إتيان البيت الحرام قبل الوقوف بعرفه وآداب الدخول إليه
قال جابر: "حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن":
في هذه الفقرة بيانُ أنّ السنة للحاج أن يدخل مكة قبل الوقوف بعرفة.
ولدخول بلدة الله الحرام آداب نستنبطها من فعل رسول الله ﷺ :
أولاً: أن يدخل مكة نهاراً:
روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄ قال: بات النبي ﷺ بذي طوى حتى أصبح، ثم دخل مكة، وكان ابن عمر ﵄ يفعله (١).
فالنّبيُّ ﵇ أمسك عن التلبية في أدنى الحرم، أي: في أول موضع منه، وهو ما يعرف اليوم بالزاهر، وهو حي معروف في مكة، جاء على ذكره العلامة ابن حجر العسقلاني في فتح الباري ج ٣ ص ٥٢١ وفيه بئر يعرف ببئر ذي طوى رأيت موضعه قبل جرول بـ ٥٠٠ م تقريباً أمام مشفى الولادة مقابل مسجد الكعكي خلف البنك الأهلي مباشرة، حيث بات النّبيّ ﷺ في ذلك الوادي ليلاً، ثم صلّى فيه الفجر، واغتسل من بئره المعهود لدخول مكة التي دخلها نهاراً.
стр. 142
ثانياً: أن يدخل مكة من الثنية العليا:
أي أن يدخل مكة من أعلاها، من الطريق المؤدي إلى الحَجون ــ مقابر مكة ـ ذلك أن مكة كلها جبال، والحرم في وادٍ تطل عليه الجبال من كل صوب، وقد جاء في الحديث الصحيح عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان يدخل من الثنية العليا، ويخرج من الثنية السفلى (١)، وفي رواية أُخرى أن رسول الله ﷺ دخل مكة من كَدَاء في الثنية العليا التي بالبطحاء (٢)، ويخرج من الثنية السفلى (٣). والثنية كما في (القاموس المحيط) هي الجبل أو الطريق فيه أو إليه، أمّا كَدَاء فهي اسم جبل بأعلى مكة، وهي المراد من الثنية العليا، ومنها نزل رسول الله ﷺ إلى المعلاة مقبرة أهل مكة، وقد كانت صعبة المرتقى فسهلها معاوية ثم عبد الملك بن مروان ثم المهدي ثم سهلت في عام ٨٢٠ هـ (٤)، أما الثنية السفلى فهي كُدَاً ـ بالضم والقصر والتنوين ـ عند باب الشُبَيكة (٥)،
وهنا تكمن الحكمة، فالذي يدخل من كَدَاء (الثنية) فإنه يستقبل البلدة الحرام وكعبتها، بينما يستدبر الذي يدخل من كُدَا المسجد الحرام والبيت (٦)، ويقول علماء آخرون: إنّ حكمة الدخول من الثنية العليا والخروج من الثنية
стр. 143
السفلى تنطوي على ذات المعنى الذي يورده الفقهاء في سنية الوصول إلى المسجد في صلاة العيد من طريق والعودة من طريق آخر، وهو أن يشهد له المكان بالمرور لأداء العبادة (١)، وقال غيرهم: فعلَ النبي ﷺ ذلك ليتبرَّك به أهلها (٢).
ويمكنني أن أضيف هنا أن الطريق الذي سلكه رسول الله ﷺ يؤدي إلى منازل بني عبد المطلب التي كانت منتشرة في شعب بني هاشم وهناك منزله الذي ولد فيه، ويعرف بالمولد النبوي الشريف، والزقاق في الإسلام صار يعرف بزقاق المولد.
الشافعية أخذوا بظاهر فعل المصطفى ﵇ وقالوا: إنه يسن لكل داخل الدخول من الثنية العليا ولو لم تكن في طريقه، فاليمنيُّ مثلاً يستحب له أن يستدير ويدخل منها (٣).
ثالثاً: أدبٌ في هيئة الدخول إلى مكة
أتى على ذكره العلامة عبد الله بن عبد الرحمن بافضل الحضرمي في مختصره المعروف بالمقدمة الحضرمية في فقه السادة الشافعية (مسائل التعليم) في قوله: "ويستحب دخول مكة ـ قبل الوقوف، ومن أعلاها ـ نهاراً ماشياً حافياً" (٤)، وقد اشترط الفقهاء أن لا تلحقه بذلك مشقة، وأن لا يخاف تنجيس رجليه، ولا تضعفه هيئته هذه عن أداء الوظائف (٥).
стр. 144
وقد تتبعتُ دليل هذه المسألة فوجدتُ فيها حديثاً أخرجه العلامةُ الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني المعروف بابن ماجة في سننه عن عبد الله بن عباس قال: كانت الأنبياء تدخل الحرم مشاة حفاة، ويطوفون بالبيت، ويقضون المناسك حفاة مشاة" (١).
هذه الرواية تحدث عنها الشيخ المرحوم محمد فؤاد عبد الباقي فقال: "في الزوائد: في إسناده مبارك بن حسان. وهو، وإن وثقه ابن معين، فقد قال النّسائي: ليس بالقويّ. وقال أبو داود: منكر الحديث. وقال ابن حبان في الثقات: يخطئ ويخالف. وقال الأزديُّ: متروك. وإسماعيل ذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجال الإسناد ثقات" (٢).
يبدو لي أن الدليل الذي استند إليه الفقهاء في هذه الجزئية ليس مسلّماً أو على الأقل ليس مجمعاً على الأخذ به، وعلى أيِّ حال فالرواية تعطينا صورة صادقة عن مدى القدسية التي يتمتع بها الحرم المكي وهي مسألة محلُّ إجماع الأُمة قاطبة تدعونا أول ما تدعونا إلى مضاعفة المراقبة لله العلي الجبّار ونحن نطأ أرض حرمه، أو نقيم زمناً قصيراً أو طويلاً في بيته، حيث من الواجب أن نترفع عن المعصية والمكروه من الفعال لا أن نسوِّي بين أرض المسجد الحرام والأرض التي قدمنا منها أو مررنا فيها، فهنا الموطنُ الذي حرَّمه الله ولم يحرمه الناس، وقدّسه المولى ولم يبتدئ تقديسه بنو البشر، وهنا البيت الذي يقال إن الأنبياء دخلوه حفاة تواضعاً لله، وتقديراً لحرمة المكان، فهل نكون فيه صخّابين أو مجادلين أو عصاة مخطئين؟ !
أما عن زمن الدخول المفضّل فقد مضى ذكره قبل أسطر وأُضيف هنا بأنه قد ثبت
стр. 145
أن رسول الله ﷺ دخل مكة نهاراً في حجة الوداع، كما ثبت أنه ﷺ دخل مكة في عمرة الجعرانة ليلاً (١) والنتيجة أن القول الصحيح عند الشَّافعية دخولها نهاراً ويؤيده الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن ابن عمر أنه ما كان يقدم مكة إلّا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل ثم يدخل مكة نهاراً ويذكر عن النبي ﷺ أنه فعله (٢) ويقابله قول آخر أنهما سواء في الفضيلة (٣)، ويؤيده عنوان البيقهي في سننه الكبرى ويبدو لي أنهم حملوا قول ابن عمر عن النّبيّ ﷺ أنه كان يفعل ذلك على آخر مذكور وهو الاغتسال دون الدخول نهاراً (٤).
رابعاً: أن يتوضأ:
روى الشيخان في صحيحيهما عن عائشة ﵂ أنّ أوّل شيء بدأ به النبيّ ﷺ ـ حين قدم مكة ـ أنه توضّأ، ثم طاف بالبيت (٥).
خامساً: أن يدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة وإن لم يكن في طريقه:
أخرج الإمام البيهقي بإسناد صحيح هذه السنة في باب يحمل عنوانها: "باب: دخول المسجد من باب بني شيبة" (٦).
стр. 146
كما جاء عن ابن عمر قال: ودخلنا معه من دار بني عبد مناف، وهو الذي تسميه الناسُ باب بني شيبة وخرجنا معه إلى المدينة من باب الحرورة وهو باب الخياطين (١).
ويبدو أن الحكمة من دخول الحاج من هذا الباب أنه بذلك يصبح قبالة باب الكعبة والحجر الأسود، والطواف منهما يبدأ، بينما الداخل من الأبواب الأُخرى آنذاك مضطرٌ ليدور حول البيت ليصل إلى بداية الطواف، وفي ذلك مزيد مشقة لكن الأمر الهام الذي أُنوّه له هنا، أنّ موقع باب بني شيبة الحالي، هو غير باب بني شيبة الذي دخل منه رسول الله ﷺ ، والذي كان منصوباً في ساحة الطواف، مقابل مقام إبراهيم، وباب الكعبة عن يمين وأمام بئر زمزم لمن يتوجّه إلى البيت وينظر إليه، وأرى أنّ أقرب باب يفي بهذا الغرض اليوم هو عبارة باب العباس ﵁، ومن ثم إلى بداية الطواف حيث الضوء الأخضر عن يسارنا فنتوجه إلى البيت ونحن في مواجهة مع مقام إبراهيم وبئر زمزم عن يسارنا، لندرك حينئذ باب بني شيبة، الذي منه دخل رسول الله ﷺ والله تعالى أعلم.
أمّا باب بني شيبة اليوم فهو عن الذي نحن بصدده بمعزل؛ لأنه من جهة المسعى باتجاه المروة لمن جعل البيت عن يساره، أي هو الباب السادس بالنسبة لعبَّارة باب العباس ﵁، وهي بالترتيب:
١ ـ عبارة باب العباس ﵁.
٢ ـ باب النبي ﷺ .
стр. 147
٣ ـ عبارة باب النبي ﷺ .
٤ ـ باب السلام.
٥ ـ عبارة باب السلام.
٦ ـ باب بني شيبة ورقمه ٢٦.
على أي حال هناك من السلف من كان يقول: يدخل المحرم من حيث شاء.
سادساً: أن يدعو عند رؤية الكعبة واقفاً رافعاً يديه:
روى الإمام البيهقي في سننه الكبرى أن النبي ﷺ قال وقد رأى البيت: "اللهمّ زد هذا البيت تشريفاً وتكريماً وتعظيماً ومهابةً، وزد من شَرَّفه وعظّمه ممّن حجّه واعتمره تشريفاً وتكريماً وتعظيماً وبرّاً. اللهمّ أنت السلام ومنك السلام، فحيِّنا ربنا بالسلام" (١)، كما أخرجه البيهقي موقوفاً على عمر بن الخطاب ﵁.
وروي عن حذيفة بن أسيد أنَّ النبي ﷺ كان إذا نظر إلى البيت قال: "زد بيتك هذا تشريفاً وتعظيماً وتكريماً وبراً ومهابة" (٢) كما يسن أن يرفع يديه عند نظره إلى البيت لما رُويَ عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "لا ترفع الأيدي إلّا في سبعة مواطن: حين يفتتح الصلاة، وحين يدخل المسجد الحرام، فينظر إلى البيت، وحين يقوم على الصفا، وحين يقوم على المروة، وحين يقف مع الناس عشية عرفة وبجمع وحين يرمي الجمرة (٣).
стр. 148
والدعاء عند رؤية الكعبة يستحبه العلماء لما يقال إنه موضع تستجاب فيه الدعوات ولا ترد، وقد ورد بذلك حديثُ أبي أُمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "تفتح أبواب السماء وتستجاب دعوة المسلم عند رؤية الكعبة". لكن للعلماء فيه كلام، لذلك قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: حديث أبي أُمامة غريب ليس بثابت.
على أي حال يجتمع للحاج في مكة الزمان المبارك وهو عشر ذي الحجة، والمكان المبارك وهو بيت الله الحرام، والعمل المبارك وهو الطواف والاعتكاف فضلاً عن نية الحج، وهذا كله أدْعى إلى استجابة الدعاء، والله تعالى أعلم.
سابعاً: أن يطوف للقدوم:
الدليل قول جابر: "حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن"، كما يستدل عليه بالحديث الذي استشهدت به في الفقرة الرابعة عن البخاري ومسلم من رواية عائشة ﵂ أنّ أوّل شيء بدأ به النبي ﷺ ـ حين قدم مكة ـ أنه توضّأ، ثم طاف بالبيت. وإذا بدأ بالطواف أمسك عن التلبية حتى ينتهي منه، ثم يلبي ثم يعاود الإمساك عنها أثناء السعي إنْ سعى بعده (١)، والعلة كما ذكر الإمام النووي أنّ لهما ـ أي الطواف والسعي ـ أذكاراً خاصة بهما (٢).
وإلى سنية طواف القدوم ذهب الأئمة الثلاثة إن دخل الحاج مكة قبل وقفة عرفات.
قال الإمام النووي: "وبهذا الذي قاله ابن عمر قال العلماء كافة سوى ابن عباس، وكلهم
стр. 149
يقولون: إنه سنة ليس بواجب إلّا بعض أصحابنا ومَن وافقه، فيقولون: واجب يجب تركه بالدم، والمشهور أنه سنة ليس بواجب، ولا دم في تركه" (١).
ومن الذين ذهبوا إلى وجوب طواف القدوم المالكية أخذاً من ظاهر الحديث (٢).
وطواف القدوم خاص بالحج، أما العمرة فليس فيها طواف قدوم، حتى لو نوى طواف القدوم وقع ركناً ولغت نيّته (٣) كما لو كان عليه حجة واجبة فنوى حجة تطوع فإنها تقع واجبة، وهو ما صرح به إمامنا النووي عليه من الله سحائب الرحمة والرضوان (٤).
* * *
стр. 150
الطَّواف: أنواعه شروطه آدابه
قال جابر: "استلم الركن فَرَمَلَ ثلاثاً، ومشى أربعاً":
مضمون هذه العبارة امتداد لسابقتها، فالمحرم إذا دخل مكة قبل الوقوف بعرفة سنّ له طواف القدوم، ثم أوّل شيء يؤديه في طوافه هو أن يستلم ركن الحجر الأسود بيده البمنى (١)؛ لأنه شعار الطواف (٢)، ثم يقبله بلا صوت (٣)، ثم يسجد عليه بجبهته (٤)، وذلك لما ورد عن ابن عمر أنه قال: رأيت عمر بن الخطاب قبَّل الحجر وسجد عليه، ثم عاد فقبّله وسجد عليه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ " (٥).
وبالسجود على الحجر الأسود، وتكرار السجود عليه ثلاث مرات بعد تقبيله قال جمهور العلماء، وانفرد مالك فقال: هو بدعة! (٦) وكره السجود وتمريغ الوجه على
стр. 151
الحجر. قال الإمام النووي: "واعترف القاضي عياض بشذوذ مالك في هذه المسألة عن العلماء" (١).
كما يسن استلامه قبل البدء بالسعي لما سيأتي.
كما يستحب استلام الحجر الأسود عند الخروج من البيت سواء كان عقب الطواف أو لا، وذلك عند جماعة من السلف الصالح لهذه الأمة وهو ما نقله الإمام الزركشي عن ابن عمر وسعيد بن جبير وطاووس وإبراهيم النَّخَعي وغيرهم، ثم قال: "وحكى ابن أبي زيد في النوادر عن مالك في الموّازية: أنه لا بأس به" (٢).
ويبدو أن هؤلاء الفقهاء الكرام نظروا إلى عموم الأحاديث الواردة في فضل الاستلام من غير تخصيص مثل ما ذكره صاحب مجمع الزوائد عن عبد الله بن عمير أنه سمع أباه يقول لابن عمر: مالي أراك تستلم إلّا هذين الركنين الحجر الأسود والركن اليماني فقال ابن عمر: "إنْ أفعل فقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنَّ استلامهما يحط الخطايا" (٣)، فكأنهم نظروا إلى الاستلام على أنه قربة مستقلة لا يرتبط بها طواف ولا ركوع، وإنما تتعلق بالبيت العتيق، كالدعاء هناك، وكالدعاء في جملة العبادات، فكما يجوز إفراد الدعاء لله، يجوز إفراد مسح الحجر الأسود لله، والله أعلم (٤).
стр. 152
وليس من السنة المزاحمة على الركن الأسود (١)، بقصد استلام الحجر لما رواه البيهقي في سننه عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ياعمر، إنك رجلٌ قوي، لا تؤذ الضعيف، إذا أردت استلام الحجر فإنْ خلا لك فاستلمه (٢)، وإلا فاستقبله وكبر" (٣).
وعن عطاء عن ابن عباس قال: "إذا وجدت على الركن زحاماً فانصرف ولا تقفْ" (٤).
ويستحب في الطوفة الأولى أن يمُرَّ على الحجر الأسود مستقبلاً له ببدنه، حتى يقف قبالته لا غير، وهو ما نص عليه الإمام النووي في صريح عبارته حين قال: "وليس شيءٌ من الطواف يجوز مع استقبال البيت إلّا ما ذكرناه أولاً من أنه يمر في
стр. 153
ابتداء الطواف على الحجر الأسود مستقبلاً له، فيقع الاستقبال قبالة الحجر الأسود لا غير، وذلك مستحبٌّ في الطوفة الأولى خاصة دون ما بعدها (١)، ولو تركه في الأولى فمرّ بالحجر وهو على يساره، وسوى بين الأولى وما بعدها جاز، ولكنْ فوَّتَ هذا الاستقبال المستحبّ" (٢).
والسنة أن يستلمه بعد أن يستقبله، وقبل أن يُقبّله فإن أدرك استلامه بيده، وعجز عن تقبيله بفمه، قبَّل يده التي استلم الحجر الأسود بها لما جاء عن نافع قال: "رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده، ثم قبّل يده، وقال: ماتركته منذ رأيتُ رسول الله ﷺ يفعله" (٣).
وإن عجز الطائف حول البيت عن استلام الحجر بيده، وتقبيله بفمه، استلمه بنحو عصا أو عود ثم قبَّل ما استلمه به، وذلك لما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي الطُّفَيْل قال: "رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت، ويستلم الركن بمحجن معه (٤)، ويُقبّل المحجن" (٥).
стр. 154
قال الإمام النووي في شرحه على هذا الحديث:
"فيه دليل على استحباب استلام الحجر الأسود، وأنه إذا عجز عن استلامه بيده بأن كان راكباً أو غيره استلمه بعصا ونحوها، ثم قبَّل ما استلم به، وهذا مذهبنا (١) ".
стр. 155
ومن السنة أن يقع الاستلام، أو الإشارة باليد اليمنى إلّا إن عجز عن ذلك، أو فقُدت يمناه فحينئذ لا يضر أن يستلم باليسرى وليس للطائف أن يشير إلى الحجر الأسود بفمه بقبلة يطلقها باتجاهه؛ وهو ما صرّح به الإمام النووي (١)؛ لأن الإشارة بالقُبلة يقبح فعلها، وهو ما علل به الإمام ابن حجر الهيتمي (٢).
كما نص الإمام ابن حجر بأن: "من لحس الحجر الأسود بلسانه - كما يفعله بعض العامة - فإنّ فعله حرام إنْ وصله رطوبة منه".
كما نص بأنّ الأفضل أن لا يجعل على يده حائلاً إلّا لعذر أو نجاسة (٣).
كما يسنُّ تكرير الإشارة ثلاثاً؛ لأن الإشارة نائبة عن الاستلام، فهي بمنزلته (٤).
وقد اختلف العلماء في تقبيل الحجر الأسود في غير طواف، فنقل الإمام ابن حجر الهيتمي عن الإمام الزركشي أنه لا يسنُّ تقبيل الحجر الأسود إلّا في الطَّواف، كما نقل عن معارضيه بأنّ ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان لا يخرج من المسجد حتى يُقبّله، وبأنّ أوّل من استلمه قبل الصلاة وبعدها هو عبد الله بن الزبير ﵄، ثم استحبّ الولاة بعده ذلك تبعاً له (٥).
أقول: هذه هي أقوالهم والله تعالى أعلم.
стр. 156
ثم إنّ أدلة هذا الذي سردته عليك، ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: "لم أرَ رسول الله ﷺ يستلم غير الركنين اليمانيين" (١).
стр. 157
وفي رواية لابن عمر: "لم أرَ رسول الله ﷺ يمسح من البيت إلّا الركنين اليمانيين" (١).
كما روى مسلم في صحيحه عن سالم أنّ أباه حدّثه قال: قبّل عمر بن الخطاب الحَجر ثم قال: "أمَ والله لقد علمت أنك حجر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبِّلُك ما قبّلتُك" وفي رواية أخرى عنده: "وأنّك لا تضرّ ولا تنفع" (٢).
وروى لنا مسلمُ بن الحجاج أيضاً عن سُوَيْدِ بن غَفَلَة قال: "رأيت عمر قبَّل الحجر والتزمه (٣)، وقال: "رأيتُ رسولَ الله ﷺ بك حفيّاً" (٤).
وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن (٥).
ثاني شيءٍ يُرشدنا إليه كلام جابر عدد الأشواط وهو سبع طوفات، ثم إنْ كان الطواف يعقبه سعي فالسنة الرَّمَلُ في الثلاث الأُوَل، ويمشي على عادته في الأربع الأخيرة، والرَّمَلُ في العمرة مطرد، وكذا في طواف القدوم إن نوى السعي بعده، وطوافِ الإفاضة إن لم يسع بعد القدوم، أمّا إذا طاف في غير حج أو عمرة فلا رَمَلَ بلا خلاف؛ لأنه لا سعي في غير نسك، كما لا رَمَل على الأُنثى والخنثى خوفاً من تكشفهما (٦) بدليل ما أخرج الإمام أبو بكر
стр. 158
البيهقي باب: لا رمل على النساء، عن نافع عن ابن عمر أنه قال: ليس على النساء سعيٌ بالبيت، ولا بين الصفا والمروة: ورواه الشافعي عن عائشة وعن عطاء (١). كما روى البيهقي عن عائشة ﵂ قالت: "قلت: يا معشر النساء، وليس عليكُنّ رَمَل بالبيت، أمَا لَكُنّ فينا أسوة" (٢).
والسنة أنّ الطائف إذا تعذر رمَله في مكان قريب من الكعبة، ولم يرجُ فرجة تمكّنه من الرّمل فالسنة أن يتباعد عن الكعبة ليؤدي سنة الرَّمَل. قال الإمام النووي: "لأنّ فضيلة الرمل هيئة للعبادة في نفسها، والقرب من الكعبة هيئة في موضع العبادة لا في نفسها، فكان ما تعلق بنفسها أولى. والله أعلم" (٣) كما قال في كتابه "الإيضاح في مناسك الحج": "فالمحافظة على الرّمَل مع البعد عن البيت أفضل من القرب بلا رَمل، لأنّ الرمَل شعارٌ مستقل" (٤).
فإن لم يمكنه ذلك لشدة الازدحام فإنه يشير إلى صفة الرّمَل في هيئة مشيه، ويُظهر من نفسه أنه لو أمكنه الرّملُ لرملَ (٥).
وإلى جانب سنة الرَّمَل يختص الرجال بسنة أُخرى أتى على ذِكْر دليلها الإمامان أبو داود والترمذي تعرف بالاضطباع وهو أن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه تحت عاتقه الأيسر، ويكون عاتقه الأيمن مكشوفاً، بينما يغطّي الآخر.
стр. 159
ويختلف الرَّمَلُ عن الاضطباع بأنَّ الرَّمَلَ يختص بالثلاثة الأُوَل، أما الاضطباع فيسن في جميع الطوْفات السبع كما نصّ عليه الإمام النووي (١).
والأصح أنه إذا فرغ من الطواف أزال الاضطباع وصلّى، فإذا فرغ من الصلاة أعاد الاضطباع وهي عبارة إمامنا الشافعي ﵁، ومن ثَمَّ يسعى بالاضطباع في جميع سعيه، وقيل: بين الميلين فقط، وإنما يضطبع في الطواف الذي يرمُلُ فيه، وما لا رملَ فيه لا اضطباع فيه (٢).
ويبدو لي أنّ الذي صرف الرَّمَل والاضطباع عن الوجوب تلك القرينة المستفادة من صحاح الأحاديث؛ لأن النبي ﷺ أمر أصحابه في عمرة القضاء بهما كي يُظهروا أمام المشركين قوة وهم الذين كانوا يقولون: قد وهنتهم حمَّى يثرب. روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: أرأيت هذا الرمل بالبيت ثلاثة أطْوَافٍ، ومشي أربعة أطواف، أسنة هو فإنّ قومك يزعمون أنه سنة؟ قال: فقال: صدقوا وكذبوا قال: قلت: ما قولك صدقوا وكذبوا؟ قال: إنّ رسول الله ﷺ قدم مكة فقال المشركون: إنّ محمداً وأصحابه لا يستطيعون أن يطوفوا بالبيت من الهزال، وكانوا يحسدونه قال: فأمرهم رسول الله ﷺ أن يرملوا ثلاثاً ويمشوا أربعاً" (٣). فابن عباس يرى أن الرّمل ليس سنة مقصودة تتكرر بتكرر السنين؛ لأن معناها خاص بإظهار القوة أمام المشركين وقد زالت العلة مخالفاً بذلك أكثر علماء الصحابة والتابعين الذين ذهبوا إلى أنّ الرمل سنة بدليل فعل
стр. 160
النبي ﷺ له في حجة الوداع مع زوال سببه، وإسلام مَن في مكة (١) بدليل ما جاء في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب أنه قال في الرَّمَل: إنما كنا راءَيْنا به المشركين، وقد أهلكهم الله، ثم قال: شيء صنعه النبي ﷺ فلا نحب أن نتركه" (٢).
وروى مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حمّى يثرب. قال المشركون: إنه يقدم عليكم غداً قومٌ قد وهنتهم الحمّى ولقُوْا منها شدة، فجلسوا مما يلي الحَجَر، وأمرهم النبي ﷺ أن يرمُلُوْا ثلاثة أشواط ويمشوا ما بين الركنين ليرى المشركون جَلَدَهم ... " قال ابن عباس: "ولم يمنعه أن يأمرَهم أن يرمُلُوْا الأشواط كلّها إلّا الإبقاءُ عليهم ... " (٣).
إذا تبين لك هذا فاعلم أن الطواف على ثلاثة أوجه:
أوله: طواف القدوم، وهو سنة على ما ذكرتُ لك من فعل رسول الله ﷺ .
ثانيه: طواف الإفاضة، وهو ركنٌ من أركان الحج لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، وهذا يكون بعد الإفاضة من عرفات على ما سيأتي ذكره في حديث جابر.
ثالثه: طواف الوداع، وهو الذي يقصد به وداع البيت في مكة، ولا سعي بعده، وهو واجب على الصحيح، وسأتعرض له في موضعه إن شاء الله تعالى.
стр. 161
ثم إنّ الطواف أيَّاً كان اسمه أو حكمه تجب فيه أُمورٌ، وتسن فيه أُخرى:
أولاً: يجب فيه ما يشترط في الصلاة من ستر العورة، والطهارة من الحدث الأصغر، والحدث الأكبر، وطهارة اللباس والمكان والبدن، بدليل ما أخرجه الإمامان الترمذي والنَّسائي عن ابن عباس ﵄ أنّ النبيّ ﷺ قال: "الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلّا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلَّمَ فيه فلا يتكلّمن إلّا بخير" (١)، ولما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أنّ النبي ﷺ مرّ وهو يطوف بالكعبة بإنسان ربط يده إلى إنسان بِسَيْرٍ أو بخيط أو بشيء غير ذلك، فقطعه النبي ﷺ بيده، ثم قال: "قُدْهُ بيده" (٢).
ومن الأدلة ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أخبره أنّ أبا بكر الصديق ﵁، بعثه في الحجة التي أمَّرَهُ عليها رسول الله ﷺ قبل حجة الوداع يوم النحر، في رهْط يؤذن في الناس، ألّا يحجَّ بعد العام مشرك، ولا يطوفَ بالبيت عُرْيان" (٣).
وفي كشف العورة مسألة هامة: - فأكثر ما يفعله النساء خاصة - فمن طاف مكشوف جزء من عورته مهما كان قليلاً لم يصح طوافه، لذلك لو طافت ورِجلُها مكشوفة أو جزء منها أو كاشفة جزءاً من رأسها، ولو شعرة واحدة، لم يصح طوافها؛ لأن ذلك
стр. 162
منها عورة يشترط سترها في الطواف كما يشترط في الصلاة (١).
روى النسائي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عُرْيانة تقول:
اليوم يبدو بعضُه أو كلُّه ... وما بدا منه فلا أُحلُّهُ
قال: فنزلت: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] (٢).
لذلك قال الإمام النووي بعد أن ساق هذا المعنى: "وإذا طافت هكذا ورجعت فقد رجعت بغير حج صحيح ولا عمرة" (٣).
وعن وجوب الطهارة من الحدث الأصغر (٤) خاصة يستدل بالحديث الذي استشهدت به في الفقرتين الرابعة والسابعة من أنّ أول شيء بدأ به النبي ﷺ
ـ حين قدم مكة ـ أنه توضأ، ثم طاف بالبيت، لهذا قال جمهور العلماء إن الوضوء شرط لصحة الطواف، خلافا للحنفية الذين اكتفوا بوجوب ذلك فقط وهو ما يعني جواز الطواف من غير وضوء لكن تجب عليه الإعادة أو الفدية عندهم (٥).
стр. 163
أما عن وجوب الطهارة من الحدث الأكبر فقد استدل عليه الفقهاء بما رواه الإمامان الجليلان البخاريُّ ومسلم في صحيحيهما عن السيدة عائشة ﵂ قالت: "خرجنا مع النبيّ ﷺ ، ولا نرى إلّا الحج، حتى إذا كنا بسَرِف (١) أو قريباً منها حِضْتُ، فدخل عليَّ النبيُّ ﷺ وأنا أبكي، فقال: أنَفِسْتِ؟ .. يعني الحيضة قالت: "قلتُ: نعم. قال: إنّ هذا شيء كتبه الله على بنات آدم فاقضي مايقضي الحاجّ غير أن لا تطوفي
стр. 164
بالبيت حتى تغتسلي. قالت: وضحّى رسولُ الله ﷺ عن نسائه بالبقر (١) " (٢).
وفي بحث الطهارة ترد مسألة هامة وهي الشك بالطهارة بعد الفراغ من الطواف: والجواب: لا يعيد (٣).
ثانياً: بدء الطائف بالحجر الأسود محاذياً له بجميع بدنه، بدليل قول جابر: "حتى إذا أَتينا البيت معه استلم الركن".
قال العلماء: لذلك لو بدأ بغيره لم يحسبْ له ما طافه حتى إذا ما انتهى إليه ابتدأ منه. وقالوا: لو مشى على الشاذروان الخارج عن عَرْض جدار البيت، أوْ مسّ الجدار في موازاته له، أو دخل من أحد فتحتي الحِجر المحوط بين الركنين الشاميين لم يصح طوافه في كل هذا (٤).
ثالثاً: يجب أن يجعل الحاج أثناء طوافه البيت عن يساره مارَّاً من تلقاء وجهه. دليل هذا الشرط ما رواه مسلم بن الحجاج عن جابر بن عبد الله ﵃ أنّ رسول الله ﷺ مّا قدم مكة أتى الحجَر فاستلمه، ثم مشى على يمينه، فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً" (٥).
رابعاً: كونه سبعاً يقيناً بدليل قول جابر: "فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً"، فلو شك في
стр. 165
العدد أخذ بالأقل وبنى عليه، ولو ترك من السبع خطوة أو أقلّ لم يجزئه، ولو شك في العدد أخذ باليقين كما في الصلاة (١).
ويسن له أن يأخذ بخبر من أخبره بالنقص، أما من أخبره بخبر الإتمام فليس له الأخذ بخبره وإن كثر (٢).
خامساً: كونه داخل المسجد وإن وسّع وخارج البيت والشاذروان والحِجر، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].
وإتباعاً للنبي ﷺ حيث دخل المسجد وطاف حول البيت فيه (٣).
سادساً: نية الطواف لكن بشرط أن يستقلّ أي لا يشمله نسك من طواف قدوم أو إفاضة أو وداع، أو طواف عمرة، فكل ذلك لا تجب فيه النية لكنّ الأولى أن ينوي، وخصوصاً في طواف الوداع خروجاً من خلاف من أخرجه من المناسك، فإن لم ينو صح طوافه على الأصح. أما إن لم يشمله نسك الحج والعمرة كالطواف تطوعاً لله تعالى فقد وجبت فيه نية الطواف، ولا يصح إلّا بها، ومحلها أول الطواف وتشترط مقارنتها لمحاذاته للحجر الأسود، ولا يلزم فيها تعرّضه لعدد الطوفات، حتى لو نوى سبعين شوطاً أو أكثر، انعقدت نيته عن سبع، وصحت، لكن نقل الإمام الزركشي من الشافعية، عن كتاب "الأم" للشافعي نصاً عنه اعتمده أنه لو تطوع بطوفة واحدة جاز؛ لأنه كالركعة الواحدة، ولأنه كالنفل المطلق فيصح فيه إطلاق نية النافلة ويصلي ما شاء، لكن رد الإمام ابن حجر الهيتمي ذلك نقلا عن الإمام الرافعي في أن كلام الأم خاص فيمن أراد طواف أُسبوع
стр. 166
(أي سبعة أشواط) ثم بدا له بعد طوفة واحدة ترك الطواف فله أجر ما فعله لا فيمن يتطوع ابتداء بطوفة وبأن المعروف أنه لو نوى دون سبع كان متلاعباً (١).
سابعاً: يشترط أن لا يصرف نية الطواف إلى غيره كما لو طلب غريماً أو طلبه قاصد فهرب منه بانضمامه إلى الطائفين (٢).
أمّا ما يسن فيه فأبرزه:
أن يطوف ماشياً لما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ أنَّ رسول لله ﷺ لما قدم مكة أتى الحَجَر فاستلمه ثم مشى على يمينه فرمل ثلاثاً (٣)، ومشى أربعاً (٤).
قال الإمام ابن حجر: "فالركوب بلا عذر خلاف الأولى، والزحف مكروه، ويسن أيضاً الحَفَاء، وتقصير الخطا رجاء كثرة الأجر له" (٥).
فأكثر الأحاديث على طوافه ماشياً، وأما ما ورد عن طوافه ﷺ راكباً فهي لبيان الجواز، والسبب اجتماع الناس عليه.
قال أُستاذنا الدكتور مصطفى البغا: "ولا بأس بالركوب لمن له عذر، دلّ على ذلك ما روته زينب بنت أُم سلمة ﵄ قالت: شكوتُ إلى رسول الله ﷺ أني
стр. 167
أشتكي فقال: طوفي من وراء الناس وأنتِ راكبة" (١).
ومنها: أن يطوف قرب البيت تبركاً به؛ ولأنه المقصود؛ ولأنه أيسرُ في الاستلام والتقبيل كما نصّ عليه الإمام ابن حجر عليه رحمة الله الذي استثنى من هذه السنة المرأة والخنثى حال طواف الذكور، واختار أن تطوفا في حاشية المطاف حتى لا تحدث المخالطة (٢).
ومنها: استلام الحجر الأسود وتقبيله والسجود عليه مع أول كل طوفة، فهذا مندوب إلّا للنساء فالسنة أن يقع ذلك في خلوة المطاف عن الرجال اتقاء للزحام. روى الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي عن منبوذ بن أبي سليمان عن أمه أنها كانت عند عائشة زوج النبي ﷺ أم المؤمنين ﵂ فدخلت عليها مولاة لها فقالت لها: يا أُمَّ المؤمنين طفت بالبيت سبعاً واستلمت الركن مرتين أو ثلاثا فقالت لها عائشة ﵂: "لا آجرك الله لا آجرك الله تدافعين الرجال ألا كبّرْتِ ومرَرْت" (٣).
كما قال الإمام البيهقي: ورُوِّينا عن سعيد بن أبي وقاص ﵁ أنه كان يقول لهن: إذا وجدتن فرجة من الناس فاستَلِمنَ وإلا فكبِّرنَ وامْضِيْنَ (٤).
وقال الإمام النووي: "ولا يسن للنساء استلام ولاتقببل إلّا في الليل عند خُلوّ المطاف" (٥).
والنتيجة أنّه إن كان هناك ازدحام فالبعد أوْلى اللهمّ إلّا في ابتداء الطواف أو آخره
стр. 168
فيندب للرجل عند الشافعية الاستلام ولو بالزحام كما نص عليه في كتاب "الأُم" لإمامنا الشافعي رحمه الله تعالى (١).
ومن سنن الطَّوف: استلام الرُّكن اليماني، أما الركنان الشاميّان فلا يسنّ فيهما استلام ولا تقبيل، بدليل ما ذكره سالم عن أبيه قال: "لم يكن رسول الله ﷺ يستلم من أركان البيت إلّا الركن الأسود، والذي يليه من نحو دُوْر الجُمَحيّين (٢) ".
وللركن اليماني خصائص امتاز بها: فهو أحدُ ركنين أقيما على قواعد إبراهيم، ورُفعا من قبلُ بيد الخليل وولده الذبيح ﵉.
والركن اليماني هو الذي باركته يدُ رسول الله ﷺ يوم استلمته، وهو الذي وردت في مزاياه آثار موقوفة على بعض الأصحاب الكرام من أمثال ابن عمر وابن عباس ذكرها أبو الوليد الأزرقي في تاريخ مكة، والفاكهاني في أخبار مكة، وذكر بعضها أصحاب السنن، تذهب بمجموعها إلى أن الركن اليماني يمين الله، وأنّ الباري يصافح بها خلقه يوم القيامة، وأن الركن والمقام جوهرتان من جواهر الجنة، يأتي كل واحد منهما يوم القيامة أعظم من أبي قُبَيْس، لهما عينان وشفتان يشهدان لمن وافاهما بالوفاء، إلّا أن الله تعالى رفع نورهما، وغيَّر حسنهما، ووضعهما حيث هما، كما ذكر الأزرقي عن ابن عمر أن الركن اليماني عليه ملكان يؤمِّنان على دعاء من مرّ بهما، وأن الحجر الأسود عليه ما لا يحصى من الملائكة،
стр. 169
كما نقل عن ابن عباس أنه قال (١): "والذي نفسُ ابن عباس بيده ما من امرئٍ مسلم يسأل الله شيئاً عنده إلّا أعطاه إياه (٢)
".كما جاء في سنن ابن ماجة أن الركن وُكِلَ به سبعون ملكاً، فمن قال: اللهمّ! إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، قالوا: آمين (٣). وجاء في سنن الترمذي أن مسح الركن والحجر كفارة لخطايا الماسحين هناك (٤).
لذلك اتفق أئمة المذاهب الأربعة على سنية استلام الركن اليماني في الطواف بمسحه بالكفين أو باليمين اقتداء برسول الله ﷺ ، وابتغاء تحصيل الأجر والثواب الجزيل.
стр. 170
فإذا لم يستلم الركن اليماني لزحمة، أو تركه من نفسه أشار إليه بيده عند الشافعية والحنبلية ومحمد بن الحسن من الحنفية (١).
والذي أفتى به الشافعية أنه يتخيّر بين استلام الركن اليماني باليد أو بما فيها من نحو محجن أو عود خلافاً للحجر الأسود الذي لا تخير في استلامه بين اليد أو ما فيها؛ لأنه لزيادة شرفه لا يستلمه بما في يده إلّا عند العجز عن استلامه بيده.
أما في الإشارة إلى الركن اليماني عند العجز عن استلامه، فيستوي حكمها بين الركن الأسود والركن اليماني فلا يصار إليها إلّا عند العجز عن الاستلام باليد أو بما فيها كالعصا (٢).
وهل يُقبّل الركن اليمانيَّ كما يقبّل الحجر الأسود بعد استلامه؟
الذي نص عليه علماء الشافعية وجمهورهم أن مستلم الركن اليماني لايقبله؛ لأن الذين رووا استلام النبي ﷺ للركنين الأسود واليماني صرّحوا بتقبيل الحجر الأسود بعد استلامه، ولم يعرِّجوا على تقبيل الركن اليماني بعد استلامه، ولو رأوا رسول الله ﷺ قبَّله لبلّغوا ما رأوه لأمتهم، لذلك قال الإمام النووي: "ويستحب استلامُ الحجر الأسود وتقبيله، واستلام اليماني وتقبيل اليد بعده عند محاذاتهما في كل طوفة، وهو في الأوتار آكد؛ لأنهما أفضل، فإنْ منعته زحمة من التقبيل اقتصر على الاستلام، فإنْ لم يمكنه أشار
стр. 171
إليه بيده (١)، أو بشيءٍ في يده، ثم قبَّل ما أشار به ..... (٢) ".
فالشافعية ذهبوا إلى تقبيل اليد التي بها يستلم الطائف الركن اليماني أو تقبيل ما استلم به الركن أو أشار به إليه، وقد وافقهم في تقبيل اليد مالك في قولٍ عنده، ومحمد بن الحسن الشيباني في رواية له، والدليل الذي اعتمده القائلون بتقبيل اليد بعد الاستلام، ما روي عن جملة من الصحابة والتابعين تفيد أنهم كانوا يقبلون أيديهم إذا استلموا الركن اليماني منهم جابر وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وابن عمر وسعيد ابن المسيَّب والقاسم بن عمر وسالم بن عبد الله، وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعمر بن عبد العزيز (٣).
стр. 172
أما تقبيل الركن اليماني جمعاً بين الركنين في الاستلام والتقبيل فقد صرّح في الحاشية على شرح الإيضاح بأنه غريب ضعيف (١).
لكن ما حكم من استلم أو قبَّل ما لا يسنّ استلامه أو تقبيله من أجزاء البيت؟
الإجابة نقرؤها في كلام الإمام المحقق العلّامة ابن حجر الهيتمي الذي قال: "وتقبيل واستلام غير ما ذكر من سائر أجزاء البيت مباح" (٢).
ومن السنن الأذكار الواردة في كل موضع بعينها من البيت، وذلك في كل طوفة.
ولكن قبل البدء بهذه الأوراد يستحسن لي ذكر الكيفية الصحيحة التي يندب الإتيان بها في الاستلام والطواف وفق ما أثبته الإمام النووي رحمه الله تعالى والذي يقول: "فإذا دخل المسجد فليقصد الحجر الأسود .... ".
"وكيفية الطواف أن يحاذي بجميعه جميع الحجر الأسود، فلا يصح طوافه حتى يَمُرَّ بجميع بدنه على جميع الحجر، وذلك بأن يستقبل البيت، ويقف على جانب الحجر الذي إلى جهة الركن اليماني، بحيث يصير جميع الحجر عن يمينه، ويصير مَنْكِبُه الأيمن عند طرف الحجر، ثم ينوي الطواف لله تعالى، ثم يمشي مستقبل الحجر، مارَّاً إلى جهة يمينه حتى يجاوز الحجر، إذا جاوزه التفت وجعل يساره إلى البيت، ويمينه إلى خارج،
стр. 173
ولو فعل هذا من الأول وترك استقبال الحجر جاز (١) " (٢).
إنه يستحب للمسلم إذا استلم الحجر، أو ابتدأ طوافه، أن يقول الدعاء التالي قبل مجاوزة الحجر الأسود: "بسم الله والله أكبر، اللهمّ! إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك، وإتّباعاً لسنة نبيّك محمد ﷺ " (٣).
قال الإمام النووي: "ويأتي بهذا الدعاء عند محاذاة الحجر الأسود في كل طَوْفة" (٤).
وقال الإمام الشافعي: "ويقول: الله أكبر، ولا إله إلّا الله. وإن ذكر الله تعالى وصلّى على النبيّ ﷺ فحسن" (٥).
وليس لمن استلم الحجر مصحوباً بالذكر المستحب المتقدّم أعلاه أن يتوقف هناك لا للدعاء، ولا لغيره بدليل ما أخرجه البيهقيُّ عن جابر بن عبد الله أنّ رسول الله ﷺ لما
стр. 174
قدم مكة أتى الحجر فاستلمه، ثم مضى على يمينه، فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً (١).
قال الإمام النووي وهو يتابع كيفية الطواف: "ثم يمشي هكذا تلقاء وجهه طائفاً حول البيت أجمع، فيمرُّ على الملتزم، وهو ما بين الحجر الأسود والباب، سُمّي بذلك؛ لأنّ الناس يلتزمونه عند الدعاء" (٢):
وكان ابن عباس يقول: "مابين الركن والباب يُدعى الملتزم، لايَلزم ما بينهما أحد يسأل الله شيئاً إلّا أعطاه الله إياه" (٣).
стр. 175
الملتزم
стр. 176
بعد أن يجاوز أحدنا الحجر الأسود استلاماً وتقبيلاً ودعاء مستحباً، يلتفت إلى الطواف جاعلاً البيت عن يساره ويستمر في طوافه حتى ينتهي إلى باب الكعبة وهناك يقول: "اللهمّ هذا البيت بيتك، وهذا الحرم حرمك، وهذا الأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار". ثم عند ذكر المقام يشير بعينه إلى مقام إبراهيم ﵇ ويقول: "اللهمّ إن بيتك عظيم، ووجهك كريم، وأنت أرحم الراحمين، فأعذني من النار ومن الشيطان الرجيم، وحرم لحمي ودمي على النار، وآمني من أهوال يوم القيامة، واكفني مؤنة الدنيا والآخرة (١) ".
ويتابع إمامنا النووي قوله: "ثم يَمُرُّ إلى الركن الثاني بعد الأسود، ويُسمّى الركن العراقي":
الطائف حول البيت يمضي في طوافه من باب الكعبة الذي وصله، حتى يبلغ الركن العراقي الذي ينتهي إليه ويقول هناك: "اللهمّ إني أعوذ بك من الشرك والشك والكفر والنفاق والشقاق وسوء الأخلاق وسوء المنظر في المال والأهل والولد" (٢).
стр. 177
حجر إسماعيل
стр. 178
ومجدَّداً يتابع النووي القول في كيفية الطواف: "ثم يَمُرُّ وراء الحجر
- بكسر الحاء وسكون الجيم - وهو صوب الشام والمغرب، فيمشي حوله حتى ينتهي إلى الركن الثالث، فيقال لهذا الركن، والذي قبله: الشاميّان. وربما قيل: الغربيان":
حِجر إسماعيل يصل بين الركنين: العراقي والشاميّ، وعلى من يطوف أن يمر خارج دائرته؛ لأنه جزء من الكعبة المشرفة، فإذا ما بلغ الإنسان في دورانه حول محيطه إلى منتصف المسافة أدرك عن يساره في أعلى البيت ميزاب الرحمة، وعندها يستحب له أن يدعو بهذا الدعاء: "اللهمّ! أظلّنا تحت ظل عرشك يوم لا ظلّ إلّا ظلّك، اللهمّ! اسقني بكأس محمد ﷺ شربة لا أظمأ بعدها أبداً" (١).
ويقول أيضاً: "اللهمّ إني أسألك الراحة عند الموت والعفو عند الحساب" (٢).
وحجر إسماعيل يسمى الحطيم؛ لأن جزءاً منه قد تم تحطيمه من الكعبة يوم أعيد بناؤها وقصّر عنهم المال الحلال، فأضيف جانب من الكعبة إلى حجر إسماعيل بمقدار ستة أذرع (٣).
ومن أبرز سنن الطواف:
تلك الحالة الإيمانية التي ينبغي أن يتحلّى بها الحجاج والعمّار وهم يطوفون حول البيت العتيق، مظهرين التواضع والتذلل والخضوع لله ربّ العلمين عند العتبات المقدسة للمسجد الحرام، وفوق الأرض المباركة التي سلكها طائفاً أنبياء ورسل ورجال صالحون من قبل، اصطبغوا بجلباب العبودية اللائق بحال المخلوق الفقير إلى رحمة الله وعفوه.
стр. 179
هذا الأدب ساقه لنا جابرُ في الرواية الأخرى التي أخرجها البيهقيُّ وابن كثير، في وصف طواف رسول الله ﷺ ، قال:
"فبدأ بالحجر فاستلمه، وفاضت عيناه بالبكاء، ثم رمل ثلاثاً، ومشى أربعاً، حتى فرغ، فلمّا فرغ قبَّل الحجر، ووضع يده عليه، ومسح بهما وجهه" (١).
وفي رواية أُخرى قال جابر:
"دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى، فأَتى النبيُّ ﷺ باب المسجد، فأناخ راحلته، ثم دخل المسجد، فبدأ بالحجر الأسود فاستلمه، وفاضت عيناه بالبكاء ... " (٢).
وعن ابن عمر ﵄ قال: استقبل النبيُّ ﷺ الحجر، ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلاً، ثم التفت فإذا هو بعمر بن الخطاب يبكي، فقال:
"يا عمر: ها هنا تُسْكَبُ العبرات" (٣).
ومن هذه الروايات مجتمعة يتبيّن لنا أنّه لا معنى من الطواف، ولاجدوى من الرّمل والمشي وتقبيل الحجر إن لم يستشعر العبد أثناء ذلك عظمة الله في قلبه، وإن لم تذرف عيناه بالدموع إشارة إلى الخشية التي عمَّت القلب، وإن لم يلهج لسانه بصدقٍ شكراً لله أن أوصله
стр. 180
بيته، وأدخله إليه، وهاهو يمشي على الخطى التي سار عليها من قبل نبيُّه وحبيبه وخاتم أنبيائه محمد ﷺ ، ويتعرَّض مع سائر ضيوف الله في بيت الله لما يقسمه ربنا على أهل الحرم من عطاء الرحمة والمغفرة والتجليات الإلهية.
إنه ما لم يخشع القلب والجوارح، فإنّ العبادة ستولد ميتة، وستبقى حبيسة الحركات الرياضية التي لا سلطان لها على هذا الإنسان تأثيراً وتغييراً، وسيكون ذلك مجرد طقوس لا تسمن ولا تغني من جوع؛ لأن تمام الاقتداء لا يفي بغرضه الشكل والرسم، والقلب شارد غافل، لذلك فإن العبارة التي يكثر تردادها على الألسن: "ها هنا تُسْكَبُ العبرات، وتذهب الحسرات وتجاب الدعوات، وتقال العثرات، بإذن ربّ الأرض والسموات".
فأول ما ينبغي على الطائف فعله هو أن يتوجّه إلى ربه بقلب حاضر، وأحاسيس حرّى تستشعر جلال الموقف، فيسارع اللسان إلى ترجمتها أدعية ومناجاة وسؤالاً للمولى من مجامع الخير الدنيوية منها والأُخروية، في لوحة يرسم الرجاء فيها العبد الذي يستحضر الذنب والخشوع، ويرسم العطاء فيها الخالقُ الكريم الذي يبسط يده للمسيء الشارد مهما طالت سنوات البعد عن الله، لينعم الضيوف جميعهم بالأمن والمغفرة والاستجابة والسلام، لذلك لاغرو أن تجد على باب الكعبة آيات تذكّر الحاج والمعتمر برفعة هذه المعاني التي تحمَّل من أجلها المشاق، من نحو قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢] ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣].