Полный текст (204 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
قصد به غير وجه الله تعالى حبط وضاع، وخسرت صفقته وبما تفوته تلك المقاصد ولا ينالها فيخيب قصده ويضيع سعيه.
الثالث:
أن يبادر شبابه وأوقات عمره إلى التحصيل ولا يغتر بخدع التسويف والتأميل؛ فإن كل ساعة تمضي من عمره لا بدَلَ لها ولا عوض عنها، ويقطع ما يقدر عليه من العلائق الشاغلة والعوائق المانعة عن تمام الطلب وبذل الاجتهاد وقوة الجد في التحصيل فإنها كقواطع الطريق، ولذلك استحب السلف التغرب عن الأهل والبعد عن
стр. 72
الوطن؛ لأن الفكرة إذا توزعت قصرت عن درك الحقائق وغموض الدقائق وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وكذلك يقال: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلّك.
ونقل الخطيب البغدادي في الجامع عن بعضهم قال: لا ينال هذا العلم إلا من عطّل دكانه، وخرب بستانه، وهجر إخوانه، ومات أقرب أهله فلم يشهد جنازته، وهذا كله وإن كانت فيه مبالغة فالمقصود به أنه لابد فيه من جمع القلب واجتماع الفكر.
وقيل: أمر بعض المشايخ طالبًا له بنحو ما رواه الخطيب فكان آخر ما أمره به أن قال: اصبغ ثوبك كيلا يشغلك فكر غسله. ومما يقال عن الشافعي أنه قال: لو كُلِّفتُ شراء بصلة لما فهمت مسألة.
الرابع:
أن يقنع من القوت بما تيسر وإن كان يسيرًا، ومن اللباس بما يستر مثله وإن كان خلقًا، فبالصبر على ضيق العيش ينال سعة العلم ويجمع شمل القلب عن مفترقات الآمال فتتفجر فيه ينابيع الحكم.
قال الشافعي ﵀: لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس فيفلح، ولكن من طلبه بذل النفس وضيق العيش وخدمة
стр. 73
العلماء أفلح. وقال: لا يصلح طلب العلم إلا لمفلس، قيل: ولا الغني المكفي، قال: ولا الغني المكفي.
وقال مالك: لا يبلغ أحد من هذا العلم ما يريد حتى يضربه الفقر ويؤثره على كل شيء.
وقال أبو حنيفة: يُستعان على الفقه بجمع الهم، ويستعان على حذف العلائق بأخذ اليسير عند الحاجة ولا يزد.
فهذه أقوال هذه الأئمة الذين لهم فيه القدح المعلي غير مدافع، وكانت هذه أحوالهم ﵃.
قال الخطيب: ويستحب للطالب أن يكون عزبًا ما أمكنه لئلا يقطعه الاشتغال بحقوق الزوجية وطلب المعيشة عن إكمال الطلب، وقال سفيان الثوري: من تزوج فقد ركب البحر فإن ولد له ولد فقد كسر به، وبالجملة فترك التزويج لغير المحتاج إليه أو غير القادر عليه أولى لاسيما للطالب الذي رأس ماله جمع الخاطر وإجمام القلب واشتغال الفكر.
الخامس:
أن يقسم أوقات ليله ونهار ويغتنم ما بقي من عمره فإن بقية العمر لا قيمة له.
وأجود الأوقات للحفظ الأسحار وللبحث الإبكار وللكتاب وسط
стр. 74
النهار وللمطالعة والمذاكرة الليل.
وقال الخطيب: أجود أوقات الحفظ الأسحار ثم وسط النهار ثم الغداة. قال: وحفظ الليل أنفع من حفظ النهار، ووقت الجوع أنفع من وقت الشبع.
قال: وأجود أماكن الحفظ الغرف وكل موضع بعيد عن الملهيات. قال: وليس بمحمود الحفظ بحضرة النبات والخضرة والأنهار وقوارع الطريق وضجيج الأصوات لأنها تمنع من خلو القلب غالبًا.
السادس:
من أعظم الأسباب المعينة على الاشتغال والفهم وعدم الملال أكل القدر
стр. 75
اليسير من الحلال.
قال الشافعي ﵁: ما شبعت منذ ست عشرة سنة، وسبب ذلك أن كثرة الأكل جالبة لكثرة الشرب، وكثرته جالبة للنوم والبلادة وقصور الذهن وفتور الحواس وكسل الجسم، هذا مع ما فيه من الكراهية الشرعية والتعرض لخطر الأسقام البدنية.
كما قيل:
فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب
ولم ير أحد من الأولياء والأئمة العلماء يصف أو يوصف بكثرة الأكل ولا حمد به، وإنما يحمد كثرة الأكل من الدواب التي لا تعقل بل هي مرصدة للعمل، والذهن الصحيح أشرف من تبديده وتعطيله بالقدر الحقير من طعام يؤول أمره إلى ما قد علم، ولو لم يكن من آفات كثرة الطعام والشراب إلا الحاجة إلى كثرة دخول الخلاء لكان ينبغي للعاقل اللبيب أن يصون نفسه عنه، ومن رام الفلاح في العلم وتحصيله البغية منه مع كثرة الأكل والشرب والنوم فقد رام مستحيلاً في العادة.
والأولى أن يكون أكثر ما يأخذ من الطعام ما ورد في الحديث عن النبي ﷺ : "ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يُقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه" رواه الترمذي.
فإن زاد على ذلك
стр. 76
فالزيادة إسراف خارج عن السنة وقد قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]، قال بعض العلماء: جمع الله بهذه الكلمات الطب كله.
السابع:
أن يأخذ نفسه بالورع في جميع شأنه ويتحرى الحلال في طعامه وشرابه ولباسه ومسكنه وفي جميع ما يحتاج إليه هو وعياله ليستنير قلبه ويصلح لقبول العلم ونوره والنفع به، ولا يقنع لنفسه بظاهر الحل شرعًا مهما أمكنه التورع ولم تلجئه حاجة أو يجعل حظه الجواز بل يطلب الرتبة العالية.
стр. 77
ويقتدي بمن سلف من العلماء الصالحين في التورع عن كثير مما كانوا يفتون بجوازه، وأحق من اقتدى به في ذلك سيدنا رسول الله ﷺ حيث لم يأكل التمرة التي وجدها في الطريق خشية أن تكون من الصدقة مع بُعد كونها منها، ولأن أهل العلم يقتدى بهم ويؤخذ عنهم فإذا لم يستعملوا الورع فمن يستعلمه.
وينبغي له أن يستعمل الرخص في مواضعها عند الحاجة إليها ووجود سببها ليقتدي بهم فيه، "فإن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه".
الثامن:
أن يقلل استعمال المطاعم التي هي من أسباب البلادة وضعف
стр. 78
الحواس كالتفاح الحامض والباقلا وشرب الخل، وكذلك ما يكثر استعماله البلغم المبلد للذهن المثقل للبدن ككثرة الألبان والسمك وأشباه ذلك.
وينبغي أن يستعمل ما جعله الله تعالى سببا لجودة الذهن كمضغ اللبان والمصطكى على حسب العادة، وأكل الزبيب بكرة والجلاب ونحو ذلك مما ليس هذا موضع شرحه.
وينبغي أن يجتنب ما يورث النسيان بالخاصة كأكل سور الفار, وقراءة ألواح القبور والدخول بين جملين مقطورين، وإلقاء القمل ونحو ذلك من المجربات فيه.
التاسع:
أن يقلل نومه ما لم يلحقه ضرر في بدنه وذهنه، ولا يزيد في نومه في
стр. 79
اليوم والليلة على ثمان ساعات وهو ثلث الزمان، فإن احتمل حاله أقل منها فعل.
стр. 80
ولا بأس أن يريح نفسه وقلبه وذهنه وبصره إذا كلّ شيء من ذلك أو ضعف بتنزه وتفرج في المستنزهات بحيث يعود إلى
стр. 81
حاله ولا يضيع عليه زمانه.
ولا بأس بمعاناة المشي ورياضة البدن به فقد قيل إنه ينعش الحرارة ويذيب فضول الأخلاط وينشط البدن.
стр. 82
ولا بأس بالوطى الحلال إذا احتاج إليه، فقد قال الأطباء بأنه يجفف الفضول وينشط ويصفي الذهن إذا كان عند الحاجة باعتدال، ويحذر كثرته حذر العدو فإنه كما قيل: (ماء الحياة يصب في الأرحام) يضعف السمع والبصر والعصب والحرارة والهضم وغير ذلك من الأمراض الرديئة.
стр. 83
والمحققون من الأطباء يرون أن تركه أولى إلا لضرورة أو استشفاء وبالجملة فلا بأس أن يريح نفسه إذا خاف مللاً.
وكان بعض أكابر العلماء يجمع أصحابه في بعض أماكن التنزه في بعض أيام السنة ويتمازحون بما لا ضرر عليهم في دين ولا عرض.
стр. 84
العاشر:
أن يترك العشرة فإن تركها من أهم ما ينبغي لطالب العلم ولاسيما لغير الجنس وخصوصًا لمن كثر لعبه وقلت فكرته؛ فإن الطباع سراقة، وآفة العشرة ضياع العمر بغير فائدة وذهاب المال والعرض إن كان لغير أهل، وذهاب الدين إن كانت لغير أهله.
والذي ينبغي لطالب العلم أن لا يخالط إلا من يفيده أو يستفيد منه بما رُوي عن النبي ﷺ : "اغد عالمًا أو متعلمًا ولا تكن الثالث فتهلك".
فإن شرع أو تعرض لصحبة من يضيع عمره معه ولا يفيده ولا يستفيد منه ولا يعينه على ما هو بصدده فليتلطف في قطع عشرته من أول الأمر قبل تمكنها فإن الأمور إذا تمكنت عسرت إزالتها، ومن الجاري على ألسنة الفقهاء: الدفع أسهل من الرفع.
فإن احتاج إلى أن يصحبه فليكن صاحبًا صالحًا دينًا تقيًا ورعًا ذكيًا
стр. 85
كثير الخير قليل الشر حسن المداراة قليل المماراة إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه وإن احتاج واساه وإن ضجر صبره.
ومما يروى عن علي ﵁:
فلا تصحب أخا الجهل ... وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى ... حليمًا حين واخاه
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ماشاه
стр. 86
ولبعضهم:
إن أخاك الصدق من كان معك ... ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا ريب زمان صدعك ... شتت شمل نفسك ليجمعك
الفصل الثاني في آدابه مع شيخه وقدوته
وما يجب عليه من عظيم حرمته
وهو ثلاثة عشر نوعًا:
الأول:
أنه ينبغي للطالب أن يقدم النظر ويستخير الله فيمن يأخذ العلم عنه ويكتسب حسن الأخلاق والآداب منه وليكن إن أمكن ممن كملت أهليته وتحققت شفقته وظهرت مروءته وعرفت عفته واشتهرت صيانته وكان أحسن تعليمًا وأجود تفهيمًا ولا يرغب الطالب في زيادة العلم مع نقص في ورع أو دين أو عدم خلق جميل.
فعن بعض السلف: هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.
стр. 87
وليحذر من التقييد بالمشهورين وترك الأخذ عن الخاملين فقد عدّ الغزالي وغيره ذلك من الكبر على العلم وجعله عين الحماقة؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث وجدها ويغتنمها حيث ظفر بها، ويتقلد المنّة لمن ساقها إليه فإنه يهرب من مخافة الجهل كما يهرب من الأسد، والهارب من الأسد لا يأنف مِنْ دلالة مَنْ يدله على الخلاص كائنًا من كان.
فإذا كان الخامل ممن ترجى بركته كان النفع به أعم والتحصيل من جهته أتم، وإذا سبرت أحوال السلف والخلف لم تجد النفع
стр. 88
يحصل غالبًا والفلاح يدرك طالبًا إلا إذا كان للشيخ من التقوى نصيب وافر، وعلى شفقته ونصحه للطلبة دليل ظاهر.
وكذلك إذا اعتبرت المصنفات وجدت الانتفاع بتصنيف الأتقى الأزهد أوفر والفلاح بالاشتغال به أكثر.
وليجتهد على أن يكون الشيخ ممن له على العلوم الشرعية تمام الإطلاع، وله مع من يوثق به من مشايخ عصره كثرة بحث وطول اجتماع، لا ممن أخذ عن بطون الأوراق ولم يعرف بصحبة المشايخ الحذاق. قال الشافعي ﵁: من تفقه من بطون الكتب ضيع الأحكام. وكان بعضهم يقول: من أعظم البلية تشيخ الصحيفة. أي الذين تعلموا من الصحف.
الثاني:
أن ينقاد لشيخه في أموره ولا يخرج عن رأيه وتدبيره، بل يكون معه كالمريض مع الطبيب الماهر، فيشاروه فيما يقصده ويتحرى رضاه فيما يعتمده، ويبالغ في حرمته يتقرب إلى الله تعالى بخدمته، ويعلم أن ذله لشيخه عز، وخضوعه له فخر، وتواضعه له رفعة.
ويقال إن الشافعي ﵁ عوتب على تواضعه للعلماء، فقال:
ولن تكرم النفس التي لا تهينها
أهين لهم نفسي فهم يكرمونها
وأخذ ابن عباس ﵄ مع جلالته ومرتبته بركاب زيد بن ثابت الأنصاري وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا.
وقال أحمد بن حنبل لخلف الأحمر: لا أقعد إلا بين يديك، أمرنا أن
стр. 89
نتواضع لمن نتعلم منه.
وقال الغزالي: لا ينال العلم إلا بالتواضع وإلقاء السمع، قال: ومهما أشار عليه شيخه بطريق في التعليم فليقلده وليدع رأيه فخطأ مرشده أنفع له من صوابه في نفسه، وقد نبه الله تعالى على ذلك في قصة موسى والخضر ﵉ بقوله: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف: ٦٧]، هذا مع علو قدر موسى الكليم في الرسالة والعلم حتى شرط عليه السكوت فقال: ﴿فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ [الكهف: ٧٠].
الثالث:
أن ينظره بعين الإجلال ويعتقد فيه درجة الكمال فإن ذلك أقرب إلى نفعه به، وكان بعض السلف إذا ذهب إلى شيخه تصدق بشيء وقال: اللهم استر عيب شيخي عني ولا تذهب بركة علمه مني.
وقال الشافعي ﵁: كنت أصفح الورقة بين يدي مالك صفحًا رفيقًا هيبة له لئلا يسمع وقعها.
وقال الربيع: والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليَّ هيبة له.
وحضر بعض أولاد الخليفة المهدي عند شريك فاستند إلى الحائط وسأله عن حديث فلم يلتفت إليه شريك، ثم عاد فعاد شريك بمثل ذلك، قال: تستخف بأولاد الخلفاء؟ ! قال: لا، ولكن العلم أجلّ
стр. 90
عند الله من أن أضيعه، ويروى العلم أزين عند أهله من أن يضيعوه. وينبغي أن لا يخاطب شيخه بتاء الخطاب وكافه، ولا يناديه مِنْ بُعْدٍ بل يقول: يا سيدي ويا أستاذي.
وقال الخطيب: يقول: أيها العالم، وأيها الحافظ ونحو ذلك، وما تقولون في كذا وما رأيكم في كذا وشبه ذلك، ولا يسميه في غيبته أيضًا باسمه إلا مقرونًا بما يشعر بتعظيمه كقوله قال الشيخ أو الأستاذ كذا، وقال شيخنا أو قال حجة الإسلام أو نحو ذلك.
стр. 91
الرابع:
أن يعرف له حقه ولا ينسى له فضله، قال شعبة: كنت إذا سمعت من الرجل الحديث كنت له عبدًا ما يحيا، وقال: ما سمعت من أحد شيئًا إلا واختلفت إليه أكثر مما سمعت منه.
ومن ذلك أن يعظم حرمته ويرد غيبته ويغضب لها، فإن عجز عن ذلك قام وفارق ذلك المجلس.
وينبغي أن يدعو له مدة حياته ويرعى ذريته وأقاربه وأوداءه بعد وفاته، ويتعمد زيارة قبره والاستغفار له والصدقة عنه ويسلك في السمت والهدى مسلكه، ويراعي في العلم والدين عادته ويقتدي بحركاته وسكناته، في عاداته وعباداته، ويتأدب بآدابه ولا يدع الاقتداء به.
стр. 92
الخامس:
أن يصبر على جفوة تصدر من شيخه أو سوء خلق ولا يصده ذلك عن ملازمته وحسن عقيدته، ويتأول أفعاله التي يظهر أن الصواب خلافها على أحسن تأويل، ويبدأ هو عند جفوة الشيخ بالاعتذار والتوبة مما وقع والاستغفار، وينسب الموجب إليه ويجعل العَتْبَ عليه فإن ذلك أبقى لمودة شيخه واحفظ لقلبه وأنفع للطالب في دنياه وآخرته.
وعن بعض السلف: من لم يصبر على ذل التعليم بقي عمره في عماية الجهالة، ومن صبر عليه آل أمره إلى عز الدنيا والآخرة.
ولبعضهم:
اصبر لدائك إن جفوت طبيبه ... واصبر لجهلك إن جفوت معلمًا
وعن ابن عباس: ذللت طالبًا فعززت مطلوبًا. وقال قبله:
إن المعلم والطبيب كليهما ... لا ينصحان إذا هما لم يكرما
وقال معافى بن عمران: مثل الذي يغضب على العالم مثل الذي يغضب على أساطين الجامع.
وقال الشافعي ﵁: قيل لسفيان بن عيينة: إن قومًا يأتونك من
стр. 93
أقطار الأرض تغضب عليهم يوشك أن يذهبوا أو يتركوك، فقال للقائل: هم حمقى إذًا مثلك إن تركوا ما ينفعهم لسوء خلقي.
وقال أبو يوسف ﵀: خمسة يجب على الإنسان مُدَاراتهم، وعد منهم العالم ليقتبس من علمه.
السادس:
أن يشكر الشيخ على توقيفه على ما فيه فضيلة، وعلى توبيخه على ما فيه نقيصة، أو على كسل يعتريه، أو قصور يعاينه أو غير ذلك مما في إيقافه
стр. 94
عليه وتوبيخه إرشاده وصلاحه، ويعد ذلك من الشيخ من نعم الله تعالى عليه باعتناء الشيخ به ونظره إليه، فإن ذلك أمثل إلى قلب الشيخ وأبعث على الاعتناء بمصالحه.
وإذا أوقفه الشيخ على دقيقة من أدب أو نقيصة صدرت منه وكان يعرفه من قبل فلا يظهر أنه كان عارفًا به وغفل عنه، بل يشكر الشيخ على إفادته ذلك واعتنائه بأمره، فإن كان له في ذلك عذر وكان إعلام الشيخ به أصلح فلا بأس به وإلا تركه، إلا أن يترتب على ترك بيان العذر مفسدة فيتعين إعلامه به.
السابع:
أن لا يدخل على الشيخ في غير المجلس العام إلا باستئذان سواء كان
стр. 95
الشيخ وحده أو كان معه غيره، فإن استأذن بحيث يعلم الشيخ ولم يأذن له انصرف ولا يكرر الاستئذان، وإن شك في علم الشيخ به فلا يزيد في الاستئذان فوق ثلاث مرات أو ثلاث طرقات بالباب أو الحلقة، وليكن طرق الباب خفيًا بأدب بأظفار الأصابع، ثم بالأصابع، ثم بالحلقة قليلاً قليلاً، فإن كان الموضع بعيدًا عن الباب والحلقة فلا بأس برفع ذلك بقدر ما يسمع لا غير، وإذا أذن وكانوا جماعة يُقَدَّم أفضلهم وأسنهم بالدخول والسلام عليه، ثم سلم عليه الأفضل فالأفضل.
стр. 96
وينبغي أن يدخل على الشيخ كامل الهيئة متطهر البدن والثياب نظيفهما بعدما يحتاج إليه من أخذ ظفر وشعر وقطع رائحة كريهة لاسيما إن كان يقصد مجلس العلم فإنه مجلس ذكر واجتماع في عبادة.
ومتى دخل على الشيخ في غير المجلس العام وعنده من يتحدث معه فسكتوا عن الحديث أو دخل والشيخ وحده يصلي أو يذكر أو يكتب أو يطالع فترك ذلك أو سكت ولم يبدأه بكلام أو بسط حديث فليسلم ويخرج سريعًا إلا أن يحثه الشيخ على المكث، وإذا مكث
стр. 97
فلا يطيل إلا أن يأمره بذلك.
وينبغي أن يدخل على الشيخ أو يجلس عنده وقلبه فارغ من الشواغل له وذهنه صاف لا في حال نعاس أو غضب أو جوع شديد أو عطش أو نحو ذلك؛ لينشرح صدره لما يقال ويعي ما يسمعه.
وإذا حضر مكان الشيخ فلم يجده جالسًا انتظره كيلا يفوت على نفسه درسه؛ فإن كل درس يفوت لا عوض له ولا يطرق عليه ليخرج إليه، وإن كان نائمًا صبر حتى يستيقظ أو ينصرف ثم يعود والصبر خير له، فقد روي عن ابن عباس كان يجلس في طلب العلم على باب زيد بن ثابت حتى يستيقظ فيقال له: ألا نوقظه لك؟ فيقول: لا، وربما طال مقامه وقرعته الشمس، وكذلك كان السلف يفعلون.
ولا يطلب من الشيخ إقراءه في وقت يشق عليه فيه أو لم تجر عادته بالإقراء فيه ولا يخترع عليه وقتًا خاصًا به دون غيره وإن كان
стр. 98
رئيسًا كبيرًا لما فيه من الترفع والحمق على الشيخ والطلبة والعلم، وربما استحيا الشيخ منه فترك لأجله ما أهم عنده في ذلك الوقت فلا يفلح الطالب، فإن بدأه الشيخ بوقت معين أو خاص بعذر عائق له عن الحضور مع الجماعة أو لمصلحة رآها الشيخ فلا بأس بذلك.
الثامن:
أن يجلس بين يدي الشيخ جلسة الأدب كما يجلس الصبي بين يدي المقري أو متربعًا بتواضع وخضوع وسكون وخشوع ويصغي إلى الشيخ ناظرًا إليه ويقبل بكليته عليه متعقلاً لقوله بحيث لا يُحْوِجُه إلى إعادة الكلام مرة ثانية، ولا يلتفت من غير
стр. 99
ضرورة، ولا ينظر إلى يمينه أو شماله أو فوقه أو قدامه بغير حاجة ولاسيما عند بحثه له أو عند كلامه معه.
فلا ينبغي أن ينظر إلا إليه ولا يضطرب لضجة يسمعها أو يلتفت إليها ولاسيما عند بحث له ولا ينفض كميه ولا يحسر عن ذراعيه ولا يعبث بيديه أو رجليه أو غيرهما من أعضائه ولا يضع يده على لحيته أو فمه أو يعبث بها في أنفه أو يستخرج منها شيئًا ولا يفتح فاه، ولا يقرع سنه، ولا يضرب الأرض براحته أو يخط عليها بأصابعه، ولا يشبك بيديه أو يعبث بأزراره.
ولا يسند بحضرة الشيخ إلى حائط أو مخدة أو درابزين، أو يجعل يده عليها، ولا يعطي الشيخ جنبه أو ظهره، ولا يعتمد على يده إلى ورائه أو جنبه، ولا يكثر كلامه من غير حاجة، ولا يحكي ما يضحك منه أو ما فيه بذاءة أو يتضمن سوء مخاطبة أو سوء أدب، ولا يضحك لغير عجب، ولا يعجب دون الشيخ، فإن غلبه تبسم تبسمًا بغير صوت البتة.
стр. 100
ولا يكثر التنحنح من غير حاجة ولا يبصق ولا يتنخع ما أمكنه، ولا يلفظ النخامة من فيه بل يأخذها من فيه بمنديل أو خرقة أو طرف ثوبه ويتعاهد تغطية أقدامه وإرخاء ثيابه وسكون يديه عند بحثه أو مذاكرته، وإذا عطس خفض صوته جهده وستر وجهه بمنديل أو نحوه، وإذا تثاءب ستر فاه بعد رده جهده.
стр. 101
وعن علي ﵁ قال: من حق العالم عليك أن تسلم على القوم عامة وتخصه بالتحية وأن تجلس أمامه ولا تشيرن عنده بيديك ولا تغمز بعينيك غيره، ولا تقولن: قال فلان خلاف قوله، ولا تغتابن عنده أحدًا، ولا تطلبن عثرته وإن زل قبلت معذرته، وعليك أن توقره لله تعالى، وإن كانت له حاجة سبقت القوم إلى خدمته ولا تسارّ في مجلسه ولا تأخذ بثوبه ولا تلح عليه إذا كسل، ولا تشبع من طول صحبته فإنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شيء، ولقد جمع ﵁ في هذه الوصية ما فيه كفاية.
قال بعضهم: ومن تعظيم الشيخ أن لا يجلس إلى جانبه ولا على مصلاه أو وسادته، وإن أمره الشيخ بذلك فلا يفعله إلا إذا جزم عليه جزمًا يشق عليه مخالفته فلا بأس بامتثال أمره في تلك الحال ثم يعود إلى ما يقتضيه الأدب، وقد تكلم الناس في أي الأمرين أولى أن يعتمد: امتثال الأمر أو سلوك الأدب، والذي يترجح ما قدمته من التفصيل فإن جزم الشيخ بما أمره به بحيث يشق عليه مخالفته فامتثال الأمر أولى وإلا فسلوك الأدب أولى، لجواز أن يقصد الشيخ خيره وإظهار احترامه والاعتناء به فيقابل هو ذلك بما يجب من تعظيم الشيخ والأدب معه.
стр. 102
التاسع:
أن يحسن خطابه مع الشيخ بقدر الإمكان ولا يقول له لم، ولا لا نسلم، ولا من نقل هذا، ولا أين موضعه وشبه ذلك فإن أراد استفادته تلطف في الوصول إلى ذلك، ثم هو في مجلس آخر أولى على سبيل الإفادة.
عن بعض السلف: من قال لشيخه لم، لم يفلح أبدًا، وإذا ذكر الشيخ شيئًا فلا يقل: هكذا قلت أو خطر لي أو سمعت أو هكذا قال فلان، إلا أن يعلم إيثار الشيخ ذلك، وهكذا لا يقول: قال فلان خلاف هذا، وروى فلان خلافه، أو هذا غير صحيح ونحو ذلك.
وإذا أصر الشيخ على قول أو دليل ولم يظهر له أو على خلاف صواب سهوًا فلا يغير وجهه أو عينيه أو يشير إلى غيره كالمنكر لما قاله بل يأخذه ببشر ظاهر، وإن لم يكن الشيخ مصيبًا لغفلة أو سهو أو قصور
стр. 103
نظر في تلك الحال فإن العصمة في البشر للأنبياء صلى الله عليهم وسلم، وليتحفظ من مخاطبة الشيخ بما يعتاده بعض الناس في كلامه، ولا يليق خطابه به مثل: إيش بك، وفهمت، وسمعت، وتدري، ويا إنسان، ونحو ذلك، وكذلك لا يحكي له ما خوطب به غيره مما لا يليق خطاب الشيخ به، وإن كان حاكيًا مثل: قال فلان لفلان: أنت قليل البر، أو ما عندك خير وشبه ذلك، بل يقول إذا أراد الحكاية ما جرت العادة بالكناية به مثل: قال فلان لفلان الأَبْعَد قليل البر, وما عند البعيد خير وشبه ذلك. وليتحفظ من مفاجأة الشيخ بصورة رد عليه فإنه يقع ممن لا يحسن
стр. 104
الأدب من الناس كثيرًا مثل أن يقول له الشيخ: أنت قلت كذا وكذا، فيقول: ما قلت كذا، ويقول له الشيخ: مرادك في سؤالك كذا، أو خطر لك كذا, فيقول: لا أو ما هذا مرادي، أو ما خطر لي هذا وشبه ذلك، بل طريقه أن يتلطف بالمعاسرة عن الرد على الشيخ، وكذلك إذا استفهم الشيخ استفهام تقرير وجزم كقوله: ألم تقل كذا، وأليس مرادك كذا، فلا يبادر بالرد عليه بقوله لا أو ما هو مرادي، بل يسكت أو يوري عن ذلك بكلام لطيف يفهم الشيخ قصده منه، فإن لم يكن بد من تحرير قصده وقوله، فليقل: فأنا الآن أقول كذا، وأعود إلى قصد كذا، ويعيد كلامه ولا يقل الذي قلته أو الذي قصدته ليضمنه الرد عليه.
وكذلك ينبغي أن يقول في موضع لم ولا نسلم فإن قيل لنا كذا أو فإن منعنا ذلك، أو فإن سئلنا عن كذا أو فإن أورد كذا وشبه ذلك ليكون مستفهمًا للجواب سائلاً له بحسن أدب ولطف عبارة.
العاشر:
إذا سمع الشيخ يذكر حكمًا في مسألة أو فائدة مستغربة أو يحكي حكاية أو ينشد شعرًا وهو يحفظ ذلك أصغى إليه إصغاء مستفيد له في الحال
стр. 105
متعطش إليه فرح به كأنه لم يسمعه قط.
قال عطاء: إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم به منه فأريه من نفسي أني لا أحسن منه شيئًا. وعنه قال: إن الشاب ليتحدث بحديث فأسمع له كأني لم أسمعه ولقد سمعته قبل أن يولد.
فإن سأله الشيخ عند الشروع في ذلك عن حفظه له فلا يجيب بنعم لما فيه من الاستغناء عن الشيخ فيه ولا يقل لا لما فيه من الكذب بل يقول أحب أن أسمعه من الشيخ، أو أن أستفيده منه، أو بعد عهدي أو هو من جهتكم أصح، فإن علم من حال الشيخ أنه يؤثر العلم بحفظه له مسرة به أو أشار إليه بإتمامه امتحانًا لضبطه وحفظه أو لإظهار تحصيله فلا بأس باتباع غرض الشيخ ابتغاء مرضاته وازدياد الرغبة فيه،
стр. 106
ولا ينبغي للطالب أن يكرر سؤال ما يعلمه ولا استفهام ما يفهمه؛ فإنه يضيع الزمان وربما أضجر الشيخ، قال الزهري: إعادة الحديث أشد من نقل الصخر، وينبغي أن لا يقصر في الإصغاء والتفهم أو يشتغل ذهنه بفكر أو حديث ثم يستعيد الشيخ ما قاله لأن ذلك إساءة أدب بل يكون مصغيًا لكلامه حاضر الذهن لما يسمعه من أول مرة.
وكان بعض المشايخ لا يعيد لمثل هذا إذا استعاده ويزيده عقوبة له، وإذا لم يسمع كلام الشيخ لبعده أو لم يفهمه من الإصغاء إليه والإقبال عليه، فله أن يسأل الشيخ إعادته وتفهيمه بعد بيان عذره بسؤال لطيف.
الحادي عشر:
أن لا يسبق الشيخ إلى شرح مسالة أو جواب سؤال منه أو من غيره ولا يساوقه فيه ولا يظهر معرفته به أو إدراكه له قبل الشيخ، فإن عرض الشيخ عليه ذلك ابتداء والتمسه منه فلا بأس.
стр. 107
وينبغي أن لا يقطع على الشيخ كلامه؛ أي كلام كان، ولا يسابقه فيه ولا يساوقه بل يصبر حتى يفرغ الشيخ كلامه ثم يتكلم، ولا يتحدث مع غيره والشيخ يتحدث معه أو مع جماعة المجلس.
وليكن ذهنه حاضرًا في كل وقت بحيث إذا أمره بشيء أو سأله عن شيء أو أشار إليه لم يحوجه إلى إعادته ثانيًا بل يبادر إليه مسرعًا
стр. 108
ولم يعاوده فيه أو يعترض عليه بقوله فإن لم يكن الأمر كذا.
الثاني عشر:
إذا ناوله الشيخ شيئًا تناوله باليمين وإن ناوله شيئًا ناوله باليمين، فإن كان ورقة يقرؤها كفتيا أو قصة أو مكتوب شرعي ونحو ذلك نشرها ثم دفعها إليه ولا يدفعها إليه مطوية إلا إذا علم أو ظن إيثار الشيخ لذلك، وإذا أخذ من الشيخ ورقة بادر إلى أخذها منشورة قبل أن يطويها أو يتربها.
وإذا ناول الشيخ كتابًا ناوله إياه مهيئًا لفتحه والقراءة فيه من غير احتياج إلى إدارته فإن كان النظر في موضع معين فليكن مفتوحًا كذلك، ويعين له المكان، ولا يحذف إليه الشيء حذفًا من كتاب أو ورقة أو غير ذلك. ولا يمد يديه إليه إذا كان بعيدًا ولا يحوج الشيخ إلى مد يده أيضًا لأخذ منه أو عطاء بل يقوم إليه قائمًا ولا يزحف إليه زحفًا، وإذا جلس بين يديه لذلك فلا يقرب منه قربًا كثيرًا ينسب فيه إلى سوء أدب.
стр. 109
ولا يضع رجله أو يده أو شيئًا من بدنه أو ثيابه على ثياب الشيخ أو وسادته أو سجادته، ولا يشير إليه بيده أو يقربها من وجهه أو صدره أو يمس بها شيئًا من بدنه أو ثيابه.
وإذا ناوله قلمًا ليمد به فليمده قبل إعطائه إياه، وإن وضع بين يديه دواة فلتكن مفتوحة الأغطية مهيأة لكتابة منها، وإن ناوله سكينًا فلا يصوب إليه شفرتها ولا نصابها ويده قابضة على الشفرة، بل يكون عرضًا وحد شفرتها إلى جهته قابضًا على طرف النصاب مما يلي النصل جاعلاً نصابها على يمين الآخذ.
وإن ناوله سجادة ليصلي عليها نشرها أولاً والأدب أن يفرشها هو عند قصد ذلك، وإذا فرشها ثنى مؤخَّرَ طرفها الأيسر كعادة الصوفية فإن كانت مثنية جعل طرفيها إلى يسار المصلي وإن كانت فيه صورة محراب تحرى به جهة القبلة إن أمكن.
ولا يجلس بحضرة الشيخ على سجادة ولا يصلي عليها إذا كان المكان طاهرًا.
وإذا قام الشيخ بادر القوم إلى أخذ السجادة وإلى الأخذ بيده أو عضده إن احتاج، وإلى تقديم نعله إن لم يشق ذلك على الشيخ؛
стр. 110
ويقصد بذلك كله التقرب إلى الله وإلى قلب الشيخ.
وقيل: أربعة لا يأنف الشريف منهن وإن كان أميرًا؛ قيامُه من مجلسه لأبيه، وخدمته للعالم يتعلم منه، والسؤال عن ما لا يعلم، وخدمته للضيف.
الثالث عشر:
إذا مشى مع الشيخ فليكن أمامه بالليل وخلفه بالنهار إلا أن يقتضي الحال خلاف ذلك لزحمة أو غيرها ويتقدم عليه في المواطئ المجهولة الحال كوحل أو حوض، أو المواطئ الخطرة ويحترز من ترشيش ثياب الشيخ، وإذا كان في زحمة صانه عنها بيديه إما من قدامه أو من ورائه.
وإذا مشى أمامه التفت إليه بعد كل قليل، فإن كان وحده والشيخ يكلمه حالة المشي وهما في ظل فليكن في يمينه وقيل: عن يساره، متقدمًا عليه قليلاً ملتفتًا إليه ويُعَرِّف الشيخ بمن قرب منه أو قصده من الأعيان إن لم يعلم الشيخ به.
ولا يمشي لجانب الشيخ إلا لحاجة أو إشارة منه، ويحترز من مزاحمته
следующие страницы →