأخِّرينَ: إنَّ الخِطابَ لأهلِ الزوجَيْنِ؛ لأنَّه لو كان المُخاطَبُ بالبعثِ غيرَ الزوجَيْن، فلا حاجةَ إلى
стр. 833
رِضاهُما؛ فالرِّضا؛ يعني: أنَّهما أهلُ الخطابِ، والسُّلْطانُ وأهلُهما فرعٌ عنهما.
وقولُه تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾؛ ليُصلِحا ما فَسَدَ، ولِيَأْطِرَا الزوجَيْن على الحقِّ بسيفِ الحياءِ والمروءةِ؛ فيَستَجلِيَا منهما ما جُبِلَتْ عليه النفوسُ مِن بَذْلِ الحقوقِ، وكراهةِ الظُّلْمِ، وفضلِ الإحسانِ والمروءةِ.
الحكَمانِ منَ أهلِ الزوجَيْنِ:
والسُّنَّةُ: أنْ يكونَ الحَكَمانِ مِن أهلِ الزوجَيْنِ؛ لقولِه: ﴿حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾؛ لأنَّهما أعلَمُ الناسِ بالحالِ، وأكثَرُ الناسِ رغبةً في صلاحِ الزوجَيْنِ واستقامةِ أمرِهما، بخلافِ الأَبْعَدِينَ؛ فلا يَعلَمونَ ما يُصلِحُ الزوجَيْن، وما هما عليه مِن مصلحةٍ ومَضَرَّةٍ.
وفي تحكيمِ الأَقْرَبِينَ مِن أهلِ الزوجَيْنِ دفعٌ لاطِّلاعِ الأَبْعَدِينَ على عيوبِ الزوجَيْنِ وما بينَهما مِن خلافٍ وخُصُومَةٍ تَتشوَّفُ الشريعةُ إلى كَتْمِه، لا إذاعتِه.
وقد حَكَى بعضُ العلماءِ الإجماعَ على وجوبِ كونِ الحَكَمَيْنِ مِن أهلِ الزوجَيْنِ؛ كابنِ عبِدِ البَرِّ وابنِ رُشْدٍ.
وفي حكايةِ الإجماعِ نظرٌ؛ فالآيهُ أَرْشدَتْ للأصلَحِ والأقوَمِ، وقرينةُ ذلك: أنَّ بعثَ الحَكَمَيْنِ أصلًا ليس بواجبٍ على الأظهَر، وقد قال جماعةٌ مِن فقهاءِ الشافعيَّة: إنَّ كونَ الحَكَمَيْنِ مِن أهلِهما مُستحَبٌّ، ولو بعَثْنا مِن غيرِهما للحاجةِ ولرجاحةِ ذلك في حالةٍ بعينِها، فهو جائزٌ؛ فربَّما كان أهلُ الزوجَيْنِ أو أهلُ أحدِهما سببًا في خصومةِ الزوجَيْنِ وشِقاقِهما، فبعثُ الحَكَمينِ منهما بكلِّ حالٍ محلُّ تُهَمَةٍ وضررٍ، ولكنَّ اللهَ أرشَدَ إلى الغالبِ ودَلَّ عليه؛ لِتَصْلُحَ الحالُ وتستقيمَ.
стр. 834
اتفاقُ الحَكَمَيْنِ مُلْزِمٌ:
وقولُه تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾؛ يعني: الحَكَمَيْنِ؛ قاله ابنُ عبَّاسٍ ومجاهدٌ وسعيدُ بنُ جُبيرٍ وعامَّةُ السلفِ (١).
وفي الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ الحَكَمَيْنِ إنِ اتفَقَا، لَزِمَ قولُهما ولو لم يَقُمِ الزوجانِ بتوكيلِهما، فالحَكَمانِ يَقضيانِ على الزوجَيْنِ بالحقِّ الذي لم يُخالِفْ حُكْمًا في الكتابِ والسُّنَّة، وحَكَى بعضُ العلماءِ الإجماعَ على أنَّ حُكمَ الحَكَمَيْنِ إنِ اتَّفَقَا مُلْزِمٌ للزوجَيْنِ.
وهذا في حالِ اتِّفَاقِ الحَكَمَيْن، وأمَّا في حالِ اختلافِهما، فلا يَلْزَمُ قولُ كلِّ واحدٍ الآخَرَ، ولا يَلْزَمُ الزوجَيْنِ منِ ذلك شيءٌ؛ لأنَّ اللهَ جعَلَ توفيقَهُ للزوجَيْنِ في اتفاقِ الحَكَمَين، فتوفيقُ الزوجين فرعٌ عن توفيقِ الحَكَمَيْنِ كما في قوله: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.
تفريقُ الحكمَيْنِ بين الزوجَيْنِ:
وهذا في اتِّفاقِ الحَكَمَيْنِ في غيرِ التفريقِ بينَ الزوجَين، وأمَّا إنِ اتَّفَقَ الحكمانِ في التفريقِ بينَ الزَّوجَيْن، فقد اختلَفَ العلماءُ في الإلزامِ به:
القولُ الأولُ: الإلزامُ به ولو في التفريقِ؛ وهو قولُ عثمانَ وعليِّ بنِ أبي طالب، وقولُ ابنِ عَبَّاسِ ومعاويةَ؛ وذهَبَ إليه مالكٌ، وهو أحدُ قولَي الشافعيِّ، فيُفرِّقُ بينَهما؛ فيُعطي الذي مِن أهلِها العِوَضَ، ويُطلِّقُ الذي مِن أهلِ الزوجِ.
القولُ الثاني: عدمُ إلزامِهما بالتفريقِ ولو اتَّفَقَا، ما لم يجعَلِ الزوجانِ ذلك إليهما؛ وهو قولُ عطاءٍ وقتادةَ والحَسَن، وذهَبَ إلى هذا
стр. 835
القولِ أبو حنيفةَ والشافعيُّ في القول الآخَر، وروايةٌ عن أحمدَ.
وإنَّما قالوا بعدمِ التفريقِ ولو اتَّفَقَا؛ لأنَّ العِصْمةَ بيدِ الزوج، فلا يطلِّقُ غيرُه، وجعَلَ اللهُ للسُّلْطانِ الفسخَ بشروطٍ، ولم يجعَلْ ذلك في الحَكَمَيْن.
والأرجحُ: قولُ عثمانَ وعليِّ بنِ أبي طالب، ولم يُخالِفهما غيرُهما مِن الخلفاءِ الراشِدِينَ، والخليفةُ إنْ قال قولًا لا يُعارِضُ الدليلَ المعمولَ به، ولم يُخالِفْهُ أحدٌ مِن الخلفاء، فقولُهُ أقرَبُ إلى الصوابِ، هذا لو كان واحدًا، كيف وقد وافَقَه غيرُه مِن الخلفاءِ وقال بقولهما فقهاءُ الصحابةِ؛ كابنِ عبَّاسٍ ومعاويةَ؟ !
روى ابنُ سعدٍ وابنُ المُنذِرِ؛ عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ ومعاويةَ؛ قال: بَعَثهُما - لا أعلَمُه إلَّا قال: عثمانُ - فقال: إنْ رأيتُما أنْ تَجمَعَا فاجْمَعَا، وأن تُفَرِّقَا ففَرِّقَا؛ قال: وذلك في فاطمةَ بنتِ عُتْبةَ بنِ ربيعةَ وعقِيلِ بنِ أبي طالبٍ، قال: وكانتْ قد نَشَزَتْ على عقيلٍ (١).
وله طريقٌ أُخرى عندَ ابنِ المنذِرِ؛ مِن حديثِ ابنِ جُرَيْجٍ، عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ؛ بنحوِ هذه القصةِ (٢).
وروى الشافعيُّ والنسائيُّ؛ مِن حديثِ عَبيدَةَ السَّلْمَانيِّ؛ أنَّ عليًّا قال لحَكَمَيْنِ: إنْ رأيتُما أنْ تَجْمَعَا فاجْمَعَا، وإن رأَيتُما أنْ تُفَرِّقَا ففَرِّقَا (٣).
وبنحوِه روى عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ (٤).
стр. 836
ويُؤكِّدُ القولَ بهذا: أنَّ اللهَ سمَّى الحَكَمَيْنِ بالحَكَمَيْن، لأنَّهما قاضيانِ، لا وكيلانِ ولا شاهدانِ، والحاكمُ يَقضي ويُلزِمُ.
والأرجَحُ: أنَّهما يُوقِعَانِ الطلاقَ، ولكنَّه يقعُ واحدةً؛ لأنَّه أَدْنى الحُكْمِ الذي تتحقَّقُ به المصلحةُ للزوجَيْنِ؛ وهذا قولُ مالكٍ.
ولا بدَّ للحَكَمَيْنِ أنْ يَعْلَمَا حالَ الزوجَيْنِ وما بينَهما مِن حقوقٍ ودَعْوَى، ورِضًا وغضبٍ، وما يُريدانِ مِن بقاءٍ وفُرْقةٍ حتى يَصْدُرَا بما يُصلِحُ الزوجَيْن، لا بما يُفسِدُهما، فيكونَ البغيُ والظلمُ.
وتعليقُ اللهِ التوفيقَ في اجتماعِ الحَكَمَيْن، وهما اثنانِ -: دليلٌ على فضلِ الاجتماعِ، فاجتماعُ الجماعةِ الكثيرةِ مِن المُسلِمينَ على الأمرِ أقرَبُ إلى توفيقِ اللهِ وَأوْلى به.
ذمُّ الكثرةِ ومَدْحُهَا:
واللهُ ورسولُه ﷺ يَذكُرانِ الكثرةَ ويَذْمَّانِها إن كانتْ في عمومِ الناسِ جميعًا الكافرِ والمسلم، ويَمْدَحَانِها إنْ كانتْ في المُسلِمينَ، ومدحُ الكثرةِ في المُسلِمينَ قرينةٌ على الحقِّ، لا دليلٌ عليه، وذمُّ الكثرةِ في الناسِ كلُّهم دليلٌ على الباطل، لا قرينةٌ عليه؛ فاللهُ يقولُ: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾ [هود: ١٧] , ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ [الأعراف: ١٨٧] , ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ [البقرة: ٢٤٣] , ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾ [المائدة: ١٠٣]، والكثرةُ في المُسلِمينَ محمودةٌ لكنْ ليست دليلًا بل قرينةٌ؛ فقد تكونُ الكثرةُ على الباطل، والقِلَّةُ على الحقِّ، فلم يَذُمَّ اللهُ عليه أكثر المُسلِمينَ؛ وإنَّما الذمُّ لما عليه أكثرُ الناسِ كلِّهم.
ومآلاتُ الأمورِ إلى اللهِ؛ هو أعلَمُ بصالحِها وطالحِها، وخيرِها وشرِّها؛ فمَنِ امتثلَ أمْرَهُ، جعَلَ التوفيقَ له، ومَن خالَفَ أمْرَهُ، حُرِمَهُ؛ ولذا قال بعدَ ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾.
* * *
стр. 837
قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦].
أمَرَ اللهُ بتوحيدِه، ونَهَى عن ضدِّه، وهو الشِّرْكُ، وإذا أمَرَ اللهُ بشيءٍ ونَهَى عن ضدِّه، فهو مِن عظائمِ الأمورِ أو أعظَمُها؛ فالتوحيدُ أعظَمُ مأمورٍ به، والشِّرْكُ أعظَمُ منهيٍّ عنه.
وقرَنَ اللهُ بتوحيدِهِ بِرَّ الوالدَيْنِ والإحسانَ إليهما؛ وهذا كقولِهِ تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
كيف تُعْرَفُ الأوامرُ المؤكَّدةُ والمخفَّفة؟ :
وتُعرَفُ الأوامرُ المتأكِّدةُ على غيرِها بأن يُؤمَرَ بها ويُنهى عن ضدِّها في سياقٍ واحدٍ، ويَلِيها مَرتبةً: أن يُؤمَرَ بها ويُنهى عن ضدِّها في سياقٍ وموضعٍ آخَرَ، ويَلِيها: ما أُمِرَ به ولم يُنْه عن ضدِّه، وهكذا في المنهيَّاتِ: بالنهيِ عن شيءٍ والأمرِ بضدِّه، وهكذا.
ومِن قرائنِ معرفةِ الأوامرِ المتأكِّدةِ على غيرِها؛ معرفةُ عددِ وُرُودِ الأمرِ بها في الشريعةِ؛ فما يُؤمَرُ به في عشَرةِ أحاديثَ آكَدُ ممَّا يُؤمَرُ به في حديثٍ وحديثَينِ وثلاثةٍ، وهكذا في النهيِ؛ لأنَّ تَكْرارَ النهيِ ونَقْلَ الصحابةِ له دليلٌ على أهميَّتِه؛ ولهذا كثيرًا ما ينقُلُ أهلُ العلمِ بالسُّنَّةِ والأثرِ عددَ الأحاديثِ في البابِ إشارةً إلى هذا؛ فيقولُ أحمدُ والشافعيُّ وأضرابُهما: في هذا عشَرةُ أحاديثَ أو خمسةٌ، ونحوَ ذلك.
وإذا اجتمَعَ في الشيءِ أمرانِ، فهو مِن عظائمٍ الدِّينِ:
الأولُ: الأمرُ به والنهيُ عن ضدِّه في سياقٍ واحدٍ.
стр. 838
الثاني: تَكْرارُ الأمرِ به والنهيِ عن ضدِّه في مواضعَ كثيرةٍ.
ولهذا كان التوحيدُ أعظَمَ وأكثرَ ما أُمِرَ به، والشِّركُ أكثَرَ وأعظَمَ ما نُهِيَ عنه، ويَلِيهِ بقيةُ أركانِ الإسلامِ.
ومَن تتَّبعَ ذلك، وجَدَ أنَّه شِبْهُ مطردٍ في الشريعة، وأنَّ الأمرَ إذا خلا مِن نهي عن ضدِّه، فغالبُه مستحَبٌّ، وأنَّ النهيَ إنْ خلا مِن أمرٍ بضدِّه، فغالبُه مكروهٌ؛ وبهذا يُفسَّرُ فقهُ الصحابةِ والتابعينَ في التشديدِ في بعضِ الأوامرِ والنواهِي والتخفيفِ في بعضِها؛ لأنَّهم أدرَكُوا مِن حرصِ النبيِّ ﷺ ما لم يُدرِكه غيرُهم.
وهذا مع قرائنَ أُخرى؛ مِن وصفِ التاركِ بوصفٍ كالهلاك، والفاعلِ بوصفٍ كالنجاة، وهي أوصافٌ كثيرةٌ جِدًا تجتمعُ مع غيرِها؛ فيُؤخَذُ منها مَنزلةُ الحُكمِ في الشريعةِ.
حفظُ العالِمِ وفقهُهُ وأثَرُهُ على مراتِبِ الشريعةِ:
وكلَّما كان العالِمُ أكثَرَ حِفظًا للوحي ومعرفة لمَعانيهِ وسياقاتِه، كان أكثَرَ معرفةَ لأولويَّاتِ الشريعةِ عندَ تزاحُمَها والتدرُّج في تنزيِلها، وأبصَرَ بالسياسةِ عندَ ارتكابِ الأوامرِ المزدحِمةِ التي لا تتَّسعُ الحالُ للإتيانِ بها جميعًا، أو اجتماعِ المنهيَّاتِ التي لا بدَّ مِن ارتكابِ واحدٍ منها؛ فبهذا تُعرَفُ الأولويَّاتُ، وما شدَّدَتْ فيه الشريعةُ وما خَفَّفَتْ فيه.
وقولُه: ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾: هم أهلُ الرَّحِمِ وعمومُ أهلِ القَرَابةِ مِن النَّسَب، ولا يدخُلُ فيهم الرَّضَاعُ والمُصاهَرةُ بالأمر، ولكنَّها تدخُلُ في الفضلِ والإحسانِ وبَذْلِ المعروفِ وكريم الخُلُقِ.
وأعظَمُ القُربى: أُولو الأرحام، واختلَفَ العلماءُ في الرحِمِ التي يجبُ وصلُها على أقوالٍ تقدَّمَ ذِكرُها في أوائلِ هذه السورةِ.
وقولُه: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ وأَوْلى اليتامى والمساكينِ هم يتامى
стр. 839
الرَّحِمِ ومساكينُهم؛ فلهم حقُّ القَرابةِ وحقُّ اليُتْيمِ والمَسْكَنَةِ؛ لأنَّ القريبَ أعلَمُ الناسِ بحاجةِ قريبِه، وأكثَرُ اطِّلاعًا عليها؛ فالحقُّ منه أوجَبُ، وحقُّ الرحِمِ منه آكَدُ.
حقُّ الجيرانِ وأنواعُهُمْ:
وقولُه: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾:
﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ الذي جَمَعَ مع قُرْبِهِ مكانًا: قُربَهُ نَسَبًا ورحمًا؛ فله حقُّ القَرابةِ وحقُّ الجوارِ.
وهذا المعنى عليه أكثرُ المفسِّرينَ مِن السلفِ؛ وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ وعِكْرِمةَ ومجاهدٍ وزيدِ بنِ أسلَمَ (١).
ورُوِيَ عن عليٍّ وابنِ مسعودٍ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ: أنَّه الزوجةُ (٢).
وقيل: هو كلُّ جارٍ مسلمٍ؛ فله حقُّ الجوارِ وحقُّ الإسلامِ.
وفي هذا القولِ نظرٌ، والأولُ أَشْبَهُ.
والجارُ ذو القُربى ولو كان بعيدَ المنزلِ أحَقُّ مِن الجارِ المُلاصِقِ؛ كالأخِ والأختِ والعم والخالِ؛ لأنَّ حَقَّ الرحِمِ أعظَمُ مِن حقِّ الجارِ في النصوصِ، والنصوصُ في الأمرِ بصِلَتِها والنهي عن ضدِّها أكثَرُ وأوفَرُ، والوعيدُ في قطيعةِ الأرحامِ أعظَمُ مِن قطيعةِ الجَارِ وأذيَّتِه، وكُلٌّ إثمٌ.
ويَعضُدُ ذلك: أنَّ حقَّ الرَّحِمِ دائمٌ لا ينقطعُ بالبُعْد، وحقَّ الجارِ عارِضٌ ينقطعُ بالافتِراقِ والبُعْدِ؛ فالحقُّ الدائمُ أعظَمُ مِن العارضِ.
فالرحِم يُوصَلُ ولو كان بعيدًا.
﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ هو الجار المُسلِمُ الذي لا قَرابةَ له، رُوِيَ هذا
стр. 840
عن ابنِ عبَّاسٍ، وقال به عِكْرِمةُ وقتادةُ وزيدُ بن أسلَمَ (١).
وقال مجاهدٌ في قولٍ له: "إنَّه رفيقُ السَّفَرِ" (٢).
وقيل: الجارُ الكافرُ يهوديًّا أو نصرانيًّا.
والأظهَرُ: أنَّه كلُّ جارٍ لا قرابةَ له، وحقُّ المُسلِمِ أَوْلى مِن غيرِه، وكلَّما كان الجارُ أقرَبَ بابًا، فهو أحَقُّ، والجارُ ذو القُربى البعيدُ، أوْلى مِن الجارِ غيرِ ذي القُربى ولو كان قرب الدارِ.
حقُّ الصديقِ:
﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: كلُّ مُرافِقٍ في حلٍّ وسفرٍ، وأوْلى مَن يدخُلُ في هذا الوصفِ: الزوجةُ؛ وفسَّرَهُ بالزوجةِ عليُّ بنُ أبي طالبٍ وابنُ مسعودٍ وسعيدُ بنُ جُبيرٍ وغيرُهم (٣).
وحَمَلة ابنُ عبَّاسٍ على كلِّ رفيقٍ وصاحبٍ في سفرٍ وغيرِه؛ وبه قال عِكرمةُ ومجاهدٌ.
حقُّ ابنِ السبيلِ:
وهذه الآيةُ في حقِّ الصُّحْبَةِ وحفظِ حقِّها وبَذْلِ المعروفِ إليها.
وَيعضُدُ أن المرادَ بالصاحبِ بالجنبِ: الصاحبُ المُرافِقُ: أنَّ اللهَ ذكَرَ ما سَبَقَهُ بوصفِ الجار، وخَصَّه بالصاحب، ثمَّ إنَّ اللهَ ذكَرَ ما بَعدَه تكميلًا لحقِّ الصاحِبِ ورفيقِهِ في السفرِ على ما يَرِدانِ عليه مِن البُلْدان، وهو ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، وهو المسافِرُ، انقطَعَ زادُهُ أو لم يَنقطِعْ، فله حقٌّ
стр. 841
بالإحسانِ إليه، ويدخُلُ في حُكْمِهِ الأسيرُ ولو كان بينَ أهلِهِ إذا حِيلَ بينَهُ وبينَ مالِهِ بحبسِ السلطانِ الظالمِ له وقَطْعِ رِزْقِهِ عنه ولو كان غنيًّا، فهو مِن أهلِ الزكاةِ.
والآيةُ في غيرِ الزكاةِ؛ فتُحمَلُ على عمومِ الإحسانِ إلى الغريبِ ولو كان معه مائة وزاده، ولا تُخصَّصُ بالنفقةِ والزكاة، فيُحسَنُ إلى الغريبِ عن بَلَدِه؛ فتُؤنَسُ وَحْشَتُهُ ويُدخَلُ السرورُ عليه بإكرامِهِ والبشاشةِ في وجهِه، ودَلالتِه على الطريقِ وهدايِتهِ السبيلَ، وقضاءِ حاجتِه؛ فمَن ظَنَّ أنَّ ابنَ السبيلِ يستحقُّ الزكاةَ وحدَها في كتابِ الله، فقد أخطَأ؛ فله أوسَعُ مِن ذلك في الحقِّ.
الجارُ مقدَّمٌ على الصديق:
والجارُ أحَقُّ مِن الصاحِبِ والرفيق؛ لأنَّ قُربَهُ أَدْوَمُ مِن غيره؛ فهو صاحبٌ وجارٌ، فيُصاحِبُ جارَهُ في مسجدِهِ ومجلسِهِ ووليمتِهِ وحاجتِهِ وحمايةِ بيتِهِ وحِفْظِ عورتهِ وأهلِه، وأمَّا الصاحبُ فصاحبٌ فقطْ.
ثمَّ إنَّ النصوصَ في الأمرِ بحقِّ الجارِ أكثَرُ مِن حقِّ الصاحب، والنهيُ عن أذيَّةِ الجارِ أعظَمُ مِن أذيَّةِ الصاحب.
ويعضُدُ أنَّ الجارَ أحَقُّ: أنَّ حقَّه يتعدَّى إلى أهلِهِ ومَحارِمِهِ ومَن يَرِدُ إليه؛ فالزِّنى بمَحارِمِ الجارِ والاطِّلاعُ إلى عورتِه التي عندَه في الدارِ أو الواردةِ إليه أعظَمُ مِن عورةِ الصاحِبِ وأهلِهِ في النصوصِ، وفي "الصحيحَينِ"؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قيل له: أيُّ الذَّنبِ أَعْظَمُ؟ فقال: (أنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ … ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ) (١)؛
فالنصوصُ في الإحسانِ إلى الجارِ والنهيِ عن أذيَّتِه أكَثَرُ وأعظَمُ مِن الصاحِبِ.
стр. 842
حقوقُ المَوَالي:
وقولُه: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: هم الموَالي عبيدًا وإماءً، والإحسانُ إليهم: إطعامُهم وكسوتُهم وعدمُ ضربِهم وسَبِّهم، وانِ احتاجُوا وخَشِيَ عليهم العَنَتَ، زوَّجَهم وكَفَاهُم، ولا يُكلِّفُهم ما لا يُطِيقُونَ، ويُجلِسُهُمْ إلى طعامِهِ ويُؤاكِلُهُم.
وَيقضي حاجتَهُمْ كما كان النبيُّ ﷺ يَقضي حاجةَ خَدَمِهِ ومَوَالِيه، وخَدَمِ غيرِهِ ومَوَالِيهم، وينتصرُ لهم ممَّن ظَلَمَهم؛ كما انتَصَرَ لبَرِيرَةَ مِن ظُلْمِ أهلِها باشْتراط ولائِهِمْ مع أنَّ العِتْقَ مِن غيرِهم، وفي "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ أنِسٍ؛ قال: "إِنْ كَانَتِ الأمَةُ مِنْ إمَاءِ أَهلِ المَدِينَة، لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَتَنطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شاءَتْ" (١).
والمَوَالي أكثَرُ الناسِ تعرُّضًا للظُّلْمِ؛ لأنَّهم يَنشغِلُونَ بالخِدْمةِ وقضاءِ الحاجاتِ في الأسواقِ يَبِيعُونَ وَيشتَرُونَ، ويَجلِبُونَ المتاعَ وَيحمِلونَه، ويَسْقُونَ وَيَزرعونَ.
ذمَّ الكِبرِ وآثارُهُ:
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾: ذكَرَ الله صِفَتَيْنِ: الخُيَلاءَ والفخرَ، وجامِعُهما: الكِبْرُ؛ فالكِبرُ يَحُولُ بينَ العبدِ وبينَ النفقةِ والإحسانِ إلى الفقراءِ والضعفاءِ ومُجالَسَتِهم، وبِرِّ الوالدَيْنِ والأقرَبِينَ والإحسانِ إليهم؛ فاللهُ لمَّا ذكَرَ عيسى بنَ مريمَ، ذكَرَ عنه قولَهُ: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢]؛ فالكِبرُ والتجبُّرُ يَمْنَعُ مِن البِرِّ للوالدَيْنِ فضلًا عن غيرِهم، وكلَّما زاد الكِبْرُ، نقَصَ معه البِرُّ، فالمتكبِّرُ يترفَّعُ عمَّا يَظُنُّ أنَّه يَضَعُهُ كخِدْمةِ غيرِه والابتذالِ له كوالدِه، وإنْ أراد الإحسانَ، وضَعَ بينَهُ وبينَ والدَيْهِ خادمًا، وهو قادرٌ، فلا يُباشِرُ مِن البِرِّ بنفِسهِ شيئًا.
стр. 843
ولا يترُكُ الرجُلُ بِرَّ والدَيْهِ وَيصِلُ بقيَّةَ رَحِمِهِ إلَّا لغيرِ اللهِ؛ لأنَّ برَّ الوالدَيْنِ لا آكَدَ منه في حقوقِ الناسِ.
والمتكبِّرُ المختال الفَخُورُ يمتنعُ عن مُخالَطةِ الضُّعَفاءِ لِعُلُوِّه؛ حتى لا ينتسِبَ إليهم قَرَابةً وصُحْبةً، وَيحبِسُ المالَ عن الصدقةِ والزكاةِ؛ خوفًا على فقدِ مالهِ الذي يرتفِعُ به، فيَنزِلُ مِن أَعْيُنِ الناس، ولو أنفَقَ، أنفَقَ لِيَعْلُوَ ويُذكَرَ ويُحمَدَ.
* * *
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣].
التدرُّجُ في تحريمِ الخَمْرِ:
لم يكُنِ النبيُّ ﷺ يُحِلُّ الخمرَ ولا يتناوَلُهَا قبلَ تحريمِه؛ وإنَّما غايةُ الأمرِ: السكوتُ عنها لسكوتِ اللهِ عنها؛ توطينًا للنفوسِ وتدرُّجًا في التشريعِ؛ وإنَّما كان النبيُّ يتركُهُ؛ لنُفُورِ الفِطَرِ الصحيحةِ عمَّا يُغَيِّبُ العقلَ وَيَجلِبُ السَّفَهَ وسُوءَ التصرُّفِ والهَذَيَانَ، وأصَحُّ الفِطَرِ فِطَرُ الأنبياء، وقد جاء الوحيُ متدرِّجًا مُستصلِحًا للفِطَرِ التي طرَأَ عليها تبديلٌ مِن أعمالِ الجاهليَّة، ولم يكُنْ مَن يشربُ الخمرَ قبلَ تحريمِهِ آثمًا؛ لأنَّ اللهَ لا يُؤاخِذُ أحدًا قبل البلاغِ والبيان، وأوَّلُ ما نزَلَ مِن القرآنِ في الخمرِ هذه الآيةُ؛ إشارةً إلى تطهيرِ العِبادةِ ومَوضِعِها مِن السُّكَارَى، وكأنَّ في الآية ذمًّا وتنقُّصًا لشارِب الخمرِ؛ إذ مُنِعَ مِن قُرْبِ الصلاةِ؛ لفَقْدِ عقلِه وعدمِ إقامتِهِ
стр. 844
العِبادةَ على ما يُرِيدُ اللهُ؛ وهذا ظاهرٌ في قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾.
والعِلمُ بالصلاةِ وما فيها شرطٌ لصحَّةِ الصلاة، ولا يكونُ هذا إلا مِن عاقلٍ.
صلاةُ غيرِ العاقِلِ:
ولا خلافَ عندَ العلماءِ: أنَّه لا تَصِحُّ صلاةُ فاقِدِ العقلِ بجنونٍ أو سُكْرٍ.
وأمَّا مَن شَرِبَ الخمرَ، ولم يَفقِدْ عقلَهُ كشاربِ القليلِ، أو شَرِبَ كثيرًا ممَّا لا يُسكِرُ إلَّا الكثير الفاحِشُ منه، فقد أَثِمَ واستوجَبَ الحَدَّ، وصلاتُهُ صحيحةٌ لسلامةِ عقلِهِ.
حكمُ تصرُّفاتِ السَّكْرانِ:
وألحَقَ بعضُ الفقهاءِ ببُطْلانِ صلاتِهِ بطلانَ قولِهِ وفعلِهِ في غيرِ الصلاةِ؛ كالطَّلاقِ والعَتَاقِ والنِّكاحِ والبيع، وفي المسألةِ خلافٌ قديمٌ عندَ السلفِ وتَبِعَهم الخَلَفُ على أقوالٍ:
القولُ الأول: كلُّ قولٍ مِن السَّكْرانِ باطلٌ؛ مِن بيعٍ وعَتَاقٍ ونكاحٍ وطلاقٍ، ويُحَدُّ بما تَجْنِيهِ جوارحُهُ مِن سرقةٍ وقتلٍ وزِنًى.
وهذا قولُ القاسمِ بنِ محمدٍ وطاوسٍ وعطاءٍ، وذهب إليه اللَّيْثُ والمُزَنِيُّ وأبو العبَّاسِ بن سُرَيْجٍ، ونَسَبَهُ بعضُ فُقهاءِ الشافعيَّةِ قولًا قديمًا للشافعيِّ، وأنكَرَ نِسبَتَهُ للشافعيِّ المَاوَردِيُّ وغيرُه.
القولُ الثاني: يَلزَمُ السكرانَ كلُّ شيءٍ مِن تَبِعَةِ قوْلِهِ وفِعْلِهِ؛ وهذا قولُ أبي حنيفةَ، واستثنَى ما استثناهُ غيرُه مِن العلماءِ ما كان مِن حقِّ اللهِ؛ كألفاظِ الكفرِ والرِّدَّة، وكذا الإقرارُ بالحدودِ على نفسِه.
القولُ الثالثُ: يَلزَمُ السَّكْرانَ الطلاقُ والعَتَاقُ والقَوَدُ، ولا يَلزَمُهُ النِّكاحُ والبيعُ؛ وهذا قول مالكٍ.
стр. 845
وفي كلامِ بعضِ الفُقَهاءِ تداخُلٌ في بعضِ صُورِ ما يَلزَمُ السكرانَ، بخلافِ ما كان بين العلماءِ القائِلينَ بلزومِ كلِّ شيءِ وبينَ القائلينَ بعدمِ لزومِ أيِّ شيءٍ.
وهذانِ القولانِ أقَلُّ الأقوالِ حظًّا مِن الأدلةِ ومقاصِدِ الشريعةِ.
وللشافعيَّةِ تفصيلٌ يُعَدُّ قولًا رابعًا. وهو أنَّهم يُفرِّقونَ بينَ السَّكْرانِ بمُباحٍ كالبَنجِ المُخَدِّرِ للعلاجِ وكحالةِ المُكرَهِ، وبينَ السَّكْرانِ بمحرَّمٍ؛ فالأوَّلُ: لا يُؤخَذُ بقولِهِ ولا يَلزَمُهُ منه شيءٌ، والثاني: يُؤخَذُ بقولِهِ وتَلزَمُهُ لوازمُه؛ مِن بيعٍ وزواجٍ وطلاقٍ وعَتَاقٍ.
وللفقهاءِ كلامٌ كثيرٌ وتفصيلٌ واستثناءٌ في مسألةِ ما يَلزَمُ السَّكرانَ وما لا يَلزَمُهُ، ومَن تتبَّعَ أقوالَ السلفِ، وجَدَ أنَّ بعضَ الاستثناءِ عندَ الفقهاءِ لا يحتاجُ إلى بحثٍ ونظرِ؛ لتَوَاتُرِ الأدلةِ على عدمِ مؤاخَذتِهِ به؛ فإنَّ السلفَ لا يَختلِفونَ في أنَّ ألفاظَ الرِّدَّةِ لا تَلزَمُ السَّكْران، وأنَّ مَن سَكِرَ مُكرَهًا أو مُخطِئًا، أو فقَدَ عَقْلَهُ ببَنْجٍ لا يُسكِرُ: أنَّه لا يُؤاخَذُ بشيءٍ مِن أقوالِه، سواءٌ بعَتَاقٍ أو طلاقٍ أو نِكاحٍ أو بيعٍ أو قَوَدٍ؛ لأنَّه في حُكْمِ المجنونِ المَطْبُوعِ على الجُنُونِ، ولا حاجةَ لاستثناءِ هذه الصُّوَرِ؛ للإجماعِ عليها عندَ السلفِ.
وقد صَحَّ عن عثمانَ بنِ عفَّانَ: عدمُ إلزامِ السَّكْرانِ بالطلاق، مِن غيرِ تفريقٍ بينَ أسبابِ سُكْرِه؛ لارتفاعِ التكليفِ عنه ولو كان مختارًا لذلك السببِ.
قربُ السَّكْرانِ للصلاةِ:
وفي المرادِ مِن قُرْبِ الصلاةِ في قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ خلافٌ عندَ المفسِّرينَ مِن السلفِ في قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾:
فمنهم: مَن جعَلَ المرادَ بالقُرْبِ: قَصْدَ الصلاةِ ودخولَها، لا دخولَ