← Фикх общий

Фикх общий · id 151185

الركن الخامس

محمد محيي الدين حمادة

Полный текст (520 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

والعلماء والشهداء والصالحين إلى يومنا هذا وما يزال ركب الدعاة على هذه السنة إلى يوم الدين. قال الإمام الذهبي ﵀ في سير أعلام النبلاء: "وقَبِّلْ حجراً مكرماً نزل من الجنة وضعْ فمك لاثماً مكاناً قبَّله سيد البشر بيقين فَهنَّأَك الله بما أعطاك فما فوق ذلك مفخرة، ولو ظفرنا بالمحجن الذي أشار به رسول الله ﷺ إلى الحجر ثم قبّلَ محجنه لحقَّ لنا أن نزدحم على ذلك المحجن بالتقبيل والتبجيل ونحن ندري بالضرورة أنّ تقبيل الحجر أرفع وأفضل من تقبيل محجنه ونعله. وقد كان ثابت البُنَاني إذا رأى أنس بن مالك أخذ يده فقبّلها ويقول يد مست يد رسول الله ﷺ . فنقول نحن إذ فاتنا ذلك: حجر معظم بمنزلة يمين الله في الأرض مسته شفتا نبينا ﷺ لاثماً له فإذا فاتك الحج وتلقيت الوفد فالتزم الحاجَّ وقبّلْ فمه، وقل: فم مس بالتقبيل حجراً قبله خليلي ﷺ " (١). وقال العلامة عز الدين بن جماعة ﵀: "وإذا أراد الإنسان أن يقبّل الموضع الذي قبّله رسول الله ﷺ بيقين، فليستوعب الحجر بالتقبيل إن أمكنه وقد استوعبته مرات بفضل الله" (٢). وفي هذا المعنى أنشد الشعراء وصاغوا من كلمات اللغة العذبة أبياتاً رائعة. قال أبو طالب عمّ النّبيّ ﷺ في قصيدته المشهورة في مدح النّبيّ ﷺ وقد تعرض فيها للبيت والحجر والمقام:

стр. 212

وبالبيت حق البيت من بطن مكة ... وبالله إنّ الله ليس بغافل وبالحجر المسوَدّ إذ يمسحونه ... إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة ... على قدميه حافياً غير ناعل وقال الإمام السيوطي - عبد الرحمن بن أبي بكر، ت ٩١١ هـ - في ساجعة الحرمين: قفْ واستلمْ ركناً لأشرف منزلِ ... واخضعْ وذلَّ تَفُزْ بكل مَؤَمَّل وإذا خلا الحَجَرُ المعظّم قدرُه ... فاليُمْنُ في تلك اليمين فقبّل وقال شاعر الإنسانية المؤمنة الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري ﵀ المتوفى أواخر شوال سنة ١٤١٢ هـ: الحجر الأسود قبَّلْتُهُ ... بشفتي قلبي وكلّيْ ولَهْ لا لاعتقادي أنه نافعٌ ... بل لِهُيَامي بالذي قبّلهْ محمّد أطهرُ أنفاسه ... كانت على صفحته مرسلهْ قبّلْتُ ما قبّله ثغره النّا ... طق بالوحي ابتغاء الصِّلهْ (١) وفي يقيني إنّ أروع ما قيل: هو ما أثبته شاعر الإنسانية المؤمنة هذا وإن أروع ما في قصيدته هو البيت الأخير هنا؛ لأن تقبيل ما قبّله الحبيب الأعظم محمد ﷺ ابتغاء الوثيقة الممدودة من قناة تسلسل القبلات في سند مبارك لا شذوذ فيه ولا انقطاع إنما هو من قبيل التواتر الذي ينقله جمع غفير بل جموع غفيرة عن أمثالها بحيث يستحيل تواطؤهم على الكذب وهذا من أوثق عرى الإسناد في الحب والاتباع. * * *

стр. 213

المسعى

стр. 214

الصفا والمروة شعيرتان من شعائر الله قال جابر: "فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ (١) اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] أبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا فرقيَ عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبّر": بعد أن يُتمّ المسلم طوافه حول البيت وعندما يريد الخروج إلى الصفا فليخرج إليه من باب الصفا، ويستحب وهو يدنو منه أن يقرأ هذه الآية ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، كما يستحب له حين يأتي سفح الصفا أن يستقبل القبلة وأن يصعد عليه قدر قامة حتى يتراءى له البيت من زاوية باب الصفا يوحد ويهلل ويكبر ويذكر الله تعالى - وفق ما سيأتي - يفعل ذلك وهو واقف هناك على الصفا بدليل قول جابر أعلاه (٢) ثم الصعود قدر قامة سنة مستقلة بالرجال (٣) أما المرأة والخنثى فلا يصعدان؛ لأنه

стр. 215

أستر للمرأة وأرفق بها. قال الإمام النووي "قال جمهور أصحابنا: هو سنة ليس بشرط ولا واجب فلو تركه صح سعيه وفاتته الفضيلة" (١). والحج إلى بيت الله الحرام ليس له إلّا سعي واحد بدليل حديث أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلّا طوافاً واحداً" (٢)؛ لذلك نص فقهاء الشافعية أنه تكره إعادة السعي في الحج؛ لأنه ليس من العبادات المستقلة التي يشرع تكريرها أو الإكثار منها فالسعي ليس كالطواف الذي يشرع في الحج والعمرة وفي غيرهما، وإنما هو كالوقوف بعرفة فيقتصر به على الركنية (٣)،

стр. 216

أي على أدائه مرة واحدة في مكانه المشروع (١). قال الإمام النووي "فيه دليل على أن السعي في الحج والعمرة لا يكرر بل يقتصر منه على مرة واحدة ويكره تكراره؛ لأنه بدعة، وفيه دليل لما قدمناه أن النبي ﷺ كان قارناً وأن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد وقد سبق خلاف أبي حنيفة وغيره في هذه المسألة والله أعلم". والسعي ركن من أركان هذه الفريضة وفق ما ذهب إليه جمهور الفقهاء بدليل أنه ﷺ لم يسع سوى سعي واحد كما بينت لك؛ ولأن المصطفى صلوات الله وسلامه عليه لم يجعل على المتخلف عن السعي كفارة من دم أو غيره وهو القائل: "خذوا عني مناسككم"، وبهذا المعنى أورد الشيخان في صحيحيهما واللفظ لمسلم قال حدثني زهير بن حرب حدثنا سفيان بن عيينة عن عمر بن دينار قال: سألنا ابن عمر عن رجل قدم بعمرة فطاف بالبيت ولم يطف بين الصفا والمروة أيأتي امرأته؟ فقال: "قدم النبي ﷺ ، فطاف بالبيت، ثم صلّى ركعتين، ثم سعى بين الصفا والمروة ثم تلا (أي ابن عمر) ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] " (٢) قال الإمام النووي في شرحه على هذا الحديث: "وهذا الحكم الذي قاله ابن عمر هو مذهب العلماء كافة وهو أن المعتمر لا يتحلل إلّا بالطواف والسعي والحلق إلّا ما حكاه القاضي عياض عن ابن عباس وإسحاق بن راهويه أنه يتحلل بالطواف وإن لم

стр. 217

يسع وهذا ضعيف مخالف للسنة" (١). إِن الذي أتى على ذكره الإمام النووي في أمر السعي في العمرة هو من البراهين التي استدل بها جمهور العلماء على أن السعي ركن، إذ كيف يكون ركناً من أركان العمرة ثم لا يكون كذلك في الحج مع مراعاة أنه لاتختلف الشروط والأركان بين الحج والعمرة فهي سواء بسواء بدليل أن حديث ابن عمر السابق لم يقيد بل أطلق الحكم دون تقييد منه بحج أو عمرة فدل على أن الشأن فيهما واحد، وأن السعي ركن من أركان الحج مثل ما هو ركن من أركان العمرة. ومن الأدلة على فرضية السعي وركنيته قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] وقول رسول الله ﷺ : "اسْعَوْا فإن الله كتب عليكم السعي" (٢). فالآية والحديث استدل بهما جمهور العلماء على أن السعي بين الصفا والمروة فرض وركن لاسيما وأن الحديث الشريف أطل علينا بلفظه "كتب" وهي الكلمة التي فهم منها العلماء جميعاً وجوب الصيام في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]

стр. 218

وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] أي فرض ثم إنّ صيغة: "اسْعَوْا" للأمر ومقتضى الأمر الوجوب كما تفيده قواعد الأصوليين. نخلص من هذه الدراسة إلى أن مذهب الأئمة الثلاثة على أن السعي ركن من أركان الحج لا يصح من غيره ولا يتم التحلل من الطواف إلّا بالإتيان به. وخالف في هذا الإمام أبو حنيفة النعمان ﵀ حيث انتهى به اجتهاده إلى أن السعي واجب فإن تركه عصى وصح حجه (١)؛ لأن النص الذي يحمل على الفرض عنده هو ما كان قطعي الثبوت قطعي الدلالة فأما النص القرآني ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ فهو وإن كان قطعي الثبوت لكنه ظني الدلالة لما سيأتي. وأما الحديث الشريف: "اسْعَوْا ... " فإنه ظني الثبوت وما كان كذلك فإن أئمة المذهب الحنفي ومجتهديه يحملونه على الواجب كما هو المشهور في أصول مذهبهم. إذن السادة الحنفية لم يحملوا الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ على ركنية السعي؛ لأنها لم تصرح بالفرضية، وإنما وردت لرفع الحرج والإثم عن الطواف بين الصفا والمروة بعد أن التصق السعي بينهما بالجاهلية وأعمالها وهو ما صرح به الصحابي الجليل أنس بن مالك ﵁ وعلَّله به فيما رواه عنه الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في

стр. 219

صحيحه (١)، ولما رواه الإمام مسلم في صحيحه قال: حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قال: قلت لها: إني لأظن رجلاً لو لم يطف بين الصفا والمروة ما ضرّه! قالت: لم؟ قلت: ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية فقالت: ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة ولو كان كما تقول لكان: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما وهل تدري فيما كان ذاك؟ إنما ذاك أن الأنصار كانوا يهلون في الجاهلية لصنمين على شط البحر يقال لهما إساف ونائلة ثم يجيئون فيطوفون بين الصفا والمروة ثم يحلقون فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهلية قالت فأنزل الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٢) إلى آخرها قالت: "فطافوا" (٣) لكنّ الآية الكريمة وإن لم تصرح بفريضة السعي إلّا أنها لم تصرح بنفي ذلك أيضاً ولهذا قال الإمام النووي في معرض ثنائه على السيدة عائشة بسبب استشهادها واستنباطها بالآية الشريفة: "قال العلماء: هذا من دقيق علمها وفهمها الثاقب وكبير معرفتها بدقائق الألفاظ؛

стр. 220

لأن الآية الكريمة إنما دل لفظها على رفع الجناح عمن يطوف بهما وليس فيه دلالة على عدم وجوب السعي ولا على وجوبه" (١). ومما يؤيد كلام السيدة عائشة ما جاء عن جابر بن عبد الله ـ أعلم الصحابة بفريضة الحج ـ أنه كان يقول: "لا يحج من قريب ولا من بعيد إلّا أن يطوف بين الصفا والمروة وإن النساء لا يحللن للرجال حتى يطفن بين الصفا والمروة" (٢) وبهذا لم يبق أمامنا في هذه المسألة سوى أصحاب رسول الله ﷺ الذين تلقوا العلم عن رسول الله ﷺ مشافهة وقد جاء فصل الخطاب عن عائشة رضي الله عنا وجابر وابن عمر الذي سئل عن رجل طاف ولم يسع بينهما فذكر الطواف والسعي ثم تلا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. الذكر بين الصفا والمروة قال جابر: "وقال: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. لا إله إلَّا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات": الثابت عن رسول الله ﷺ أن الحاج عندما يخرج من ساحة الطواف يريد المسعى فإنه يدخل إليه من باب الصفا، ومن ثم يصعد على الصفا وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٣)، ثم يقول وهو رافع يديه (٤): أبدأ بما بدأ الله به، ثم

стр. 221

يستقبل القبلة ويذكر الله تعالى بهذا الذي أورده جابر في حديثه يكرر ذلك ثلاث مرات ويدعو فيما بين ذلك ثلاث مرات ثم ينزل إلى المروة يفعل هذا بداية كل شوط (١). ولا تسن التلبية في السعي على الأصح في مذهب الشافعية كما قال إمامنا النووي فليست من أذكاره (٢). هذا ما يقوله عند الصفا ثلاثاً وهو ما يكرره عند المروة ثلاثاً ويدعو فيما بينهما بما أحب من أمر الدين ندباً ومن أمر الدنيا إباحة كما نص عليه الفقهاء (٣)، لكن ذكر إمامنا النووي في الأذكار أنه يقول في ذهابه ورجوعه بين الصفا والمروة: "رب اغفر وارحم وتجاوزْ عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم! اللهمّ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" (٤).

стр. 222

ولم أجدْ من الفقهاء من خص المسافة بين الميلين الأخضرين بقولك "رب اغفر وارحم" فالدعاء هذا شامل للميلين الأخضرين ولسائر الطواف بين الصفا والمروة بعد الدعاء والذكر عند الصفا وعند المروة بما ذكرنا مكرراً ثلاثاً. ومما أُثِرَ عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه دعاؤه الذي أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ومالك في الموطأ عن نافع أنه سمعه يدعو ويقول على الصفا "اللهمّ إنك قلت ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وإنك لا تخلف الميعاد وإني أسألك كما هديتني إلى الإسلام ألا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا مسلم" (١) قال الإمام النووي "وحسن أن يقول ... " ثم ساق الدعاء. ومن الوارد كذلك ما ساقه البيهقي في سننه عن نافع أيضا عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول على الصفا: "اللهمّ! اعصمنا بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك، وجنّبنا حدودك. اللهمّ! اجعلنا نحبك ونحب ملائكتك وأنبياءك ورسلك ونحب عبادك الصالحين. اللهمّ! حببنا إليك وإلى ملائكتك وإلى أنبيائك ورسلك وإلى عبادك الصالحين. اللهمّ! يسرنا لليسرى وجنبنا العسرى واغفر لنا في الآخرة والأُولى واجعلنا من أئمة المتقين" (٢) وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: اعتمر رسول الله ﷺ فطاف بالبيت ثم خرج

стр. 223

يطوف بين الصفا والمروة فجعلنا نستره من أهل مكة أن يرميه أحد منه أو يصيبه شيء فسمعته يدعو على الأحزاب يقول: "اللهمّ! منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب. اللهمّ! اهزمهم وزلزلهم" (١). وليست هذه الأدعية المأثورة عن الصحابة لازمة واجبة لكنها تستحب (٢)؛ لأن السلف الصالح في صدر التاريخ الإسلامي وهم صحابة رسول الله ﷺ استحبوها ورددوها فاقتداء الأمة بهم أولى من دعاء مأثور عن غيرهم ما لم يثبت أنه دعاء رسول الله ﷺ لما ذكرنا، ولاحتمال أن يكون أحدهم قد استقاه من رسول الله ﷺ . جاء في سنن البيهقي عن ابن جريج قال: قلت لنافع: هل من قول كان عبد الله بن عمر يلزمه؟ قال: لاتسأل عن ذلك فإن ذلك ليس بواجب فأبيت أن أدعه حتى يخبرني قال: كان يطيل القيام حتى لولا الحياء منه لجلسنا فيكبر ثلاثاً يقول: (لا إله إلّا الله له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ثم يدعو طويلاً يرفع صوته ويخفضه حتى إنه ليسأله أن يقضي عنه مغرمة فيما سأل ثم يكبر ثلاثاً ثم يقول: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ثم يسأل طويلاً كذلك حتى يفعل ذلك سبع مرات يقول ذلك على الصفا والمروة في كل ما حج واعتمر" (٣). ومن الأذكار الواردة هنا عن ابن عمر كذلك أنه كان يقول عند الصفا "اللهمّ

стр. 224

أحييني على سنة نبيك ﷺ وتوفني على ملته وأعذني من مضلات الفتن" (١). ومن الأدعية المختارة التي أتى على ذكرها الإمام النووي في كتابه الأذكار في السعي وفي كل مكان: اللهمّ! يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. اللهمّ! إني أسالك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والفوز بالجنة والنجاة من النار. اللهمّ! إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهمّ! أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهمّ! إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم. وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم. وأسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل (٢). إن المسلم وهو يسعى بين شعيرتي الصفا والمروة يدعو بما هو مأثور ثابت عن رسول الله ﷺ ويدعو بما يجريه الله على لسانه من خيري الدنيا والآخرة ويقرأ كذلك القرآن الكريم. قال الإمام النووي: "وينبغي أن يجمع بين هذه الأذكار والدعوات والقرآن" (٣). كما قال بعد أن ذكر الدعاء الوارد: "ثم يضم إليه ما شاء من الدعاء" (٤).

стр. 225

بيد أني أنوّه هنا إلى أنّ قراءة القرآن الكريم هي أفضل من الذكر غير الوارد، وهو ما نص عليه العلامة الغمراوي من فقهاء الشافعية (١)، كما عقب الإمام ابن حجر الهيتمي على كلام النووي التالي: "ولو قرأ القرآن كان أفضل" وذلك بقوله: "أي من غير الذكر الوارد نظير ما مر في الطواف" (٢). هذا الكلام يحضر معه بقوة مرة أخرى الحديث عن مسألة تخصيص جملة من الأدعية الخاصة بكل شوط من أشواط السعي وقد تبين لنا من خلال شد الرحال في هذا المبحث إلى مظان الأدعية المأثورة في كتب السنن والفقه أن الدعاء الوارد عن رسول الله ﷺ وعن صحابته الكرام لا يتفق مع الكتب المنتشرة اليوم جمعاً وتدوينا من قبل القائمين على هذا الثغر الإسلامي الهام؛ لأن أكثر ذلك لم يثبت في مصدر صحيح، وهذا شأن هام ينبغي أن ينبه عليه؛ لأننا وإن كنا نرى أن تلك الأدعية داخلة تحت العموم الذي أجازه الفقهاء حتى ولو لم يكن وارداً، لكننا نحذر من تعمية حقيقته على حجاج بيت الله الحرام؛ لأن البدعة في تعريف الفقهاء: هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة، وما نسب إلى الدين وزعم أنه سنة فهو من الابتداع المذموم، لا أن تلك الأدعية هي بحد ذاتها مذمومة ذلك أن أدعية الشوط الأول مثلاً التي توحي تسميها بأنها سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ ليست كذلك فيجوز أن تؤدى في الشوط الثاني أو الثالث إلخ ... كما يجوز أن لاتؤدى أبداً وأن يستعاض عنها بغيرها إذ كل هذا من عموم الندب الذي أشار إليه الفقهاء في دعاء الدين أو من المباح الذي أشاروا إليه في دعاء الدنيا.

стр. 226

قال فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي بعد أن نفى وجود دعاء خاص لكل شوط في الطواف: "وفي السعي لم يرد عن النبي ﷺ إلّا أنه عندما يصعد على الصفا يقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] أبدأ بما بدأ الله به ثم قال: "لا إله إلّا الله وحده ... .. " ثم اتجه إلى الكعبة ودعا الله ، لم يدر بماذا دعا، دعا بما ييسر الله له فإن الإنسان طول الطواف وطول السعي يدعو الله بما يفيض به قلبه هذا ما ينبغي بالسنة للحاج أو المعتمر" (١). هذه المسألة تدعونا وبإلحاح إلى التعرض إلى نقطة أخرى يشرف عليها أمناء أفواج الحج في بيت الله الحرام ألا وهي صورة الدعاء الجماعي حيث يتقدم رجل عليه سمات الدعاة يحفظ الكثير من الأدعية أو يقرؤها من كتاب يحمله رافعاً صوته بين يدي مجموعة تتبعه من ساحة الطواف أو خط المسعى تردد خلفه كلمة كلمة. فما هو الحكم الشرعي لهذه الهيئة؟ بحثت في كتب الفقه فلم أعثر على نص يتناول هذه المسألة فيما وقع تحت يدي من مراجع إلّا ما أتى عليه الإمام النووي في شرح الإيضاح في مناسك الحج حيث صرح بجواز ذلك بقوله: "ولو دعا واحد وأمّن جماعة فحسن (٢) " ويبدو أن الإمام ابن حجر الهيتمي في حاشيته على كلام النووي لم يعلق بشيء مما يفيد موافقته له في اجتهاده ذاك، ويؤكد أنه فقه مذهب الشافعية.

стр. 227

لكننا نجد اليوم من ينهى في الحرم عن هذا النوع من الدعاء داخل الحرم المكي الشريف كما وجدت فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي لا يستسيغ تلك الهيئة حيث قال: "وبعض الناس يمشون وراء المطوف والمطوف يدعو كلمة كلمة وهو يردد وراءه يقول اللهمّ ... اللهمّ يا ربنا ... يا ربنا نسألك ... نسألك، فهو لا يعرف بماذا يدعو! يا أخي بدلاً من أن تردد هذا الكلام ادع أنت الله بما يفيض به قلبك وينطق به لسانك" إلى أن قال: "اطلب أنت بلسانك من ربك ما تحب. لماذا تجعل أحد الناس يلقنك كلمة كلمة وأنت لا تعلم ما سيقول؟ أولى الأشياء أن يردد الإنسان الدعاء الذي يصدر من قلبه" (١). وأرى بدوري أن إنكار فضيلته للدعاء الجماعي لمجرد أنه جماعي ليس مبرراً لنبذه؛ لأنه اجتماع على خير فهو أشبه بتلاوة قارئ للقرآن واستماع الجالسين حوله لآياته بتدبر وخشوع فلا ضير عليهم حتى ولو لم يحفظوا ما يتلوه من آيات، وهو نظير دعاء الإمام في قنوت أو طلب من استسقاء حيث يدعو الداعي ويقول من خلفه آمين دون أن يعلم الكثير منهم إن لم نقل جميعهم بماذا سيدعو؟ على أن كلام القرضاوي لا نرده على إطلاقه؛ لأن انكفاء الحجّاج والعمّار على صيغة الدعاء الجماعي تعكس جانباً من واقع االتقصير في شفافية العلاقة مع الله فالمسلم ـ وهذا هو الأصل الصحيح ـ لا بد أنه تروض في ليالي الأسبوع السبعة على مناجاة ربه بذل وانكسار متردداً بين لغة الخوف والرجاء زمناً طويلاً حتى إذا ما دخل

стр. 228

إلى الحرم المكي الشريف انصهر في عالم من العبودية والمعرفة الإلهية فارتسمت على جوارحه لغات الدموع والتواضع وجاد من ألوان السؤال بما يجريه الله على لسانه وقلبه. بيد أن الذي يحياه المسلمون اليوم في واقع الحال هو حالة من التصدع في جدار العلاقة بين العبد ومولاه بعد تحكم الحياة المادية في أفئدة شرائح واسعة من أبناء المسلمين وهو ما يوكَلُ أمرُ إصلاحه إلى الركن الخامس حيث يدخل الحاج إلى بيت الله الحرام وهو لا يدري ماذا يقول ولا ماذا يتصرف وربما ألجمته هيبة البيت ورقعة اتساعه وجلاله مشهد الطائفين حوله في وقت تتوارد أمام ناظريه ذكرى المعاصي وسنوات الشرود عن الله فتقطع الدموع مداد الكلمات فلا يصدر عنه سوى طلب العون ممن يعتقد فيه التقوى والصلاح والخبرة فيستند لبيانه الطليق وقلبه النظيف ومعرفته بالعبادة والمسجد الحرام وطرق العبور والوصول. إنه التراجع عن التدرج في محاريب العبودية بين يدي المولى المتعالِ الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى والذي يغذونا بنعمه وألطافه التي تتابعنا متابعة الأم الرؤوف بولدها الصغير الشارد عن حَنْوها وعطفها وهو يتقلب فيه وبهذا لم يعد المسلمون معتادين على مناجاة صاحب الإيجاد والإمداد في خطاب العبد المتذلل بين يدي خالقه المفتقر إلى رحمته المعترف بذنبه وتقصيره. هذا ما يسعى إليه فضيلة الدكتور القرضاوي فيما أعتقد وهو مطلب رائع لكنني أرى بباعث خبرتي في مجال خدمة ضيوف الرحمن أنه بالإمكان تحقيق هذا الهدف السامي من خلال الدعاء الجماعي في اللقاء الأول لكعبة الله المشرفة لتعريف الحجاج على موقع السكن والباب الذي عليهم أن يرتادوه والطريق الذي ينبغي من حقهم أن يسلكوه إلى كعبة الله الغالية مع تحديد بداية الطواف ونهايته وببيانٍ وافٍ على أرض

стр. 229

الواقع للأركان والشاذروان والحجر وحِجر إسماعيل وما شابه ذلك من مقاصد. هذا في طواف القدوم، أما في طواف الإفاضة والوداع وطواف العمرة (١) كذلك فإن الحاج يكون قد تدرب على مداخل ومخارج الحرم أو معظمها وزال من قلبه أسباب قطع الكلمات على لسانه ولا سيما أن طواف الإفاضة والعمرة بعد النفرة من عرفات يقع في ذروة اجتماع أعداد المسلمين في الحرم إذ تغيب في هذا الزحام كلمات الأئمة والدعاة، وتضيع معه حشرجة الحناجر خصوصاً عندما تلاحقها جمل دعاء من أفواج أخرى ربما تكون أندى صوتاً من هذا الداعي، وربما انتهت بقافية ثابتة زادت الحالة الدعائية حول البيت إرباكاً واضطراباً مما يوقع الطائفين بحالة من التشويش تصل إلى حد التداخل بين الأدعية وبين الجماعات المتلاصقة المتلاحقة كالبحر الهادر حول ينابيع الخير في أرض العطاء حينئذ نجد أكثر من مغزى لكلام فضيلة الدكتور القرضاوي والله تعالى أعلم. * * *

стр. 230

فضل شعيرتي الصفا والمروة قال جابر: "ثم نزل إلى المروة حتى (إذا) انصبت قدماه (رمل) (١) في بطن الوادي حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة": الصفا والمروة جبلان صغيران على مقربة من البيت العتيق تصل المسافة بينهما إلى (٣٩٥ متراً) (٢) إلّا أن ميدان السعي المستطيل اتصل اليوم بالمسجد الحرام بعد التوسعة السعودية الثانية الأكبر في تاريخ تجديد هذا المسجد المبارك وقد بدا بعدها أنه بجبليه دخل في حدود المسجد الحرام وليس الأمر كذلك فإنهما وما بينهما لا يأخذان حكم المسجد إلى يوم القيامة وهو ما نبه عليه أستاذنا الدكتور نور الدين عتر في قوله: "لكن مكانهما وكذا المسعى الذي بينهما ليس من المسجد فلا يأخذ حكم المسجد فليعلم" (٣).

стр. 231

والصفا عند أهل اللغة جمع صفاة وهي الصخرة الملساء والجمع صفاً بالقصر (١) والصفا عند أهل مكة جبل صغير يقع طرفاً لجبل أبي قبيس. والمروة عند أهل اللغة الصخرة البراقة التي تقدح منها النار. قال الإمام اللغوي محمد بن أبي بكر الرازي صاحب مختار الصحاح: " (المرو) حجارة بيض برّاقة تقدح منها النار. الواحدة (مَرْوة) وبها سمّيت المروة بمكة" اهـ. فالمروة جبل صغير يقع في نهاية الطريق الممتد من جبل الصفا. وبين هذين الجبلين يقع بطن واد كانت تهرول فيه أمنا هاجر ﵂ في سعيها الحثيث طلبا للماء تارة من جهة جبل الصفا وتارة من جانب جبل المروة، وقد أُمرنا بإحياء ذكراها العطرة على غرار السنة الإسلامية في إحياء ذكرى الأنبياء والصالحين (٢) وهي التي هاجرت في سبيل الله وأحسنت في غربتها ووحدتها وشدة حاجتها الظن بالله حتى قالت عن الله كلمتها التي مضت مَضرباً للمثل بين الأجيال "إذن لايضيعنا" (٣).

стр. 232

هذا الوادي (١) الواقع في طريق الساعين بأمر الله بين الصفا والمروة يعرفه كل زائر ويعرف معه بدء السعي ومنتهاه وهيئته وهو ما يختص بأحكام في ميزان الفقه الإسلامي سآتي على ذكرها بإذنه تعالى، لكن بعد أن نعرج معاً بمزيد من التفصيل على فضل كل من الصفا والمروة من حيث ما ورد في كلٍّ من أحداث ووقائع وما جاء من آثار. البداية بداهة من الصفا؛ لأنها مقدمة على المروة في مذهب أكثر العلماء؛ لأن ربنا جلّ وعلا بدأ بها إشعاراً بشرفها واهتماماً بها؛ ولأن الصفا أقرب إلى البيت (٢)؛ ولأن السعي من الصفا أصل والمروة له تابع بحيث لو بدأ الساعي بينهما بالمروة لم يعتدّ بسعيه حتى يصل إلى الصفا وحينئذ تحسب البداية منها ويقع ما سبقها لغواً (٣). بعد هذا البيان التمهيدي إليك ما وقع تحت يدي من نصوص في الأحداث التي جرت على الصفا: أولاً: أخرج البخاري في صحيحه (٤) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ (٥) [الشعراء: ٢١٤] ورَهْطَكَ

стр. 233

منهم المُخْلَصِينْ، خرج رسول الله ﷺ حتى صَعِدَ الصفا، فهتف: "يا صباحاه" (١) فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا إليه، فقال: "أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل، أكنتم مصدقيّ؟ قالوا: ما جربنا عليك كذباً قال: فإني نذير لكم بين يَدَيْ عذابٍ شديدٍ. قال أبو لهب (٢): تباً لك ما جمعتنا إلّا لهذا، ثم قام، فنزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ

стр. 234

(١)﴾ وقد تب هكذا قرأها الأعمش يومئذ. فهذه الواقعة العظيمة التي تُرجمت قرآناً يتلى ودونت في صحيح الإمام محمد بن إسماعيل البخاري تعد من أبرز المشاهد التي رافقت صدر الإسلام حيث وقف النبي ﷺ على جبل الصفا ليعلن من هناك الجهر بالدعوة الإسلامية لتبدأ سلسلة من الأحداث الجهادية أظهر فيها محمد ﷺ وصحبه الكريم من الصبر والثبات ما لا تحتمله الجبال حتى رفع الله بصدقهم ويقينهم بوعد الله الذي لا يُخْلَفُ راية هذا الدين عالية خفّاقة.

стр. 235

ثانياً: ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس قال: قالت قريش للنبيّ ﷺ : اُدع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهباً ونؤمنَ بك قال: وتفعلون؟ قالوا: نعم قال: فدعا فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السَّلام ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهباً فمن كفر بعد ذلك منهم عذبته عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة. قال: "بل باب التوبة والرحمة" (١). ثالثاً: ما أخرجه مسلم في صحيحه عن الوفود التي وفدت على معاوية في رمضان وكان فيما بينهم أبو هريرة راوي الحديث الذي خاطب جموعهم قائلا: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار فذكر فتح مكة وما كان فيه من أحداث جليلة، ومن ذلك قول أبي هريرة: فنظر فرآني أي رسول الله ﷺ فقال أبو هريرة: قلت: لبيك يا رسول الله فقال: لا يأتيني إلّا أنصاري ثم أمر رسول الله ﷺ بالأنصار أن يوافوه عند الصفا (٢)، ثم دخل رسول الله ﷺ مكة المكرمة وصعد على الصفا ثم جاءت الأنصار فأطافوا بالصفا ثم جاء أبو سفيان إلى الصفا فقال يا رسول الله خضراء قريش لا خضراء بعد اليوم، فأجابه رسول الله ﷺ بقوله: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن" (٣) فتأثرت الأنصار من هذا الكلام فقالت: أما

стр. 236

الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته! فلما نزل الوحي أخبر بذلك رسولَ الله ﷺ فالتفت ﷺ إلى الأنصار فأقرّوه بما قالوا فقال رسول الله ﷺ : "كلا، إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله، وإليكم، المحيا محياكم، والممات مماتكم، فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلّا الضنَّ (١) بالله وبرسوله، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله ورسولهَ يصدِّقَانِكُمْ ويعذِرَانِكُمْ" (٢). ثم إن رسول الله ﷺ أقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه ثم طاف بالبيت، ثم أتى على صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه وفي يد رسول الله ﷺ قوس وهو آخذ بِسِيَةِ (٣) القوس، فجعل يطعن الصنم في عينه ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] فلمّا فرغ من طوافه (٤) ﷺ أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت ورفع يديه فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء الله له أن يدعو (٥). ومن تمام الرواية ما حكاه أبو هريرة عن قيام خالد بن الوليد والزبير بن العوام على مُجَنَّبَتي (٦) جيش الفتح وقول رسول الله ﷺ لخالد ومن معه: "موعدكم الصفا".

стр. 237

فهذه أربعة مشاهد يرسم مسارها وأحداثها الخط البياني للحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: المشهد الأول: هتاف رسول الله ﷺ في الأنصار وقد قال بيديه إحداهما على الأخرى "حتى توافوني على الصفا". المشهد الثاني: انتقال هذا القول من دائرة التجريد إلى حيز التجسيد حيث صعد رسول الله ﷺ على الصفا، ثم وافاه الأنصار فأطافوا بالصفا، ثم كان ما كان بينه ﷺ وبين الأنصار حيث انتهى إليهم ﷺ بالقول: "المحيا محياكم والممات مماتكم". وكذا ما كان بين رسول الله ﷺ وأبي سفيان والذي انتهى بقوله ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ... " في صورة تعكس أخلاق النّبيّ ﷺ وإسلامه في كتم الغيظ والعفو عن المعتدين ولو طردوه وحاربوه وطلبوا رأسه الشريف مراراً حياً أو ميتاً فهل عرفت البشرية فاتحاً أرحم من محمد ﷺ ؟ . المشهد الثالث: قول رسول الله ﷺ لخالد بن الوليد ومن معه من الذين أخذوا بطن الوادي أسفل مكة (١): "موعدكم الصفا" في حين سلك رسول الله ﷺ ومن معه من أفراد كتيبته طريقاً آخر من أعلى مكة وضرب للفريقين موعداً داخل مكة على الصفا وهي الجملة النبوية التي أطلقت على أبواب مكة قبل دخولها. المشهد الرابع: هيئة العبودية والتواضع والدعاء بين يدي الله تعالى التي مارسها رسولنا محمد ﷺ على مرأى ومسمع من أصحابه الكرام على جبل الصفا شكراً لربه وتعليماً لأمته بدليل أنه لم يكن يؤدي سعياً لنُسك بل لم يكن يؤدي سعياً أصلاً؛ لأنه ﷺ

стр. 238

دخل مكة فاتحاً حلالاً ومغِفَر القتال على رأسه الشريف. إن إنفراد رواية مسلم بمشهد واحد مما ذكرته ليكفي للدلالة على فضيلة الصفا فكيف وقد اجتمع فيها أربعة مشاهد رائعة لو تعمدنا استقصاء تفصيلاتها لتطلب منا ذلك إفرادها ببحث مستقل نفيس. رابعاً: ماجاء في تفسير الطبري والشوكاني لقوله تعالى ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرِجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآَيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢]. فدابة الأرض واحدة من علامات القيامة الكبرى التي تخرج بين يدي الساعة. هذا الحدث الجلل تعددت أقوال المفسرين في المكان الذي تخرج منه: فمن قائل: إنها تخرج من تهامة. ومن قائل: إنها تخرج من صخرة من شعب أجياد. ومن قائل: إنها تخرج من صدع في الكعبة (١). لكن الكثير من الأقوال تذكر أن دابة الأرض تخرج من الصفا، وفي هذا أخرج الإمام الطبري عن عطاء قال: رأيت عبد الله بن عمرو وكان منزله قريباً من الصفا رفع قدميه وهو قائم وقال: لو شئت لم أضعْها حتى أضعها على المكان الذي تخرج منه الدابة. وروى كذلك عن حسان بن حمصة قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: لو شئت لانتعلت بنعلي هاتين فلم أمس الأرض قاعداً حتى أقف على الأحجار التي تخرج الدابة من بينها ولكأني بها قد خرجت في عقب ركب من الحاج قال: فما حججت قط إلّا خفت تخرج بعقبنا. كما روى الإمام الطبري عن حذيفة بن اليمان قال: قلت يا رسول الله ﷺ : من أين تخرج؟ - أي الدابة- قال: من أعظم المساجد حرمة على الله بينما عيسى يطوف بالبيت

стр. 239

ومعه المسلمون إذ تضطرب الأرض تحتهم تحرُّك القنديل، وينشق الصفا مما يلي المسعى، وتخرج الدابة من الصفا، أول ما يبدو رأسها ملمعة ذات وبر وريش لم يدركها طالب، ولن يفوتها هارب، تُسمِّي الناس: مؤمن وكافر، أما المؤمن فتترك وجهه كأنه كوكب دري وتكتب بين عينيه: مؤمن. وأما الكافر فتنكت بين عينيه نكتة سوداء: كافر (١). وفي رواية أُخرى له عن حذيفة بن أسيد قال: للدابة ثلاث خرجات: خرجة في بعض الوادي ثم تكمن، وخرجة في بعض القرى حين يهريق فيها الأمراء الدماء ثم تكمن، فبينا الناس عند أشرف المساجد وأعظمها وأفضلها إذْ ارتفعت بهم الأرض فانطلق الناس بهم هراباً وتبقى طائفة من المؤمنين ويقولون: إنه لا ينجينا من الله شيء فتخرج عليهم الدابة تجلو وجوههم مثل الكوكب الدري ثم تنطلق فلا يدركها طالب، ولا يفوتها هارب، وتأتي الرجل يصلي فتقول: والله ما كنت من أهل الصلاة فيلتفت إليها فتخطمه. وفي رواية له أن عمر قال: يبيت الناس يسيرون إلى جمع وتبيب دابة الأرض تسايرهم فيصبحون وقد خطمتهم من رأسها وذنبها فما من مؤمن إلّا مسحته ولا كافر ولا منافق إلّا تخبطه (٢). هذه الدابة (٣) تخرج يوم يسخط الله على العباد ويغضب عليهم حين يعم الفساد

стр. 240

الأرض فلا يعود هناك أمر بمعروف ولا نهي عن منكر بدليل تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٨٢] بغضب الله وسخطه (١). والخلاصة أنَّ القرآن ذكر لنا في بيانه إحدى مقدمات الساعة وعلامة فارقة من أشراطها وهي دابة الأرض التي تخرج للبشر تكلمهم أن الناس كانوا بآيات الله لا يؤمنون دون أن تعرج الآية على صفة تلك الدابة من طول أو ارتفاع أوشَبَهٍ، كما لم تأتِ الآية على المكان الذي تخرج منه الدابة فاليقين الذي يجب أن يعتقده كل مسلم هو أن دابة تتكلم تخرج بين يدي الساعة علامة كبرى من أشراطها لذلك فإن تعرضي لهذا الموضوع في الكتاب هو على سبيل الاستئناس في أمر ذي صلة بالبحث وإلّا فما سبق بيانه يفي بالغرض. خامساً: الصفا شهد كذلك جموع المبايعين لمحمد ﷺ بالإسلام. وعلى جبل الصفا قامت المناظرة الشهيرة بين هند ـ امرأة أبي سفيان ـ مع نسوة من قريش ورسول الله ﷺ على الصفا وعمر يعلّمهن أمر الإسلام فلما أخذ عليهن العهد أن لا يشركن بالله شيئاً ولايسرقْنَ قالت هند: وهل تسرق الحرة؟ فلما قال: ولا يزنين قالت: وهل تزني الحرة يا رسول الله ﷺ ؟ فلما قال: ولا يعصينك في معروف قالت: بأبي أنت وأمي ما أكرمك وما أحسن ما دعوت إليه (٢). سادساً: عند الصفا قام أبو جهل بضرب رسول الله ﷺ بحجر شج به رأسه ونزف بسببه الدم فوصل الخبر إلى حمزة بن عبد المطلب قبل إسلامه وهو في نادي قريش عند

стр. 241

الكعبة فانتهره بقوله: تشتم ابن أخي وأنا على دينه ثم ضربه بالقوس فشجه شجة منكرة (١). سابعاً: عنون الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري في صحيحه المعروف بصحيح ابن خزيمة في الباب (٢١٠) بالعنوان التالي: "باب الدعاء على أهل الملل والأوثان على الصفا والمروة بأن يهزموا ويزلزلوا" ثم ساق السند والحديث التالي حين قال: حدثنا يحيى بن حكيم حدثنا يحيى - يعني ابن سعيد - حدثنا إسماعيل بن أبي خالد حدثنا عبد الله بن أبي أوْفى قال: اعتمر رسول الله ﷺ فطاف بالبيت، ثم خرج يطوف بين الصفا والمروة، فجعلنا نستره من أهل مكة أن يرميه أحد منه أو يصيبه بشيء، فسمعته يدعو على الأحزاب يقول: اللهمّ مُنْزِلَ الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهمّ اهزمهم وزلزلهم (٢). الجزء الثاني: المروة: إن أول ما يرد في فضل المروة قيام هاجر على الجبل تنظر هل ترى من أحد تكرر ذلك مراراً، وهو ما رويناه عن البخاري في صحيحه. أما ثاني ما يرد في فضل المروة فهو النحر عندها. روى الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي عن ابن عباس عن معاوية بن أبي سفيان قال: قصّرْنا عن رسول الله ﷺ في عمرته على المروة بمشقص (٣) " (٤).

стр. 242

وروى عن عبد الله بن عمر عن نافع أن ابن عمر ﵁ كان ينحر بمكة عند المروة وينحر بمنى عند المنحر (١). فالمروة هي الغاية التي ينتهي إليها الحجاج والعمار في سعيهم في نهاية كل شوط وفي نهاية السعي كله، لذلك فضّلها بعضهم على الصفا؛ لأن الساعين يمرون عليها أربعاً من أصل سبع مرات (٢). كما أن اختصاصها باستحباب النحر عندها دون الصفا استدلال آخر لتفضيلها عند هؤلاء. لكن نحر الهدي وذبح الذبائح ليس مختصاً بالمروة بدليل ما أورده الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري بإسناد صحيح من طريق أسامة أن عطاء بن أبي رباح حدثه أنه سمع جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله ﷺ : "وكل فجاج مكة طريق ومنحر" (٣) لذلك قال الإمام ابن حجر الهيتمي في مناقشة مَن فَضّل المروة لاختصاص المنحر بها: "ويجاب عنه بأن اختصاصها بذلك لا يدل على أفضليتها؛ لأنه ليس لذاتها بل؛ لأنها محل للتحلل لا مطلقاً بل بالنسبة للعمرة ومن ثم شاركتها منى في ذلك في الحج لكونها محل تحلله فالاختصاص للأمر العارض عندها لا

стр. 243

لأفضليتها" (١). الجزء الثالث: المسعى: روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي الطفيل من حديث طويل لابن عباس جاء في القطعة الثالثة منه: "قلت: ويزعم قومك أن رسول الله ﷺ سعى بين الصفا والمروة وأن ذلك سنة؟ قال: صدقوا. إن إبراهيم لمّا أُمر بالمناسك عرض له الشيطان عند المسعى فسابقه فسبقه إبراهيم ثم ذهب به جبريل إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات ... " (٢). بعد هذا البيان عود على بدء: من أحكام السعي المشي والهرولة كل في موضعه: فالمستحب المشي للساعي وهو يهبط إلى الوادي في نزوله من الصفا وسعيه نحو المروة حتى إذا ما بقي بينه وبين الميل الأخضر الأول قدر ستة أذرع (٣) سعى سعياً شديداً فوق الرمل (٤) إلى أن يصل إلى الميل الثاني عن يمين المسعى عند باب العباس المتصل بدار

стр. 244

العباس ﵁ (١) ومن هناك يعاود المشي حتى يدرك جبل المروة صعوداً إليه من الوادي الذي نزل إليه من الصفا. فالسنة السعي الشديد فيما بين الميلين الأخضرين وفق ما ذكرنا وهو دون الجري ويعرف بالعدو أو الإسراع والسنة المشي فيما عدا ذلك اقتداء منّا برسول الله ﷺ الذي راعى هيئة أمه هاجر ﵂ في مشيها وعَدْوِها فنعم المقتدي والمقتدى. قال الإمام النووي: "وهذا السعي مستحب في كل مرة من المرات السبع في هذا الموضع، والمشي فيما قبل الوادي وبعده، ولو مشى في الجميع أو سعى في الجميع أجزأه وفاتته الفضيلة. هذا مذهب الشافعي وموافقيه. وعن مالك فيمن ترك السعي الشديد في موضعه روايتان: إحداهما كما ذكر والثانية تجب إعادته" (٢). كل هذا فهمه العلماء من صحيح مسلم وسائر الروايات السابحة في بحر هذه المسألة ومنها قول جابر: "ثم نزل إلى المروة"، والنزول يكون بالمشي فالكلمة تفيده؛ ولأن النازل يخشى الوقوع فلا يعمد إلى الإسراع بدليل الرواية الأخرى في الموطأ وغيره: حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى يخرج منه". هذا السعي بهيئتيه: المشي والعَدْوِ يسن فيه تحرّي زمن الخلوة وهي المسألة التي يشترك فيها الطواف مع السعي تجنّباً من إيذاء الناس؛ لأن ترك السنة وهي هنا هيئة في

стр. 245

الفعل أولى من تعريض حرمة المسلمين للأذى أو تعريض المسلم نفسه للأذى، لذلك لا ضير في وقت الازدحام الذي يمنع من أداء سنة السعي الشديد بين الميلين أن يتشبه الساعي في حركته بمن يهرول فيظهر وكأنه يؤدي ذلك، تماماً كما يفعل الطائف عند عجزه عن الرمل (١). ثم إن الذي يسعى مهرولاً بينهما هو الذَكر وحده دون الأنثى -ومثلها الخنثى - رحمة بها فتمشي في جميعه. هذه هي فتوى الفقهاء لكنني وجدت لأستاذنا الدكتور مصطفى البغا حفظه الله استثناء بشرطه وهو فيما لو خشيت المرأة على نفسها من الضياع إن فارقت محرمها بسبب تخلفها عن العَدْوِ معه فلها حينئذ أن تقوم بالسعي الشديد معه (٢). والسعي ماشياً لا راكباً هو الأفضل عند علماء الشافعية ما لم يكن معذوراً فإن ترك المشي ولو لغير عذر فسعيه صحيح ولا شيء عليه؛ لأنّ القول بجواز الركوب هو قول الجمهور خلافاً لمذهب الحنفية الذين ذهبوا إلى أن من ركب في السعي بلا عذر فعليه شاة وحجه تام (٣) وذلك عليه حرام إلّا إن عجز عن المشي ولو مع الاستراحات. ومن السنة الموالاة بين أشواط السعي السبعة والموالاة كذلك بين الطواف

стр. 246

والسعي، فإن طاف في يوم وسعى في آخر جاز ذلك مع الكراهة حتى لو توقف أثناء السعي لحديث أو غيره جاز لكن كره له ذلك أيضا (١). قال الإمام النووي: "ويستحب الموالاة (٢) بين مرات السعي، وبين الطواف والسعي، فلو تخلل بينهما فصل لم يضر بشرط أن لا يتخلل بينهما ركن فلو طاف للقدوم ثم وقف بعرفة لم يصح سعيه بعد الوقوف مضافاً إلى طواف القدوم، بل عليه أن يسعى بعد طواف الإفاضة (٣). وإذا لم يتخلل ركن فلا فرق بين تأخير السعي عن الطواف، وتأخير بعض مرات السعي عن بعض، وكذا بعض مرات الطواف عن بعض حتى لو رجع إلى وطنه ومضى عليه سنون كثيرة جاز أن يبني على ما مضى من سعيه وطوافه لكن الأفضل الاستئناف" (٤). وقال الإمام النووي أيضا: "والموالاة بين مرات السعي مستحبة فلو فرق بلا عذر تفريقاً كثيراً لم يضر على الصحيح كما سبق لكن فاتته الفضيلة. ولو أقيمت الجماعة وهو يسعى أو عرض له مانع قطع السعي فإذا فرغ بنى على ما مضى" (٥). وافترق السعي عن الطواف فلا يسن عقبه صلاة؛ لأنه لم يثبت ذلك عن رسول الله ﷺ لذلك لا غرو أن نجد الإمام عمرو بن الصلاح ﵀ يقول: ينبغي أن يكره ذلك؛ لأنه ابتداع شعار" (٦).

стр. 247

السعي بين الصفا والمروة الذي هو أفضل من الوقوف بعرفة عند بعض الفقهاء له واجبات وآداب تتكامل صورته بها أوجزها لك بما يلي: الواجب الأول: يتمثل في البداية من الصفا انسجاماً مع النظم القرآني واقتداء بفعل رسول الله ﷺ الذي قال: "أبدأ بما بدأ الله به"، وفي رواية للنسائي بإسناد صحيح "ابدؤوا بما بدأ الله به" (١) أي بصيغة الجمع والأمر. الواجب الثاني: ختم الأشواط المفردة ومنها الأول وكذا أشواط السعي السبعة بالمروة، تماشياً مع الآية الكريمة واتباعاً لرسول الله ﷺ . هذا هو المذهب الصحيح الذي عليه جماهير العلماء في شتى مذاهب الإسلام وهو ما عليه عمل الناس في الأزمنة المتقدمة والمتأخرة كما نص على ذلك إمامنا النووي الذي ساق قولاً فاسداً رده بعد أن

стр. 248

مهد له بما قلت آنفاً وفيه نقرأ: "وذهب جماعة من أصحابنا إلى أنه يحسب الذهاب والعود مرة واحدة قاله من أصحابنا أبو عبد الرحمن ابن بنت الشافعي، وأبو حفص بن الوكيل، وأبو بكر الصيرفي، وهذا قول فاسد لا اعتداد به ولا ينظر إليه وإنما ذكرته للتنبيه على ضعفه لئلا يغتر به من وقف عليه والله تعالى أعلم" (١). الواجب الثالث: الترتيب بين أشواط السعي بحيث يبدأ بالصفا وينتهي بالمروة ثم تتوالى الأشواط. الواجب الرابع: إتمام سبعة الأشواط يقيناً، فلو شك بالعدد أخذ بالأقل معتمداً على اليقين كما في الصلاة والوضوء. هذا إن شك في أثناء السعي أما بعد الفراغ من ذلك فلا يؤثر الشك عليه كالصلاة تماماً وهو نظير ما لو شك وهو يقرأ الفاتحة هل قرأ آية كذا منها أو لا فإنه يستأنف القراءة، أما لو شك بذلك بعد إنجاز قراءتها فلا يضر، حتى ولو وقع الشك قبل الركوع (٢). هذا بالنسبة إلى شك نفسه أما بالنسبة لمن يشك ويرى أنه أتمّ سبعة أشواط لكن أخبره ثقة ببقاء شوط أو أكثر عليه فهل يأخذ بقوله؟

стр. 249

المعتمد عند الشافعية أنه لا يجب عليه ذلك لكن يستحب فقط العمل بخبر الثقة (١). الواجب الخامس: استيعاب جميع المسافة ما بين الصفا والمروة في سعيه اقتداء بفعل النبي محمد ﷺ ، فلو بقي منها بعض خطوة لم يصح سعيه (٢). وليتذكر أحدنا أن نهاية الحاجز الذي تمر بين جانبيه عربات العجزة ليس نهاية المسعى لا في الذهاب ولا في الإياب ولا بد من صعوده قليلاً. الواجب السادس: اشترط الشافعية أن يؤدى السعيُ بعد طواف ركن أو قدوم ولا يصح بعد طواف نفل أو وداع (٣). وبناء على شرط الشافعية فقد قالوا: من سعى بعد طواف القدوم لم يسن له إعادة

стр. 250

السعي بعد طواف الإفاضة، بل تكره إعادته؛ لأنه ليس من العبادات المستقلة التي يشرع تكرارها والإكثار منها كما مر، أما إن أخر السعي إلى ما بعد طواف الوداع فتجب عليه إعادة طواف الوداع لا غير؛ لأن وداع البيت بالطواف يأتي بعد الفراغ من سائر أعمال الحج (١). أما لو أحرم من بمكة بحج منها ثم تنفّل بطواف وأراد السعي بعده فلا يصح، ولو فعله فتجب عليه إعادته بعد طواف الإفاضة (٢). وإذا تأخر السعي عن وقته الأصلي - وهي أيام النحر والتشريق - بعد طواف الإفاضة ولم يكن قد رجع إلى أهله فلا يضره أن يسعى بعدها؛ لأنه أتى بما وجب عليه؛ ولأنه أدى السعي في زمانه الممتد لكنه بذلك يخالف السنة في تركه السعي أيام النحر والتشريق (٣). أما إذا كان قد رجع إلى أهله فعند الشافعية والجمهور يلزمه أن يعود أدراجه إلى مكة ويسعى؛ لأنه لا يتحلل التحلل التام إلّا به، ولا بدمنه ولو رمى جمرة العقبة وطاف للإفاضة. هذا ويمكن في هذه الواقعة لمن لا يتمكن من العودة من وطنه إلى مكة بعد مغادرة أرض الحرمين إلَّا بعد زمن طويل سيبقى فيه محرماً وفق مذهب الشافعية أن يقلد مذهب السادة الحنفية القائلين بأن لا ركنية للسعي مكتفين بأنه
следующие страницы →