← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

ولهذا ذَكَرَ اللهُ الأمرَينِ في قوله: ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾، ولم يَذكُرِ الهزيمةَ مع احتمالِها؛ لأن المؤمنَ الصادقَ يَثِقُ بموعودِ الله، وهو النصرُ، والهزيمةُ ولو كانت محتملةً، فذِكْرُها واستحضارُها يُورِثُ الخوف وسُوءَ الظن باللهِ. فضلُ جهادِ الدفعِ وحَدهُ: وأما جهادُ الدفعِ، فيدفع العدوُّ عن العِرضِ والنفسِ والمالِ ولو مع احتمالِ عدمِ النصر، ولكنه لا يحرُم بحالٍ ولو كان الدفع عن دِينارٍ واحدٍ؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁؛ قال: "جاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسولِ الله ﷺ ، فَقَالَ: يا رَسولَ الله، أرَأَيتَ إِن جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخذَ مَالِي؟ قَالَ: (فَلَا تُعطِهِ مَالَكَ)، قَالَ: أرَأَيتَ إن قَاتَلَنِي؟ قَالَ: (قَاتلْهُ)، قَالَ: أَرَأَيتَ إِنْ قَتَلَني؟ قالَ: (فَأنتَ شَهِيدٌ)، قالَ: أرَأَيت إِن قتلتهُ؟ قَال: (هُوَ فِي النَّارِ) (١). ولحديثِ قابوسِ بنِ أبي مُخارِقٍ، عن أبيهِ؛ عندَ أحمدَ والنسَائيِّ؛ بمعناه (٢). ولحديثِ عبدِ اللهِ بن عمرٍو في "الصحيحَين" مرفوعًا: (مَن قُتلَ دُونَ مَالِه، فَهُوَ شهيدٌ) (٣). ولا يحرُمُ جهادُ الدفعِ بحالٍ ولو تيقَّنَ الإنسانُ عدمَ النصر؛ وإنما الخلافُ في وجوبهِ واستحبابِهِ وجوازِهِ على صاحِبِهِ بمقدارِ تحقُّقِ ثمرةِ جهادِه، ونوعِ الحقِّ الذي يَدفَعُ عنه ومقدارِه؛ فمَن يَدْفَعُ عن دِرهَمٍ يختلِفُ عمَّن يدفعُ عن مالِهِ كلِّه؛ فمَن ترَكَ دِرهَمًا أو دراهمَ أو دنانيرَ ضَنًّا بنفسِهِ ألا تُقتَلَ بالدفعِ عنها، فلا يَأثَمُ، والأمرُ فاضلٌ ومفضولٌ، ولو دفعَ وقُتِلَ،

стр. 877

فهو شهيدٌ بكلِّ حالٍ، والدفعُ عن العِرْضِ متعيِّنٌ بكلِّ حالٍ، يَختلِفُ عن الدفعِ عن المالِ؛ لاختِلاف المَنزلتينِ. فضلُ المنتصِرِ المقتولِ، وأثر الغنيمةِ على النِّيَّةِ: وفي معنى هذه الآيةِ: ما رواهُ مسلمٌ في "صحيحِه"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "تَضَمَّنَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِه، لَا يُخْرِجُهُ إلَّا جِهَادًا فِي سبيلِي، وإيمَانًا بِي، وَتصدِيقًا بِرُسُلِي، فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أن أدخِلَهُ الجنةَ، أو أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنهِ الذي خَرَجَ مِنْهُ، نَائِلًا ما نَالَ من أجْرٍ أوْ غنيمةٍ) (١). والمقتولُ المُنتصِرُ أعظَمُ عندَ اللهِ مِن المنتصِرِ الغانِمِ السالمِ، وتَحتمِل الآيةُ فضلَ المقتولِ الصادقِ ولو لم يَنتصِرْ على المنتصِرِ الغانِمِ السالم، وكلٌّ له أجرٌ عظيمٌ؛ ولذا قدَّمَ اللهُ القتلَ في الآيةِ على الغَلَبَة، فإن الغانمَ المنتصِرَ يَنقُصُ أجرُهُ عن غيرِ الغانمِ؛ كما ثَبتَ في "صحيحِ مسلمٍ"؛ مِن حديث عبدِ اللهِ بن عمرو؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: (مَا مِنْ غازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبيلِ الله، فَيُصِيبُونَ الغَنِيمَةَ، إِلا تَعَجَّلُوا ثُلُثَي أجْرِهِمْ مِنَ الآخِرَة، وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ، وَإِنْ لَم يُصِيبُوا غنِيمَةً، تَمَّ لَهُمْ أجرُهُم) (٢)، وهذا غالبٌ لا مُطَّرِدٌ؛ بمقدارِ تعلُّقِ القلبِ بالغنيمة، وهذا في النَّاسِ كثيرٌ، وربَّما لا يكادُ يَسلَمُ منه إلَّا القليلُ؛ فالغنائم مالٌ وسَبْيُ نساءٍ وثمرٌ ولباسٌ، وهذا لا بدَّ أن يَعلَق مِن القلب منه عالِقةٌ ولو قليلًا، وبمقدارِ ما عَلِقَ يَنقُصُ مِن أجرِ الآخِرة، ولكن لا يأثَمُ به صاحبهُ ما دام قاصدًا إعلاءَ كلمةِ اللهِ؛ لأنَّ اللهَ ما أحَلَّ الغنيمةَ وهم يأثمونَ بها؛ ولذا قال في الحديثِ السابقِ: (أَوْ أرجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، نَائِلًا مَا نَالَ مِن

стр. 878

أَجْرٍ أو غنِيمَةٍ)، وهو ظاهرٌ في أن الغنيمةَ لا تُلغِي الأجرَ؛ ولكن قد تُضعِفُهُ، وقد لا تُؤثِّرُ فيه عندَ الكُمَّلِ والأصفِياء والصِّدِّيقِينَ. فالغنيمةُ إن كانت هي الدافِعةَ على القتال، أثَّرَتِ النيةُ في أصلِ العمل، ولكن لو كان الرجلُ محبًّا للقتالِ في سبيلِ الله، ويرغب في الغزو، لكنَّه فقيرٌ منشغلٌ بمؤنَةِ أهلِه، فوجَدَ مَن يَكفِيهِ مؤنتهُ ومؤنةَ أهلِه، فذهبَ مجاهِدًا، لم يكن ذلك مؤثِّرًا في جهادِه، ويَبقى مقدارُ نقصانِ أجرِهِ بمقدارِ ما تعلقَ مِن الدنيا بقلبِهِ. ولذا قال الإمامُ أحمدُ: "التاجرُ والمستأجِرُ والمُكَارِي أجرهم على قدرِ ما يخلُصُ مِن نيَّتِهم في غزواتِهم، ولا يكونُ مِثلَ مَن جاهَدَ بنفسِهِ ومالِهِ لا يَخلِط به غيرَه". وكذا رُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو؛ قال: "إذا جَمَعَ أحدُكُم على الغزوِ، فعوَّضَهُ الله رزقًا، فلا بأسَ بذلك، وأما إنْ أحدُكم إن أعطِيَ دِرهمًا غزَا، وإن مُنِعَ دِرهمًا مَكَثَ، فلا خيرَ في ذلك". وبنحوِ هذا قال الأوزاعيُّ وغيرُه (١). وفي الآيةِ تكرَّرَ ذِكرُ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ تأكيدًا على الإخلاصِ والصدقِ في النيةِ مع الله. * * * * قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥]. في هذه الآيةِ أمَرَ الله بالقتالِ لأجلِ المُستَضعَفِين بِمَكَّةَ مِن الرِّجَالِ

стр. 879

وَالنِّسَاءِ وَالوِلدَانِ، الذين آمَنُوا بالنبيِّ ﷺ ، وعَجَزُوا عن الهجرةِ، وحبسُوا عنها، فبقاؤُهم بمكةَ اضطرارٌ لا اختيارٌ؛ ولذا سماهم الله المُستضعَفِين؛ أيِ: المغلوبَ على قوَّتِه وحريَّتِه واختيارِه، ثم قال في وَصفِهم وبيانِ قَهْرِهم وغَلَبَتِهم: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، فهم يتربَّصونَ الهجرةَ وحُبِسُوا عنها، فنصْرةُ المستضعفينَ واجبةٌ، وهي مِن القِتالِ في سبيلِ اللهِ كما سمَّاها اللهُ، والجهادُ تتعددُ أسبابُهُ وتتنوعُ، وكلُّ قتالٍ كان في إحقاقِ الحقِّ، ودفعِ الظُّلْم، وإقامةِ العدلِ الذي أمَرَ اللهُ به، فهو جهادٌ في سبيلِ الله، وكلُّ مجاهِدٍ على نيته وقصدِه؛ فإن الله سمى الدفعَ عن الأرضِ والأهلِ والذريةِ قتالًا في سبيلِه؛ فقال: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: ٢٤٦]. وسمَّى اللهُ الدفعَ بأنواعهِ بالقتالِ في سبيلِهِ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]، وسمَّى القتالَ لإعلاءِ كلمةِ اللهِ على الكافرينَ قتالًا في سبيلِ اللهِ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]. وفي آيةِ البابِ قال مجاهدٌ: "أمَرَ المؤمنينَ أن يُقاتِلُوا عن مُستضعفينَ مؤمنينَ كانوا بمكةَ" (١). قال ابن عباسٍ: "كُنتُ أنَا وَأمِّي مِنَ المُستضعفِينَ؛ أنَا منَ الْوِلْدَان، وَأمِّي مِن النساء"؛ رواهُ البخاري (٢). ثم نَسَبَ اللهُ الظُّلْمَ لأهلِ مكَّةَ لا لمكةَ، وكنَّى عنها بالقريةِ تعظيمًا لها، وقد سمَّاها في مواضعَ بالبلدِ الأمين، والحَرَم، وبَكةَ، وأمِّ القُرى.

стр. 880

والبُلْدَانُ مهما عَظُمَت تشريفًا لا تَمنَع أصحابَها مِن الظُّلمِ فيها، والتعظيمُ للبلدِ يكون إمَّا لِذاتِها، وإمَّا لأهلِها، وتعظيمُ البُلدانِ لأجلِ فضلِ أهلِها وعَمَلِهِم أعظَمُ مِن فضلِ البُلدانِ لِذَاتِها؛ فمكةُ أفضَلُ مِن المدينةِ في قولِ جمهورِ العلماءُ، ومع ذلك أمَرَ اللهُ بالهجرةِ مِن مكَّةَ مع فضلِها؛ بسببِ ظُلمِ أهلِها، إلى المدينةِ وهي مفضولةٌ؛ بسببِ فضلِ أهلِها وعملِهم. الهجرةُ وحكمُهَا: وفي قوله: ﴿أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ وجوبُ الهجرةِ من بلدِ الكُفْرِ إلى بلدِ الإسلامِ، وعدمُ جوازِ الإقامةِ في بلدِ الكُفرِ إلَّا للطَّرِيدِ الفارِّ بدينِهِ مِن مِثلِها، كما هاجَرَ أهلً مكَّةَ إلى الحبشةِ بدِينِهم وأنفُسِهم؛ فيجوزُ للمسلِمِ أن يَفِرَّ بدِينهِ ولو إلى بلدِ كفرٍ. لكنْ لا يجوزُ لمسلم أن ينويَ الإقامةَ فيه بلا تربُّصٍ بالرجعَةِ عندَ وجودِ مكانٍ آمِنٍ يُقِيمُ دِينَه في بلدٍ مسلمٍ؛ فإنَّ الخِلطَةَ بأهلِ البلدانِ تُؤَثِّرُ في الفِطَر، وتنقلُ الطبائعَ، وتجعَلُ النفوسَ تَقْرِنُ بينَ ما لا يُقرَنُ مِن الطبائع والأخلاقِ وبين الدِّينِ؛ فإنِ استحسَنُوا الطبائعَ والعيشَ، استحسنوا الدِّينَ، فإن لم يَتأثَّرِ الرَّجُلُ بنفسِه، تأثَّرَتْ ذُريَّتُه، فإنْ سلِمَ الآباءُ، لم يَسْلَمِ الأولادُ، وإنْ سَلِمَ الأولادُ، لم يَسلَمِ الأحفادُ، وكثيرٌ في بُلدانِ الغربِ اليومَ في أوروبا وأمريكا وجود نَصَارَى مِن آباءٍ أو أجدادٍ مُسلِمِينَ، رأوْا أنَّهم يَحفَظُونَ دِينَهم، وغاب عنهم ضياعُ دينِ أولادِهم وأحفادِهم. الهجرةُ إلى بلدِ الكفرِ وحدودُهُ: والمرادُ بالظُّلْمِ في الآيةِ: الكفرُ والشركُ، وإذا أطلق الظلمُ في القرآنِ، فيُرادُ به الكفرُ، ومَن قُهِرَ في نفسِهِ ومالِهِ في بلدٍ مسلمٍ لا يجوز

стр. 881

له الخروجُ إلى بلدِ الشركِ والإقامة فيه إلَّا عابرًا متربِّصًا ينتظِرُ الفَرَجَ ورَفْعَ الظُّلْمِ عنه ليعُودَ، لا كمَن يقيمُ ويتزوج ويستكثِر مِن الذرية، فلا يجوزُ دفعُ ظُلم الدُّنيا بإيقاع ظُلْم الدِّين، وهو الكفرُ، وكثيرٌ مِن بُلْدانِ الإسلام اليومَ تَسَلَّطَ عليها حُكَّام أَظهَرُوا الكفرَ، وقَهَرُوا الناسَ عليه، فكانت إقامةُ المُصلِحِينَ فيها كإقامتِهم في بُلْدانِ الكفرِ أو أشدَّ، فإن عَجزوا عن الصبر، فلهم أن يتحولُوا عن بلدِهم إلى بُلدانِ المُسلِمينَ الأخرى، فإنْ عَجَزُوا، جاز لهم الخروجُ إلى بُلْدانِ الكفرِ التي يَظهَرُ فيها العدلُ لهم، مُتربِّصينَ بلدًا مسلمًا يُظهِرُونَ فيه دِينَهم؛ كما خرَجَ الصحابةُ إلى الحَبَشةِ وهو بلدُ كُفْرٍ، فلما مَكَّنَ اللهُ لنبيِّه بالمدينة، خرَجُوا إليها، وقد كان الزهري عازِمًا على أنَّه إن مات هشامُ بن عبد الملك، لَحِقَ بأرضِ الرومِ؛ لأنَّ الوليد بنَ يزيدَ كان قد نذَرَ دمَهُ إن قدَرَ عليه. بلدُ الإسلام، وبلد الكفر: وبلدُ الإسلام هو الذي يَسكُنهُ المُسلِمونَ ويُظهِرونَ شعائرَ دِينِهم: أصولَها وفروعَها، وأعلامَها ومشهورَها؛ كالتوحيدِ والصلاةِ والزكاةِ والصيام، والحجابِ، والأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المُنكَر، والأذانِ وبناءِ المساجدِ، ولو كان الحاكم كافرًا في نفسِه، فالبلدُ يَبقى مُسلِمًا بأهلِهِ وشعائرِه، يُهاجَرُ إليه ولا يُهاجَرُ منه، فلا أثرَ لكفرِ الحاكِمِ بعينه؛ فقد يكونُ الحاكمُ مُسلِمًا والمَحكومونَ كفارًا، فبلدُهم بلدُ كُفرٍ كالحبشةِ بعدَ إسلام النجاشي؛ هو حاكمٌ مسلِمٌ ورعيتُهُ نَصَارَى، وبلدُهُ بلدُ كفرٍ وإنْ آوَوا وعَدَلُوا في حقوقِ الناسِ ولم يَظْلِمُوهم. وقد يكونُ العكس؛ فيكونُ الحاكمُ كافرًا، ورعيتُهُ مُسلِمةَ يُظهِرونَ الدِّين وشعائرَهُ؛ فالحُكمُ لهم لا لحاكِمِهم على الصَّحيح، ولا تخلُو قرونُ الإسلامِ وأقاليمُهُ مِن ارتكابِ بعضِ الحُكَّامِ لمُكَفِّرٍ، ومِن العلماءِ مَن يَنُصُّ

стр. 882

على تكفيرِ حاكِمٍ بعينه، فلم يأمُرُوا المحكومِينَ بالهجرةِ مِن بُلدانِهم، وإنَّما يُنظَرُ في عزلِهِ وقدرتهم عليه، وقد حكمَ العُبَيدِيُّون مصرَ والقَيرَوانَ وغيرَها مِن المَغْرِبٍ ولم يأمُرِ العلماءُ أهلَها بالهجرةِ منها، ولم يُسَمِّها أحدٌ منهم بلدَ كفرٍ؛ لأنَّ أهلَها مُسلِمونَ يُظهِرونَ شعائرَ الدين. ومِثلُ ذلك في ولاية البويهِيِّينَ للعراق، وكان فيها علماءُ وأَجرَوْا حُكمَ بلدِهم بحكْمِ أهلِها وما يَظْهَرُ مِن شعائرِ دِينِهم، وكان علماءُ المغربِ في القيروانِ يُنكِرونَ على أبي جعفرٍ الداوُودِي لَما أنكرَ عليهم سُكناهُم تحتَ مملَكَةِ بني عُبَيدٍ، فقالُوا له: "اسكُتْ لا شيخَ لكَ! " - لأنَّه لم يَتفقَّه في غالبِ أمرِهِ على شيخٍ - فإِنَّهم رأَوا أن بقاءَهُم تَثبِيتٌ لأهلِها على الإسلامِ والسُّنَّةِ، ولو خَرَجُوا منها لزَاغَ الناس؛ فثباتُ العالم ثباتٌ للعامةِ. وفي الآيةِ: تنبيهٌ على توكُّلِ الضعيفِ على اللهِ وطلبِ المَدَدِ والعونِ منه؛ وذلك في قولِ المستضعفِينَ: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾؛ فهم سألوا المُعِينَ والنصِيرَ مِن اللهِ لا مِن غيرِه، وإذا اجتمَعَ تمامُ الضعفِ مع تمامِ التوكُّلِ، جاء النصرُ وتحقَّقَتِ الإجابةُ. فكاكُ الأسيرِ: وفي هذه الآيةِ: دليلٌ على وجوب فَكَاكِ الأسْرَى مِن المُسلِمِينَ عندَ المُشرِكِينَ ما قَدَرَ المُسلِمُونَ على ذلكَ، والأسيرُ أحَقُّ بالزكاةِ مِن الفقيرِ ومُقدَّمٌ عليه؛ لأنَّ الأسيرَ يخشى على نفِسهِ ودِينِه، والفقيرَ يَخشى على نفسِهِ فقطْ؛ ولذا قال ﷺ : (فُكُّوا العَانِيَ - يَعنِي: الأسِيرَ - وَأَطعِمُوا الجَائِعَ، وَعودُوا المَرِيضَ)؛ رواهُ البخاري (١). وفكاكُ المرأةِ الأسيرةِ أوجبُ مِن الرجلِ؛ لأنَّ الرجلَ يُخشى على دِينه ونفسِه، والمرأةَ يُخشى على دِينِها ونفسِها وعِرضِها، وكلما عَظُمَ الأثرُ على الأسيرِ في نفسِهِ وعلى مَن خَلْفَه، ففَكَاكُهُ أوجب وأعظَمُ.

стр. 883

وإذا وجَبَ القِتالُ لِفَكِّ الأسرَى، فبَذلُ المالِ لذلك أَولى مِن بَذلِ الدمِ، وقد روى أشْهَبُ وابن نافعٍ، عن مالكٍ؛ أنَّه سُئِلَ: أواجبٌ على المُسلِمينَ افتداءُ مَن أُسِرَ منهم؟ قال: نَعَمْ، أليس واجب عليهم أن يُقاتِلُوا حتَّى يَستنقِذُوهم؟ ! فكيف لا يَفدُونَهم بأموالِهم؟ ! وقال أحمد: يُفَادَوْنَ بالرؤوس، وأمَّا بالمال، فلا أَعرِفُهُ (١). ولعلَّ مرادَ أحمدَ: أن النَّبيَّ ﷺ كان يُفادِي الأسرَى بالأسرَى، لا بالمالِ؛ لأنَّ هذا أَقوَى لشوكةِ المُسلِميِنَ وهَيبَتِهم، وألَّا يُستضعفوا ويُهانُوا؛ فالنفوس أعظَمُ منزلةً مِن الأموالِ عندَ أهلِها، والرأسُ بالرأسِ مُكافأةٌ بالمِثلِ؛ لا يَظهَرُ في ذلك استضعافٌ لأحدٍ، وأمَّا المالُ، فيَظهَرُ فيه الضَّعْفُ، مع القولِ بجوازِ دفعِهِ بل بوجوبِهِ إن تعذَّرَت الرؤوسُ والقوةُ، ولم يرِدْ أحمدُ: ألَّا يُفَكَّ الأسيرُ بالمالِ. ويُروى عن عمرَ أن فَكَاكَ الأسيرِ يكونُ مِن بيتِ المالِ (٢). مراتبُ فكاكِ الأسيرِ: والأَوْلى في فَكَاكِ الأسيرِ: أن يكون بالقتالِ إن كان في المُسلِمينَ قوةٌ، ولهم مَنَعةٌ؛ لإظهارِ العزةِ والقُوة، وإن كانت مفاسدُ القتالِ في إضعافِ المُسلِمِينَ كبيرةُ، فيكونُ بالفِداءِ أسيرٌ بأسيرٍ، وإن تعذَّرَ، فبالمالِ، وإنما تأخَّرَ فَكاكُ الأسيرِ بالمالِ عن الفَكَاكِ بالقتالِ والفِداءِ؛ لأنَّ المالَ مع كونِه مُعينًا في ظهورِ وقوةِ الكفارِ إلا أنَّه يُطمعهم في المُسلِمِينَ، فيَأْسِرُونَ منهم لِيَغنَمُوا فَكَاكًا بالمالِ، ولكنْ لو فُكَّ الأسيرُ بالقتالِ والفِداءِ كان في ذلك ظهورٌ للمُسلِمِينَ وذلٌّ للكافِرينَ وردعٌ لهم. وفَكَاكُ الأسيرِ أولى مِن جميع الأصنافِ الثمانيةِ مِن بيتِ المالِ وأموالِ المسلِمينَ.

стр. 884

القتالُ لفكاكِ الأسيرِ: ولا خلافَ بينَ العلماءِ في فضلِ فكاكِ الأسيرِ ووجوبِهِ للأَسرَى الكثيرِ؛ وإنَّما اختلَفُوا في القتالِ لفكاكِ الأسيرِ الواحدِ والاثنَيْنِ والعددِ القليلِ جدًّا في مُقابلِ القتالِ الكبير، على قولَينِ: الأوَّلُ: قالوا: إنَّه ليس بفرضِ عَينٍ؛ وإنَّما على الكفايةِ وحسَبَ القدرةِ؛ وهو قولُ الحنابلةِ ووجهٌ عندَ الشافعيةِ. الثَّاني: قالوا: إنَّه فرضُ عَيْنٍ، ولا فرقَ بين كثيرِ الأسرى وقليلِه؛ وهو قولٌ المالكيَّةِ والحنفيَّةِ ووجهٌ عندَ الشافعيةِ؛ لعمومِ الأدلَّةِ، ولم تُفرِّقْ بينَ قليلٍ وكثيرٍ. وإنَّما عَظُمَ فَكَاكُ الأسيرِ في الإسلامِ؛ لأنَّ الأسرَ فيه استضعافٌ وهَوَانٌ للمُسلِمِينَ، وظهورٌ وعِزٌّ للكافرينَ، ولو قَلَّ الأسرى؛ فالفَكَاكُ للأسيرِ حَقٌّ لِعزِّ الأُمَّةِ أعظَمُ مِن كونه حقًّا لِفَرَجِ الأسيرِ؛ ومِن هذا الوجهِ لم يُفرِّقْ كثيرٌ مِن العلماءِ بينَ قليلِ الأسْرى وكثيرِهم؛ لأنَّ الاعتبارَ في ذلك واحدٌ؛ فقد يُستضعَفُ المُسلِمونَ ويُهانُونَ ويُظهِرُ الكفارُ عليهم العزةَ بأسيرٍ، ولكنْ إنْ لم يكنْ في المسلِمِينَ قدرةٌ، وكان القتالُ لفكاكِ الأسيرِ يضعفهم حتَّى يَزدادُوا هوانًا لقوةِ الكفارِ عليهم، فيرتفعُ التكليفُ عنهم ولكن لا يزولُ، فإنْ مَلَكُوا قدرةً، نزلَ الحُكمُ بعدَ ارتفاعِه، وتعيَّنَ عليهم بعدَ تخفيفِه. وتركُ الأسيرِ إسلامٌ له للمشركينَ؛ ففي "الصحيحين"؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ؛ قال ﷺ : (المسلِمُ أَخُو المُسْلِمِ؛ لَا يَظلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ) (١). وفي "صحيحِ مسلمٍ"؛ مِن حديث أبي هُرَيرةَ؛ قال ﷺ : (لَا يَظلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ) (٢)، ومن خِذلانِهِ تركُهُ في أسرِه.

стр. 885

وفَكَاكُ الأسيرِ مِن وَصَايَا النَّبيِّ لأمتِه؛ ففي "الصحيحِ"؛ أن عليًّا سُئل عما في الصَّحِيفَةِ - التي هي مِن الوحي - فقال: "العَقلُ، وَفَكَاكُ الأَسِير، وَلَا يقتلُ مُسْلِمٌ بكَافرٍ" (١). * * * * قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧]. هذه الآية إخبارٌ عما كان عليه النَّبيُّ ﷺ في أمرِ الجهادِ زمنَ مكَّةَ قبلَ الهجرةِ، وذلك أن المسلِمينَ كانوا في ضَعْفٍ، فكان من أسلَمَ شعرَ باستذلالِ المُشركِينَ للمسلِمِينَ، فاستثقَلُوا الذِّلَّةَ على الإسلامِ بعدَ العِزةِ على الكفر، فأخَذَت بعضَهُمُ الحَمِيةُ ليَنتصِرُوا لأنفسهم وللإسلام، فاستأذَنوا النَّبيَّ في القتال، وكانوا في زمن ضعفٍ وقلَّةِ عددٍ، فأنزَلَ اللَّه على نبيه ﷺ هذه الآيةَ: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾؛ فقد روى النَّسائي في "سننه"، وابن جريرٍ، وغيرهما؛ مِن حديثِ عِكرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أَن عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ وَأصحَابًا لَهُ أتوُا النبي ﷺ بِمَكةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إِنا كُنّا فِي عِزٍّ وَنحنُ مُشرِكُون، فلما آمنا، صِرنا أَذِلَّةً؟ ! فَقَالَ: (إنِّي أُمِرْتُ بِالعَفْوِ؛ فَلَا تُقَاتِلُوا) (٢). وقال بعضُ السلفِ: إن الآيةَ نزَلَت في اليهودِ؛ فقد روى ابن أبي

стр. 886

نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ؛ قال: "نزلَت في اليهودِ"؛ رواهُ ابن جريرٍ وابن أبي حاتمٍ (١). ورواهُ ابن المنذِر، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهِدٍ، به (٢). والأصحُّ: أنَّها في المُسلِمِينَ بمكةَ؛ لِما تقدَّمَ عن ابنِ عبَّاسٍ، وبنحوِه صحَّ عن قتادةَ؛ رواهُ ابن المُنذِرِ وابنُ جريرٍ (٣)، وصحَّ عن عِكْرِمةَ؛ رواهُ ابنُ جريرٍ (٤). ويُؤيِّدُ هذا: أن ابنَ عبَّاسٍ قد فسَّرَ الزكاةَ في الآيةِ بغيرِ النفقةِ؛ لأنَّ الزكاةَ لم تُفرَضْ بعدُ؛ فروى عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾؛ يعني: طاعةَ اللهِ والإخلاصَ (٥). أسبابُ النصرِ والتمكينِ، وأنواعُهَا: وهي هذه الآيةِ: وجوبُ اجتماعِ أسبابِ النصرِ والتمكينِ عندَ مجاهَدةِ العدوِّ، والأسبابُ في ذلك على نوعَينِ: أسبابٌ شرعيَّةٌ، وأسبابٌ كونيَّةٌ، وقد اجتمَعَ للنبيِّ ﷺ في مكةَ الأسباب الشرعيَّةُ، ولم تجتمِعْ له الأسبابُ الكونيَّةُ: أمَّا الأسبابُ الشرعيَّةُ: فهي الصِّدْقُ مع الله، والعدلُ في حقِّه وحقِّ الخَلْقِ، ومَن كانوا مع النَّبيِّ في مكةَ هم أفضلُ أهلِ الأرضِ في زمانِهم، وأفضلُ الصحابةِ الذين جاؤُوا مِن بَعْدِهم، ولكنَّ عَدَدَهم قليلٌ وعُدَّتَهم ضعيفةٌ، فما حَمَلَهم كمالُ إيمانِهم وتمامُ فَضلِهم على تركِ السببِ الكونيِّ، وهو القوةُ والقُدْرةُ، ولمَّا قَصَرُوا عنها قال اللهُ لهم: ﴿كُفُّوا

стр. 887

أَيْدِيَكُمْ﴾؛ لأنَّه قد يُهزَمُ المؤمِنُ الصادِقُ؛ لِضَعْفِ عُدَّتِه، وقلةِ عَدَدِه، مِن الكافرِ الظالمِ؛ لقوةِ عُدَّتِه، وكثرةِ عَدَدِه؛ لأنَّ اللهَ الذي أنرَلَ الأسبابَ الشرعيَّة، هو الذي أوجَدَ الأسبابَ المادِّيَّةَ، والأخذُ بهما مِن الإيمانِ باللهِ، وليس المأمورُ به مساواةَ العدوِّ بالعَدَدِ والعُدَّةِ أو غَلَبَتَهُ بها؛ بل أنْ يكونَ في المُسلمينَ قوةُ عُدَّةٍ وكثرةُ عَدَدٍ، يَقْوَوْنَ بإيمانِهم مِن غَلَبَةِ العدوِّ ولو كان أكثَرَ منهم. والأسبابُ الشرعيَّةُ كثيرةٌ؛ أصلُها الإيمانُ بالله، والتزوُّدُ بالعملِ الصالحِ؛ فإنَّ العباداتِ تُثَبِّتُ عندَ الشدائدِ، وقد كان الله يأمُرُ بها كلَّ نبيٍّ، فلا يكونُ الاستِخلافُ والتمكينُ إلَّا لمَن أطاعَهُ وعدَلَ مع خَلْقِهِ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥]. وبمقدارِ الإيمانِ والطاعةِ يكونُ الاستخلافُ والتمكينُ، والطاعةُ هي الحضوعُ للهِ والتذلُّلُ لأمرِه، وهي باعتبارِ التمكينِ والنصرِ على نوعَيْنِ: الأوَّلُ: طاعةٌ في حقِّ اللهِ الخالِصِ كتوحيدِهِ وعبادتِه؛ مِن صلاةٍ وصيامٍ، وحجٍّ وعُمْرةٍ، وذِكْرٍ وبِرٍّ؛ فهذا النوعُ وعَدَ الله الأفرادَ والجماعاتِ التي تقومُ به بالعِزَّةِ والرِّفعة، وهي في الأفرادِ آكَدُ وأقرَبُ وأشدُّ مِن الجماعاتِ؛ فالفردُ موعودٌ بسَعَةِ الصدرِ واليقينِ والثباتِ والرِّضا، وكلَّما استزادَ مِن العبادة، زادَهُ الله مِن وَعْدِهِ له بذلك؛ قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، والحياةُ الطيِّبةُ شاملةٌ للدُّنيا والآخِرة، كما في قولِه تعالى في ضدِّ ذلك؛ ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]. وكذلك: فإنَّ الجماعاتِ المؤمِنةَ باللهِ يجعَل اللهُ لها من الرحمةِ ما

стр. 888

ليس للجماعاتِ والأمَمِ الكافرة، ولو نزَلَ بالمؤمنةِ بلاءٌ، فهو تطهيرٌ وتمييزٌ لها مِن خَبَثِها. ولكنَّ العِباداتِ المُتعلِّقةَ بحقِّ اللهِ الخالصِ تتعلَّقُ في الدُّنيا بقِوَامِ الأفرادِ وثَبَاتِهِم أعظَمَ مِن تعلُّقِها بقِوَامِ الدُّوَلِ والجماعات، وتعلُّقُ قِوامِ الجماعاتِ والدولِ بالنوعِ الثَّاني مِن عِبادةِ اللهِ أعظَمُ؛ وهو ما يلي: النوعُ الثَّاني: طاعةُ اللهِ في حقِّ العِبادِ؛ مِن إقامةِ الحدود، وإعطاءِ كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، ورفعِ الظُّلْمِ والجَورِ الذي أوجَدَ الله في الفِطْرةِ نُفُورًا منه، فلا يُمَكِّنُ اللهُ لدولةٍ مؤمنةٍ به ظالمةٍ لخَلْقِه؛ لأنَّ حقَّ اللهِ يُؤَجِّلُهُ في الآخِرة، وحَقَّ عِبادِه يُعَجِّلُهُ في الدُّنيا، وهذا مُقتضى عدلِه في الخَلْقِ، فيُمَكِّنُ للحاكِم العادلِ مع الخَلْقِ ولو كان كافرًا بالخالق، ولا يُمكِّنُ للحاكِمِ الظالمِ مع الخَلقِ ولو كان مؤمنًا بالخالقِ. والأسبابُ الشرعيَّةُ - وخاصَّةً العباداتِ - أن غابتْ من القلبِ واللِّسانِ والجوارحِ، لم يكن للإنسانِ تعلُّقٌ بربِّه، ولم يكنْ رَبُّهُ مُعِينًا له؛ لهذا يكونُ ميزانُ النصرِ ماديًّا كونيًّا فقطْ؛ إذْ لا عَوْنَ ربانيًّا له، وإذا وُجِدَتِ الأسبابُ الشرعيَّةُ، عَوَّضَتِ النقصَ والتفاوُتَ الكونيَّ المادِّيَّ بينَ أهلِ الحقِّ وأهلِ الباطلِ؛ حتَّى ربَّما ينتصِرُ أهل القِلَّةِ الشديدةِ على أهلِ الكثرةِ الكبيرة، والحدُّ الفاصلُ في ذلك: مرهونٌ لاعتبارِ الموجودِ والمفقودِ مِن السببَينِ الشرعيِّ والكونيِّ، ووزنُ ذلك بما لا يخرُجُ عن الوحي والحسِّ، فمَراتبُ النَّاسِ تبايَنُ؛ فقد تَقوَى الأسبابُ الشرعيَّةُ جِدًّا حتَّى يَكونَ أدنى الأسبابِ الكونيَّةِ وأقلُّها معها كافيًا في النصرِ؛ كمُوسَى وعَصَاهُ؛ فإنَّ اللهَ نَصَرَهُ بها، وليس كلُّ الناسِ كمُوسَى، وموسى لو لم يُؤمَرْ مِن ربِّه بالاكِتفاءِ بالعَصَا، لم يَكْتَفِ بها؛ فإنَّ الإنسانَ مأمورٌ بالمُوازَنةِ ينَ الأسبابِ الكونيَّةِ والشرعيَّةِ.

стр. 889

ولكنِ الذي لا خلافَ فيه: أنَّ اللهَ لا ينصُرُ أحدًا ولو كان نبيًّا مِن أنبيائِهِ إلَّا بسببٍ كونيٍّ ولو كان يسيرًا، وهذا مقتضَى إحكامِ الكونِ وعدمِ عشوائيَّته ودَوَرَانهِ في فَلَكٍ سببيٍّ دقيقٍ لا يخرُجُ عنه؛ ولهذا لم يَفلِقِ الله لموسى البحرَ إلَّا بضربِ العَصَا، واللهُ قادرٌ على فَلقِهِ بلا عَصَا، ولم يُسقِطِ التمرَ على مريمَ إلَّا بِهَزِّ جِذْعِ النخلة، وهو قادرٌ على أنْ يُدْيِنَهُ بلا هَزٍّ، وسدَّدَ الله رَميَ النبيِّ محمدٍ ﷺ فلم يخطِئ: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، واللهُ قادرٌ على هزيمتِهم بلا رميٍ، ولكنَّ الأسبابَ لا بُدَّ مِن وجودِها، وربّما تَدِقُّ جِدًّا حتَّى يظُنَّ الإنسَانُ في الدنيا أن لا وجودَ لها في حادثةٍ بعينها، وهي موجودةٌ؛ لكنّها خفيةٌ. التلازُم بين أسبابِ النصر الشرعية والكونية: وإذا قوِيَتِ الأسبابُ الشرعيةُ، عوَّضَ اللهُ بها ضَعفَ الأسبابِ الكونية، ولكنْ لا تُغني الأسباب الشرعية ولو اجتمعت، عن الأسبابِ الكونيةِ إذا انتفَت؛ فإن حدوث الحوادث في الكون بلا أسبابها يقدَحُ في إحكامِ الكون، وقد يغترُّ النَّاسُ بمَن يَجري على يديه ذلك مِن الأولياءِ ويظنُّونَهم آلهةً، فلا يُقَدِّرُ الحوادثَ بلا سببٍ إلَّا موجِدُها بعدَ العدَم، وهو اللهُ. ولمَّا كان الذي يباشِرُ الحوادِثَ هم الخَلق، أمَرَهُمُ الله بالأخذِ بالأسبابِ التي أوجَدَها شرعيةً وكونيةً، فإن ضعفت الأسباب الكونيةُ، أكثرُوا مِن الأسبابِ الشَّرعية؛ لِيُعوِّضَهم اللهُ عنها؛ لِيحدِثَ اللهُ أسبابًا كونيَّةً أضعَفَ بالأخذِ وأيسَرَ بالأمكانِ ولو كانتْ خفيةً لطيفةً تؤثِّر أعظَمَ مِن الأسباب الظاهرة، كما كان النَّبيُّ ﷺ يُكثرُ مِن الدعاء، ويُلِحُّ في الشدائدِ بالدعاءِ؛ كما في أحُدٍ وبَدرٍ والأحزابِ بالدعاءِ يستجلبُ عونَ اللهِ وتسديدَهُ ونَصرَهُ؛ لهذا ما مِن نبيٍّ إلَّا وأخَذَ بالأسبابِ الشرعيةِ والكونيةِ للنصرِ جميعًا.

стр. 890

الذنوبُ وأثرُهَا على النصرِ: ومِن الأسبابِ الشرعيةِ: التخلِّي عن الذنوب؛ كما في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧]، فسألوا اللهَ الغُفرانَ قبلَ سؤالِهِ الثباتَ والنصرَ؛ فإنَّ الذنُوبَ تُؤخِّرُ النصرَ وتَحيق بأهلِها؛ كما قال نبيُّ اللهِ: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ [هود: ٦٣]. ومنها: الإكثارُ مِن الدعاء، وطلبُ النصرِ مِن الله، والتوكُّلُ عليه؛ كقولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. ومنها: إقامةُ العدلِ، ودفعُ الظُّلْمِ؛ فالظالُم لا يُنصَرُ، وإنْ غَلَبَ لا يتمكَّنُ؛ فاللهُ لا يُمكنُ للظالمِ وإنَ جعَلَ له الغَلَبَةَ؛ قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٥]، وقد يتمكَّنُ الظالمُ على مَن هو أشد ظُلمًا منه عند غياب العادلِ؛ فالله يُمكِّنُ للأعدَلِ والأخَف ظُلمًا. وأما الأسباب الكونيَّةُ: فهي ما أوجَدَه اللهُ في الكونِ من قوةٍ لازمةٍ لحدوثِ حادثٍ تابعٍ للأخذِ بها، وهي مختلِفةٌ؛ فلا حَدَّ لها ولا حَصرَ، ولا يعلَمُ حدَّها، ونوعَها وعدَدَها، وقُوَّتَها وأثَرَها، ومُبتدَاها ومُنتهاها، إلَّا مُوجِدُها، وهو اللهُ، وما خَفِيَ مِن الأسباب أعظَمُ مما ظهَرَ وأكثرُ، والإنسانُ مأمورٌ بالأخذِ بما ظهَرَ له، وقد تتحققُ النتائجُ غالبًا بالأسبابِ الظاهرة، وقد لا يُحقِّقُها اللهُ لحِكمةٍ بأسبابٍ خفيَّةٍ أقوى مِن الظاهرةِ، وكلٌّ في الدُّنيا يَجري بسببٍ، ولكنَّ النَّاسَ يأخُذونَ ما يرون وقد يكونُ ضعيفَ الأثرِ بالنسبةِ لِمَا خَفِيَ عنهم. وفي هذه الآية: إشارةٌ إلى الأخذِ بالسببِ الكونيِّ، ولو كان ثمَّةَ

стр. 891

كفايةٌ في السببِ الشرعيِّ؛ فحينَما طلَبَ الصحابة بمكَّةَ إلى النَّبيِّ ﷺ قتالَ المشرِكِين، أمَرَهُم بالعفوِ والكَفِّ، والكف والعفوُ عندَ الضَّعفِ مع التربُّصِ والإعدادِ: مِن سُنَن اللهِ في خَلقهِ كونًا وشرعًا. طبائعُ النفوسِ، وأثَرُها على اختيارِ الحقِّ: وقد يكونُ في بعضِ النفوسِ شجاعةٌ وإقدام تُخالِف الأمرَ الشرعيَّ، فيجبُ على أصحابِها مُجاهَدةُ أنفسِهِمْ للنزولِ لحكْم اللهِ؛ فطبائعُ النفوسِ تُؤثِّرُ في قناعاتِها؛ فمَن جَبَلَه اللهُ على الشجاعة، يظنُّ الإقدامَ هو الحق، ومَن جَبلَهُ اللهُ جَبَانًا، يظُنُّ أن الركونَ والسلامةَ هي الحق، وقد لا يُوافِقُ الحقُّ الطبعَ؛ فيجب على الشجاعِ مجاهَدةُ نفسِهِ لَيرجِعَ إذا أمَرَهُ اللهُ بالرجوعِ، ويجبُ على الجبانِ مجاهَدةُ نفسِه ليُقدِمَ إذا أمَرَهُ اللهُ بالإقدامِ، وطبائعُ النفوسِ بلاءٌ تُبتلَى به تحتاجُ معه إلى مجاهَدةٍ، وبمقدارِ قوةِ إيمانِ العبدِ وتسليمِهِ للهِ يكونُ وقوفُهُ عندَ أوامرِ الله ومجاهدتُهُ لنفسِه، وإذا ضعُفَ إيمانُ الإنسانِ، عَمِلَ الشيءَ بما يُشبعُ طَبعَهُ وهواهُ وَيظُنُّ أنَّه لله، فعمرُ بنُ الخطَّابِ جُبِلَ شجاعًا؛ فكان جهادُهُ لنفسِهِ في الإحجامِ أكثَرَ مِن الإقدام، فكان وَقَّافًا على أمر اللهِ؛ لقوةِ إيمانِهِ يَغلبُ قوةَ طبعه، وهذا كما أنَّه في القتالِ والجهاد، فكذلك طبائعُ النفوسِ في السَّرَفِ في الإنفاقِ والبخلِ؛ فمَن جُبِلَ باذلًا ولا يَحسُبُ، يُؤمَرُ بمُجاهَدةِ نفسِه حتَّى لا يُسرِفَ، ومَن جُبِلَ بخيلًا يُؤمَرُ بمجاهَدةِ النفسِ بالبَذْلِ؛ حتَّى يَعدِلَ المُسْرِفُ والمُمْسِكُ وَفقَ أمرِ الله، لا وَفْقَ كلِّ واحدٍ وما يَهوَاه. والنفوسُ المطبوعةُ على شيءٍ إنْ كانت عالِمةً بالأدلة، تَحفَظُ وتَجمَعُ مِن الأدلَّةِ ما يُوافِق هواها ولا تَشعرُ، وتتغافَلُ عن نصوص تُخالِفُ طَبعَها، فتجدُ الشجاعَ يَحفَظ أدلةَ الإقدامِ وتَلتقِطها نفسه ولا يشعُرُ وتغفُلُ عما يُخالِفُها، ومِثلهُ الجبانُ يَحفَظ أدلةَ السلامةِ وتَلتقِطُها نفسُه ولا يشعُرُ وتغفُلُ عما يُخالِفُها ولو سَمِعَتهُ مِرارًا.

стр. 892

والأسبابُ الكونية التي أمَرَ اللهُ بها كثيرةٌ: منها: الاجتماعُ؛ فإن الكثرةَ تُرهِبُ العدوَّ، وتشُدُّ مِن عزائمِ أهلِها؛ وهذا أمرٌ فِطريٌّ مؤثِّرٌ في كلِّ نفسٍ مدركةٍ ولو كانت حيوانًا؛ ففي "السُّننِ"؛ مِن حديثِ أبي الدَّردَاءِ؛ قال ﷺ : (عَلَيْكُم بِالجَمَاعَةِ؛ فَإنَّمَا يأكُلُ الذئْبُ القَاصيَةَ) (١)؛ ولذا أمَرَ اللهُ بهذا السبب؛ فقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وبيَّنَ أن الفُرقةَ سببٌ للهزيمةِ؛ فقال: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]، فقِلَّةٌ مجتمعةٌ أقرَبُ إلى النصرِ مِن كثرةٍ متفرِّقةٍ. ومنها: التريُّثُ وعدمُ العَجَلَةِ؛ فإن العجلَةَ تُنافي الصبرَ، فلا ينتصر أحدٌ إلَّا بصبرٍ؛ وقد قال اللهُ عن الأنبياءِ: ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ [الأنعام: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]. وكثيرًا ما تُستعجَلُ النتائجُ بلا صبرٍ، فيُحرَمُ النَّاسُ النصرَ؛ فالصابرُ ولو كان على باطلٍ أقرَبُ إلى النصرِ مِن المُستعجِلِ ولو كان على حقٍّ، وربَّما يُهزَمُ الصادقُ بسببِ عَجَلتَه، وينتصِرُ الكاذبُ لصبرِه، فيشكُّ الصادق في طريقِه، وسببُ الهزيمةِ العجَلَةُ لا الحق الذي معه. أثرُ طلبِ النصر بلا صبرٍ: فإن المُستعجِلَ في طلبِ النصرِ بلا صبرٍ، لا بدّ أن يبتلى بإحدى ثلاثٍ: - إمَّا أن يَستبطئَ النصرَ؛ فيَنقطِعَ ويترُكَ السيرَ وينعزِلَ، وَيرَى أن الركونَ والعُزْلةَ بما معه مِن حقٍّ خيرٌ مِن سَيْرِهِ في طريقٍ لا نهايةَ له؛ وهذا أحسَنُهم حالًا.

стр. 893

- وإمَّا أَنْ يُبدِّلَ طريقَهُ ويتنازَلَ عن رسالتِه، فيُغيِّرَهُ كلهُ أو بعضَهُ بحسَبِ ثباتِهِ ويقينِهِ بما معه؛ لأنَّه يظُنُّ أن عدمَ وصولِه إلى النصرِ بسبب شائبةٍ في الحقِّ الذي معه، فيتنازَلُ عن بعضهِ أو يتركُهُ كلَّه؛ وأكثرُ المُنتكِسِينَ عن الحقِّ طلَبُوا النصرَ بلا صبرٍ. - وإمَّا أن يَستعجِلَ السيرَ بما معه مِن حقٍّ كاملٍ فيَتخِذَ أسبابًا لا تُؤخَذُ، كما لو استعجَلَ أهلُ مكَّةَ قتالَ قريش وهم بمَكةَ، ولكنَّ اللهَ عصَمَهُم بالنبيِّ ﷺ وما معه مِن الوحي، ومن استعجَلُوا السيرَ بما معهم مِن حقٍّ كاملٍ: يُعْمِيهِم كمالُ الحقِّ الذي معهم عن سبيلِ السلامةِ لوصولِه، فيَنهزِمُون وَيفتِنُون عدوهم وَيفتِنونَ أتْبَاعَهم؛ كما قال تعالى: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٨٥]، وقال: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة: ٥]؛ يعني: لا تَهزمنَا بأيدِيهِم فيُفتَنُوا بهزيمتنا؛ فيظُنُّوا أنهم على الحقِّ؛ كما جاء عن ابنِ عباسٍ ومجاهدٍ وغيرِهما (١). وهزيمةُ أهلِ الحقِّ فتنةٌ لأهلِ الباطلِ ومن في قلبِهِ مرضٌ مِن أهلِ الحقِّ، وهذه الفتنةُ يجبُ دفعها بدفعِ أسبابِها: ومنها: عدمُ الإقدامِ في زمنِ الضعفِ، وتركِ الإعدادِ والقتالِ في زمنِ القوةِ. ومنها: معرفةُ أنواعِ الأعداء، وقوَّتِهم وضَعْفِهم، وقربِهم وبُعدِهم مكانًا ودينًا بالنسبةِ لقوةِ المسلِمِينَ معهم؛ فمِن السُّنَّةِ الكونية: إلَّا يُواجِهَ أهلُ الحقِّ أهلَ الباطلِ جميعًا؛ حتَّى لا يَتواطَؤوا عليهم مرةً واحدةً، فمَنِ استعدَى جميعَ أهلِ الباطلِ، اجتمَعُوا عليه؛ ولذا فإن النبي ﷺ فرَّقَ بينَ البَرَاءِ وبينَ الاستعداءِ؛ فالبراءُ عقيدةٌ، والاستعداءُ سياسةٌ يَقبلُ التعجيلَ

стр. 894

والتأجيلَ، ولكنَّه لا يقبلُ الإلغاءَ، والبراءُ لا يقبل التأجيلَ فضلًا عن الإلغاءِ. التفريقُ بين الخصوم، وعدَمُ جَعلِهم في مرتبةٍ واحدةٍ: وقد كان النَّبيُّ ﷺ في عَهدَيهِ بمكةَ والمدينةِ يُفرِّقُ بينَ خصومِهِ ولو اجتمعوا في المِلَّةِ؛ ففي مكَّة فَرَّقَ بينَ كافرٍ مناصرٍ كأبي طالبٍ، وبين كافرٍ مُعَادٍ كأبي جهلٍ وأبي لهبٍ وصَفْوَان وأبَيِّ بن خَلَفٍ وغيرِهم، فتبرأ مِن عقيدةِ الجميع، ولم يَستعدِ أبا طالبٍ لنُصرَتِه. وعندَما هاجَرَ إلى المدينةِ كَثرَ أعداؤُهُ، وكَثرَ أصحابهُ، والأعداءُ يُفرِّقُ بينَهم بحسَبِ بعدِهم وقُربِهم، وشدةِ عداوتهم وخِفَّتها؛ فباعتبارِ القُربِ والبُعدِ: فالقريبُ: كاليهودِ والمُنَافِقِينَ، والبعيدُ: كالمشرِكِينَ بمكةَ، ثم النصَارَى في الشامِ وطَيِّئِ ونَجْرَانَ وغيرِها، والمَجُوسِ في فارسَ وما وراءَها. وباعتبار شِدَّةِ العداوةِ وخِفَّتِها: فأشدهم عداوةً اليهودُ والمشركون؛ كما قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢]، والمشركونَ أبعَدُ مِن اليهود، وأقرَبهم مودَّةً الذين قالوا: إنّا نصارى. والنصَارَى بعيدون. الفرقُ بين عقيدةِ البَرَاء وسياسةِ الاستعداءِ: وسياسةُ النَّبيِّ ﷺ إلَّا يستعدِيَ جميع خصومِه، وإنْ تبرَّأ مِن دِينِهم كلِّه، وفرقٌ بينَ البَرَاءِ والاستعداءِ؛ وذلك أن البراءَ مِن الدِّينِ لا يُورِثُ صاحِبَهُ خوفًا مِن العزم على مقاتلَتِه؛ فالبراءُ لا يَلْزَمُ معه المُقاتَلةُ، وأمَّا الاستعداءُ: فيُورِثُ خوفًا وترقُّبًا مِن تَبْييتهِ ومُقاتَلَته، فيُعِدُّ العُدَّةَ، ويتحالَفُ مع جميعِ الخصومِ على أهلِ الحقِّ، ومَن تأمَّلَ حالَ النَّبيِّ ﷺ في

стр. 895

المدينةِ، وجَدَ أَنَّه انشغَلَ بالعدوِّ الأقرَب، وهم اليهودُ والمنافقونَ، ولم يُكاتِبْ فارسَ والرومَ ولا ملوكَ العربِ إلَّا بعدَ صلحِ الحُدَيبيةِ حينَما أمِنَ قريشًا بالعهدِ عَشرَ سنينَ، وما كتَبَ سوداءَ في بيضاءَ إليهم؛ لأنَّ مُكَاتبَتَهُم تُشْعِرُهُمْ بالاستعداءِ، وأهلُ المدينةِ في زمنِ قلةِ عَدَدٍ، وضَعف عُدَدٍ، وعدوٍّ قريبٍ أحَقَّ بالانشغالِ به. فانشغَلَ النَّبيُّ بالمُنافِقينَ وتَبْيِينِ صِفاتِهم، ونزَلَت عليه سورتانِ وأربعونَ آيةً لمعالجةِ شرِّهم ونفاقِهم القوليِّ والعمليِّ؛ حتَّى أصبَحُوا أشَدَّ احترازًا في إظهارِ مخالفاتِهم، ويَخافُونَ من الوحيِ أن ينزِلَ فيَفضحَهم؛ لشدةِ تتَبُّعِهِ لأقوالِهم وأفعالِهم؛ حتَّى بلغَ تتبُّعَ حركاتِهم وملامحِ وُجُوهِهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٧]، وكقولهِ: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، وكقولِهِ: ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد: ٢٠]، وهذه كلها تعابيرُ أورَثتهُم خوفًا وترقُّبًا وقلقًا، فلم تُحاصَرِ الأعمالُ والأقوالُ فحَسبُ؛ بل حُوصِرَتْ تعابيرُ الوجوهِ، وأحوالُ العيونِ؛ حتَّى حُوصِرَتِ السرائرُ؛ كما قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٦٤]، حتَّى بلَغ بخِيَارِ الصحابةِ - مع فَضْلِهم وسَبْقِهم - أنْ خافوا على أنفسِهِمْ مِن أوصافِ النِّفَاقِ، فأخَذ يَسألُ بعضُهُمْ بعضًا، حتَّى سألَ الفاروقُ عمرُ حُذَيفَةَ بنَ اليَمَانِ أمِينَ سِرِّ النبيِّ ﷺ نفسِه. وانشغَلَ النَّبيُّ ﷺ حِينَها باليهود، وهم العدوُّ القريبُ مع المنافقينَ، فكانتِ الآياتُ والأحكامُ في اليهودِ والمنافِقينَ في السِّتِّ السنواتِ الأولى

стр. 896

مِن الهجرةِ أكثَرَ مِن أحكامِ غيرِهم مِن المُشركِينَ والنصارَى، ولم يَخرُجِ النَّبيُّ ﷺ إلى مكةَ مُعتمِرًا في السنةِ السادسةِ إلَّا وقد حَصَرَ النِّفاقَ، وشتَّتَ يهودَ وأَضعفَها. ولمَّا كان اليهودُ مِلَّةً واحِدةً يَستَقوِي بعضُهم ببعضٍ، فرقَ بينَهم؛ فعاهَدَ قومًا وسالَمَهُم، وعادَى آخَرِينَ وحارَبَهم، وكان أولَ ما بدَأ به يهودُ بَني قَينُقَاعَ، فحارَبَهم في السنة الثانيةِ مِن الهجرة، ثم بَعدَهم بنو النَّضِيرِ في السنة الرابعةِ، ثمَّ بنو قُرَيظَةَ في السُّنةِ الخامسة، ولما شَتَّتَ يهودَ وأضعَفَهم وكسَرَ شَوْكَتُهم، توجَّهَ إلى مكةَ مُعتمِرا؛ لِيُظهِرَ حقَّ المُسلِمينَ في المسجدِ الحرام، ثم مَنَعَتْهُ قريشٌ مِن الدخولِ إليها، وقد تحقَّقَ مقصودهُ مِن إظهارِ قوَّتِه، وكثرةِ أتباعِه؛ حتَّى رأتْهُ قريشٌ فهابَتهُ، فدخَلَ بعدَها بعامٍ بقوةٍ وعزةٍ وأكثرَ تمكينًا. وكلُّ غزواتِ النَّبيِّ ﷺ قبلَ ذلك كانت دفعًا لِصَولَةِ قريشٍ؛ فبَدرٌ في السنةِ الثانيةِ مِن الهجرة، وأُحُدٌ في السنة الثالثة، والخَندَقُ في السنةِ الخامسةِ. ومِن ذلك: تَبيِيتُ النَّبيِّ ﷺ لأهلِ دومَةِ الجَنْدَلِ في السنةِ الخامسةِ لمَّا عَلِمَ بكيدِهِمْ والإغارة على قوافلِ المسلِمينَ، ومِن ثمَّ العزمُ على غزوِ المدينةِ، فعاجَلَهُم النَّبيُّ ﷺ قبلَ استطارةِ شرِّهم، فدفَعَهُم في مكانِهم قبلَ أن يُبَيِّتُوهُ. ولمَّا أمِنَ النبيُّ ﷺ مِن عدوِّه القريب، كاتب عدوه البعيدَ؛ فبدَأ بعدَ الحُدَيبِيَةِ بإرسالِ الرُّسُلِ وترغيبِهم في الحقِّ، وترهيبِهم مِن الباطلِ، وتخويفِهم مِن أمرِ اللهِ عليهم الذي يُجْرِيهِ على يدَيهِ إنْ خالَفُوه. وقبلَ هذه المُكاتَباتِ كلِّها كان النَّبيُّ ﷺ يُظهِرُ البراءَ مِن المشرِكِينَ

стр. 897

ودِينِهم لأُمَّتِه، والوَلَاءَ للمؤمنينَ ودِينهم، ويُعظِّمُ الجهادَ ويُعِدُّ العُدَّةَ؛ ولذلك فمِنَ الفتنةِ في الدِّينِ: ألَّا يُفَرِّقَ الحاكِمُ بينَ سياسةِ النَّبيِّ ﷺ وحِكْمَتِهِ في مُهادَنةِ خصومِهِ ومُسالَمَتِهم، مع إعدادِ العُدَّةِ وتعظيمِ الجهادِ؛ انتظارًا لاجتماعِ القوةِ والقدرة، وبينَ مَن يتَّخِذُ مِن هذه السياسةِ بابًا لتعطيلِ الجهادِ والركونِ إلى الدُّنيا، بل والركونِ للكافِرينَ مِن دونِ المؤمِنينَ. ومِن الأسبابِ الكونيَّةِ: إعدادُ العُدَّةِ والعَدَدِ لقتالِ العدوِّ، ويأتي تفصيلُ ذلك بإذن اللهِ في سورةِ الأنفالِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقولِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٦٥]. ومن المَعَاني الباطلةِ التي يُورِدُها بعضُ الفُقهاءِ في آيةِ البابِ: ما يستدلَّ به بعضُ فُقهاءِ الرأي المتأخِّرينَ على استحبابِ السَّدْلِ في الصلاةِ استدلالًا بهذه الآيةِ: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾، وهذا قولٌ لا سالفَ له مِن حديثِ ولا أثَرْ، ولا يُقْبَلُ في لغةٍ ولا نَظَرٌ. الجهادُ وحُبُّ الدُّنيا: وفي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾، وقوله فيها بعدَ ذلك: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾: إشارةٌ إلى أنَّ أعظَمَ ما يَصُدُّ الناس عن الجهادِ هو حبُّ الدُّنيا والخوفُ مِن فَوْتِها، وكلَّما تعلَّقَ الإنسانُ بالدنيا، تهيَّبَ الجهادَ ونَفَرَ منه وزَهِدَ فيه وكَرِهَهُ، وفي حديثِ نافعٍ عن ابنِ عمرَ، في "السُّننِ" مرفوعًا: (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالعِينَةِ، وَأَخَذتُمْ أَذْنَابَ البَقَرِ، وَرَضِيتُمْ

стр. 898

بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا … )؛ الحديثَ (١): دلالةٌ على ذلك، فذكَرَ الزرعَ وأذنابَ البقرِ؛ لأنَّ الزرعَ يطولُ انتظارُهُ فيُغرَسُ ويُسقَى ويُنتظَرُ حصادُهُ ثمَّ بيعُهُ وتَقَوُّتُه، وكذلك بيعُ العِينَةِ آجِلٌ، يختلِفُ عن البيعِ الذي ينتهي بالقبضِ ولا أجَلَ فيه؛ إشارةً إلى أنَّ هذه الأنواعَ دنيا يطولُ بها الزمنُ، وتترقَّبُها القلوبُ، وترقُّبُها وكثرتُها تزهِّدُ في الجهادِ وتنقبِضُ منه النفوسُ. ولمَّا كانتِ الحياةُ ضدَّ الموت، كان المتعلِّقُ بها كارهًا للجهادِ؛ لأنَّ الجهادَ مَظِنَّهُ القتلِ؛ لهذا قال تعالى بعدَ هذه الآيةِ: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨]؛ في الفرارِ مِن القتلِ في سبيلِ الله، فأصلُ الفِرارِ مِن الجهادِ حبُّ الحياةِ الدنيا. رغبةُ النفوس، وأثرُها على الحقِّ: وفي قولِهِ تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾: عدمُ تعجُّلِ الأحكام قبلَ نزولِها، وتقديمُ حُكْمِ اللهِ على رغبةِ النفسِ وهواها، ولو كانتْ حَمِيَّتُهَا دينيَّةً؛ فما كلُّ حميَّةٍ دينيَّةٍ تُصِيبُ الحَقَّ؛ فقد تكونُ عَجَلَةً تَضُرُّ. وقد نَهَى النبيُّ ﷺ عن تمنِّي لقاءِ العدوِّ؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، فإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا) (٢)؛ وذلك أنَّ تمنِّيَ لقاءِ العدوِّ يمتزِجُ بشجاعةٍ نفسيَّةٍ تُورِثُ الإنسانَ اعتمادًا عليها فيَكِلُهُ اللهُ إليها، وكثيرٌ ممَّن يتمنَّى لقاءِ العدوِّ تدفَعُهُ الشجاعةُ الفِطْريَّةُ، وإنِ انساقَ إليها، تغيَّرتْ نيَّتُهُ، فقاتَلَ حميَّةً، ولِيُقالَ: جَرِيءٌ.

стр. 899

ثمَّ إنَّ تمنِّيَ لقاءِ العدوِّ يُفقِدُ الإنسانَ حُسْنَ الاختيارِ عندَ لقائِهِ بينَ التعجيلِ باللقاءِ أو تأخيرِه، أو المواجَهَةِ عندَ الشِّدَّةِ أو الانحيازِ إلى جهةٍ وفئةٍ، فمَن تمنَّى لقاءَ العدوِّ تَغْلِبُهُ نفسُهُ عن أنْ يُقالَ عنه: جبانٌ وخائفٌ وقد تمنَّى اللقاءَ مِن قبلُ، فيُقدِمُ في محلِّ إِحْجَامٍ، تدفعُهُ حميَّتُهُ ويُظهِرُ أنَّ ذلك لِدِينِه. وقولُه تعالى: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾: الفَتِيلُ: ما احتُقِرَ مِن الشيءِ الذي لا تَلْتَفِتُ إليه نفسٌ، ولا تُدَقِّقُ به عينٌ لحقارتِه. وقيل: هو ما خرَجَ مِن الإصبَع؛ رواهُ مجاهدٌ، عن ابنِ عبَّاسٍ (١)، وبنحوِه قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ ومجاهدٌ (٢). وقال ابنُ عبَّاسٍ: "هو الذي يكونُ في شِقِّ النَّوَاةِ"، رواهُ عنه عِكْرِمةُ (٣)، وصحَّ هذا عن قتادةَ ومجاهدٍ؛ أخرَجَ هذا ابنُ المُنذِرِ وغيرُه (٤). * * * * قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]. نزَلَتِ الآيةُ في المُنافِقينَ الذين يُظْهِرُونَ الطاعةَ لرسولِ اللهِ ﷺ عندَ

стр. 900

حضورِه، ويَعْصُونَهُ في غيابِه؛ كما قال تعالى قبلَ ذلك: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ [النساء: ٨١]. الصدقُ مع الأمير في الظاهِرِ والباطِنِ: ومَن أظهَرَ للأميرِ خلافَ ما يُخفِيهِ، فقد وقَعَ في شُعْبةٍ مِن النِّفاقِ؛ لأنَّ هذا يُفسِدُهُ ويُفسِدُ البلدَ التي يتولَّاها، ولا يجوزُ للناسِ والعلماءِ خاصَّةً أنْ يُظهِرُوا للسُّلْطانِ ما يُفهَمُ منه الانقيادُ له والرِّضا عنه وعلى فِعْلِه، وإقرارُهُ عليه، وهم يضمرون خلافَ ذلك؛ لأنَّ هذا في الدِّينِ نِفاقٌ، وفي السياسةِ خديعةٌ، وهو يُخالِفُ النصيحةَ في الدِّينِ؛ كما في حديثِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ في "الصحيحِ"؛ قال ﷺ : (الدِّينُ النَّصِيحَةُ)، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: (لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ) (١). ومَن عَجَزَ عن النصيحة، فلا يَقْرَبِ السُّلْطانَ ولا يُجالِسْهُ؛ لأنَّ مُجالَسَةَ العالِمِ له مع عدمِ نُصْحِهِ إقرارٌ، خاصَّةً عندَ تَكْرارِها ودوامِها، ومِن أكثَرِ ما يُفسِدُ على الناصِحِينَ العلماءُ الذين يُكْثِرونَ الدخولَ على السُّلْطانِ مع سكوتِهم، فإنْ نُصِحَ السُّلْطانُ مِن غيرِهم، استحضَرَ إقرارَ الساكِتِينَ، وحَمَلَ نُصْحَ المُصلِحِينَ على مُنازَعةِ الأمرِ والتربُّصِ والفِتْنةِ. ويَعظُمُ شرُّ الساكِتِينَ على الباطلِ إنْ مَدَحُوا السُّلْطانَ على الخيرِ، وسَكَتُوا عن الشرِّ، وظَنُّوا أنَّ سكوتَهم على الشرِّ ليس إقرارًا، وأنَّ مَدْحَهم له على الخيرِ حقٌّ؛ وإنَّما يُفتَنُ السُّلْطانُ الذي يُمدَحُ ولا يُنصَحُ ولو كان المدحُ بحقٍّ. وأشدُّ ذلك: أنْ يَمْدَحَ العالِمُ الحاكمَ على الشرِّ قولًا وفعلًا؛ وهذا مِن تزيين الباطلِ في صورةِ الحقِّ؛ وهو مِن أفعالِ المنافقين، لا العلماءِ الراسخين ولا الفاقهين.

стр. 901

وإنَّما حَرُمَ على العالِمِ والجاهلِ مُجالَسَةُ الحاكِمِ والإظهارُ له خلافَ ما يُبطِنُه؛ كما في حالِ المُنافِقينَ في قولِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ [النساء: ٨١]؛ لأنَّ الحاكِمَ يَسُوسُ الأُمَّةَ بالأمرِ والنهي، وإظهارُ الطاعةِ له وإخفاءُ زَلَّتِهِ عنه وكُرْهِ الرعيَّةِ له: يجعَلُهُ يَجْسُرُ على بعضِ الأوامرِ والنَّوَاهِي في السياسةِ والجِهَادِ والأموالِ، ويَظُنُّ أنَّه ثابتٌ بثباتِ المَحْكُومِينَ معه الذين يُنافِقُهُ علماؤها، فإنْ أمَرَهم بأمرٍ أو نَهَاهُم عن أمرٍ لا يُطِيقُونَهُ، فلرُبَّما فاجَؤُوهُ بالعِصْيانِ والتمرُّدِ والخروجِ، ولكنْ لو عَلِمَ منهم مقامَهُ فيهم في ميزانِ الحقِّ والباطلِ، عَرَفَ قَدْرَ ثباتِهِ فيهم وطاعتِهِمْ له، فأصلَحَ نفسَهُ واستصلَحَ غيرَهُ، ولم يأمُرْ بما لا يُطاقُ، ولم يَجسُرْ على فعلِ ما لا يُتابَعُ عليه، ؛ لأنَّه يَعرِفُ ضَعْفَ وَلاءِ رعيَّتِه، وإنْ عَرَفَ سببَ ضعفِ ولائِهِمُ، استصلَحَهُ وقَوَّمَهُ؛ لتَقْوَى شوكتُهُ فيهم بوَلَاءِ رعيَّتِهِ له، وقد روى الطَّبَرَانيُّ؛ مِن حديثِ مجاهدٍ: أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ عَلَى ابْنِ عُمَرَ ﵁، فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ أَنْتُمْ وَأَبُو أُنَيْسٍ - يَعْنِي: الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ -؟ قَالَ: نَحْنُ وَهُوَ إِذَا لَقِينَاهُ، قُلْنَا لَهُ مَا تُحِبُّ، وَإِذَا وَلَّيْنَا عَنْهُ قُلْنَا غَيْرَ ذَلِكَ، قَالَ: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَعُدُّ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ النِّفَاقِ (١). وقد كان الضحَّاكُ بنُ قَيْسٍ أبو أُنَيْس واليًا على الكوفةِ ودِمَشْقَ، وأكثرُ ثورةِ الشعوبِ على الحُكَّامِ بسببِ تصنُّعِ علمائِهِم وعُرَفَائِهِم ونُقَبَائِهِم مع الحُكَّامِ، فيُبْدُونَ لهم مِن الرضا خلافَ ما يُخْفُونَ مِن السُّخْطِ، ومِن الحُبِّ خلَافَ ما يُخْفُونَ مِن الكُرْهِ، ومِن الطاعةِ خلافَ ما يُخْفُونَ مِن المعصيةِ؛ حتى يَحمِلَ ذلك الحُكَّامَ على الثقةِ بأنفُسِهِمْ وتوهُّمِ التمكُّن، فيأمُرُونَ ويَنْهَوْنَ وربَّما يَظلِمونَ ويَبْغُونَ؛ حتى يَرَوْا مِن العامَّةِ حقيقةَ ما يُخفِيهِ عنهم بطانتُهم.

стр. 902

وقد كان الصحابةُ - عليهم رِضوانُ اللهِ - يَنْهَوْنَ عن نِفاقِ السُّلْطانِ، ومَن عَجَزَ عن النُّصْحِ فلا يُجالِسْ؛ حتى لا يكونَ شريكًا في خديعةِ السُّلْطانِ والرعيَّة، وقد روى نافعٌ: أَنَّ ابْنَ عُمَر قَالَ لِقَوْمِ يَأْتُونَ السُّلْطَانَ: مَاذَا رَأَيْتُمْ مِنْ مُنْكَرِ مِنْهُ غَيَّرْتُمُوهُ، أَوْ مِنْ مَعْرُوفٍ أَمَرْتُمُوهُ بِهِ؟ قَالُوا: لا، وَلكن إِذَا قَالَ شَيْئًا، قُلْنَا: صَدَقَ، وَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِه، قُلْنَا مَا نَعْلَمُ، قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ هَذَا نِفَاقًا، أَوْ مِنَ النِّفَاقِ (١). تدبُّرُ القرآنِ وأثَرُهُ على النفاقِ: ثمَّ بيَّنَ اللهُ بعدَ ذلك سبَبَ ضَلالِ المُنافِقِينَ وانحرافِهِمْ، وأنَّه بسببِ عدمِ تدبُّرِهِمْ للقرآنِ؛ فقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]، والمُنافِقُ لضعفِ تصديقِهِ لا يتدبَّرُ القرآنَ ولا يتأمَّلُهُ؛ بل يأخُذُهُ على ظاهرِهِ ولا يَنْشَطُ لِمَعَانِيهِ وحِكَمِه وعِلَلِه، والمُنافِقونَ على مَرَاتِبَ؛ فبحسَبِ قوةِ نِفاقِهِمْ وضعفِهِ تكونُ قوةُ أخذِهِمْ للحقِّ مِن صلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ وحجِّ وذِكْرٍ؛ بل حتى شربُ زمزمَ لا يتضلَّعُونَ منه؛ لضَعْفِ اليقينِ بما جاء بالوحيِ عنه، وإنْ زاد النِّفاقُ وضعُفَ اليقينُ، ضعُف الأخذُ حتى يكونَ التركُ التامُّ مع انعدامِ اليقين، واختلافُ الإنسانِ في ظاهرِهِ وعَلَانِيَتِهِ بمقدارِ يقينِهِ ونِفاقِه؛ حتى يستويَ عندَ تامِّ اليقينِ والتصديقِ الغيبُ والشهادةُ، والسِّرُّ والعلانيةُ، ورؤيةُ الناسِ وعدمُهم؛ لأنَّ المراقبةَ للهِ لا لهم، وهذا الإحسانُ، والإحسانُ نفسُهُ يَضْعُفُ ويَقْوَى. وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾؛ يعني: أنَّهم يُعْلِنُونَ أخبارَ الأُمَّةِ وأسرارَها، ولا يُفرِّقونَ بينَ ما يُعلَنُ وما لا يُعلَنُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم يهتمُّ بأمرِ نفسِهِ لِيُصلِحَها، فهمُّهُ سلامتُها وغُنْمُها، ولا يَعنِيهِ أمرُ الأُمَّةِ المنوطُ بأُولي الأمرِ العارِفينَ بمصالحِها، وهم العلماءُ.

стр. 903

وسببُ نزولِ هذه الآيةِ: أنَّ الناسَ أذاعُوا أنَّ النبيَّ طلَّقَ نساءَهُ، ولم يكنْ كذلك، ولم يَسْتَبِينُوا ولم يَترَيَّثُوا ولم يُحِيلُوا الخبرَ والعِلمَ إلى مَن يَعلَمُ؛ فكثُرَ اللَّغَطُ والقيلُ والقالُ؛ ففي "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ عمرَ؛ قال: كَانَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ وَحَفْصَةُ تَظَاهَرَانِ عَلَى سَائِرِ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَطَلَّقْتَهُنَّ؟ قَالَ: (لَا)، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي دَخَلْتُ المَسْجِدَ وَالمُسْلِمُونَ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى، يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُ! أَفَأَنْزِلُ فَأُخْبِرَهُمْ أَنَّكَ لَمْ تُطَلِّقْهُنَّ؟ قَالَ: (نَعَمْ، إِنْ شِئْتَ)، فَلَمْ أَزَلْ أُحَدِّثُهُ حَتَّى تَحَسَّرَ الْغَضَبُ عَنْ وَجْهِه، وَحَتَّى كَشَرَ فَضَحِكَ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ ثَغْرًا، ثُمَّ نَزَلَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ وَنَزَلْتُ، فَنَزَلْتُ أَتَشَبَّثُ بِالْجِذْع، وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَأَنَّمَا يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا يَمَسُّهُ بِيَدِه، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّمَا كُنْتَ فِي الْغُرْفَةِ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ؟ قَالَ: (إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ)، فَقُمْتُ عَلَى بَابِ المَسْجِدِ، فَنَادَيْتَ بِأَعْلَى صَوْتِي: لَمْ يُطَلِّقْ رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُ! وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، فَكُنْتُ أَنَا اسْتَنْبَطْتُ ذَلِكَ الْأَمْرَ، وَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّخْيِيرِ (١). أوصافُ العالِمِ الذي يقضي في النوازل: والمرادُ بأُولي الأمرِ: هم أهلُ العِلْمِ به؛ فاللهُ أمَرَ بإحالةِ الأمرِ إلى العلماءِ مِن الناسِ؛ لِيَعْلَمَهُ مَن يَقدِرُ على استباطِ الحُكْمِ منهم، فما كلُّ عالمٍ قادرًا على استنباطِ الحُكْمِ مِن كلِّ دليلٍ لكلِّ نازلةٍ؛ ولذا قال تعالى: ﴿أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾؛ يعني: مِن المؤمِنِينَ، ثمَّ قال: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾؛ يعني: مِن العلماءِ؛ فالعلماءُ يتفاوَتونَ في الاستنباطِ بحسَبِ

стр. 904

معرفتِهِمْ بالأدلَّةِ والنوازِلِ والعِلَلِ المُناسِبةِ بينَها وبينَ الأدلةِ، وأفضلُ الناسِ العلماءُ، وأفضلُ العلماءِ أَوْسَعُهُمُ استنباطًا وأدقُّهُمْ صوابًا واتِّباعًا، ولا يَقضي العالِمُ في النوازِلِ إلَّا مَن عَرَفَ أشياءَ ثلاثةً: أولًا: الدليلُ، وكلَّما كان العالمُ أكثَرَ استيعابًا للأدلَّة، كان أقرَبَ للصوابِ، ويَقِلُّ صوابُهُ بمقدارِ ضَعْفِهِ في استيعابِ الأدلَّة، فربَّما عرَفَ دليلًا وجَهِلَ ما هو ألصَقُ بالمسألةِ المنظورةِ منه، فيَضعُفُ تنزيلُهُ؛ لبُعْدِ الدليلِ عن النازِلةِ، وبمقدارِ بُعْدِ الدليلِ يكونُ ضعفُ الاستدلالِ. ثانيًا: النازِلةُ؛ فمَن عرَفَ النازِلةَ وعايَنَها، كان أبصَرَ بها وبالحُكْمِ المُناسِبِ لها، ومَن كان بعيدًا عنها، ضَعُفَ نظرُهُ فيها، وكلَّما كان العالِمُ بالنوازِلِ أعلَمَ، وبالحوادثِ أَخْبَرَ، فهو بمعرِفةِ ما يُناسِبُها مِن الأدلَّةِ أدَقُّ وأصوَبُ، وهذا يكونُ في العلماءِ الذين قرَؤُوا التاريخَ، وخَبَرُوا النوازلَ، وعرَفُوا ما شابَهَها، ويكونُ في الشيوخِ أكثَرَ مِن الشبابِ؛ ولذا قال عليُّ بنُ أبي طالبٍ: "رأيُ الشيخِ خيرٌ مِن مَشْهَدِ الغلامِ" (١). وذلك أنَّ الغلامَ قد يشهدُ نازِلةً ولم يَعرِفْ نظيرَها، والشيخُ شَهِدَ نظائرَ أو سَمِعَ بنظائرَ ولو لم يَشْهَدْها، فالعِلْمُ بالخبرِ إذا كَثُرَ كان كالمشاهدةِ وأشَدَّ. ثالثًا: التعليلُ المشتَرَكُ بينَ النازلةِ ودليلِها المناسِبِ لها؛ فمَنْ لم يَعرِفْ عِلَلَ الحوادث والرابطَ بينَها وبينَ أدلَّةِ النقلِ والعقل، أخطَأَ في تنزيلِ الأدلَّةِ على النوازِلِ، فربَّما الجهلُ بالتعليلِ يُخطِئُ معه العالِمُ في النازلةِ؛ إذْ يكونُ المُناسِبُ لها الشِّدَّةَ فيستعمِلُ اللِّينَ، وربَّما العكسُ. معنى أُولي الأمرِ في الآية: ويَعْضُدُ أنَّ المرادَ بأُولي الأمرِ هنا: العلماءُ: أمورٌ؛ منها:

стр. 905

أولًا: أنَّ اللهَ ذكَرَ هذه الآيةَ بعدَ ذِكْرِهِ لعِصْيانِ المُنافِقِينَ للنبيِّ ﷺ عندَ غيابِهم عنه، وإظهارِ طاعتِهِ في الشهادةِ؛ فهم المقصُودونَ هنا في هذه الآيةِ بِرَدِّ الأمر، والنبيُّ هو المقصودُ برَدِّ الأمرِ إليه، ويَتْبَعُهُ في حُكْمِهِ مَن وَرِثَ الأمرَ منه، وهم العلماءُ؛ كما قال ﷺ : (إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ) (١). ثانيًا: أنَّ اللهَ قال: ﴿أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، ولا يَستنبِطُ إلَّا عالِمٌ، فالاستنباطُ هو استخراجُ الصالحِ للنازِلةِ مِن الدليلِ العامِّ؛ وهذا لا يكونُ إلَّا مِن عالِمٍ بالدليل، بصيرٍ بالتعليل. ثالثًا: أنَّ اللهَ ذكَرَ العِلْمَ في الآية، فقال: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ﴾، ولم يَقُلْ: لأمَرَ به، أو نَهَى عنه؛ لأنَّ الأمرَ والنهيَ قد يكونُ عن عِلْمٍ، وقد يكونُ عن جهلٍ، ولكنَّه قال: ﴿لَعَلِمَهُ﴾؛ يعني: عَلِمَ العالمُ ما يصلُحُ للنازِلةِ مِن الأمرِ: إعلانَها أو إسرارَها، وصِفةَ تدبيرِها، وعمَلَ الناسِ بها، وموقفَهم منها؛ وهذا لا يكونُ إلا لوليِّ الأمرِ العالِم، لا الآمِرِ بلا عِلْمٍ. رابعًا: أنَّ الله قال بعدَ ذلك: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ولا يَقِي مِن سبيلِ الشيطانِ ويَجلِبُ رحمةَ اللهِ إلَّا العِلْمُ والعَملُ به. وقد نصَّ على أنَّ المرادَ بأُولي الأمرِ في هذه الآيةِ: العلماءُ: جماعةٌ؛ كقتادةَ وخصيفٍ وغيرِهما (٢)؛ وتقدَّمَ الكلامُ على معنى أُولِي الأمرِ بالقرآنِ في مواضِعَ.

стр. 906

التحذيرُ من إشاعةِ الأخبارِ: وإنَّما نَهَى اللهُ عن إذاعةِ الأخبارِ قبلَ عَرْضِها على أهلِ المعرِفةِ بها؛ لأنَّ الأخبارَ المُرسَلةَ يَعْتَرِيها الكذبُ والإرجافُ؛ فقد تكونُ حقًّا ولا يجوزُ إذاعتُها؛ لأنَّ فيها هتكًا لذنبٍ مستورٍ وعورةٍ مُغطَّاةٍ، وقد يكونُ في إظهارِها إرجافٌ وتثبيطٌ للمؤمِنِين؛ فأهلُ المعرفةِ يَستَوْثِقونَ مِن الأخبار، وَيَعرِفونَ صحيحَها مِن ضعيفِها والصالحَ منها للإذاعة وغيرَ الصالِحِ؛ ولذا قال اللهُ: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. قال مجاهدُ بنُ جَبْرٍ: قولُهم: ماذا كان؟ وما سمعتُم؟ يعني: أنَّ العالمَ يَستخبِرُ ويستفهِمُ ليستوثِقَ مِن صحةِ الأخبارِ؛ رواهُ ابنُ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ؛ أخرَجَهُ ابن جريرٍ، وابنُ أبي حاتم (١). وبمعناهُ قال أبو العاليةِ وقتادةُ والسُّدِّيُّ (٢). ومِن معاني الاستنباطِ: الاستخراجُ؛ كاستخراجِ الماءِ بالدَّلْوِ مِن البئر، وبنحوِه قال أبو عُبَيْدَةَ (٣). وقولُه تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾؛ يعني: لولا ما تفضَّلَ اللهُ به عليكم مِن وَحْيٍ وبصيرةٍ، لَسَلَكَتْ بكم نفوسُكُمْ سبيلَ الشيطان، وفي هذا: أنَّ العلماءَ رحمةٌ للأُمَّة، وهم أعظَمُ أعداءِ الشيطان، وأشَدُّ العَثَرَاتِ في الطريقِ إليه. فضلُ علمِ الرجالِ وأخبارِهِمْ: وفي هذا: أنَّ عِلْمَ فحصِ الأخبارِ والتوثُّقِ منها ومعرفةِ الرِّجالِ

стр. 907

وأحوالِهم وجَرْحِهم وتعديلِهم -: مِن فضل اللهِ ورحمتِه؛ فلولاهُ لم يكنْ للصادقِ فضلٌ على الكاذبِ، ولكان أمرُ الأُمَّةِ في دِينِها ودُنياها في فتنةٍ وشرٍّ. والعالِمُ يَرُدُّ مُتشابِهَ الأخبارِ إلى مُحْكَمِها، وهي في أخبارِ الوحي أشَدُّ احتياطًا واحترازًا، فلا يُعارِضُ بعضَها ببعضٍ، ولا يَضرِبُ بعضَها ببعضٍ، فيَجمَعُ بينَها، وإنْ تحيَّرَ، سلَّمَ العلمَ إلى عالِمِه، ولم يَجسُرْ بهواهُ؛ كما قال تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]. وفي "المُسنَدِ"؛ مِن حديثِ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه؛ قال: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَالنَّاسُ يَتَكَلَّمُونَ فِي الْقَدَر، قَالَ: وَكَأَنَّمَا تَفَقَّأَ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ مِنَ الْغَضَب، قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ: (مَا لَكُمْ تَضْرِبُونَ كِتَابَ اللهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ؟ ! بِهَذَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) (١). وفي لفظٍ آخَرَ في "المسنَدِ"؛ قال: (مَهْلًا يَا قَوْمُ! بِهَذَا أُهْلِكَتِ الْأُمَمُ مِنْ قَبْلِكُمْ؛ بِاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، وَضَرْبِهِمُ الْكُتُبَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ، إِنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، بَلْ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَمَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ، فَاعْمَلُوا بِه، وَمَا جَهِلْتُمْ مِنْهُ، فَرُدُّوهُ إِلَى عَالِمِهِ) (٢). التحدثُ بكلِّ مسموعٍ: وفي إطلاقِ اللِّسانِ بالأخبارِ آثامٌ لا تُحصى؛ لفتنةِ الناسِ بعضِهِمْ ببعضٍ، وبثِّ الخوفِ أو الجُبْنِ أو التسبُّبِ في رُكُونِهِمْ إلى الدُّنيا والافتتانِ بها؛ ففي "السُّننِ"، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ؛ قال: (كَفَى بِالمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ) (٣)، وأخرَجَهُ مسلمٌ في مقدِّمةِ "صحيحِه" (٤).

стр. 908

وفي هذه الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ المُنافِقَ همُّهُ سلامةُ نفسِهِ ومالِهِ وأهلِه، ولا يَعْنِيهِ مِن الأخبارِ ما يُضِرُّ بالأُمَّةِ ويُفسِدُها؛ فإنَّ الآيةَ في سياقِ الأخبارِ المتعلِّقةِ بمصالِحِ الأُمَّةِ ومَضَارِّها، فمِن علامةِ المؤمنِ: اهتمامُهُ بأمرِ أمَّتِهِ ولو تضرَّرَ في نفسِه لأجلِها، ومِن علامةِ المنافِقِ: اهتمامُهُ بأمرِ نفسِهِ ولو تضرَّرَتْ أُمَّتُهُ لأجلِها. والخطابُ في هذه الآيةِ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ لأهلِ الإيمانِ كما هو ظاهرٌ؛ قال ابنُ عبَّاسٍ: "فانقطَعَ الكلامُ؛ فهو في أولِ الآيةِ يُخبِرُ عن المُنافِقينَ"؛ رواهُ عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ (١). وقولُه: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ يعني بالقليلِ: أهلَ الإيمانِ؛ كما رواهُ عليٌّ، عن ابنِ عبَّاسٍ (٢). * * * * قال تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ [النساء: ٨٤]. والخِطَابُ في ذلك للنبيِّ ﷺ ؛ فالإنسانُ مرهونٌ بعملِه مكلَّفٌ به، وهذا إنْ كان للنبيِّ فهو لغيرِه مِن بابِ أَوْلى: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾. وقِولُه: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ يعني: عِظْهُم وحُضَّهُم على اتِّباعِ أمرِ اللهِ واجتنابِ نَهْيِه.

стр. 909

فالإنسانُ مُحاسَبٌ على ما يَقْدِرُ عليه ويختارُهُ، لا على اختيارِ غيرِه؛ ولهذا كان على النبيِّ ﷺ البلاغُ؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [النور: ٥٤، والعنكبوت: ١٨]، وهو المعنى هنا ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولمَّا كان لا يَملِكُ تصرُّفًا إلَّا بجوارِحِه، قال له: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾، وأمَّا هدايةُ التوفيقِ والتسديد، فعلى اللهِ. مخالَفَةُ الناسِ للحقِّ، والغربةُ فيه: وفي هذا: بقاءُ الإنسانِ على الحقِّ ولو كان وحدَهُ، وقيامُهُ بأمرِ اللهِ ولو خالَفَهُ الناسُ، ولا يكونُ إِمَّعَةً يَتْبَعُ الكثرةَ والعامَّةَ، فالهلاكُ بتركِ الحقِّ لا بتركِ الناسِ؛ وقد روى أحمدُ، عن أبي إسحاقَ؛ قال: "قُلْتُ لِلْبَرَاءِ: الرَّجُلُ يَحْمِلُ عَلَى المُشْرِكِينَ، أَهُوَ مِمَّنْ أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ؟ قَالَ: لَا؛ لأَنَّ اللهَ بَعَثَ رَسُولَهُ ﷺ ؛ فَقَالَ: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾، إِنَّمَا ذَاكَ فِي النَّفَقَةِ" (١). ومِن التحريضِ للمؤمنينَ في قولِه: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: وَعْظُهُمْ بفضلِ عملِهم وفضلِ الجهادِ والمُجاهِدينَ، وبيانٌ الأدلةِ في ذلك مِن الكتابِ والسُّنَّةِ؛ كما كان النبيُّ ﷺ يستحثُّ الصحابةَ والتابِعينَ على القتالِ ببيانِ فضلِهِمْ في القرآنِ والسُّنَّةِ؛ تثبيتًا وربطًا على قلوبِهم. وقولُه تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ هذا وعدٌ مِن اللهِ أنَّ مَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ وسبيلَهُ، كَفَّ عنه بأسَ عدوِّه، ونَصَرَهُ عليه، و (عسى) في القرآنِ تعني التحقيقَ؛ كما قال ابنُ عبَّاسٍ: " (عسى) مِن اللهِ واجبٌ"؛ رواهُ عليٌّ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ (٢).

стр. 910

أثَرُ استحضارِ عَظَمَةِ اللهِ وقوَّتهِ عند لقاءِ العدوِّ: وفي هذه الآيةِ: إرشادٌ مِن اللهِ لنبيِّه وللمؤمنينَ أنْ يَستحضِرُوا قوةَ اللهِ عندَ قوةِ العدوِّ، وَيستحضِرُوا هيبةَ اللهِ عندَ هيبةِ العدوِّ، وعزةَ اللهِ عندَ عزةِ العدوِّ، وعندَ كلِّ صفةِ قوةٍ وتمكينٍ فيهم أنْ يَستحضِرُوا أنَّ للهِ فيها الكمالَ المُطلَقَ؛ حتى لا يَضْعُفُوا ويَجْبُنُوا ويَنْتَكِسُوا؛ فقال: ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾؛ يعني: لا تُرْهِبْكُمُ قوةُ العدوِّ؛ فاللهُ أَقْوَى وأشَدُّ. * * * * قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥]. المرادُ بالشفاعةِ: أنْ يُضافَ إلى الفَرْدِ مِثلُهُ وأضعافُ ذلك لِيَعْضُدُوهُ فيما يَرْجُوهُ، وغلَبَ استعمالُهُ على ما يَقبَلُ القِسْمةَ بلا كسرٍ مِن الاثنينِ والأربعة، والستةِ والثمانية، وتُسمَّى الأعدادَ الزوجيَّةَ، ولكنَّها هنا أوسَعُ؛ فالمرادُ بالشفاعةِ: ما ليس بواحدٍ، فلو اعتضَدَ الفردُ الواحدُ باثنَيْنِ لِيُعِينُوهُ، عُدَّتْ شفاعةً ولو كانوا جميعًا ثلاثةً باعتبارِ النِّسْبةِ إلى الفردِ، فهم في حُكْمِ الجهةِ الواحِدةِ، وصاحبُ الحاجةِ جهةٌ أُخرى، فجهةٌ اعتضَدَتْ بجهةٍ ولو كان عددُها فردًا، فيأتي المحتاجُ بواحدٍ أو اثنَيْنِ أو ثلاثةٍ أو أكثَرَ، فيقولُ: أستشفعُ بهم عندَ سُلْطانٍ أو غنيٍّ في كذا وكذا. الشفاعةُ وفضلُهَا: والمرادُ بالشفاعةِ في الآيةِ: شفاعةُ الناسِ بعضِهم لبعضٍ، كما قاله مجاهدٌ وغيرُه (١).

стр. 911

وفي الشفاعةِ: إعانةٌ لمَن قَصُرَتْ أسبابُه عن الوصولِ إلى مرادِه، وفي ذلك أجرٌ؛ وفي "الصحيحَيْنِ"؛ قال ﷺ : (اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ)؛ أخرَجَاهُ مِن حديثِ أبي موسى (١). وهو المرادُ بقولِهِ تعالى: ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾. والشفاعةُ تكونُ في الخيرِ وفي الشرِّ، والمرادُ بالكِفْلِ: (الحَظُّ)، وحظُّه في شفاعةِ الحرامِ: (الإثمُ). ويُؤجَرُ الشافعُ في الخيرِ ببذلِ الشفاعةِ ولو لم يتحقَّقْ خيرٌ أو يُدفَعْ شرٌّ، ويَأْثَمُ الشافعُ في الشرِّ ولو لم يتحقَّقْ شرٌّ أو يُدفَعْ خيرٌ؛ لأنَّ الشفاعةَ عملٌ يُحاسَبُ الإنسانُ على بَذْلِه، ثمَّ يكونُ الأجرُ والوِزْرُ بمقدارِ ما يجعَلُهُ اللهُ مِن آثارِ عَمَلِه. الشفاعةُ الحسنةُ: والشفاعةُ الحسنةُ: هي التي يُجلَبُ بها الحقُّ، ويُرفَعُ بها الظُّلْمُ، ويجبُ على الشافعِ أنْ يُبصِرَ فيما يَشفَعُ وما يَرفَعُ وما يَضَعُ؛ حتى لا يَرفَعَ شرًّا عن أحدٍ فيُوضَعَ على غيرِهِ ممَّن لا يستحقُّهُ، وَيجلِبَ خيرًا لأحدٍ بأخذِه ممَّن يستحقُّه، فلا يجوزُ له إنْ تضرَّرَ أحدٌ بشفاعتِهِ أنْ يَشفَعَ. أخذُ الأجرِ على الشَّفَاعَةِ: والشفاعةُ زكاةُ الجَاهِ؛ كما أنَّ زكاةَ المالِ النفقةُ، ويبذُلُ الشفاعةَ صاحبُ الجاهِ ولو كان قليلًا، سواءٌ كان جاهُهُ لسُلْطانِهِ أو عِلْمِهِ أو حَسَبِهِ أو نَسَبِه، ولا يجوزُ أخذُ أجرةٍ على الشفاعةِ؛ لأنَّ الشفاعةَ أخذُ حقِّ يستحقُّهُ صاحبُهُ، أو رفعُ ظلمٍ يجبُ أنْ يُرفَعَ عنه، وأخذُ المالِ على ذلك تعطيلٌ للحقوقِ ألَّا تتحصَّلَ إلَّا بدفعِ المالِ لذوي الجاه، وألَّا تُرفَعَ

стр. 912

المظالِمُ عن الناسِ إلا بدفعِ المالِ لذوي الجاهِ؛ فيَعُمَّ الفسادُ، وتنتشِرَ الرِّشْوةُ، أو تتعطَّلَ الحقوقُ؛ حتى يبلُغَ الأمرُ بأنْ تُنزَلَ المظالِمُ، وتُقطَعَ السُّبُلُ، وتُؤخَذَ الحقوقُ ولا تُعادَ إلا بالمالِ؛ فيُروى في "المسندِ"، وعندَ أبي داودَ؛ مِن حديثِ القاسِم، عن أبي أُمَامَةَ؛ قال ﷺ : (مَنْ شَفَعَ لِأَحَدٍ شَفَاعَةً، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً فَقبِلَهَا، فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنَ الرِّبَا) (١). تفرَّدَ به القاسمُ بنُ عبدِ الرحمنِ صاحبُ أبي أُمامةَ، عن أبي أمامةَ، ولا يُعرَفُ إلا مِن طريقِه، وقد رواهُ عبيدُ اللهِ بنُ أبي جعفر، عن خالدِ بنِ أبي عِمرانَ، عن القاسِم، به. وقال أحمدُ في عُبَيْدِ اللهِ مرةً: ضعيفٌ، وفي أُخرى قال: لا بأسَ به (٢). ولكنَّ فتوى الصحابةِ عليه؛ فقد صحَّ عن ابنِ مسعودٍ وأبي مسعودٍ وغيرِهما، روى أبو الضُّحَا؛ "أنَّ مسروقًا شفَعَ لرجلٍ بشفاعةٍ، فأَهْدَى له جاريةً، فغَضِبَ، وقال: لو عَلِمْتُ أنَّ هذا في نَفْسِكَ ما تَكَلَّمْتُ فيها، ولا أتكلَّمُ فيما بَقِيَ منها أبدًا! سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ يقولُ: مَنْ شَفَعَ شَفَاعَةً لِيَرُدَّ بِهَا حَقًّا، أَوْ يَرْفَعَ بِهَا ظُلْمًا، فَأُهْدِيَ لَهُ فَقَبِلَ، فَهُوَ سُحْتٌ، قالوا: ما كنَّا نرَى السُّحْتَ إلا الأخذَ على الحُكْمِ! قال: الأَخْذُ عَلَى الحُكْمِ كُفْرٌ"؛ رواهُ الطبريُّ وغيرُه (٣). ومَن اشترَطَ مالًا على شفاعتِه، استعجَلَ أجْرَهُ في دُنْياهُ مع إثمِهِ على ما أخَذَ؛ فروى ابنُ سِيرِينَ؛ قال: "جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إِلَى أَهْلِهِ فَإذَا هَدِيَّةٌ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: الَّذِي شَفَعْتَ لَهُ، فَقَالَ: أَخْرِجُوهَا، أَتَعَجَّلُ أَجْرَ شَفَاعَتِي فِي الدُّنْيَا؟ ! "؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي شَيْبةَ (٤).

стр. 913

لأنَّ إعادةَ الحقوقِ فرضٌ على القادِرِ مِن الأُمَّة، ويقومُ بها مَن يَكفي إنْ وُجِدَ عن بقيَّتِهم، وإلَّا أَثِمَ القادرونَ جميعًا، وأخذُ الهديَّةِ على الشفاعةِ في أخذِ الحقِّ ورفعِ الظُّلْمِ: رِشْوةٌ. وربَّما أطلَقَ بعضُ الفقهاءِ الجوازَ مُخالِفًا إجماعَ السلفِ في هذا النوعِ، فلو جاز أخذُ العطاء على هذا النوعِ مِن الشفاعة، بُذِلَتِ الشفاعةُ لِمَنْ لا يستحِقُّها، واشتراها أَقْدَرُهُمْ على دفعِ المال، وتَعَطَّلَتْ عن أهلِها ومستَحِقِّيها، بل مُقتضَى ذلك: جوازُ الشفاعةِ في أخذِ الزكاةِ لمستحِقِّيها، وكذلك الفيءُ وإقطاعُ الأرض، وبهذا يفسُدُ أهلُ الجاهِ وتَضِيعُ الحقوقُ عندَ الأمراءِ. دفعُ الضَّرَرِ بالمالِ: ومَن عجَزَ عن رَفْعِ الظُّلْمِ عن نفسِهِ أو أخذِ حقِّه، ولم يَجِدْ شافعًا إلَّا بالمال، جاز منه، وحَرُمَ على الشافعِ؛ ففي "المسنَدِ"، عن عمرَ ﵁؛ قال ﷺ : (أَمَا وَالله، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيُخْرِجُ مَسْأَلتَهُ مِنْ عِنْدِي يَتَأَبَّطُهَا)؛ يَعْنِي: تَكُونُ تَحْتَ إِبْطِهِ؛ يَعْنِي: نَارًا، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ الله، لِمَ تُعْطِيهَا إِيَّاهُمْ؟ قَالَ: (فَمَا أَصْنَعُ؟ يَأْبَوْنَ إِلَّا ذَاكَ، وَيَأْبى اللهُ لِي الْبُخْلَ! ) (١). الفرقُ بين الجعالةِ والشفاعةِ: والفرقُ بينَ الشفاعةِ والجِعَالَةِ: أنَّ الشفاعةَ تُبذَلُ بالجاهِ لا بمجرَّدِ العملِ، والجِعَالةَ بالعملِ ولو مِن كلِّ أحدٍ، ولو تَبعَ ذلك شيءٌ مِن الجاهِ غيرِ المقصودِ بِذَاتِه، فالجِعَالةُ: عملٌ يقومُ به كلُّ أحدٍ ويمتازُ به أهلُ الخِبْرةِ ويشترِكونَ فيه، وأمَّا الشفاعةُ: فيختصُّ بها أهلُ الجاه، ولا يقومُ بها كلُّ أحدٍ بعملِهِ ولو كان خبيرًا، وأمَّا الخبيرُ الذي اكتسَبَ الخِبْرةَ بعَمَلِه؛ كالخِرِّيتِ الذي يَعرِفُ الطريقَ ومسالِكَ السلامةِ وطُرُقَ الهلاكِ

стр. 914

وجِهاتِ الأرض، فهذا يُستأجَرُ بالمالِ؛ لأنَّه استُؤجِرَ لخِبْرتِهِ لا لجاهِه، فالجاهُ لا يَلزَمُ معه عملٌ أو خِبْرةٌ. وإنْ تَبعَ الجِعَالةَ جاهٌ على سبيلِ التَّبَعِ لا الاستقلال، لم يَضُرَّ، وجاز أخذُ العِوَضِ. والجاهُ نِعْمةٌ مِن اللهِ ومِنَّةٌ، فالأخذُ به دنيا يُفسِدُ رؤوسَ الأُمَّةِ ووُجَهَاءَها، ويَحبِسُونَ الحقوقَ بانتظارِ المالِ، ويُعَطِّلُهُمْ عنِ التكسُّبِ مع عمومِ الناس، فيَكِلُهُمْ إلى التكسُّبِ بالجاهِ لا بعملِ اليدِ. وهذا لا يُعارِضُ ما جاء في حديثِ ابنِ عمرَ في "المسنَدِ"، و"السُّننِ": (مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا، فَكَافِئُوهُ) (١). فإنَّ هذا في باذِلِ الخيرِ والإحسانِ مِن غيرِ إعادةِ حقٍّ أو رفعِ ظُلْمٍ؛ كمَن أعانَ على حَمْلِ المتاع، أو إيجادِ ضالَّةٍ، أو الإمساكِ بدابَّةٍ نادَّةٍ، ونحوِ هذا. وقولُه تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾: المُقِيتُ في الآيةِ: الحَفِيظُ؛ قاله ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه (٢). واللهُ أعلَمُ. * * * * قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦]. قولُه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾: التحيَّةُ مشتقَّةٌ مِن الحياة، وفي هذا مِن

стр. 915

المعنى: أنَّ الحياةَ لا تَكتمِلُ إلا ببَذْلِ أسبابِ الأمانِ والمَوَدَّةِ؛ فإنَّ الخوفَ يُضْعِفُها، وربَّما يُزِيلُها بالقتلِ. التوسعةُ في معنى التحيَّةِ: وفي قولِهِ تعالى: ﴿حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ إشارةٌ إلى التَّوْسِعةِ في أمرِ التحيَّةِ؛ في صِفَتِها وألفاظِها، على ما يتعارَفُ عليه الناسُ؛ بحسَبِ لُغَاتِهِمْ وبُلْدانِهم؛ فالآيةُ أصلٌ في جوازِ صِيَغِ التحيَّةِ، ولو كانتِ التحيَّةُ هي لفْظَ السلامِ فقط، لَذَكَرَهَا، ولكنَّ المرادَ بالتحيَّةِ بَذْلُ السلامِ وما في حُكْمِهِ مِن الألفاظِ؛ كالتحيَّةِ بمَرْحَبًا وأهلًا، وكذلك ما في حُكْمِهِ مِن الأفعالِ؛ كالإشارةِ باليد، والتلويحِ بالثوبِ والراية، وغيرِ ذلك ممَّا يُشعِرُ بالسلامِ والأمانِ والإيناسِ. أفضلُ أنواعِ التحيَّةِ: وأفضَلُ التحيَّةِ: السلامُ؛ لأنَّها تحيَّةُ أهلِ الجنةِ؛ كما في قولِه تعالى في سورةِ يُونُسَ وإبراهيمَ: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [يونس: ١٠]، ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣]، وفي الأحزابِ قال: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]. روى سعيدٌ، عن قتادةَ؛ قال: "تَحِيَّةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ السَّلَامُ" (١). وهي التحيَّةُ الأُولى بينَ الملائكةِ وآدمَ وبَنِيهِ وبينَ بني آدمَ بعضِهم مع بعضٍ؛ لِما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي هُرَيْرةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِه، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ، قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ، وَهُمْ نَفَرٌ مِنَ المَلَائِكَةِ جُلُوسٌ، فَاسْتَمِعْ مَا يُجِيبُونَكَ؛ فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، قَالَ: فَذَهَبَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ الله، قَالَ: فَزَادُوهُ:
следующие страницы →