← Фикх общий

Фикх общий · id 151185

الركن الخامس

محمد محيي الدين حمادة

Полный текст (520 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الكبير وعلى بعد ٤٠ كم شمالي مدينة الطائف. والآخر يدعى مسجد وادي محرم، ويعرف أيضاً بميقات قرن المنازل، ويقع إلى الجهة الجنوبية من مسجد السيل الكبير على بعد ٧٦ كم عن المسجد الحرام، من طريق الهدا، ومسافة ١٠ كم من مدينة الطائف وبين الميقاتين حوالي ٣٣ كم (١). ومن الأحداث الهامة التي وقعت في قرن المنازل، ما رواه الشيخان عن عروة بن الزبير أنّ عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ حدَّثته أنها قالت للنبي ﷺ : هل أتى عليكَ يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: "لقد لقيت من قومكِ ما لقيتُ، وكان أشدُّ ما لقيتُ منهم يوم العقبة، إذْ عرضتُ نفسي على ابن عبد يالِيل بن عبد كَلال فلم يجبني إلى ما أرَدْت، فانطلقتُ وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفقْ إلّا وأنا بقرن الثعالب (٢)، فرفعتُ رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرْتُ فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إنّ الله قد سمع قول قومك لك، وما رَدُّوا عليك، وقد بعث الله إليكَ ملك الجبال، لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملكُ الجبال، وسلّم عليَّ ثم قال: يا محمد إنَّ الله قد سمع قول قومكَ لكَ، وأنا مَلَكُ الجبال، وقد بعثني ربُّكَ إليكَ لتأمُرَني بأمركَ فيما شئت. إنْ شئت أن أُطْبِقَ

стр. 107

عليهم الأَخْشَبين" (١)، فقال له رسول الله ﷺ : "بل أرْجو أن يُخرِجَ الله من أصلابهم من يعبد الله وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ به شيئاً" (٢). ويلملم (السعدية) جبل من بلاد تهامة أيضاً قريب من مكة يبعد عنها ١٠٠ كم. وذات عِرْق ميقات منسوب إلى جبل يعلوه عِرْق أسود، وقمته هي الأعلى في منطقته وهو الآن يعرف بالضريبة (٣)، وهو يبعد عن مكة ٩٠ كم. أوّل من خط ميقات العراقيين هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، بدليل ما أخرجه البخاريّ في صحيحه عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: "لما فُتِحَ هذانِ المِصرانِ (٤) أتوا عمر، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنّ رسول الله ﷺ حدّ لأهل نجد قَرْناً، وهو جَوْرٌ عن طريقنا (٥)، وإنّا إنْ أرَدْنا قرْناً شقَّ علينا، قال: فانظروا حَذْوَها من طريقكم، فحدّ لهم ذاتَ عِرْق" (٦). أما ذو الحليفة فإنها تبعد عن المدينة المنورة ٧ كم وتبعد عن مكة زهاء ٤٤٠ كم وهي تُعرف اليوم بأبيار علي، وقد اتخذ رسول الله ﷺ من موقفه فيها مسجداً يعرف إلى اليوم بمسجد ذي الحليفة، لذلك جاء في متن حديث جابر: "فصلَّى رسول الله ﷺ في

стр. 108

المسجد" أي في ميقات ذي الحليفة الذي اتُّخذ فيه منذ ذلك الحين مسجدٌ لأداء صلاة الإحرام، وسائر الصلوات. ولقد روى لنا الإمام محمد بن إسماعيل البخاري عن ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ أناخ بعيره بالبطحاء بذي الحليفة، فصلّى بها، وكان عبد الله بن عمر ﵄ يفعل ذلك ... " (١). كما روى الشيخان عن ابن عمر ﵄: "أنَّ رسول الله ﷺ كان يخرج من طريق الشجرة (٢)، ويدخل من طريق المعرَّس (٣)، وأنَّ رسول الله ﷺ كان إذا خرج إلى مكة يصلّي في مسجد الشَّجرة (٤)، وإذا رجع صلّى بذي الحليفة ببطن الوادي، وبات حتى يصبح" (٥). كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتي الإحرام بذي الحليفة إذا أراد حجاً أو عمرةً لما روى البخاري عن ابن عمر أنَّ رسول الله ﷺ كان ينزل بذي الحليفة حين يعتمر وفي حجته حين حج" (٦). قال الشافعية: ويجزئ عنهما الفريضة والنافلة، لكن إن نواهما أي من المذكور حصل له الثواب فإن لم ينوهما سقط عنه الطلب بهما (٧). والسنة أن يحرم بعد ركعتي الإحرام حيث تنبعث به راحلته أو حافلته للتوجه إلى

стр. 109

مكة وهو ما يزال في الميقات، وذلك عملاً بالحديث الذي رواه مسلم في صحيحه برقم (١١٨٧/ ٢٧)، وهو مذهب مالك والشافعي والجمهور، وقال أبو حنيفة: يحرم المسلم عقب صلاة الإحرام، وهو جالس في المسجد قبل ركوب دابته، وقبل قيامه. قال الإمام النووي: "وهو قولٌ ضعيف للشافعي، وفيه حديث من رواية ابن عباس لكنه ضعيف" (١). وفي هذا دلالة واضحة على استحباب ركعتي الإحرام لمن أراد حجاً أو عمرة، وأن تصليا في الميقات، كما يُظهر لنا النص فضيلة الإحرام من الميقات وأنّه مقدَّم على الإحرام من دُوَيْرة أهله، بدليل أنّ نبيَّنا محمداً ﵊ ترك الإحرام من مسجده مع كمال شرفه، وشرف الصلاة فيه، وآثر عليه مسجد ذي الحليفة فدلَّ على الفضيلة كما نصّ على ذلك الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم (٢). في جانب الإحرام ترتبط مسألة أُخرى هي غاية في الأهمية ألا وهي تحريم الإحرام بعد جواز الميقات، فمن أراد النسك لم يجز له أن يحرم بعد مجاوزة الميقات الذي ضربه لنا رسول الله ﷺ ، فإنْ فعل فأحرم بعد أن تجاوزه فيلزمه العود ليحرم منه، وتصح عودته ما لم يصل الحرم ويتلبس بنسك فإنْ عاد قبل تلبسه وأحرم من جديد، سقط عنه الدم (٣). روى لنا مسلم في صحيحه عن سالم بن عبد الله أنه سمع أباه ﵁ يقول: "بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله ﷺ فيها. ما أهلّ رسول الله ﷺ إلّا من عند المسجد

стр. 110

يعني ذا الحليفة" (١) وفي رواية: "إلّا من عند الشجرة حين قام بعيره" (٢). قال الإمام النووي: "هذه البيداء هي الشَّرَفَ الذي قُدَّام ذي الحليفة إلى جهة مكة، وهي بقرب ذي الحليفة، وسميت بيداء لأنه ليس فيها بناء ولا أثر، وكلُّ مفازة تسمى بيداء، وأما ها هنا فالمراد بالبيداء ما ذكرناه. وقوله تكذبون فيها أي تقولون إنه ﷺ أحرم منها، ولم يحرم منها، وإنما أحرم قبلها من عند مسجد ذي الحليفة، ومن عند الشجرة التي كانت هناك، وكانت عند المسجد، وسمّاهم ابن عمر كاذبين لأنهم أخبروا بالشيء على خلاف ما هو" (٣). فالقول الذي اعتمده جمهور الفقهاء خلافاً للحنفية، هو أنّ الإحرام من الميقات أفضلُ من أيِّ موضعٍ قبلَه ولو كان المسجد النبوي أو الأقصى؛ لأن هذا هو الموافق للأحاديث الصحيحة، ولفعل النبي ﷺ وأصحابه، فقد أحرموا من الميقات بالإجماع، وكذا في عمرة الحديبية أحرم من الميقات أيضاً كما رواه البخاري في المغازي؛ ولأن في مصابرة الإحرام بالتقدم عن الميقات تعسيراً وتغريراً بالعبادة، وإن كان ذلك جائزاً بالاتفاق. أما الحديث الذي رواه ابن ماجة: "من أهلّ بعمرة من بيت المقدس غفر له" والذي رواه أحمد وأبو داود عن أم سلمة، وذكره الإمام محمد بن عليّ الشوكاني في نيل الأوطار، فإنه ضعيف (٤).

стр. 111

ومن تمام الحديث عن المواقيت تناول الإحرام في الطائرة عندما تقترب من محاذاة الميقات في الجو، من حيث إنَّ المواقيت التي نصَّ عليها رسول الله ﷺ حُدِّدَت بالنسبة لأهل البر يوم لم تكن هناك طائرات: إنَّ الذي عليه جمهور علماء المسلمين ومفتيهم اجتهاداً في هذه المسألة أنّ حجاج الجوِّ ينسحب عليهم حكم حجاج البرّ وفق المواقيت التي حددها رسول الله ﷺ لأهل كل بلد، ولمن مر بها من البلاد الأخرى، وأن محاذاة الطائرة للميقات لا تختلف عن مرور الحافلات البرية بموقع الميقات. هذا هو المعمول به في كافة البلاد الإسلامية بالنسبة لحجاج كل عام، وهو ما قرره مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث في عمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من ٨ ـ ١٣ صفر ١٤٠٧ هـ الموافق لـ ١١ إلى ١٦ أكتوبر ١٩٨٦ م والذي جاء فيه ما نصه: "المواقيت المكانية التي حدَّدتها السنة النبوية يجب الإحرام منها لمريد الحج أو العمرة، للمارّ عليها أو المحاذي لها، أرضاً، أو جواً أو بحراً، لعموم الأمر بالإحرام منها في الأحاديث النبوية الشريفة والله أعلم" (١). فالمجامع الفقيه، والفتاوى الشرعية، والعمل بين المسلمين في الأمصار أنّ إحرام ركّاب الطائرات لا يختلف عن إحرام المشاة وركاب الحافلات، وأنّ نية هؤلاء كهؤلاء تكون عند محاذاة الطائرة للميقات، حيث يهيء قائد الطائرة الحجَّاج بأننا سنكون فوق الميقات بعد ربع ساعة مثلاً. هذه المسألة وجدتُ من يحاول أن يُخَفِّف عن المسلمين فيها، مفتياً بأنَّ ركاب

стр. 112

الطائرات لهم أن يحرموا من مطار جدة في الوصول إليه، وأن مدينة جُدّة هي ميقات بالنسبة لحجّاج الجوّ والبحر. هذه الفتوى صدرت عن فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي، وله في المسألة أكثر من استدلال: أولاً: أنّ حجّاج الجوّ لم يرد في ميقاتهم شيء، وأن إحرامهم من محاذاة الميقات مبني على اجتهاد. ثانياً: قوله: فالمالكية أجازوا للحاج عندما ينزل من المركب أن يحرم، فأعتقد أن ركاب الطائرات أولى بهذه الرخصه من ركاب الباخرة؛ لأن الطائرة تكون فيها زحمة، ولا يتيسر للإنسان أن يلبس ملابسه ويغيّر ويدخل الحمام (١). كما قال في برنامج الشريعة والحياة: بعض المالكية أفتى بجواز أن يحرم القادمون من الهند عند نزولهم من البحر إلى البر. ثالثاً: فتوى الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رئيس المحاكم الشرعية في قطر، بجواز إحرام ركاب الطائرات من جدة (٢). هذه الفتوى ذكرتها ليكون الكتاب جامعاً لكل ذي صلة بالموضوع، وفي مناقشتها أقول: إذا كان لمثلي أن ينظر في الأدلة، فإنني أكتفي بإثبات هذه الفتوى في كتابي لطالبيها، وأنّ هناك من قال بها من غير ترجيح أو تضعيف على أن الاجتهاد الذي ذهب إليه المجمع الفقهي هو أقرب لسلامة القلب من الاجتهاد الذي ذهب إليه

стр. 113

أستاذنا القرضاوي؛ لأنني لا أجد فرقاً بين من حاذى أرض الميقات بحافلته، أو حاذى بطائرة يركبها، وأن المسافة لا قيمة لها، ولا وجه لاعتبارها هنا كما أن الحرج الذي أتى فضيلته على ذكره ليس بذاك، فنحن في فوج اليمان نسافر كل عام بهذه الهيئة ولم أجد في حياتي من اشتكى من ذلك؛ لاسيما وأننا نوجه الحجاج إلى أن يرتدوا الأُزُر (١) تحت ثيابهم، ويهيئوا أنفسهم باللباس والاغتسال وصلاة ركعتي الإحرام قبل الصعود إلى الطائرة (٢)، فلا يبقى عليهم عند اقترابهم من الميقات سوى نزع ثياب المخيط ووضع الرداء على الكتفين وهم على كراسيّهم. وبرأي هذا الشيء وجواز الإحرام من جدّة شيء آخر لا تصلح لها هذه الاستدلالات سوى فتوى المالكية وهي تضطرنا للقياس على مسألة فرعية غير مسلّم بها عند الفقهاء، كما أنها تصطدم مع الإحرام من الميقات بالنسبة للقادم من الشام أو مصر أو الحجاز، أما حجاج البحر فليس في طريقهم ميقات، مما يجعل كلاً من المسألتين بمنأى عن الأخرى. هذا والله أعلم. * * *

стр. 114

قافلة الرحمن قال جابر: "ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرتُ إلى مدِّ بصري بين يديه من راكب وماشٍ، وعن يمينه مثلُ ذلك، وعن يساره مثل ذلك، وعن خلفه مثل ذلك، ... ": القصواء: هي ناقة رسول الله ﷺ ، وتعرفُ بألقاب أُخرى كالعضباء والجدعاء، والخرماء والمخضرمة، وكلّها أسماءٌ لناقة واحدة كان يركبها رسول الله ﷺ ـ وكانت لا تُسبق ـ لا أنّها أسماء لنوق متعددة لرسول الله ﷺ كما زعم بعضهم (١). وفي ركوب رسول الله ﷺ ناقته ليهلّ بالحج بعد صلاة الركعتين مباشرة دليلٌ على استحباب ركعتي الإحرام عند إرادة الإحرام، وأنّ وقتهما قبل الإحرام، وتقعان نافلة، لذلك قال العلماء: هذه الصلاة سنة، فلو تركها فاتته الفضيلة ولا إثم عليه ولا دم، وبناء عليه قالوا: لو كان إحرامه في وقت من الأوقات المنهيّ عن الصلاة فيها لم يُصلِّهما. قال الإمام النووي: "هذا هو المشهور، وفيه وجهٌ لبعض أصحابنا أنه يصليهما فيه لأنّ سببهما إرادة الإحرام وقد وجد ذلك" (٢). وفي الحديث الذي سبق ذكره عن البخاري في صحيحه (٤٨٤) ما يفيد استحباب

стр. 115

ذلك في نسك الحج أو العمرة. ويستفاد من تنوع حالة الصحابة الكرام في حجة الوداع بين ماشٍ وراكب جوازالحج ماشياً وراكباً وهو محلُّ إجماع الأُمة بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧]. بيد أن العلماء اختلفوا في الأفضل منهما، فقال مالك والشافعي وجمهور العلماء: الركوبُ أفضلُ اقتداء بالنبي ﷺ ؛ ولأنه أعون للحاج على أداء نسكه، وأكثر نفقة (١). * * *

стр. 116

كمال الدين وتمام النعمه قال جابر: "ورسولُ الله بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرفُ تأويله": رسولُ الله محمد ﷺ مبلِّغٌ عن ربه، فيما ينزلُ عليه من قرآن، فهو مؤتمن عليه يؤديه إلى المسلمين على الفور غضَّاً كما أُنزل، لا زيادة فيه ولا نقصان. ورسول الله محمد ﷺ وهو من اصطفاه الله عربياً أصيلاً، يدرك معاني الألفاظ ودلالاتها، ولهذا يقول جابر: "وهو يعرفُ تأويله": الإيمان بنبوة رسول الله ﷺ ورسالته ينسحب بداهة على الإيمان بما شُرِّفت به تلك الرسالة من وحيٍ أثمر عن نزول القرآن الكريم عليه، كما ينسحب بداهة على ما خطه لنا رسول الله ﷺ من تفسيرٍ ومناسك وأحكام؛ لأنها وحيٌ من عند الله غير متلو؛ ولأن المصطفى ﵇ هو الصادق الأمين فيما يبلّغ عن ربه؛ ولأنه صلوات الله عليه لا يُقَرُّ على اجتهادٍ خطأ فيما لو اجتهد، فضلاً عن عصمته ﷺ عن الزّللِ والخَطَل، لذلك فإنَّ خاتم الأنبياء والمرسلين هو المفسرُ الأعلم، فلا يجوز في حق من رضي بالله تعالى رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ ﷺ نبيَّاً ورسولاً، أن تنطلي عليه دعواتٌ مكشوفةُ الوسيلة والغايات تعمل على هدم هذا الركن الحصين الذي يعد الملاذ الأخير لإحياء وحدة الأُمة على اختلاف ثقافاتها ولغاتها وتضاريس أرضها لتعود من جديد أُمة واحدة على المحور الجامع من العقيدة والقبلة والهدف والمصير. لا يرضى مسلم هدم الإسلام في جملة بنيانه، وهدم الحج وهو من أجلِّ أركانه تحت ادعاءات التطوير والتجديد فإذا بالأرض تميدُ بهذه الفريضة، وتنتقض على

стр. 117

رؤوس أصحابها أنكاثاً وفق ما يتمناه الحاقدون ـ لا سمح الله ـ كي تتراجع قدرتها على بعث الأُمة من جديد (١)! وبهذه المناسبة أتوجَّهُ إلى كل من تسوِّلُ له نفسه العبث بالركن الخامس أو بأيٍّ من أركان الإسلام، بالقول: إننا لم نعرف في التاريخ أحداً يريد أن يجدِّد قصراً يبادرُ إلى هدمه، ويحوِّله إلى خراب! إنَّ تجديد البناء الشامخ العظيم يستندُ إلى بدهية مسلّم بها هي الحفاظ على جوهره وخصائصه، بما في ذلك غرفه الموزَّعةُ فيه وشرفاته المطلّة، فضلاً عن سواريه وأركانه، لذلك عندما جددت قريشٌ الكعبة رقمت حجارتها، ومِن ثَمّ أعادت كل حجر إلى مكانه. فالمعنى الصحيح لتجديد الدين الإسلامي على العموم، وفريضة الحج على الخصوص هو بالعودة بقوة إلى حياض هذا الدين من خلال تمتينه في عقولنا وقلوبنا بالحفاظ على جوهره، وأصوله وغاياته على ضوء ما في أيدينا من نصوص كتاب الله، وما صح من أحاديث عن رسول الله ﷺ على قاعدة قول جابر: "رسولُ الله بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرفُ تأويله"، وعلى القاعدة النبوية الشهيرة: "عليكم بسنتي

стр. 118

وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عَضُّوْا عليها بالنواجذ"، وقبل ذلك على قاعدة ما أُوحي به على قلب رسول الله ﷺ في حِجة الوداع: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٥] وكفى به ذُخراً وفخراً. التجديد يمكن أن يتناول تطوير وسائل النقل فبعد أن كانت على الخيول والبغال والحمير والجمال صارت اليوم بالناقلات البرية والبحرية والجوية الأكثر تطوراً في العالم. التجديد يمكن أن يطال عملية وصول الحجاج إلى مكة، وتنظيم إقامتهم فيها، ونَفْرتهم إلى المشاعر المقدسة بما يوافق روح هذا الدين وهديه، وكرامة الحاج إسلاماً وإنسانية. إنَّ حجاج بيت الله الحرام بعد أن كان قدومهم إلى مكة عشوائياً صار اليوم يتم تحت راية مجموعات كبيرة لها أُمراؤها وهيآتها الدينية والإدارية تشرف على التنسيق بينها مؤسسات كبرى لها خبرتها ومصداقيتها، ولها تمثيلها في البقاع المطهرة. التجديد عنوانٌ نتمسك به (١)، ونتعامل معه، ونظهر من خلاله ارتقاءنا السنويّ في تعاملنا مع هذه الفريضة العصماء، فمن اللباس المتعدد إلى الموحد، ومن البيوت المتناثرة إلى الفنادق العامرة، ومن الخيام المبعثرة إلى المنظمة، إلى غير ذلك من سلمٍ لايكاد ينتهي،

стр. 119

ويكفيك أن تعلم أن أمناء الأفواج ووزارات الحج والأوقاف في البلاد العربية والإسلامية وخاصة في المملكة العربية السعودية تستنفر خلال موسم الحج بشكل كامل ومشكور نتمنى له المزيد من التفعيل والتوفيق. هذه صورٌ إذا ما قورنت بما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه فإننا نكاد نجد اختلافاً كبيراً لكنه تباين لا صلة له بجوهر هذا الركن الركين، وإنما تطوير متواصلٌ مسخرٌ في خدمة حقيقة الحج اللؤلؤية، تماماً كما يفعل المجدِّدُ في غرف القصر وشُرُفاته حين يثبتها ويكسوها بحلة جديدة تزيدها إشراقاً دون أن يأتي على أصل البنيان. هذا هو التجديد الذي يؤديه كلُّ من شرّفه الله بخدمة الركن الخامس بدءاً من أمين الفوج وتوابعه وانتهاءً بالمؤسسات والوزارات التي يرأسها كبار المسؤولين، وهو عين ما يؤديه من قال رسول الله ﷺ في حقه: "يبعث الله على كل رأس مائة سنة لهذه الأُمة مَن يجدِّدُ لها أمرَ دينها" [أبو داود: ٤٢٩١]. أما الممارسة فتقوم على الأمانة التي وصف بها رسول الله ﷺ الحَمَلَةَ المُجَدِّدين حين قال: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له" (١). * * *

стр. 120

التلبية شعار التوحيد والعبودية لله تعالى قال جابر: "وما عمل به من شيءٍ عملنا به، فأهلَّ بالتوحيد لبيك اللهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، وأهلَّ الناسُ بهذا الذي يُهلُّون به، فلم يَرُدَّ رسول الله ﷺ عليهم شيئاً منه، ولَزِمَ رسول الله ﷺ تلبيته": المسلم يتقرَّبُ إلى ربه جلَّ وعلا باتباع من تجب متابعته في الأقوال والأفعال، لذلك قال جابر: "وما عمل به ـ أي رسول الله ﷺ ـ من شيءٍ عملناه"، وفي هذا توكيدٌ لما توسعت في الحديث عنه في الفقرة السابقة من أنَّ غاية ما نقوم به نحن المسلمين هو الوثوق بكمال رسالة الإسلام، وتمام عقيدة الإيمان، ورقي الحضارة المنبثقة عن هذا الدين، فلا ابتداعٌ في انتسابٍ أو ممارسةٍ أو تجديدٍ وإنّما اتّباعٌ تثمره شجرة الحب والاقتناع، فما عمل به نبيُّنا صلوات الله وسلامه عليه عملناه، وتمسكنا بأهدابه، ومن ذلك الإهلال الذي هو رفع الصوت بالتلبية عند الدخول في الإحرام، مشتق في اللغة من رفع الصوت، ومنه قولهم: استهلّ المولود إذا صاح، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، أي رفع الصوت عند ذبحه بغير ذكر الله تعالى، ولذلك سُمّي الهلالُ هلالاً لرفعهم الصوت عند رؤيته (١)، والذي أهلَّ به الصحابة الكرام تلك العبارة المشهورة في الحج: "لبيك"، وهي صيغة مبالغة في تلبية أوامِر الله عزّ

стр. 121

وجل أي نستجيب لك يا رب إجابةً بعد إجابة، واللفظ وإنْ كان أكثر الناس على أنه اسم مثنى على ما قاله سيبويه، بدليل قلْب ألفه ياء مع المظهر، إلّا أنها تثنية غير حقيقية، بمنزلة قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] أي نعمتاه، والمراد نعم الله، فهذا للمبالغة والتكثير ومن الأمثلة عليه: حنانَيْك أي تحنُّناً بعد تحنن، فاستثقلوا ثلاث نونات وفي لبيك استثقلوا ثلاث باءات؛ لأن الأصل: لبّبتك، فأبدلوا من الثالثة ياء (١). والإهلال بالتلبية تجسيد لما تقوم عليه ثقافةُ المؤمن من العقيدة المستندة إلى إفراد الله تعالى بالربوبية والخضوع له بالعبودية، وهو ما دفع راوي الحديث إلى القول: "فأهلَّ بالتوحيد"؛ لأنَّ التلبية له عنوان، بدليل أن الصحب الكرام لم يُهلُّوْا بما كانت عليه العرب في جاهليتها تهلُّ به في الطواف وهو قولهم: "لبيك لا شريك لك، إلّا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك"، وهو ما كان يدعو رسولَ الله ﷺ إلى الغضب فيزجر مَن يتفوّه به بقوله: "ويلكم قدٍ قدٍ" كما في رواية أُخرى لمسلم (٢). والتوحيد يعد الأساس المتين الذي يقوم عليه البنيان الإسلامي كله، فما يعلوه من أدوار العبادات والمعاملات يعد منبثقاً عنه، وثمرة له. والتوحيد هو المرآة التي تعكس عقيدة المؤمن، ورؤيته للوجود من حوله ماضيه وحاضره ومستقبله، ماديّاته ومعنوياته التي تجسدها منظومة القيم والأفكار. والتوحيد هو الخط الفاصل بين الكفر والإيمان، لذلك اعتنى كتاب ربنا به، فجاءت

стр. 122

معظم الآيات القرآنية في مكة المكرمة ـ وفترتها الزمنية تزيد على نصف عمر الدعوة الإسلامية ـ تعريفاً بالعقيدة وترسيخاً لها، كما قام الركن الخامس من أركان الإسلام ليعضد الأساس الذي أرساه في المسلمين الركن الأول، مجسَّداً في قوله ﷺ : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلّا الله، وأن محمداً رسول الله، .... ". من هنا فإن فريضة الحج لايشترك فيها أحد من غير المسلمين، ولو على سبيل التغطية الإعلامية لأحداثها، أو المواكبة لحجاجها، كما أن الأرض التي تقام عليها هي بيت الله الذي لايدخله أحدٌ ما لم يكن موحّداً، ثم الشعار الذي يرفعه الحجاج، من لدن دخول النُسك إلى حين رمي جمرة العقبة، هو التلبية، وهي تتضمن إفراد الله بالألوهية، وإفراده بالعبادة، ولهذا قال جابر: "فأهلّ بالتوحيد ... ". وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه ابن ماجة (١)، أن رسول الله ﷺ قال في التلبية: "لبيك إله العرش لبيك"، تأكيداً على عقيدة التوحيد. وليس هذا فقط، فإن عناية رسول الله ﷺ بإخلاص العمل، وسؤاله ربه أن يجنّبه الرياء والسمعة يدخل في صميم عقيدة الولاء لله، والبراء من الأغيار، وهو ما رواه ابن ماجة أيضاً (٢) من حديث أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "اللهمّ حجة لارياء فيها ولاسمعة"، والحديث وإن ضعفه الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح (٣)، إلّا أنه يتقوى بمجموع طرقه. ومن تربيته لنا ﷺ على هذه العقيدة الجامعة المانعة، قراءته بسورتي الإخلاص في ركعتي الطواف، كما روى جابر ﵁ قال: "فقرأ فيهما بالتوحيد، قل ياأيُّها الكافرون".

стр. 123

كما يتجلى لنا ذلك من خلال أدعيته المتعددة، في شتى المواضيع ففي ارتقائه على كلٍّ من جبلي الصفا والمروة، يستقبل القبلة، ويوحّد الله مكبراً، في قوله "لا إله إلّا الله وحده لاشريك له، .". وفي عرفه يدعو مرة أخرى بالتوحيد رأس الأمر كله في هذا الدين، لذلك قبل أن نتعرض لهذه الفقرة بالشرح والبيان، لا بد لنا من إلقاء الضوء على الذي يعد مع فريضة الجح رمز التوحيد ومحوره (١): البيت هو الكعبة المشرّفة، وقد تعدّدت أساليب القرآن الكريم في تقديمه، فمن الاقتصار على لفظ "البيت" إلى إضافته إلى ذات الله تعالى، إلى جعله يقترن بوصفٍ يوحي بالتعظيم والتقديس وإليك نماذج توضيحية حسب الترتيب المذكور: جاء في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [الآية: ٩٦]. وجاء في سورة البقرة: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الآية: ١٢٥]. وفي سورة الحج نقرأ قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الآية: ٢٩]. والبيت هو المكان الذي أعطاه الله خصوصية من الشرف والقداسة، وحسبنا في هذا أن جعله بيتاً له يقصده فيه طلاّبُ المعرفة، وروَّاد الشوق والحبّ لله ربّ

стр. 124

العالمين، لذلك أضافه البيان القرآني لذاته العلية في قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ وهو الذي باشر بناءه خليل الرحمن إبراهيم، والذبيح إسماعيل بأمر من ربِّ البيت جلَّ وعلا فهل بعد هذا من تعظيم وتقديس. غير أنَّ هذه القداسة ما ينبغي أن تسريَ إلى وجدان المؤمن على حساب عقيدته التي قامت على التوحيد الخالص لربِّ العزة، الذي لا يضرُّ ولا ينفع في الوجود سواه، والذي اقتضت حكمته أن يجعل من هذا البيت المشاد شعاراً لتوحيد الله، وإفراد ذاته بالعبادة، ومن هذه الزاوية، وذاك الأمر تتجلى القداسة والعظمة، وليس من أيّ منفذ آخر قد يتسلل منه الجاهلون أوْ دعاة الشرك وعبَّاد الوثن. يقول أستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: "هذا المعبد الذي أقيم لعبادة الله وحده، يدخله الإنسان ليقف عزيزاً لا يخضع ولا يذلُّ إلّا لخالق الكون كله، وإذا كان لا بدّ للمؤمنين بوحدانية الله، والداخلين في دينه من رابطة يتعارفون بها، ومثابة يؤوبون إليها، مهما تفرقت بلدانهم، وتباعدتْ ديارهم، واختلفت أجناسهم ولغاتهم، إذا كان لا بدّ من ذلك فليس أجدر من هذا البيت الذي أُقيم رمزاً لتوحيد الله، وردّاً على باطل الشرك والأصنام، أن يكون هو الرابطة وهو المثابة لهم جميعاً، يتعارفون في حماه، ويلتقون على الحق الذي شُيِّدَ ليكون تعبيراً عنه، فهو الشعار الذي يجسد وحدة المسلمين في أقطار الأرض، ويعبر عن توحيد الله والعبادة له وحده مهما أقيم من آلهة زائفة وانتصب من متألّهين باطلين على مرِّ الأزمنة والعصور وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. وهذا هو المعنى الذي يلحظه الطائف بالبيت الحرام، بعد أن يملأ قلبه من معنى

стр. 125

العبودية لله تعالى، والقصد إلى تحقيق أوامره، من حيث إنها أوامر ومن حيث إنه عبد مكلّف بتلبية الأمر، وتحقيق المأمور به، ومن هنا جاءت قداسة البيت وعظم مكانته عند الله تعالى، وكانت ضرورة الحج إليه والطواف من حوله" (١). والبيت الحرام بني في التاريخ أربع مرّات بيقين وأحاط الشك والخلاف ما سوى ذلك، فلم يثبت فيه شيء. المرة الأولى: هي التي باشر البناء فيها إبراهيم ﵇، يعينه في هذا التكليف ولده الذبيح إسماعيل وقد تعرضنا في هذا الكتاب مراراً لما ورد في هذا من آيات قرآنية وأحاديث نبويّة. المرة الثانية: فهي تلك التي بنتها قريش قبل الإسلام سنة ١٨ قبل الهجرة، واتفقوا على أن لا يُدخلوا في بنائها إلّا مالاً طيباً، فكانوا يُعرضون عن مهر البغي، وبيع الربا، ومال المظالم، فقصَّرت عليهم النفقة فأخرجوا من جهة حجر إسماعيل نحو ثلاثة أمتار (٢)، وارتفعوا في طولها في السماء حتى بلغت ثمانية عشر ذراعاً، بينما كانت في زمن إبراهيم سبعة أو تسعة أذرع فقط، ولم يكن بها سقف (٣). الحدَث الأبرز في هذا البناء هو مشاركة رسول الله ﷺ فكان يحمل وعمه العبّاس الحجارة، كما ورد في صحيح البخاري (٤)؛ لأنَّ قريشاً انفردت رجلين رجلين لنقل الحجارة، ولما بلغ البنيان تمامه اختلفوا فيمن ينال شَرَفَ وضع الحجر الأسود في مكانه،

стр. 126

واستمر النزاع حتى كاد يبدأ القتال بينهم، حتى قام أبو أُمية المخزومي وكان أسنَّ قريش يومئذ ـ فحكم بينهم أنَّ أوّل مَن يدخل من باب بني شيبة ينصبونه حكماً بينهم فوافق أن يكون محمد ﷺ أوَّل الداخلين، فهتفوا: هذا الأمين رضيناه، وقضى بينهم بوضع الحجر على رداء يحمل أطرافه رؤساء القبائل فلما نال الجميع شرف نقله إلى الكعبة رفعه رسولنا محمد ﷺ بيده الشريفة، ووضعه في مكانه من البيت فرضوا جميعاً (١). المرة الثالثة: حصلت زمن يزيد بن معاوية، يوم غزتها جيوشه بقيادة الحصين بن نمير السكوني، أواخر سنة ست وثلاثين للهجرة، ورمتها بالمنجنيق، وتسببت بهدم أجزاء من البيت واحتراقه فما كان من ابن الزبير بعد أن استشار الناس إلّا أن نقض البيت حتى بلغ به الأرض، ثم باشر في رفعه على قواعد إبراهيم، فأدخل فيه الأذرع الستة التي أخرجت منه من جهة حجر إسماعيل، وزاد في ارتفاعه عشرة أذرع، وجعل له بابين (٢)، مقتفياً أثر السنة الصحيحة التي روتها له خالته السيدة عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله ﷺ عن الجَدْر (٣)، أمِنَ البيتِ هو؟ قال: نعم، قالت: قلتُ فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: "إنَّ قوْمك قصَّرَت بهم النفقة"، قالت: قلتُ: فما شَأْنُ بابه مرتفعاً؟ قال: فعل ذلك قَوْمُك ليُدْخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا، ولولا أنَّ قَوْمك حديثٌ عهدهم بجاهلية، فأَخاف أنْ تُنْكر قلوبهم أنْ أُدْخلَ الجَدْرَ في البيت، وأَنْ ألصق بابَهُ بالأرض (٤).

стр. 127

المرة الرابعة: بعد مقتل الزبير وهي مسألة تاريخية هامة لذلك سأَصغي وإيّاك إلى الإمام مسلم بن الحجاج وهو يروي لنا في صحيحه قصة المرَّة الثالثة والرابعة في بناء الكعبة المشرَّفة عهدي ابن الزبير، وعبد الملك بن مروان، وفيه قال: حدّثنا هنَّادُ بنُ السَّرِيّ، حدَّثنا ابنُ أبي زائدةَ، أخبرني ابنُ أبي سليمان عن عطاء قال: لمّا احترق البيتُ زمنَ يزيد بن معاوية حين غزاها أهل الشام، فكان من أمره ما كان تَركَهُ ابنُ الزبير حتى قدِم الناسُ الموسِمَ يريدُ أنْ يجرِّئهم على أهل الشام، فلما صدر الناس قال: يا أيّها الناس أشيروا عليَّ في الكعبة أنقُضُها ثم أبني بناءَها أوْ أُصْلِح ما وهَى منها؟ قال ابنُ عباس: فإني قد فَرِقَ لي رأيٌ (١) فيها أن تُصْلحَ ما وَهَى منها، وتَدَعَ بيتاً أسلم الناسُ عليه، وأحجاراً أسلم الناسُ عليها، وبُعثَ عليها النبي ﷺ فقال ابنُ الزُّبير: لو كان أحَدُكم احترق بيته (٢) ما رضي حتى يُجدَّه، فكيف بيتُ ربّكم.؟ إني مستخيرٌ ربّي ثلاثاً، ثم عازمٌ على أمري، فلما مضى الثلاثُ أجمع رأيه على أن ينقضها فتحاماه الناسُ أن ينزل بأوّل الناس يصعد فيه أمرٌ من السماء حتى صَعِدَه رجلٌ فألقى منه حجارة، فلّما لَم يرهُ الناس أصابه شيء تتابعوا فنقضوه حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابنُ الزبير أعمدة فستَّر عليها السُّتُور، حتى ارتفع بناؤه (٣)، وقال ابن الزبير: إني سمعتُ عائشة تقول: إنّ النبي ﷺ قال: "لولا أنّ الناس عَهْدهم بكفر،

стр. 128

وليس عندي من النفقة ما يُقَوِّي على بنائه لكنتُ أدخلتُ فيه من الحِجر خَمْسَ أذرُع، ولجعلت لها باباً يدخل الناس منه وباباً يخرجون منه، قال: فأنا اليومَ أجدُ ما أُنفق، ولستُ أخاف الناس: قال: فزاد فيه خمس أذْرع من الحِجر حتى أبدى أُسَّاً نظر الناس إليه، فبنى عليه البناء. وكان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعاً، فلّما زاد فيه استقصره فزاد في طوله عشرة أذْرُع وجعل له بابين: أحدهما يُدْخَلُ منه، والآخر يُخْرَج منه، فلمّا قُتل ابنُ الزبير كتب الحجّاج إلى عبد الملك بن مروان يُخبره بذلك، ويُخْبره أنّ ابنَ الزبير قد وضع البناء على أُسٍّ نظر إليه العدول من أهل مكة. فكتب إليه عبد الملك: إنّا لسنا من تلطيخ ابن الزُّبير في شيء (١)، أمّا ما زاد في طوله فأَقِرَّهُ وأمّا ما زاد فيه من الحِجر فرُدّه إلى بنائه، وسُدَّ الباب الذي فتحه، فنقضه وأعاده إلى بنائه" (٢). ومن غريب ما وجده المرمّمون عام ١٤١٧ هـ، أنّ الكشف على قواعد البيت أثبت أنها متينة قوية تصلح لحمل البيت إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، بعد أن وجدت أحجار تلك القواعد متداخلة تداخلاً عجيباً دون الحاجة إلى رابط يجمع بينهما؛ لأنها في شكلها تماثل أعناق الإبل، بما يطابق الرواية التي أخرجها الإمام محمد بن إسماعيل البخاري عن عبد الله بن الزبير يوم نقض بناء البيت، وبلغ به أساس إبراهيم. فالبناء على تلك القواعد مضى عليه آلاف السنين دون حاجة لمؤونة تربط بين

стр. 129

أحجار الأساس ودون تصدع أو تشقق أو تراجع في قوتها، وهي كذلك بإذن الله إلى يوم يبعثون (١). هذه هي المرات التي وقع فيها البناء بيقين، أمّا سوى ذلك فكلها أخبار يعتورها الشك والخلاف فلا يعرف مثلاً مَن بنى البيت قبل إبراهيم ﵇. يقالُ إنّ أوّل مَن بناه هم الملائكة المطهرون، ثم آدم ﵇، ثم شيث بن آدم (٢) ومن السنة ما يؤكد وجود البيت قبل إبراهيم ﵇ بدليل ما رواه البخاريُّ في صحيحه، من أنَّ الخليل لمّا ترك زوجه هاجر، وولدها إسماعيل في وادي مكة، وقفَّى راجعاً توقَّف عند ثنية (٣) حيث لا يرونه، واستقبل البيت بوجهه، ثم دعا بهؤلاء الكلمات، ورفع يديه فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] (٤). ويؤيد هذا ما صحّ عن رسول الله ﷺ من حديث أبي ذَرّ ﵁ قال: قُلْتُ يا رسول الله أيُّ مسجد وُضع في الأرض أوّل؟ قال: "المسجد الحرام"، قال: قلتُ: ثم أيّ؟ قال: "المسجد الأقصى" قلت: كم كان بينهما؟ قال: "أربعون سنة، ثم أينما أدْركتك الصَّلاة بعد فَصَلِّه، فإنَّ الفضل فيه" (٥). ومنذ آخر بناء للبيت، فإنَّ الكعبة تعرَّضت لطورين من الترميم بفارق زمني بينهما

стр. 130

مقداره (٣٧٧) سنة، تم الأول في عهد السلطان مراد (العثماني) سنة (١٠٤٠ هـ)، وتم الثاني في عهد الملك فهد بن عبد العزيز سنة (١٤١٧ هـ) شمل الثاني تقوية كاملة للكعبة من جانب الكشف على الأساس والشاذروان والحلقات، وصقل الجدران الخارجية وسدّ الفجوات بين أحجارها وتغيير سقفي الكعبة بسقفين جديدين، وتجديد البابين الوحيدين في الكعبة، الباب الشرقيّ للكعبة وهو الظاهر للعيان، وباب التوبة على يمين الداخل إلى الكعبة؛ حيث يؤدي درج هناك إلى سطح الكعبة، وله باب يعرف بباب التوبة، وله قفل وستارة (١). الترميم لم يتعرض لجوهر الكعبة من حيث الشكل، والارتفاع، والأبعاد وهي التي ما زالت على شأنها منذ بناء الحجَّاج لها، حيث توضحها لنا الأرقام التالية (٢): ارتفاع الكعبة ... طولها من جهة الملتزم ... طولها من جهة الحطيم ... الطول بين الركنين اليماني والحطيم ... الطول بين الركنين اليمانيين ١٤ م ... ١٢.٨٤ ... .٢٨ ... .١١ ... .٥٢

стр. 131

منظر من داخل الكعبة المشرفة

стр. 132

بعد هذا البيان من أمر البيت وما يرمز إليه من دعوة التوحيد، وما تشاركه فيه فريضة الحج التي تتمحور حوله في سائر مراحلها ـ وهو ما وعدتك التفصيل فيه ـ نبدأ من دعاء عرفة: روى الإمام الترمذي في جامعه قول رسول الله ﷺ : "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلّا الله وحده لاشريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" (١): فالتوحيد هو أجلّ الغايات التي يهدف إليها الركن الخامس، وأجلاها، وهو الكنز العزيز الذي كان على الدوام موضع اهتمام الرسل والأنبياء، لذلك وجدْنا نبيَّ الله يعقوب بين أولاده وهو على فراش الموت يدلي بوصيته الأخيرة، ونصغي إليها فإذا بها دعوة للحفاظ على عقيدة التوحيد واضحة المعالم راسخة الجذور: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣]. إنّ الذين يتقدمون إلينا اليوم بدعوات مشبوهة تدعو للتنازل عن ثوابت عقيدتنا تحت ستار الحوار ثم يندفعون للحج إلى بيت الله الحرام، إنما يفرغون الحج من أهم مضامينه! . عند هذه النقطة أنفتل من جديد إلى التلبية فأقول: إنّ الأمة الإسلامية في حالة إجماع على مشروعية التلبية، لكن الاختلاف عند أئمتها المجتهدين في مسألة وجوب هذه التلبية،

стр. 133

فالإمام الشافعي ذهب إلى أنها سنة وليست شرطاً لصحة الحج ولا واجبة، فلو تركها صح حجه، وفاتته الفضيلة ولا دم عليه، وهذا أيضاً مذهب الإمام أحمد حيث ينعقد الحج عندهما بالنية بالقلب من غير لفظ كما ينعقد الصوم. وخالف في المسألة الإمام الأكبر أبو حنيفة النعمان الذي يرى أن الحج لا ينعقد إلّا بانضمام التلبية إلى النية، أو أن يسوق الهدي مع النية، إلّا أنه أجاز ما في معناها من التسبيح والتهليل وسائر الأذكار وكذا قال الإمام مالك: إنها واجبة ويجب بتركها دم (١). التلبية التي أهلَّ بها رسول الله ﷺ هي التي رواها لنا جابر: "لبيك اللهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك"، وهذه بحرفيتها ليست ملزمة بدليل زيادة الناس في حضرة رسول الله ﷺ في ألفاظها بما جرى على ألسنتهم من الثناء والذكر الحسن دون أن ينكر نبيُّنا الكريم عليهم مكتفياً ﷺ بما أهلَّ به ومقراً أصحابه بما أهلُّوْا به، ومن ذلك ما رواه مسلمٌ من أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يزيد على التلبية ويقول: "لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك، لبيك والرغباء إليك والعمل" (٢)، كما روي عن أنسٍ ﵁ قوله: "لبيك حقاً تعبداً ورقاً"، وروي عن عمر ﵁ أنه كان يزيد: لبيك ذا النعماء والفضل الحسن. لبيك مرهوباً منك ومرغوباً إليك" (٣). اختلاف الأذكار عن الصحابة ورسول الله ﷺ بين ظَهْرَانَيْهِمْ، والقرآن ينزل دليل على صحة الزيادة في الذكر طالما هو ذكر في لفظه ومدلوله، وأن تخطئة الأمة فيما لو

стр. 134

اختارت أذكاراً اشتهرت بينها مجانبة للصواب، فالأُمة منذ فجر تاريخها انتشرت بين أبنائها أدعية واستغاثاتٌ الكثير منها لم يأت بحرفية ما في الكتاب والسنة، لكنه جاء متفقاً مع ما ورد في هذين الأصلين الرئيسيين، ومستنبطاً منهما، ولم تخطّئ الأُمة علماءها وعامتها فيما صارت إليه، وعلى سبيل المثال لا الحصر الإمام النووي وهو العالم العامل الذي أجمعت الأمة على تقدمه في علوم اللغة والحديث والفقه والاجتهاد والورع ومعرفة الله تعالى، نجدُ له ورداً صحت نسبته إليه، دون أن ينكر عليه أحد. هذا الاختلاف الثابت في الصحاح، والذي هو دليل التنوع والسعة، لا يمنعني من القول: إنَّ الاقتصار على تلبية رسول الله ﷺ هو المستحب عند أكثر العلماء وبه قال مالك والشافعي، والله أعلم (١). التلبية التي هي شعار الإحرام (٢) بين حجاج بيت الله الحرام لا ترفع المرأة بها صوتاً خشية الفتنة، بل تؤديها بالصوت المنخفض، ثم بعد ذلك في حق كل من الرجل والمرأة، تستحب التلبية عند تغاير الأحوال، كالقيام والقعود، والركوب والنزول، والصعود والهبوط، وإقبال الليل والنهار، واجتماع الرفاق، وأدبار الصلوات وفي المساجد كلها (٣). قال الإمام النووي: "والأصح أنه لا يلبي في الطواف والسعي لأن لها أذكاراً مخصوصة. ويستحب أن يكرر التلبية كل مرة ثلاث مرات فأكثر، ويواليها ولا يقطعها بكلام، فإنْ سلّم عليه أحد ردَّ السلام باللفظ، ويكره السلام عليه في هذه الحال، وإذا لبَّى صلى على رسول الله ﷺ وسأل الله تعالى ما شاء لنفسه ولمن أحبه للمسلمين، وأفضله سؤال

стр. 135

الرضوان والجنة، والاستعاذة من النار (١). وإذا رأى شيئاً يعجبه قال: لبيك إنّ العيش عيش الآخرة. ولا تزال التلبية مستحبة للحاج حتى يشرع في رميِّ جمرة العقبة يوم النحر، أو يطوف طواف الإفاضة إنْ قدمه عليها أو الحلق عند من يقول: الحلق نسك، وهو الصحيح، وتستحب للعمرة حتى يشرع في الطواف، وتستحب التلبية للمحرم مطلقاً سواء الرجل والمرأة، والمحدث والجنب والحائض لقوله ﷺ لعائشة ﵂: "اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي" (٢). * * *

стр. 136

صور الإحرام قال جابر ﵁: "لسنا ننوي إلَّا الحج لسنا نعرفُ العمرة": للدخول في عبادة الحج أو العمرة نبدأ من الإحرام، الذي هو ركن لا بد منه في كلا العبادتين؛ لأنه نية الدخول في النُسك، والنية هي الميزان الذي يميز لنا بين العادة والعبادة، فكما أنّ الصلاة لا يدخلها الإنسان إلّا من خلال تكبيرة الإحرام فكذلك الحج لا يدخله الحاج إلّا بنية الإحرام. والإحرام بهذا المعنى شيء، والتجرُّد من ثياب الصنعة شيء آخر، وهما المعنيان اللذان يختلطان في ذهن كثير من الناس، والصحيح أنَّ الإحرامَ هو نية الدخول في نسك الحج أو نسك العمرة تصحبه التلبية التي هي شعار الحاج، ويصحبه التجرد من المخيط والمحيط من الثياب، ويستعيض الحاج عن ذلك بثياب الإحرام البيضاء التي هي من مظاهر الإحرام وتجلياته، وليست هي الإحرام بدليل أنّ المرأة لا ترتدي شيئاً منها، وهو ما سنفصل فيه القول، في موضعه بإذنه تعالى. والحج إلى بيت الله الحرام يتم الإحرام فيه على أكثر من صورة: الأولى الإحرامُ مفرداً: والإفراد إحرام المسلم بالحج في أشهر الحج، حتى إذا ما فرغ منه خرج إلى أدنى الحلّ واعتمر. الثانية الإحرامُ متمتعاً: وهو على عكس الإفراد، أي يحرم المسلم بالعمرة في أشهر الحج، ثم يتحلل منها، ويتمتع بكل ما حظر عليه بسبب إحرامه بها، حتى إذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة أحرم بالحج من داره في مكة. الثالثة القران: وهي أن يحرم من الميقات بالحج والعمرة جميعاً. كلام جابر فيه دليلٌ على أن الحج بالإفراد أفضل، وأنه فِعْلُ النبيَّ ﷺ وفيه تصريح

стр. 137

بأنهم ما كانوا يعرفون العمرة في أشهر الحج، بدليل قوله: لسنا نعرف العمرة، لسنا ننوي ـ أي لسنا نقصد ـ إلّا الحج. وبأفضلية الإفراد قال الشافعي ومالك وكثيرون. أما أفضلية التمتع فقد ذهب إليها الإمام أحمد. وأفضلية القران مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان ﵏ جميعاً. إذن اختلف الأئمة الأجلّاء ومن تابعهم في إحرام رسول الله ﷺ ، هل كان مفرداً أو متمتعاً أو قارناً؟ والسبب أنَّ المصطفى ﵇ كان أول الأمر مفرداً، ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك، وأدخلها على الحج، انتزاعاً منه لعادة جاهلية بالية تحرّمُ العمرة في أشهر الحج، ينتظر معها الحاج دخول صفر فحينئذ يجوز له أداؤها في زعمهم. قال الإمام النووي: بعد أن ساق المذاهب الثلاثة: "والصحيح تفضيل الإفراد" (١)، ثم ساق أدلة الترجيح، وها أنذا أختصرها لك اختصاراً: أولاً: رسولُ الله ﷺ أهلَّ بالحج مفرداً، والدليل هي روايات جابر وابن عمر وابن عباس وعائشة. أما جابر فهو أحسن الصحابة سياقة لحجة الوداع؛ لأنه ذكرها من حين خروج النبي ﷺ إلى آخر هذه الفريضة، فهو أضبط من غيره. وأما ابن عمر ﵁ فقد صح عنه أنه كان آخذاً بخطام ناقة النبي ﷺ حتى أَنكر على من رجح قول أنسٍ على قوله، محتجاً بأنه ﵁ كان يقف تحت ناقة النَّبيّ ﷺ يمسه لعابها، وهو يستمع لتلبية رسول الله ﷺ . وأما ابن عباس ﵁ فهو حَبر هذه الأمة، وهو من هو في شهرته في الحفظ والعلم

стр. 138

وهو ابن عم رسول الله ﷺ . وأما عائشة ﵂ فقُرْبُها من رسول الله ﷺ لا يخفى على أحد. ثانياً: ترجيح الخلفاء الراشدين للإفراد فصلٌ في المسألة، فجميعهم بعد رسول الله ﷺ أفردوا الإحرام في الحج، وواظبوا على إفراده، وهم قادة الإسلام، والأئمة الأعلام، الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالخيرية، ودعا أُمته إلى الاستنان بهديهم فكيف يليق بهم المواظبة على خلاف فعل رسول الله ﷺ . وما الخلاف عن علي ﵁ في هذه المسألة إلّا لبيان الجواز وقد ثبت في الصحيح ما يوضح ذلك. ثالثاً: التمتع والقران يوجب الدم لجبر فوات الميقات، فما لا جبر فيه أفضل. رابعاً: كراهة عمر وعثمان للتمتع، وكراهة آخرين للتمتع والقران، بينما الإفراد أجمعت الأمة على جوازه من غير كراهة (١). فإن قيل: كيف اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في صفة حجته ﷺ وهي واحدة؟ ذكر القاضي عياض في معرض جوابه: "أن النبي ﷺ أباح للناس فعل هذه الأنواع الثلاثة ليدل على جواز جميعها، ولو أمر بواحد لكان غيره يظنّ أنه لا يُجزي، فأضيف الجميع إليه، وأخبر كل واحد بما أمره به وأباحه له، ونسبه إلى النبي ﷺ إما لأمره به، وإما لتأويله عليه. وأما إحرامه ﷺ بنفسه فأخذ بالأفضل، فأحرم مفرداً بالحج، وبه تظاهرت الروايات الصحيحة. وأما الروايات بأنه كان متمتعاً فمعناها أمرَ به، وأما الروايات بأنه كان قارناً فإخبارٌ عن حالته الثانية لا عن ابتداء إحرامه، بل إخبارٌ عن حاله حين أمر أصحابه بالتحلل من حجهم وقلبه إلى عمرة

стр. 139

لمخالفة الجاهلية إلّا من كان معه هديٌ، وكان هو ﷺ ومَنْ معه هدْيٌ في آخر إحرامهم قارنين، بمعنى أنهم أدخلوا العمرة على الحج، وفعل ذلك مواساةً لأصحابه وتأنيساً لهم في فعلها في أشهر الحج، لكونها كانت منكرة عندهم في أشهر الحج، ولم يمكنه التحلل معهم بسبب الهدي، واعتذر إليهم بذلك في ترك مواساتهم فصار ﷺ قارناً في آخر أمره" (١). خلاصة المسألة أنّ النبي ﷺ أحرم مفرداً، ويبدو أنه وجد كراهة القيام بعمرة من بعض أصحابه انسياقاً منهم لما اعتادت عليه العرب في جاهليتها حيث كانت تمتنع عن العمرة في أشهر الحج وترى فعلها فيها من أفجر الفجور، فأمرهم بفسخ الحج إلى عمره ليخنق تلك العادة إلى الأبد، واستثنى من ساق الهدي معه، وكان ﷺ ممّن ساق الهدي، فأدخل العمرة على الحج، وصار بذلك قارناً، فالقران في الأحاديث إخبارٌ عن حال من كان معه في حجه هديٌ، وقد فعلها رسول الله ﷺ ـ أي إدخال العمرة على الحج ـ مواساة لأصحابه وتأنيساً لهم في فعلها في أشهر الحج، كما جاء التمتع إخباراً عن حالة من لا هدي معه حيث فسخ حجه إلى عمرة. قال الإمام النووي في معرض توسعه في هذه المسألة: "قال القاضي: وقد اتفق جمهور العلماء على جواز إدخال الحج على العمرة، وشذ بعض الناس فمنعه، وقال: لايدخل إحرام على إحرام، كما لا تدخل صلاة على صلاة. واختلفوا في إدخال العمرة على الحج فجوزه أصحاب الرأي، وهو قولُ الشافعي لهذه الأحاديث، ومنعه آخرون، وجعلوا هذا خاصاً بالنبي ﷺ لضرورة الاعتمار حينئذ في أشهر الحج" (٢).

стр. 140

ومن تمام البحث في هذا المقام جواز الاشتراط عند الإحرام، أي: جواز أن يشترط مريد النُسك في إحرامه أنه إن مرض أو حبسه حابس فإنه يتحلل بسبب ذلك، ويستدل عليه بالحديث المشهور في صحيح البخاري ومسلم وكذا في سنن أبي داود والترمذي والنّسائي وسائر كتب الحديث المعتمدة من طرق متعددة بأسانيد كثيرة عن جماعة من الصحابة (١)، من أن النبي ﷺ دخل على ضُباعة ﵂ يسألها: أما تريدين الحج العام؟ قالت: قلت: إني لعليلةٌ يا رسول الله، فقال لها ﵊: "حجّي واشترطي أنّ مَحِلِّي حيث تحبسني" قال الإمام مسلم: "وفي رواية إسحاق: أمرَ ضُباعة" (٢). أقول: وفي رواية أُخرى لابن ماجة: "أهِلِّي واشترطي أنّ مَحِلِّي حيث حبستني" (٣). إن القول بجواز الاشتراط هو مذهب سيدنا عمر بن الخطاب وابن مسعود وآخرين من الصحب الكرام رضوان الله عليهم جميعاً، ومذهب جماعة من التابعين، وهو قولُ الإمام أحمد، والصحيح من مذهب الشافعي ﵄، وحجتهما هذا الحديث. وقال الإمام أبو حنيفة ومالك وبعض التابعين: لا يصح الاشتراط. قال الإمام النووي: "وحملوا الحديث على أنها قضيةُ عين، وأنه مخصوص بضُباعة" (٤). * * *

стр. 141

إتيان البيت الحرام قبل الوقوف بعرفه وآداب الدخول إليه قال جابر: "حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن": في هذه الفقرة بيانُ أنّ السنة للحاج أن يدخل مكة قبل الوقوف بعرفة. ولدخول بلدة الله الحرام آداب نستنبطها من فعل رسول الله ﷺ : أولاً: أن يدخل مكة نهاراً: روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄ قال: بات النبي ﷺ بذي طوى حتى أصبح، ثم دخل مكة، وكان ابن عمر ﵄ يفعله (١). فالنّبيُّ ﵇ أمسك عن التلبية في أدنى الحرم، أي: في أول موضع منه، وهو ما يعرف اليوم بالزاهر، وهو حي معروف في مكة، جاء على ذكره العلامة ابن حجر العسقلاني في فتح الباري ج ٣ ص ٥٢١ وفيه بئر يعرف ببئر ذي طوى رأيت موضعه قبل جرول بـ ٥٠٠ م تقريباً أمام مشفى الولادة مقابل مسجد الكعكي خلف البنك الأهلي مباشرة، حيث بات النّبيّ ﷺ في ذلك الوادي ليلاً، ثم صلّى فيه الفجر، واغتسل من بئره المعهود لدخول مكة التي دخلها نهاراً.

стр. 142

ثانياً: أن يدخل مكة من الثنية العليا: أي أن يدخل مكة من أعلاها، من الطريق المؤدي إلى الحَجون ــ مقابر مكة ـ ذلك أن مكة كلها جبال، والحرم في وادٍ تطل عليه الجبال من كل صوب، وقد جاء في الحديث الصحيح عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان يدخل من الثنية العليا، ويخرج من الثنية السفلى (١)، وفي رواية أُخرى أن رسول الله ﷺ دخل مكة من كَدَاء في الثنية العليا التي بالبطحاء (٢)، ويخرج من الثنية السفلى (٣). والثنية كما في (القاموس المحيط) هي الجبل أو الطريق فيه أو إليه، أمّا كَدَاء فهي اسم جبل بأعلى مكة، وهي المراد من الثنية العليا، ومنها نزل رسول الله ﷺ إلى المعلاة مقبرة أهل مكة، وقد كانت صعبة المرتقى فسهلها معاوية ثم عبد الملك بن مروان ثم المهدي ثم سهلت في عام ٨٢٠ هـ (٤)، أما الثنية السفلى فهي كُدَاً ـ بالضم والقصر والتنوين ـ عند باب الشُبَيكة (٥)، وهنا تكمن الحكمة، فالذي يدخل من كَدَاء (الثنية) فإنه يستقبل البلدة الحرام وكعبتها، بينما يستدبر الذي يدخل من كُدَا المسجد الحرام والبيت (٦)، ويقول علماء آخرون: إنّ حكمة الدخول من الثنية العليا والخروج من الثنية

стр. 143

السفلى تنطوي على ذات المعنى الذي يورده الفقهاء في سنية الوصول إلى المسجد في صلاة العيد من طريق والعودة من طريق آخر، وهو أن يشهد له المكان بالمرور لأداء العبادة (١)، وقال غيرهم: فعلَ النبي ﷺ ذلك ليتبرَّك به أهلها (٢). ويمكنني أن أضيف هنا أن الطريق الذي سلكه رسول الله ﷺ يؤدي إلى منازل بني عبد المطلب التي كانت منتشرة في شعب بني هاشم وهناك منزله الذي ولد فيه، ويعرف بالمولد النبوي الشريف، والزقاق في الإسلام صار يعرف بزقاق المولد. الشافعية أخذوا بظاهر فعل المصطفى ﵇ وقالوا: إنه يسن لكل داخل الدخول من الثنية العليا ولو لم تكن في طريقه، فاليمنيُّ مثلاً يستحب له أن يستدير ويدخل منها (٣). ثالثاً: أدبٌ في هيئة الدخول إلى مكة أتى على ذكره العلامة عبد الله بن عبد الرحمن بافضل الحضرمي في مختصره المعروف بالمقدمة الحضرمية في فقه السادة الشافعية (مسائل التعليم) في قوله: "ويستحب دخول مكة ـ قبل الوقوف، ومن أعلاها ـ نهاراً ماشياً حافياً" (٤)، وقد اشترط الفقهاء أن لا تلحقه بذلك مشقة، وأن لا يخاف تنجيس رجليه، ولا تضعفه هيئته هذه عن أداء الوظائف (٥).

стр. 144

وقد تتبعتُ دليل هذه المسألة فوجدتُ فيها حديثاً أخرجه العلامةُ الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني المعروف بابن ماجة في سننه عن عبد الله بن عباس قال: كانت الأنبياء تدخل الحرم مشاة حفاة، ويطوفون بالبيت، ويقضون المناسك حفاة مشاة" (١). هذه الرواية تحدث عنها الشيخ المرحوم محمد فؤاد عبد الباقي فقال: "في الزوائد: في إسناده مبارك بن حسان. وهو، وإن وثقه ابن معين، فقد قال النّسائي: ليس بالقويّ. وقال أبو داود: منكر الحديث. وقال ابن حبان في الثقات: يخطئ ويخالف. وقال الأزديُّ: متروك. وإسماعيل ذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجال الإسناد ثقات" (٢). يبدو لي أن الدليل الذي استند إليه الفقهاء في هذه الجزئية ليس مسلّماً أو على الأقل ليس مجمعاً على الأخذ به، وعلى أيِّ حال فالرواية تعطينا صورة صادقة عن مدى القدسية التي يتمتع بها الحرم المكي وهي مسألة محلُّ إجماع الأُمة قاطبة تدعونا أول ما تدعونا إلى مضاعفة المراقبة لله العلي الجبّار ونحن نطأ أرض حرمه، أو نقيم زمناً قصيراً أو طويلاً في بيته، حيث من الواجب أن نترفع عن المعصية والمكروه من الفعال لا أن نسوِّي بين أرض المسجد الحرام والأرض التي قدمنا منها أو مررنا فيها، فهنا الموطنُ الذي حرَّمه الله ولم يحرمه الناس، وقدّسه المولى ولم يبتدئ تقديسه بنو البشر، وهنا البيت الذي يقال إن الأنبياء دخلوه حفاة تواضعاً لله، وتقديراً لحرمة المكان، فهل نكون فيه صخّابين أو مجادلين أو عصاة مخطئين؟ ! أما عن زمن الدخول المفضّل فقد مضى ذكره قبل أسطر وأُضيف هنا بأنه قد ثبت

стр. 145

أن رسول الله ﷺ دخل مكة نهاراً في حجة الوداع، كما ثبت أنه ﷺ دخل مكة في عمرة الجعرانة ليلاً (١) والنتيجة أن القول الصحيح عند الشَّافعية دخولها نهاراً ويؤيده الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن ابن عمر أنه ما كان يقدم مكة إلّا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل ثم يدخل مكة نهاراً ويذكر عن النبي ﷺ أنه فعله (٢) ويقابله قول آخر أنهما سواء في الفضيلة (٣)، ويؤيده عنوان البيقهي في سننه الكبرى ويبدو لي أنهم حملوا قول ابن عمر عن النّبيّ ﷺ أنه كان يفعل ذلك على آخر مذكور وهو الاغتسال دون الدخول نهاراً (٤). رابعاً: أن يتوضأ: روى الشيخان في صحيحيهما عن عائشة ﵂ أنّ أوّل شيء بدأ به النبيّ ﷺ ـ حين قدم مكة ـ أنه توضّأ، ثم طاف بالبيت (٥). خامساً: أن يدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة وإن لم يكن في طريقه: أخرج الإمام البيهقي بإسناد صحيح هذه السنة في باب يحمل عنوانها: "باب: دخول المسجد من باب بني شيبة" (٦).
следующие страницы →