← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وفي الشفاعةِ: إعانةٌ لمَن قَصُرَتْ أسبابُه عن الوصولِ إلى مرادِه، وفي ذلك أجرٌ؛ وفي "الصحيحَيْنِ"؛ قال ﷺ : (اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ)؛ أخرَجَاهُ مِن حديثِ أبي موسى (١). وهو المرادُ بقولِهِ تعالى: ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾. والشفاعةُ تكونُ في الخيرِ وفي الشرِّ، والمرادُ بالكِفْلِ: (الحَظُّ)، وحظُّه في شفاعةِ الحرامِ: (الإثمُ). ويُؤجَرُ الشافعُ في الخيرِ ببذلِ الشفاعةِ ولو لم يتحقَّقْ خيرٌ أو يُدفَعْ شرٌّ، ويَأْثَمُ الشافعُ في الشرِّ ولو لم يتحقَّقْ شرٌّ أو يُدفَعْ خيرٌ؛ لأنَّ الشفاعةَ عملٌ يُحاسَبُ الإنسانُ على بَذْلِه، ثمَّ يكونُ الأجرُ والوِزْرُ بمقدارِ ما يجعَلُهُ اللهُ مِن آثارِ عَمَلِه. الشفاعةُ الحسنةُ: والشفاعةُ الحسنةُ: هي التي يُجلَبُ بها الحقُّ، ويُرفَعُ بها الظُّلْمُ، ويجبُ على الشافعِ أنْ يُبصِرَ فيما يَشفَعُ وما يَرفَعُ وما يَضَعُ؛ حتى لا يَرفَعَ شرًّا عن أحدٍ فيُوضَعَ على غيرِهِ ممَّن لا يستحقُّهُ، وَيجلِبَ خيرًا لأحدٍ بأخذِه ممَّن يستحقُّه، فلا يجوزُ له إنْ تضرَّرَ أحدٌ بشفاعتِهِ أنْ يَشفَعَ. أخذُ الأجرِ على الشَّفَاعَةِ: والشفاعةُ زكاةُ الجَاهِ؛ كما أنَّ زكاةَ المالِ النفقةُ، ويبذُلُ الشفاعةَ صاحبُ الجاهِ ولو كان قليلًا، سواءٌ كان جاهُهُ لسُلْطانِهِ أو عِلْمِهِ أو حَسَبِهِ أو نَسَبِه، ولا يجوزُ أخذُ أجرةٍ على الشفاعةِ؛ لأنَّ الشفاعةَ أخذُ حقِّ يستحقُّهُ صاحبُهُ، أو رفعُ ظلمٍ يجبُ أنْ يُرفَعَ عنه، وأخذُ المالِ على ذلك تعطيلٌ للحقوقِ ألَّا تتحصَّلَ إلَّا بدفعِ المالِ لذوي الجاه، وألَّا تُرفَعَ

стр. 912

المظالِمُ عن الناسِ إلا بدفعِ المالِ لذوي الجاهِ؛ فيَعُمَّ الفسادُ، وتنتشِرَ الرِّشْوةُ، أو تتعطَّلَ الحقوقُ؛ حتى يبلُغَ الأمرُ بأنْ تُنزَلَ المظالِمُ، وتُقطَعَ السُّبُلُ، وتُؤخَذَ الحقوقُ ولا تُعادَ إلا بالمالِ؛ فيُروى في "المسندِ"، وعندَ أبي داودَ؛ مِن حديثِ القاسِم، عن أبي أُمَامَةَ؛ قال ﷺ : (مَنْ شَفَعَ لِأَحَدٍ شَفَاعَةً، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً فَقبِلَهَا، فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنَ الرِّبَا) (١). تفرَّدَ به القاسمُ بنُ عبدِ الرحمنِ صاحبُ أبي أُمامةَ، عن أبي أمامةَ، ولا يُعرَفُ إلا مِن طريقِه، وقد رواهُ عبيدُ اللهِ بنُ أبي جعفر، عن خالدِ بنِ أبي عِمرانَ، عن القاسِم، به. وقال أحمدُ في عُبَيْدِ اللهِ مرةً: ضعيفٌ، وفي أُخرى قال: لا بأسَ به (٢). ولكنَّ فتوى الصحابةِ عليه؛ فقد صحَّ عن ابنِ مسعودٍ وأبي مسعودٍ وغيرِهما، روى أبو الضُّحَا؛ "أنَّ مسروقًا شفَعَ لرجلٍ بشفاعةٍ، فأَهْدَى له جاريةً، فغَضِبَ، وقال: لو عَلِمْتُ أنَّ هذا في نَفْسِكَ ما تَكَلَّمْتُ فيها، ولا أتكلَّمُ فيما بَقِيَ منها أبدًا! سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ يقولُ: مَنْ شَفَعَ شَفَاعَةً لِيَرُدَّ بِهَا حَقًّا، أَوْ يَرْفَعَ بِهَا ظُلْمًا، فَأُهْدِيَ لَهُ فَقَبِلَ، فَهُوَ سُحْتٌ، قالوا: ما كنَّا نرَى السُّحْتَ إلا الأخذَ على الحُكْمِ! قال: الأَخْذُ عَلَى الحُكْمِ كُفْرٌ"؛ رواهُ الطبريُّ وغيرُه (٣). ومَن اشترَطَ مالًا على شفاعتِه، استعجَلَ أجْرَهُ في دُنْياهُ مع إثمِهِ على ما أخَذَ؛ فروى ابنُ سِيرِينَ؛ قال: "جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إِلَى أَهْلِهِ فَإذَا هَدِيَّةٌ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: الَّذِي شَفَعْتَ لَهُ، فَقَالَ: أَخْرِجُوهَا، أَتَعَجَّلُ أَجْرَ شَفَاعَتِي فِي الدُّنْيَا؟ ! "؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي شَيْبةَ (٤).

стр. 913

لأنَّ إعادةَ الحقوقِ فرضٌ على القادِرِ مِن الأُمَّة، ويقومُ بها مَن يَكفي إنْ وُجِدَ عن بقيَّتِهم، وإلَّا أَثِمَ القادرونَ جميعًا، وأخذُ الهديَّةِ على الشفاعةِ في أخذِ الحقِّ ورفعِ الظُّلْمِ: رِشْوةٌ. وربَّما أطلَقَ بعضُ الفقهاءِ الجوازَ مُخالِفًا إجماعَ السلفِ في هذا النوعِ، فلو جاز أخذُ العطاء على هذا النوعِ مِن الشفاعة، بُذِلَتِ الشفاعةُ لِمَنْ لا يستحِقُّها، واشتراها أَقْدَرُهُمْ على دفعِ المال، وتَعَطَّلَتْ عن أهلِها ومستَحِقِّيها، بل مُقتضَى ذلك: جوازُ الشفاعةِ في أخذِ الزكاةِ لمستحِقِّيها، وكذلك الفيءُ وإقطاعُ الأرض، وبهذا يفسُدُ أهلُ الجاهِ وتَضِيعُ الحقوقُ عندَ الأمراءِ. دفعُ الضَّرَرِ بالمالِ: ومَن عجَزَ عن رَفْعِ الظُّلْمِ عن نفسِهِ أو أخذِ حقِّه، ولم يَجِدْ شافعًا إلَّا بالمال، جاز منه، وحَرُمَ على الشافعِ؛ ففي "المسنَدِ"، عن عمرَ ﵁؛ قال ﷺ : (أَمَا وَالله، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيُخْرِجُ مَسْأَلتَهُ مِنْ عِنْدِي يَتَأَبَّطُهَا)؛ يَعْنِي: تَكُونُ تَحْتَ إِبْطِهِ؛ يَعْنِي: نَارًا، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ الله، لِمَ تُعْطِيهَا إِيَّاهُمْ؟ قَالَ: (فَمَا أَصْنَعُ؟ يَأْبَوْنَ إِلَّا ذَاكَ، وَيَأْبى اللهُ لِي الْبُخْلَ! ) (١). الفرقُ بين الجعالةِ والشفاعةِ: والفرقُ بينَ الشفاعةِ والجِعَالَةِ: أنَّ الشفاعةَ تُبذَلُ بالجاهِ لا بمجرَّدِ العملِ، والجِعَالةَ بالعملِ ولو مِن كلِّ أحدٍ، ولو تَبعَ ذلك شيءٌ مِن الجاهِ غيرِ المقصودِ بِذَاتِه، فالجِعَالةُ: عملٌ يقومُ به كلُّ أحدٍ ويمتازُ به أهلُ الخِبْرةِ ويشترِكونَ فيه، وأمَّا الشفاعةُ: فيختصُّ بها أهلُ الجاه، ولا يقومُ بها كلُّ أحدٍ بعملِهِ ولو كان خبيرًا، وأمَّا الخبيرُ الذي اكتسَبَ الخِبْرةَ بعَمَلِه؛ كالخِرِّيتِ الذي يَعرِفُ الطريقَ ومسالِكَ السلامةِ وطُرُقَ الهلاكِ

стр. 914

وجِهاتِ الأرض، فهذا يُستأجَرُ بالمالِ؛ لأنَّه استُؤجِرَ لخِبْرتِهِ لا لجاهِه، فالجاهُ لا يَلزَمُ معه عملٌ أو خِبْرةٌ. وإنْ تَبعَ الجِعَالةَ جاهٌ على سبيلِ التَّبَعِ لا الاستقلال، لم يَضُرَّ، وجاز أخذُ العِوَضِ. والجاهُ نِعْمةٌ مِن اللهِ ومِنَّةٌ، فالأخذُ به دنيا يُفسِدُ رؤوسَ الأُمَّةِ ووُجَهَاءَها، ويَحبِسُونَ الحقوقَ بانتظارِ المالِ، ويُعَطِّلُهُمْ عنِ التكسُّبِ مع عمومِ الناس، فيَكِلُهُمْ إلى التكسُّبِ بالجاهِ لا بعملِ اليدِ. وهذا لا يُعارِضُ ما جاء في حديثِ ابنِ عمرَ في "المسنَدِ"، و"السُّننِ": (مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا، فَكَافِئُوهُ) (١). فإنَّ هذا في باذِلِ الخيرِ والإحسانِ مِن غيرِ إعادةِ حقٍّ أو رفعِ ظُلْمٍ؛ كمَن أعانَ على حَمْلِ المتاع، أو إيجادِ ضالَّةٍ، أو الإمساكِ بدابَّةٍ نادَّةٍ، ونحوِ هذا. وقولُه تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾: المُقِيتُ في الآيةِ: الحَفِيظُ؛ قاله ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه (٢). واللهُ أعلَمُ. * * * * قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦]. قولُه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾: التحيَّةُ مشتقَّةٌ مِن الحياة، وفي هذا مِن

стр. 915

المعنى: أنَّ الحياةَ لا تَكتمِلُ إلا ببَذْلِ أسبابِ الأمانِ والمَوَدَّةِ؛ فإنَّ الخوفَ يُضْعِفُها، وربَّما يُزِيلُها بالقتلِ. التوسعةُ في معنى التحيَّةِ: وفي قولِهِ تعالى: ﴿حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ إشارةٌ إلى التَّوْسِعةِ في أمرِ التحيَّةِ؛ في صِفَتِها وألفاظِها، على ما يتعارَفُ عليه الناسُ؛ بحسَبِ لُغَاتِهِمْ وبُلْدانِهم؛ فالآيةُ أصلٌ في جوازِ صِيَغِ التحيَّةِ، ولو كانتِ التحيَّةُ هي لفْظَ السلامِ فقط، لَذَكَرَهَا، ولكنَّ المرادَ بالتحيَّةِ بَذْلُ السلامِ وما في حُكْمِهِ مِن الألفاظِ؛ كالتحيَّةِ بمَرْحَبًا وأهلًا، وكذلك ما في حُكْمِهِ مِن الأفعالِ؛ كالإشارةِ باليد، والتلويحِ بالثوبِ والراية، وغيرِ ذلك ممَّا يُشعِرُ بالسلامِ والأمانِ والإيناسِ. أفضلُ أنواعِ التحيَّةِ: وأفضَلُ التحيَّةِ: السلامُ؛ لأنَّها تحيَّةُ أهلِ الجنةِ؛ كما في قولِه تعالى في سورةِ يُونُسَ وإبراهيمَ: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [يونس: ١٠]، ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣]، وفي الأحزابِ قال: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]. روى سعيدٌ، عن قتادةَ؛ قال: "تَحِيَّةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ السَّلَامُ" (١). وهي التحيَّةُ الأُولى بينَ الملائكةِ وآدمَ وبَنِيهِ وبينَ بني آدمَ بعضِهم مع بعضٍ؛ لِما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي هُرَيْرةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِه، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ، قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ، وَهُمْ نَفَرٌ مِنَ المَلَائِكَةِ جُلُوسٌ، فَاسْتَمِعْ مَا يُجِيبُونَكَ؛ فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، قَالَ: فَذَهَبَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ الله، قَالَ: فَزَادُوهُ:

стр. 916

وَرَحْمَةُ اللهِ) (١). وهي التحيَّةُ في الآخِرةِ وفي الجنَّةِ؛ كما سبَقَ، وكما في قولِهِ تعالى في سورةِ الفُرْقانِ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ [٧٥]، وهي تحيَّةُ الملائكةِ لبَنِي آدمَ في الدُّنيا؛ كما في "الصحيحِ"، عن عائشةَ ﵂؛ قالتْ: قال رسولُ اللهِ ﷺ يومًا: (يَا عَائِشُ، هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ)، فَقُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، تَرَى مَا لَا أَرَى (٢). والتحيَّةُ مِن الملائكةِ هي للمؤمنينَ مِن بَني آدمَ لا لغيرِهم؛ كما هو في ظاهِرِ الآياتِ في الدُّنيا، وعندَ قبضِ أرواحِهم؛ كما في قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل: ٣٢]. وقد روى ابنُ أبي شيبةَ والحاكِمُ؛ مِن حديثِ محمَّدِ بنِ مالكٍ، عن البَرَاءِ بنِ عازِبٍ: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]؛ قَالَ: "يَوْمَ يَلْقَوْنَ مَلَكَ المَوْتِ لَيْسَ مِنْ مُؤْمِنٍ يَقْبِضُ رُوحَهُ إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ" (٣). وبها يُحَيَّوْنَ عندَ دخولِ الجنةِ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، وهي كذلك تحيَّتُهم فيما بينَهُمْ في الجنةِ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣]. وحُكِيَ عن مالكٍ حَمْلُ الآيةِ في البابِ: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ على كلِّ ما يُتبادَلُ مِن اثنَيْنِ مِن دعاءٍ وذِكْرٍ، ومنه تَشْمِيتُ العاطِسِ، وردُّ المُشَمِّتِ عليه.

стр. 917

ونُسِبَ إليه إدخالُ الهديَّةِ في معنى التحيَّةِ وحُكْمِها، ولعلَّ العِلَّةَ في ذلك: ما في الهديَّةِ مِن معنى المحبَّة، وبها يتحقَّقُ الأمانُ والإيناسُ، وهذا المعنى موجودٌ في التحيَّةِ القوليَّةِ. وقد ذهَبَ ابنُ عُيَيْنَةَ: إلى أوسَعَ ممَّا ذهَبَ إليه مالكٌ؛ فجعَلَ التحيَّةَ كلَّ معروفٍ يُبذَلُ ورَدَّهُ بالشكرِ عليه قولًا وعملًا. والظاهرُ: أنَّ الهديَّةَ وتشميتَ العاطسِ يَدْخُلانِ في العلةِ، وهي الأمانُ والإيناسُ، لا في حُكْمِ التحيَّةِ وفضلِها؛ فإنَّ التحيَّةَ إذا أُطلِقتْ يُرادُ بها السلامُ وما في حُكْمِهِ مِن الألفاظِ والإشارةِ؛ وذلك لقولِهِ تعالى في سورةِ النورِ: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [٦١]. التحيَّةُ بغيرِ السلامِ: ومَن بذَلَ التحيَّةَ بغيرِ السلام، جاز وقد ترَكَ الأفضلَ؛ فأفضَلُ التحيَّةِ السلامُ، وتصحُّ تحيَّةُ الأعجميِّ المُسلِمِ بلُغَتِهِ التي يَفهَمُها إذا لم يَعرِفْ معنى السلامِ. وهذه الآيةُ: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ ظاهرةٌ في حكايةِ البَدَاءَةِ بالتحيَّةِ وآمِرَةٌ بالردِّ عليها، وهي مُشعِرةٌ بأنَّ الردَّ آكَدُ مِن البَدَاءَة، ولا خلافَ أنَّ ردَّ السلامِ آكَدُ مِن بَذْلِه. حُكْم ردِّ التَّحيَّةِ: وردُّ السلامِ واجبٌ بلا خلافٍ، إلَّا مَن هُجِرَ بموجِبٍ شرعيٍّ؛ فيجوزُ عدمُ ردِّ السلامِ عليه إذا سَلَّمَ، ووجوبُ ردِّ السلامِ ظاهرٌ في الآيةِ مِن قولِه تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. حكمُ بذلِ التحيَّةِ: واختُلِفَ في بَذْلِ التحيَّةِ - ومنها السلامُ - ابتداءً، على قولَيْنِ:

стр. 918

- قيل بالوجوبِ. - وقيل بالسُّنِّيَّةِ؛ وحكى ابن عبدِ البَرِّ الإجماعَ عليه. والأظهَرُ: التفصيلُ والتفريقُ بينَ: - المَجَالِسِ التي اعتاد الإنسانُ دخولَها وغِشْيانَها ورؤيةَ أهلِها كلَّ يومٍ. - وبينَ المَجَالِسِ التي لا يَغْشَاها إلَّا لِمَامًا أو نادرًا، أو لم يَدخُلْها إلا مرةً؛ ففي الأخيرةِ يجبُ، وكلَّما اعتاد الإنسانُ دخولَ مكانٍ، خَفَّ الأمرُ عليه؛ لأنَّ عِلةَ السلامِ الأمانُ والإيناسُ وبذلُ المودَّة، ولا تُوجَدُ في المجالسِ والدُّورِ التي لا يَغْشاها الإنسانُ إلا نادرًا أو لم يَدخلْها مِن قبلُ، حتى قال بعضُ السلفِ بوجوبِ التحيَّةِ حتى في دُخولِ الرجُلِ بيتَهُ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]، سواءٌ كان الدخولُ في بيوتِ الأهلِ أو بيوتِ الأرحامِ أو الأَبعَدِينَ أو الأسواقِ. وذهَبَ إلى الوجوبِ بعضُ السلف، وقد روى أبو الزُّبَيْرِ؛ قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: إذا دخَلْتَ على أهلِكَ، فسَلِّمْ عليهم: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور ٦١]؛ قال: ما رأيتُه إلا يُوجِبُه؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ وغيرُه (١). ونَفَى عطاءٌ القولَ بالوجوبِ عن أحدٍ ممَّن سبَق؛ فقد روى ابنُ جُرَيْجٍ؛ قال: قلتُ لعطاءٍ: إذا خرَجْتُ، أواجبٌ السلامُ، هل أُسَلِّمُ عليهم؟ فإنَّما قال: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا﴾ [النور: ٦١]؟ قال: ما أعلَمُهُ واجبًا، ولا آثِرُ عن أحدٍ وجوبَةُ، ولكنْ أَحَبُّ إليَّ وما أَدَعُهُ إلَّا ناسيًا (٢).

стр. 919

ولعلَّ عطاءَ بنَ أبي رَبَاحٍ نَفَى العِلْمَ بوجوبِ بَذْلِ السلامِ عندَ دخولِ الببوتِ التي سبَقَ إليها الإيناسُ باعتيادِ الإنسانِ دخولَها والخروجَ منها، للصلواتِ الخمس، وللسُّوق، ولإجابةِ طارقِ البابِ، وقضاءِ حاجةِ المحتاجِ، وبذلِ السلامِ عندَ الدخولِ للبيتِ ولو لم يكن فيه أحدٌ: أنَّه لا يُوجِبُهُ أحدٌ. ويُؤيِّدُ هذا: روايةُ ابنِ جُرَيْجٍ الأُخرى؛ قال: قلتُ لعطاءٍ: فإنْ لم يكنْ في البيتِ أحدٌ؟ قال: سلِّمْ، قلِ: السلامُ على النبيِّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه، السلامُ علينا وعلى عِبادِ اللهِ الصالحِين، السلامُ على أهلِ البيتِ ورحمةُ الله، قلتُ له: قولُكَ هذا إذا دخَلْتَ بيتًا ليس فيه أحدٌ، عمَّن تَأْثِرُه؟ قال: سمعتُهُ ولم يُؤثَر لي عن أحدٍ (١). فابنُ جُرَيْجٍ وعطاءٌ يَعْنِيَانِ بعدمِ وجوبِ السلامِ: السلامَ الخاصَّ بالبيوتِ التي اعتاد الإنسانُ دخولَها لسبقِ الإيناسِ بينَة وبينَ أهلِها، ومِثلُ هذه الحالِ: الصحيحُ أنَّ السلامَ لا يجبُ بذلُهُ، وثَمَّةَ فرقٌ بينَ الدُّورِ والمجالسِ التي اعتاد الإنسانُ غِشْيانَها بكثرةٍ؛ كَبْيتِهِ ومسجدِه، فالأمرُ ببذلِ السلامِ فيها أخَفُّ وأيسَرُ مِن المجالسِ التي لا يدخُلُها الإنسانُ إلَّا لمامًا أو لم يدخُلْها مِن قبلُ؛ فالتحيَّةُ لابدَّ منها بأيِّ لفظٍ وصيغةٍ؛ وذلك لأنَّ التحيَّةَ إنَّما شُرِعَتْ لأجلِ الإيناس، وهو يُوجَدُ في بيتِ الرجلِ ولا يُوجدُ في الأبعَدِينَ، وحُكْمُ بذلِ التحيَّةِ مقترِنٌ مع وجودِ الإيناسِ وعدمِه. وحَمَلَ بعضُهم الردَّ بأحسَنَ منها في قولِهِ تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ على المؤمنينَ خاصَّةً؛ رواهُ سعيدٌ عن قتادةَ، وقال به عطاءٌ والحسنُ (٢).

стр. 920

ورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ عمومُ الردِّ في الكافرِ والمُسلِمِ؛ فقد روى عنه عِكرمةُ؛ قال: مَن سلَّمَ عليك مِن خَلْقِ الله، فرُدَّ عليه وإن كان مجوسيًّا (١). ابتداءُ الكافِرِ بالتحيَّةِ والسلامِ: ويجوزُ ابتداءُ الكافرِ بالتحيَّةِ بغيرِ السلامِ مُطْلَقًا؛ كمَرْحَبًا وأهلًا ونحوِ ذلك، والردُّ عليه بمِثْلِها بالعربيَّةِ أو بما يفهمُهُ مِن لُغَتِه. وأمَّا تحيةُ الكافرِ بالسلامِ ابتداءً، فلا تجوزُ؛ لأنَّها تحيةُ أهلِ الإسلام، وللنهيِ الواردِ في ذلك؛ كما صحَّ مِن حديثِ أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (لَا تَبْدَؤُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَام، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ في طَرِيقٍ، فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ)؛ رواهُ مسلمٌ (٢). وهو عامٌّ في كلِّ كافرٍ كتابيًّا وغيرَ كتابيٍّ، وقد جاء في روايةٍ لحديثِ أبي هريرةَ: (إِذَا لَقِيتُمُ المُشْرِكِينَ فِي طَرِيقٍ، فَلَا تَبْدَؤُوهُمْ بِالسَّلَامِ) (٣)، وأما ما جاء في سورةِ مريمَ مِن قولِ إبراهيمَ لأبيهِ: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]، فالحديثُ أصرَحُ في النهي، والآيةُ عامَّةٌ تَحتملُ الدعاءَ والخَبَرَ؛ لأنَّها في المُفارَقةِ بينَهما، لا في اللقاءِ وقد لا تُحمَلُ على معنى التحيَّةِ؛ وإنَّما على معنى الدعاءِ الذي نُهِيَ عنه إبراهيمُ بعدَ ذلك، أو على المفارَقَةِ على مُسالَمةٍ، لا مُقاتَلةٍ وحربٍ؛ وهذا شبيهٌ بقولِ اللهِ لنبيِّه ﷺ : ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩]، فهذه موادَعةٌ ومسالَمةٌ، لا تحيَّةٌ، وكلُّ الأحاديثِ

стр. 921

الآمِرةِ ببذلِ السلامِ عامَّةٌ، والعمومُ لا يَقضي على الخصوص، بل الخصوصُ يُخصِّصُهُ ويُقيِّدُه. وقد كان عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يَنْهَى عن بَداءةِ أهلِ الذِّمَّةِ بالسلام، ولكن يَرُدُّ عليهم (١). وقد كان أبو أُمامةَ يُسلِّمُ على أهلِ الكتاب، ويجعلُها أمانًا لا تحيةً؛ فقد كان يُسلِّمُ عليهم، ويقولُ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: (إِنَّ اللهَ جَعَلَ السَّلَامَ تَحِيَّةً لِأُمَّتِنَا، وَأَمَانًا لأَهْلِ ذِمَّتِنَا) (٢). وصحَّ عن ابنِ مسعودٍ مِن روايةِ عَلْقمةَ: أنَّه كان يُسلِّمُ على دَهَاقِينَ صَحِبُوهُ، وسُئِلَ عن ذلك؟ فقال: "صَحِبُونِي، وَلِلصُّحْبَةِ حَقٌّ" (٣). وحَمَلَ بعضُ الأئمَّةِ - كابنِ راهَوَيْهِ وابنِ تيميَّةَ - النهيَ لي حديثِ أبي هريرةَ على يهودِ بَني قُرَيْظَةَ لمَّا أراد حَرْبَهُمْ، منَعَ مِن بذلِ السلامِ لهم؛ حتى لا يَظُنُّوهُ أمانًا. ولم أَرَ في الخَبَرِ ولا في الأثرِ عن الصحابةِ ما يُؤيِّدُ هذا، وقد أسلَمَ أبو هريرةَ راوي الحديثِ بعدَ حربِ النبيِّ ﷺ لبني قُريظةَ؛ وظاهرُ روايتِةِ - وهو أعلَمُ بقيدِه - العمومُ، ولو كان في عِلْمِهِ أنَّه خاصٌّ قَيَّدَهُ، وهكذا مَن رواهُ مِن العلماءِ في كُتُبِهم - كمُسْلِمٍ - لا يَذكُرُونَهُ في أبوابِ الحربِ والأمانِ؛ وإنَّما في معاني تحيَّةِ الكافر، وأكثرُ السلفِ على هذا. ولكنَّ ظاهِرَ النصوصِ وعملِ السلفِ عدمُ التشديدِ في هذه المسألة، ولو كان بذلُ السلامِ للكافرِ شديدًا، لَوَرَدَ النصُّ فيه كثرةً واتِّفاقًا كتحريمِ الاستغفارِ له؛ فإنَّ البَلْوَى تَعُمُّ بالتحيَّةِ أشَدَّ مِن الاستغفارِ، ونصوصُ

стр. 922

النهيِ عن الاستغفارِ أَقْوَى وأكثَرُ مِن النهيِ عن بذلِ السلام، وإحكامُ الشريعةِ يَقتضي عدمَ التشديدِ؛ ولذا قال الأَوْزَاعِيُّ: "إنْ سَلَّمْتَ، فقد سَلَّمَ الصالحون، وإنْ تركْتَ، فقد ترَكَ الصالحون" (١). وظاهرُ النهيِ: أنَّه على الكراهة، لأنَّ التحيَّةَ مِن الآدابِ في العُرْفِ، وقد جاء تأييدُها وتأكيدُها في الشرعِ. ومَن مَرَّ على مَجْلِسٍ فيه أخلاطٌ مِن المُسلِمِينَ والكافِرِينَ، سَلَّمَ عليهم؛ كما ثبَتَ ذلك عن النبيِّ ﷺ في "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ أسامةَ بنِ زيدٍ (٢). ردُّ السلامِ على الكافرِ: ومَن سُلِّمَ عليه مِن كافرٍ، وفَهِمَ لَفْظَهُ أنَّه أراد السلامَ الشرعيَّ، جاز له الردُّ عليه بقولِه: "وعليكم السلامُ"، مِن غيرِ زيادةِ الرحمةِ والبَرَكةِ؛ لأنَّ الرحمةَ والبَرَكةَ لا تَنْزِلُ إلَّا على مؤمِنٍ وأمَّا السلامُ وهو الأمانُ، فيكونُ لغيرِ المؤمِنِ؛ ولذا فإنَّ النبيَّ لم يكنْ يَدْعُو لليهودِ بالرحمةِ لمَّا كانوا يَتعاطَسُونَ عندَهُ؛ بل كان يقولُ: (يَهْدِيكُمُ اللهُ، وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ) (٣)، وقد قال ابنُ عمرَ وعُقْبةُ بن عامرٍ: "إِنَّ ﵀ وَبَرَكَاتِهِ عَلَى المُؤْمِنِينَ"، وقد كانا لا يُسلِّمانِ على غيرِ المُسْلِمِ تسليمًا تامًّا، ولمَّا قالا السلامَ مرةً تامًّا على نصرانيٍّ يَظُنَّانِهِ مُسلِمًا، رجَعَا وقالا ذلك (٤). وأمَّا ما جاء فيِ "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أنسٍ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أهْلُ الْكِتَاب، فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ) (٥)،

стр. 923

فإنَّما جاء بعدَ سلامِ اليهوديِّ عليه بقولِهِ: "السَّامُ عليكم"، فيكونُ عندَ سماعِهِ لِلَفْظِ السَّامِ، أو عندَ عدمِ إدراكِه للَّفْظِ؛ كإدغامِ الكافِرِ لِلَّفْظِ ونحوِ ذلك، ويظهَرُ أنَّ هذا الحديثَ ليس على إطلاقِهِ في كلِّ سلامٍ مِن الكافرِ أنْ يَرُدَّ عليه بعليكم فقطْ؛ وإنَّما عندَ قولِهم: "السَّامُ"؛ وذلك لِمَا في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: (إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمُ اليَهُودُ، فَإِنَّمَا يَقُولُ أَحَدُهُمُ: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقُلْ: وَعَلَيْكَ) (١)، ولو حُمِلَ الحديثُ على ظاهِرِه، لكان خاصًّا باليهودِ دونَ النَّصارى؛ ولكنَّه عامٌّ في كلِّ كافرٍ، وخاصٌّ فيمَن قال: "السَّامُ" وشِبْهَهَا مِن تلبيسِ التحيَّةِ بلفظِ سَوْءٍ. حكمُ ردِّ التحيَّةِ على الكافِرِ: وقال عامَّةُ الفقهاءِ: بِرَدِّ التحيَّةِ على الكافِرِ، وأوجَبَهُ الجمهورُ ونصَّ بعضُهم كمالكٍ: على عدمِ الوجوبِ، ولا يأثَمُ تاركُها. ولا يدخُلُ الكافرُ في وجوبِ التحيَّةِ بمِثلِ التحيَّةِ أو أحسَنَ منها؛ فهذا خاصٌّ بأهلِ الإيمانِ؛ كما قاله عطاءٌ وقتادةُ والحسنُ (٢). وحَمَلَ بعضُ السلفِ كقتادةَ قولَهُ تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ على المُسلِمِينَ، وقولَه: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾؛ يعني: على أهلِ الكتابِ (٣). يُجزِئُ سلامُ البعضِ عن الكلِّ: وإذا دخَلَ جماعةٌ إلى مكانٍ يُجزِئُ سلامُ بعضِهم؛ لأنَّهم أخَذُوا حُكْمًا واحدًا؛ فيَسْقُطُ التكليفُ بسلامِ رؤوسِهم أو أولِهم؛ لأنَّ الجماعةَ تَبَعٌ لأميرِهم أو رأسِهم أو أولِهم، ولأنَّ المقصودَ مِن السلامِ الأمانُ

стр. 924

والإيناسُ، ويتحقَّقُ ببعضِهم، ولأنَّهم لو سلَّمُوا جميعًا لم يَحصُلِ المقصودُ الذي يُعلِّلُ به مَن يقولُ بوجوبِ التحيَّةِ على كلِّ واحدٍ منهم، وهو الإشعارُ بالأمانِ والمودَّةِ والإيناسِ؛ فلو دخَلَ عشَرةٌ مجلسًا في وقتٍ واحدٍ، وسلَّمُوا كلُّهم، لم يَعرِفْ أهلُ المجلسِ مَن سلَّمَ منهم ممَّن لم يُسلِّمْ لِتداخُلِ أصواتِهم بعضِها ببعضٍ. ولا خلافَ أنَّه يُستحَبُّ لكلِّ فردٍ مِن الجماعةِ الداخِلِينَ أنْ يُسَلِّمَ عندَ دخولِه ولو سَلَّمَ غيرُه. يُجْزِئُ ردُّ التحيَّةِ من البعضِ عن الكلِّ: وردُّ التحيَّةِ واجبٌ بلا خلافٍ كما تقدَّمَ، وإنْ كانوا جماعةً، أسقَطَ البعضُ المُشعِرُ بالأمانِ والإيناسِ الوجوبَ عن الباقِينَ، فلو كانوا حماعةً وسَلَّمَ عليهم جماعةً فردٌ واحدٌ مِن الجماعةِ فقطْ، لم يكنْ مُشعِرًا بالأمانِ ولا الإيناسِ؛ بل يُشعِرُ بالوَحْشةِ والنفورِ، إلَّا إنْ كان له سُلْطانٌ على المكانِ كصاحِبِ الدارِ أو أميرِ القوم، وفي غيرِ ذلك يأثَمُ مَن لم يُسلِّمْ، ولكنْ لو رَدَّ منهم مَن يَظهَرُ به النيابةُ عن الجماعة، أجزَأَ، وبذلُ التحيةِ مِن الواحدِ مِن الجماعةِ الداخِلينَ أيسَرُ مِن ردِّ الواحدِ مِن الجماعةِ المدخولِ عليهم؛ لأنَّ العادةَ أنَّ أهلَ المجلِسِ الواحدِ أمرُهُمْ واحدٌ، وقد ينوبُ عنهم قلةٌ منهم، بخلافِ الداخِلِينَ؛ فليس مِن العادةِ أنَّ أَمْرَهم واحدٌ؛ فربَّما توافَقُوا في الدخولِ ولا يَعرِفُ بعضُهم بعضًا، إلَّا وفودَ القبائلِ والتجارةِ والعملِ ونحوَ ذلك. وذهَبَ بعضُ الفُقهاءِ: إلى أنَّ ردَّ التحيَّةِ واجبٌ على الأعيانِ؛ وهو قولُ أبي يوسُفَ صاحِبِ أبي حنيفةَ. والجمهورُ على خلافِ قولِه وظاهرُ حالِ السلفِ وما جَرَتْ عليه عادةُ الناسِ.

стр. 925

والتفصيلُ في إسقاطِ الإثمِ عن الجماعةِ بِرَدِّ بعضِهم للتحيَّةِ كالتفصيلِ في حُكْمِ ابتداءِ التحيَّةِ؛ لأنَّه يَرجعُ إلى تحقُّقِ المقصودِ مِن الأمانِ والإيناسِ. وقد أخرَجَ أبو داودَ والبَزَّارُ؛ مِن حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ مرفوعًا: (يُجْزِئُ عَنِ الْجَمَاعَةِ إِذَا مَرُّوا أنْ يُسَلِّمَ أحَدُهُمْ، وَيُجْزِئُ عَنِ الْجُلُوسِ أنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ) (١)، وقد تفرَّدَ به سعيدُ بنُ خالدٍ الخُزَاعِيُّ، عن عبدِ اللهِ بنِ الْفَضْلِ، عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ أبي رافعٍ، عن عليّ، به. وبتفرُّدِه أعَلَّهُ الدارقطنيُّ (٢). ضَعَّفَهُ أبو رُزْعَةَ وأبو حاتمٍ (٣)، وقال البخاريُّ: "فيه نظرٌ" (٤). وأَمْثَلُ شيءٍ في هذا: ما رواهُ مالكٌ في "الموطَّأِ"، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: (إِذَا سَلَّمَ مِنَ الْقَوْمِ وَاحِدٌ، أَجْزَأَ عَنْهُمْ) (٥). وهو مُرسَلٌ صحيحٌ عن زيدٍ. أَوْلَى الناسِ ببذلِ السلامِ: والأحَقُّ ببذلِ السلامِ: الداخلُ بالنسبةِ للجالِسِينَ، والماشي بالنسبةِ للقاعدِ والقائم، وكذا الراكِضُ والراكِبُ بالنسبةِ للماشي وما دونَهُ، وإنِ اسْتَوَوُا، اشترَكُوا في الحقِّ، وأفضَلُهُمُ الذي يبدَأُ بالسلام، وفي "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال ﷺ : (يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي، وَالمَاشِي عَلَى الْقَاعِد، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ (٦).

стр. 926

السلامُ على المرأةِ: ويُسلِّمُ على النِّساءِ والمرأةِ الواحدةِ عندَ انتِفاءِ التُّهَمَةِ والشُّبْهةِ والفِتْنةِ، وكَرِهَ بعضُ الفُقَهاءِ السلامَ على الشابَّةِ؛ وهذا قولٌ لبعضِ السلفِ؛ كقتادةَ وعطاءٍ ومالكٍ، ومذهبُ الشافعيِّ. ويُستثنَى مِن ذلك المَحَارِمِ في بذلِ التحيَّةِ وردِّها؛ فهي باقيةٌ على الأصلِ، وغيرُ المَحَارِمِ يتعلَّقُ الحُكْمُ فيهم بأمنِ الفتنةِ شابَّةً أو غيرَ شابَّةٍ، بحسَبِ الحالِ والزمانِ والمكانِ. ويُسقِطُ وجوبَ ردِّ كلِّ تحيَّةٍ التحيَّةُ بالسلامِ؛ لأنَّه أفضَلُ مِن كلِّ تحيَّةٍ على ما تقدَّمَ، وما دونَ السلامِ كالترحيبِ ونحوِهِ لا يُسقِطُ التكليفَ بِرَدِّ السلام، ويُجزِئُ منه قولُ: "وعليكم السلامُ"؛ وذلك لقولِه تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، ويُجزِئُ ردُّ السلامِ بقولِهِ: "وعليك ورحمةُ اللهِ"؛ وبهذا رَدَّ النبيُّ على أبي ذَرٍّ؛ كما في "صحيحِ مسلمٍ" (١). وحَمَلَ بعضُ السلفِ قولَهُ تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ على ردِّ كلِّ معروفٍ قوليٍّ أو عمليٍّ، وجعَلَهُ في حُكْمِ المكافأةِ على المعروفِ؛ كما في حديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: (مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا، فَكَافِئُوهُ) (٢)، وهذا التأويلُ قال به ابنُ عُيَيْنَةَ؛ كما رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ: قال سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ في قولِه: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾: "تَرَوْنَ هذا في السلامِ وحدَهُ؟ هذا في كلِّ شيءٍ؛ مَن أحسَنَ إليك، فأحسِنْ إليه وكافِئْهُ، فإنْ لم تَجِدْ، فادعُ له وأَثْنِ عليه عندَ إخوانِه" (٣). الحكمةُ مِن مشروعيَّةِ التحيَّة: وقد شرَعَ اللهُ التحيَّةَ لجملةٍ مِن الحِكَمِ والغاياتِ، ومنها: الأمانُ

стр. 927

والمودَّةُ والمحبةُ، ومنها: التواضعُ وكسرُ الكِبْرِ مِن النفوسِ، فيُسَلِّمُ الكبيرُ والغنيُّ والسُّلْطانُ الداخلُ على مَن دونَهم في حالِ استحقاقِهِ للسلامِ عليه، وفي الآيةِ بعدَها إشارةٌ إلى استواءِ الخَلْقِ عندَ اللهِ في الجَمْعِ الأكبرِ؛ فيجبُ أنْ يكُونوا في الحقوقِ كذلك، فقال بعدَ بيانِ حُكْمِ السلامِ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء: ٨٧]. تنكيرُ السلامِ وتعريفُهُ: وبَذْلُ السلامِ يصحُّ بالتنكيرِ: (سلامٌ عليكم)، وبالتعريفِ: (السلامُ عليكم)، وأمَّا ردُّه، فلا يكون إلا بالتعريفِ: "وعليكم (السلامُ) ورحمةُ اللهِ وبركاتُه"، وكلُّ ذلك - التنكيرَ والتعريفَ - جاء في الوحي، واختُلِفَ في التفضيلِ بينَ تعريفِ السلامِ وتنكيرِه: وظاهرُ مذهبِ الشافعيِّ وروايةٌ عن أحمدَ التعريفُ. ورُوِيَ عن أحمدَ: التخييرُ. وفَرَّقَ بعضُ العلماءِ بينَ السلامِ على الحيّ، والسلام على الميِّتِ؛ فيُعرَّفُ السلامُ ويُنكَّرُ على الحيِّ، وأمَّا على الميِّت، فيُنكَّرُ؛ وهو قولٌ لأحمدَ. وأكثَرُ الأحاديثِ في السُّنَّةِ على تعريفِ السلامِ للحيِّ، وجاء في بعضِها تنكيرُه، والتعريفُ أشهَرُ وأكثَرُ في قولِ النبيِّ ﷺ وكذلك أصحابُهُ، وكلُّ ذلك واردٌ في القرآن، ومنه قولُهُ تعالى في تسليمِ عيسى على نفسِهِ: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣]، وقولُه تعالى في تسليمِهِ على يحيى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٥]. ويُستحَبُّ السلامُ عندَ المُفارَقةِ، وفي الحديثِ: (إِذَا انْتَهَى أحَدُكُمْ إِلَى المَجْلِس، فَلْيُسَلِّمْ، فَإِذَا أرَادَ أنْ يَقُومَ، فَلْيُسَلِّمْ؛ فَلَيْسَتِ الْأُولَى بِأَحَقَّ

стр. 928

مِنَ الْآخِرَةِ)؛ أخرَجَهُ أحمدُ وأهلُ السُّنَنِ (١). * * * قال تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٨٨]. وَرَدَ في نزولِ هذه الآيةِ أخبارٌ متبايِنةٌ، وأصَحُّها ما جاء في "المْسنَدِ"، و"الصحيحَينِ"؛ مِن حديثِ زيدِ بنِ ثابتٍ؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ خرَجَ إلى أُحُدٍ، فرَجَعَ ناسٌ خرَجُوا معه، فكان أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ فيهم فِرقتَيْنِ: فِرْقةٌ تقولُ: نَقْتُلُهُمْ، وفِرْقةٌ تقولُ: لا؛ هم المؤمِنون، فأنزَلَ اللهُ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : (إنَّهَا طَيْبَةُ، وَإِنَّهَا تَنْفِي الْخَبَثَ، كمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ) (٢). وصحَّ عن مُجاهِدٍ: "أنَّهم قومٌ خرَجُوا مِن مكةَ حتى جاؤوا المدينةَ يَزْعُمُونَ أنَّهم مُهاجِرونَ، ثمَّ ارتَدُّوا بعدَ ذلك، فاستأذَنُوا النبيَّ ﷺ إلى مكةَ ليَأْتُوا ببضائعَ يَتَّجِرونَ فيها، فاختَلَفَ فيهم المؤمِنونَ؛ فقائِلٌ يقولُ: منافِقون، وقائلٌ يقولُ: هم مؤمِنون، فبيَّنَ اللهُ نِفاقَهم، فأمَرَ بقَتْلِهم، فجاؤوا ببضائِعَ يُرِيدُونَ هِلَالَ بنَ عُوَيْمِرِ الأَسْلَمِيَّ، وبينَه وبينَ محمدٍ حلفٌ، فدفَعَ عنهم بأنَّهم يَؤُمُّونَ هلالًا وبينَه وبينَ محمدٍ عهدٌ" (٣).

стр. 929

اختلافُ المؤمِنِينَ بسبب المنافِقِين: وفي هذه الآيةِ: اختلافُ المؤمِنِينَ في حالِ المنافِقِينَ، والنبيُّ ﷺ بينَ أَظْهُرِهم، وفيها: أنَّ الخلافَ في أمرِ المنافِقينَ قد يَشُقُّ صَفَّ المؤمِنِينَ إنْ لم يُرحَمُوا بالوحيِ المنزَّلِ أو بعالِمٍ به وبهَدْيِ النبيِّ ﷺ وسياستِهِ في تعامُلِه معهم، ودافِعُهُمْ في ذلك الصِّدْقُ والحَمِيَّةُ للحقِّ. الانشغالُ بالعدوِّ الأقوى والأخطَرِ: وتتضمَّنُ الآيةُ الانشغالَ بالعدوِّ الأَقْوَى، وهم المُشرِكونَ، عن العدوِّ الأضعف، وهم المُنافِقون، فلو انشغل الصحابة بالمُنافِقينَ وقاتَلُوهُم وهم في مواجهةِ عدوِّهم قريشٍ، لكان ذلك ضَعْفًا فيهم وتقويةً لعدوِّهم عليهم؛ فإنَّ مِن سياسةِ النبيِّ ﷺ في المنافِقينَ: الترهيبَ مِن أفعالِهم، وتأليفَ أعيانِهم مع عِلْمِهِ مِن الوحيِ بكفرِهِمْ بالباطنِ؛ ولكنَّه مأمورٌ بالأخذِ بالظاهر، وقد يكونُ في صفِّ الَمُسلِمِينَ مِن الصادِقينَ مَن تدفَعُهُ الحميَّةُ لو أُخِذَ برأيِه، لَضَعُفَ المُسلِمونَ وكُسِرَتْ شوكتُهم؛ وهذا يكونُ غالبًا مِن بعضِ النفوسِ الصادقةِ المطبوعةِ على الشجاعةِ؛ فتَظُنُّ أنَّ الحقَّ دومًا في الإقدام، كما أنَّ بعضَ النفوسِ المطبوعةِ على الجُبْنِ تميلُ إلى الأمانِ والسَّلْمِ دومًا؛ فتَستحضِرُ هذه النفوسُ مِن حيثُ لا تَشعُرُ ما يَعضُدُها مِن نصوصِ الوحي، وتَغْفُلُ عمَّا يُخالِفُ طَبْعَها، والمؤمنُ الصادقُ مَن يُجاهِدُ نفسَهُ كما يُجاهِدُ عدوَّه، وقد كانتْ طبائعُ الصحابةِ مُتبايِنةً كطبائعِ سائرِ البشرِ لا يجتمعونَ على طبعٍ واحدٍ؛ ولكنَّهم كانوا أصدَقَ الناسِ؛ يَقِفُونَ عندَ الأدلَّة، وَيزِنُونَ الحالَ والمآلَ، ويُرجِّحونَ الدليلَ وصالحَ الأمَّةِ على ما يَهْوَوْنَ ﵃. نعمةُ الشدائدِ على الأُمَّةِ: والأمَّةُ في الشدائدِ تتطهَّرُ مِن خَبَثِها؛ لِيَبْقَى صَفْوُها، ويزولَ كَدَرُها،

стр. 930

فلو خرَجَ المنافقونَ مع النبيِّ إلى القتال، لَأَوْقَعُوا في صفِّه الفتنةَ، وفرَّقُوا جَمْعَهُ، وتَوَلَّوْا عندَ اللقاء، والفتنةُ حينئذٍ أشَدُّ، وإذا خرَجَ المنافقونَ مِن خيرِ الصفوفِ، وهم الصحابةُ، وتحتَ أعظَمِ أميرِ جيشٍ، وهو النبيُّ ﷺ ، فغيرُهُمْ مِن بابِ أَوْلى، وقد تفاءَلَ النبيُّ بخروجِ المنافِقِينَ، ورآهُ نَفيَ خَبَثٍ مِن الصَّفِّ لا إضعافًا له؛ فإنَّ المنافِقِينَ يَوَدُّونَ لو انشغَلَ بهم المؤمنونَ وعظَّمُوا أَمْرَهم ومنزلتَهُمْ وشَوْكَتَهم؛ فإنَّ في ذلك التعظيمِ كسرًا لنفوسِ أوساطِ المؤمنينَ وإضعافًا لهم. وقولُهُ تعالى: ﴿أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾؛ يعني: رَدَّهم إلى ما هم فيه بسببِ ذنوبِهِمْ، وخاصَّةً سوءَ نيَّاتِهم؛ فالذنوبُ تَحرِمُ العبدَ التوفيقَ للعملِ الصالح، وأعظَمُ الذنوبِ الذنوبُ الباطِنةُ، سواءٌ كان مِن النيَّاتِ السيِّئة، أو ما يفعلُهُ العبدُ مِن ذنوبِ الخَلَوَاتِ خلافَ ما يُبْدِيهِ مِن طاعةٍ في العلانيَةِ. خطَرُ المنافِقِ والمرتدِّ: وفي قولِهِ تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ إشارةٌ إلى خطرِ النِّفاقِ، وأنَّ المُرْتَدَّ إلى الضلالةِ بعدَ الهُدَى، والمُنتكِسَ عن الحقِّ بعدَ معرِفَتِه: قلَّما يَرجِعُ إليه؛ وذلك أنَّ اللهَ ذكَرَ إضلالَهُ له، وكأنَّه قطَعَ الرجاءَ في هدايتِه؛ وذلك لأسبابٍ: أعظمُهَا: أنَّ الإيمانَ له حلاوةٌ، ومَن ذاقَها ما ترَكَها، ومَن دخَلَ الإسلامَ وحامَ في أطرافِهِ ولم يأخُذْهُ اليقينُ وحلاوتُهُ، جذَبَتْهُ الشُّبُهاتُ وأمواجُ الفِتَنِ، لأنَّه خفيفُ المَحمَلِ خالٍ مِن اليقين، فإذا خرَجَ مِن الحقِّ إلى غيرِه، لم يَرجِعْ إليه غالبًا؛ لأنَّه يظُنُّ أنَّ رجوعَهُ إليه رجوعٌ إلى ما عاشَهُ مِن قبلُ مِن شكٍّ وتردُّدٍ وضعفٍ، ويُفسِّرُ الإيمانَ على ما عاشَهُ مِن قبلُ هو، لا على الإسلامِ في حقيقتِه.

стр. 931

ومِن ذلك: أنَّ النفوسَ جُبِلَتْ على حبِّ الثباتِ وعدمِ التردُّدِ؛ حتى لا تُوصَفَ بالضعفِ والتبعيَّة، والنفوسُ المُتكبِّرةُ لا تُفرِّقُ بينَ التحوُّلِ مِن الحقِّ إلى الباطلِ، وبينَ التحوُّلِ مِن الباطلِ إلى الحقِّ؛ فتَثْبُتُ على الباطلِ كِبْرًا، بل ربَّما تَثْبُتُ بعضُ النفوسِ المُتكبِّرةِ على الحقِّ لا لأنَّه الحقُّ؛ بل لِذَاتِ الثباتِ؛ فلا تُحِبُّ أنْ تُوصَفَ بالتحوُّلِ والانتكاسةِ، فتَصبِرُ وتتجلَّدُ وتنصُرُ الدِّينَ في الدُّنيا، وتُكَبُّ في النارِ في الآخِرةِ؛ فالطبائعُ لها أثرٌ في الثباتِ كأثرِ الإيمانِ فيه؛ فالنفوسُ المتكبِّرةُ يُهِمُّها الثباتُ ولو على باطلٍ، والنفوسُ المؤمِنةُ يُهِمُّها الحقُّ ولو تحوَّلَتْ، ومتى كان الإيمانُ أَقْوَى مِن الطبائع، تَحَكَّمَ فيها، ومتى كانتِ الطبائعُ أَقوى مِن الإيمان، تَحَكَّمَتْ فيه. الكبرُ وأثرُهُ على الانقيادِ: والمُتكبِّرونَ إنْ خرَجُوا مِن الحقِّ، مَنَعَتْهُمْ نفوسُهُمْ مِن الرجوعِ إليه بدَعْوَى الثبات، وبعضُ النفوسِ تَقْوَى على التحوُّلِ مرةً، ولكنَّها تستثقِلُ التحوَّلَ مرتَيْنِ، ومنها ما هي ضعيفةٌ تَقْبَلُ التحوُّلَ مَرَّاتٍ. ولكنَّ خوفَ اللهِ وقوَّةَ الإيمانِ يَضعُفُ معه حبُّ النفسِ للثَّبَاتِ ولو تحوَّلتْ مَرَّاتٍ حتى تَصِلَ إلى الحقِّ، وقد يتحوَّلُ الإنسانُ مرَّاتٍ باحثًا عن الحقِّ لِقوَّةِ صِدْقِه؛ كمَن يتحوَّلُ مِن الإلحادِ إلى الوثنيَّة، ومِن الوثنيَّةِ إلى النصرانيَّةِ، ومِن النصرانيَّةِ إلى الإسلام، وتحوُّلُهُ هذا مِن شرٍّ إلى أخَفَّ منه حتى يصلَ إلى الإسلامِ بخيرِهِ التامِّ الخالي مِن كلِّ شرٍّ، وأكثَرُ الذين يَثْبُتُونَ على الباطلِ دفَعَهُمْ كِبْرُ النفوسِ للتمسُّكِ بمبدأِ الثبات، وهكذا كان فِرْعَوْنُ وقومُهُ: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، وكفارُ قريشٍ: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، وكذا حالُ أبي طالبٍ؛ يَعلَمُ صِدْقَ محمدٍ ولكنَّ نفسَهُ غلَبَتْهُ

стр. 932

تمسُّكًا بمبدأِ النفسِ المُتكبِّرةِ: حُبِّ الثباتِ وعدمِ التحوُّل، فقال للنبيِّ ﷺ : "لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ؛ يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ، لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ" (١)، فمات وهو يقولُ: "هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ" (٢). والكافرُ الأصليُّ الناشئُ على كفرِهِ أهوَنُ في دخولِهِ للإسلامِ ممَّن كان كافرًا ثمَّ أسلَمَ ثمَّ كفَرَ، وكلَّما زاد تحوُّلُهُ، ضعُفَ رجاءُ عَوْدَتِه، ولو عاد، لم يَرجعْ كسابِقِ أمرِه؛ ولهذا لا يُشرَعُ توليةُ المُرتَدِّ بعدَ إسلامِهِ ثمَّ تاب بعدَ ذلك، ولا توليةُ المُنتكِسِ عن الحقِّ البيِّنِ المُتحوِّلِ مِن السُّنَّةِ إلى البدعة، ومِن البدعةِ رجَعَ إلى السُّنَّة، مع قَبُولِ الحقِّ منه، وله ما للمُسلِمنَ وعليه ما عليهم، ولا يُنفَّرُ مِن الحقِّ، ولا يُعيَّرُ بكُفْرِهِ السابقِ أو بدعتِه؛ بل يُتألَّفُ قَلْبُه، لكنْ لا يُصدَّرُ ولا يُوَلَّى ولايةً؛ حتى لا يكونَ رأسًا يَتْبَعُهُ الناسُ فيَرجِعَ إلى ضلالِهِ مرةً أُخرى فيَتأثَّرَ به الناسُ وَيشْمَتَ بالأُمَّةِ أعداؤُها. ومَن سَبَرَ حالَ النبيَّ ﷺ وخلفائِه، وجَدَ أنَّهم لا يُوَلُّونَ أحدًا له سابقةٌ في رِدَّةٍ، أو تحوَّلَ مِن السُّنَّةِ إلى البدعةِ ثمَّ رجَعَ؛ لأنَّه لا يُؤمَنُ مِن رجوعِهِ إلى مِثْلِها وكثرةِ تحوُّلِه. ومِثلُ الوِلَاياتِ: الشدائدُ؛ ولذلك لمَّا استنفَرَ النبيُّ ﷺ أصحابَهُ للجهاد، خالَفَهُ بعضُ المُنافِقِينَ، فقعَدُوا، فخرَجَ النبيُّ بالصادِقِينَ معه، فقال اللهُ: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ [التوبة: ٨٣]، فمَنَعَهُم النبيُّ ﷺ مِن الخروجِ معه مرةً أُخرى؛

стр. 933

لأنَّهم خالَفُوهُ وقعَدُوا قبلَ ذلك، فلا يُؤمَنُ أنْ يُخالِفُوهُ وَيقْعُدُوا، أو يَرجِعُوا مِن نِصْفِ الطريقِ، أو يَتَوَلَّوْا يومَ الزَّحْفِ. * * * قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٨٩ - ٩١]. لمَّا أمَرَ اللهُ بقتالِ المُشرِكِينَ، ومَن أظهَرَ الإسلامَ ثمَّ لَحِقَ بالمشرِكِينَ بمكةَ تاركًا للنبيِّ ﷺ ، وبَقِيَ في سَوَادِهم، أمَرَ بتحريمِ اتِّخاذِهِمْ أولياءَ: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ما دامُوا مُكَثِّرِينَ لِسَوَادِ المشرِكِينَ وفي وَسَطِهم ولم يَنعزِلُوا عنهم، ولكنَّ اللهَ اسثنَى منهم طائفتَيْنِ: الأُولى: طائفةٌ لجأَت إلى قومٍ كافِرِينَ بينَهم وبينَ المؤمِنِينَ عهدٌ، فإنْ لم يُقاتِلوا لا يُقاتَلوا، فيَأخُذُونَ حُكْمَ القومِ الذين اتَّصَلُوا بهم؛ كما في قولِه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. الطائفة الثانيةُ: قومٌ كَرِهُوا قتالَ النبيِّ ﷺ ، وكرِهوا قتالَ قومِهم، فرَغِبُوا في السلامةِ مِن الأمرَيْن، وأَوْلى منهم الذين لَحِقُوا

стр. 934

بالمُسلِمِينَ ورجَعُوا إليهم، ولكنَّهم استثقَلُوا القتالَ مع المُسلِمِينَ؛ لأنَّهم سيُقاتِلونَ قَوْمَهم وقراباتِهم، واستثقَلُوا القتالَ مع المشرِكِينَ، لأنَّهم سيُقاتِلونَ المُسلِمِينَ، ورغِبُوا في تركِ القتالِ والحياد، فهؤلاء يُترَكُونَ، وهم الذين قال اللهُ فيهم: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾. وهذه الآيةُ نزلَتْ في هلالِ بنِ عُوَيْمِرٍ الأَسْلَمِيّ، وسُرَاقَةَ بنِ مالكٍ المُدْلِجِيِّ، وخزيمةَ بنِ عامرِ بنِ عبدِ منافٍ؛ قالهُ عِكرمةُ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ رواهُ ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ (١). وقال جماعةٌ مِن السلفِ بنسخِ هذه الآية، كما جاء عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: نَسَخَتْها براءةُ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]؛ رواهُ عن عطاءٍ عنه غيرُ واحدٍ؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ (٢). وقال بالنسخِ جماعةٌ كقتادةَ وعِكْرِمةَ والحسنِ وابنِ زيدٍ، وأنَّها نُسِخَتْ بآياتِ القتالِ في براءةَ. وقولُهُ تعالى: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾؛ يعني: كَرِهَتْ قتالَ قومِهم وضاقتْ به. رحمةُ اللهِ بعدمِ اجتماعِ الكفَّار على المسلمين: وفي قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ إشارةٌ إلى نعمةِ اللهِ وفضلِهِ على المُسلِمِينَ في عدمِ اجتماعِ الكفارِ على المُسلِمِينَ، وإنَّما كَفَى الأمَّةَ شرَّهم بتفرُّقِ أهوائِهم؛ فطائفةٌ تُقاتِلُ، وطائفةٌ تُسالِمُ، وطائفةٌ تُسلِّمُ

стр. 935

وتُحايدُ في القتال، وفيه: أنَّ مِن الحِكْمةِ والسياسةِ عدمَ اسْتِعْدَاءِ أُمَمِ الكُفْرِ، الذين لو اجتمَعُوا، لَمَا كان للمُسلِمِينَ قدرةٌ عليهم، فاللهُ جعَلَ كَفَّهُ لبعضِهم مِنَّةً وفضلًا منه؛ حتى يتفرَّغَ المُسلِمونَ لآخَرِينَ فيَأخُذُوا كلَّ فئةٍ وأمَّةٍ كفريَّةٍ وحدَها، ولا تنتصِرُ لها أختُها. المسلمُ بين المحارِبِينَ: ومَن كان مع الكافِرِينَ المُحارِبِينَ، وأُمِرَ بالخروجِ منهم فلم يَخرُجْ وهو قادرٌ، أخَذَ حُكْمَهم، وقد كاد أقوامٌ مِن أهلِ مكةَ يَأْتُونَ إلى النبيِّ ﷺ يُسلِمُونَ ليَأْمَنُوهُ وَيأْبَوْنَ الهجرةَ فيَرجِعُونَ إلى مكةَ، وهم المقصودونَ بعدَ ذلك بقولِه: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾، وقد صحَّ عن مُجاهدٍ؛ قال: "هم ناسٌ مِن أهلِ مكةَ يَأْتُونَ النَّبيَّ ﷺ ، فيُسلِمونَ رِياءً، ثمَّ يَرجِعُونَ إلى قريشٍ، فيَرْتَكِسُونَ فِي الأوثانِ؛ يَبتَغونَ بذَلِكَ أنْ يأمَنُوا هاهنا وهاهنا، فأَمَرَ بقتالِهم" (١). وقد تقدَّمَ في سورةِ البقرةِ الكلامُ على مُسالَمةِ المُشرِكينَ ومُصالحتِهِمْ عندَ قولِهِ: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، وبيَّنَّا أنَّ المرادَ بالسِّلْمِ: الإسلامُ، وحمَلَهُ بعضُ المتأخِّرينَ على المُسالَمةِ والمصالَحة، وبيَّنَّا هذا القولَ وفصَّلْنا في حُكمِ المُهادَنةِ والمُوادَعةِ تَبَعًا. * * *

стр. 936

قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢]. في الآيةِ: تعظيمُ الدَّمِ الحَرَامِ، وقد بَيَّنَ الله خَطَرَهُ بأنَّه لا يقَعُ مِن مؤمنٍ باللهِ حقَّ الإيمانِ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾؛ أيْ: لا يكونُ له، ولا يَنبغِي وقوعُهُ منه؛ وهذا كقولِهِ تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٩]، وقولِهِ: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وقولِهِ: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]، وقولِهِ: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ [النور: ١٦]؛ يَعني: ما ينبغي، والمرادُ بذلكَ: تعظيمُ الأمر، وهو نهيٌ في صورةِ نفيٍ؛ فإنَّه لا أعظَمَ مِن القتلِ إلَّا الكُفْرُ، ولو سُبِقَ الكفرُ بذَنْبٍ، لسبَقَهُ القتلُ. وقد اختُلِفَ في سببِ نزولِ هذه الآيةِ؛ فقد روى ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ؛ أنَّها نزلَتْ في عيَّاشِ بنِ أبي ربيعةَ أَخِي أبي جَهْلٍ لأُمِّه، وهي أسماءُ بنتُ مَخْرَمَةَ، وذلك أنَّه قتَلَ رجُلًا كان يُعذِّبُهُ معَ أخيهِ على الإسلام، وهو الحارثُ بن يَزِيدَ الغامديُّ، فأضمَرَ له عَيَّاشٌ السُّوءَ، فأسلَمَ ذلك الرجُلُ وهاجَرَ، وعيَّاشٌ لا يَشعُرُ، فلمَّا كان يومُ الفتح، رآهُ فظَنَّ أنَّه على دِينِه، فحمَلَ عليه فقتَلَهُ؛ فأنزَلَ اللهُ هذه الآيةَ (١).

стр. 937

عصمةُ دمِ المؤمِنِ: وقولُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ فيه دليلٌ على أنَّ الأصلَ في دمِ المؤمنِ: التحريمُ، ولا يَحِلُّ إلَّا بشروطِه، وأنَّ الأصلَ في دمِ الكافرِ: الحِلُّ، ولا يحرُمُ إلَّا بشروطِه، ولو تَساوَى الأصلانِ في التحريم، ما كان لِتَخصيصِ المؤمنِ بالذِّكْرِ هنا معنَى إلَّا عندَ اختلافِ الأثَر، والأثرُ واحدٌ، وهو الدِّيَةُ وعِتْقُ الرقبة، وإنِ اختُلِفَ في مقدارِ الدِّيةِ في المُعاهَدِ؛ فالآيةُ في بيانِ الديةِ لا مِقْدارِها. ويدُلُّ على هذا ما في "الصَّحيحَيْنِ"، عنِ ابنِ مسعودٍ؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ الَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ الله، إِلَّا بِإحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ) (١). وفي قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ تكرَّرَ ذِكْرُ الخَطَأِ؛ حيثُ قال في أولِ الآيةِ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾، ثمَّ قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾؛ تأكيدًا على تعظيمِ القتل، وأنَّه لا ينبغي أنْ يقَعَ مِن المؤمِنِ إلَّا خطأً. وفي أولِ الآيةِ ذكَرَ الفاعلَ والمفعولَ، ووصَفَهُمَا بالإيمان، فقالَ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾، وبعدَ ذلك ذكَرَ المفعولَ ولم يذكُرِ الفاعلَ، فقال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾، وفي هذا معنى أنَّ القتلَ للمؤمِنِ لا يكونُ عادةً إلَّا مِن كافرٍ لا يُعَظِّمُ اللهَ وحُرُمَاتِه، ثمَّ بيَّنَ حكمَهُ لو وقَعَ مِن المؤمنِ والكافرِ المُعاهَدِ؛ فذكَرَ المقتولَ ووصَفَهُ بالإيمان، وأضمَرَ وَصْفَ الفاعلِ، وفي هذا دليلٌ على أنَّ الكافرَ المُعاهَدَ لو قَتَلَ مؤمِنًا خطأً

стр. 938

تُفرَضُ عليه الديةُ كالمؤمِن، فحُكْمُ الديةِ عامٌّ، ولا بُقتَلُ بالخطأِ الذي لا عداوةَ فيه ولا شُبْهةَ في القصدِ. كفَّارةُ قتلِ الخطأ: ثمَّ ذكَرَ اللهُ كفَّارةَ القَتْلِ الخطأِ على نوعَيْنِ: الأولُ: حقٌّ للهِ، وهو إعتاقُ رقَبةٍ مؤمِنةٍ، وإنَّما قَدَّمَ الإعتاقَ على الدِّيَةِ، تغليبًا لجانبِ حقِّ اللهِ الذي لا يُسقِطُهُ إلا الحجزُ؛ فالديةُ يُسقِطُها أهلُ القتيل، ولكنْ لا يُسقِطُونَ تحريرَ الرَّقَبة، ولأنَّ حَقَّ اللهِ في القتلِ أظهَرُ وأَقْوَى مِن حقِّ أهلِ القتيل، فصاحِبُ الحقِّ لا يَملِكُ إسقاطَ حقِّه؛ لموتِه، بخلافِ بقيَّةِ الجِرَاحاتِ وظُلْمِ الأموالِ؛ فالحقُّ للإنسانِ فيها. وَيَتْبَعُ تحريرَ الرقبةِ بَدَلُها عندَ عدَمِ وجودِها، وهو صيامُ شهرَيْنِ مُتتابعَيْنِ. ولهذا أوْجَبَ تحريرَ الرفبةِ المؤمِنةِ في كلِّ مقتولٍ خطأً مِن المعصومِينَ؛ مؤمنًا كان أو كافرًا معاهدًا، حتى في قَتلِ مَن لا وارِثَ له، أو مَن لا وارِثَ له إلَّا كافرٌ محارِبٌ، وأمَّا الديةُ، فلم يُوجِبْها اللهُ إلَّا لأهلِ المقتولِ المؤمِنِينَ أو المعاهَدِينَ. الحكمةُ من الدية، والفرقُ بين الذكر والأنثى: الثاني: حقٌّ لأهلِ المقتول، لا للمقتولِ نفسِه، وهي الدِّيَةُ. والدِّيةُ جَبْرٌ عن منفعةِ الميِّتِ لأهلِه، حيثُ تسبَّبَ القاتِلُ في فَقْدِه، ولمَّا اختَلَفَتْ منفعةُ الميِّتِ الذَّكَرِ عنِ الميتِ الأُنثى لأهلِهما، كانتْ ديةُ المرأةِ على النِّصْفِ مِن ديةِ الرجُلِ، مع أنَّهما يَتساوَيانِ في النَّفْسِ وقيمتِها عندَ القِصَاصِ، فيُقتَل الرجلُ بالأنثى، والعكسُ، بل لو تواطَأَ عَشَرةُ رجالٍ على قَتْلِ طفلةٍ في مَهْدِها، قُتِلُوا بها؛ فالديةُ ليستْ قِيمَةً للنَّفْسِ؛ وبهدا يُعلَمُ بطلانُ ما يَذكُرُهُ أصحابُ المدارسِ العقلانيةِ مِن ردِّ عدمِ

стр. 939

تماثُلِ ديةِ الأُنثى والذَّكَرِ؛ فهذا لجهلٍ بالإسلامِ؛ فالديةُ عِوَضٌ لأهلِ القتيلِ؛ لأنَّ للرجلِ منفعةً ماليةً مفقودةً بفَقْدِهِ؛ لأنَّ اللهَ فَرَضَ على الرجلِ النففةَ والسُّكْنى والكِسْوةَ لِمَن وَليَهُ مِن النِّساء، سواءٌ كانتْ زوجةً أو أُمًّا، أو بنتًا أو أختًا، ولا يحبُ على واحدةٍ منهنَّ في الإسلامِ التكسُّبُ، بل لو كانتِ المرأةُ غنيَّةً، لا يَحِبْ عليها أنْ تُنفِقَ على زوجِها الفقيرِ القادرِ على التكسُّب، بل لا يجبُ عليها أن تُنفِقَ على نفسِها كذلك، بل يجبُ على وليِّها، ما لم تَطِبْ نفسُها بذلك، ولو كانَتْ قادرةً على العملِ، لم يجبْ عليها التكسُّب عندَ فقرِ زوجِها، ويجبُ على الحاكمِ أن يُنفِقَ على المرأةِ التي لا عائِلَ لها ولو كانَتْ قادِرةً على العملِ إنْ كانَتْ لا تُرِيدُ العملَ راغبةً. فاللهُ أسقَطَ عنها جانبًا في الأموالِ، وأسقَطَ مِن أحكامِها ما يُؤثِّرُ في هذا الانتظامِ؛ كالميراثِ؛ فلها نِصْفُ ميراثِ الذَّكَرِ؛ لأنَّ تكاليفَ الذَّكَرِ الماليةَ أعظَمُ، وأسقَطَ نِصْفَ دِيَتِها؛ لأن أثَرَها الماليَّ على أهلِها أضعَفُ، وهذا التبايُن تبايُن في منافعِ الأموالِ، لا تَساوِي النفوسِ؛ فلأولياءِ الجنسَيْنِ طلَبُ القِصَاصِ مِن القاتلِ العَمْدِ، ويُقتَلُ، ولا فَرْقَ بينَهما. وإنَّما يُؤتَى بعضُ الجَهَلَةِ بالنَّظَرِ إلى طرَفٍ مِن أحكامِ الإسلامِ التي لا تُفهَمُ إلَّا بفَهْمِ أبوابِها؛ فالديةُ تَتَّصِلُ بأبوابِ الأموالِ ومنظومتِها، ولا تُفهَمُ إلا بفَهْمِها وفهمِ جِهاتِها المتَّصِلةِ بها؛ فهي ليسَت عِوَضًا عنِ النَّفْسِ، ولا تتَّصِلُ بحقِّ المقتولِ، بل بأهلِه، فاللهُ جعَلَ النفوسَ متساويةً في التعظيمِ؛ كما في قولِه: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، وفي قولِه:

стр. 940

﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، فعندَ ذِكْرِ النفوسِ ساوَى بينَها، وعندَ ذِكرِ آثارِها فرَّقَ بينَها؛ لاختلافِ آثارِها، والتَّساوي في القِصَاصِ، يتساوَى الذَّكَرُ والأُنثى حتى في قَطْعِ الظُّفُرِ بينهما، فإنِ اعتَدَى أحدُ الجنسَينِ على الآخَرِ بظُفُرٍ، فالقِصاصُ بمثلِهِ سواءً. اشتراطُ الإيمانِ في الرقبةِ: وقولُهُ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾؛ المؤمنةُ: مَن صَحَّ إسلامُها؛ رَوى عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: "يَعني بالمؤمنةِ: مَن عقَلَ الإيمانَ وصامَ وصلَّى" (١). وقال الشعبيُّ ومجاهِدٌ وعطاءٌ وقتادةُ وغيرُهم: "التي تُصَلِّي" (٢). وظاهرُ الآيةِ؛ عدمُ صحةِ عِتْقِ الكافرة، ومَن لا يصحُّ منها الإيمانُ ولو وُلِدَتْ على الإسلامِ؛ كالرَّقَبةِ الصغيرةِ التي لا تُدرِكُ، ورُوِيَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ والشَّعْبيِّ والحسنِ وقتادةَ: عدمُ صحةِ عتقِ الصغيرِ حتَّى يصحَّ منه قصدُ الإيمانِ. وقصدُ الإيمانِ هو معرِفةُ معنى الشهادتَيْنِ ومعنى العبوديَّةِ؛ وذلك لِما صحَّ في "المسنَدِ"، مِن حديثِ الزُّهْريِّ، عن عُبَيدِ اللهِ بنِ عبدِ الله، عن رجلٍ مِن الأنصارِ؛ أَنَّهُ جَاءَ بِأَمَةٍ سَوْدَاءَ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، فَإِنْ كُنْتَ تَرَى هَذِهِ مُؤمِنَةً، أَعْتَقْتُهَا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : (أَتَشْهَدِينَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ )، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: (أَتَشْهَدِينَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟ )، قَالَت: نَعَمْ، قَالَ: (أَتُؤْمنِينَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ

стр. 941

المَوْتِ؟ )، قَالَت: نَعَمْ، قَالَ: (أَعْتِقْهَا) (١). وفي "صحيحِ مسلمٍ"؛ مِن حديثِ معاويةَ بن الحَكَمِ؛ أنَّه لمَّا جاءَ بتلكَ الجاريةِ السوداءِ، قال لها رسولُ اللهِ ﷺ : (أَيْنَ اللهُ؟ )، قَالَتْ: فِي السَّمَاء، قَالَ: (مَنْ أَنَا؟ )، قَالَت: أَنْتَ رَسُولُ الله، قَالَ: (أَعْتِقْهَا؛ فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ) (٢). وعُلُوُّ اللهِ فرعٌ عن معرفةِ اللهِ ومعرفةِ حقِّه على العبادِ. وفي قولِه: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ الحُكْمَ في العتقِ للحُرِّ لا للعبدِ، فلا يُعتِقُ عبدٌ عبدًا؛ إذْ إنَّ تحربرَ الرَّقَبةِ في كفَّارةِ القتلِ مِن مالِ القاتلِ، والأصلُ: أنَّ العبدَ لا مالَ له، وهو ومالُهُ لسيِّدِه. الديةُ ومستحِقُّها: وفي قولِه تعالى، ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، وقولِه ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ دليلٌ على ما تقدَّمَ ذِكْرُهُ: أنَّ الدِّيَةَ حقٌّ لأهلِ المقتول، لا حقٌّ للمقتولِ نفسِه؛ فلا يجبُ أن تُوقَفَ له وتُحبَسَ، ولا أن يُتصدَّقَ بها عنه، فإنْ فعَلَ أهلُهُ مِن أنفسِهم، جازَ، إلَّا أنَّهم لم يُؤمَروا بذلك. وفي القتلِ الخطأِ لا حَقَّ للمقتولِ على القاتِلِ في الآخِرة، ويكونُ سببُ موتِهِ قدَرًا مَحْضًا بلا اختيارٍ مِن مكلَّفٍ، كمَوْتِهِ بلَدْغةِ الحيَّة، والسُّقوطِ في بئرٍ، أو الابتلاءِ بمرَضٍ مُهلِكٍ، ونحوِ ذلك؛ فإنَّ القاتلَ تَصرَّفَ تصرُّفًا لا اختيارَ له فيه، وهو في حُكْمِ فاقدِ العقلِ؛ كمَن ماتَ ببهيمةٍ، كوَقْصِ النَّاقةِ ولَدْغةِ الحيةِ. إسقاطُ الديةِ: وفي قولِه تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ إشارةٌ إلى عِظَمِ استحقاقِ أهلِ القتيلِ للدِّيَةِ، وأنَّها في حُكْمِ المقبوضَةِ، وحُكْمِ المالِ المأخوذِ منهم؛

стр. 942

حيثُ جعَلَ إسقاطَهم للمالِ كالصَّدقةِ به وهم لم يَقْبِضوه؛ وهذا نظيرُ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، فالمالُ لصاحِبِهِ وأقرَضَهُ غيرَه، وكأنَّ الديةَ مِثلُه؛ لاستحقاقِ أهلِ القتيلِ لها؛ كأنَّما قبَضوها وأعطَوْها غيرَهم صدقةً منهم. والمالُ على المُعسِرِ إلَّا إنْ أسقَطَهُ صاحبُهُ عنه، فهو في حُكْمِ الصَّدقةِ عليه، وإنْ كان إسقاطُه بسبَبِ اليأسِ منه وعدَمِ رجاءِ عودتِه، فذلك دونَ البَداءةِ ببَذلِهِ وإخراجِه من مالِهِ صدقةً. التفاضُلُ بين إسقاطِ الديةِ وأخذِها: وفي قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ تشوُّفٌ إلى العفوِ باستعمالِ لفظِ التصدُّقِ، بدلَ العفوِ والتَّرْكِ وشِبْهِه، وفضلُ الصدقةِ بالديةِ على القاتلِ وعاقلتِهِ على حالَيْنِ: الأُولى: أنَّ العفوَ والصدقةَ بها أَوْلى مِن قَبْضِها؛ وذلك إذا كان القاتلُ لا قرينةَ في تعمُّدِهِ القتلَ، وكان مُعسِرًا ولا عاقلةَ له تُعِينُهُ، وكان أهلُ المقتولِ أهلَ قُدْرةٍ ويَسَارٍ. الثانيةُ: أنَّ أخذَها أوْلى؛ وذلك لِمَن ظهَرَ منه تعمُّدُ القتلِ وقامَتْ قرينةُ العداوةِ، وضَعْفِ الدِّيَانة، وسوءِ القصدِ؛ فأخذُها تأديبٌ له ولأمثالِه. وأخذُ الديةِ في الحالَينِ حقٌّ لأهلِ المقتول، لا يُلامون بذلك ولا يُعاتَبونَ عليه. مقدارُ ديةِ القتلِ: وقولُه: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، ديةُ القتلِ مِئةٌ مِنَ الإبلِ؛ وبهذا قَضَى النبيُّ ﷺ وخُلَفاؤُه الرَّاشِدونَ، وهي واجبةٌ مِن الإبلِ على أصحابِ الإبلِ، ولا خِلَافَ في ذلك.

стр. 943

ولكنْ إن لم يكُنِ القاتلُ مِن أهلِ الإبل، فقد اختَلَفُوا في مقدارِها مِن الذَّهبِ والفِضَّةِ وما يَنوبُ عنهما، مع اتِّفاقِ الأئمَّةِ الأربعةِ على جوازِ أخذِها مِن غيرِ الإبلِ مِن غيرِ أهلِها، ولمَن تَصالَحَ على غيرِها: فأمَّا الذهبُ، فقد رُوِيَ عن عُمرَ؛ أنَّه قوَّمَها بألفِ دينارٍ مِنَ الذهبِ، وبقضائِهِ قال الأئمةُ الأربعةُ، وهو قولُ الشافعيِّ القديمُ. روى الشعبيُّ، عَن عَبِيدَةَ، عن عُمَرَ، أنَّه جعَلَ الدِّيةَ على أهلِ الذهبِ ألفَ دِبنارٍ، وعلى أهلِ الوَرِقِ عشَرةَ آلافِ درهمٍ، وعلى أهلِ البقرِ مِئَتَيْ بقرةٍ، وعلى أهلِ الشَّاءِ ألفَ شاةٍ، وعلى أهلِ الإبلِ مئةً مِن الإبلِ، وعلى أهلِ الحُلَلِ مِئَتَيْ حُلَّةٍ. يَرويهِ عنِ الشعبيِّ؛ ابنُ أبي لَيْلَى؛ عِند ابنِ أبي شَيْبةَ (١)، والهيثمُ، رواهُ محمدُ بنُ الحسنِ في الآثارِ عن أبي حنيفةَ عنِ الهَيْثَمِ به (٢)؛ وهو ضعيفٌ. وأمَّا الفضَّةُ، فالجمهورُ على أنَّها اثنا عشَرَ ألفَ دِرهمٍ؛ وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ. وقال أبو حنيفة: هي عَشَرةُ آلافِ دِرْهمٍ. وإنَّما اختَلَفُوا لاختلافِ القديرِ عن عمرَ؛ فقد رُوِيَ عنه تقديرُ القيمةِ على رواياتٍ، وهي مُرسَلةٌ، ومنها ما أخرَجَهُ أبو داودَ، عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عَن أبيه، عَن جَدِّه؛ قال: كَانَت قِيمَة الدِّيَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : ثَمَانَ مِئَةِ دِيَنَارٍ أَوْ ثَمَانِيَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَدِيَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ يَوْمَئِذٍ النِّصْفُ مِنْ دِيَةِ المُسْلِمِينَ، قَالَ: فَكَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَتَّى اسْتُخْلِفَ عُمَرُ ﵀، فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: أَلَا إِنَّ الإِبِلَ قَدْ غَلَتْ، قَالَ: فَفَرَضَهَا عُمَرُ

стр. 944

عَلَى أَهْلِ الذَّهبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِئَتَيْ بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْحُلَلِ مِئَتَيْ حُلَّةٍ، قَالَ: وَتَرَكَ دِيَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَرْفَعهَا فِيمَا رَفَعَ مِنَ الدِّيَةِ (١). يَرويهِ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عثمانَ بنِ أميَّةَ، عن حُسينٍ المُعلِّمِ، عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، وعبدُ الرحمنِ ليس بالقويِّ؛ قاله أبو حاتمٍ. ولا يصحُّ عنِ النبيِّ ﷺ أنَّه قَضَى الديَةَ بغيرِ الإبِل، وقد رُوِيَ مِن حديثِ ابنِ عُمرَ وابنِ عبَّاسٍ وجابرٍ: تَقديرُها بالذَّهَبِ والفِضَّةِ والحُلَلِ؛ ولا يَصحُّ. ولكنَّ ما جاء عن عُمرَ وعثمانَ وغيرِهما مِن الصحابةِ يدلُّ بمجموعِهِ على جوازِ التقديرِ بالذهبِ والفضة، وإنِ اختَلَفَ القولُ عنهم، فهو يُثبِتُ أصلَ التقديرِ. ولم يثبُتْ عنِ النبيِّ ﷺ في أَسْنَانِ الإبلِ حديثٌ، وقد جاء مِن حديثِ عمرِو بنِ شعَيْبٍ؛ أنَّ النبيَّ جعَلَ ديةَ الخطأِ أرباعًا: ثلاثونَ بنتَ مَخَاضٍ، وثلاثونَ بنتَ لَبُونٍ، وثلاثونَ حِقَّةً، وعَشَرةٌ بَني لَبُونٍ، والحديثُ في "السُّننِ" (٢)؛ ولا يصحُّ، وليس العملُ عليه. وجاء مِن حديثِ ابنِ مسعودٍ مرفوعًا: أنَّ ديةَ الخطأِ مئةٌ مِن الإبلِ، منها عِشْرونَ حِقَّةً، وعِشرون جَذَعةً، وعِشرونَ بنتَ لَبُونٍ، وعشرونَ بنتَ مَخَاضٍ، وعشرونَ بَني مَخَاضٍ (٣)، وهو ضعيفٌ أيضًا. ويعضُدُ نَكارتَهُ: أنَّ أبا عُبَيْدةَ بنَ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رَوَى عن أبيهِ

стр. 945

خلافَهُ؛ قال: ديةُ الخطأِ خمسةُ أخماسٍ: عِشرونَ حِقَّةً، وعشروَنَ جَذَعةً وعشرونَ بناتِ مَخَاضٍ، وعشرونَ بناتِ لَبُونٍ، وعشرونَ بني لَبُونٍ ذُكُور (١). وهو أصحُّ. ورواهُ عنه عَلْقمةُ بنحوِه (٢). وأكثرُ الفقهاءِ على التخميسِ؛ رفقًا بمالِ العاقلةِ، وإنصافًا لأهلِ المقتولِ، لكنَّهم اختَلَفُوا في حدِّ الأخماسِ: فقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: هي خمسةُ بني مَخَاضٍ، وخمس بناتِ مخاضٍ، وخمس بناتِ لَبونٍ، وخمس حِقاقٍ، وخمسُ جِذَاعٍ. وقال مالكٌ والشافعيُّ: خمسُ حِقَاقٍ، وخمسُ جذاعٍ، وخمسُ بناتِ لَبونٍ، وخمسُ بناتِ مخاضٍ، وخمسةُ بَني لَبونٍ. والديةُ حقٌّ لأهلِ الدم، لا يجوزُ لها النَّقصُ، لقوله تعالى: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾، والناقصةُ لا يُطلَق عليها: ديةٌ مُسلَّمةٌ، والاستِلامُ: القبضُ، وإذا لم يَتِمَّ إكمالُ الديةِ، فلا يَصِحُّ إطلاقُ قَبْضِها وهي ناقصةٌ؛ روى الزهريُّ، عنِ ابنِ المسيَّبِ؛ قال: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾؛ يَعني: تامَّةً (٣). عتقُ الرقبة مِن مالِ القاتل، والدية على العاقلِ: وعِتْقُ الرقبةِ يَجِبُ في مالِ القاتلِ، وأمَّا الدِّيةُ فعلى العاقلةِ، ولا خلافَ عندَ العلماءِ في ذلك، وقد ثبَتَ به النصُّ؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي هُريْرةَ؛ قال: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى

стр. 946

رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ المَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا (١). قال الشافعيُّ: "لم أعلَمْ مُخالِفًا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قضى بالدِّيَةِ على العاقلةِ؛ وهذا أكثرُ مِن حديثِ الخاصَّةِ" (٢). ديةُ قتلِ الإمامِ خطأ: وأمَّا قتلُ الإمامِ أو نائبِهِ وعاملِهِ خطأً، فدِيَتُهُ على حالَيْنِ: الأُولى: إن كانَ قتلُهُ في حالِ عمَلِهِ في رعيَّتِهِ وقيامِهِ بشأنِهم، فأخطَأَ على واحدٍ منهم؛ كخطَأِ أميرِ الجيشِ على الأَسْرَى، والأميرِ في الحِسْبَةِ والتأديبِ: فدِيتُهُ مِن بيتِ المالِ؛ وذلك لِما في البخاريِّ؛ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ؛ قال: بَعَثَ النبيُّ ﷺ خالِدَ بنَ الوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: صَبَأْنَا صَبَأْنَا، فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَياسِرُ، وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أقْتُلُ أَسِيرِي، وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَذَكَرْنَاهُ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ، إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ - مَرَّتَيْنِ) (٣)، وبعَثَ عليًّا فوَدَى قَتْلاهُمْ وَمَا أُتْلِفَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ حَتَّى مِيلَغَةَ الكَلْبِ (٤). وقد كانوا يُطلِقونَ على مَن أسلَمَ: صَبَأَ، وهو ذمٌّ، فأرادُوا أنْ يُبَيِّنُوا دخولَهم في الإسلامِ وعَدْلِه، فلم يَجِدُوا إلَّا كلمةَ: صبَأْنَا، فعَدَّها خالدٌ كفرًا، ولم يَعُدَّها النبيُّ كذلك، فوَدَى قَتْلاهم مِن بيت المالِ.

стр. 947

إطلاقُ ألفاظٍ تحتمِلُ الكفر والإسلامَ: ويَدخُلُ في حُكْمِ هذا مَن يُرِيدُ عدلَ الإسلامِ وحُكْمَهُ، ويُطلِقُ عباراتٍ تَحتمِلُ الكفرَ؛ يَظُنُّ أنَّها تعني الإسلامَ، فهو يُريدُ الخروجَ مِن الكفرِ والظلمِ، ولم يُعبِّرْ إلَّا لما يَسْمَعُهُ مِن الناسِ؛ كمَنْ يُريدُ الخروجَ مِن الكفرِ والظلمِ، ويُطلِقُ طلَبَ الحريَّةِ بلا قيدٍ، أو طَلَبَ الديمقراطيَّة، ويظُنُّها شُورَى؛ فهؤلاءِ غالبًا يُفكِّرونَ فيما خرَجُوا مِه أكثَرَ ممَّا يفكِّرون فيما يُريدونَ الدخولَ إليه، وأحوالُ هؤلاءِ تُحمَلُ على حُسْنِ القصدِ، لا على خطَأِ العبارةِ؛ حتَّى يُبِيَّنَ لهم أو يستبينَ القولُ والمعنى الحقُّ فيما يتلفَّظونَ به. الثانيةُ: إنْ كان قتلُهُ بسببِ شيءٍ مِن معاملاتِهِ الخاصَّةِ؛ كبيعِه وشرائِهِ لنفسِه، ومُتْعَتِهِ الخاصَّةِ به وَأهلِه: فديتُهُ في عاقِلَتِهِ أو في مالِه. العاقلةُ وديةُ العمدِ: والعاقلةُ لا تَحمِلُ ديةَ قتلِ العمدِ عندَ عامَّةِ العلماءِ، وحكى بعضُهم الاتِّفاقَ على أنَّها في مالِ القاتلِ، لا عاقلتِه، إلَّا إن أرادَتِ العاقلةُ إحسانًا؛ لأنَّ العمدَ يُحتاجُ معه إلى تأديبِ المُعتدِي، لا رفعِ الكُلْفةِ عنه، ولا تأديبِ العاقلة، بخلافِ الخطأِ؛ ففيه رفعُ الحرَجِ عن المخطئ، ومُواساةُ عاقلتِه له. ثمَّ ذكَرَ اللهُ بعدَ ذلك حالتَيْنِ مِن قتلِ الخطأِ: الأُولى: في قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، والمرادُ: مَن كان مِن المؤمِنِينَ، ولكنَّه بَقِيَ بينَ الكافِرِينَ ولم يُهاجِرْ، أو قُتِلَ لأنَّه كان يَصِلُ قومَهُ المشرِكِينَ المُحارِبِينَ رَحِمًا وقَرَابَةً، فقُتِلَ بالخطأِ وَسْطَهم، فيجبُ على قاتلِهِ عِتْقُ رقبةٍ مؤمنةٍ، وليس لأهلِه ديةٌ؛ لكونِهم مُحارِبِينَ.

стр. 948

ومَن لم يُهاجِرْ عندَ وجوبِ الهِجْرةِ عليه، فغزَا المُسلِمونَ قومَهُ الكافِرِينَ، وبَقِيَ فيهم وهو يَعلَمُ فقُتِلَ، فليس له ولا لأوليائِهِ ديةٌ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]. ولم يأمُرِ النبيُّ أسامةَ بدِيَةِ مَن قتَلَهُ لَمَّا تشهَّدَ وهو في صَفِّ المُشرِكِينَ، والحديثُ في "الصحيحَيْن" (١). وكلُّ مسلمٍ يُقتَلُ وليس له ورَثةٌ مسلِمونَ، فلا تُعطَى الديةُ لورثتِهِ الكافِرِينَ، وأَوْلى مِن هذا إن كان الرجلُ معاهَدًا بنفسِه، وأمَّا قومُهُ فمحارِبونَ، فقُتِلَ المعاهَدُ خطأً، فلا يُعطى ورَثتُهُ المحارِبونَ ديةً. الثانيةُ: في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، والمرادُ هو الرجلُ المعاهَدُ، فالميثاقُ في الآيةِ العهدُ، فمَن قتَلَ معاهدًا خطأً وقومُهُ مُعاهَدُونَ، فتؤدَّى ديتُهُ إلى قومِه المعاهَدينَ، ويُحرِّرُ القاتلُ رَقَبةً مِن مالِهِ إنِ استطاع. كفَّارةُ قتلِ الذمِّيِّ: وقولُه تعالى: ﴿مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ دليلٌ على الكفَّارةِ في قتلِ الذمِّيِّ والمعاهَدِ بتحريرِ الرقبة، فالميثاقُ العهدُ والأمانُ. رُوِيَ هذا المعنى عن السلفِ؛ قاله سعيدُ بن جُبَيْرٍ وعِكْرِمةُ والزهريُّ وقتادةُ والنَّخَعيُّ (٢). وكدلك: فتُدفَعُ ديةُ المُسلِمِ إلى أهلِهِ المعاهَدينَ.

стр. 949

ديةُ قتلِ المرأةِ المعاهدة: وأمَّا مقدارُ ديةِ الكافرةِ المعاهَدة، فعلى النِّصْفِ مِن ديةِ الذَّكَرِ منهم بلا خلافٍ، ولكنِ اختَلَفَ العلماءُ في مقدارِ ديةِ ذُكُورِهم، والخلافُ في ديةِ الكتابيِّ المعاهَدِ على أقوالٍ: الأوَّلُ: أنَّها على النِّصْفِ مِن ديةِ المسلِمِ؛ وهو قولُ مالكٍ وأحمدَ. الثَّاني: ديتهُ كديَةِ المسلمِ؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ، وطَرَدَ الحنفيَّةُ ذلك في كلِّ كافرٍ، فجعَلُوا ديتَهم سواءً كالمسلِمِ. الثالثُ: أنَّ ديةَ الكتابيِّ ثُلُثُ ديةِ المسلم، وهو قولُ الشافعيِّ. واتَّفَقَ مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ: أنَّ ديةَ المجوسيِّ ثمان مئةِ درهمٍ. وكلُّ كافرٍ غيرِ كتابيٍّ يأخُذُ حُكْمَ المجوسيِّ في ديتِه، كان وثنيًّا أو غيرَ وثنيٍّ. وقد روى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن داودَ بنِ الحُصَيْن، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ في قصَّةِ بني فُرَيْظَةَ والنَّضير، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ جعَلَ دِيتَهُمْ سواءً ديةً كاملةً؛ وقد تفرَّدَ به ابنُ إسحاقَ عن داودَ (١). وأصحُّ منه: ما رَواهُ عبدُ الرحمنِ بنُ الحارثِ بنِ عيَّاشِ بنِ أبي ربيعةَ، عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيهِ؛ عن جدِّه: أنَّ النبيِّ ﷺ جعَلَ ديةَ اليهوديِّ والنصرانيِّ على النِّصْفِ مِن ديهِ المسلمِ (٢). وقد جعَلَ اللهُ بدَلَ عِتْقِ الرقبةِ في الأحوالِ السابقةِ صيامَ شهرَيْنِ مُتتابِعَيْنِ؛ وذلك في قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾؛ بَعني: لم يَجِدْ رقبةً مؤمنةً، أو وَجَدَ ولكِنْ لم يَجِدْ قِيمَتَها.

стр. 950

والمرادُ بقولِه تعالى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾: مَن لم يَجِدِ الرَّقَبةَ، لا مَن لم يجدِ الدِّيَةَ والرَّقَبةَ؛ لأنَّ الديةَ حقٌّ للمخلوق، لا يُعوَّضُ عنها بالصِّيَام، بخلافِ عتقِ الرَّقَبةِ؛ فهي حقٌّ لله، فيُعوَّضُ عنها - عندَ عدمِ القدرةِ - بشيءٍ مِن حقِّ اللهِ آخَرَ، وهو هنا الصَّوْمُ. وهو الصحيحُ الذي عليه عامةُ العلماءِ. وقيل: هي فيمَن لم يَجِدِ الديةَ والرقبةَ، وهو قولُ مسروقٍ؛ رواهُ عنه الشعبيُّ بسندٍ صحيحٍ؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ (١). ولا قائلَ به مِنَ السَّلَفِ. الصيامُ في كفَّارةِ القتلِ: وقولُه تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ لا يَجوزُ قَطعُهما إلا بعُذْرٍ يجوزُ معه قطعُ فريضةِ الصِّيامِ كرمَضَانَ، وذلكَ كعُذرِ المَرَضِ والسَّفَرِ وحيضِ المرأةِ ونِفاسِها، فإنْ جازَ في صومِ رمضانَ، فمي صيامِ الكفَّارةِ مِن بابِ أَوْلى. ولا يَختلِفُ العلماءُ في أنَّ صيامَ رمضانَ أعظَمُ أنواعِ الصيامِ كلِّه وآكَدُه. ومَن أفطَرَ في صيامِ الشهرَيْنِ بلا عذرٍ، فقد اختَلَفَ العلماءُ في فَسادِ ما سبَقَ مِن صومِه ووجوبِ إعادتِه، مع الاتِّفاقِ على إثمِه ووجوبِ توبتِه - على قولينِ في غيرِ الحيضِ والنِّفاسِ؛ فقد اتَّفَقُوا على عدمِ قطعِهما للتَّتابُعِ: الأوَّلُ: قالوا: يَفسُدُ ما مَضَى من صومِه، ويجبُ عليه أنْ يُعيدَ وَيَستأنِفَ صومَهُ مِن أوَّلهِ ولو كان فِطْرُهُ مِن غيرِ عذرٍ في آخِرِه، لأنَّ
следующие страницы →