بالإحسانِ إليه، ويدخُلُ في حُكْمِهِ الأسيرُ ولو كان بينَ أهلِهِ إذا حِيلَ بينَهُ وبينَ مالِهِ بحبسِ السلطانِ الظالمِ له وقَطْعِ رِزْقِهِ عنه ولو كان غنيًّا، فهو مِن أهلِ الزكاةِ.
والآيةُ في غيرِ الزكاةِ؛ فتُحمَلُ على عمومِ الإحسانِ إلى الغريبِ ولو كان معه مائة وزاده، ولا تُخصَّصُ بالنفقةِ والزكاة، فيُحسَنُ إلى الغريبِ عن بَلَدِه؛ فتُؤنَسُ وَحْشَتُهُ ويُدخَلُ السرورُ عليه بإكرامِهِ والبشاشةِ في وجهِه، ودَلالتِه على الطريقِ وهدايِتهِ السبيلَ، وقضاءِ حاجتِه؛ فمَن ظَنَّ أنَّ ابنَ السبيلِ يستحقُّ الزكاةَ وحدَها في كتابِ الله، فقد أخطَأ؛ فله أوسَعُ مِن ذلك في الحقِّ.
الجارُ مقدَّمٌ على الصديق:
والجارُ أحَقُّ مِن الصاحِبِ والرفيق؛ لأنَّ قُربَهُ أَدْوَمُ مِن غيره؛ فهو صاحبٌ وجارٌ، فيُصاحِبُ جارَهُ في مسجدِهِ ومجلسِهِ ووليمتِهِ وحاجتِهِ وحمايةِ بيتِهِ وحِفْظِ عورتهِ وأهلِه، وأمَّا الصاحبُ فصاحبٌ فقطْ.
ثمَّ إنَّ النصوصَ في الأمرِ بحقِّ الجارِ أكثَرُ مِن حقِّ الصاحب، والنهيُ عن أذيَّةِ الجارِ أعظَمُ مِن أذيَّةِ الصاحب.
ويعضُدُ أنَّ الجارَ أحَقُّ: أنَّ حقَّه يتعدَّى إلى أهلِهِ ومَحارِمِهِ ومَن يَرِدُ إليه؛ فالزِّنى بمَحارِمِ الجارِ والاطِّلاعُ إلى عورتِه التي عندَه في الدارِ أو الواردةِ إليه أعظَمُ مِن عورةِ الصاحِبِ وأهلِهِ في النصوصِ، وفي "الصحيحَينِ"؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قيل له: أيُّ الذَّنبِ أَعْظَمُ؟ فقال: (أنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ … ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ) (١)؛
فالنصوصُ في الإحسانِ إلى الجارِ والنهيِ عن أذيَّتِه أكَثَرُ وأعظَمُ مِن الصاحِبِ.
стр. 842
حقوقُ المَوَالي:
وقولُه: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: هم الموَالي عبيدًا وإماءً، والإحسانُ إليهم: إطعامُهم وكسوتُهم وعدمُ ضربِهم وسَبِّهم، وانِ احتاجُوا وخَشِيَ عليهم العَنَتَ، زوَّجَهم وكَفَاهُم، ولا يُكلِّفُهم ما لا يُطِيقُونَ، ويُجلِسُهُمْ إلى طعامِهِ ويُؤاكِلُهُم.
وَيقضي حاجتَهُمْ كما كان النبيُّ ﷺ يَقضي حاجةَ خَدَمِهِ ومَوَالِيه، وخَدَمِ غيرِهِ ومَوَالِيهم، وينتصرُ لهم ممَّن ظَلَمَهم؛ كما انتَصَرَ لبَرِيرَةَ مِن ظُلْمِ أهلِها باشْتراط ولائِهِمْ مع أنَّ العِتْقَ مِن غيرِهم، وفي "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ أنِسٍ؛ قال: "إِنْ كَانَتِ الأمَةُ مِنْ إمَاءِ أَهلِ المَدِينَة، لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَتَنطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شاءَتْ" (١).
والمَوَالي أكثَرُ الناسِ تعرُّضًا للظُّلْمِ؛ لأنَّهم يَنشغِلُونَ بالخِدْمةِ وقضاءِ الحاجاتِ في الأسواقِ يَبِيعُونَ وَيشتَرُونَ، ويَجلِبُونَ المتاعَ وَيحمِلونَه، ويَسْقُونَ وَيَزرعونَ.
ذمَّ الكِبرِ وآثارُهُ:
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾: ذكَرَ الله صِفَتَيْنِ: الخُيَلاءَ والفخرَ، وجامِعُهما: الكِبْرُ؛ فالكِبرُ يَحُولُ بينَ العبدِ وبينَ النفقةِ والإحسانِ إلى الفقراءِ والضعفاءِ ومُجالَسَتِهم، وبِرِّ الوالدَيْنِ والأقرَبِينَ والإحسانِ إليهم؛ فاللهُ لمَّا ذكَرَ عيسى بنَ مريمَ، ذكَرَ عنه قولَهُ: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢]؛ فالكِبرُ والتجبُّرُ يَمْنَعُ مِن البِرِّ للوالدَيْنِ فضلًا عن غيرِهم، وكلَّما زاد الكِبْرُ، نقَصَ معه البِرُّ، فالمتكبِّرُ يترفَّعُ عمَّا يَظُنُّ أنَّه يَضَعُهُ كخِدْمةِ غيرِه والابتذالِ له كوالدِه، وإنْ أراد الإحسانَ، وضَعَ بينَهُ وبينَ والدَيْهِ خادمًا، وهو قادرٌ، فلا يُباشِرُ مِن البِرِّ بنفِسهِ شيئًا.
стр. 843
ولا يترُكُ الرجُلُ بِرَّ والدَيْهِ وَيصِلُ بقيَّةَ رَحِمِهِ إلَّا لغيرِ اللهِ؛ لأنَّ برَّ الوالدَيْنِ لا آكَدَ منه في حقوقِ الناسِ.
والمتكبِّرُ المختال الفَخُورُ يمتنعُ عن مُخالَطةِ الضُّعَفاءِ لِعُلُوِّه؛ حتى لا ينتسِبَ إليهم قَرَابةً وصُحْبةً، وَيحبِسُ المالَ عن الصدقةِ والزكاةِ؛ خوفًا على فقدِ مالهِ الذي يرتفِعُ به، فيَنزِلُ مِن أَعْيُنِ الناس، ولو أنفَقَ، أنفَقَ لِيَعْلُوَ ويُذكَرَ ويُحمَدَ.
* * *
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣].
التدرُّجُ في تحريمِ الخَمْرِ:
لم يكُنِ النبيُّ ﷺ يُحِلُّ الخمرَ ولا يتناوَلُهَا قبلَ تحريمِه؛ وإنَّما غايةُ الأمرِ: السكوتُ عنها لسكوتِ اللهِ عنها؛ توطينًا للنفوسِ وتدرُّجًا في التشريعِ؛ وإنَّما كان النبيُّ يتركُهُ؛ لنُفُورِ الفِطَرِ الصحيحةِ عمَّا يُغَيِّبُ العقلَ وَيَجلِبُ السَّفَهَ وسُوءَ التصرُّفِ والهَذَيَانَ، وأصَحُّ الفِطَرِ فِطَرُ الأنبياء، وقد جاء الوحيُ متدرِّجًا مُستصلِحًا للفِطَرِ التي طرَأَ عليها تبديلٌ مِن أعمالِ الجاهليَّة، ولم يكُنْ مَن يشربُ الخمرَ قبلَ تحريمِهِ آثمًا؛ لأنَّ اللهَ لا يُؤاخِذُ أحدًا قبل البلاغِ والبيان، وأوَّلُ ما نزَلَ مِن القرآنِ في الخمرِ هذه الآيةُ؛ إشارةً إلى تطهيرِ العِبادةِ ومَوضِعِها مِن السُّكَارَى، وكأنَّ في الآية ذمًّا وتنقُّصًا لشارِب الخمرِ؛ إذ مُنِعَ مِن قُرْبِ الصلاةِ؛ لفَقْدِ عقلِه وعدمِ إقامتِهِ
стр. 844
العِبادةَ على ما يُرِيدُ اللهُ؛ وهذا ظاهرٌ في قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾.
والعِلمُ بالصلاةِ وما فيها شرطٌ لصحَّةِ الصلاة، ولا يكونُ هذا إلا مِن عاقلٍ.
صلاةُ غيرِ العاقِلِ:
ولا خلافَ عندَ العلماءِ: أنَّه لا تَصِحُّ صلاةُ فاقِدِ العقلِ بجنونٍ أو سُكْرٍ.
وأمَّا مَن شَرِبَ الخمرَ، ولم يَفقِدْ عقلَهُ كشاربِ القليلِ، أو شَرِبَ كثيرًا ممَّا لا يُسكِرُ إلَّا الكثير الفاحِشُ منه، فقد أَثِمَ واستوجَبَ الحَدَّ، وصلاتُهُ صحيحةٌ لسلامةِ عقلِهِ.
حكمُ تصرُّفاتِ السَّكْرانِ:
وألحَقَ بعضُ الفقهاءِ ببُطْلانِ صلاتِهِ بطلانَ قولِهِ وفعلِهِ في غيرِ الصلاةِ؛ كالطَّلاقِ والعَتَاقِ والنِّكاحِ والبيع، وفي المسألةِ خلافٌ قديمٌ عندَ السلفِ وتَبِعَهم الخَلَفُ على أقوالٍ:
القولُ الأول: كلُّ قولٍ مِن السَّكْرانِ باطلٌ؛ مِن بيعٍ وعَتَاقٍ ونكاحٍ وطلاقٍ، ويُحَدُّ بما تَجْنِيهِ جوارحُهُ مِن سرقةٍ وقتلٍ وزِنًى.
وهذا قولُ القاسمِ بنِ محمدٍ وطاوسٍ وعطاءٍ، وذهب إليه اللَّيْثُ والمُزَنِيُّ وأبو العبَّاسِ بن سُرَيْجٍ، ونَسَبَهُ بعضُ فُقهاءِ الشافعيَّةِ قولًا قديمًا للشافعيِّ، وأنكَرَ نِسبَتَهُ للشافعيِّ المَاوَردِيُّ وغيرُه.
القولُ الثاني: يَلزَمُ السكرانَ كلُّ شيءٍ مِن تَبِعَةِ قوْلِهِ وفِعْلِهِ؛ وهذا قولُ أبي حنيفةَ، واستثنَى ما استثناهُ غيرُه مِن العلماءِ ما كان مِن حقِّ اللهِ؛ كألفاظِ الكفرِ والرِّدَّة، وكذا الإقرارُ بالحدودِ على نفسِه.
القولُ الثالثُ: يَلزَمُ السَّكْرانَ الطلاقُ والعَتَاقُ والقَوَدُ، ولا يَلزَمُهُ النِّكاحُ والبيعُ؛ وهذا قول مالكٍ.
стр. 845
وفي كلامِ بعضِ الفُقَهاءِ تداخُلٌ في بعضِ صُورِ ما يَلزَمُ السكرانَ، بخلافِ ما كان بين العلماءِ القائِلينَ بلزومِ كلِّ شيءِ وبينَ القائلينَ بعدمِ لزومِ أيِّ شيءٍ.
وهذانِ القولانِ أقَلُّ الأقوالِ حظًّا مِن الأدلةِ ومقاصِدِ الشريعةِ.
وللشافعيَّةِ تفصيلٌ يُعَدُّ قولًا رابعًا. وهو أنَّهم يُفرِّقونَ بينَ السَّكْرانِ بمُباحٍ كالبَنجِ المُخَدِّرِ للعلاجِ وكحالةِ المُكرَهِ، وبينَ السَّكْرانِ بمحرَّمٍ؛ فالأوَّلُ: لا يُؤخَذُ بقولِهِ ولا يَلزَمُهُ منه شيءٌ، والثاني: يُؤخَذُ بقولِهِ وتَلزَمُهُ لوازمُه؛ مِن بيعٍ وزواجٍ وطلاقٍ وعَتَاقٍ.
وللفقهاءِ كلامٌ كثيرٌ وتفصيلٌ واستثناءٌ في مسألةِ ما يَلزَمُ السَّكرانَ وما لا يَلزَمُهُ، ومَن تتبَّعَ أقوالَ السلفِ، وجَدَ أنَّ بعضَ الاستثناءِ عندَ الفقهاءِ لا يحتاجُ إلى بحثٍ ونظرِ؛ لتَوَاتُرِ الأدلةِ على عدمِ مؤاخَذتِهِ به؛ فإنَّ السلفَ لا يَختلِفونَ في أنَّ ألفاظَ الرِّدَّةِ لا تَلزَمُ السَّكْران، وأنَّ مَن سَكِرَ مُكرَهًا أو مُخطِئًا، أو فقَدَ عَقْلَهُ ببَنْجٍ لا يُسكِرُ: أنَّه لا يُؤاخَذُ بشيءٍ مِن أقوالِه، سواءٌ بعَتَاقٍ أو طلاقٍ أو نِكاحٍ أو بيعٍ أو قَوَدٍ؛ لأنَّه في حُكْمِ المجنونِ المَطْبُوعِ على الجُنُونِ، ولا حاجةَ لاستثناءِ هذه الصُّوَرِ؛ للإجماعِ عليها عندَ السلفِ.
وقد صَحَّ عن عثمانَ بنِ عفَّانَ: عدمُ إلزامِ السَّكْرانِ بالطلاق، مِن غيرِ تفريقٍ بينَ أسبابِ سُكْرِه؛ لارتفاعِ التكليفِ عنه ولو كان مختارًا لذلك السببِ.
قربُ السَّكْرانِ للصلاةِ:
وفي المرادِ مِن قُرْبِ الصلاةِ في قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ خلافٌ عندَ المفسِّرينَ مِن السلفِ في قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾:
فمنهم: مَن جعَلَ المرادَ بالقُرْبِ: قَصْدَ الصلاةِ ودخولَها، لا دخولَ
стр. 846
المساجدِ بِعَيْنِها بلا صلاةٍ؛ وبهذا القولِ قال عليٌّ وابنُ عبَّاسٍ وسعيدُ بنُ جُبيرٍ والحسنُ وقتادةُ ومجاهدٌ، وهذا هو القولُ الأولُ.
والقولُ الثاني: أنَّ المرادَ بالقُرْبِ: مواضِعُها؛ وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ في روايةٍ عنه، وابنِ مسعودٍ وابنِ المسيَّبِ وعطاءٍ وعمرِو بنِ دِينارٍ وعِكْرِمةَ والزُّهْريِّ.
والقولُ الأولُ لا يُنافي الثانيَ، ولا الثاني يُنافي الأولَ، لأنَّ مَن منَعَ مِن دخولِ المساجدِ لا يُجيزُ دخولَ الصلاةِ للسَّكْرانِ ولو في البَرِّيَّة، ومَن قال بأنَّ المرادَ دخولُ الصلاةِ لا يَلزَمُ مِن قولِهِ حصرُ الحُكْمِ فيه؛ وإنَّما قصَدَ أنَّ المساجدَ عُظِّمَتْ لأجلِ الصلاةِ والعِبادة، ولولاها ما كانتْ مُعظَّمةً، فذكَرُوا غايةَ الحُكْمِ وترَكُوا بدايتَهُ، وتركُهُمْ للبدايةِ لا يعني خروجَها عن الحُكْمِ، ولكنْ يعني أنَّ دخولَ الصلاةِ مِن السَّكْرانِ ولو في الفضاءِ أعظَمُ عندَ اللهِ مِن دخولِهِ المسجدَ بلا صلاةٍ، ويُؤكِّدُ هذا: أنَّ اللهَ رخَّصَ في دخولِ المسجدِ عُبُورًا، ولم يُرخِّصْ في شيءٍ مِن دخولِ الصلاةِ بأيِّ حالٍ للسَّكْرانِ والجُنُبِ إلَّا مع الوضوءِ والتيمُّمِ للجُنُبِ خاصَّةً، ومِن قرائنِ هذا: أنَّه جاء عن ابن عبَّاسٍ روايتان، وأصحابُهُ منهم مَن ذكَرَ المعنى الأولَ كسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ ومجاهدٍ، ومنهم مَن ذكَرَ المعنى الثانيَ كعطاءٍ وعِكْرِمةَ.
ومِثلُ هذا كثيرًا ما يقعُ في قولِ ابنِ عبَّاسٍ وَيعُدُّهُ بعضُ الفُقَهاءِ قولَيْنِ عنه.
وليس في حَمْلِ الآيةِ على قُرْبِ المسجدِ صرفٌ لها عن ظاهرِها، بل حملٌ لها على ظاهرِها؛ لقرائنَ؛ منها: أنَّ الله نَهَى عن القُرْبِ: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾؛ كالنهيِ عن قُرْبِ الخمرِ والمَيْسِرِ: تحريمٌ لاقتنائِها والجلوسِ في موضعٍ تُستعمَلُ هي فيه.
стр. 847
ومِن القرائنِ قولُه ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾؛ فالعبورُ إشارةٌ إلى أنَّ المرادَ به محلُّ الصلاة، فضلًا عن فِعْلِها.
والخِطابُ في قولِه تعالى، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ توجيهٌ للمُسْلِمِينَ قبلَ القطعِ بتحريمِ الخمرِ؛ فلم يُنْهَ الناسُ عنها فضلًا عن عِقَابِهم بالحَدِّ عليها، والنهيُ تَوجَّهَ للمؤمِنِ قبلَ سُكْرِهِ أنْ يَسكَرَ عندَ قُرْبِ الصلاةِ، فيتسبَّبَ ذلك في تركِهِ الصلاةَ أو تَرْكِهِ إقامتَها على وجهِها فلا تُقبَلَ، ويتضمَّنُ الخِطَابُ حِينَها بدَلَالةِ المفهومِ جوازَ السُّكْرِ في غيرِ وقتِ قُرْبِ الصلاة، فالخِطَابُ تَوَجَّهَ للعاقلِ ألَّا يسكَرَ عندَ قُرْبِ الصلاةِ، لا للسَّكْرانِ أنْ يقترِبَ مِن الصلاةِ؛ لأن السَّكْرانَ عيرُ مُخاطبٍ لعدمِ عقلِه.
وفي هذا قرينةٌ على نهي الرجُلِ عن أكلِ الثُّومِ والبصلِ عندَ قُرْبِ الصلاةِ جماعةً؛ ففي الحديثِ؛ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ الْخَبِيثَتَيْن، وَقَالَ: (مَن أَكَلَهُمَا، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا) (١)؛ فالسكرُ عندَ نزولِ هذه الآيةِ لم يكُنْ مُحرَّمًا، فنُهِيَ السكرانُ وآكِلُ الثُّومِ والبصلِ عن قُرْبِ الصلاةِ؛ يعني: موضعَها، وتعدَّى نهيُ السكرانِ عن أداءِ الصلاةِ نفسِها أيضًا؛ لعدم العقلِ عندَ أدائِها، فكان نهيُ الرجلِ عن قُرْبِ الصلاةِ وهو سكرانُ أشَدَّ؛ لهذا جاء في القرآن، وجاء النهيُ عن الصلاةِ جماعةً لآكِلِ الثُّومِ والبصلِ في السُّنَّة، ولو أدَّاها صحَّتْ منه، بخلافِ فاقِدِ العقلِ بسُكْرٍ ونحوِه.
قربُ الصلاةِ جماعةً برائحة كريهة:
ولا يجوزُ لأحدٍ أن يتعمَّدَ أكْلَ الثَّومِ والبصلِ ليُعذَرَ بتركِ الصلاةِ
стр. 848
جماعةً؛ كما أنَّه لا يُفهَمُ مِن الآيةِ: أنَّه يجوزُ للصحابةِ شربُ الخمرِ قبلَ تحريمِهِ قُبيلَ الصلاةِ فيُعذَرُوا بتركِ الصلاةِ؛ بل إنَّ الآيةَ دالَّةٌ على النهيِ عن الفعلِ قبلَ الصلاةِ حتى لا تُترَكَ الصلاةُ؛ ولهذا كانوا يَشربونَها بعدَ نزولِ هذه الآيةِ وقبلَ التصريحِ بالتحريمِ بعدَ صلاةِ العِشاءِ وبعد صلاةِ الغداةِ؛ كما روى عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: "كانوا لا يشربونَها عندَ الصلاة، فإذا صَلَّوُا العِشاءَ شرِبوها، ولا يُصبِحُونَ حتى يَذهَبَ عنهم السُّكْرُ، فإذا صلَّوُا الغَدَاةَ شرِبُوها؛ فما يأتي الظُّهْرُ حتى يذهَبَ عنهم السُّكْرُ" (١).
ويُستثنَى مَن لم يَجِدْ طعامًا إلَّا ثُومًا أو بصلًا، فله أكلُهُ ولو قبلَ الصلاة، ويُعذَرُ بتركِها جماعةً، واللهُ أعلَمُ.
دخولُ المساجِدِ للجُنُب:
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ يتضمَّنُ تحريمَ الصلاةِ بلا طهارةٍ، وتحريمَ دخولِ المسجدِ إلَّا برفعِ الحَدَثِ الأكبرِ أو تخفيفِهِ بوضوءٍ؛ كما هو عملُ الصحابةِ.
والنهيُ عن قرْبِ الصلاةِ إلَّا بغسْلٍ للجُنُب مُطلَقٌ قُّيِّدَ بما بعدَهُ مِن جوازِ التيمُّمِ عندَ فقدِ الماء، وليس في الآيةِ منعُ الجُنُب مِن قُرْبِ الصلاةِ عندَ فقدِ الماءِ في الحَضَرِ بدَلَالةِ اقترانِهِ مع السَّكْران، وذكَرَ الغُسْلَ في قوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾؛ لأن الآيةَ جَرَتْ مَجرى الغالبِ؛ فالماء يُوجَدُ في الحَضَر، وكذا في المساجدِ؛ فالمسافِرُ مَظِنَّةُ فَقْدِ الماءِ والصلاةِ في العراءِ، وليس في الآيةِ حَصْرٌ؛ وإنَّما هي لبيانِ اشتراكِ الحُكْمِ بينَ السَّكْرانِ والجُنُبِ في تحريمِ دخولِ المسجدِ فضلًا عن أداء الصلاةِ، فنهيُ الجُنُبِ قَدْرٌ زائدٌ عن نهيِ المُحْدِثِ حَدَثًا أصغَرَ، فيجوزُ للمُحْدِثِ حَدَثًا
стр. 849
أصغَرَ أنْ يدخُلَ المسجِدَ، ولكنَّ السَّكْرانَ والجُنُبَ يَحرُمُ عليهما ذلك؛ لقوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا﴾؛ فالقُرْبْ قَدْرٌ فوقَ المُباشَرةِ، ولرفعِ الالتباسِ ذكَر اللهُ جوازَ تيمُّمِ الجُنُبِ عندَ فقدِ الماءِ بعدَ ذلك كما في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾؛ ففي قولِه ﴿لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ بعد قوله ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ إشارةٌ إلى اختلافِ الموضعَيْنِ في الحُكْمِ؛ فالأولُ نهيٌ عن موضعِ الصلاة، والثاني يتضمَّنُ نهيَ الجُنُبِ عن الصلاةِ بلا وضوءٍ أو تيمُّمٍ.
ولا فَرْقَ في حُكْمِ الجُنُبِ بين الحاضِرِ والمسافِرِ عندَ فقدِ الماءِ عندَ عامَّةِ السلفِ وجمهورِ الفقهاءِ؛ خلافًا لأبي حنيفةَ، وجماعةٌ مِن فُقَهاءِ الحنفيَّةِ لا يُفرِّقونَ كالجمهورِ؛ وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ والأوزاعيِّ.
مباشرةُ المعتكِفِ لزوجتهِ:
وفي الآيةِ: دليلٌ على تحريم الجِمَاعِ في المسجدِ للمُعتكِفِ وغيرِه؛ لدلَالةِ الآيةِ بالنهي عن قُرْبِ الصلاةِ للجُنُبِ، فسببُ الجنابةِ مِن بابِ الأوْلى.
الاحتلامُ في المسجد، وتخفيفهُ بالوضوء:
ومَن نام أوِ احتلَمَ لا يأثمُ؛ لعدمِ تكليفِهِ عندَ وُرُودِ السببِ عليه، ويخرُجُ يغتسلُ أو يتخفَّفُ مِن الجنابهِ بوضوءٍ؛ كما هو عملُ الصحابةِ؛ كما رواهُ سعيدُ بنُ منصورٍ والأثرَمُ، عن عطاءٍ؛ قال: "رأيتُ أصحابَ النبيِّ ﷺ يَجلِسونَ في المسجدِ وهم مُجنِبُونَ إذا توَضَّؤُوا وُضوءَ الصلاةِ" (١).
стр. 850
وسندُه صحيحٌ.
وبنحوِه روى زيدُ بنُ أسلَمَ عنهم.
وقال بهذا أحمدُ وإسحاقُ: أنَّ الوضوءَ يُخفِّفُ، ويجوزُ معه المُكْثُ.
وقال مالكٌ: بمنعِ المُكْثِ والمرورِ بكلِّ حالٍ؛ وهو ظاهرُ مذهبِ الحنفيَّة.
وكان أبو حنيفةَ يمنعُ المرورَ إلا للمتيمِّم، وأمَّا المُكْثُ: فيمنعُهُ بكلِّ حالٍ؛ أخذًا بظاهرِ الحديثِ المرويِّ في "سُننِ أبي داودَ"؛ مِن حديثِ أَفْلَتَ بنِ خليفةَ، عن جَسْرَةَ بنتِ دِجَاجَةَ، عن عائشةَ مرفوعًا: (لَا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ) (١).
والحديثُ ضعيفٌ لا يُحتَجُّ به؛ تفرَّدتْ به جَسْرَةُ، وعنها أَفلَتُ؛ قال البخاري: "عندَها عجائب" (٢).
وجَسْرَةُ كوفيَّةٌ ليستْ معروفةً بالحديثِ ولا بالفقه، وليستْ معروفةً بالأخذِ عن عائشةَ ولا بمجالستِها، ولعائشةَ أصحابٌ كثرٌ يرْوونَ عنها حديثَها، ويَحمِلونَ فِقهَها مِن الرِّجالِ والنِّساء، وفي قَراباتِها مِن النِّساءِ والرِّجالِ ما لا يَفوتُ عليهم مِثلُه، ولا يَفُوتُ عليها تحديثُهم به.
وضعَّفَ أحمدُ أَفلَتَ مرَّةً (٣)، وقال في أُخرى: "لا أرَى به بأسًا" (٤).
وجاء مِن حديثِ أبي الخطابِ، عن مَحدُوجٍ الذُّهْلِيِّ، عن جَسْرَةَ،
стр. 851
عن أمِّ سَلَمَةَ عندَ ابنِ ماجَهْ (١)، وفيه مجهولانِ، واضطرَبَتْ فيه جَسْرَةُ؛ تارةً تَرْوِيهِ عن عائشةَ، وتارةً عن أمِّ سلمةَ، والصحيحُ عن عائشةَ كما قاله أبو زُرْعةَ (٢).
دخولُ الحائِضِ للمسجِدِ:
وقد ذهَبَ المُزَنيُّ: إلى جوازِ دخولِ الحائضِ للمسجد،
وجعَلَ أحمدُ حُكْمَها كالجُنُبِ؛ لو توضّأتْ جاز أنْ تدخُلَ، وإنَّما ذكَرَ الجُنُبِ؛ لأنَّ وصفَ الجنابةِ يقعُ مِن الرجالِ والنساء، ولأنَّ الرجالَ أكثَرُ قُرْبًا للمساجدِ ومُكْثًا فيها.
ولا يَلزَمُ اشْتراكُ الحائضِ في الحُكْمِ؛ لأنَّ الجنابةَ سببٌ يُمكِنٌ لصاحِبِهِ رفعُهُ، بخلافِ الحيضِ؛ فالمرأةُ لا يُرفَعُ حيضُها إلَّا بأمرِ الله، وذِكرُهُ مؤكَّدٌ لو اشتركَ مع الجُنُبِ في الحُكْم، فالحائضُ أيَسرُ مِن الجُنُب، والأوْلى لها الوضوءُ إنْ دخَلَتْ بشرطِ عدمِ تلوثِ المسجدِ باستثفارٍ وحَفَائِظَ ونحوِها، وتُبتلى النساءُ لدخولِ المساجدِ كنساءِ أهلِ الصُّفَّةِ ومَن تَقُمُّ المسجدَ، وعدمُ بيانِ الحُكمِ القطعيِّ أمارةٌ على التيسيرِ.
وحديثُ عائشةَ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال لها: (نَاوِلينِي الْخمْرَةَ)، وهي بِسَاطٌ للصلاة، قالت: إنِّي حَائِضٌ! فقال: (إنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ) (٣).
بيَّنَ به المرادَ: أنَّ الحَيْضَ لا يُرفَعُ كالجنابةِ فتَرفعَهُ بالغُسْلِ؛ فإنَّ الغُسْلَ لا يَرفَعُ الحيضَ ما دام نازِلًا، وانقطاعُهُ بيدِ اللهِ لا بيدِها، فخُفِّفَ في الحائضِ أكَثرَ مِن الجُنُبِ.
стр. 852
واستدَلَّ جماعةٌ مِن الفُقَهاءِ بهذا الحديثِ: على منعِ الحائضِ مِن دخولِ المسجدِ.
وليس بصريحٍ، ولو استُدلَّ به، فلخوفِ تنجيسِ أرضِ المسجدِ؛ فالنساءُ في زمانِهم لا يَجِدُ كثيرٌ منهنَّ ما يَسْتَثْفِرْنَ به؛ لِضَغفِ الحال، واللهُ أعلَمُ.
وفي قولِه تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ استثناءٌ للتيسيرِ ورفع الحَرَج لمَن دخَلَ المسجدَ مِن غيرِ مُكْثٍ؛ كالعابرِ الذي يأخُذُ متاعًا أوَ يبحثُ عن حاجتِه، أو يدخُلُ مِن بابٍ ويخرُجُ مِن بابٍ آخَرَ لكونِه أيسَرَ له، وقد روى ابن جريرٍ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ: أنَّ سببَ نزولِ الآيةِ في رجالٍ مِن الأنصارِ كانتْ أبوابُهُمْ في المسجد، فتُصِيبُهُمْ جَنَابةٌ ولا ماءَ عندَهم، فيُرِيدُونَ الماءَ ولا مَمَرَّ لهم إلَّا في المسجدِ؛ فأنزَلَ الله هذه الآيةَ (١).
والخبرُ مرسَلٌ لا يصحُّ.
ورُوِيَ عن بعضِ السلفِ: أنَّ عابرَ السبيلِ في الآيةِ هو المسافرُ؛ رُوِيَ هذا عن عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ وسعيدِ بنِ جُيبرٍ (٢).
ورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ مسعودٍ وسعيدٍ وعمرِو بنِ دِينارٍ: أنَّ عابرَ السبيلِ: المارُّ (٣).
ويظهَرُ أنَّ مَن حَمَلَهُ على المسافر، حَمَلَهُ على الأغلبِ؛ لفقدِهم الماءَ الذي يَرفَعُونَ به الحَدَثَ، ويتخفَّفونَ به ولو بالوضوءِ، وليس المرادُ تقييدَهُ بالمسافرِ وخروجَ غيرِه مِن حُكْمِهِ؛ ولذا رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ المَعْنيَانِ.
стр. 853
ثمَّ قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.
وفي ذِكرِ السفرِ: حَمْلٌ للأغلبِ؛ لأنَّ المسافرَ لا يَجِدُ الماءَ، وليس فيه أنَّ الحاضرَ لا يستعملُهُ عندَ فَقْدِه؛ لأن الغالبَ في الحاضرِ: أنَّه في بلدٍ معمورةٍ بالبساتينِ والآبارِ؛ بخلافِ المسافِرِ في زمانِهم.
والقولُ بأنَّه خاصٌّ بالمسافرِ لظاهرِ السياقِ غلطٌ؛ لأنَّه يَلزَمُ منه منعُ الصحيحِ العاجز، وجوازُهُ لكلِّ مريضٍ ولو كان قادرًا؛ لأنَّه قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾، ولأن اللهَ قيَّدَ الجميعَ بعدم وجودِ الماءِ في آخِرِها: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾؛ وبهذا استَدَلَّ أحمدُ على أنَّ كلَّ شيْءٍ يتحوَّلُ عن اسم الماء لا يتوضَّأ به؛ لظاهر الآية (١).
والمرضُ في الآيةِ مخصوصٌ بما يُعجَزُ معه عن استعمالِ الماءِ كالحروقِ، أو يُقدَرُ معه على استعمالِ الماءِ ولكنَّه يُؤخِّرُ العافيةَ والبُرْءَ؛ فيجوزُ التيمُّمُ، وخوفُ المرضِ كالمرضِ؛ مثِلُ البردِ الشديدِ الذي يُخشى معه مِن الموتِ والمرضِ عند الغُسْلِ والوضوءِ؛ فيجوزُ معه التيمُّمُ.
العاجزُ عن استعمالِ الماء:
ومَن لا يَستقِلُّ بنفسِهِ في استعمالِ الوضوءِ وغَسلِ أعضائِه: يجوزُ له التيمُّمُ ولو كان الماءُ حاضرًا؛ كالمشلولِ الذي لا يستطيعُ رفعَ الماءِ ولا إدارتَهُ على يدَيْهِ ووجهِهِ وقدمَيْه، وَيقوَى على بسطِ كفَّيْهِ على الترابِ ورفعِهما إلى وجهِه؛ يجوزُ له التيمُّمُ ما دام لا يَستقِلُّ بنفسِهِ في استعمالِ الماءِ ولو وجَدَ مَن يُوَضِّئُه؛ كحالِ المُصلِّي الذي لا يستطيعُ القيامَ إلَّا بغيرِه؛ لا يجبُ عليه ما دام عاجزًا بنفسِه؛ وذلك كالشيخِ الكبيرِ الذي
стр. 854
يَقْوَى على التيمُّمِ وَيعجِزُ عن الوضوءِ إلَّا بوَلَدِهِ أو زوجِهِ أو خادمِهِ، ولو وضَّأهُ غيرُهُ، صحَّ بلا خلافٍ، لكنه لا يجبُ؛ لأنَّ الخِطابَ تَوَجَّهَ إليه لا إلى غيرِه؛ كما في قولِه تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وفي الصلاةِ قولُهُ ﷺ : (صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا) (١).
ولو وجَبَ عليه الوضوءُ عندَ عجزِهِ مع قُدْرتهِ بغيرِه، لانصرَفَ الأمرُ إلى غيرِه بإعانتِه، ولَحِقَهُ الإثم بتقصيرِه.
والقدرةُ الخاصَّةُ في استعمالِ الماءِ شرطٌ في وجوبِه، بخلافِ القدرةِ الخاصَّةِ في جلبِ الماءِ واستخراجِه؛ ليستْ شرطًا في الوجوبِ؛ فمَن عجَزَ بنفسِهِ عن إخراجِ الماءِ مِن البئرِ إلَّا بإعانةِ خادمِه، وجَبَ عليه استخراجُهُ ما دام قادرًا على استعمالِهِ بنفسِه؛ لأنَّ الوحيَ نزَلَ ولا يستقِلُّ كلُّ واحدٍ مِن الناسِ بنفسِهِ في استخراجِ الماءِ وجلبِهِ، فجاء الأمرُ بالوضوءِ مِن غيرِ تقييدٍ؛ فدَلَّ على وجوبِهِ على كلِّ قادرٍ على إخراجِهِ وجلبِهِ بنفسِهِ أو بغيرِه، وجاء الاستثناءُ في الوحي على العاجزِ بمرضٍ، والعادمِ للماءِ لسفرٍ ونحوِه، وهذا معنًى يتعلَّقُ بالنفسِ لا يتعدَّاها.
تقديمُ المَرَضِ على السَّفَرِ:
وإنَّما ذكَرَ الله المرضَ قبلَ السفرِ؛ لأنَّ المرضَ أكثَرُ وقوعًا في الناسِ، خاصَّةً في أزمنةِ مشقَّةِ الأسفار، ولأنَّ المرضَ عذرٌ يَنْزِلُ بلا اختبارٍ ولا سببٍ مِن المريضِ؛ بخلافِ السفرِ فيختارُهُ المسافِرُ.
الوضوء مِن الخارجِ من السبيلَيْنِ:
والمراد بقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾؛ يعني: مكانَ قضاءِ الحاجةِ، وفيه كنايةٌ عن الخارج مِن السَّبِيلَيْن، وجَرَى الحُكْمُ في
стр. 855
الآيةِ مَجرى العادةِ والسلامة، لا مجرى الشذوذِ والمرض، كمَن تخرُجُ فَضَلاتُهُ مِن غيرِ السبيلَيْنِ لمرضٍ أو عاهةٍ، فالحُكْمُ واحدٌ.
الخارجُ مِن غيرِ السبيلَيْنِ:
وما خرَجَ مِن البدنِ مِن غيرِ السبيلَيْن، لا الخارجُ منهما ولو مِن غيرِهما: لا يَنقُضُ الوضوءَ؛ كالقَيْءِ والرُّعَاف، فضلًا عن النُّخَامةِ والبُزَاقِ، ولو أنتَنَ رِيحُها.
الخارجُ مِن السبيلَيْنِ غيرُ النجسِ:
وقد اتَّفَقَ العلماءُ في نقضِ الوضوءِ بما خرَجَ مِن السبيلَيْنِ مِن النجاسةِ والمَنِيِّ، واختلَفُوا فيما خرَجَ منهما وليس بنجسٍ، أو مِن غيرِهما؛ سواءٌ كان نجسًا أو ليس بنجسٍ؛ كرُطُوبةِ فَرْجِ المرأةِ والرُّعَافِ والقيءِ والحِجَامةِ والفَصْدِ؛ لاختلافِهم في علةِ النقضِ في الآية والأحاديثِ:
فمنهم: مَن علَّقَ الحُكْمَ بالمَخرَجِ؛ كالشافعيِّ وأصحابِه.
ومنهم: مَن علَّقَه بالخارجِ؛ كمالكٍ وأصحابِه.
ومنهم: مَن علَّقَهُ بهما جميعًا؛ فجعَلَ الوضوءَ ينتقِضُ بما خرَجَ مِن محلِّ النجاسةِ ولو كان طاهرًا؛ لأنَّ الممرَّ يُنَجِّسُهُ، وجعَلَ كلَّ نجسٍ ينقُضُ الوضوءَ ولو مِن مَخرَجٍ طاهرٍ؛ كالرُّعافِ والحجامةِ والفصدِ؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ وأحمدَ.
وفي رطوبةِ المرأةِ عندَ أحمدَ وغيرِهِ اختلافٌ.
ولأنَّ مالكًا وأصحابَهُ عَلَّقُوا العِلةَ بالخارج؛ فلا ينتقِضُ الوضوءُ عندَهم بخروجِ الحَصَاةِ مِن الدُّبُر، وكذا الدودة والمَعْدِنُ والخيطُ والشَّعْرُ.
والشافعيُّ عَلَّقَهُ بالمَخرَجِ؛ فيَرَى كلَّ ما خرَجَ مِن السبيلَيْنِ ناقضًا، وما خرَجَ من غيرِهما لا ينقضُ؛ كالدمِ والرُّعَاف، والقيءِ والحِجامةِ؛
стр. 856
قالوا: لأنَّ الريحَ تنقُضُ الوضوءَ مِن أسفلُ، ولا تنقُضُ الوضوءَ إنْ خرَجَتْ مِن أَعْلى، وكِلاهما ريحٌ خارجةٌ مِن الجَوْفِ.
وإنْ كان هذا الرأيُ قويًّا، إلا أنَّ التعليلَ فيه نظرٌ؛ فإنَّ الرِّيحَيْنِ وإنْ خرَجَا مِن الجوف، فإنَّهما يختلِفان، فوجَبَ اختلافُ حكْمِهما، فليس جوفُهما واحدًا؛ فالفرقُ بينَ الرِّيحَيْنِ كالفرقِ بينَ الطعامينِ: القيءِ والغائطِ، فجوفُ الغائطِ غيرُ جوفِ القيء، وكذلك الريحُ.
الجماعُ ولَمْسُ المرأةِ:
وقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ المرادُ به: الجماعُ في قولِ أكثرِ السلفِ مِن المفسِّرينَ والفقهاءِ؛ كعليٍّ وابنِ عباسٍ وأبَيِّ بنِ كعبٍ ومجاهدٍ وسعيدِ بنِ جُببرٍ والشعبيِّ وطاوسٍ وقتادةَ (١).
وقال بعضُهم: إنَّ المرادَ بالملامَسةِ مسُّ الجسدِ مِن غيرِ جِماعٍ؛ وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ والليثِ والأوزاعيِّ.
رَوَى طارقٌ عن ابنِ مسعودٍ؛ قال: "اللمسُ: ما دونَ الجِماعِ" (٢).
وقال غيرُ واحدٍ مِن السلفِ بأنَّ مسَّ المرأةِ ينقُضُ الوضوءَ؛ كابنِ عمرَ وغيرِه فيما رواهُ نافعٌ عنه: "أنَّه كان يتوضَّأ مِن قُبْلةِ المرأةِ" (٣).
ولكنَّهم اختلَفُوا في الحالِ التي يجبُ معها الوضوءُ:
فمنهم: مَن قيَّدَهُ بلمسِ الشهوةِ؛ كمالكٍ والشافعيِّ، بحائلٍ أو بغيرِ حائلٍ، ويخرُجُ على هذا مسُّ الزوجةِ للسلامِ وتناوُلِ المتاعِ، أو مسُّ المَحَارِمِ والصِّغارِ اللاتي لا يُشتهى مِثلُهُنَّ.
стр. 857
ومنهم: مَن قيَّدَهُ بمسِّ اليدِ لا بغيرِها مِن البدنِ؛ كالأوزاعيِّ.
وظاهرُ فعلِ ابنِ عمرَ تقييدْهُ بالشهوةِ التي يكونُ معها انتشارٌ، فإنَّه كان يتوضَّأُ مِن القُبْلةِ، وغالبًا ما يكونُ معها شَهْوةٌ، وأمَّا سائرُ المسِّ للمرأةِ، فكثيرٌ، ولو كان يَتوضَّأُ مِن كلِّ مسٍّ، لَذُكِرَ ولم تُخَصَّصِ القُبْلةِ وشِبْهُها.
وروى سالمٌ، عن أبيهِ؛ أنَّه قال: "مَن قَبَّلَ امْرَأتَهُ، أوْ جَسَّهَا بِيَدِه، فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ" (١)، وظاهرهُ جَسُّ الشَّهْوةِ؛ لأنَّه قَرَنَهُ بالقُبْلةِ وما أطلَقَ المسَّ.
ويُفسِّرُ الحُكْمَ المُجمَلَ في الآيةِ - على القولِ بأنَّ اللمسَ هو ما دونَ الجِماعِ - السُّنَّةُ الثابتةُ بأنَّ النبيَّ ﷺ لم يكُنْ يتوضَّأ مِن لمسِ غيرِ الشهوةِ؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ من حديث عائشةَ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُصلِّي وهي مُعْتَرِضَةٌ بينَ يدَيْه، فإذا سجَدَ، غَمَزَهَا (٢).
وفي "صحيحِ مسلمٍ": أنَّها تفقَّدَتِ النبيَّ ﷺ في ليلةٍ وهو يُصلِّي، فوقَعَت يدُها على قَدَمِهِ وهو ساجدٌ (٣).
ويستدلُّ الشافعيُّ على أنَّ المرادَ بالمسِّ في الآيةِ: مسُّ اليدِ، لا الجنابةُ؛ لأنَّ حُكْمَ الجنابةِ مَضَى أولَ الآيةِ فلا يُكرَّرُ، وهذا يُمكنُ أن يُقالَ عندَ الاشتراكِ في الحُكْمِ في الموضعيْنِ، فالحُكْمُ بينَهما مختلفٌ؛ كما تقدَّمَ.
ومَن استدَلَّ بأنَّ اللمسَ هو مسُّ الجسدِ وليس الجِماعَ، أخذًا مِن
стр. 858
النَّهي عن بيعِ المُلامسةِ وهي مسُّ اليدِ، فهذا غلطٌ؛ لأنَّ للشريعةِ وضعًا واستَعمالًا للمسِّ يفهَمُ مِن السِّباق، لا من اللفظةِ المجرَّدةِ، وقياسُ اللمسِ الواردِ في الشريعةِ بعضهِ على بعضِ لمجردِ الاشتراكِ اللفظي مِن غيرِ الاعتبارِ بالسياقِ، ليس مِن طريقةِ العربِ؛ وإنَّما مِن طريقةِ الأعاجمِ، فلا يُمكنُ أن يَفْهَمَ عربيٌّ فصيحٌ مِن النهيِ عن بيع المُلامَسةِ معنى الجِماعِ ولا ما يُقارِبه؛ بل ولا وُرُودَ للذكورةِ والأنوثةِ فيه؛ فالسياقُ له أثرٌ على الألفاظِ، وقد روى ابنُ جريرٍ وابنُ المنذِر، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ؛ قال: "ذكَرُوا اللمسَ، فقال ناسٌ مِن المَوَالي: ليس بالجِماعِ، وقال ناسٌ مِن العربِ: اللمسُ الجِماعُ، قال: فأتيت ابنَ عبَّاسٍ، فقلتُ له: إنَّ ناسًا مِن المَوَالي والعربِ اختلَفوا في اللمسِ، فقالَتِ المَوَالي: ليس بالجِماعِ، وقالتِ العربُ: الجماعُ، قال: فمِن أيِّ الفريقَيْنِ كنتَ؟ قلت: كنتُ مِن المَوَالي، قال: غُلِبَ فريقُ الموَالي؛ إنَّ اللمسَ والمسَّ والمباشرةَ: الجِماعُ، ولكن اللهَ يُكَنِّي ما شاء بما شاء" (١).
وفي هذا أنَّ خطَأ بعضِ المُفسِّرين مِن السلفِ ليس مِن جهةِ وقوعِ التأويلِ على صحيحِ اللُّغة، ولكنَّ خَطَأهم بسببِ فهْمِ السياقِ وتنزيلِهِ على أصحِّ مَعاني اللغةِ المقصودِ في التنزيلِ، وهذا ما يَغْلَطُ فيه الأعاجمُ مِن السلفِ، وكذلك بعضُ العربِ الذين لم يَقْرُبُوا مِن وضعِ اللسانِ الذي نزَلَ عليه القرآنُ، فنَأتْ مساكنُهُم وتواضَعُوا على مَعَانٍ تختلفُ عن وضعِ العربِ حالَ نزولِ القرآنِ في مكَّةَ والمدينةِ.
التيمُّمُ وصفتهُ:
قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾:
стр. 859
لا يَختلِفون في التيمُّم، ولا في المسحِ للوجهِ واليدَين، ولا في أن المرادَ: المسحُ، لا الدَّلْكُ والفَركُ؛ ولكن يختلِفونَ في العَدَد، والترتيب، ومقدارِ ما يمَسحُلا مِن العضوَين، ونوعِ الصعيدِ المقصودِ في الآيةِ.
وجمهور العلماءِ: على أن المسحَ يكون للوجهِ والكفينِ فقط؛ خلافًا للشافعيِّ في الجديدِ؛ فقد قال بمسحِ اليدَينِ إلى المرفقَين، ولا تصح الأحاديثُ الدالةُ على مسحِ غيرِ الكفين، وعلى هذا ظاهِر القرآن؛ فإن اللهَ قال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، واليدُ إذا أطلِقَت في القرآنِ فالمرادُ بها الكَفُّ؛ ولهذا أَطلَقَها اللهُ في آيةِ السرِقَةِ: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، ولَما أرادَ الله سبحانَه تجاوُزَ الكَف في الوضوءِ قال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]؛ ولهذا استدَلَّ أحمد.
وقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾: الصعيدُ: ما على الأرضِ مِن الترابِ:
فمنهم مَن جعَلَهُ في الترابِ الخالصِ الذي له غبار؛ كالشافعي وأحمدَ؛ وذلك لظاهِرِ الآية، ولقولِهِ ﷺ : (جُعِلَت لَنَا الأَرْضُ كُلهَا مَسْجِدًا، وَجُعلَت تربتهَا لنَا طَهُورًا)؛ رواهُ مسلم عن حُذَيفَةَ (١)؛ فإنه جعَلَ الصلاةَ في الأرض كلها، وخَصَّ التيممَ بالترابِ منها.
ومِن الفُقَهاءِ: مَن جعَلَ التيممَ بكلِّ ما صَعدَ مِن الأرضِ مِن أجزائِها؛ وهو قول أبي حنيفةَ ومالكٍ، وأجاز مالك التيممَ بالحشيش والحِجارةِ والخشبِ والملحِ.
ورُوِيَ عن حماد؛ قال: "كلُّ شيءٍ وضَعتَ عليه يَدَكَ، فهو صعيدٌ، حتى غبارُ يَدِك، فتيمم به" (٢).
ثم ذكر الله اسمَينِ مِن أسمائِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾؛ تنبيهًا
стр. 860
على التيسيرِ في التشريعِ؛ فعفا اللهُ عن واجباتٍ، ورخَّصَ في منهيَّاتٍ؛ تيسيرًا ورحمةً وصَفحًا، وتنبيهًا على عدمِ المؤاخَذةِ على ذلك.
* * *
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨].
أمَرَ اللهُ بأداءِ الأماناتِ إلى أهلِها، وهم مُستحِقوها، والأمانةُ تذكَرُ في القرآن مُطلقة مِن غيرِ أن تُعدَّى ولا تُضَافَ، وتُذكَرُ مُتعدِّيةً ومضافةً:
فتُطلَقُ كما في قولِه تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢].
وتُذكَرُ متعديةً كما في هذه الآيةِ.
والأصل عندَ إطلاقِها: العموم؛ فيدخُلُ فيها حقُّ اللهِ وأمانته، وهو توحيدهُ وإفراده بالعبادةِ وطاعتُه، ويدخُلُ فيها حقُّ خَلقِهِ فيما بينَهم ممَّا فُطِرُوا عليه مِن حبِّ العدلِ والإنصاف وبُغضِ الظُّلْم، والعملُ بهذه الفِطرةِ.
وعندَ تعدِيَتِها وإضافتِها، فبحسَب نوعِ الإضافةِ؛ فإن أُضِيفَت وعُدِّيت إلى فاعِلِيها، فهي عامَّةٌ في كلِّ أمانةٍ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]، وقولِه في سورةِ المؤمنونَ والمعارجِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨، والمعارج: ٣٢]، وإن عُدِّيَت وأضِيفَت إلى مُستحقِّيها كما في هذه الآية، فهي في الحقوقِ بين النَّاسِ كما في الآيةِ.
حقوق النَّاس، وأداءُ الأماناتِ:
والمقصودُ بالأماناتِ في الآيةِ هي حقوقُ النَّاس، وهي عظيمةٌ، إذ
стр. 861
جعَلَ اللهُ الحقَّ فيها لأصحابِها؛ لا تَذهَبُ الحقوقُ إلَّا بأدائِها أو عفوِ أصحابِها عنها؛ فأعظَمُ الخواتيِم منزلةً خاتمةُ الشهيد، فيُكفَّرُ عنه كلُّ ذنبِهِ إلَّا الأماناتِ والحقوقَ؛ فقد روى زاذانُ، عن ابنِ مسعودٍ؛ قال: "الشهادةُ تُكفِّرُ كلَّ ذنبٍ إلا الأمانة" (١).
وإن لم يَختلِفِ السلف في وجوبِ أداء الأماناتِ عامَّةً إلى أهلِها، فقد اختلَفُوا في المُخاطَبِ بهذه الآيةِ:
فقيل: كلُّ أمانةٍ وحقٍّ؛ وهذا ظاهرُ ما جاء عن ابنِ مسعودِ وابنِ عبَّاسٍ والربيعِ وغيرِهم.
وجاء عن بعضِ السلفِ: أنَّ الخِطابَ للأمراءِ أن يَعِظُوا النِّساءَ بحفظِ حقوقِ أزواجِهِن، ويأمُرُوا الناسَ بالحقِّ والعدلِ.
ورُوِيَ نحوُ هذا عن عليِّ بن أبي طالبٍ، ورواهُ عليُّ بن أبي طَلْحةَ عن ابنِ عبَّاسٍ، وقال به زيدُ بن أسلَم؛ رواهُ ابن أبي حاتمٍ (٢).
وهذا هو الأظهَرُ؛ أنَّ الخِطَاب لكلِّ أحدٍ، ولكن خُوطِبَ فيه الأُمَراءُ والحُكَّامُ والقُضَاة؛ لأنَّ اللهَ ذكَرَ الحُكمَ بعدَ ذلك للمخاطَبِينَ، والحُكمُ لا يكون إلا في الحُكَّامِ والسلاطِينِ؛ وذلك في قوله تعالى ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.
ويَعْضُدُ أنَّ الخِطَابَ للأمراءِ والحُكَّام: أنَّ اللهَ أمَرَ بطاعتِهم فيما بعدَ ذلك في الآية التاليةِ: " ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
تعظيمُ العَدلِ مع كلِّ أحدٍ:
والعدلُ واجبٌ ولو مع الكافِرِ والفاجِرِ.
ولا يكونُ العدلُ إلَّا بما أمَرَ الله به وقَضاهُ، ولعِظَمِ العدلِ وجريمةِ الظُّلمِ: جعَلَ اللهُ الفِطْرةَ دالَّةً عليه؛ كما تدُلُّ الفِطْرةُ على وجودِ الخالِقِ
стр. 862
سبحانَه ووحدانيَّتِهِ؛ فأعظَمُ الأحكامِ وأجَلُّ العِلْمِ ما دلَّت عليه الفِطْرةُ، وأكَّدَتهُ الشِّرعَةُ؛ لأنَّ الأصلَ في ذلك: أَنَّه لا يُعذَرُ أحدٌ بجهلِهِ ولو لم يَبلُغْهُ الدليلُ؛ فحُرمةُ السرقة والغَصبِ والسَّلبِ والقتلِ والتعدِّي على الأعراضِ معلومةٌ بالفِطْرة، تنزلُ الأسماءُ والأحكامُ على فاعِلِهِ ولو لم يَبلُغهُ الوحيُ؛ لأنَّه قام فيه قائمُ الفِطْرة، ولا يدخُلُ في هذا ما يحتاجُ ثبوتُهُ إلى وحيٍ مِن الحقوقِ؛ كأنواعِ الرِّبا وبيوعِ الجَهَالَةِ والغَرَرِ والقِمَارِ والمَيسِرِ؛ لأنَّ بعضَ النفوسِ الصحيحةِ قد تَرضَاهَا؛ فاحتِيجَ إلى ثبوتِ الوحيِ؛ لرفع الجهلِ وقيامِ الحُجَّةِ.
ويُعرَف العدلُ بدَلالةِ الشَّرعِ ودلالةِ الطَّبْع؛ فلا تُطبَعُ النفوسُ إلَّا على حبٍّ للعَدْلِ وكرهٍ للظُّلْم؛ فالله أمَرَ بالحُكمِ بالعدلِ لمعرفة دليلِهِ بداهةً، وفي بعض الآياتِ يأمُرُ اللهُ بالحُكْمِ لما أنزَلَ اللهُ؛ لأنَّ العدلَ لا يخرُج عن حُكمِ اللهِ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨]، وقولِه ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩].
تعارُض الطبعِ والشرعِ في الظاهِرِ:
وإن وُجِدَ تعارُضٌ بينَ نصِّ الشرعِ وبينَ الطبع، ففي أحدِهما تبديلٌ؛ إمَّا أن يكونَ نصُّ الشرعِ مُبدَّلًا، ومُحرَّفًا، فليس نصًّا للشرعِ حقيقةً، وإمَّا أن يكونَ الطبع مبدَّلًا، وإذا كان النصُّ صحيحًا صريحًا مُحكَمًا، فالطبع مبدَّلٌ منحرفٌ عن الحقِّ؛ إمَّا بهَوَى النفسِ الخاصِّ؛ كما في قولهِ تعالى ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] وإمَّا بهَوَى النفوسِ الأخرى؛ فيَمِيلُ مجاملةً ومحاباةً؛ كما حذَّرَ الله نبيَّه في قولهِ ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩].
стр. 863
التشريعُ من دونِ اللهِ:
وحُكْمُ اللهِ والعدلُ مُتلازِمان، ويُقطَعُ أنَّ العدلَ فيما أنزلَ اللهُ؛ ولذا حَكَمَ اللهُ بكفرِ مَن جعَلَ العدلَ ملازمًا لغيرِ حُكمِه، قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، أو شرَّعَ تشريعًا أو قانونًا يُخالِفُ حُكمَ اللهِ وتشريعَهُ، فأحَلَّ ما حرَّمَ الله، وحرمَ ما أحَلَّ اللهُ؛ فهذا شركٌ وكفرٌ في الأُلوهيَّةِ مُستلزِمٌ للشِّرْكِ والكفرِ في الربوبيَّةِ والأسماءِ والصِّفاتِ؛ فمَن جعَلَ مشرِّعًا غيرَ الله، صَرَفَ الحُكمَ لغيرِ اللهِ واتَّخَذَ معبودًا غيرَهُ؛ قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠]، وأمَّا استلزامُه للكفرِ بالربوبيَّةِ والإشراكِ بها، فمُقتضى كمالِ العدلِ: الخَلْقُ والعِلْمُ؛ فالعدلُ فرعٌ عن العِلْمِ بالمعدولِ به، فلا يَعدِلُ إلَّا مَن أتَمَّ العِلْمَ بما قَضَى فيه، ومُقتضى كمالِ العِلْمِ وتمامِهِ: الخَلقُ للمحكوماتِ مِن أعيانٍ ماديَّةٍ ومعلوماتٍ ذهنيةٍ؛ ولذا ربَطَ اللهُ العِلْمَ بالخَلْقِ؛ فقال: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤]، فمَن جعَلَ العدلَ التامَّ لغيرِ الله، أو جعَلَ غيرَ اللهِ مساويًا لله، فضلًا عمَّن يجعَلُ حُكْمَ غيرِ اللهِ أعدَلَ عن حُكمِ اللهِ كلِّه أو في بعضهِ ولو في مسألةٍ واحدةٍ، فقد أشرَكَ وكفَرَ في ربوبيَّةِ اللهِ وألوهيَّتِهِ وأسمائِهِ وصفاتِه؛ لأنَّ كمالَ العدلِ وأحقيَّتَهُ يَقتضي كمالَ العِلْمِ بالمعدولِ فيه، وكمالُ العِلْم يَقتضي الخَلْقَ، وأمَّا الشِّركُ في الأسماءِ والصِّفات، فإنَّ اللهَ واحدٌ في أَسمائِه وصفاتِه، ومِن أسمائِه: العليمُ والحَكَمُ والحكيمُ، والخالقُ والخبيرُ؛ وهذا إشراكٌ مع اللهِ فيها.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾؛ أيْ: نِعْمَ ما يَعِظُكُمُ اللهُ به، ويسمعُ ما تفعلونَ وتَحْكُمُون، ويُبصِرُ ما تَفعلون؛ وهذا تنبيهٌ لأمرِ العدلِ مع إخلاصٍ، وترهيبٌ مِن الفِرارِ بالظُّلْمِ مِن سمعِ المخلوقينَ وبَصَرِهم؛ فالله لا يُفَرُّ من إحاطتِهِ وسمعِهِ وبصرِهِ.
* * *
стр. 864
* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
أمَرَ اللهُ المؤمنينَ بطاعتِهِ وطاعةِ نبيِّه وأُولي الأمرِ.
معنى أُولي الأمرِ، والتلازُمُ بين السلطانِ والعلمِ:
والمرادُ بأُولي الأمرِ: هم العلماءُ؛ لأنَّ اللهَ قَرَنَهُم بالنبيِّ ﷺ ، ولأنَّ الأصلَ: ألَّا يُطاعَ إلَّا بمعروفٍ، ولا يَعرِفُ المعروفَ ويُنكِرُ المُنكَرَ إلَّا عالمٌ بهما، وقد كان السُّلطانُ والعِلمُ متلازمَين، فأعظَمَ ما كانا تلازُمًا في النبيِّ ﷺ ، ثُمَّ في أبي بكرٍ فعمرَ فعثمانَ فعليٍّ، وقد كان لا يُوَلَّى أحدٌ ولايةً إلَّا وهو عالمٌ بشأنِها، حتَّى قَلَّ الأخذُ بهذا التلازُمِ وضعُفَ، فانقسَمَتِ الولايةُ بينَ سلطانٍ وعالم، حتَّى رأى كثيرٌ مِن الناسِ عدمَ لزومِ العِلمِ للسُّلْطان، وعدمَ لزومِ الأمرِ ونفوذِهِ للعالِم؛ فقَضَى الحاكمُ بجهلٍ، وانعزَلَ العالِمُ عن الأمر، وإن أمَرَ، لم يُسمَعْ له، فظهَرَتِ الفِتَنُ في النَّاسِ بتسلُّطِ الجاهلِ وإهدارِ أمرِ العالِم، وفِتنةُ الحاكِمِ: جهلُهُ، وفتنةُ العالِمِ: ضياعُ أَمْرِه، ولم يُكمِل بعضُهم بعضًا إلَّا مَن رحِمَ الله، أو ما تستقيمُ له مصالحُهُم، لا مصالحُ الناس، وربَّما حابَى العالِمُ السُّلطانَ فيما يُريدُ، فتأوَّلَ له ليَنالَ أو يحفَظَ جاهًا أو مالًا، وأعطى السلطانُ العالِمَ ما يُريدُ لِيحفَظَ له جاهَهُ وسُلطانَهُ عندَ الناسِ ويُبقِيَ هواهُ شُبهةً وشَهوةً، ولو اجتمَعَ العِلمُ والسُّلطانُ في واحدٍ، لَضعُفت دوافعُ الهوى والطمع، وقُضِيَ بالعدلِ والإنصافِ.
تفسيرُ السلفِ لأُولي الأَمرِ:
وقد كان السلفُ يُفسِّرونَ أُولي الأمرِ بالعلماءِ والفُقهاءِ، وتارةً بالسُّلطانِ الحاكِمِ؛ وهذا مِن التنوُّع؛ لتلازمِ الوصفَيْنِ في عُرْفِهم غالبًا،
стр. 865
وعدَّهُ كثيرٌ مِن النَّقَلَةِ قولَينِ للصحابةِ أو للتابعينَ، وأكثرهم ما كانوا يَقصِدُونَ إلَّا الدلالةَ على العينِ بأحدِ أوصافِها، فهم إنْ قالوا: أولو الأمرِ هم العلماءُ، فلا يَعْنُونَ تعدُّدَ الوُلَاةِ لتعدُّدِ العلماءِ وكثرتِهم؛ ولكنْ لأنَّ الأصلَ أنَّ العلماءَ لا يختلِفونَ في أمرِ العامَّةِ ومصالِحِ الأمَّة، وإنِ اختلَفُوا في الاجتهاد، تطاوَعُوا في العمل، فلم يتنازَعُوا لأجلِ أنفُسِهم وأهوائِهم، سواءٌ كان العالِمُ معه قوةُ سُلطانٍ أو لم يكن معه قوةُ سُلطانٍ؛ لأنَّ سلطانَ العالِمِ أقوَى مِن سلطانِ الأمرِ؛ ولذا كان أكثرُ السلفِ يُفسِّرونَ أُولي الأمرِ بالعلماء؛ فقد صحَّ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ؛ رواهُ عليُّ بنُ أبي طلحةَ، عنه (١).
وقال به عامَّةُ السلفِ؛ كأبي العاليةِ وعطاءٍ ومجاهدٍ والحسنِ والنخَعيِّ وبكرٍ المُزَنِيِّ وعِكْرِمةَ (٢).
والآية نزَلَت في طاعةِ أميرِ الجيش والجندِ، وهي الولايةُ الصُّغرى؛ فالولايةُ ولايتانِ، كما أنَّ البيعةَ بيعتان، بيعةٌ وولايةٌ صُغرى، وبيعةٌ وولايةٌ كبرى؛ فقد روى الشيخان، عن ابن عبَّاس؛ قال: "نَزَلَت فِي عَبدِ اللهِ بْنِ حُذَافةَ بنِ قَيس بنِ عَدِيٍّ؛ إِذ بَعَثَهُ النَّبيُّ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ" (٣).
الطاعةُ بالمعروفِ:
وتجبُ الطاعةُ بالمعروف في غيرِ معصيةِ اللهِ للأُمراءِ والحُكَّام، ولو لم يكُنِ المأمورُ به واجبًا، أو المنهيُّ عنه محرَّمًا، إنْ كان فيه مصلحةٌ للنَّاسِ: يجبُ بالأمر، ويُمنَعُ بالنهي، لا لِذَاتِه؛ وإنَّما لمآلِه، فلا يُحِلُّ ولا يُحرِّمُ الأشياءَ بِذَاتِهِ إلَّا اللهُ، ومَن جعَلَ هذا مِن خصائِصِ أحدٍ، فقد
стр. 866
كفَرَ، ولكن يُؤجَرُ المطيعُ للحاكِم، لا لِذَاتِ الفعلِ المُباحِ الذي أُمِرَ به، ولا لِذَاتِ التركِ للمباحِ المنهيِّ عنه؛ وإنَّما لمآلِهِ ومقدارِ انتفاعِ النَّاسِ به، ودفعِ المفاسِدِ عنهم به، ومتى انتَفَتِ المصلحةُ منه، تُرِكَ، فلا يجوزُ للحاكِمِ الأمر به ولا النهيُ عن ضدِّه، ومَن ترَكَ مِن الرعيَّةِ أمرَ الحاكمِ؛ لأنَّه يَرى أنَّ المفسدةَ في حقِّه مُنتفِيةٌ عندَ تركه وتيقَّنَ من ذلك، لم يكنْ آثِمًا لمجرَّدِ تَركِه؛ وإنَّما لوقوعِ المفسدةِ اللاحِقةِ من تركِهِ للأمرِ أو فعلِهِ للنهيِ لو وقعَت؛ لأنَّه لا يُثابُ على فعلِ المأموراتِ نفسِها، ويُؤَثَّمُ على تركِ المنهيَّاتِ نفسِها، إلَّا إن كان الآمِرُ والناهي هو اللهَ، ولو لم تتَّضِحْ للعبدِ الحِكمة مِن الأمرِ والنهيِ.
ولا تُترَكُ طاعةُ الأميرِ لمجرَّدِ الظنِّ بعدمِ وُرُودِ المفسدةِ من مخالفتِه؛ لأنَّ هذا البابَ لو فُتِحَ، لَوُكِلَ العامَّةُ إلى ظنونِهم وأهوائِهم؛ ففسَدَ أمرُ النَّاسِ واجتماعُهم؛ لِعَمَلِ كلِّ واحدٍ بظَنِّهِ لمصلحتِهِ وهواهُ، وتعطَّلَ الأمرُ، وفسَدَتْ ولايةُ السُّلْطان، وضعُفت هيبتُهُ في النفوسِ.
ولا يُطاعُ السُّلْطانُ في معصيةِ الله، ومَن أطاعَهُم في معصيةِ الله، أثِمَ؛ ففي "المسندِ"، و "الصحيحَيْن" عن عليٍّ؛ قال: "بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيَّةً، وَاستَعمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا من الأنْصَارِ، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجُوا، قَالَ: وَجَدَ عَلَيْهِم في شَيْءٍ، قَالَ: فَقَالَ لَهُم: ألَيس قَد أَمَرَكُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أن تُطِيعوني؟ قَالَ: قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَقَالَ: اجمَعُوا حَطَبًا، ثُمَّ دَعَا بنَار، فَأضْرَمَهَا فِيه، ثُمَّ قالَ: عَزَمْتُ عَلَيكُمْ لتَدخُلُنَّهَا، قَالَ: فَهمَّ القَوْمُ أن يَدْخُلُوهَا، قَالَ: فقَالَ لَهُم شَابٌّ مِنهُم: إِنَّمَا فَرَرتُم اِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ النَّار، فَلَا تَعجَلُوا حَتَّى تَلقَوُا النَّبِيَّ ﷺ ، فَإن أمَرَكُمْ أن تَدخلُوهَا، فَادخُلُوهَا، قالَ: فَرَجَعُوا إِلَى النَّبيِّ ﷺ ، فَأخْبَرُوهُ، فَقَالَ لَهُمْ:
стр. 867
(لَوْ دَخَلْتُمُوهَا، مَا خَرَجْتُمْ مِنْهَا أَبدًا؛ إِنَّمَا الطَّاعَةُ في المَعرُوفِ) " (١).
الفرقُ بين ولايةِ المسلمِ والكافِرِ:
وفي توجيهِ الخِطابِ للمؤمنينَ: دليلٌ على أنَّ الطاعةَ مِن المؤمنينَ للمؤمنينَ، لا مِن المؤمنينَ للكافرِينَ، فلا يُطاعُ الكافرُ تديُّنًا وعبادةً؛ وإنَّما يُطاعُ في الحقوقِ والأماناتِ للمصلحةِ لا تديُّنًا، ويأثَمُ المُخالِفُ بحسَبِ وُرُودِ المفسدةِ مِن فِعلِهِ ووقوعِ الضررِ على غيرِه، ولمَّا أطلقَ اللهُ الطاعةَ لأُولي الأمر، دلَّ على أنَّ المقصودَ ولايةُ المسلمِ؛ لأدلةٍ مِن هذه الآيةِ:
الأوَّل: أنَّ الخطابَ للمؤمِنينَ، والتكليفَ منهم إليهم؛ ويدُلُّ على هذا أن الله قال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾؛ يعني: مِن المؤمنينَ، لا مِن غيرِهم.
الثَّاني: أنَّ اللهَ جعَلَ الطاعةَ لأُولي الأمرِ بعدَ طاعتِهِ وطاعةِ نبيِّه؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ مخالَفَةِ أُولي الأمرِ المؤمنينَ لأمرِ اللهِ؛ لأنَّهم تبعٌ له.
الثالث؛ أنَّ اللهَ قرَنَ طاعةَ أولي الأمر بطاعةِ النبيِّ ﷺ ، فجعَلَ الله طاعتَهُ بأمرِ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾، ثم جعَلَ طاعةَ النَّبيِّ والأولياءِ بأمرٍ واحدٍ: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾؛ إشارةً إلى أنَّ وِلَايتَهُم هي كولايةِ النبيِّ، وهي الإيمانُ باللهِ والانقيادُ له، وولايتُهم فرعٌ عن ولايةِ النبيِّ ﷺ .
الرابعُ: أنَّ اللهَ أمَرَ عندَ النِّزاعِ بالرجوعِ إلى اللهِ والرسولِ في قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، والأمرُ للآمِرِ والمأمور، ولا ينصرفُ ذلك إلَّا إلى المؤمنينَ.
الخامسُ: أنَّ اللهَ بعدَ ذِكرِ وجوبِ الرجوعِ عندَ النِّزاعِ إلى حُكم اللهِ والرسولِ ﷺ شَرَطَ الإيمان في قولِهِ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، وهذا الشرطُ للمتنازِعِينَ حُكَّامًا ومحكومينَ.
стр. 868
السادسُ: أنَّ اللهَ ذكَرَ وَصْفَ الاتِّباعِ بعدَ النِّزاعِ بقولِه: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾؛ وهذا لا يُوصَفُ به إلَّا مؤمِنٌ؛ فلا يُوصفُ المُشرِكُ الظالِمُ لنفسِهِ في حقِّ ربِّه بالخيريَّةِ وحُسْنِ التأويلِ في عدلِهِ مع الخلقِ وهو ظالمٌ في حقِّ اللهِ.
توجُّه الخطاب في الآية للحاكم والمحكوم:
والأمرُ الأول في الآيةِ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ عامٍّ لكلِّ المؤمنينَ، والأمرُ الذي بعدَه: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ للمحكُومِينَ مِن دونِ الحاكمِينَ، والأمرُ الذي يَلِيهِ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ للحاكِمينَ والمحكومِينَ جميعًا: أنَّ اللهَ يَقضي بينَهم جميعًا، وفيه نزولُ الحاكم والمحكومِ إلى حُكمِ اللهِ وأمرِه، وأن لا حصانةَ للحاكِمِ في حُكمِ الله، ولا يستضعَفُ محكومٌ مع حاكمٍ؛ فهم في حُكمِ اللهِ سواء.
وفي قوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ دليلٌ على صلاحِ حُكمِ اللهِ للعِبادِ في العاجلاتِ والمآلات، وربما يستعجلُ العبادُ غيرَه، فيرونَ قليلَ خيرِ العاجِل، ولا يرَونَ عظيمَ خيرِ الآجِل، أو يرَونَ قليلَ شرِّ العاجِل، ولا يرون عظيمَ شرِّ الآجِلِ؛ فتنقلبُ أحكامُهُ على خلافِ مُرادِ اللهِ وحُكمِه.
وفي الآيةِ: إشارةٌ إلى أن أعظَمَ أسبابِ النِّزاعِ والخصوماتِ هو بسب التأويلِ الفاسِدِ الذي تَتخذُهُ النفسُ تسويغًا لخروجِها عن مُرَادِ الله والاستئثارِ في الحقوق.
أحوالُ طاعةِ المأمورِ للأمرِ:
وإذا تقرَّرَ أنَّ الخِطَابَ للمؤمِنِينَ، وأن الأمَّةَ مجتمِعةٌ على أنَّ السلطانَ الكافِرَ لا يُخاطب بهذه الآيةِ؛ لأنَّ البَيعةَ لا تصح له، وشرطُ البيعةِ الطاعةُ، فهل نقولُ بعدمِ جوازِ طاعةِ الحاكِم الكافرِ اختيارًا بإطلاقٍ أو لا؟ أم في المسألةِ تفصيلٌ؟ نقولُ: إن طاعةَ المَأمورِ للآمِرِ لها حالاتٌ:
стр. 869
الحالةُ الأُولى: طاعة المأمورِ لأجلِ الَامِرِ والمأمورِ به؛ وهذه لا تكونُ إلَّا للحاكِمِ المسلِمِ صحيحِ البيعة، فيُتديَّنُ بطاعتِهِ بما أمَرَ اللهُ به بعدَ التدينِ بطاعةِ اللهِ؛ كأمرِ الأميرِ بالنفيرِ للجهادِ والصدقةِ؛ فاللهُ أمَرَ بالجهادِ والصدقة، وأمرَ بطاعةِ الأمير، والمُمتثلُ يُؤجَرُ عليهما جميعًا.
الحالة الثانيةُ: طاعةُ المأمورِ لأجلِ الآمِرِ لا المأمورِ به؛ وذلك للحاكِمِ المسلِمِ صحيحِ البيعةِ بيعةً عامةً أو خاصَّةً؛ حينَما يأمُرُ بالمباحِ الذي لا يدُلُّ الدليل على الحَثِّ عليه، أو مكروه لا يحرُمُ لمصلحةِ اجتماعِ الناسِ عليه؛ فيطاعُ ويؤجَرُ الطائعُ على طاعِته للآمِرِ واحتسابِهِ في ذلك، لا على ذاتِ الفِعلِ المباحِ أو المكروه؛ لأنَّه لو فعَلَ المباحَ أو المكروهَ مجرَّدًا، لم يُؤجَرْ عليه، بل لو تعبَّدَ به وليس بعبادةٍ، ابتدَع.
ويُؤجَرُ الفردُ الذي يفعل المباحَ أو المكروهَ بلا أمرٍ لِذَات العلةِ، ولو لم يُؤمَرْ بذلك؛ كأنْ يرى مصلحةَ النَّاسِ ورَفْعَ الحَرَجِ عنهم بفعلِه، فيُؤجَرُ على قصدِهِ وثمرةِ عملِه، لا لِذَات فِعلِه.
الحالة الثالثةُ: طاعةُ المأمورِ لأجلِ المأمورِ به لا لأجلِ الآمِرِ؛ وهذا يكونُ للسلطانِ الكافرِ ولو لم تَصِحَّ بيعته، ولا يجوزُ أن يُتعبَّدَ بطاعةِ الحاكم غيرِ المسلِمِ ويُتديَّنَ بها، ويُطاعُ لأجلِ المأمورِ به الذي تظهَرُ مصلحةُ الناسِ فيه؛ كالمصالِحِ العامةِ في البلدياتِ وتنظيمِ الطرُقِ والوظائفِ والحقوق، ما لم تُخالِف حُكمَ اللهِ ونبيِّه ﷺ ، وإذا أمَرَ الحاكم غيرُ المسلِم بشيءٍ لا تظهَرُ فيه مصلحةُ الناس، لم تجب طاعته، وجازَت مخالفتُهُ؛ لأنَّ طاعتَهُ ليست بِدِينٍ، ولا يجوزُ التديُّنُ بطاعتهِ ولو أمَرَ بطاعةِ اللهِ؛ وإنما يُتدينُ للهِ وحدهُ بما أمَرَ به سبحانه.
* * *
стр. 870
* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١].
الحَذرُ من العدوِّ، والنهيُ عن الخوف منه:
في الآيةِ أمَرَ الله بالحَذَر، وهذا يتضمَّنُ إعدادَ العَدَدِ والعُدَّةِ؛ فلا يكونُ حَذِرًا مَن لم يُعِدَّ ذلك؛ فالحَذَرُ ليس معنًى يكفي قيامُهُ بالنفس، بل لا بدَّ مِن إضافةِ ما يحمِيها مِن غيرِها.
وفي الآية: الأمر بالنفِيرِ بعدَ أخذِ الحذرِ، وليس الأمرَ بالنفيرِ بلا حذرٍ، ولا الحذرِ مع قعودٍ عندَ قيامِ موجب النفيرِ.
واللهُ يأمُرُ بالحذرِ في كتابِهِ وينهَى عن الخوفِ؛ لأنَّ الخوف يورِث الجُبنَ والتقهقُرَ والفِرارَ مِن العدوِّ، وأمَّا الحذرُ فيُورِث الثباتَ وحِفْظَ النفسِ والنكايةَ في العدوِّ، والحذرُ هو توقُّعُ السُّوءِ والتحسُّبُ به والحياطةُ منه.
وقولُه تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾: والثُّبَاتُ: جمعُ ثبَةٍ، والثُّبَةُ: العُصبَة والجماعةُ المُنفرِدة؛ ومنه قول الشاعرِ:
وَقَدْ أَغْدُو عَلَى ثُبَةٍ كِرَامٍ … نَشاوَى وَاجِدِينَ لِمَا نَشاء
والمعنى: انْفروا جماعةً واحدةً، أو فِرَقًا وسَرَايَا وعصاباتٍ؛ روى عليٌّ، عن ابنِ عباسٍ؛ في قوله: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾: "يعني: عُصَبًا سرايا متفرقين"، وبنحوِه قال قتادةُ وعطاء الخراساني والضحاك (١).
وروى علي، عن ابنِ عبَّاسٍ أيضًا؛ في قوله: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾؛ "يعني: كلكم"؛ رواه ابن جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ (٢).
стр. 871
وروى ابنُ المُنذِرِ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مُجاهدٍ؛ في قوله: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾: "فِرَقا قليلا" (١).
تعدُّدُ الجيوش في قتالِ الدفعِ:
وفي هذه الآيةِ: دليلٌ على جوازِ تعددِ الجيوش الجماعاتِ والراياتِ في قَتالِ الدَّفْعِ عندَ الحاجةِ إليه وتعذُّرِ الاجتماع؛ لِشدةِ العدُوِّ وقوةِ صَولَتِه، وقد تكونُ الفِرَقُ عندَ دفعِ صولةِ العدوِّ أَحفَظَ للدماء، وأَثخَنَ في العدوِّ؛ لمشقةِ اجتماعِ المُسلِمينَ في موضعٍ واحدٍ أو انقيادِهم لأميرٍ واحدٍ، ولكنْ عندَ القُدرةِ تجُب الجماعةُ في كل جهادِ دفع أو طلبٍ؛ لأنَّ الافتِراق يُورِثُ سوءَ الظَّنِّ بينَ جماعاتِ المسلِمِين، فتَظُنُّ كلُّ جماعةٍ: أنَّها الأقوَى والأثخَنُ؛ لأنّها تَرى مُصَابَها ولا ترى مُصَابَ غيرها؛ وتَرى إقدامَها ولا تَرى إقدامَ غيرها، فيظهَرُ لها مِن الأسباب الموجبةِ لرِضاها عن نفسِها وعُذرِها عند تقصيرِها: ما لا تراهُ مِن الأسبابِ في غيرِها، فتتشاحَنُ النفوس وتتقاتَلُ فيما بينها، ويتغلب العدو لشتاتِهِم، وربّما تنازَعُوا على الغنيمةِ والأرضِ واقتَتَلُوا على دنيا، وكل واحدٍ يرى أَنَّه الأحَق، ويُحضِر الشيطانُ في نفس كلِّ طائفةٍ جهدها وجهادَها، وصَبرَها وآلامَها؛ حتى ترى أنَّها الأحَق مِن غيرِها بكلِّ شيءٍ؛ لأنَّها ترى في نفسِها ما لا تراهُ في غيرِها؛ لهذا أمَرَ اللهُ بالجماعةِ في كلِّ حِينٍ، ونَهَى عن الفرقةِ على كل حالِ إلا عندَ الضرورةِ والمصلحة، وهي تقدر بقدرها.
وكانَتْ هذه الآيةُ أولَ الأمرِ في زمنِ الضعف وعدمِ كثرةِ المُسلِمِينَ وقوَّتِهم؛ ولذا قال بعض السلفِ بنسخِها كابنِ عباسٍ؛ كما روى عطاء الخُرَاساني عنه؛ أنَّها نسِختْ بقولِهِ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا
стр. 872
كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢]؛ قال ابنُ عبَّاسِ: "ينفرْ طائفةٌ، وَيمكث طائفةٌ مع النَّبيِّ ﷺ ، وقال: والماكِثونَ هم الذين يتفقهونَ في الدِّين ويُنذِرون قومَهم إذا رجَعُوا إليهم مِن الغزوِ بما نزَلَ مِن قضاءِ الله وكَتابِهِ وحدودِه"؛ رواهُ ابنُ المُنذِرِ وابنُ أبي حاتمٍ، عن ابن جُرَيجٍ وعثمانَ بنِ عطاءٍ، عن عطاء الخراسانيِّ، عن ابنِ عبَّاسٍ، به (١).
حمايةُ الشريعةِ بالعالِمِ والمجاهِدِ:
وفي هذا: دليلٌ على وجوبِ حِرَاسةِ الشريعةِ مِن داخِلِها بالعلماءِ؛ كوجوب حمايتِها من خارِجِها بالمُجاهِدِينَ، فلِوَسَطِ بُلدانِ المُسلِمينَ ثغُور في عقائدِهم ودينهم يجبُ أن تُحمَى، كما في أطرافِها مِن ثغورٍ بالرِّباطِ والمُجاهَدةِ للأعداءِ، وبحمايتِها تُحمَى الأمةُ؛ مِن داخِلِها: بالعِلمِ والأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكَر، ومِن خارِجِها بالجِهادِ والسِّلاح، فيُحمَى دِينُها وعِرْضُها ودمها ومالها وأرضُها.
وكما أن المُجاهِدَ يُرابطُ في ثَغرٍ لا يَقرَبُهُ عدوٌّ أشهرًا أو سنينَ، لا زُهدًا مِن العدوِّ في هذا الثغرِ؛ ولكن تهيُّبًا مِن المرابِطِينَ عليه، فكذلك وجودُ العلماءِ في أرضِ المُسلِمِينَ وشهودهم بها: حمايةٌ تَحمِي مِن المنافق الذي يرِيدُ إظهارَ نِفاقه، ومِن الفاسِقِ الذي يريدُ إظهارَ فِسقه، ولو لم يُظهِرُوا فليس زهدًا منهم في الشرِّ؛ ولكن تهيُّبًا مِن حِراسةِ المرابِطِينَ، وهم العلماءُ.
الجهاد والنفاق:
ثُمَّ ذكَرَ الله بعدَ ذلك: أَنَّه لا يَتباطَأ عن الجهادِ عندَ قيامِ موجبه وتعيُّنِهِ إلَّا منافقٌ، وبمقدارِ التباطُؤِ يكونُ مقدار النفاق، وأشَدُّ الناسِ نفاقًا
стр. 873
المُتخلِّفُ عن جِهادٍ متعيِّنٍ بلا عذرٍ؛ وذلك في قولِهِ تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢]؛ أي: يُبَطِّئ غيرَهُ ويُثَبِّطُهُ مع تخلفِه، وسبب تخلفِهِ عن داعِي النفيرِ بيَّنَهُ الله في قولِهِ: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٢]؛ وذلك خشيةَ نقص الدُّنيا؛ إمَّا نقصُ الأمنِ أو النفسِ أو الثمرات، أو فقدُ الأهلِ والزَّوجات، أو فقدُها جميعًا؛ ولهذا يرى تَركَ الشهادةِ نِعمةً، والأعظمُ: أَنَّه ينسب هذه النعمةَ إلى اللهِ: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٢]؛ فقد انتكَسَ المعنى لانتكاسِ العلم، وانتكس العِلمُ لانتكاسِ الإيمانِ.
أصلُ النفاق:
ويُظهِرُ هذا - وهو: أن التعلُّقَ بالدُّنيا وكُرهَ الجهاد، هو أصلُ النفاقِ - الآيةُ التي تَلِيها؛ لأنهم بها يَحمدون الجهادَ إن كان به نصرٌ وظَفَرٌ، وبها يَذُمُّونَهُ إنْ كان به هزيمةٌ وقتلٌ، وتختلِف عداواتُهُمْ باختلافِ منافِعِهِمْ ومصالِحِهِم، لا باختلافِ مبادئِهم؛ لأنَّ مبادئَهم على الدُّنيا لا على الدينِ؛ قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٣].
تعامُل النبيِّ ﷺ مع المنافقين:
وذكَرَ بعضُ التابِعينَ أنَّ المُخاطَبَ بقولِهِ: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] هو عبدُ اللهِ بنُ أبَيٍّ، وسواءٌ كان هو أو غيرَه، ففي ذلك أن النَّبيَّ ﷺ لم يُعَزِّرْهُ على فِعلِه؛ لأنَّه يُظهِر التأولَ، لا المُعارضةَ للمَقصَدِ والغايةِ مِن الجِهادِ؛ وإنَّما يُظهِرُ عدَمَ الحاجةِ والكفايةَ، وأنَّ الضرَرَ أكبَرُ مِن النفعِ، فهو يزعم أنَّه يخالِفُهم سياسةً، لا وَلَاءً للكفرِ وبرَاءً مِن الإسلامِ؛ ولذا كان النَّبيُّ ﷺ لا يُسَمِّيهِ، وهكذا أسلوبُ القرآنِ؛ لأنّ
стр. 874
المنافقَ يُظهِرُ مِن الشرِّ القليلَ، ويخفِي الكثيرَ؛ كما قال تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨]؛ فتَعيينُهم عندَ إظهارِ القليلِ مِن الكيدِ يَسْتَعْدِيهِم، ويجعَلُهم يُظهِرُونَ الأكبرَ، وسياسةُ النَّبيِّ ﷺ : أن مَن يُظهِرُ مِن العداوةِ القليلَ ممن احتفَّتِ القَرَائِن بإخفائِهِ الأكثرَ: لا يَستعدِيهِ بعينهِ؛ حتَّى لا يُظهِرَ الأكثرَ، فتنشغِلَ الأمةُ عن مصالحِها به؛ وإنما يُحذِّرُ مِن فعلِهِ وقولِهِ ووصفِه؛ حتَّى يَحذرَ الناسُ مِن مشاركتِهِ ومُماثلَتِه، وحتى يتهيَّبَ مِن تكرارِ ما يقولُ.
وأمَّا مَن يُظهِرُ أكثَرَ العداوةِ ولم يُبْقِ مِن شَرِّهِ الذي تُؤذَى به الأمةُ إلَّا القليلَ، فهذا يُفاصَلُ باسمِه، ويُعادَى بعَينِه، ويُعاقِبُهُ الحاكم بما يَرْدَعُه.
وهذا كله يُرجَعُ فيه إلى الحِكمةِ والقرائنِ المحتفَّةِ بكلِّ شخصٍ؛ فالأشخاصُ يَختلِفونَ ويتبَايُنونَ بحسَبِ منازِلهم وأحوالِهم وأزمانِهم، ومَدَارُ ذلك إلى مصلحةِ الأُمَّة، لا إلى مصلحتهم، ولا إلى مصلحةِ المُصلِحينَ مِن السلامةِ منهم أو شفاءِ الصدورِ انتقامًا منهم.
* * *
* قال تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤].
في الآيةِ: أمرٌ بالقتالِ للمخلِصِينَ، بعدَما ذكَرَ حالَ المنافِقِينَ الذين قصَدُوا شِراءَ الدُّنيا بالدِّينِ، ذكَرَ حالَ الصادِقِينَ المُخاطَبِينَ بالأمر، وهم الذين يَشرُونَ - يعني: يَبِيعُونَ - الحياةَ الدُّنيا بالآخِرةِ، فالبيعُ يسمَّى شِراءً، والشِّراءُ يُسمَّى بَيْعًا، وهما - أي: البيع والشراءُ - مِن الأضدادِ ومِن
стр. 875
مشتركِ المَعَاني، وفي الحديث قال ﷺ : (البَيِّعَانِ بِالخِيارِ) (١)، وغلَبَ استعمالُ الشِّراءِ للقابِضِ للسلعةِ، والبيعِ للدافِعِ لها؛ وإنما جاز حَملُ اللفظِ على المعنيَينِ؛ لأنَّ كل واحدٍ مِن المتبايِعينِ قابِضٌ ودافعٌ؛ فالمُشترِي دافِعٌ للمالِ قابِضٌ للسِّلعة، والبائع دافِعٌ للسِّلعةِ قابِض للمالِ؛ فكلُّ واحدٍ منهما توافَرَ فيه القبضُ والدفعُ معًا.
وذكَرَ القتالَ ولم يطلِقهُ، وإنما قَيَّدَهُ في سبيلِ اللهِ؛ لأنَّ الصدقَ والإخلاصَ هو الذي يكونُ معه بيعُ الدنيا وشراءُ الآخِرة، ومعه يكون الثبَاتُ ويَنتفي الخوفُ، ويُؤمَرُ صاحِبُهُ بالحذرِ لإقدامِهِ وصدقه، فقد يُقدِمُ يُرِيدُ الموتَ العاجِلَ وَيغِيب عنه تحقيقُ غايةِ الجهاد، وهي إقامةُ الحقِّ والعدلِ.
القتالُ واحتمالُ النصر:
ويدُلُّ الأمرُ السابقُ في قولِه تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]، وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾: أن الأصلَ في الجهادِ: أنَّه لا يكونُ فاضلًا إلَّا مع احتمالِ الأمرين، وأن القتلَ في سبيلِ اللهِ لا يُطلَبُ لِذَاتِهِ إلَّا مع احتمالِ النصر، والنصرُ قد يتحققُ حِسًّا بالتمكين، وقد يتحقَّقُ معنًى بالخوفِ والرعب والرهبةِ.
ولمَّا أمَرَ الله بالحَذَرِ، دَلَّ على وجوبِ توافرِ احتمالِ الغَلَبَةِ والنصرِ في جِهادِ الطَّلَبِ، ولو قَوِيَ احتمالُ القتلِ وغَلبَ؛ لأنَّ قَصْدَ القتلِ وطلَبَهُ بذَاتهِ لا يحتاجُ إلى حَذَرٍ، فالمسلِمُ الذي يَرْمي بنفسِهِ بينَ يدَيِ العدوِّ يتحقَّقُ له القتلُ، ولكن قد لا تتحقَّق له الغَلَبَةُ؛ لهذا لا يجوزُ القتالُ إلَّا مع توافُرِ احتمالِ النصرِ، يحكمُ فِيه مَن جَمَعَ عِلمًا بالشرعِ والحالِ واتَّصَفَ بالشجاعةِ، ونقصُ واحدٍ منها يضعفُ النظرَ، فتَخْتلُّ النتيجةُ.
стр. 876
ولهذا ذَكَرَ اللهُ الأمرَينِ في قوله: ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾، ولم يَذكُرِ الهزيمةَ مع احتمالِها؛ لأن المؤمنَ الصادقَ يَثِقُ بموعودِ الله، وهو النصرُ، والهزيمةُ ولو كانت محتملةً، فذِكْرُها واستحضارُها يُورِثُ الخوف وسُوءَ الظن باللهِ.
فضلُ جهادِ الدفعِ وحَدهُ:
وأما جهادُ الدفعِ، فيدفع العدوُّ عن العِرضِ والنفسِ والمالِ ولو مع احتمالِ عدمِ النصر، ولكنه لا يحرُم بحالٍ ولو كان الدفع عن دِينارٍ واحدٍ؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁؛ قال: "جاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسولِ الله ﷺ ، فَقَالَ: يا رَسولَ الله، أرَأَيتَ إِن جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخذَ مَالِي؟ قَالَ: (فَلَا تُعطِهِ مَالَكَ)، قَالَ: أرَأَيتَ إن قَاتَلَنِي؟ قَالَ: (قَاتلْهُ)، قَالَ: أَرَأَيتَ إِنْ قَتَلَني؟ قالَ: (فَأنتَ شَهِيدٌ)، قالَ: أرَأَيت إِن قتلتهُ؟ قَال: (هُوَ فِي النَّارِ) (١).
ولحديثِ قابوسِ بنِ أبي مُخارِقٍ، عن أبيهِ؛ عندَ أحمدَ والنسَائيِّ؛ بمعناه (٢).
ولحديثِ عبدِ اللهِ بن عمرٍو في "الصحيحَين" مرفوعًا: (مَن قُتلَ دُونَ مَالِه، فَهُوَ شهيدٌ) (٣).
ولا يحرُمُ جهادُ الدفعِ بحالٍ ولو تيقَّنَ الإنسانُ عدمَ النصر؛ وإنما الخلافُ في وجوبهِ واستحبابِهِ وجوازِهِ على صاحِبِهِ بمقدارِ تحقُّقِ ثمرةِ جهادِه، ونوعِ الحقِّ الذي يَدفَعُ عنه ومقدارِه؛ فمَن يَدْفَعُ عن دِرهَمٍ يختلِفُ عمَّن يدفعُ عن مالِهِ كلِّه؛ فمَن ترَكَ دِرهَمًا أو دراهمَ أو دنانيرَ ضَنًّا بنفسِهِ ألا تُقتَلَ بالدفعِ عنها، فلا يَأثَمُ، والأمرُ فاضلٌ ومفضولٌ، ولو دفعَ وقُتِلَ،
стр. 877
فهو شهيدٌ بكلِّ حالٍ، والدفعُ عن العِرْضِ متعيِّنٌ بكلِّ حالٍ، يَختلِفُ عن الدفعِ عن المالِ؛ لاختِلاف المَنزلتينِ.
فضلُ المنتصِرِ المقتولِ، وأثر الغنيمةِ على النِّيَّةِ:
وفي معنى هذه الآيةِ: ما رواهُ مسلمٌ في "صحيحِه"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "تَضَمَّنَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِه، لَا يُخْرِجُهُ إلَّا جِهَادًا فِي سبيلِي، وإيمَانًا بِي، وَتصدِيقًا بِرُسُلِي، فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أن أدخِلَهُ الجنةَ، أو أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنهِ الذي خَرَجَ مِنْهُ، نَائِلًا ما نَالَ من أجْرٍ أوْ غنيمةٍ) (١).
والمقتولُ المُنتصِرُ أعظَمُ عندَ اللهِ مِن المنتصِرِ الغانِمِ السالمِ، وتَحتمِل الآيةُ فضلَ المقتولِ الصادقِ ولو لم يَنتصِرْ على المنتصِرِ الغانِمِ السالم، وكلٌّ له أجرٌ عظيمٌ؛ ولذا قدَّمَ اللهُ القتلَ في الآيةِ على الغَلَبَة، فإن الغانمَ المنتصِرَ يَنقُصُ أجرُهُ عن غيرِ الغانمِ؛ كما ثَبتَ في "صحيحِ مسلمٍ"؛ مِن حديث عبدِ اللهِ بن عمرو؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: (مَا مِنْ غازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبيلِ الله، فَيُصِيبُونَ الغَنِيمَةَ، إِلا تَعَجَّلُوا ثُلُثَي أجْرِهِمْ مِنَ الآخِرَة، وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ، وَإِنْ لَم يُصِيبُوا غنِيمَةً، تَمَّ لَهُمْ أجرُهُم) (٢)، وهذا غالبٌ لا مُطَّرِدٌ؛ بمقدارِ تعلُّقِ القلبِ بالغنيمة، وهذا في النَّاسِ كثيرٌ، وربَّما لا يكادُ يَسلَمُ منه إلَّا القليلُ؛ فالغنائم مالٌ وسَبْيُ نساءٍ وثمرٌ ولباسٌ، وهذا لا بدَّ أن يَعلَق مِن القلب منه عالِقةٌ ولو قليلًا، وبمقدارِ ما عَلِقَ يَنقُصُ مِن أجرِ الآخِرة، ولكن لا يأثَمُ به صاحبهُ ما دام قاصدًا إعلاءَ كلمةِ اللهِ؛ لأنَّ اللهَ ما أحَلَّ الغنيمةَ وهم يأثمونَ بها؛ ولذا قال في الحديثِ السابقِ: (أَوْ أرجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، نَائِلًا مَا نَالَ مِن
стр. 878
أَجْرٍ أو غنِيمَةٍ)، وهو ظاهرٌ في أن الغنيمةَ لا تُلغِي الأجرَ؛ ولكن قد تُضعِفُهُ، وقد لا تُؤثِّرُ فيه عندَ الكُمَّلِ والأصفِياء والصِّدِّيقِينَ.
فالغنيمةُ إن كانت هي الدافِعةَ على القتال، أثَّرَتِ النيةُ في أصلِ العمل، ولكن لو كان الرجلُ محبًّا للقتالِ في سبيلِ الله، ويرغب في الغزو، لكنَّه فقيرٌ منشغلٌ بمؤنَةِ أهلِه، فوجَدَ مَن يَكفِيهِ مؤنتهُ ومؤنةَ أهلِه، فذهبَ مجاهِدًا، لم يكن ذلك مؤثِّرًا في جهادِه، ويَبقى مقدارُ نقصانِ أجرِهِ بمقدارِ ما تعلقَ مِن الدنيا بقلبِهِ.
ولذا قال الإمامُ أحمدُ: "التاجرُ والمستأجِرُ والمُكَارِي أجرهم على قدرِ ما يخلُصُ مِن نيَّتِهم في غزواتِهم، ولا يكونُ مِثلَ مَن جاهَدَ بنفسِهِ ومالِهِ لا يَخلِط به غيرَه".
وكذا رُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو؛ قال: "إذا جَمَعَ أحدُكُم على الغزوِ، فعوَّضَهُ الله رزقًا، فلا بأسَ بذلك، وأما إنْ أحدُكم إن أعطِيَ دِرهمًا غزَا، وإن مُنِعَ دِرهمًا مَكَثَ، فلا خيرَ في ذلك".
وبنحوِ هذا قال الأوزاعيُّ وغيرُه (١).
وفي الآيةِ تكرَّرَ ذِكرُ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ تأكيدًا على الإخلاصِ والصدقِ في النيةِ مع الله.
* * *
* قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥].
في هذه الآيةِ أمَرَ الله بالقتالِ لأجلِ المُستَضعَفِين بِمَكَّةَ مِن الرِّجَالِ
стр. 879
وَالنِّسَاءِ وَالوِلدَانِ، الذين آمَنُوا بالنبيِّ ﷺ ، وعَجَزُوا عن الهجرةِ، وحبسُوا عنها، فبقاؤُهم بمكةَ اضطرارٌ لا اختيارٌ؛ ولذا سماهم الله المُستضعَفِين؛ أيِ: المغلوبَ على قوَّتِه وحريَّتِه واختيارِه، ثم قال في وَصفِهم وبيانِ قَهْرِهم وغَلَبَتِهم: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، فهم يتربَّصونَ الهجرةَ وحُبِسُوا عنها، فنصْرةُ المستضعفينَ واجبةٌ، وهي مِن القِتالِ في سبيلِ اللهِ كما سمَّاها اللهُ، والجهادُ تتعددُ أسبابُهُ وتتنوعُ، وكلُّ قتالٍ كان في إحقاقِ الحقِّ، ودفعِ الظُّلْم، وإقامةِ العدلِ الذي أمَرَ اللهُ به، فهو جهادٌ في سبيلِ الله، وكلُّ مجاهِدٍ على نيته وقصدِه؛ فإن الله سمى الدفعَ عن الأرضِ والأهلِ والذريةِ قتالًا في سبيلِه؛ فقال: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: ٢٤٦].
وسمَّى اللهُ الدفعَ بأنواعهِ بالقتالِ في سبيلِهِ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]، وسمَّى القتالَ لإعلاءِ كلمةِ اللهِ على الكافرينَ قتالًا في سبيلِ اللهِ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩].
وفي آيةِ البابِ قال مجاهدٌ: "أمَرَ المؤمنينَ أن يُقاتِلُوا عن مُستضعفينَ مؤمنينَ كانوا بمكةَ" (١).
قال ابن عباسٍ: "كُنتُ أنَا وَأمِّي مِنَ المُستضعفِينَ؛ أنَا منَ الْوِلْدَان، وَأمِّي مِن النساء"؛ رواهُ البخاري (٢).
ثم نَسَبَ اللهُ الظُّلْمَ لأهلِ مكَّةَ لا لمكةَ، وكنَّى عنها بالقريةِ تعظيمًا لها، وقد سمَّاها في مواضعَ بالبلدِ الأمين، والحَرَم، وبَكةَ، وأمِّ القُرى.
стр. 880
والبُلْدَانُ مهما عَظُمَت تشريفًا لا تَمنَع أصحابَها مِن الظُّلمِ فيها، والتعظيمُ للبلدِ يكون إمَّا لِذاتِها، وإمَّا لأهلِها، وتعظيمُ البُلدانِ لأجلِ فضلِ أهلِها وعَمَلِهِم أعظَمُ مِن فضلِ البُلدانِ لِذَاتِها؛ فمكةُ أفضَلُ مِن المدينةِ في قولِ جمهورِ العلماءُ، ومع ذلك أمَرَ اللهُ بالهجرةِ مِن مكَّةَ مع فضلِها؛ بسببِ ظُلمِ أهلِها، إلى المدينةِ وهي مفضولةٌ؛ بسببِ فضلِ أهلِها وعملِهم.
الهجرةُ وحكمُهَا:
وفي قوله: ﴿أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ وجوبُ الهجرةِ من بلدِ الكُفْرِ إلى بلدِ الإسلامِ، وعدمُ جوازِ الإقامةِ في بلدِ الكُفرِ إلَّا للطَّرِيدِ الفارِّ بدينِهِ مِن مِثلِها، كما هاجَرَ أهلً مكَّةَ إلى الحبشةِ بدِينِهم وأنفُسِهم؛ فيجوزُ للمسلِمِ أن يَفِرَّ بدِينهِ ولو إلى بلدِ كفرٍ.
لكنْ لا يجوزُ لمسلم أن ينويَ الإقامةَ فيه بلا تربُّصٍ بالرجعَةِ عندَ وجودِ مكانٍ آمِنٍ يُقِيمُ دِينَه في بلدٍ مسلمٍ؛ فإنَّ الخِلطَةَ بأهلِ البلدانِ تُؤَثِّرُ في الفِطَر، وتنقلُ الطبائعَ، وتجعَلُ النفوسَ تَقْرِنُ بينَ ما لا يُقرَنُ مِن الطبائع والأخلاقِ وبين الدِّينِ؛ فإنِ استحسَنُوا الطبائعَ والعيشَ، استحسنوا الدِّينَ، فإن لم يَتأثَّرِ الرَّجُلُ بنفسِه، تأثَّرَتْ ذُريَّتُه، فإنْ سلِمَ الآباءُ، لم يَسْلَمِ الأولادُ، وإنْ سَلِمَ الأولادُ، لم يَسلَمِ الأحفادُ، وكثيرٌ في بُلدانِ الغربِ اليومَ في أوروبا وأمريكا وجود نَصَارَى مِن آباءٍ أو أجدادٍ مُسلِمِينَ، رأوْا أنَّهم يَحفَظُونَ دِينَهم، وغاب عنهم ضياعُ دينِ أولادِهم وأحفادِهم.
الهجرةُ إلى بلدِ الكفرِ وحدودُهُ:
والمرادُ بالظُّلْمِ في الآيةِ: الكفرُ والشركُ، وإذا أطلق الظلمُ في القرآنِ، فيُرادُ به الكفرُ، ومَن قُهِرَ في نفسِهِ ومالِهِ في بلدٍ مسلمٍ لا يجوز