بعد أن يجاوز أحدنا الحجر الأسود استلاماً وتقبيلاً ودعاء مستحباً، يلتفت إلى الطواف جاعلاً البيت عن يساره ويستمر في طوافه حتى ينتهي إلى باب الكعبة وهناك يقول: "اللهمّ هذا البيت بيتك، وهذا الحرم حرمك، وهذا الأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار". ثم عند ذكر المقام يشير بعينه إلى مقام إبراهيم ﵇ ويقول: "اللهمّ إن بيتك عظيم، ووجهك كريم، وأنت أرحم الراحمين، فأعذني من النار ومن الشيطان الرجيم، وحرم لحمي ودمي على النار، وآمني من أهوال يوم القيامة، واكفني مؤنة الدنيا والآخرة (١) ".
ويتابع إمامنا النووي قوله: "ثم يَمُرُّ إلى الركن الثاني بعد الأسود، ويُسمّى الركن العراقي":
الطائف حول البيت يمضي في طوافه من باب الكعبة الذي وصله، حتى يبلغ الركن العراقي الذي ينتهي إليه ويقول هناك: "اللهمّ إني أعوذ بك من الشرك والشك والكفر والنفاق والشقاق وسوء الأخلاق وسوء المنظر في المال والأهل والولد" (٢).
стр. 177
حجر إسماعيل
стр. 178
ومجدَّداً يتابع النووي القول في كيفية الطواف: "ثم يَمُرُّ وراء الحجر
- بكسر الحاء وسكون الجيم - وهو صوب الشام والمغرب، فيمشي حوله حتى ينتهي إلى الركن الثالث، فيقال لهذا الركن، والذي قبله: الشاميّان. وربما قيل: الغربيان":
حِجر إسماعيل يصل بين الركنين: العراقي والشاميّ، وعلى من يطوف أن يمر خارج دائرته؛ لأنه جزء من الكعبة المشرفة، فإذا ما بلغ الإنسان في دورانه حول محيطه إلى منتصف المسافة أدرك عن يساره في أعلى البيت ميزاب الرحمة، وعندها يستحب له أن يدعو بهذا الدعاء: "اللهمّ! أظلّنا تحت ظل عرشك يوم لا ظلّ إلّا ظلّك، اللهمّ! اسقني بكأس محمد ﷺ شربة لا أظمأ بعدها أبداً" (١).
ويقول أيضاً: "اللهمّ إني أسألك الراحة عند الموت والعفو عند الحساب" (٢).
وحجر إسماعيل يسمى الحطيم؛ لأن جزءاً منه قد تم تحطيمه من الكعبة يوم أعيد بناؤها وقصّر عنهم المال الحلال، فأضيف جانب من الكعبة إلى حجر إسماعيل بمقدار ستة أذرع (٣).
ومن أبرز سنن الطواف:
تلك الحالة الإيمانية التي ينبغي أن يتحلّى بها الحجاج والعمّار وهم يطوفون حول البيت العتيق، مظهرين التواضع والتذلل والخضوع لله ربّ العلمين عند العتبات المقدسة للمسجد الحرام، وفوق الأرض المباركة التي سلكها طائفاً أنبياء ورسل ورجال صالحون من قبل، اصطبغوا بجلباب العبودية اللائق بحال المخلوق الفقير إلى رحمة الله وعفوه.
стр. 179
هذا الأدب ساقه لنا جابرُ في الرواية الأخرى التي أخرجها البيهقيُّ وابن كثير، في وصف طواف رسول الله ﷺ ، قال:
"فبدأ بالحجر فاستلمه، وفاضت عيناه بالبكاء، ثم رمل ثلاثاً، ومشى أربعاً، حتى فرغ، فلمّا فرغ قبَّل الحجر، ووضع يده عليه، ومسح بهما وجهه" (١).
وفي رواية أُخرى قال جابر:
"دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى، فأَتى النبيُّ ﷺ باب المسجد، فأناخ راحلته، ثم دخل المسجد، فبدأ بالحجر الأسود فاستلمه، وفاضت عيناه بالبكاء ... " (٢).
وعن ابن عمر ﵄ قال: استقبل النبيُّ ﷺ الحجر، ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلاً، ثم التفت فإذا هو بعمر بن الخطاب يبكي، فقال:
"يا عمر: ها هنا تُسْكَبُ العبرات" (٣).
ومن هذه الروايات مجتمعة يتبيّن لنا أنّه لا معنى من الطواف، ولاجدوى من الرّمل والمشي وتقبيل الحجر إن لم يستشعر العبد أثناء ذلك عظمة الله في قلبه، وإن لم تذرف عيناه بالدموع إشارة إلى الخشية التي عمَّت القلب، وإن لم يلهج لسانه بصدقٍ شكراً لله أن أوصله
стр. 180
بيته، وأدخله إليه، وهاهو يمشي على الخطى التي سار عليها من قبل نبيُّه وحبيبه وخاتم أنبيائه محمد ﷺ ، ويتعرَّض مع سائر ضيوف الله في بيت الله لما يقسمه ربنا على أهل الحرم من عطاء الرحمة والمغفرة والتجليات الإلهية.
إنه ما لم يخشع القلب والجوارح، فإنّ العبادة ستولد ميتة، وستبقى حبيسة الحركات الرياضية التي لا سلطان لها على هذا الإنسان تأثيراً وتغييراً، وسيكون ذلك مجرد طقوس لا تسمن ولا تغني من جوع؛ لأن تمام الاقتداء لا يفي بغرضه الشكل والرسم، والقلب شارد غافل، لذلك فإن العبارة التي يكثر تردادها على الألسن: "ها هنا تُسْكَبُ العبرات، وتذهب الحسرات وتجاب الدعوات، وتقال العثرات، بإذن ربّ الأرض والسموات".
فأول ما ينبغي على الطائف فعله هو أن يتوجّه إلى ربه بقلب حاضر، وأحاسيس حرّى تستشعر جلال الموقف، فيسارع اللسان إلى ترجمتها أدعية ومناجاة وسؤالاً للمولى من مجامع الخير الدنيوية منها والأُخروية، في لوحة يرسم الرجاء فيها العبد الذي يستحضر الذنب والخشوع، ويرسم العطاء فيها الخالقُ الكريم الذي يبسط يده للمسيء الشارد مهما طالت سنوات البعد عن الله، لينعم الضيوف جميعهم بالأمن والمغفرة والاستجابة والسلام، لذلك لاغرو أن تجد على باب الكعبة آيات تذكّر الحاج والمعتمر برفعة هذه المعاني التي تحمَّل من أجلها المشاق، من نحو قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢] ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣].
стр. 181
فهذا مكان عظيم لا يسأل فيه غير الله، ولا يلتفتُ في أرجائة لغير الله، لذلك يروى أنّ هشام بن عبد الملك دخل الكعبة فلم يدْعُ معه غير منصور الحجي، فقال له هناك: سلْ حاجتك، فقال له منصور: ما كنت لأسأل غير الله في بيته، فلم يسألهُ شيئاً. كما رُوي عن سفيان بن عُيَيْنه قوله: سمعتُ أعرابياً متعلقاً بأستار الكعبة وهو يقول: السائل ببابك انقضت أيّامه، وبقيت آثامه، وانقضتْ شهواته وبقيت تبعاته، لكلِّ ضيف قِرى، فاجعلْ قِرايَ الجنة".
أما أن ينغمس الطائف حول البيت بمظاهر الغفلة عن الله، والتشاغل بأسباب الدنيا، فهذا لا يليق بالعبد التائب، ولا يصح ممّن صدق في توجهه إلى ملاذ الأمة الآمن، فأُنادي في هؤلاء الغافلين بقايا تعظيمٍ لله في رحاب بيته المحرَّم:
يا مَن يطوفُ ببيت الله بالجسد ... والجسم في بلد والروح في بلد
ماذا فعلت؟ وماذا أنت فاعله؟ ... مهرِّج في اللقا للواحد الأحد
إنّ الطواف بلا قلبٍ ولا بصرٍ ... على الحقيقة لا يشفي من الكمد
ومن سنن الطواف التي ترتبط بهيئة الخشوع هذه، تركُ الأكل والشرب، ويلحق بهما شدة توقانه إلى الأكل، فيكره تلبّسه بما ذكرت.
أمّا الكلام فهو خلاف الأولى مالم يكن بخير.
ومن ذلك تركُ وضع اليد على فيه بلا حاجة، وكذا تفريق الأصابع، وفرقعتها.
فإذا بلغ الركن الشامي قال: "اللهمّ اجعله حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً، وتجارة لن تبور، يا عزيز يا غفور، ربّ اغفر لي وارحم وتجاوز عما تعلم، إنّك
стр. 182
أنت الأعز الأكرم" (١).
ويمضي النووي في القول: "ثم يدور حول الكعبة حتى ينتهي إلى الركن الرابع المسمى بالركن اليماني":
إذا بلغ الطائف الركن اليماني قال: "اللهمّ إني أعوذ بك من الكفر، وأعوذ بك من عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من الخزي في الدنيا والآخرة" (٢).
كما يقول عنده: "اللهمّ إني أعوذ بك من الكفر والفاقة ومواقف الخزي في الدنيا والآخرة" (٣).
فإذا تجاوز الطائف الركن اليماني قال: "اللهمّ! ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار".
فإذا بلغ الحجر الأسود من جديد قال: "اللهمّ! اغفر لي برحمتك. أعوذ بربّ هذا الحجر من الفقر وضيق الصدر، وعذاب القبر" (٤).
ثم يستلم الحجر إيذاناً بطوفة أخرى، يدعو فيها بما سبق، ويكرره في كل شوط حتى يتم سبعة أشواط. هذه هي الأدعية التي استحبها العلماء، والتي تناقلتها الأجيال جيلاً عن جيل نقلاً عن رجال السلف الصالح.
стр. 183
لكن لباحث أن يسأل: هل في الميزان العلمي أدعية لكل ركن، تمتد إلى الباب والمقام والميزاب على النحو الذي رتبه ودوّنه الخطباء والوعاظ ومصنفو الكتيِّبات في موضوع الحج؟ الإجابة النزيهة على ضوء علم الحديث الشريف، وعلم البحث والنظر هي التي نجد فيها ضالّتنا، والحق أنني في بدايات ترحالي إلى الأرض المقدّسة مكة، كانت كل الكتب المؤلفة في أحكام فريضة الحج تثبت هذه الأذكار كما أثبتها لك، وربما نسبتها إلى كتب أخرى لمن تقدم من العلماء كما فعلتُ حين نقلت لك جلّها عن "إحياء علوم الدين لحجة الإسلام الغزالي، دون أن ينسب شيئاً منها إلى كتب السنن، لذلك آثرت أن أمخر عباب هذه الجزئية كشفاً عن ملابساتها، وتقديماً لكل ما هو مفيد في دائرة البحث في فقه الركن الخامس، ثم لدى تتبعي لما استحبه العلماء في دعاء كل جانب من البيت مثبت في كتبهم تبيَّن لي أن الصحيح منها لا يخرج عن أذكار ثلاثة:
الأول: التكبير عند استلام الحجر، فهذا أثبته البخاريُّ في صحيحه (١).
أما قولك: "بسم الله، والله أكبر"، فقد ذكره البيهقي في "السنن الكبرى (٢) ".
الثاني: صحيح أيضاً، فقد رواه عبد الله بن السائب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ما بين الركنين: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" (٣).
стр. 184
الثالث: ما رواه الحاكم في المستدرك بسند صحيح أن رسول الله ﷺ كان يقول فيما بين الركنين: "اللهمّ قَنّعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف عليَّ كلَّ غائبة لي منك بخير" (١).
فالحديث الصحيح الذي أخذ به العلماء قاطبة هو ذاك الذي يقال بين الركنين: ﴿رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةُ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ لا سيما وأنه ورد في الصحيحين من حديث أنس ﵁ قال: "كان دعاء النبي ﷺ : "اللهمّ! ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" (٢)، وفي زيادة عند مسلم: "وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها فيه" (٣). لذلك قال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- "هذا أحبّ ما يقال في الطواف (٤) "، كما قال: "وأُحبُّ أن يقال في كلّه (٥) " (٦). قال الإمام النووي: "قال أصحابنا: وهو فيما بين الركن اليماني والأسود آكد ويدعو فيما بين طوفاته بما أحب من دين ودنيا لنفسه، ولمن أحب، وللمسلمين عامة" (٧). كما قال الشافعي ﵀: "وأُحب أن يقول في رمله: (٨) "اللهمّ! اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً".
وقال أيضاً: ويقول في الأربعة الأخيرة: "اللهمّ! اغفر وارحم، واعف عما
стр. 185
تعلم، وأنت الأعزُّ الأكرم، اللهمّ! ربَّنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار (١) ". لكن الذي يتتبع الدعاء لا يجد فيه سنداً من حديث أو أثر، ويجد أن العلماء تبعوا الشافعي في هذا الدعاء وروَوْه عنه على أنه خبر من الأخبار الواردة، والصحيح ما ذكرت، والله تعالى أعلم.
أما دعاء استلام الحجر الأسود: "اللهمّ! إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ... " فقد أخرجه الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي في سننه الكبرى في روايته عن عليٍّ كرم الله وجهه لكن بسند ضعيف (٢). إلّا أنه من الضعيف الذي يُعمل به في فضائل الأعمال؛ لأنه لم يشتد ضعفه؛ ولأنه من الدعاء الذي يرسخ في قلوب الطائفين عقيدة الإيمان، وبواعث الاتّباع، ودواعي الاقتداء بسنة خير البشر ﷺ فهو على هذا يندرج تحت الأصول الشرعية الثابتة، ناهيك عن أن الدعاء في الطواف حول البيت هو أصل ثانٍ من أصول هذه العبادة، لذلك استحبه الإمام النووي شيخ دار الحديث في دمشق، واستحبه معه سائر العلماء.
والخلاصة أنه يسن أن يكثر الطائفون في المسجد الحرام من الدعاء الوارد:
﴿رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةُ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، وأنه يستحب في بدء الطواف بصيغة "بسم الله، والله أكبر" وصيغة: "اللهمّ! إيماناً بك ... " لاستحباب كافة الفقهاء لها، وأنه يسن له أن يدعو بين الركنين إلى جانب ما ذكرته لك، بما أخرجه
стр. 186
الحاكم بإسناد صحيح: "اللهمّ! قنِّعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلفْ عليّ كل غائبة لي منك بخير".
وما بين الأركان والأجزاء المختلفة من البيت يدعو بما شاء من خيري الآخرة والدنيا، لنفسه، ولأمته التي قدم إلى الحج على أنه أحد المندوبين عنها في مؤتمرها العالمي العظيم، أو يملأ وقت الطواف بتلاوة آيات من كتاب الذكر الحكيم، وهو ما رجحه إمامنا الشافعيّ؛ لأنّ الطواف صلاة، وكلاهما موضع للذكر، وأفضل الذكر على الإطلاق كلام الله ؛ ولأن الدعاء المتفق على تفضيله بين كافة الفقهاء: "ربنا آتنا ... " هو نصٌّ لآية من كتاب الله ، أي هي قرآنٌ يتلى، لذلك قال الإمام النووي: "ومذهب الشافعي رحمه الله تعالى أنه يستحب قراءة القرآن في طوافه؛ لأنه موضع ذكر، والقرآن أعظم الذكر، قال أصحابنا: وقراءة القرآن في الطواف أفضل من الدعاء غير المأثور، وأما المأثور فهو أفضل منهما على الصحيح (١) ". ثم قال: "قال الشيخ أبو محمد الجويني: ويحرص على أن يختم في أيام الموسم في طوافه ختمة" (٢).
أما ما وراء ذلك من الأدعية التي سردتها عليك، ونقلتها لك عن كتاب "إحياء علوم الدين" لحجة الإسلام الغزالي، والتي امتلأت بها معظم الكتب المدونة في مناسك الحج فإنه لم يصحّ منها شيء وإنْ استحبها الكثير من الفقهاء، لذلك لم يوردها الإمام
стр. 187
النووي في شرح الإيضاح في مناسك الحج كما حذفها كذلك من كتاب الروضة واختار تلاوة القرآن الكريم في الطواف ونقل عن الشافعي استحبابه وعن الأصحاب أن القرآن في الطواف أفضل من الدعاء غير المأثور، ولا أقول لا يدعو بهن فإن الحديث الذي أصابته علة الضعف بإرسال أو انقطاع أو ما شابه من علامات التمريض للرواية فإنه يُعمل به في فضائل الأعمال باتفاق لا سيما وأنه موقوف على صحابة كرام دون أن يعارض نصاً ثابتاً في كتاب أو سنة (١). أما الأدعية التي وراء ما ذكرت من الأحاديث الصحيحة أو السقيمة فلا وجه لاختيارها أو استحسانها تحت أي مسمى من المسميات؛ لأنه لم يرد فيها شيء ولو كان ضعيفا؛ ولأنه لم تثبت أدعية خاصة بكل شوط والقول بهذا الدّعاء ابتداع لما فيه من النسبة لدين الله وأحكامه ما ليس منه.
لكن هل هذا الابتداع يعني تحريم قراءتها؟ بالطبع لافهي أدعية كسائر ما نناجي به الباري في الطواف وغيره وهي جميعها تأوي إلى المظلة التي بسطها إمامنا النووي بقوله: "ويدعو فيما بين طوافه بما أحب من دين أو دنيا" إلّا أنني أنبه هنا إلى ضرورة أن لا يخص دعاء الشوط الأول بالشوط الأول ودعاء الثاني بالشوط الثاني وهكذا مع اعتقاد الخصوصية والأفضلية فهذا يدخل في الطريقة المخترعة في الدين التي تضاهي الشريعة وهي عين البدعة في تعريف الإمام الشاطبي لها والله تعالى أعلم.
قال فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله:
"الشيء الصحيح الذي ورد في أدعية الطواف هو أن النبي ﷺ كان يقول بين
стр. 188
الركنين الركن اليماني والحجر الأسود ﴿رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةُ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١] وورد عن الإمام الشافعي أنه كان يقول اللهمّ اجعله حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وذنباً مغفوراً وهذا ورد عن بعض الصحابة أو نحو ذلك.
أما هذه الأدعية التي يرددها الناس فبعضها أدعية مأثورة في غير الحج كما إذا قال قائل: اللهمّ اقسم لي من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، أو اللهمّ أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي.
هناك أدعية كثيرة وردت في القرآن (١) وفي السنة هي موضوع الدعاء في هذا المكان أو في غيره لكن ليس هناك دعاء اسمه دعاء الشوط الأول ولا دعاء الشوط الثاني إذْ لم يردْ شيء من هذا" (٢).
ومن السنن الموالاة بين الطوفات السبع خروجاً من خلاف من أوجبها فالتفريق بلا عذر مكروه، وبعذر لا كراهة فيه، ومن الأعذار إقامة صلاة الجماعة وليس منها السعي وراء جنازة أو أداء سنة راتبة (٣).
ومن الفوائد التي تلحق بهذا ما قرأته للإمام الغزالي في بحث الطواف وفيه يقول حجة الإسلام: "إذا تم الطواف سبعاً فليأت الملتزم وهو بين الحجر والباب وهو موضع استجابة الدعوة وليلتصق بالبيت وليتعلق بالأستار وليلصق بطنه بالبيت
стр. 189
وليضع عليه خده الأيمن وليبسط عليه ذراعيه وكفيه وليقل: "اللهمّ! يا ربّ البيت العتيق أعتق رقبتي من النار وأعذني من الشيطان الرجيم وأعذني من كل سوء وقنعني بما رزقتني وبارك لي فيما آتيتني. اللهمّ إن هذا البيت بيتك والعبد عبدك وهذا مقام العائذ بك من النار. اللهمّ اجعلني من أكرم وفدك عليك، ثم ليحمد الله كثيراً في هذا الموضع وليصلّ على رسوله ﷺ وعلى جميع الرسل كثيراً وليدْعُ بحوائجه الخاصة وليستغفر من ذنوبه" (١).
وقد بحثت عن سند هذه الهيئة والدعاء، فأما الدعاء فيبدو لي أنه كمعظم أدعية الطواف لم يصح فيه شيء، وأما الهيئة فقد وجدت ضالتي في السنن الكبرى للبيهقي حيث أورد سلسلة من الأحاديث ترجمة لعنوان باب الملتزم من أصرحها ما رواه عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال طفت مع عبد الله فلما جئنا دبر الكعبة قلت له: ألا تتعوذ قال: "أعوذ بالله من النار ثم مضى حتى استلم الحجر قام بين الركن والباب فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه وبسطهما بسطاً ثم قال هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله" (٢).
فالإمام الغزالي ذكر لنا في ختام ما نقله إلينا أنه استقى ذلك من فعل السلف الصالح وإليك نص حديثه "كان بعض السلف في هذا الموضع يقول لمواليه تنحوا عني حتى أقر لربي بذنوبي".
* * *
стр. 190
مقام إبراهيم
стр. 191
مقام إبراهيم
قال الإمام مسلم: قال جابر: "ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇ فقرأ
﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فجعل المقام بينه وبين البيت":
مقام إبراهيم هو المقصورة التي يعرفها الناس عند الكعبة المشرفة في مواجهة الجدار الواصل بين ركن الحجر الأسود والحطيم (١) (حجر إسماعيل)، حيث ينتصب فيه شامخاً باب الكعبة وحيث يبتعد المقام عن الحجر الأسود أربعة عشر متراً وعن الشاذروان ثلاثة عشر متراً وربع المتر وعن بئر زمزم اثني عشر متراً وخمسة سنتيمترات (٢).
ومقام إبراهيم هو الذي يصلي إليه المسلمون عقب انتهائهم من الطواف ويقف عنده أئمة المسجد الحرام غالباً، وفي مقصورته حفظ حجر المقام الذي قام عليه إبراهيم لبناء البيت.
هذا التعريف في حد المقام هو القول الصحيح الذي ذهب إليه جمهور العلماء والمفسرين ومن ذلك قول الإمام الرازي في الدليل الخامس على ما سقته لك آنفاً: "أنه تعالى قال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وليس للصلاة تعلق بالحرم ولا بسائر المواضع إلّا بهذا الموضع فوجب أن يكون مقام إبراهيم هو هذا الموضع" (٣).
стр. 192
ومما يؤيد ذلك ما رواه الإمام محمد بن إسماعيل البخاري عن أنس قال: قال عمر: "وافقت ربي في ثلاث فقلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وآية الحجاب قلت: "يارسول الله لو أمرت نساءك أن يحتجبن فإنه يكلمهنّ البرّ والفاجر، فنزلت آية الحجاب" (١). واجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة عليه فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ فنزلت هذه الآية [التحريم: ٥] (٢).
ودليل آخر هو ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر أعلاه ثم نفذ إلى مقام إبراهيم، فهذا يثبت أن مقام إبراهيم هو شيء ثابت معهود صلّى إليه
النّبيّ ﷺ بعد الطواف وصلّى إليه المسلمون كذلك منذ عهد الصحابة والتابعين ومن بعدهم لحظة بلحظة دونما تخلف أو إبطاء فكان إجماعاً من جماهير الأمة بالتواتر من جموع يستحيل عقلاً تواطؤهم على خلاف الحقيقة. كل هذا يضعف الأقوال الأخرى التي ذهبت إلى أن المقام هو عموم الحرم أو خصوص عرفة أو مزدلفة أو الجمار أو هو الحج كله! ولو كان هذا صحيحا فكيف يستقيم أنه صلّى إليه وجعله بينه وبين البيت ورسول الله ﷺ إنما صلّى ركعتي الطواف داخل المسجد الحرام ولم يخرج منه وسياق حديث جابر يؤيده وهي الملاحظة التي تردّ قولاً آخر ذا صلة بموضوعنا يذهب إلى أن المقام كان ملتصقاً بالبيت وليس هذا صحيحاً؛ لأنه لو كان ذلك كذلك لما قال جابر
стр. 193
فجعل المقام بينه وبين البيت، فالملتصق بالبيت هو بالبداهة بين الناس وبين البيت ولا يقال هذا إلّا في حال إمكانية الصلاة إلى البيت والمقام خلف المصلي لكن النّبيّ ﷺ توجه إلى كل من البيت والمقام على امتداد واحد وبهذا صار المقام بينه ﷺ وبين البيت.
ومن الأدلة على هذا ما أتى على ذكره الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ بقوله: "روى الأزرقي في أخبار مكة بأسانيد صحيحة أن المقام كان في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر في الوضع الذي هو فيه الآن حتى جاء سيل في خلافة عمر فاحتمله حتى وجد بأسفل مكة فأُتِيَ به فربط إلى أستار الكعبة حتى قدم عمر فاستثبت في أمره حتى تحققَ موضعَهُ الأول فأعاده إليه وبنى حوله فاستقرّ ثَمَّ إلى الآن" (١).
كما ذهب الإمام المحقق ابن حجر الهيتمي إلى أنّ موضع المقام الآن هو موضعه في الجاهلية وفي عهده ﷺ وفي عهد أبي بكر وعمر ثم جاء سَيْل أم نهشل فجرفه ثم أعاده عمر إلى مكانه في محضر من الناس وذكر أن الأزرقي في تاريخ مكة نقل هذا عن جمع من السلف (٢).
وأرى أنه من الأدلة ما صرح به الحسن البصري وغيره من تفسير المصلى بالمعنى الشرعي وهو القبلة وترك المعنى اللغوي (الحقيقي) وهو المكان؛ لأن مقام إبراهيم يصلى عنده وإليه لا فيه ولذلك جعله رسول الله ﷺ بينه وبين البيت ولو كان يصلى فيه كمزدلفة وعرفة لقام فيه متوجهاً إلى الكعبة.
على أي حال فإن اتخاذ مقام إبراهيم مصلى (قبلة) هو على سبيل الندب لا الوجوب بدليل أن النبي ﷺ صلى في الكعبة دون أن يستقبل المقام ولو كان استقباله
стр. 194
فرضاً لبطلت الصلاة في البيت إلى غير جهة المقام وهذا ما يفسر لنا استدلال الإمام البخاري بالحديث في كتاب الصلاة وليس في كتاب الحج إظهاراً منه لهذا المعنى المختص باستقبال القبلة (١) وهو ما نوّه إليه الإمام ابن حجر العسقلاني في شرحه على صحيح البخاري (٢).
مقام إبراهيم في الأصل هو الحجر المكرم الذي قام عليه نبي الله إبراهيم ﵇ حين شق عليه رفع الحجارة بعد أن ارتفع بناء البيت فوق ما تصل إليه يداه وهو ما أورده الإمام البخاري في صحيحه في حديث طويل جاء فيه "فعند ذلك رفعا القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] قال: فجعلا يبنيان وهما يدوران حول البيت وهما يقولان ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ " (٣).
فالحديث يصرح بأن الخليل قام على حَجَرِ المقام للبناء لكنه لا يشير إلى أن الحجر تطاول بإبراهيم في السماء كلما أراد أن يعلو بارتفاع البيت أكثر وهي الرواية التي اشتهرت عند مؤرخي مكة الذين ذهبوا إلى أن الحجر الكريم كان يصعد بإبراهيم عند البناء كلما احتاج الخليل إلى ذلك، وأنه كان ينزل به لأجل أن يتناول الحجارة من إسماعيل ثم يعاود الصعود به من جديد (٤).
стр. 195
هذه الرواية لم تثبت لي في ميزان خبر صحيح يطمئن القلب إليه رغم ورود أثر بذلك عن جابر وقتادة إلّا أنها روايات لا تقوم بها الحجة؛ لأن أشباه هذه الغيبيات لا سبيل لاعتمادها إلّا من جهة الحديث الصحيح المتصل بسنده إلى رسول الله ﷺ من غير شذوذ فيه ولا علة يرفعه إلى جبريل ﵇ يرفعه إلى رب العزة والملكوت رب العالمين المطلع على السر وأخفى.
ولدى البحث الدقيق يتبين لنا أن السند المقبول هنا مفقود وأن الروايات التي تدور حولها القضية لا تعدو كونها أخباراً يتناقلها الكّتاب بعضهم عن بعض دون عزو منهم إلى مصدر يقطع الشك باليقين لكنني أُنوه هنا إلى أنني لاأنفي احتمال الوقوع من جانب البحث العلمي الحر؛ لأن الله على كل شيء قدير وإذا كان البنّاؤون اليوم قادرين على تركيب مصاعد ترتفع بحجارتهم إلى علو وتنزل بالبنّائين إلى أسفل فإن قدرة الله هي من باب أولى تطال ذلك من حجر الأرض أو من غير حجارة فهذا مما لا نقاش حوله البتة والسؤال الذي نجيب عنه هنا: هل ثبت في ميزان تمحيص الأخبار وتوثيقها وقوع ذلك الإعجاز لإبراهيم ﵇؟
إجابتي على الاستفسار: لم يثبت ذلك يقينا ولا ظنا والاكتفاء بما يتناقله الناس دون تثبُّت لا يفي بغرض البحث العلمي مع اعتقادي بأن خليل الرحمن وقع له من المعجزات ما هو أعظم من هذا ونحن المسلمين نؤمن بذلك إيماناً جازماً؛ لأنه مما ثبت في صريح كتاب الله .
ومما يمكنني إضافته في هذا الاتجاه ما صرح به الإمام محمد بن إسماعيل البخاري
стр. 196
من أن إبراهيم أشار لولده إلى أكمة مرتفعة عما حولها رفعا عندها القواعد من البيت (١). فمن يدري لعلهما حفرا في الأكمة حتى وصلا إلى قواعد الملائكة في البيت دون أن ينقضاها أنكاثاً حرصاً منهما على استخدامها في البناء بسبب ارتفاعها وصولاً بها إلى ما تعجز أن تطاله يد إنسان حتى إذا تجاوز البيت في بلوغ غايته ما ارتفع عن يد إبراهيم وقفا على جوانب الأكمة واحتاج حينئذ إبراهيم إلى حجر يقف عليه لإتمام البناء فاستدعاه للقيام بمراده (٢).
ومن الآثار التي وردت فيما يتعلق بالمقام ولم تثبت ما جاء عن الصحابي عبد الله بن سلام ﵁ من أن خليل الرحمن صعد على حجر المقام للأذان بالحج حين أمره الله بذلك (٣). فالأذان على الحجر وتبليغ الناس بفرضه على القادر منهم وهو واقف عليه والحجر يتطاول بإبراهيم في السماء حتى تجاوز به ذرا الجبال كل هذا لم أعثر عليه في مصدر موثق وهو ما لا يتنافى مع اليقين بأصل الأذان للحج حيث أخبر القرآن الكريم بأن إبراهيم أُمِرَ به فوفَّى بامتثال العبد الطائع لمراد مولاه، وهو الشيء الذي ورد ذكره في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُونَ رِجَالًا ... ﴾ [الحج: ٢٧].
وكما ترى فالآية لم تتعرض للغة الأذان ولا لصيغته ولا للمكان الذي أذّن فيه إبراهيم؛
стр. 197
لأنه مما لا تترتب عليه فائدة تذكر، فالقرآن الكريم ليس كتاب تاريخ أو قصص أو حكايات، وهو وإن تعرض لهذه الجوانب لكنه يأخذ منها عصارة التجربة الإنسانية التي تقدم الترياق لمصاعب الأجيال القادمة ويدبر عما سوى ذلك.
ومن الروايات التي يمكن أن نطلع عليها على سبيل الاستئناس أنه وقف على جبل الصفا، وأخرى تذكر أنه وقف على جبل أبي قُبَيْس (١)، وربما هذا وذاك أقرب للقبول؛ لأن العبرة لا تكمن في قيام إبراهيم على حجر يصعد به فوق جبال مكة يؤذن في الناس بالحج وليس ثمة سوى أفراد قليلين في مكة، وإن كنت لا أستبعد ذلك على قدرة الله تعالى ومكانة خليل الرحمن، إلّا أن العبرة في ذاك المشهد كامنة في نداء إبراهيم في البشرية حاضرها وامتداداتها إلى يوم الدين في لحظات لم يكن فيها سوى القلة القليلة من أبناء الإنسانية تلك، ولم يكن في مكة يومها ربما سوى أفراد معدودين منهم، ثم ما يلبث النداء أن يعمل عمله في الحاضرين والغائبين وتتحقق معجزة التبليغ الذي قارن النداء، وما يزال، وكأن الأذان الإبراهيمي يشير إلى مركزية الكعبة في الأرض في بثٍّ انطلق من هناك على شكل دوائر منتشرة امتدت حتى بلغت كل بقعة في الأرض، وما يزال البث مستمراً إلى اليوم دون توقف وكأن ذبذباته تدغدغ كلَّ عامٍ أفئدة المؤمنين فتأتي وفودهم فرادى وجماعات من كل فج عميق بعد أن تتحرك لواعج الحب والشوق في قلوبهم وقلوب آخرين من إخوانهم تقطعت بهم أسباب الوصول إلى مكة.
هذه هي المعجزة، وهذا هو الذي استغرقت به آية الكتاب العزيز وهو الذي ينبغي أن نقف عنده ملياً ونحن نتأمل المقام والأذان وذكرى خليل الرحمن وعبق الفريضة والمكان.
стр. 198
إن الحجر الكريم اليوم تظهر عليه آثار قدمي إبراهيم الكريمتين باديتين للعيان (١) وقد غاصتا فيه بعمق بعد أن لان الحجر الصلد لهما كما يلين الطين تحت وقع الأقدام (٢) وفي هذا رمز لتذليل الله كل شيء لعبده حين يخلص القصد لله رب العالمين.
ومن كرامات مقام إبراهيم ﵇ حفظ الله تعالى له من السرقة والتخريب رغم كل الجهود التي بذلت في سبيل ذلك خلال آلاف السنين والتي كان منها أمر جريج اليهودي الذي ضربت عنقه بعد أن ضبط حجر المقام في بيته حين فقد، وبعد أن اعترف بنيَّة إخراجه من مكة المكرمة وإيصاله إلى ملك الروم (٣).
كذلك حفظه ربنا جل شأنه من السيول التي اجتاحت بيت الله خلال زمن طويل لإقامة المقام في البيت وهو يصل إلى أربعة آلاف سنة تقريباً خاصة أنه لم يكن مغطى ومن ذلك ما حدث له في السيل الجارف المعروف بسيل أُمِّ نهشل زمن عمر بن الخطاب ﵁ حيث أُعيد إلى مكانه بعد أن وُجد في أسفل مكة عقب جفاف الماء (٤).
وفي تقديري فإن أبرز كرامة لحجر المقام يتجلى في حفظ الباري له من عبادة المشركين وهم الذين اشتهر عنهم الحرص البالغ على عبادة الجمادات من أشجار وأحجار
стр. 199
ومع ذلك فإن أحداً من أبناء العرب لم يعبد حجر المقام أو الحجر الأسود وذلك تكريماً من الخالق العظيم لحجرين كريمين أحدهما يُستلم ويُقبَّل، والآخر يُتَّخذ مقامه مصلّى أي قبلةً يتوجه إليها المسلمون لله رب العالمين، ولو أنه عُبد ولو مرة لحرّم الباري علينا التوجّه إليه؛ لأن من أركان هذا الدين إخلاص العقيدة لله رب العالمين ونبذ فكرة الاعتقاد في الجمادات من حيث النفع أو الضر أو التأثير وبالتالي الإعراض عن عقائد الجاهلين في اتخاذ الأصنام والأوثان، فالمؤثر الحقيقي هو الله صاحب الخلق والأمر ولولا ما أمرنا به من اتِّخاذ مقام إبراهيم قبلة نصلي عندها لله ربّ العزة والملكوت لما فعلنا، وعندما نفعل فإننا لا نعتقد بهذا الحجر أي قدسية توليهِ أدنى لون من ألوان التأثير؛ لأنه في اعتقادنا قبل وبعد كل شيء هو حجر لا يضر ولا ينفع وأن المسألة كلها لا تخرج عن كونه محراباً يقف فيه المصلي شعاراً للاقتداء برسول الله ﷺ ، وسعياً لانتظام الصفوف خلفه، وتعميقاً لمعنى العبودية بين يدي خالقنا الذي أمرنا بذلك ومن قال إن محاريب المساجد هي حجارة نتوجه إليها؟ ! والحق أننا نتوجّه عندها لربنا ومالك أمورنا، نتخذ منها سترة حرمة لصلاتنا أن ينتصب أو يمرّ بين أيدينا أحد ونحن نقف بين يدي مولانا العظيم ﷻ .
إن ما يردُّ عنا غثاء هذه الافتراءات الجاهلة بطبيعة الإسلام ومقاصده (١) هو البيان الوافي بالتوحيد الذي قام عليه البنيان الإسلامي كله والذي تعد مكة المكرمة ساحته الواسعة التي يحظر على غير الموحدين دخولها، والذي يعد الحج إلى بيت الله الحرام
стр. 200
مدرسته النموذجية، فالتلبية التي يرددها الحاج عندما يحرم هي شعار التوحيد، واختيار سورتي ركعتي الطواف ترسيخ لهذا الشعار وتوثيق لعرى التوحيد، ثم الدعاء على الصفا والمروة تجسيد لمعناه، ثم دعاء النبي ﷺ يوم عرفة لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ... هو خطوة تربوية في هذا الطريق. أما تحرير نية الحاج خالصة لله تعالى، والتأكيد على إخراج مفسدات الأعمال من العبادة من طلب رياء أو سمعة أو مباهاة مما يدخل في عداد الشرك الخفي - سواء في الركن الخامس خاصة أو في سائر أركان وعبادات الإسلام - فهذا مما يدفع أي شبهة قد يقذفها محترفو الغزو الفكري في وجه حصون ديننا المنيعة.
إن هؤلاء الذين تتطلع أحلامهم الآثمة إلى هدم هذا المحور الجامع - الذي بناه الله قبل أن يُبنى فوق الأرض بيت - تُعمى أبصارهم عن رؤية الكعبة وحجارتها تخفق حباً وجلالاً في قلوب المؤمنين، فيحملهم الحقد إلى تسويغ ذلك على أنه لون من الوثنية، في الوقت الذي لا ينظرون فيه إلى قماش العلم الخاص بكل دولة المرفرف في قلوب مواطنيها وفوق هامات المنازل والمدارس والثكنات وهي تُلقي عليه تحية الصباح على أنه عبادة بغير ما أنزل الله؟ فلماذا لا يقال: إن جنودهم يعبدون قطعة القماش التي لو أهينت لتحركت جيوش المحيطات ثأراً لكرامتها؛ لأنها رمز لسيادتهم، ثم لا يرضون منا أن نرى في حجارة البيت المتماسكة وحجري الركن والمقام رمزاً لتوحيدنا وعبادتنا وسيادتنا ووحدتنا وقوتنا على أنّ قدسية البيت وهيبته ترد من الجهة المعظِّمةِ له وهو الذات الإلهية، فلا يقارن بأعلام الدنيا كلها التي ترنو إليها عيون الجنود والأتباع.
نعم إن البيت وما حوله رمز لاستسلامنا لأوامر ربنا الذي لا إله إلّا هو المتفرد بالخلق والفعل، يضفي عليه أمر الله، ثم فعل رسول الله الذي هو وحي من عند الله
стр. 201
كرامة خاصة يقوي آصرتها اعتقادنا أن الله يخص بالفضل من يشاء وما يشاء فإذا كان اختصاصه بين البشر مُنْصَبّاً على أسرة الرسالة السماوية وفي مقدمتهم آدم وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم أزكى تحية وسلام وإذا كان اختصاصه بين الجمادات منصَبّاً على عصا موسى ويد عيسى وحجارة الكعبة وحجر المقام وما شابه مما أولاه ربنا فضلاً ورفعة، فإننا نتجاوب مع هذه العناية الخاصة بما نظر إليه ربنا نظر اختصاص ونمضي معه مراعاة لكرامته دون أن يمس ذلك توحيدنا لرب العالمين وخضوعنا لسلطانه (١).
ومما يؤيد مما توسعت في بيانه أنه لم يرد في السنة شرف التقبيل أو المسح لأي جزء من حجر المقام، وأن غاية ما يقتصر عليه الاتباع هو اتخاذ مقام إبراهيم مصلى، وهو الأدب الذي نلتزمه دون تكلف أو تزيد؛ لأن خضوعنا الحقيقي هو لله رب العالمين، وليس لحجارة صماء لا تقدم ولا تؤخر مهما بلغ شأنها؛ لذلك فإن عبد الله بن الزبير ﵁ لما رأى قوماً يمسحون المقام قال: إنكم لم تؤمروا بمسحه إنما أمرتم بالصلاة عنده (٢).
كما كره عطاء أن يقبل الرجل المقام ويمسحه (٣) وقال قتادة: إنكم لم تؤمروا بمسحه
стр. 202
إنما أمرتم بالصلاة عنده (١).
وإذا كانت الكراهة تتناول عين الحجر، أي يوم كان مكشوفاً للناظرين، فإن الكراهة اليوم تشتد بعد أن تم حفظه في مقصورة تتيح رؤيته من وراء زجاج شفاف وضع بداخله لا سيما وأنه لم يعد بالإمكان رؤية جوهر الحجر ومادته بعد أن تم تلبيسه بمادة الفضة حماية له من عوامل التآكل (٢).
ومن السنة أن يصلي عند مقام إبراهيم بعد إتمام طوافه ركعتين وهو ما صرح به جابر حيث تلا قوله تعالى ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] وتلاها قبله رسول الله ﷺ ، وأداها كما أداها من بعدُ أصحابه وأتباعه إلى يومنا هذا، وإلى يوم الدين بإذن الله.
لكن ماذا يفعل من عجز عن أداء ركعتي الطواف لعذر عرض له كازدحام الناس؟ .
الفقهاء يذكرون أفضلية الصلاة بعد الطواف عند المقام للآية والاتباع، لكنهم ينصون كذلك على مواضع أُخرى للصلاة عند طروء عارض وهي على الترتيب وفق ما جاء في كتبهم: الكعبة المشرفة وهذا أولها، ثم دخول حِجر إسماعيل تحت الميزاب ثم في أي جزء آخر من حجر إسماعيل، ثم فيما قرب من الحجر، ثم في بقية المسجد، ثم في دار خديجة، ثم في بقية مدينة مكة المكرمة، ثم في سائر حدود الحرم، ثم فيما شاء متى شاء (٣). قال الإمام النووي:
стр. 203
"ولو صلاهما في وطنه وغيره من أقاصي الأرض جاز وفاتته الفضيلة، ولا تفوت هذه الصلاة ما دام حياً. ولو أراد أن يطوف أطوفة استحب أن يصلي عقب كل طواف ركعتيه. فلو أراد أن يطوف أطوفة بلا صلاة ثم يصلي بعد الأطوفة لكل طواف ركعتيه قال أصحابنا: يجوز ذلك، وهو خلاف الأولى، ولا يقال مكروه. وممّن قال بهذا المسور بن مخرمة وعائشة وطاوس وعطاء وسعيد بن جبير وأحمد وإسحاق وأبو يوسف وكرهه ابن عمر والحسن البصري والزهري ومالك والثوري وأبو حنيفة وأبو ثور ومحمد بن الحسن وابن المنذر ونقله القاضي عن جمهور الفقهاء" (١).
وذكر الإمام ابن حجر الهيتمي إجزاء ركعتين عن كل الأطوفة بلا كراهة ولو والى بين أسابيع (٢).
إن أداء هاتين الركعتين أمر مجمع عليه بين العلماء والخلاف إنما يطال دائرة حكمهما هل هو سنة أو واجب؟ . فالشافعية والحنابلة ذهبوا إلى القول بأن فعلهما عقب الطواف سنة وصارف الوجوب عندهم حديث الأعرابي قال: هل عليّ غيرها؟ (أي الصلوات الخمس) قال ﷺ : "لا إلَّا أن تطوّع" (٣).
ومن الشافعية من أفتى بأنَ الركعتين واجبتان بعد طواف واجب كطواف الوداع
стр. 204
ومسنونتان بعد طواف مسنون كطواف القدوم (١).
وقال المالكية والحنفية وبعض الشافعية: ركعتا الطواف واجبتان؛ لأن صيغة ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ للأمر ومقتضى الأمر الوجوب (٢).
وقال الإمام النووي:
"وسواء قلنا واجبتان أو سنة لو تركهما لم يبطل طوافه" (٣). كما قال في كتابه الإيضاح في مناسك الحج: "ولا يتعين لهما مكان ولا زمان ولا يفوتان ما دام حياً، وسواء قلنا هما واجبتان أو سنتان فليسا ركناً في الطواف ولا شرطاً لصحته، بل يصح بدونهما، ولا يجبر تأخيرهما ولا تركهما بدم ولا غيره، لكن قال الشافعي رحمه الله تعالى: يستحب إذا أخّرهما أن يريق دما" (٤).
هذا ما قيل في سنة أو وجوب صلاة الركعتين عقب الطواف لكن ألا يجب فعلهما خلف المقام وصيغة "اتخذوا" للأمر"؟ .
الجواب عن هذا أن إجماع الأمة على إجزاء الصلاة في أي موضع غير المقام صارف للصيغة عن الوجوب، ومن المعلوم أن القرائن تصرف الواجب إلى الندب؛ لذلك قال الإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني: "قال ابن المنذر: احتملت قراءته (٥) أن
стр. 205
تكون صلاة الركعتين خلف المقام فرضاً لكن أجمع أهل العلم على أن الطائف تجزئه ركعتا الطواف حيث شاء إلّا شيئاً ذكر عن مالك في أن من صلى ركعتي الطواف الواجب في الحِجر يعيد ... " (١).
ومن السنة أن يجهر بالقراءة فيهما بلطف إن صلاهما بين غروب الشمس وطلوعها (٢).
ومن السنة أن يجزئ عن ركعتي الطواف صلاة الفريضة فلو أدى المسلم بعد طوافه ما افترضه الله عليه من الصلوات الخمس كأن أقيمت الصلاة في المسجد الحرام مع نهاية طوافه فإنها تجزئه عنهما كما تجزئه الفريضة عن تحية المسجد (٣).
أما بماذا يقرأ في ركعتي الطواف فأحيل الجواب عنه إلى الفقرة التالية من حديث جابر ﵁.
* * *
стр. 206
ما يقرأ في ركعتي الطواف
قال الإمام مسلم "فكان أبي يقول: - ولا أعلمه ذكره إلّا عن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون":
الإمام مسلم في صحيحه ينقل لنا هذا الحديث من رواية جعفر بن محمد بن الحسين عن جابر ﵃ أجمعين، والإمام مسلم يذكر هنا أنّ جعفر بن محمد قال: "فكان أبي يقول ... ": أي فكان أبوه محمد بن الحسين يقول: ولا أعلمه ذكره إلّا عن النبي ﷺ أي يريد جعفر: ولا أعلم أبي ذكر تلك القراءة عن قراءة جابر في صلاة جابر، وإنما عن جابر عن قراءة النبي ﷺ في ركعتي الطواف يقرأ في الركعة الأولى: "قل يا أيها الكافرون" وفي الثانية "قل هو الله أحد" وهي السنة التي نص عليها الفقهاء من تقديم سورة الكافرون في الأولى على "قل هو الله أحد" في الثانية مراعاة لترتيب سور القرآن الكريم. ثم إنّ تقديم سورة الإخلاص في صحيح مسلم لا يتنافى مع ما ذهب إليه الفقهاء؛ لأن العطف لا يقتضي ترتيباً بين المعطوف والمعطوف عليه، وإنما يفيد مطلق العطف، وهو ما تؤيده رواية البيهقي عن جعفر بن محمد بن الحسين عن أبيه محمد عن جابر أن النبي ﷺ صلى ركعتي الطواف قرأ فيهما قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد (١).
ومن المستحب أن يدعو المسلم عقب صلاته هذه خلف المقام بما أحب من أمور الآخرة والدنيا وهو ما صرح به الإمام النووي ثم تابعه عليه الإمام ابن حجر الهيتمي
стр. 207
بقوله: "أي بعد دعائه بما ورد عنه ﷺ وهو: اللهمّ! هذا بلدك الحرام والمسجد الحرام وبيتك الحرام وأنا عبدك ابن عبدك ابن أمتك أتيتك بذنوب كثيرة وخطايا جمة وأعمال سيئة وهذا مقام العائذ بك من النار - أي إبراهيم أو نفسه على ما مر - فاغفره لي إنك أنت الغفور الرحيم.
"اللهمّ إنك دعوت عبادك إلى بيتك الحرام وقد جئت طالباً رحمتك مبتغياً مرضاتك وأنت مَنَنْتَ عليَّ بذلك فاغفره لي وارحمني إنك على كل شيء قدير".
وأخرج ابن الجوزي كالأزرقيّ خبر أن آدم لما أهبط طاف بالبيت سبعاً وصلّى خلف المقام ركعتين ثم قال: اللهمّ! إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي وإنك تعلم حاجتي فأعطني سؤلي وتعلم ما عندي فاغفر لي ذنوبي.
"اللهمّ إني أسألك إيماناً يباشر قلبي ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لن يصيبني إلّا ما كتبت لي، وأَرْضني بما قضيته عليَّ. فأوحى الله تعالى إليه: قد دعوتني دعاء أستجيب لك به ولن يدعوني أحد من ذريتك من بعدك إلّا استجيب له، وغفرت له ذنوبه، وفرّجتُ همومه، واتجرت له من وراء كل تاجر، وأتته الدنيا وهي راغمة وإن كان لا يريدها. وفي رواية أنه دعا بذلك في الملتزم. وفي كتاب ابن أبي الدنيا أنه دعا بنحوه بين اليمانيين، ولا منافاة لاحتمال أنه كرر الدعاء به في تلك الأماكن" اهـ (١) من كلام العلامة ابن حجر.
* * *
стр. 208
استلام الحجر الأسود قبل وبعد طواف القدوم
قال جابر: "ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا":
قال الإمام النووي في شرحه على كلام جابر: "وفيه دلالة لما قاله الشافعي وغيره من العلماء أنه يستحب للطائف طواف القدوم إذا فرغ من الطواف وصلاته خلف المقام أن يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه ثم يخرج من باب الصفا ليسعى. واتفقوا على أن هذا الاستلام ليس بواجب وإنما هو سنة لو تركه لم يلزمه دم" (١).
هذه هي السنة أما ما ذكره الإمام الغزالي في الإحياء أنه يأتي الملتزم إذا فرغ من الطواف قبل أن يصلي ركعتي الطواف فإنه مخالف لما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر ولو شهد له حديث البيهقي عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: كنت أطوف مع أبي عبد الله بن عمرو بن العاص فرأيت قوماً قد التزموا البيت فقلت له: انطلق بنا نلتزم البيت مع هؤلاء فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فلما فرغ من طوافه التزم ما بين الباب والحَجر قال هذا والله المكان الذي رأيت رسول الله ﷺ التزمه" (٢)؛ لأن حديث البيهقي هذا ضعيف كما نقله الإمام ابن حجر الهيتمي عن العلامة الزركشي، ونقل عنه أنه يحتمل أنه لم يكن هناك سعي (٣). كما أشار الإمام الحافظ
стр. 209
أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي إلى تضعيف الحديث بعد أن خرّجه (١).
كما نُقل عن ابن جرير الطبري أنه يطوف ثم يصلي ركعتيه ثم يأتي الملتزم ثم يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه ثم يخرج إلى السعي وهذا ضعيف أيضاً رده الإمام النووي في شرح الإيضاح، وقال العلامة ابن حجر الهيتمي في تعقيبه على هذا: "وروى الطبراني في الكبير حديثاً فيه أنّ الالتزام بعد ركعتي الطواف لم تكن الصحابة تفعله وبه يُردّ ما قاله ابن جرير" (٢).
وقد نقل الإمام النووي عن الماوردي في كتابه الحاوي أنه إذا استلم الحجر استحب أن يأتي الملتزم ويدعو فيه ويدخل الحِجر فيدعو فيه تحت الميزاب وظاهر الحديث الصحيح وهو قول جماهير أصحابنا وغيرهم أن لا يشتغل عقيب الصلاة إلّا بالاستلام ثم الخروج إلى السعي (٣)، كما عقب العلامة ابن حجر على كلام الماوردي بالقول: "وما قاله الماوردي لم أرَ ما يشهد له" (٤) وكان فضيلته قال في افتتاح كلامه عن النووي: "وأطال في تشديد النكير على القائل بخلافه (٥) كالماوردي ومن ذكر معه (٦) " (٧).
ومن المسائل التي يحسن ذكرها هنا قبل الارتحال إلى الفقرة التالية من حديث جابر متعلقات بالحجر الأسود؛ لأننا تابعنا معاً رواية مسلم كيف أن أول شيء فعله النبي ﷺ
стр. 210
عندما دخل المسجد الحرام هي استلامه للحجر الأسود، ومنه ابتدأ طوافه الشريف، ثم تابعنا كيف أنّ آخر شيء فعله السيد المصطفى صلوات الله وسلامه عليه بعد إتمام الطواف وركعتيه هو استلامه الحجر الأسود، ومنه غادر إلى الصفا حيث بدأ رحلة السعي إلى المروة سبعاً، كما لاحظنا كيف شدد الإمام النووي على من يفعل شيئاً بعد الطواف غير ركعتيه والاستلام ونقل ذلك عن الجمهور.
ومما يرد في فضل الحجر الأسود أن جماعة من السلف استحبت استلامه عند الخروج من البيت سواء كان عقب طواف أو لا، وهو ما نقله الزركشي عن ابن عمر وسعيد بن جبير وطاوُس وإبراهيم النَّخَعي وغيرهم (١).
ويكفي في فضله أن ربنا أودعه في محل التشريف والتعظيم من بيته في ركن معهود يُسألُ عنده ربنا فيجيب (٢).
ومما زاده فخراً وتيهاً استلام نبينا ﵇ له بيده المباركة، ولثَمْه له بفمه الشريف، فأيّ كرامة تلك أن تضع يدك حيث وضع سيد الأولين والآخرين يده، وأن تَلْثَمَ بفمك ما مسه من قبلُ الفمُ المبارك لإمام المرسلين وخاتمة أنبياء الله أجمعين بل قبّله في أزمنة خلت سائر الرسل والأنبياء كما جاء في الآثار، ثم قبّله من بعدُ رسولُ الله ﷺ ومعه ساداتنا أبو بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان الحيي وعلي المكرم وسائر الصحابة وأمهات المؤمنين ومن بعدهم جموع من التابعين وتابعيهم وجموع الأولياء
стр. 211
والعلماء والشهداء والصالحين إلى يومنا هذا وما يزال ركب الدعاة على هذه السنة إلى يوم الدين.
قال الإمام الذهبي ﵀ في سير أعلام النبلاء:
"وقَبِّلْ حجراً مكرماً نزل من الجنة وضعْ فمك لاثماً مكاناً قبَّله سيد البشر بيقين فَهنَّأَك الله بما أعطاك فما فوق ذلك مفخرة، ولو ظفرنا بالمحجن الذي أشار به رسول الله ﷺ إلى الحجر ثم قبّلَ محجنه لحقَّ لنا أن نزدحم على ذلك المحجن بالتقبيل والتبجيل ونحن ندري بالضرورة أنّ تقبيل الحجر أرفع وأفضل من تقبيل محجنه ونعله.
وقد كان ثابت البُنَاني إذا رأى أنس بن مالك أخذ يده فقبّلها ويقول يد مست يد رسول الله ﷺ .
فنقول نحن إذ فاتنا ذلك: حجر معظم بمنزلة يمين الله في الأرض مسته شفتا نبينا ﷺ لاثماً له فإذا فاتك الحج وتلقيت الوفد فالتزم الحاجَّ وقبّلْ فمه، وقل: فم مس بالتقبيل حجراً قبله خليلي ﷺ " (١).
وقال العلامة عز الدين بن جماعة ﵀:
"وإذا أراد الإنسان أن يقبّل الموضع الذي قبّله رسول الله ﷺ بيقين، فليستوعب الحجر بالتقبيل إن أمكنه وقد استوعبته مرات بفضل الله" (٢).
وفي هذا المعنى أنشد الشعراء وصاغوا من كلمات اللغة العذبة أبياتاً رائعة. قال أبو طالب عمّ النّبيّ ﷺ في قصيدته المشهورة في مدح النّبيّ ﷺ وقد تعرض فيها للبيت والحجر والمقام:
стр. 212
وبالبيت حق البيت من بطن مكة ... وبالله إنّ الله ليس بغافل
وبالحجر المسوَدّ إذ يمسحونه ... إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل
وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة ... على قدميه حافياً غير ناعل
وقال الإمام السيوطي - عبد الرحمن بن أبي بكر، ت ٩١١ هـ - في ساجعة الحرمين:
قفْ واستلمْ ركناً لأشرف منزلِ ... واخضعْ وذلَّ تَفُزْ بكل مَؤَمَّل
وإذا خلا الحَجَرُ المعظّم قدرُه ... فاليُمْنُ في تلك اليمين فقبّل
وقال شاعر الإنسانية المؤمنة الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري ﵀ المتوفى أواخر شوال سنة ١٤١٢ هـ:
الحجر الأسود قبَّلْتُهُ ... بشفتي قلبي وكلّيْ ولَهْ
لا لاعتقادي أنه نافعٌ ... بل لِهُيَامي بالذي قبّلهْ
محمّد أطهرُ أنفاسه ... كانت على صفحته مرسلهْ
قبّلْتُ ما قبّله ثغره النّا ... طق بالوحي ابتغاء الصِّلهْ (١)
وفي يقيني إنّ أروع ما قيل: هو ما أثبته شاعر الإنسانية المؤمنة هذا وإن أروع ما في قصيدته هو البيت الأخير هنا؛ لأن تقبيل ما قبّله الحبيب الأعظم محمد ﷺ ابتغاء الوثيقة الممدودة من قناة تسلسل القبلات في سند مبارك لا شذوذ فيه ولا انقطاع إنما هو من قبيل التواتر الذي ينقله جمع غفير بل جموع غفيرة عن أمثالها بحيث يستحيل تواطؤهم على الكذب وهذا من أوثق عرى الإسناد في الحب والاتباع.
* * *
стр. 213
المسعى
стр. 214
الصفا والمروة شعيرتان من شعائر الله
قال جابر: "فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ (١) اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] أبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا فرقيَ عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبّر":
بعد أن يُتمّ المسلم طوافه حول البيت وعندما يريد الخروج إلى الصفا فليخرج إليه من باب الصفا، ويستحب وهو يدنو منه أن يقرأ هذه الآية ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، كما يستحب له حين يأتي سفح الصفا أن يستقبل القبلة وأن يصعد عليه قدر قامة حتى يتراءى له البيت من زاوية باب الصفا يوحد ويهلل ويكبر ويذكر الله تعالى - وفق ما سيأتي - يفعل ذلك وهو واقف هناك على الصفا بدليل قول جابر أعلاه (٢)
ثم الصعود قدر قامة سنة مستقلة بالرجال (٣) أما المرأة والخنثى فلا يصعدان؛ لأنه
стр. 215
أستر للمرأة وأرفق بها.
قال الإمام النووي "قال جمهور أصحابنا: هو سنة ليس بشرط ولا واجب فلو تركه صح سعيه وفاتته الفضيلة" (١).
والحج إلى بيت الله الحرام ليس له إلّا سعي واحد بدليل حديث أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلّا طوافاً واحداً" (٢)؛ لذلك نص فقهاء الشافعية أنه تكره إعادة السعي في الحج؛ لأنه ليس من العبادات المستقلة التي يشرع تكريرها أو الإكثار منها فالسعي ليس كالطواف الذي يشرع في الحج والعمرة وفي غيرهما، وإنما هو كالوقوف بعرفة فيقتصر به على الركنية (٣)،