← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ المَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا (١). قال الشافعيُّ: "لم أعلَمْ مُخالِفًا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قضى بالدِّيَةِ على العاقلةِ؛ وهذا أكثرُ مِن حديثِ الخاصَّةِ" (٢). ديةُ قتلِ الإمامِ خطأ: وأمَّا قتلُ الإمامِ أو نائبِهِ وعاملِهِ خطأً، فدِيَتُهُ على حالَيْنِ: الأُولى: إن كانَ قتلُهُ في حالِ عمَلِهِ في رعيَّتِهِ وقيامِهِ بشأنِهم، فأخطَأَ على واحدٍ منهم؛ كخطَأِ أميرِ الجيشِ على الأَسْرَى، والأميرِ في الحِسْبَةِ والتأديبِ: فدِيتُهُ مِن بيتِ المالِ؛ وذلك لِما في البخاريِّ؛ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ؛ قال: بَعَثَ النبيُّ ﷺ خالِدَ بنَ الوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: صَبَأْنَا صَبَأْنَا، فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَياسِرُ، وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أقْتُلُ أَسِيرِي، وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَذَكَرْنَاهُ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ، إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ - مَرَّتَيْنِ) (٣)، وبعَثَ عليًّا فوَدَى قَتْلاهُمْ وَمَا أُتْلِفَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ حَتَّى مِيلَغَةَ الكَلْبِ (٤). وقد كانوا يُطلِقونَ على مَن أسلَمَ: صَبَأَ، وهو ذمٌّ، فأرادُوا أنْ يُبَيِّنُوا دخولَهم في الإسلامِ وعَدْلِه، فلم يَجِدُوا إلَّا كلمةَ: صبَأْنَا، فعَدَّها خالدٌ كفرًا، ولم يَعُدَّها النبيُّ كذلك، فوَدَى قَتْلاهم مِن بيت المالِ.

стр. 947

إطلاقُ ألفاظٍ تحتمِلُ الكفر والإسلامَ: ويَدخُلُ في حُكْمِ هذا مَن يُرِيدُ عدلَ الإسلامِ وحُكْمَهُ، ويُطلِقُ عباراتٍ تَحتمِلُ الكفرَ؛ يَظُنُّ أنَّها تعني الإسلامَ، فهو يُريدُ الخروجَ مِن الكفرِ والظلمِ، ولم يُعبِّرْ إلَّا لما يَسْمَعُهُ مِن الناسِ؛ كمَنْ يُريدُ الخروجَ مِن الكفرِ والظلمِ، ويُطلِقُ طلَبَ الحريَّةِ بلا قيدٍ، أو طَلَبَ الديمقراطيَّة، ويظُنُّها شُورَى؛ فهؤلاءِ غالبًا يُفكِّرونَ فيما خرَجُوا مِه أكثَرَ ممَّا يفكِّرون فيما يُريدونَ الدخولَ إليه، وأحوالُ هؤلاءِ تُحمَلُ على حُسْنِ القصدِ، لا على خطَأِ العبارةِ؛ حتَّى يُبِيَّنَ لهم أو يستبينَ القولُ والمعنى الحقُّ فيما يتلفَّظونَ به. الثانيةُ: إنْ كان قتلُهُ بسببِ شيءٍ مِن معاملاتِهِ الخاصَّةِ؛ كبيعِه وشرائِهِ لنفسِه، ومُتْعَتِهِ الخاصَّةِ به وَأهلِه: فديتُهُ في عاقِلَتِهِ أو في مالِه. العاقلةُ وديةُ العمدِ: والعاقلةُ لا تَحمِلُ ديةَ قتلِ العمدِ عندَ عامَّةِ العلماءِ، وحكى بعضُهم الاتِّفاقَ على أنَّها في مالِ القاتلِ، لا عاقلتِه، إلَّا إن أرادَتِ العاقلةُ إحسانًا؛ لأنَّ العمدَ يُحتاجُ معه إلى تأديبِ المُعتدِي، لا رفعِ الكُلْفةِ عنه، ولا تأديبِ العاقلة، بخلافِ الخطأِ؛ ففيه رفعُ الحرَجِ عن المخطئ، ومُواساةُ عاقلتِه له. ثمَّ ذكَرَ اللهُ بعدَ ذلك حالتَيْنِ مِن قتلِ الخطأِ: الأُولى: في قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، والمرادُ: مَن كان مِن المؤمِنِينَ، ولكنَّه بَقِيَ بينَ الكافِرِينَ ولم يُهاجِرْ، أو قُتِلَ لأنَّه كان يَصِلُ قومَهُ المشرِكِينَ المُحارِبِينَ رَحِمًا وقَرَابَةً، فقُتِلَ بالخطأِ وَسْطَهم، فيجبُ على قاتلِهِ عِتْقُ رقبةٍ مؤمنةٍ، وليس لأهلِه ديةٌ؛ لكونِهم مُحارِبِينَ.

стр. 948

ومَن لم يُهاجِرْ عندَ وجوبِ الهِجْرةِ عليه، فغزَا المُسلِمونَ قومَهُ الكافِرِينَ، وبَقِيَ فيهم وهو يَعلَمُ فقُتِلَ، فليس له ولا لأوليائِهِ ديةٌ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]. ولم يأمُرِ النبيُّ أسامةَ بدِيَةِ مَن قتَلَهُ لَمَّا تشهَّدَ وهو في صَفِّ المُشرِكِينَ، والحديثُ في "الصحيحَيْن" (١). وكلُّ مسلمٍ يُقتَلُ وليس له ورَثةٌ مسلِمونَ، فلا تُعطَى الديةُ لورثتِهِ الكافِرِينَ، وأَوْلى مِن هذا إن كان الرجلُ معاهَدًا بنفسِه، وأمَّا قومُهُ فمحارِبونَ، فقُتِلَ المعاهَدُ خطأً، فلا يُعطى ورَثتُهُ المحارِبونَ ديةً. الثانيةُ: في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، والمرادُ هو الرجلُ المعاهَدُ، فالميثاقُ في الآيةِ العهدُ، فمَن قتَلَ معاهدًا خطأً وقومُهُ مُعاهَدُونَ، فتؤدَّى ديتُهُ إلى قومِه المعاهَدينَ، ويُحرِّرُ القاتلُ رَقَبةً مِن مالِهِ إنِ استطاع. كفَّارةُ قتلِ الذمِّيِّ: وقولُه تعالى: ﴿مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ دليلٌ على الكفَّارةِ في قتلِ الذمِّيِّ والمعاهَدِ بتحريرِ الرقبة، فالميثاقُ العهدُ والأمانُ. رُوِيَ هذا المعنى عن السلفِ؛ قاله سعيدُ بن جُبَيْرٍ وعِكْرِمةُ والزهريُّ وقتادةُ والنَّخَعيُّ (٢). وكدلك: فتُدفَعُ ديةُ المُسلِمِ إلى أهلِهِ المعاهَدينَ.

стр. 949

ديةُ قتلِ المرأةِ المعاهدة: وأمَّا مقدارُ ديةِ الكافرةِ المعاهَدة، فعلى النِّصْفِ مِن ديةِ الذَّكَرِ منهم بلا خلافٍ، ولكنِ اختَلَفَ العلماءُ في مقدارِ ديةِ ذُكُورِهم، والخلافُ في ديةِ الكتابيِّ المعاهَدِ على أقوالٍ: الأوَّلُ: أنَّها على النِّصْفِ مِن ديةِ المسلِمِ؛ وهو قولُ مالكٍ وأحمدَ. الثَّاني: ديتهُ كديَةِ المسلمِ؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ، وطَرَدَ الحنفيَّةُ ذلك في كلِّ كافرٍ، فجعَلُوا ديتَهم سواءً كالمسلِمِ. الثالثُ: أنَّ ديةَ الكتابيِّ ثُلُثُ ديةِ المسلم، وهو قولُ الشافعيِّ. واتَّفَقَ مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ: أنَّ ديةَ المجوسيِّ ثمان مئةِ درهمٍ. وكلُّ كافرٍ غيرِ كتابيٍّ يأخُذُ حُكْمَ المجوسيِّ في ديتِه، كان وثنيًّا أو غيرَ وثنيٍّ. وقد روى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن داودَ بنِ الحُصَيْن، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ في قصَّةِ بني فُرَيْظَةَ والنَّضير، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ جعَلَ دِيتَهُمْ سواءً ديةً كاملةً؛ وقد تفرَّدَ به ابنُ إسحاقَ عن داودَ (١). وأصحُّ منه: ما رَواهُ عبدُ الرحمنِ بنُ الحارثِ بنِ عيَّاشِ بنِ أبي ربيعةَ، عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيهِ؛ عن جدِّه: أنَّ النبيِّ ﷺ جعَلَ ديةَ اليهوديِّ والنصرانيِّ على النِّصْفِ مِن ديهِ المسلمِ (٢). وقد جعَلَ اللهُ بدَلَ عِتْقِ الرقبةِ في الأحوالِ السابقةِ صيامَ شهرَيْنِ مُتتابِعَيْنِ؛ وذلك في قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾؛ بَعني: لم يَجِدْ رقبةً مؤمنةً، أو وَجَدَ ولكِنْ لم يَجِدْ قِيمَتَها.

стр. 950

والمرادُ بقولِه تعالى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾: مَن لم يَجِدِ الرَّقَبةَ، لا مَن لم يجدِ الدِّيَةَ والرَّقَبةَ؛ لأنَّ الديةَ حقٌّ للمخلوق، لا يُعوَّضُ عنها بالصِّيَام، بخلافِ عتقِ الرَّقَبةِ؛ فهي حقٌّ لله، فيُعوَّضُ عنها - عندَ عدمِ القدرةِ - بشيءٍ مِن حقِّ اللهِ آخَرَ، وهو هنا الصَّوْمُ. وهو الصحيحُ الذي عليه عامةُ العلماءِ. وقيل: هي فيمَن لم يَجِدِ الديةَ والرقبةَ، وهو قولُ مسروقٍ؛ رواهُ عنه الشعبيُّ بسندٍ صحيحٍ؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ (١). ولا قائلَ به مِنَ السَّلَفِ. الصيامُ في كفَّارةِ القتلِ: وقولُه تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ لا يَجوزُ قَطعُهما إلا بعُذْرٍ يجوزُ معه قطعُ فريضةِ الصِّيامِ كرمَضَانَ، وذلكَ كعُذرِ المَرَضِ والسَّفَرِ وحيضِ المرأةِ ونِفاسِها، فإنْ جازَ في صومِ رمضانَ، فمي صيامِ الكفَّارةِ مِن بابِ أَوْلى. ولا يَختلِفُ العلماءُ في أنَّ صيامَ رمضانَ أعظَمُ أنواعِ الصيامِ كلِّه وآكَدُه. ومَن أفطَرَ في صيامِ الشهرَيْنِ بلا عذرٍ، فقد اختَلَفَ العلماءُ في فَسادِ ما سبَقَ مِن صومِه ووجوبِ إعادتِه، مع الاتِّفاقِ على إثمِه ووجوبِ توبتِه - على قولينِ في غيرِ الحيضِ والنِّفاسِ؛ فقد اتَّفَقُوا على عدمِ قطعِهما للتَّتابُعِ: الأوَّلُ: قالوا: يَفسُدُ ما مَضَى من صومِه، ويجبُ عليه أنْ يُعيدَ وَيَستأنِفَ صومَهُ مِن أوَّلهِ ولو كان فِطْرُهُ مِن غيرِ عذرٍ في آخِرِه، لأنَّ

стр. 951

التتابُعَ مقصودٌ للكفَّارةِ؛ وذلك في حُكْمِ الفِطْرِ مِن النهارِ يُعيدُ صومَ ذلك اليومِ؛ وبهذا القولِ قال جمهورُ الفقهاءِ. التتابُعُ في صيام كفَّارة القتلِ: والتتابعُ مقصودٌ في الكفارةِ؛ ولهذا ذكَرَ الصومَ بهذا القيدِ؛ كتَتابُعِ الصَّلاةِ في الرَّكَعاتِ الأربعِ؛ فمَن أفسَدَ آخِرَ ركعةٍ مِنَ الظُّهْر، وجَبَ عليه إعادتُها، وكذلك مَن نذَرَ أَنْ يُصلِّيَ عشرَ ركعاتٍ بتسليمٍ واحدٍ، ثمَّ أفسَدَ آخِرَ ركعةٍ، وجبَ عليه إعادتُها جميعًا، ولو صحَّ مِن الإنسانِ الصلاةُ ركتَتَيْنِ ركعتَيْنِ؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ: (صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى) (١)، فأحدَثَ في إحدى الركعتَيْن، فَسَدَتْ تلك الصلاةُ ولم يَفسُدْ ما فبلَها، ومَن أفسَدَ ركعةَ الوترِ، لم يَفسُدْ قيامُهُ اللَّيْلَ، لأنَّها منفصِلةٌ غيرُ متتابِعةٍ، ولو تتابعَتْ مِن غيرِ سلامٍ، أخَذَ أوَّلُها حُكْمَ آخِرِها؛ فكذلك صيامُ الشهرَيْنِ المتتابعَيْن، فمَن أفسَدَ يومًا منها، أعادَها جميعَها. الثَّاني: قالوا: لا يُعِيدُ مَن قطَعَ صيامَهُ بفِطْرٍ مِن غيرِ عذرٍ؛ وإنَّما تَكْفِيهِ التوبةُ. العجزُ عن صيام كفَّارة القتلِ: ومَن عجَزَ عنِ الصيامِ، فهَل يجبُ عليه بدلَهُ إطعامٌ؟ وقَعَ في ذلك خلافٌ: مِن العلماءِ: مَن جعَلَ بدَلَ الصيامِ الإطعامَ؛ ككفارةِ الظِّهارِ؛ وهو قولٌ للشافعي وبعضِ أصحابِ مذهبِنا. وقيلَ: لا بدلَ للصيام، وإنْ سقَطَ، فلا شيءَ عليه؛ وهو الأشبَهُ. وقال بعضُهم: مَن مات ولم يصُمْ، أُطعِمَ عنه عن كلِّ يومٍ مسكينٌ

стр. 952

مِن مالِه، وإنْ لم يكُن له مالٌ، سقَطَ عنه، لأنَّ الصيامَ حقٌّ لله، وقال بالإطعامِ عنِ الميِّتِ مجاهدٌ وغيرُه. وقولُه تعالى: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾؛ يعني: غُفْرانًا مِن اللهِ لذلك الذنبِ، ودلك رحمةً مِن اللهِ أنْ جعَلَ لهذا الجُرْمِ - وهو القتلُ - كَفَّارةً، وإلَّا فيَبْقَى أثرُهُ في النفسِ إلى موتِ فاعلِه، ولو كانَ القتلُ خطأً فإنَّ النفسَ المؤمِنةَ لها عَظَمةٌ عندَ اللهِ وعندَ المؤمنينَ. * * * قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]. بعدَ ما ذكَرَ اللهُ القتلَ الخطأَ، ذكَرَ القتلَ العمدَ، وبيَّنَ خطَرَهُ، ولم يَذكُرِ اللهُ وعيدًا على فِعْلٍ بعدَ الكفرِ كما ذكَرَهُ في وعيدِ القتلِ العمدِ في هذه الآيةِ. قتلُ العمدِ ومعناه: وقتلُ العمدِ هو التسبُّبُ في موتِ أحدٍ، مع قَصْدِ إزهاقِ النَّفْس، بسلاحٍ وغيرِ سلاحٍ؛ فالسلاحُ: كلُّ ما صحَّ استعمالُهُ للإزهاقِ ولو كان إبرةً، وغيرُ السلاحِ: كالخَنقِ وحبسٍ النَّفَسِ بالثَّوْبِ أو اليدِ أو الحبل، ونحوِ ذلك. توافُرُ قصدِ القتلِ: وإذا توافَرَ في القتلِ القصدُ، كَفَى في وصفِ القتلِ بالعمدِ ولو بأدنى سببٍ، وإذا توافَرَ السلاحُ القاتلُ وتُيُقِّنَ مِنِ انتِفاءِ القصد، لم يُسَمَّ القتلُ عمدًا؛ كمَن يَقتلُ بالسيفِ أو الرَّصَاصِ أو السهمِ رجُلًا، وهو يُرِيدُ صيدًا.

стр. 953

وإذا توافَرَ السلاحُ القاتلُ، وجُهِلَ القصدُ، وتُيُقِّنَتِ العداوةُ، كان قتلَ عمدٍ؛ فالعِبْرةُ هنا بالسلاح، وإذا كان السلاحُ غيرَ قاتلٍ، ولكنْ توافَرَ قصدُ القتل، كان قتلَ عمدٍ؛ فالعِبْرةُ هنا بالقصد، وهما أمرانِ إنِ اجتَمَعَا فهو قتلُ عمدٍ بلا خلافٍ، وإنْ توافَرَ أحدُهما دونَ الآخَر، فيُنظَرُ للقصدِ معَ أدنى سببٍ يُمكِنُ به القتلُ، ولو كان بإطعامِه طعامًا مباحًا يُعلَمُ أنَّه لو أكلَهُ مريضٌ ماتَ فأطعَمَهُ بقصدِ قتلِه، فهو قتلُ عمدٍ يُقتَلُ به؛ كمَن يُطعِمُ مريضَ السُّكَّرِ السكرَ وهو يَعلَمُ أنَّه يموتُ بمِثْلِ هذا النوعِ مِنَ الطعام، ومِثْلِ هذا المقدارِ؛ فهنا وإن كان السببُ مباحًا لكنَّه في هذا الشخصِ وهذه الحالةِ محرَّمٌ. فمع قصدِ القتلِ تُلتمَسُ أدنى الأسباب، ومع السلاحِ القاتلِ يُلتمَسُ أدنى القصد، ولأنَّه لا يُحمَلُ السلاحُ القاتِلُ عادةً إلا للقتلِ. ومَن قَتَلَ بغيرِ سببٍ قاتِلِ؛ كمَن رمَى حصىً مِثلَ حَصَى الخَذفِ؛ فإنَّ مِثلَهُ لا يَقتُلُ؛ ففي الحديثِ؛ (إِنَّهُ لَا يُصْطَادُ بِهِ الصَّيْدُ، وَلَا يُنْكَأُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَلَكِنَّهُ يَكْسِرُ السِّنَّ، وَيَفْقَأُ الْعَيْنَ) (١)؛ فمَن مات به، فهو قتل خطأ. أنواعُ القتلِ: والقتلُ على أنواعٍ ثلاثةٍ: النوعُ الأولُ: قتلُ الخطأِ؛ وقد تقدَّمَ في الآيةِ السابقةِ. النوعُ الثاني: قتلُ العمد، وقد تقدَّمَ ذِكرُ وصفِهِ والقرائنِ الدالَّةِ عليه. النوعُ الثالثُ: قتلُ شِبْهِ العمد، وهو ما توافَرَ فيه العداوةُ، وانْتَفَى

стр. 954

قصدُ القتل، وانتَفَى معه السلاحُ الذي يَقتُلُ مِثلُه عادةً؛ كمَن رمى بعودٍ أو حصاةٍ لا يَقتُلُ مِثلُها عادةً؛ ولو توافَرَتِ العداوةُ؛ فما كلُّ عداةٍ يُرادُ منها القتلُ؛ فالناسُ يتَخاصَمُونَ ويقَعُ منهمُ السَّبُّ واللَّعْنُ واللَّطْمُ ونحوُ ذلك، ولا يَقصِدونَ القتلَ. ومِن هذا النوعِ ما في "الصحيحَيْنِ"، عن أبي هُرَيْرةَ؛ قال: "اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاختَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَليدَةٌ، وَقَضَى بدِيَةِ المَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا" (١). وأنكَرَ بعصُ الأئمَّةِ قتلَ شِبْهِ العمد، فجعَلُوا القتلَ خطأً وعَمْدًا، وأدخَلُوا شِبْهَ العمدِ في العمد، ولو ماتَ بالعَضَّةِ واللَّطْمةِ؛ وهو قولُ مالكٍ واليثِ. والصحيحُ ثبوت هذا النوعِ؛ وقد قضى به النبيُّ ﷺ وبعضُ الخلفاءِ والصحابة، ولا مُخالِفَ لهم منهم، ولكنَّ ديةَ قتلِ شبهِ العمدِ تُغلَّظُ لا كالخطأِ. ديةُ شبهِ العَمْدِ: وجمهورُ العلماءِ: على أنَّ ديةَ شبهِ العمدِ على العاقلة، لا على القاتلِ مِن مالِه؛ خلافًا لمالكٍ؛ إذْ جعَلَ شبهَ العمدِ عمدًا. والأوَّلُ أصحُّ؛ فقد جعَلَ النبيُّ ديةَ الجنينِ على عاقلةِ المرأةِ؛ كما في "الصحيحَيْنِ"، مع أنَّها رمَتْ بحجرٍ. كفَّارةُ قتلِ العمدِ وشبهِهِ: واختلَفَ الأئمةُ في كفارةِ القتلِ العمدِ وشِبهِه، مِن تحريرِ رقبةٍ وديةٍ

стр. 955

عندَ العفوِ عنِ القَوَدِ، على قولَيْنِ؛ هما قولانِ لمالكٍ، وروايتانِ عن أحمدَ: الأوَّلُ: في العمدِ وشِبْهِهِ الديةُ كالخطأِ؛ وهو قولُ الشافعيِّ. الثاني: فيه الكفارةُ؛ وهو قولُ مالكٍ وأحمدَ المشهورُ عنهما وأبي حنيفةَ. وعلَّلَ أحمدُ عدمَ الديةِ بعِظَمِ الذَّنْبِ وأنَّ الكفارةَ بعقِ الرقبةِ والدِّيَةِ لا يكونُ لذنبٍ معظَّمٍ؛ دونَ الشِّرْكِ مرتبةً، وفوقَ بقيةِ المُوبِقاتِ. والقولُ بالديةِ يُوافِقُ النَّظرَ؛ لأنَّ الديةَ حقٌّ لأهلِ القتيل، لا حقٌّ للقتيل، وليستْ جَبْرًا للذنبِ؛ وإنَّما جبرٌ لبعضِ ما فقَدُوهُ بما لا يُضِرُّ بالقاتلِ وعاقلتِه، ولا يَهدُرُ حقَّهم في فقيدِهم، ولا يَلزَمُ مِنَ العفوِ عنِ القِصَاصِ سقوطُ الديةِ تبَعًا. وهذه الآيةُ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾: اختُلِفَ في نَسْخِها وإحكامِها: والجمهورُ: على إحكامِها؛ وهو قولُ ابنِ عمرَ وابنِ عبَّاسٍ وأبي هريرةَ وعُبيدِ بنِ عُميرٍ والحسَنِ وقتادةَ. وقد روى البخاري ومسلم، عنِ ابنِ جُبيرٍ؛ قال: "آيَةٌ اختَلَفَ فِيهَا أَهْلُ الكُوفَة، فَرَحَلْتُ فِيهَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا، فَقَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، هِيَ آخِرُ مَا نَزَلَ، وَمَا نَسَخَهَا شَيْءٌ" (١). وروى سعيدٌ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: "إنَّ الرجلَ إذا عرَفَ الإسلامَ وشرائعَ الإسلام، ثمَّ قتَلَ مؤمِنًا متعمِّدًا، فجزاؤُهُ جهنَّمُ، ولا توبةَ له،

стр. 956

فذكَرْتُ ذلك لمجاهدٍ، فقال: إلَّا مَن نَدِمَ" (١). ورُوِيَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ: أنَّه لا توبةَ له، مِن وجوهٍ متعدِّدةٍ، وقال بقولِه قِلَّةٌ. أنواعُ الذنوبِ: والذنبُ الذي يقَعُ مِنَ الإنسانِ على نوعَيْنِ: الأوَّلُ: حقٌّ للهِ خاصٌّ، كفِعْلِ بعضِ المحرَّماتِ؛ مِن شُرْبِ الخمرِ والزِّنى، وتَرْكِ بعضِ الواجباتِ؛ كالصِّيامِ والحجِّ؛ وهذا النوعُ للهِ تعالى؛ إنْ شاءَ عاقَبَ فاعِلَهُ، وإنْ شاءَ غفَرَ له. الثاني: حقٌّ خاصٌّ بالمخلوق، جعَلَهُ اللهُ إليه؛ إنْ عَفَا، سقَطَ عنِ الظالِمِ ظُلْمُه؛ وذلك كضَرْبِ الإنسانِ وشجِّهِ وأخذِ مالِه ونحوِ ذلك، فهذا للمخلوقِ؛ كما جاء في "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ أبي هُرَيْرةَ؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: (مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظلِمَةٌ لِأَخِيه، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِه، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ، أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيه، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ) (٢). وحقُّ اللهِ في حقِّ الآدميِّين مبنيٌّ على المُسامَحة، واللهُ أكرَمُ مِن خَلْقِهِ في العفوِ والصفحِ! فإنْ عَفَا صاحِبُ الحقِّ، عَفَا اللهُ معَهُ لِمَن نَدِمَ، وأمَّا القتلُ، فهو حقٌّ للآدميِّ لا يمكِنُ أن يعفُوَ صاحبُهُ؛ لفَوْتِهِ بموتِه، فلا يَلتقي بالقاتلِ إلَّا في الآخِرة، وفي الآخرةِ لا يعفو الوالدُ عن ولدِه؛ ولا الخليلُ عن خليلِه. ولعلَّ هذا مرادُ ابنِ عبَّاسٍ في عَدَمِ توبةِ القاتلِ وقَبُولِها. وأمَّا الكَفَّارة بتحريرِ الرقبةِ والدِّيَة، فالتحريرُ حقٌّ لله، والديةُ حقٌّ لأهلِ القتيلِ لا للقتيلِ نفسِه؛ لأنَّه لا يَنتفِعُ منها.

стр. 957

توبةُ القاتِلِ: وأمَّا آيةُ الفُرْقانِ في قَبُولِ توبةِ القاتلِ بعدَ ما ذكرَ الشِّرْكَ والقَتْلَ والزِّنى، قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠]، فحَمَلَها على المُشْرِكِ الذي يَقتُلُ في جاهليَّتِه وشِرْكِه؛ فقد روى الشيخانِ؛ مِن حديثِ سعيدِ بنِ جبيرٍ؛ قال: "أمَرَني عبدُ الرحمنِ بنُ أَبْزَى؛ قال: سَلِ ابنَ عبَّاسٍ عن هاتَيْنِ الآيتَيْنِ؛ ما أمرُهما: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (١) [الأنعام. ١٥١]، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾؟ فسألتُ ابنَ عبَّاسٍ، فقال: لمَّا أُنزلَتِ التي في الفُرْقان، قال مُشرِكو أهلِ مكَّةَ: فقَدْ قتَلْنا النفسَ التي حرَّمَ اللهُ، ودعَوْنا مع اللهِ إلهًا آخَرَ، وقد أتَيْنَا الفواحشَ! فأنزَلَ اللهُ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [الفرقان: ٧٠]؛ فهذه لأولئكَ، وأمَّا التي في النساءِ: الرَّجُلُ إذا عرَفَ الإسلامَ وشرائعَهُ، ثمَّ قتَلَ، فجزاؤُهُ جهنَّمُ، فذكَرتُهُ لمجاهدٍ، فقال: إلَّا مَن نَدِمَ" (٢). ومِن العلماءِ: مَن يستدِلُّ على قَبولِ توبةِ القاتلِ بِما ثبَتَ في "الصحيحَينِ "! مِن حديثِ أبي سعيدٍ، في الرَّجُلِ مِن بني إسرائيلَ الذي قتَلَ تسعةً وتسعينَ نَفسًا، ثمَّ أتَمَّ المِئةَ بِراهبٍ، قَالَ: ليس لك مِن توبةٍ، حتَّى سألَ عن أَعْلَمِ أهلِ الأرض، فدُلَّ على رجلٍ عالمٍ، فقال: إنَّه قتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ، فهل له مِنْ تَوْبةٍ؟ فقال: نعَمْ، ومَن يَحُولُ بينَه وبينَ التوبةِ؟ ! الحديثَ (٣). وهذا وإن كان في بني إسرائيلَ إلَّا أنَّ القاعدةَ: أنَّ الأمَّةَ أوسَعُ الأممِ رَحْمةً؛ فهي داخلةٌ في ذلكَ مِن بابِ أَوْلى.

стр. 958

والأظهَرُ: أن ما جاءَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ محمولٌ على حق الآدميِّ الذي يكونُ فيه القِصاصُ في الآخِرةِ بالحسَناتِ والسيئات، وما كان مِن أدلَّةِ توبةِ القاتلِ - كحديتِ الإسرائيليِّ - محمولٌ على حق اللهِ الذي يُسقِطُهُ اللهُ بالتوبةِ في الدُّنيا، وأمَّا حق الآدمي فبِعَفوِه، ولكنَّه لم يَعفُ؛ لفوتِهِ بموتِه، ومَن عفا اللَه عنه يَرحَمُهُ اللهُ بإكرامِ المقتولِ بخيرٍ ممَّا يَرجُوهُ مِن قاتلِهِ من عندِه، وَيرحَمُ القاتِلَ بتوبته. ولكن لمَّا كان القتلُ عظيمًا، فلِعظمَتِه يَستوجب توبةً تُناسِبُ عظمَتَهُ؛ مِن الإنابةِ والندم، والطاعةِ والخشية، لا تُدركُها النفوسُ الضعيفة التي تتَواكَلُ على قليلِ الطاعةِ أنْ يَمحُوَ كبيرَ المعصية، وإن تابَتْ، تابَتْ مِن غيرِ إقبالٍ ولا تعظيمِ للذنب وعاقِبتِه. وعندَ عدَمِ توبةِ القاتلِ، أو عدمِ قَبُولِها، يكون حقًّا للمقتولِ على القاتلِ أن يَأخُذَ مِن حسناتِهِ بقَدرِ مَظْلِمتِه، فإن كان عملهُ قليلًا فيأخُذُهُ كلَّه إلا التوحيدَ؛ لأنه لا يَأخُذُ التوحيدَ ويُزيلُهُ إلا الكفرُ، وتَبقى سيِّئاتُه، فإن عفا اللهُ عنه فبِها؛ وإلا دخلَ النارَ. ما ورَدَ في كفرِ القاتِلِ: وأمَّا ما رُوِيَ في كفرِ القاتلِ، وحَمْلُ بعضِهم عدَمَ قَبولِ توبةِ القاتلِ بسبب كفرِه؛ فذلكَ لا يصحُّ، وقد روى فيه ابنُ عَدي حديثًا مِن حديثِ زيدِ بنِ جَبِيرَةَ، عن داودَ، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ، مرفوعًا: (مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتعَمِّدًا، فَقَدْ كَفَرَ بِاللهِ) (١)، وهو منكَرٌ جِدًّا، وزيدٌ منكَرُ الحديثِ. ولا يَلزَم مِن قولِ ابنِ عباسٍ بعدمِ قَبولِ توبتِهِ أنَّه عنده كافرٌ، ولم يقُلْ بهذا أحدٌ مِن أهلِ السنَّةِ إلَّا مَن استحَلَّ الحرامَ، وحالُ القتلِ في رأيِ ابنِ عبَّاسٍ كحالِ الذنوبِ التي يتَقاضاها الناسُ بينهم يومَ القيامةِ

стр. 959

قِصاصًا بالحسَناتِ والسيِّئات، ممَّا لم يتَسامَحُوا فيها في الدُّنيا وَيعفُوا أو يَستَوفُوا. والخلودُ في لغةِ العَرَبِ: هو طولُ البقاء والمُكْثِ، وليس المرادُ منه البقاءَ بلا نهايةٍ، وتُسمِّي العربُ الولدَ خالِدًا، والذِّكرَ مخلَّدًا؛ لطولِ بقائِه، لا دوامِهِ إلى ما لا نهايةَ له؛ فالقتلُ ولو استوفَى المقتول به حسناتِ القاتل، فإنَّه لا يَستوفي مِن توحيدِه، فلا يُزِيلُ التوحيدَ إلا الكفرُ والشِّركُ، والقتل ليس بكُفرٍ، وقد ثبَتَ في "الصحيحينِ": "أنَّه يَخرُجُ مِن النار من كان في قلبِه مِثقالُ حَبةٍ مِن إيمانٍ" (١). * * * قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾ [النساء: ٩٤]. لمَّا شرَعَ اللهُ الجهادَ وكتَبَهُ على المؤمِنِين، وكانتِ النفوسُ مُقبِلةً عليه متشوِّقةً له - لِمَا سَلَف مِن عداوةِ الكافِرِينَ وبغيهم على المؤمنينَ - جاءَت هذه الآيةُ داعيةً للتحرِّي والتثبتِ عندَ الخروجِ للقتالِ مِن عدمِ التمييزِ بينَ مَن يجبُ قتالُهُ ومَن لا يجبُ ومَن لا يجوزُ؛ فإن النفوس قد يَدْفَعُها العداوةُ والانتصارُ والحميَّةُ الدينيَّةُ وحبُّ الغنيمة، فتَظلِمُ وهي لا تُريدُ الظلمَ، فأوجَبَ اللهُ التبيُّنَ والاحترازَ.

стр. 960

القتالُ وقَصدُ الدنيا: وفي هذه الآيةِ: أن القتالَ في سبيلِ اللهِ إذا دخلَتهُ الدنيا، فسَدَ وأفَسدَ أهلَهُ، فلا يُفسِدُ الجهادَ إلا طمعُ المجاهِدِينَ في الدُّنيا؛ لذا قال الله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾، فتَميلُ نفسُ المجاهدِ إذا طَمِعَ في الدنيا، وتساوَتِ الاحتمالاتُ، إلى ترجيحِ أحَدِ الاحتمالَينِ وهو الذي يَهواهُ لدنياه، فيُفسدُ الدِّينَ والدنيا، وهنا يتشوَّفُ إلى عدمِ إسلامِ الخَصْمِ عندَ اشتباهِ أمرِه؛ لاغتنامِ مالِه، وكَسبِ سُلطانِه. وقوله: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أمرٌ خفيٌّ لا يَعلمُهُ إلَّا اللهُ، وهو على درجاتٍ في نفوسِ مَن قاتَلَ في سبيلِ الله، وبمقداره لا يؤتِي الجهادُ ثِمَارَه، وأخرَجَ ابنُ أبي شَيبةَ وأحمدُ وابنُ المُنذِر، عن ابنِ مسعودٍ؛ قال: "إنَّ النساءَ كُنَّ يومَ أحُدٍ خلفَ المسلِمينَ يُجْهِزْنَ على جَرحَى المشرِكينَ، فلو حلَفتُ يومئذٍ رجَوتُ أن أبَرّ أنَّه ليس أحد منَّا يُريدُ الدُّنْيا، حتَّى أنزَلَ اللهُ: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] (١) ". والدُّنيا - ولو كانَت قليلةً - تحجب الإنسانَ عن رؤيةِ الآخرة، فالدِّينارُ مِنَ الذهَبِ لو قَرَّبَتهُ العينُ منها، لم ترَ جبلَ الذَّهَب، فالدنيا ليست بحَجمِها؛ وإنَّما بقُربِها، فمَنِ انتفَعَ بها وأبعَدَها، لم تَضُرَّه ولو كانت كثيرةً، ومَن قرَّبَها، أعمَتهُ ولو كانت قليلةً. وأنْقَى الناسِ أنقاهُم مِن الدُّنيا، لأنها تحجُبُ القلبَ عن رؤيةِ الحقِّ، وَيختلِفُ أثرُ الدنيا بحسَبِ منازِلِ أصحابِها؛ فالدنيا في قلبِ

стр. 961

المجاهِدِ ولو كانتْ قليلةً أشدُّ عليه وعلى الناسِ مِن الدُّنيا في غيرِه، وقليلُ الدنيا في قلبِه كثيرٌ؛ لأنَّه أقرَبُ إلى الآخِرة، ومحلُّه التجرُّدُ والخلوصُ، والدنيا في قلبِ العالِمِ أشدُّ عليه وعلى الناسِ مِن العامَّةِ؛ لأن فتنةَ العالم فتنةٌ عامَّةٌ؛ وفتنةَ آحادِ العامَّةِ خاصَّةٌ. وإنما نزلت هذه الآيةُ: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ لأن منِ أصحابِ النبي ﷺ مَن قتَلَ كافرًا أسلَمَ بعدَ طلَبه؛ لأخذِ غنيمتِه، وغاب عنه أن غنيمةَ الآخِرة، بإسلامِه أعظَمُ مِن غنيمةِ الدنيا بكُفرِه. وهذه الآيةُ نزلَت في بعضِ الصحابةِ الذين قتَلُوا مَن ظهَرَ إسلامُهُ وتأوَّلُوا كُفْرَه؛ ففي البخاري؛ مِن حديثِ عمرٍو، عن عطاءٍ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾؛ قال: قال ابن عباسٍ: "كَانَ رَجُلٌ فِي غُنَيمَةٍ لَهُ، فَلَحِقَهُ المسلِمُونَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيكم، فَقتلوهُ وَأخَذُوا غُنَيمَتَهُ، فَأنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ إِلَى قولهِ: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ تِلكَ الغُنَيمَة (١). وجاء في سبب نُزولها غيرُ ذلك؛ فرُوِيَ أنها نزلَت في المِقْدَادِ بنِ الأسْوَدِ؛ أخرَجَهُ البخاري معلَّقًا ومختصَرًا (٢)، وأخرَجَة البَزَّارُ مسنَدًا ومطولًا (٣)، وجاء أنَّها نزلَت في مُحَلِّمِ بنِ جثامَةَ بنِ قَيس، أخرَجَهُ أحمدُ (٤)، وجاء أنَّها نزلَت في أسامةَ بنِ زيدٍ؛ كما رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ مِن مُرسَلِ مسروقٍ، وابنُ جريرٍ من مُرسَلِ السُّدِّيِّ (٥). وقد تتَعدَّدُ الحوادتُ فتَنزِلُ الآيةُ عليها جميعِها، فيَحمِلُ الصحابةُ

стр. 962

سبب النزولِ كلُّ واحدٍ على حادثةٍ بعينِها، وربَّما حمَلَها أكثرهُم على أقربِ الحوادثِ عندَ نزولِ الآية، والآيةُ جاءَت عليها وعلى ما قبلَها، وأكثرُ أسبابِ النزولِ لا تتعارضُ؛ وإنما تتعدَّدُ، وحَمْلُها عليها جميعِها أصحُّ، وهو الأنسبُ؛ للحِكمةِ مِن آيِ القرآنِ؛ لأنَّ الأصلَ فيها أنَّها تَنزِلُ لمعالجةِ الحوادتِ العامَّةِ المتكرِّرة، لا لقضايا الأعيانِ التي لا تتكرَّرُ. عصمةُ دمِ مَن نطَقَ الشهادتَيْنِ: وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾؛ أيْ: لِمَن نطَق الشهادتَينِ؛ فقوله: ﴿السَّلَامَ﴾؛ يعني: الإسلامَ، ولا يدخلُ الإسلامَ إلا بنطقِ الشهادتينِ؛ وذلك لقولِهِ ﷺ : (أُمِرْتُ أَنْ أقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أنْ لَا إِلَهَ إلا الله وَأنَّ محَمَّدًا رَسولُ الله، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، ويؤتُوا الزكَاةَ … )؛ الحديثَ؛ أخرَجَة الشيخانِ (١). وليس المرادُ بالسَّلَامِ التحيةَ؛ وإنَّما إظهارُ الإيمانِ بالنطقِ بالشهادتَين، أو ما يدل عليها؛ كقولِه: أنا مسلِمٌ، أو دخَلتُ الإسلامَ، فالمرادُ في الآيةِ إظهارُهُ الاستسلامَ للهِ بالتوحيدِ إقرارًا بدينكم؛ روى ابنُ أبي نَجِيح، عن مجاهِدٍ؛ في قوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾؛ قال: راعي غَنَمٍ، لَقِيَه نَفَرٌ مِن المؤمِنِينَ فقتلوهُ، وأخَذوا ما معَهُ، ولم يَقبَلُوا منه قولَه: "السلامُ عليكم؛ فإني مؤمنٌ" (٢). وروى ابن أبي حاتم وابنُ جريرٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلحةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ قال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾؛ قال: "حرَّم الله على المؤمنينَ أن يَقولوا لِمَن شهِدَ أن لا إلهَ إلا الله: ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ كما حرَّم عليهم الميتَةَ، فهو آمِنٌ على مالِهِ ودَمِه،

стр. 963

لا تَرُدُّوا عليه قولَه" (١). وكلُّ ما يدلُّ على الإسلام يأخُذُ حُكم الشهادتَين لمَن جَهِلَ الشهادتَينِ أو غلب على الظنِّ نسيانهُ لها، وإذا نطَقَ الكافرُ الشهادتَين، أو قال: أنا مسلِمٌ، بعدَ أسرِهِ والتمكنِ منه، فلا عِبرةَ بها، فيكونُ حُكمُهُ حُكمَ أسرَى الكافِرِينَ في الرِّق والفِدَاءِ. وذلك لما في "صحيحِ مسلمٍ"؛ منِ حديثِ عِمرانَ بنِ حُصينٍ؛ قال: "كَانَت ثَقِيفُ حُلَفَاءَ لِبَنِي عُقَيلٍ، فَأسَرَت ثَقِيفٌ رَجُلَينِ مِن أصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأسَرَ أصحَابُ رَسُولِ الله ﷺ رَجُلًا مِنْ بنَي عقيلٍ، وَأصَابُوا مَعَهُ العَضبَاءَ، فَأتَى عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي الوَثَاق، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! فَأتَاهُ، فَقَالَ: (مَا شَأنكَ؟ ! )، فَقَالَ: بِمَ أَخَذتَنِي، وَبِمَ أخَذتَ سَابِقَةَ الحَاجِّ؟ ! فَقَالَ إِعظَامًا لِذَلِكَ: (أخَذْتُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفَ)، ثم انصَرَفَ عَنه، فَنادَاهُ، فَقَالَ: يا محَمَّد، يَا مُحَمَدُ! وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَحِيمًا رَقِيقًا، فَرَجعَ إليه، فَقَالَ: (مَا شَأنكَ؟ ! )، قَالَ: إِني مُسلِمٌ! قَالَ: (لَو قُلْتَهَا وَأَنتَ تملِكُ أمرَكَ، أفلَحتَ كُل الفَلَاحِ) (٢). ففرَّقَ بينَ قولِه: "أنا مسلِمٌ" قبل أَسْرِهِ وبعده. الفرقُ بين قتالِ الكافر، والمفسدِ في الأرضِ: وإنما يُعتبَرُ في نُطْقِ الشهادتَينِ مَن قُوتِلَ لأَجلِ كُفرِه، فعرِضَ عليه الإسلام فأبَاهُ، ويجبُ أن يُفرَّقَ بين مَن يُقاتَلُ لأجلِ كفرِهِ ورفضِهِ للإسلام، وبينَ منَ يُقاتَلُ لأجلِ فساده في الأرضِ وقطعِهِ للسبيل، وانتهاكِهِ للأعراضِ: فالأوَّل: تنفَعُهُ الشهادتانِ؛ لأنه قُوتِلَ لِيَقولَها؛ لقولِهِ ﷺ في

стр. 964

"الصحيحَين": (أُمِرتُ أنْ أقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يشهَدُوا أنْ لَا إِلَهَ إِلا الله وَأَن محَمَّدًا رَسولُ اللهِ) (١). والثاني: لا تَنفعُه الشهادتانِ في حكْمِه في الدنيا؛ لأنَّه لم يُقاتَل لعدمِ قولِهِ لها، فنُطقُه لها لا يُؤثر في حُكمِه، سواءٌ كان مُفسِدًا مُسلِمًا أو مُفسِدًا كافرًا؛ لأنه يُقاتَلُ لأجلِ فَسَاد في الأرضِ, لا لمجرَّدِ كفرِهِ بلا فسادٍ وإفسادٍ وقطعِ سبيلٍ، فلو كان كافرًا ونطَقَ الشهادتَينِ صادقًا نفعَتْه في الآخِرةِ لا في الدنيا؛ لأنه يُقاتَلُ لأجلِ فسادِهِ وقطعِهِ السبيل، ولو كان مسلِمًا مُحارِبًا قاطعًا للسبيلِ أو خارجًا على جماعةِ المُسلِمِينَ أو باغيًا، فهو لم يُقاتَل لامتناعِهِ عنِ الشهادتَينِ؛ وإنما يُقاتَل لكَفِّ صَولَتِه وعُدْوانِه، ولو نطَقَ الشهادتين، فهو لم يُقاتَل أصلًا عليها؛ وإنما على فساده في الأرضِ؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٣، ٣٤]. وكلُّ واحدٍ يُقاتَلُ لأجلِ غايةٍ، فمتى جاء بالغايةِ عصَمَته؛ فالكافرُ لكفرِه: إن أسلَمَ عصَمَة إسلامُه، والباغي والمفسِدُ يُقاتَلُ لبَغيِهِ وعُدوانِهِ وفسادِه؛ مسلمًا كان أو كافرًا، ولو نطَقَ الشهادتَيْن، لم تَعصِمه؛ لأنها ليستِ الغايةَ التي يقاتَلُ لأجلِها. نطقُ المحارِبِ للشهادتَيْنِ: ومَن قُوتِلَ مِن الكافرينَ لأجلِ كفرِه، ثمَّ نطَقَ الشهادتَين، فلا يَخلو من حالتَينِ:

стр. 965

الحالةُ الأولى: كافرٌ ينطِقُ الشهادتَين قبلَ قتالِهِ! كالطوائفِ التي تَزعُمُ الإسلامَ وليسَت مسلمةً، كما تزعُمُ قريشٌ الحنيفيَّةَ وليسَت حنيفيةً؛ وذلك كالطوائفِ الباطنيةِ منِ رافضيَّةٍ ونُصَيْرِيَةٍ؛ فهؤلاءِ ينطِقُونَ الشهادتَيْنِ مِن قبلِ قتالِهم، لكن قتالَهم إنما كان لأجلِ معنى الشهادتين وكُفرِهم به، لا لأجلِ ألفاظِها؛ فلا يَعصِمهم إلا ما يدُلُّ على إقرارِهم بمعناها من قولٍ أو فعلٍ. الحالة الثانيةُ: كافرٌ لا يَنطِقُ الشهادتين، وهو كافرٌ بها، ولا يتدينُ بلفظِها ولا معناها؛ كالمشرِكِينَ الوثنيين واليهود والنصَارى؛ فهؤلاءِ تَعصِمُهم كلمةُ التوحيدِ إنْ قالوها عندَ التقائِهم وقتالِهم لأجلِها. وفي حُكْمِ الشهادتَينِ: كل لفظٍ دلَّ على معناها لِمَن عجَزَ عنِ النطقِ بها لعُجمَتهِ أو لجهلِهِ بها، بل يدخُل في معناها كل لفظٍ دلَّ عندَ الكافرِ عليها، ولو لم يكُن دالًّا عليها عندَ المُسلِمينَ؛ كقولِ الكافرِ: "صَبأْتُ" أو "صَبَأنا"، وهذه اللفظةُ ولو لم تكُن دالَّةً على الإسلامِ بذاتِها، بل ليسَتْ لفظَ مدحٍ؛ وإنَّما يتَّخذُها المشرِكونَ ذمًّا لِمَن دخَلَ الإسلامَ منهم، يقولونَ له: "فلانٌ صَبَأ"، فتأخُذ حُكْمَ قائلِها على ما يُريدُه، معَ أنَّه لو قالَها مسلمٌ في وسطِ المسلِمينَ لرجلٍ دخَلَ الإسلامَ وهو يعلَمُ مَعناها، لَأُدِّبَ على ذلكَ. وأصلُ قولِهم: "صَبَأ" عندَ العربِ: الخروج مِن دينِ إلى باطلٍ، ولكنَّهم يَستعمِلونَهُ لِمَن خرَجَ مِن دِينهمُ الذي يزعُمونَهُ حقًّا إلى غيرِهِ الذي يزعُمونَهُ باطلًا، فلا يُسَمُّونَ مَن رجَعَ إليِهم مُرتدًا عن الإسلامِ: صابئًا. ولما قال جميلُ بنُ مَعمَرٍ الجُمَحِيُّ لقريشٌ في مكةَ: "يا مَعشَرَ قريشٍ، ألَا إن ابنَ الخَطَّابِ قد صَبَأ"، قال عمرُ: كذبَ، ولكنِّي

стр. 966

أسلَمتُ (١)؛ ولهذا فخالد بن الوليدِ قتَلَ مَن قالَها؛ لعلِمِهِ أنَّها لا تُقالُ مدحًا، ولا يُرادُ بها الخروجُ مِن الباطلِ إلى الحقِّ؛ وإنَّما عَكسُه، ولكنَّ النبي ﷺ آخَذَهُ عليها؛ لأنَّهم لا يُحسِنونَ تعبيرًا عن تَركِ دينِهم إلا إيَّاها، فأرجَعُوها إلى أصلِها؛ مِن تَركِ دينٍ إلى دينٍ. ونطقُ اليهوديِّ والنصراني لكلمةِ يتديَّن بمعناها: لا يدُلُّ على إسلامِهِ وتدينه بالحنيفيَّةِ؛ كقولِه: نحن مؤمِنونَ؛ فهم يُسمُّونَ أنفسَهم بذلك، فمَن قالَها لا تَعصِمهُ. والمرادُ بعرضِ الدنيا في الآيةِ: الغَنِيمَة، فلا يَقبَلُ إسلامَ الكافر؛ لِيُحِلَّ ما معَه مِن الغنيمة، وهذا لا يكونُ إلا في قلبِ مَن ضعُفَت مغانمُ الآخِرةِ مِن قلبهِ حالَ فِعلِهِ أو غابَتْ؛ لهذا ذكَّرَ اللهُ بها في قوله: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾. تذكُّرُ الضلالةِ قبلَ الهدايةِ: وفي قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ روى البخاري معلقًا في "صحيحِه"، عن سعيدٍ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: قال رسول اللهِ ﷺ للمِقدَادِ: (إِذَا كَانَ رَجُلٌ مُؤمِنٌ يُخفِي إِيمانَهُ مَعَ قَومٍ كفَّارٍ، فَأَظهَرَ إيمَانَهُ فَقَتَلْتَهُ، فكذَلِكَ كُنتَ أنتَ تُخفِي إِيمَانَكَ بِمَكَّةَ مِن قبل) (٢). وفي هذا: أنَّه ينبعي أنْ يذكُرَ المؤمن حالَهُ قبلَ هداية، وفَضْلَ اللهِ عليه، وإنْ وُلدَ مهتدِيًا يَجعَلُ مِن نفسِهِ مكاانَ عدوِّه؛ ليدرِكَ شيئًا مِن حالِ عدوِّه، فيَعذِرَه عندَ قيامِ عُذْرِه، وقد كان بعضُ الصحابةِ يَستخفِي بإيمانِهِ خوفًا مِن قومِه؛ فربَّما كان الرجلُ الذي أبْدَى إسلامَهُ عندَ القتالِ خرَجَ مُكرَهًا؛ قال سعيدُ بنُ جُبيرٍ في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾؛

стр. 967

قال: "تَستَخْفونَ بإيمانِكُم كما استَخفَى هذا الرَّاعي بإيمِانه" (١). ومن هذا قولُهُ تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: ٢٦]، فإن تذكَّرَ الإنسانُ سالفَ أمرِه، لا بدَّ أن يَجِدَ مِن تغيُّرِ حالِهِ ما يُدرِكُ به فضلَ اللهِ عليه. وتذكُّرُ الإنسانِ لسابقتِهِ يدعُوهُ إلى التواضُعِ وحضورِ العدلِ والإنصافِ في نفسِه، وكَسرِ شَوكةِ الكِبرِ منها؛ وهدا يحتاجُ إليه كل أحدٍ؛ لتطهيرِ النَّفْس، والعدلِ مع الناس، والرحمةِ بهم؛ فمَن كان عالِمًا، تذكَّرَ جَهلَهُ، فرَفَقَ بالجاهلِ وعذَرَه وعَلَّمَه، ومَن كان مسلِمًا بعدَ كُفرِه، تذكَّرَ كُفْرَه، فعرَفَ مواضِعَ مؤاخَذةِ الكافر، ومَن كان غنيًّا، تذكَّرَ فَقْرَهُ فرَحِمَ الفقيرَ وأعطاه. وتذكُّرُ الإنسانِ حالَة قبلَ النعمةِ يذكِّرُهُ بفضلِ اللهِ عليه ونعمتِهِ ورحمتِهِ به، فيَتواضعُ وَيرحم ويشكرُ؛ وهذا يحتاجُ إليه كل أحدٍ؛ قال اللهُ تعالى لنبيِّه ﷺ : ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٦ - ٨]، ثم قال اللهُ مبينًا أثرَ التذكيرِ بسالفِ الأمرِ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١﴾ [الضحى: ٩ - ١١]، فذكَّرَهُ باليُتم، ثم نَهاهُ عن قَهرِ اليتيم، وذكرَهُ بعدمِ العِلْم، ثمَّ نَهاهُ عن نَهرِ السائلِ الجاهل، والسائلِ الفقيرِ. قال قتادةُ في قولِهِ تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾: "كانَتْ هذه منازِلَ رسولِ اللهِ ﷺ قبلَ أن يَبعثَهُ اللهُ "؛ رواهُ سعيد عن قتادةَ؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ (٢).

стр. 968

وفي الآيةِ: تكرارٌ للأمرِ بالتبيُّنِ؛ لأهميتِهِ وعِظمِ أثَرِ التفريطِ فيه؛ ففي أوَّلها قال: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾، ثم قال: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾. قال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ: "وعيدٌ مِنَ اللهِ مرَّتيَنِ"؛ رواه ابنُ أبي حاتمٍ، عن حبيب بنِ أبي عَمرَةَ، عنه (١). * * * قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٥، ٩٦]. في هذه الآية: فَضْلُ المجاهِدِينَ على القاعِدِينَ غيرِ المعذورِينَ؛ ولذا قال: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾؛ لأن الآيةَ نزَلَت في بَدْرٍ؛ كما رواهُ البخاريُّ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ (٢)، وكان النفِيرُ لبَذرٍ فرضَ عينِ على مَن وجَدَ ظهرًا لإدراكِ قافلةِ قريشٍ؛ لأنَّ النبي ﷺ استَنْفَر أصحابَ الظهُورِ مِن أصحابِه، لا كلَّهم، فتعين على مَنِ استنفِرَ. ولمَّا استيقَنَ أبو سفيانَ خروجَ النبي ﷺ إليه، استنفَرَ قومَهُ بمكِّةَ، فلحِقَهُ نحو ألف رجُلٍ، وقطَعَ النبي ﷺ بقَتالِهم؛ لأنهم أرادُوهُ، وربَّما لو لم يقاتِل مدَدَ قريشٍ، لَلَحِقوهُ إلى المدينة، فكان على مَن كان مع النبي ﷺ بعدَ قطعِهِ متعيِّنًا أن يُقاتِلَهم؛ لأنه دفعٌ لصائلةِ المشرِكِينَ التي ستتبَعُ الصحابةَ إلى المدينة، فاللهُ أعلَمَ نبيهُ بخروجِ فِرقةٍ مِن قريشٍ لنُضرةِ أبي سُفْيانَ؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ

стр. 969

وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧]، والطائِفتان: قافلةُ أبي سُفيانَ، وفرْقةُ قريشٍ المُناصِرةُ له. تعيُّنُ الجهادِ على بعضِ الناسِ دون بعضٍ: فقد يتعيَّنُ الجهادُ على بعضِ الناس، ولا يتعيَّنُ على غيرِهم؛ كقيامِ الحاجه لأهلِ الظهُورِ - كالبعيرِ والفرَسِ - فيَجِبُ عليهم، ولا يجب على الراجِلِ الذي لا يُستفادُ مِن سَيرِهِ على قَدَمِه، وقد يتعيَّنُ على الرمَاةِ وحُذَّاقِ القتالِ عندَ الحاجةِ إليهم واستنفارِهم، ولا يجبُ على غيرِهم. وأمَّا استشارةُ النبي ﷺ لِمَن معَهُ في بَدرٍ في قتالِ قريشٍ لمَّا جاؤوا مِن مكَّةَ نُصْرةً للقافِلة، ثم قتالهُ، فذلك تطيبًا منه ﷺ لنفوسِ أصحابِه وخاصَّةً الأنصارَ؛ لأنَّهم أهل المدينةِ التي سيَرجِعونَ إليها وتُؤويهِم، فربَّما استثقَلَتْ بعض نفوسِهمُ الحربَ بعدَ أمْنِهم ورَغَدِهم في سابقِ سِنِيهِم، ولأنَّه للمُنافِقينَ فيهم كلمةٌ تُؤثِّرُ قبلَ استبانة أمرِهم وفَضْحِ القرآنِ لهم، فأرادَ النبيُّ أن تَطيب نفوسهُم بالجِهادِ ويَظهَرُوا عندَ أنفُسِهم وقومِهم ومَن وراءَهم أنهم أهلُ اختيارٍ لا إكراه؛ تطييبًا لأنفُسِهم، وقطعًا لِقالَةِ المُنافِقينَ مِن ورائِهم، وقد كانتِ الأنصارُ لَمَّا بايَعُوا النبيَّ ﷺ في العقَبَة، قالوا: "إنا بُرَآءُ مِن ذِمَامِكَ حتى تَصِلَ إلى دِيَارِنا، فإذا وَصلْتَ إلينا فأنتَ في ذِمَّتِنا؛ نَمْنَعُكَ مِمَّا نمنَع مِنهُ أبناءَنا ونسَاءَنا" (١)، فلم يكن في بيعتِهم نُصْرَتُهُ إلا على مَن دهَمَهُ بالمدينة، فأراد أن يَستظهِرَ منهم أمْرَ نصرَتِهِ خارج المدينةِ مِن عدوِّه. واستِشارتُهُ للأنصارِ أيضًا أدْعَى لصَبرِهم على العاقبةِ ولو كانت ثقيلةً أو شديدةً عليهم؛ لأنَّه اختيارُهم. وهذا نظيرُ قولِهِ تعالى على لسانِ إبراهيمَ لابنهِ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ

стр. 970

أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢]؛ لشدةِ الأمرِ وثقَلِهِ على ابِنه، أرادَ بأخذِ رأيِهِ عليه أن تَطيب نفسهُ به، فيكونَ أظهَرَ في الاتباعِ والاحتِسابِ وأقوَى للصبر، والصحابةُ يَعلَمونَ أنَّ النبي ﷺ يرِيدُ قتالَ قريشٍ؛ لهذا قام أبو بكرٍ وعُمَرُ والمِقدادُ بنُ عمرٍو، وقام سعدٌ، فأيَّدُوهُ على إقدامِه. أهلُ الأعذارِ بتركِ الجهادِ: والمراد بأُولي الضَّرَرِ في الآية: عبدُ اللهِ بن أم مَكتُوم، ومَن في حُكْمِه؛ فإنَّما نزلَت فيه؛ قال الَبرَاءُ بنُ عازبٍ: "لمَّا نزلَت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، كلَّمَهُ ابنُ أمِّ مكتومٍ وكان أَعمَى، فنزلَت ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾؛ رواهُ البخاريُّ، عنِ البَراءِ وزَيدِ بنِ ثابتٍ (١). والضِّرَر في الآية وإن نزَلَ خاصًّا بلفظِه، فهو عامٌّ في حُكمِه؛ ولذا قال ابنُ عبَّاسٍ: "أُولي الضَّررِ: أهلُ العُذرِ" (٢). أجرُ القاعِدِ المعذورِ: وقدِ اختلِفَ في إدراكِ القاعدِ المعذورِ لفَضْلِ المجاهِدِ: فمِنَ السَّلَفِ: مَنِ استَثنَى المعذورَ مِنَ التفاضُلِ في الآية، وحمَلَ ما بعدَ الاستثناءِ للمعذورِ مِن فضلٍ على الاستثناءِ السابق، فجَرَّهُ عليه كلِّه؛ ويعضُدُ ذلك: ما في "الصحيح"؛ مِن حديثِ حُمَيدٍ، عن أنسٍ؛ أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: (إِنَّ بِالمَدينَةِ أقوَامًا، مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعتُمْ وَادِيًا، إِلا كَانُوا مَعَكُم)، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَهُمْ بالمَدِينَةِ؟ ! قَالَ: (وَهُمْ بِالمَدِينةِ؛ حبسَهُمُ العُذر) (٣). ومِنَ السلَفِ: مَن جعلَ الضرَرَ في الآيةِ لرَفعِ الإثم والحرَجِ، وأمَّا

стр. 971

في الفضلِ، فالمُجاهِدونَ أفضَلُ مِن القاعِدينَ ولو كانوا مَعذورِينَ، فحمَلَ أوَّلَ الآيةِ على رفعِ الحَرَجِ عنهم، وفي آخرِها ذكَرَ فَضلَهُم عليهِم، وهو قوله ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾؛ وذلك لقرينةِ ذِكرِ اللهِ للحُسنى للجميعِ؛ لأنَّ القاعدَ غيرَ المعذورِ في جهادِ فرضِ التعيينِ: مَقامهُ مقامُ وعيدٍ، لا مقامُ وَعْدٍ، ومقامُ تهديدٍ، لا مقام فضلٍ؛ وبمعنى هذا قال ابنُ جُرَيجٍ وغيرُه (١). والأظهرُ: أن الأصلَ أنَّ القاعدَ المعذورَ يأخُذ أجرَ المجاهِدِ بمقدارِ ما يقَعُ في قلبه، كما يختلفُ المجاهِدونَ بحسَب ما يقعُ في قلوبِهم، فيتَبايَنُ فضلُ القاعِدينَ المعذورِينَ فيما بينَهم، كما يتَبايَنُ فضلُ المجاهِدِينَ النافِرِينَ فيما بينهم؛ فالقاعدُ المعذورُ الذي يَحزَنُ لعُذرِهِ غير القاعدِ المعذورِ الفَرِحِ بعُذرِه، وربَّما تساوى القاعِدُ بالمجاهِد، بل وربَّما يفضُلُ القاعد المعذورُ المجاهدَ النافرَ؛ لأن القاعدَ، وجَدَ حسرةً شديدة على عذرِه، والمجاهدَ تمنَّى القعودَ وكَرِهَ الخروجَ واستثقَلَهُ، وإنما سببُ خروجِه خشيةُ الناسِ وحديثهم. والقاعدُ المعذوز يأخُذ أجرَ أصلِ الجهادِ والخروجِ الذي يَشترِكُ فيه الجميعُ؛ مِنَ السَّيرِ وقِتَالِ العدو، ولا يأخُذُ ما يختص له المجاهِدُ عن المجاهدِ في الغزوِ؛ كأجرِ الشهادة، وعاقبتِها، وفضلِ الموتِ بها، وأجرِ قتلِ الكافرِ؛ كما في الحديثِ: (لَا يَجتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلُهُ فِي النَّارِ أبدًا) (٢)، وكأجرِ الإثخانِ والأسرِ؛ فهذا لا يَشترِكُ فيه المجاهدونَ أنفسُهم؛ فيتَمايَزونَ بينَهم بحسَبِ إقدامِهم وتقديرِ الهَمِّ، فما يتبايَنُ فيه المجاهِدون أنفُسهم منَ الفضلِ لا يُساويهم فيه القاعِدونَ؛ ففي الحديثِ: (مَا سِرْتم

стр. 972

مَسيِرًا، وَلَا قَطَعتُم وَادِيًا) (١)؛ فهذا يَشترِكونَ فيه جميعًا، ويَعلَمُ القاعدُ حصولَهُ منه يقينًا، لكنه لا يَعلَمُ شهادته ولا إثخانَهُ وأسرَهُ لعدوِّه، لذا كان الأصلُ فَضْلَ المجاهِدِ على القاعِدِ في الإسلامِ مِن هذه الوجوهِ. مراتبُ المجاهِدِين: ثم ذكَرَ الله بعدَ ذلك قَدرَ التفضيلِ: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾؛ وهذا تفسيرٌ للدرجةِ المذكورةِ قبل: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾. ومراتبُ المجاهِدين دَرَجاتٌ، فليسوا سواءً؛ بل هم بحسب ما خرَجُوا به، وبحسَبِ سرائرِهم، وبحسَب مواضعِ قَتلِهم، ونوعِ عدوِّهم، ونوعِ قتالِه؛ فقتيلُ البحرِ يختلِفُ عن قتيلِ البَرِّ، وقتيلُ الدَّفْعِ يَختلِفُ عن قتيلِ الطَّلَبِ، وقتيلُ الدفْعِ عنِ الدِّينِ يَختلِفُ عن قتيلِ الدَّفْعِ عنِ النفس والمالِ والعِرْض، وقتيلُ الدفعِ عنِ العِرْضِ يَختلِفُ عن قتيلِ الدفعِ عنِ المالِ. وقتيلُ الفتحِ للأرضِ المبارَكةِ ليس كقتيلِ فتح غيرِها، وقتيلُ الخوارجِ ليس كقتيلِ البُغاة، ومَن رَمى بسهمٍ يَختلِفُ عمَّن رمى بسهمَينِ، ومَن قاتَلَ يومًا ليس كمَن قاتَلَ أيامًا. وأَدنى درجاتِ المجاهِدِينَ مرتبةٌ عظيمةٌ، وفي "البخاري"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ، عنِ النبيِّ ﷺ ؛ قال: (إِنَّ فِي الجنةِ مِئةَ دَرَجَةٍ، أعَدَّهَا اللهُ لِلمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ الله، مَا بَينَ الدَّرَجَتَينِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) (٢).

стр. 973

وقد روى أحمدُ والنسائيُّ؛ مِن حديثِ شُرَحبِيلَ بنِ السِّمْطِ، عن كعبِ بنِ مرَّةَ، وروى ابنُ أبي حاتمٍ، عن أبي عبيدةَ، عن أبيه ابنِ مسعودٍ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (مَن بَلَغَ بِسَهْمٍ، فَلَهُ دَرَجَةٌ)، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، وَمَا الدَّرَجَةُ؟ قَالَ: (أمَا إنها لَيسَت بِعَتَبَةِ أُمِّكَ؛ مَا بَينَ الدَّرَجَتَينِ مِئَةُ عَامٍ) (١). وقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾؛ الحسنى: هي الجنَّة، ويُؤجَرُ القاعدُ الذي لم يتعيَّن عليه الجهادُ بمقدارِ نفعِهِ في قعودِه، وخلافتِهِ مكانَ المجاهِدِينَ، وأثَرِهِ في الناس، وأمَّا القاعدُ المعذورُ عن الجهاد، وهو فرضٌ عليه قبلَ عُذْرِه، أو ليس بفَرضٍ عليه، لكنه يُريدُهُ وهو عاجز عن فعلِه، فيُؤجَرُ بمقدارِ نيَّتِهِ وما يَعلمُهُ اللهُ مِن قلبِهِ مِن حبِّ الجهادِ وأهلِه، وما يجدُهُ في نفسِهِ مِن حب زوالِ عُذرِه. وَيختلِفُ هذا عنِ المعذورِ الذي يفرَحُ بعذْرِه، فيختلفُ عمَّن يتمنَّى زوالَ عذرِهِ وَيحزَنُ لوجودِه؛ كمَن يُكسَر ويفرَحُ لكَسرِه؛ ليَترُكَ صلاةَ الجماعة، فهذا لا يُؤتى أجر من صلَّى الجماعةَ وهو يتمنَّى نزولَ عذرٍ عليه ليمنَعَهُ مِن الصلاةِ. ودرجاتُ المجاهِدِينَ الكثيرةُ هي التي بَيّنها اللهُ بعدُ بقوله ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾. وفي هذا: دليلٌ على أن الجهادَ مِن أسبابِ غُفرانِ الذنوب، ونزولِ رحمةِ اللهِ على عبادِه؛ فهو موضعُ الغُفْرانِ ومنازل الرَّحمةِ. * * *

стр. 974

قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٩]. وصَفَ الله مَن ترَكَ الهِجرةَ مِن بلدِ كفرٍ إلى بلدِ الإسلامِ بظُلمِ النفس؛ وذلك أنَّ في البقاءِ بينَ ظَهرَانَيهِمْ تضييعًا لحدودِ اللهِ وأحكامِه، ولو أُقيمَتِ الشرائع، فربما كان في البقاءِ بين ظَهرانَيهِم تكثيرٌ لسَوادِهم، فإذا نزلَت نازلةُ حربٍ بالكافِرِين، استَنفَرُوا معهمُ المُسلِمِنَ أو أكرَهُوهم. روى البخاري؛ مِن حديثِ عِكرِمَةَ، عنِ ابنِ عباسٍ: "أن نَاسًا مِنَ المُسلِمِينَ كَانُوا مَعَ المشرِكِينَ يُكَثرُونَ سَوَادَ المُشرِكِينَ، عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، يَأتِي السهمُ فَيرمَى بِه، فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ، فَيَقتلُهُ، أَوْ يُضرَبُ فيقتَلُ؛ فأنزَلَ الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (١). وقال ابنُ إسحاقَ: "إن الذين قال الله فيهمْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ خمسة فِتيةٍ مِن قرَيش: عليُّ بنُ أميةَ، وأبو قيسِ بنُ الفاكِه، وزَمعةُ بنُ الأسود، والعاصُ بنُ منبهٍ، ونسيتُ الخامس"؛ رواهُ عبد الرزاق، عنِ ابنِ عُيَينة، عنِ ابنِ إسحاقَ (٢). وذكَرَ ابنُ جُرَيجٍ، عن عِكرِمةَ؛ أنهم عليُّ بنُ أمية، وأبو قيسِ بنُ الوليدِ بنِ المغيرة، والعاصُ بنُ منبِّهِ ينِ الحجَّاج، والحارثُ بنُ زَمعةَ (٣).

стр. 975

وهؤلاءِ وأمثالُهم تَرَكوا الهِجرةَ مع النبيِّ ﷺ إلى المدينة، ولم يكونوا هاجَروا إلى الحَبشةِ مِن قبلُ، وبَقوا فيها، فأكرَهَهُمُ المشرِكونَ على الخروجِ معهم إلى بَدرٍ لقتالِ النبي ﷺ ، وهؤلاءِ لا يُعذَرونَ مع قدرتهم على الهِجرة، وقد كانتِ الهجرةُ مِن مكةَ إلى المدينةِ متعيِّنةً على كل قادر بلا خلاف بينَ المسلِمينَ. وفي دليلِ الخِطَاب منِ هذه الآيةِ: فضلُ الصحابةِ؛ فمِن أعظَمِ أعمالِهم وفضلِهم: تكثيرُهم لسَوَادِ النبي ﷺ بالإحاطةِ به، والاجتماعِ حولَه؛ ولذا كان في خبَرِ ابن عبَّاسٍ وصفٌ لِعِلَّةِ ذمِّ مَن لم يُهاجِر ممَّن أسلَمَ: "يكَثرونَ سَوَادَ المشرِكِينَ"؛ فبقاؤهم بينَ ظَهرَانَيهِم تكثير لسَوادِهم، والنبي ﷺ في حاجةٍ لهذا السَّوَادِ الذي يَنقلهُ كل واردٍ إلى المدينةِ لأقوامِهم، فتكونُ له الشوكةُ والهيبة. وبعضُ جَهَلَةِ المبتدِعةِ يظُن أن لا فضلَ لصحابيٍّ إلا مَن جاء الدليلُ بفضلِهِ بعَينِه، ويَغفُلُ عن أن من كان في المدينةِ يُحِيط بالنبيِّ ﷺ وَيمشي في أسواقِها موالِيًا له مُكثِّرًا لسوادِه، يَرَاهُ الوارِدُ إليها، فيذكُرُهُ معَ غيرِهِ لقومِه؛ فإنَّ هذا الشهودَ المجردَ أعظَمُ عندَ اللهِ مِن عبادةِ المتعبِّدينَ ممَّن بعدَهم. وجوبُ الهِجرةِ: وقوله تعالى" ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ حملَ بعض العلماءِ الظلمَ في الآية على الكفرِ؛ كالبَغَوِيِّ (١) والوَاحِدِي (٢)؛ فجَعَلُوا الهِجرةَ مِن مَكَّةَ إلى النبي ﷺ في المدينةِ شرطًا في الإسلامِ لا يصحُّ إلا بها، ثم نُسِخَ ذلك بعد الفتح.

стр. 976

والصحيحُ: أنَّ الهجرةَ واجبةٌ، لكنَّها ليسَتْ شرطًا في الإسلامِ؛ لقولِهِ تعالى في الأنفالِ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال: ٧٢]؛ فسمَّاهم مؤمِنينَ، ورفَعَ عنِ المؤمنينَ وَلَايَتَهم، وليس المرادُ بهم في آيه الأنفالِ هذه المُستضعَفِينَ العاجِزِينَ عنِ الهجرةِ؛ لأنَّ نُصرَتَهم واجبةٌ على المؤمنينَ، ومُوالاتَهم كذلك، ولو كان على قومٍ بينَنا وبينَهم ميثاقٌ، فقَيدُ النُّصرةِ على قومٍ ليس بينَنا وبينَهم ميثاقٌ: دليلٌ على أنهم ليسوا بمَعذُورِينَ ببقائِهم وعدمِ تحوُّلِهم مِن دارِهم إلى دارِ الإسلامِ. الهجرة علامةٌ على الإسلام: وقد كانتِ الهجرةُ مِن مكَّةَ إلى المدينةِ عَلَمًا على الإسلامِ ونفيِ الكفرِ والنفاق، وانتفاؤها كان علَمًا على الكفرِ والنفاقِ ونفيِ الإيمان، لا أن تحقُّقها إيمان بعَينه، ولا انتِفاءَها كفرٌ بعَينِه؛ وقريبٌ مِن ذلك: الجهادُ في المدينةِ بعدَ وجوبه، فترْكُهُ علَمٌ على النّفاق، والقيامُ به علَمٌ على الإيمان، والتاركُ للهجرةِ إلى المدينةِ بلا عذرٍ منافق ولو قال بالإسلام، وتاركُ الجهادِ المتعيِّنِ بلا عذرٍ منافقٌ ولو أظهَرَ الإسلامَ. اختلافُ أحوالِ المنافِقِين بحسَب بلدانهم: ولكن كان النبي ﷺ يُفرِّقُ بينَ المنافِقينَ بمكةَ والمنافقينَ بالمدينة، فيُجرِي أحكامَ الحربِ الظاهرةَ على المنافِقِ بمَكَّةَ وَسطَ المشرِكِينَ، وأحكامَ الإسلام الظاهرةَ على المنافقِ بالمدينةِ وَسطَ المسلِميِنَ، فيُجري على من كان بمَكَّةَ: أحكام الحربِ؛ مِن القتالِ والأسرِ والرِّقّ، وعلى مَن كان بالمدينةِ: عِصمةَ النفسِ والمالِ والولَدِ. وقد قاتَلَ النبي ﷺ في بدرٍ المشرِكِينَ، وفي صَفِّهم مَن أسلَمَ ولم

стр. 977

يُهاجِرْ وبَقِيَ في مكَّةَ، فأخرَجَهُ المشرِكُونَ معَهُ للقتال، فأخَذُوا حُكْمَهم؛ فأسَرَهمُ النبي ﷺ كما أسَرَ المشرِكِين. ولذا فإنَّ النبيَّ ﷺ قال للعبَّاسِ لمَّا أُسِرَ في بدرٍ: (افْدِ نَفسَكَ وَابنَي أَخِيكَ)، فقال العبَّاسُ: ألَم نُصَلِّ إلى قِبلَتِك، ونَشهَد شهَادَتَك؟ فقال النبي ﷺ : (يَا عَبَّاسُ، إِنكَمْ خَاصَمتُم فَخُصِمتُم)، فتلا عليه قوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ (١). مَن وقَفَ في صفِّ المشرِكِين: وفي هذه الآيةِ دليلٌ على أن مَن وقفَ في صَفِّ المشرِكِينَ المحارِبينَ مِن المسلِميِنَ وهو يَعلَمُ ولو مُكرَهًا -: أخَذَ حُكمَهُم في دَمِهِ ومالِه، ومَن بقِيَ في دارِ الحربِ مِنَ المسلِمِينَ ممَّن ترَكَ الهجرةَ، لم يكُنْ مجرَّدُ بقائِه كفرًا في ذاتِه؛ كما نصَّ عليه الشافعي في "الأم". مخالَطَة المشرِكِ: ومَن خالَطَ المُشرِكَ وجالسهُ ولم يكُنِ المشرِك حربيًّا وليس بينَهُ وبينَ المسلِمينَ عداوةٌ ظاهرةٌ ولا قتالٌ -: فلا يأخُذُ حُكمَهُ ولو كانتِ الهجرةَ واجبةً عليه؛ لأنه قد يَجتمِعُ به على تجارةٍ أو زراعةٍ أو قَرابةٍ، وأمَّا ما رَوَاهُ أبو داودَ، عن سَمُرةَ بنِ جُندُبٍ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (مَن جَامَعَ المشرِكَ وَسَكَنَ مَعَه، فَإِنَّهُ مثلهُ) (٢)، فلا يَصِحُّ. ومثلهُ ما رواهُ الطبراني مرفوعًا: (إني بَرِيءٌ مِن كُلِّ مسلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ) (٣).

стр. 978

وليس كلُّ معيَّةٍ ومُجالَسةٍ ومخالَطةٍ للمسلمِ مع المشرِكِ تَنفي الإيمانَ، وإنَّما يِحسَبِ حقيقةِ المعيَّةِ ونُوعِها، والمخَالَطةِ وما يُرادُ مِنها؛ فالاجتماعُ بهِم للمُصالَحةِ والمؤاجَرةِ والموادَعةِ وغيرِها جائزةٌ بلا خِلافٍ. وقد كانَتْ للهجرةِ مِن مَكَّةَ إلى المدينةِ خصيصةٌ عن غيرِها مِن الأرضِ؛ فقد كان يأمُرُ بها اللهُ ورسولُهُ ﷺ ، وما كان يأمُرُ النَّبِيُّ ﷺ سَراياهُ عندَ بَعْثِها إلى غيرِ مَكَّةَ مِن القُرَى والمُدُنِ بالإِسْلامِ والهجرة، بل كان يأمرُهُمْ كما في "الصحيحِ"؛ قال: (إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ - أَوْ خِلَالٍ - فأيتهن مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُم إِلَى الإسْلام، فَإنْ أجَابُوكَ، فَاقْبَل مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمَ إِلَى دَارِ المُهَاجِرِبنَ، وَأَخْبِرْهُمْ أنَّهُمْ أَنْ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى المُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا، فَأَخْبِرْهُمْ أنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ المُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللهِ الْذِي يَجْرِي عَلَى المُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيْمَةِ وَالْفَيْءِ شَيءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ المُسْلِمِينَ) … الحديثَ (١). أخرَجَه مسلمٌ مِن حديثِ بُرَيدةَ، وفيه: أنَّه لم يُلزِمْهُمْ بالهِجْرَة، وإنَّما دعاهم وخَيَّرَهم. عذرُ الإنسانِ لنفسِهِ وهو مكلَّفٌ: وفي هذه الآيةِ في قولِهِ: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ عدَمُ قَبُولِ الدَّعْوى ما لم تَقُمْ عليْها بيِّنةٌ، فهُمُ ادَّعَوُا الضَّعْفَ وليسوا كذلك. وقد تسوِّلُ النفسُ لصاحبِها عُذْرَها عندَ استِثْقالِها التكاليفَ، فتَظُنُّ أنَّها معذورةٌ، وليست كذلك؛ لذا قال اللهُ: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا

стр. 979

فِيهَا﴾؛ وإلَّا فالأصلُ أنَّ اللهَ عذَرَ المستضعَفِينَ؛ كما في قولِهِ بعدُ: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾. وكان النبيُّ ﷺ يُفرِّقُ بينَ المسْتضَعَفِ الذي لم يُهاجِرْ والقاعدِ القادرِ، وكان يدعو لهم ويدعو عَلَى عدوِّهم؛ كما في "الصحيحينِ"، عن أبي هريرةَ؛ قال: بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي العِشَاءَ، إِذْ قَالَ: (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)، ثُمَّ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ: (اللَّهُمَّ نَجِّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ نَجِّ الوَليدَ بْنَ الوَلِيد، اللَّهُمَّ نَجِّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ) (١). إقامةُ المسلِمِ القادِر وسْط المحارِبينَ: وكلُّ مَن أسلَمَ بِمَكَّةَ قبلَ الفتحِ ولم يُهاجرْ مِن وَسْطِ المُحارِبينَ وهو قادرٌ، لفد أخَذَ حُكمَ الكافرِ فيها، وسَرِيرَتُهُ إلى الله، واستثنَى اللهُ المستضعَفَ الذي لا يمكَّنُ مِنَ الخروجِ؛ ولذا قال ابنُ عبَّاسٍ: "كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ؛ أَنَا مِنَ الوِلْدَان، وَأُمِّي مِنَ النِّسَاءِ" (٢). عَلَى مَنْ تَجِبُ الهِجْرة: وقد وصَفَ اللهُ ضَعْفَهُمْ في قولِهِ: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، والمُرادُ بالحِيلَةِ: عَجْرُ الإنسانِ في نفسِه؛ بعَمًى، أو عرَجٍ وعدَمِ دابَّةٍ، أو خَوْفِه؛ فلا يجِدُ مَخرَجًا مِنْ كُفَّارِ قريشٍ، ولا مَلاذًا عنهم، وقولُه ﴿سَبِيلًا﴾؛ يَعني: طريقًا معروفًا وآمِنًا إلى المدينة، ومَن وجَدَ ثلاثةَ أشياءَ، وجبَتْ عليه الهجرةُ، وهي: الأوَّلُ: قُدْرةُ البدَنِ، والسلامةُ مِنَ المانعِ؛ كالعَمى.

стр. 980

الثاني: المَلَاذُ عَن كفارِ قريشٍ، وعدمُ تمكُّنِهم منه؛ فإنَّهم يُعذِّبونَ كلَّ مَن لَحِقَ بالمُسلِمِينَ إلى الحَبَشةِ - الأُولى والثانيةَ - ثُمَّ المدينةِ وتمكَّنُوا منه. الثَّالثُ: معرفةُ الطريقِ إلى المدينة، ومعه زادُه فيه. ومَن وجَدَ عُذْرًا مِن هذه الثلاثة، فهو مِن المستضعَفِينَ؛ فقد يكونُ الرجلُ أو المراةُ صحيحَ البدنِ عارفًا بطريقِ المدينة، ولكنَّه مغلوبٌ مِن قريشٍ كالمحبوسِ؛ لأنَّهم يجعَلُونَ أَعْيُنًا لِمَن خَرَجَ مِن مكةَ، وقد يكونُ عارفًا بالطريق، آمِنًا فيه ومعه زادُه، يجدُ مَلاذًا مِن قريشٍ، لكنَّه مريضٌ بما لا يستطيعُ معه الخروجَ. ومَن كان معذورًا، فقد رفَعَ اللهُ عنه الحرَجَ؛ قال ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. وقولُهُ تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ هو كقَولِهِ في العنكبوتِ: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [٥٦]، وفي ذلك إشارةٌ إلى وجوبِ الخروجِ مِن مَكَّةَ ولو إلى غيرِ المدينةِ عندَ العَجْزِ عنها. وفي هذا: الهجرةُ مِن بلدِ الكفرِ التي لا يتمكَّنُ المُسلِمُ فيها مِن إظهارِ دِينِهِ إلى بلدِ الكفرِ التي يتمكَّنُ فيها مِن ذلك؛ كهِجْرةِ مَن هاجَرَ إلى الحبَشة، وفاعلُ ذلك معدودٌ مِنَ المهاجِرِينَ، ومُدرِكٌ لأجرِ الهجرةِ وفَضْلِها. الفرقُ بين بلدِ الإسلامِ وبلدِ الكفر: وأمَّا الفرقُ بينَ بلدِ الإِسلامِ وبلدِ الكفر، فالأصلُ أنَّه يَرجِعُ إلى دينِ الناس، لا إلى حُكَّامِهم، فالشُّعُوبُ والمَحكومونَ إنْ غلَبَ عليهِمُ الإِسْلامُ وهم سَوَادُ أهلِ البلد، ويُقيمونَ شَعائرَ الدِّينِ فيها، فبَلَدُهُمْ بلدٌ مسلِمٌ، ولو كان الحاكِمُ كافرًا.

стр. 981

فقد يكونُ البلدُ مسلِمًا، وحاكمُهُ كافرًا، كبَعْضِ دولِ الإِسلامِ في القرونِ الخاليةِ التي وقَعَ بعضُ حُكَّامِها في مكفِّرٍ ظاهِرٍ؛ كالدولةِ البُوَيْهِيَّةِ في العراق، والعُبيديَّةِ في مصرَ والقيروان، وغيرِهما؛ فالناسُ فيها يُظهِرونَ الإسلامَ وشرائعَ الدِّين، ولم يُفْتِ أحدٌ مِنْ علمائِها عمومَ الناس بالهجرةِ لأجلِ حاكمِها، ولَمَّا أَفْتَى أبو جعفرٍ الدَّاوودِيُّ علماءَ القيروانِ بالهِجرةِ أسكَتُوهُ وأنكَرُوا عليه قولَه؛ وذلك أنَّ العلماءَ إنْ تَرَكُوا العامَّةَ تَرَكُوا دِينَهم، وتَبَدَّلَتْ بلدٌ بكامِلِها بعدَما كان الخوفُ عَلَى بعضِها. وفرقٌ بينَ كفرِ الحاكِم وكفرِ المحكومينَ، ولا يَلزَمُ مِن كفرِ الحاكمِ كفرُ المحكوم، إلَّا عندَ بعضِ الخوارجِ. وقد يكونُ الحاكمُ مسلِمًا، والمحكومونَ كفِّارًا؛ فيكونُ البلدُ بلدَ كفرٍ؛ كالحبَشةِ بعدَ إسلامِ النجاشيِّ؛ فهو مسِلمٌ، ومَحكُومُوهُ نَصارى. ويخرُجُ مِن هذا إنْ حكَمَ حاكمٌ مسلِمٌ بلدًا أكثرُهُ كفَّار بحُكْمِ الله، وأَجْرَى للمُسلِمِينَ الظُّهُورَ، ولو كانوا أقلَّ مِن غيرِهم، فغلبَت شوكةً المسلِمِينَ شوكةَ الكافِرِينَ، وظهورُ المسلِمِينَ ظهورَ الكافِرِينَ، فيَحُلُّ الظهورُ هنا مَحَلَّ الكثرة، ويأخُذُ البلدُ حُكْمَ بلدِ الإِسلامِ. وقد نصَّ عَلَى اعتبارِ الظهورِ والغلَبةِ غيرُ واحدٍ مِن الأصحابِ؛ كأبي يَعْلَى وابنِ مُفلِحٍ؛ فقد تكونُ بلدةٌ أو قريةٌ أهلُها عَلَى الكفر، وهي داخلةٌ في دولةِ المُسلِمِينَ، محكومةٌ بحُكمِهم، فلا تأخُذُ حُكمَ بلَدِ الكفرِ؛ كخَيبَرَ؛ فقد كان جلُّ أهلِها يهودَ، ولكنَّها تحتَ حُكْم المُسلِمينَ ودولتِهم، وخَرَاجُها لهم، وقد جَعَلَ النبيُّ ﷺ عليها عُمَّالَهُ، فلم يكُنْ يسكُنُها الصحابةُ كما يسكُنونَ المدينةَ، وإنَّما يُعامِلونَ أهلَها ويُبايِعُونَهم، ولو أقام فيها أحدٌ، لم يكُن مقيمًا في بلدِ كفرٍ، وإنَّما جاوَرَ كافِرِينَ؛ لأنَّ الأرضَ للمُسلِمينَ، وحُكمَهم عليها نافذٌ وظاهرٌ؛ كظُهُورِ الكثرةِ عَلَى القِلَّة، وخَرَاجَها لهم، فالنبيُّ حينَما أخرَجَهم منها، لم يُعْطِهم قيمةَ

стр. 982

أرضِهم؛ لأنَّها للمُسلِمِينَ لا لهم، وهذا يختلِفُ عن بلدٍ أهلُها كفارٌ، ويَملِكونَها، ويُظهِرونَ فيها ما يشاؤونَ مِن دينِهم ودُنياهم. وبعضُ العلماءِ يجعلُ في البُلْدانِ قِسْمًا ثالثًا، وهي بُلْدانٌ لا تأخُذُ أحكامَ دارِ الحرب ولا دارِ الإِسلامِ؛ وذلكَ لاختلافِ حالِ الظُّهُورِ والتمكُّنِ والكثرةِ فَيها؛ كما أفتَى ابنُ تيميَّةَ في (ماردينَ)، فقَدْ جعَلَها مركَّبةً فيها المعنَيان، فلم يجعَلْها بمنزلةِ دارِ السِّلْمِ التي تَجري عليها أحكامُ الإِسلام، ولا بمنزلةِ دارِ الحربِ الي أهلُها كفَّارٌ، بل جعَلَها قسمًا ثالثًا متوسطًا. والبلدانُ لا دوامَ لحالِها، فقد تتحوَّل كما يتحوَّلُ الإنسانُ مِنَ الإسلامِ إلى الكفر، ومِنَ الكفرِ إلى الإسلام، ومِنَ الطاعةِ إلى الفِسق، ومِنَ الفسقِ إِلى الطاعةِ. الهجرة إلى بلدِ الكُفرِ المسالِمِ: وقد يُهاجِرُ المسلِمُ مِن بلدِ كفرِ مُحارِبٍ إلى بلدِ كفرٍ مُسالِمٍ عندَ العجزِ عنِ الوصولِ إلى بلدِ مسلِمٍ، ويُسمَّى مُهاجِرًا وفِعلُهُ هِجْرةً، وقد سمَّى النَّبِيُّ ﷺ مَن هاجَرَ إلى الحبشةِ مُهاجِرًا، بل أمَرَهم بذلك، وقد قال قتادة في قولِ اللهِ تعالى في النَّحْلِ: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [٤١]؛ أنَّه فيمَن هاجَرَ إلى الحبَشةِ مِنَ الصحابةِ (١). مُوجباتُ الهِجْرةِ: وأَمَّا هِجْرةُ الصحابةِ مِن مَكَّةَ إلى الحَبَشة، فلِأَجْلِ إظهارِ الدِّين، لا لأجلِ الفَرْقِ بينَ الدَّارَيْن، فإنَّ الهجرةَ لها موجِبانِ: * منها ما يتعلَّقُ بالعمَلِ وإظهارِ الدين. * ومنها ما يتعلَّقُ بالبلدِ.

стр. 983

أمَّا العملُ، فإِنْ مُنِعَ المسلمُ مِن إظهارِه - كرَفعِ الأذان، وبِناءِ المساجدِ - وجَبَ عَلَيْهِ الهِجْرةُ إلى بلدِ يُظهرُ فيه شرائعَ دِينِه، ولو كان البلدُ الذي يُهاجِرُ ممن أهلُهُ مسلِمُونَ تَسلَّطَ عليهم مَن يمنَعُهُمْ مِن إظهارِ دِينِهم، والذي يُهاجِرُ إليه أهلُه كافرونَ، والهجرةُ لأجلِ إظهارِ الشرائعِ أَوْجَبَ مِن الهِجْرةُ لأجلِ مُفارَقةِ بلدِ الكافِرِينَ. وأمَّا الهِجْرةُ لأجلِ البلَد، لا لأجلِ إظهارِ الشرائع، فهو أن يُهاجِرَ مِن بلدٍ كافرٍ يُظهِرُ فيه دينَهُ وشرائعَهُ إلى بلدٍ مسلمٍ يُظهِرُ فيه دينَهُ وشرائعَهُ؛ لأنَّ العِلَّةَ الأقامةُ بينَ ظَهْرَانَيْهُمْ. وهجرةُ الحبشةِ الأُولى والثانيةُ لأجلِ العَمَلِ وإظهارِ الدِّين، لا لأجلِ البلدِ؛ فلم تكُنِ الحبشةُ بلدَ إسلام، وهجرةُ المدينةِ لأجلِ العملِ والبلَدِ معًا، والهجْرةُ لحفظِ العملِ وإقامتِهِ أعظَمُ مِنَ الهجرةِ لأجلِ الأرضِ والبَلَدِ؛ لأنَّ البَلَدَ ولو كان فاضلًا - كمَكَّةَ والمدينةِ والمسجدِ الأقصى - لا يَلزَمُ منه القدْرةُ عَلَى إظهارِ العملِ؛ فمَنْ قدَرَ عَلَى إظهارِ دينِه، أقام، ومَن لمْ يَقدِرْ، هاجَرَ ولو إلى بلدِ مفضولٍ؛ لأنَّ فضلَ الأعمالِ أعظَمُ مِن فضلِ البُلْدان، وأثَرَ الأعمالِ عَلَى أصحابِها أعظَمُ مِن أثرِ البُلْدانِ عليهم. أحوالُ وجوبِ الهجرةِ وتحريمِها: ويَختلِفُ الفقهاءُي وجوبِ الهجْرةِ مِن بلدِ الكفر، مع القدرةِ عَلَى إقامةِ الدِّينِ وإظهارِ الشرائعِ فيه، إلَّا أنَّ ثَمَّةَ صُوَرًا لا يَخْتَلِفونَ في وجوبِ الهجرةِ فبها ولو أُقيمَتِ الشرائعُ، وصُوَرًا لا يَختلِفونَ في جوازِ الإقامةِ في بلدِ الكفرِ فيها، أو استحبابِ ذلك، وصورًا لا يَختلِفونَ في تحريمِ الهجرةِ فيها: أمَّا ما لا يُخْتلَفُ في وجوبِ الهجرةِ فيها مِن بلدِ الكفرِ ولو أُقيمَتِ الشرائعُ فيها: فذلك زمنَ الحربِ بينَ المُسلِمِينَ والكافِرِينَ، فلا يجوزُ

стр. 984

لمسلمٍ أن يُقِيمَ بينَ ظَهْرَانَيهِم، ولو مكَّنُوهُ مِن إقامةِ دينِه، لأنَّه يكثِّرُ سَوادَ الكافِرِينَ، ويُعرِّضُ نفسَهُ وأهلَهُ ومالَهُ لسِهَامِ المُسلِمِينَ وقَذائفِهم. ولا يَختلِفونَ في وجوبِ الهجرةِ عندَ عدمِ القُدْرةِ عَلَى إقامةِ الدِّينِ وشرائعِهِ اللازمةِ والمتعدِّيَةِ؛ لازمةٍ كالذِّكْرِ والصلاةِ والصوم، ومتعدِّيةٍ كالزَّكَاةِ والأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عنِ المنكرِ ودَعْوةِ الناسِ إلى التوحيدِ والسُّنَّةِ، وكذلك إقامةُ أحكامِ الدِّينِ وشرائعِهِ الظاهرةِ؛ كَبِنَاءِ المساجِد، وصلاةِ الجماعاتِ والأذانِ لها، والحجاب، وإعفاءِ اللِّحى، وكذلك الشرائعُ الباطنةُ التي إنْ أُقيمَتِ الظاهرةُ، لزِمَ قيامُ الباطنةِ مِن بابِ أَوْلى. وأمَّا ما لا يُختلَفُ في جَوازِه أو مشروعيَّتِه: فهو لِمَن أقامَ في بلدِ الكفرِ لدَعْوَتِهم؛ أُسوةً بالأنبياء، ولو أطالَ البقاءَ، فإن اللهَ لم يأمُرْ نبيَّه ﷺ بالهجرة إلَّا لمَّا منَعُوهُ مِن إظهارِ ديِنِه ودعوتِهِ وشرائعِ ربِّه، وهكذا الأنبياءُ مِن قَبْلَهِ لم يُغادِروا أرضَ قومِهم إلا كُرْهًا أو خَوْفًا مِن عذابِهم الموعودِ. وأمَّا ما لا يُختلفُ في تحريمِه: فالهجرةُ مِن بلدِ الإسلامِ إلى بلدِ الكفرِ الذي لا تُظهَرُ فيه الشرائعُ بل يُحارَبُ فيه الإسلامُ، ولو كان في ذلك حِفْظٌ للدُّنيا، فلا يجوزُ لمسلمٍ أن يُهاجِرَ مِن بلدِ الإسلامِ ولو ظُلِمَ فيها في دُنْياهُ، إلى بلدِ الكفرِ التي لا يُظهِرُ فيها دينَهُ ولكنْ تُحفَظُ دُنياه؛ لأنَّه لا يجوزُ حِفظُ الدُّنيا وإضاعةُ الدِّينِ؛ فإِنَّ اللهَ لم يُوحِبِ الهجرةَ عَلَى نبيِّه والمؤمنينَ إلّا وتَبِعَهَا مِن ضياعِ دُنْياهُم وتَرْكِها - مِن مالٍ وزوجةٍ وولَدٍ ودارٍ وأرضٍ - شيءٌ كثيرٌ؛ فلا يُعتبَرُ حِفظُ الدُّنيا معَ ضياعِ الدِّينِ شيئًا. وأمَّا مَن ظُلِمَ وقُهِرَ مِن حاكمٍ طاغٍ مُسلِمٍ تسلَّطَ عَلَى المُسلِمِينَ، وأرادَهُ عَلَى دينِهِ أو عِرْضِهِ أو نفسِه، فأرادَ الهِجْرةَ إلى بلَدِ كفرٍ يَحفَظُ دُنياهُ ويُقيمُ ديَنَهُ عندَ تعَذُّرِ بلدِ مسلِمٍ - فيجوز له ذَلكَ كما عزَمَ الزهريُّ عَلَى الهجرةِ إلى أرضِ الرومِ هربًا مِن الوليد بنِ يزيدَ؛ بشرطِ أن يكونَ

стр. 985

متربِّصًا للعودةِ إلى بلدِ الإسلامِ في بلَدِهِ أو غيرِها، مِن غيرِ نيَّةِ دوامِ الإقامةِ في بلدِ الكفرِ. الهجرةُ مِن بلدِ الكفرِ الذي يُظهِرُ في المسلمُ دينَهُ: وقدِ اختلَفَ العلماءُ في الهجرةِ مِن بلدِ الكُفرِ الذي يَقدِرُ فيه أن يُقِيمَ المسلِمُ دِينَهُ، ويُظهِرَ شرائعَهُ ظاهرةً وباطنةً، عَلَى أقوالٍ؛ جِماعُها في قولَينِ: القول الأَوَّلُ: وجوبُ الهِجْرة. الثاني: عدمُ وجوبِها. والأظهَرُ التفصيلُ؛ وذلك أنَّ بقاءَ المسلمِ في بلادِ الكفرِ لا يخلو مِن حالتَينِ: الحالةُ الأُولى: أن تكونَ للمُسلِمِينَ مدُنٌ وقُرًى يُظهِرون فيها دينَهم، وتَظهَرُ فيها شوكتُهم؛ كالمُدُنِ والقُرَى والوِلَاياتِ التي نكونُ ضِمْنَ بلادٍ كفريَّةٍ اليومَ؛ كالهندِ وما وراءَ السِّنْدِ وما تحتَ روسيا، ففي الهندِ ولاياتٌ ومدنٌ فيها عشَراتُ الملايين وفي روسيا كذلك. فهؤلاءِ إن أظهَرُوا دينَهم وشعائِرَهُمُ الخاصَّةَ والعامَّةَ، لم تَجِبْ عليهِمُ الهِجْرةُ، وذلكَ أنَّ لهم شوكةً وقُوَّةً يَحْمُونَ بها شعائِرَهم ودينَهم، ولهم حميَّةٌ تَحفَظُ دينَهم ودُنياهم، ولا يأثَمُونَ ببقَائِهم ولو كانوا ضِمْنَ دولةٍ كافرةٍ، فإن كانوا عَلَى قِلَّةِ وضَعْفٍ بالنِّسْبَةِ لدولةِ الكفرِ الحاكمة، تعَبَّدُوا واكتَفَوْا بإظهارِ شعائرِ الدِّين، وتَرَكُوا جهادَ دَوْلةِ الكفرِ التي فَوقَهم، حتَّى يتمكَّنُوا منه فيُجاهِدوا لِيُقيموا حُكمَ اللهِ فيهم. الاحتماءُ بالكافِرِ: وإن صال صائلٌ كافرٌ ولم يَقدِرُوا عَلَى دَفْعِهِ مِن أنفُسِهم، احتمَوْا ولو بكافرٍ، كما لم يُؤمَرْ مُهاجِرُو الحبشَةِ بالجهادِ؛ لقِلَّتِهم وضَعْفِهم في
следующие страницы →