والسعي، فإن طاف في يوم وسعى في آخر جاز ذلك مع الكراهة حتى لو توقف أثناء السعي لحديث أو غيره جاز لكن كره له ذلك أيضا (١). قال الإمام النووي:
"ويستحب الموالاة (٢) بين مرات السعي، وبين الطواف والسعي، فلو تخلل بينهما فصل لم يضر بشرط أن لا يتخلل بينهما ركن فلو طاف للقدوم ثم وقف بعرفة لم يصح سعيه بعد الوقوف مضافاً إلى طواف القدوم، بل عليه أن يسعى بعد طواف الإفاضة (٣). وإذا لم يتخلل ركن فلا فرق بين تأخير السعي عن الطواف، وتأخير بعض مرات السعي عن بعض، وكذا بعض مرات الطواف عن بعض حتى لو رجع إلى وطنه ومضى عليه سنون كثيرة جاز أن يبني على ما مضى من سعيه وطوافه لكن الأفضل الاستئناف" (٤).
وقال الإمام النووي أيضا: "والموالاة بين مرات السعي مستحبة فلو فرق بلا عذر تفريقاً كثيراً لم يضر على الصحيح كما سبق لكن فاتته الفضيلة. ولو أقيمت الجماعة وهو يسعى أو عرض له مانع قطع السعي فإذا فرغ بنى على ما مضى" (٥).
وافترق السعي عن الطواف فلا يسن عقبه صلاة؛ لأنه لم يثبت ذلك عن رسول الله ﷺ لذلك لا غرو أن نجد الإمام عمرو بن الصلاح ﵀ يقول: ينبغي أن يكره ذلك؛ لأنه ابتداع شعار" (٦).
стр. 247
السعي بين الصفا والمروة الذي هو أفضل من الوقوف بعرفة عند بعض الفقهاء له واجبات وآداب تتكامل صورته بها أوجزها لك بما يلي:
الواجب الأول: يتمثل في البداية من الصفا انسجاماً مع النظم القرآني واقتداء بفعل رسول الله ﷺ الذي قال: "أبدأ بما بدأ الله به"، وفي رواية للنسائي بإسناد صحيح "ابدؤوا بما بدأ الله به" (١) أي بصيغة الجمع والأمر.
الواجب الثاني: ختم الأشواط المفردة ومنها الأول وكذا أشواط السعي السبعة بالمروة، تماشياً مع الآية الكريمة واتباعاً لرسول الله ﷺ . هذا هو المذهب الصحيح الذي عليه جماهير العلماء في شتى مذاهب الإسلام وهو ما عليه عمل الناس في الأزمنة المتقدمة والمتأخرة كما نص على ذلك إمامنا النووي الذي ساق قولاً فاسداً رده بعد أن
стр. 248
مهد له بما قلت آنفاً وفيه نقرأ:
"وذهب جماعة من أصحابنا إلى أنه يحسب الذهاب والعود مرة واحدة قاله من أصحابنا أبو عبد الرحمن ابن بنت الشافعي، وأبو حفص بن الوكيل، وأبو بكر الصيرفي، وهذا قول فاسد لا اعتداد به ولا ينظر إليه وإنما ذكرته للتنبيه على ضعفه لئلا يغتر به من وقف عليه والله تعالى أعلم" (١).
الواجب الثالث: الترتيب بين أشواط السعي بحيث يبدأ بالصفا وينتهي بالمروة ثم تتوالى الأشواط.
الواجب الرابع: إتمام سبعة الأشواط يقيناً، فلو شك بالعدد أخذ بالأقل معتمداً على اليقين كما في الصلاة والوضوء. هذا إن شك في أثناء السعي أما بعد الفراغ من ذلك فلا يؤثر الشك عليه كالصلاة تماماً وهو نظير ما لو شك وهو يقرأ الفاتحة هل قرأ آية كذا منها أو لا فإنه يستأنف القراءة، أما لو شك بذلك بعد إنجاز قراءتها فلا يضر، حتى ولو وقع الشك قبل الركوع (٢).
هذا بالنسبة إلى شك نفسه أما بالنسبة لمن يشك ويرى أنه أتمّ سبعة أشواط لكن أخبره ثقة ببقاء شوط أو أكثر عليه فهل يأخذ بقوله؟
стр. 249
المعتمد عند الشافعية أنه لا يجب عليه ذلك لكن يستحب فقط العمل بخبر الثقة (١).
الواجب الخامس: استيعاب جميع المسافة ما بين الصفا والمروة في سعيه اقتداء بفعل النبي محمد ﷺ ، فلو بقي منها بعض خطوة لم يصح سعيه (٢).
وليتذكر أحدنا أن نهاية الحاجز الذي تمر بين جانبيه عربات العجزة ليس نهاية المسعى لا في الذهاب ولا في الإياب ولا بد من صعوده قليلاً.
الواجب السادس: اشترط الشافعية أن يؤدى السعيُ بعد طواف ركن أو قدوم ولا يصح بعد طواف نفل أو وداع (٣).
وبناء على شرط الشافعية فقد قالوا: من سعى بعد طواف القدوم لم يسن له إعادة
стр. 250
السعي بعد طواف الإفاضة، بل تكره إعادته؛ لأنه ليس من العبادات المستقلة التي يشرع تكرارها والإكثار منها كما مر، أما إن أخر السعي إلى ما بعد طواف الوداع فتجب عليه إعادة طواف الوداع لا غير؛ لأن وداع البيت بالطواف يأتي بعد الفراغ من سائر أعمال الحج (١). أما لو أحرم من بمكة بحج منها ثم تنفّل بطواف وأراد السعي بعده فلا يصح، ولو فعله فتجب عليه إعادته بعد طواف الإفاضة (٢).
وإذا تأخر السعي عن وقته الأصلي - وهي أيام النحر والتشريق - بعد طواف الإفاضة ولم يكن قد رجع إلى أهله فلا يضره أن يسعى بعدها؛ لأنه أتى بما وجب عليه؛ ولأنه أدى السعي في زمانه الممتد لكنه بذلك يخالف السنة في تركه السعي أيام النحر والتشريق (٣). أما إذا كان قد رجع إلى أهله فعند الشافعية والجمهور يلزمه أن يعود أدراجه إلى مكة ويسعى؛ لأنه لا يتحلل التحلل التام إلّا به، ولا بدمنه ولو رمى جمرة العقبة وطاف للإفاضة. هذا ويمكن في هذه الواقعة لمن لا يتمكن من العودة من وطنه إلى مكة بعد مغادرة أرض الحرمين إلَّا بعد زمن طويل سيبقى فيه محرماً وفق مذهب الشافعية أن يقلد مذهب السادة الحنفية القائلين بأن لا ركنية للسعي مكتفين بأنه
стр. 251
واجب يلزم في حق تاركه دم؛ لأنه تركه بغير عذر (١).
ولا يشترط بالسعي عند الشافعية طهارة (٢) أو ستر للعورة ولا يجب عليه ذلك فهو أشبه بالوقوف بعرفة لذا جاز أن يسعى الجنب والحائض والنفساء بعد أن أدوا الطواف حول البيت على طهارة كاملة فيه تماماً كما جاز لهم أن يقفوا في صعيد عرفات بعد أداء الطواف حال تمام الطهارة فيه؛ لأن كلَّاً من السعي والوقوف لا يتعلق بالمسجد الحرام بل يتم خارجه فالسعي خارج المسجد الحرام ولو اتصلت توسعته بفنائه - والموقف كذلك - هو خارج حدود المسجد الحرام بل والحرم جميعاً فلم تشترط في كلٍّ الطهارة.
وقد استدل الشافعية على هذا وذاك بحديث عائشة ﵂ وقد أدركتها الحيضة في سَرِف - مكان قريب من مكة - فقال لها نبيُّنا وزوجها محمد ﵊: "فاقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي" (٣).
стр. 252
لذلك قال الإمام النووي: "يستحب أن يسعى على طهارة ساتراً عورته فلو سعى مكشوف العورة أو محدثاً أو جنباً أو حائضاً أو عليه نجاسة صح سعيه" (١).
أخيراً فإنني أشير هنا إلى سنة تفرد بها الشافعية في السعي سبق وأن أشرت إليها في أبحاث الطواف وهي الاضطباع في السعي ولنستذكر معاً أن الاضطباع في الصلاة مكروه؛ لأنه لم يثبت، ولنستحضر أن إمامنا النووي عندما تحدّث عن ذلك نص أنه لا يضطبع عند ركعتي الطواف وأنه يعود للاضطباع في السعي (٢).
ما يفعل على المروة
قال جابر: "ففعل على المروة كما فعل على الصفا":
قال الإمام النووي: "فيه أنه يسن عليها من الذكر والدعاء والرقي مثل ما يسن على الصفا وهذا متفق عليه" (٣).
* * *
стр. 253
مسألة فسخ الحج إلى عمرة وما يلحق بذلك
قال جابر: "حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتُها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليَحِلّ ولْيجعلها عمرة. فقام سراقة بن مالك بن جُعْشُمْ، فقال يا رسول الله: ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبّك رسول الله ﷺ أصابعه واحدةً في الأخرى وقال: دخلتِ العمرةُ في الحج مرتين لا بل لأبدٍ أبد":
من الخير أن أبدأ بتوضيح هذه الفقرة على وجه الإجمال، ثم أتبع ذلك بتسليط الضوء عليها فقهاً واستنباطاً وفوائد أخرى مستعيناً بتوفيق ربي لي متسلحاً بزاد الصبر والأناة والبحث وأقول:
نبينا محمد ﷺ أحرم بالحج مفرداً بدليل حديث عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع فمنّا مَن أهلّ بعمرة ومنّا مَن أهلّ بحج وعمرة ومنّا مَن أهلّ بالحج وأهلّ رسول الله ﷺ بالحج ... " (١).
ثم شاهد رسول الله ﷺ من العديد من أصحابه كراهة فعل العمرة في أشهر الحج بسبب ما كانت تزعمه العرب في جاهليتها من أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور يدفعها إلى هذا الافتئاتِ خوفها من انقطاع الزوّار عن البيت بانقضاء موسم
стр. 254
الحج فيه مما يهدد رواج بضائعهم ويوقف إقبال الناس على مشترياتهم، فابتدعوا حرمة العمرة في الأشهر المذكورة ليضمنوا معاودة الناس للزيارة والعمرة فتنشط الحركة التجارية في أسواقهم، وهو ما أدى مع الزمن إلى ترسيخ الحرمة في قلوب العرب حتى فوجئ نبينا محمد ﷺ بكراهة الكثير من أصحابه لها في هذا الوقت بالذات بالرغم من أنه ﷺ ترك لهم القرار في اختيار صور الإحرام التي يهلّون بها، فأذن بالإهلال بالعمرة، كما أذن بالإهلال بالحج، كما أذن لمن جمع في إهلاله في أشهر الحج بهما جميعاً، ولا أدلّ على هذا من حديث سيدتنا أم المؤمنين عائشة ﵂.
رواسب الجاهلية هذه عالجتها الحكمة النبوية بشتى الوسائل التربوية التي تستأصل بخبرة المربي قناعة فاسدة دون أن تقيم في نفس صاحبها اضطراباً يدفعه إلى خطأ أكبر منه.
البداية كانت من الذي ذكرت لك، فأول ما هزّ به النبي ﷺ المتأثرين ببعض أتربة الماضي المتراكمة تلك الإباحة التي أجاز بها إحرام المحرم بما شاء في أشهر الحج سواء أتى بالحج مفرداً أو قرنه بالعمرة التي أحرم بها معه، أو اقتصر فيها على العمرة وحدها.
الخطوة التالية كانت في ذي الحليفة من وادي العقيق ويومها قال ﷺ إنّ جبريل ﵇ قال له: "صلّ في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة" (١).
ولمّا لم تقف المسألة عند هذا الحد ولمّا لم يكف لها ما وضعه رسول الله ﷺ من جُرعة فقد انتقلت بنا حكمة نبينا صلوات الله وسلامه عليه إلى مرحلة متقدمة من العلاج النافع
стр. 255
بعد أن تبين أنه ما يزال في نفوس بعض الصحابة كراهية أداء العمرة في هذه الأشهر على خلفية قناعات مضت عليها سنون وسنون، وتعاقب عليها أجيال وأجيال، فما كان من أمير هذه القافلة الكريمة إلّا أن توجه إلى أصحابه بعد دنوهم من مكة في مكان معروف يقال له سَرِف بمناداتهم: "ومن كان معه هدي فليهلل بالحج مع عمرته ثم لا يحلُّ حتى يحلَّ منهما جميعاً" (١).
هذا ما دعا إليه النبي ﷺ أصحابه بتخيير دون عزيمة، ثم انتظرهم حتى دخلوا مكة وطافوا حول بيتها الحرام ثم سعوا جميعاً بين الصفا والمروة حتى انتهى بهم المطاف إلى جبل المروة، ولم يبق أمام من أحرم بعمرة إلّا التحلل بركن الحلق أو التقصير وحينئذ خاطب جماهير الصحابة بعزم أوحاه الله إليه لا تردد فيه ولا إهمال وفيه قال:
"لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة":
إنه التلطف والتحبب الذي كان يسوس به رسول الله به أصحابه لذلك أدخل على مسمع من أصحابه العمرة على الحج فصار به قارناً وبهذا أتى بالعمرة في أشهر الحج، ثم علل لهم أنه لو لم يسق الهدي لفسخ حجه إلى عمرة على النحو الذي أتى على ذكره جابر في حديثه. كما أخبر ﷺ أصحابه الكرام أنه لو استقبل من أمره ما استدبر لما ساق الهدي ولجعل حجه عمرة تأكيداً منه على جوازها في هذا الوقت بالذات من السنة الهجرية، وتصميماً على اقتلاع عادة جاهلية لا تمت إلى شرع الله بصلة وهو الذي قدّم فيه رسول الله ﷺ شتى الوسائل وبألوان البيان والتربية، وهو ما جعل عبارته المباركة تقطر
стр. 256
حباً ومواساة لجيل ما زال الكثير من شرائحه حديثي عهد بالإسلام، وما زالت فريضة الركن الخامس غريبة عنهم مقارنة بما ألفوه من موروثات الجاهلية فيما اعتقدوه أنه ملة إبراهيم وحجه، وهو ما تحكيه لنا الرواية الأخرى التي يسردها على مسامعنا جابر بن عبد الله بقوله: "فقام النبي ﷺ فينا فقال: قد علمتم أني أتقاكم لله، وأصدقكم وأبرّكم، ولولا هديي لحللت كما تَحِلّون .... " (١).
ولم لا يواجههم ﷺ بهذه الحقيقة وهي من جوهر الحج ونسيجه، وعائشة تروي دخوله ﷺ عليها لأَربع أو خمسٍ مضين من ذي الحجة وهو غضبان فتقول: "من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار. قال: "أو ما شعرْتِ أنيّ أمرتُ الناس بأمر فإذا هم يترددون، ولو أني استقبلتُ من أمري ما استدبرت ما سُقتُ الهَدْيَ معي حتى أشتريَهُ ثم أحلّ كما حَلُّوْا" (٢).
بعد هذه المراحل المتلاحقة المتماسكة تثمر تربية سيد الناس في قيادته لأعظم فوج حج في العالمين، وتؤتي أكلها لتزكية نفوس طالما تشبعت في أيام جاهليتها بالتبعية المطلقة لخط الآباء والأجداد دون دراية أو تمحيص في جو من الجفاف والقسوة أثّر بعمق في شخصية المسلمين في جزيرة العرب إلّا أن الإسلام أخرج من هؤلاء نشئاً آخر حوّل خُطى التقليد بغير هدى إلى خطى اتباع للعلم وإلى انفتاح ببصيرة تعمل معها عين العقل والقلب والرأس مجتمعات لذلك ما كان لهذه الانعطافة الحاسمة في حياة الصحابة أن تفلح لولا الإيمان الراسخ بالله، واليقين الصادق بنبوة رسول الله ﷺ ، والحب الذي ملأ قلوبهم لنبيهم محمد ﵊ الذي جعل منهم أخيراً قادة الدنيا وسادتها
стр. 257
وحملة لواء الرحمة للعالمين وهم الذين كانوا من قبل يئدون بناتهم بأيديهم وهنّ على قيد الحياة!
نعم لولا الإسلام العظيم بمنهاجه القويم، ولولا المربي الأحكم، والنبي الأعظم الذي يتراجع علماء التربية والنفس متواضعين بين يدي جلال منهجه ومقصده ونتائجه لما استئصلت عادة مستحكمة في تلك النفوس القاسية.
أجل لقد كان عملاً عظيماً كُلِّلَ بالنجاح. كيف لا، وجابر يصوّر لنا مايجلي للناس طبيعة الموقف ذاك بقوله: "فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة فكبر ذلك علينا، وضاقت به صدورنا، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فما ندري: أشيء بلغه من السماء أم شيء بلغه من قبل الناس؟ فقال: أيها الناس أَحِلّوا فلولا الهديُ الذي معي فَعَلْتُ كما فَعلتُمْ" (١).
هذا التدرج في علاج المعضلة المستحكمة ختمه رسول الله ﷺ كما مر - بما عزم به (٢) على أصحابه في صبح رابعة من ذي الحجة أن يتحللوا ويصيبوا النساء فامتثلوا لندائه وبذلك أثمرت حكمته التربوية ﷺ إذْعَاناً تاماً يستند إلى الإيمان والحب والحوار والخبرة في مخاطبة النفوس وترويضها مهما بلغ تمسكها برأيها، ولا أدل على هذا من الذي جاء في الرواية الأخرى التي يرويها لنا مسلم عن جابر قال: "فأحللنا حتى وطئنا النساء وفعلنا ما يفعل الحلال" (٣). وكذا قوله: "فقلنا لمّا لم يكن بيننا وبين عرفة خمس أمرنا أن نُفضي إلى
стр. 258
نسائنا فنأتيَ عرفة تقطر مذاكيرنا المنيَّ" (١). قال الإمام النووي: "هو إشارة إلى قرب العهد بوطء النساء" (٢).
وبالفعل فقد اغتنموا فرصة الأيام الحلال ليستمتعوا بوطء نسائهم مع أن النبي ﷺ لم يعزم عليهم بوطء النساء بل أباحه لهم فقط، وإنما عزم عليهم في الإحلال من الإحرام لمن لم يسق الهدي. كل هذا أبرز الانسجام التام بين هؤلاء الغرِّ الميامين وقائد حملتهم محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
قال الإمام النووي فيما نقله عن القاضي عياض بما يشير إلى جانب مما ذكرت: "قال القاضي عياض ﵀: الذي تدل عليه نصوص الأحاديث في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما من رواية عائشة وجابر وغيرهما أن النبي ﷺ إنما قال لهم هذا القول بعد إحرامهم بالحج في منتهى سفرهم ودنوهم من مكة بِسَرِف كما جاء في رواية عائشة أو بعد طوافه بالبيت وسعيه كما جاء في رواية جابر ويحتمل تكرار الأمر لذلك في الموضعين (٣) وأن العزيمة كانت آخراً حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة" (٤).
ثم قال إمامنا النووي في موضع آخر: "قال العلماء خّيرهم أولاً بين الفسخ وعدمه ملاطفة لهم وإيناساً بالعمرة في أشهر الحج؛ لأنهم كانوا يرونها من أفجر الفجور، ثم حتَّم عليهم بعد ذلك الفسخ وأمرهم به أمر عزيمة، وألزمهم إياه، وكره ترددهم في قبول ذلك،
стр. 259
ثم قبلوه وفعلوه إلّا من كان معه هدي والله أعلم" (١).
المبادرة إلى امتثال أمر رسول الله ﷺ لم تمنع بعض الصحابة من الاستيضاح أكثر فهذا سراقة بن مالك بن جُعْشُم يسأل: هل فعلُ العمرة في أشهر الحج خاص بهذا العام أو هو للأبد؟ ويجيبه حبيبنا محمد ﷺ بأن حكم الجواز باق إلى قيام الساعة وهي المسألة التي وعدتك فيها بمزيد من التفصيل فإليك منه ما يسكبه الباري في حبر قلمي من فيض وفتح:
أولاً: قوله: "حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: ..... ": في هذا الكلام مسألتان:
إحداها: دلالته على مذهب الشافعي والجمهور من أن السعي يبدأ بالصفا وينتهي آخراً بالمروة وتحسب المسافة بين جبليهما شوطاً وهكذا إلى سبعة أشواط والدليل أن ختام الأشواط السبعة كان على المروة (٢).
الأخرى: أن العمرة تستكمل بالطواف والسعي ويتم التحلل منها بالحلق أو التقصير.
الدليل قول السيدة عائشة ﵂: "فأما مَن أهلّ بالعمرة فأَحَلُّوا حين طافوا بالبيت وبالصفا والمروة" (٣).
كما يؤيده ما أخبر به جابر عن النبي ﷺ في أمره لمن نوى الحج من أصحابه ولم يسق الهدي أن يتحلل بعمرة: "أحلوا من إحرامكم فطوفوا بالبيت، وبين الصفا والمروة،
стр. 260
وقصّروا وأقيموا حلالاً، حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم متعة" فقالوا: كيف نجعلها عمرة وقد سمينا الحج؟ فقال ﷺ : افعلوا ما أمرتكم ولكن لا يَحِلُّ منّي حرام قبل أن يبلغ الهدي محله ففعلوا" (١).
وكذلك قوله ﷺ الذي رواه جابر: "فمن كان منكم ليس معه هدي فليَحِلَّ ولْيجعلها عمرة" (٢).
لقد أُمروا بالتحلل من عمرتهم بالطواف والسعي والتقصير فدل على أن الطواف وحده، أو دخول الحرم بعد الإحرام بعمرة أو الطواف وبعض السعي لا يجيز لصاحبه التحلل من عمرته بما ذكر ما لم يطف ويسع.
هذا وقد اختار مَنْ تحلّل من الصحابة الكرام من عمرتهم التقصير دون الحلق مع أن الأخير هو الأفضل؛ لأنهم سيحرمون بعد أيام (يوم التروية بالتحديد) بالحج وحينئذ سيتحللون منه بالحلق، فهم لذلك بحاجة لأن يبقى لهم شعر يتحللون به من فريضة الركن الخامس (٣).
وبمناسبة ذكر العمرة فإنني أعرج على أهم أحكامها:
فهي أولاً فريضةٌ عند الشافعية والحنبلية والأدلة كثيرة وأقتصر منها هنا على ما ذكره أستاذنا الدكتور نور الدين عتر حين قال: "واستدل القائلون بفرضية العمرة بما وقع في حديث عمر في سؤال جبريل ﵇: "وأن تحج وتعتمر" أخرجه بهذه الزياده
стр. 261
الدارقطني" (١).
وهي ثانياً ذات خمسة أركان: إحرام وطواف وسعي وتحلل بإزالة الشعر حلقاً أو تقصيراً وترتيب بين هذه الأركان وفق النسق المذكور.
وهي ذات ميقات زماني هو السَّنَةُ كلّها (٢)، فجميع السنة دون استثناء وقت لإحرام العمرة ووقت لجميع أفعالها، لكن قال الإمام الرملي من الشافعية: "وهي في يوم عرفة والعيد وأيام التشريق ليست كفضلها في غيرها؛ لأن الأفضل فعل الحج فيها" (٣).
وهي كذلك ذات ميقات مكاني، وميقاتها هو عين ميقات الحج لمن قدم إلى مكة، أمّا من كان بمكة أو حرمها فميقاته للعمرة أن يخرج إلى أدنى الحل إلى التنعيم أو الجعرانة أو الحديبية أو عرفة، أو ما شابه ذلك من حدود الحرم المكي من الحل المحاذي للحرم فيحرم المسلم بذلك من هناك، وأما من كانت إقامته في منطقة المواقيت أي بين الحرم والميقات من أي الجهات كان ذلك فإحرامه من حيث منزله أي من حيث أنشأ من القرية أو البلدة التي يسكنها (٤).
وفي ختام هذه الفقرة فإنني أشير إلى أنه يبدو لي من دراستي التي سبرت فيها ما
стр. 262
وقع تحت يدي من نصوص الفقهاء أن العمرة لا تفسخ إلى الحج؛ لأنه لم يَرِد في ذلك شيء، ولأن السيدة عائشة عندما أتتها الحيضة وأدركت أنها لن تتحلل منها قبل يوم عرفة لم يأمرها النبي ﷺ أن تفسخ عمرتها إلى حج، وإنما وجهها إلى أن تدخل الحج على العمرة فتصير بذلك قارنة؛ ولأننا - كما مر من كلام عائشة وغيرها - لا نخرج من العمرة إلّا بالتحلل منها حلقاً أو تقصيراً بعد إتمام سائر الأركان، هذا والله تعالى أعلم.
ثانياً: قول جابر في الفقرة السابقة:
"فقال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرتُ لم أسق الهدْيَ وجعلْتُها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هَدْيٌ فليحل وليجعلها عمرة":
عبارة خاطب بها رسول الله ﷺ أصحابه، أمر من لم يسق الهدي منهم أن يفسخ إهلاله بالحج إلى عمرة رجاء تأصيل حكم جديد في مستودع عقولهم وعاطفتهم وثقافتهم (١) وهي العلة التي لم تعد قائمة في الأجيال التي تلتهم إلى يومنا هذا وإلى قيام الساعة مماجعل الخلاف الفقهي يسري إلى هذه الجزئية حيث فهم من هذا جمهور العلماء من الشافعية والحنفية والمالكية الخصوصية بأصحاب رسول الله ﷺ فارتفع مما بينهم حاجز التهيب لفعل العمرة في أشهر الحج بعد أن فسخوا حجهم إلى عمرة فاقتدى بهم من بعدهم في إباحة العمرة في أشهر الحج.
الأدلة على هذا كثيرة منها ما ورد عن كثير من الصحابة أن الفسخ كان خاصاً
стр. 263
بأصحاب النبي ﷺ . قال أستاذنا الدكتور نور الدين عتر حفظه الله: "قد ثبت بالأسانيد الصحيحة عن كثير من كبار الصحابة أن فسخ الحج إلى العمرة كان خاصة لأصحاب النبي ﷺ في ذلك العام" (١).
أجل كان العمل يومها يحمل دمغة الخصوصية التي تمنع أن يتعدى مداه إلى غيره فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ذر ﵁ قال: "كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد ﷺ خاصة" (٢).
وفي رواية أخرى لمسلم عن أبي ذر أيضاً: "كانت لنا رخصة" (٣).
وفي رواية ثالثة عنه كذلك: "إنما كانت لنا خاصة دونكم" (٤)، وفي رابعة عن أبي ذر: "لا تصلح المتعتان إلّا لنا خاصة يعني: متعة النساء ومتعة الحج" (٥).
وقال الفاروق عمر بن الخطاب ﵁: "متعتان على عهد رسول الله ﷺ أنا أنهى عنهما، وأعاقب عليهما: متعة النساء (٦) ومتعة الحج" (٧).
وقال سيدنا عثمان بن عفان ﵁: "متعة الحج كانت لنا وليست لكم" (٨).
وروى النسائي عن الحارث بن بلال عن أبيه قال: قلت يا رسول الله: "فسخ الحج
стр. 264
لنا خاصة أم للناس عامة. فقال بل لنا خاصة" (١).
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ! ﴾ [البقرة: ١٩٦] والفسخ كما قال جمهور العلماء هو ضد الإتمام ويتنافى معه.
وقالت طائفة من العلماء: فسخ الحج إلى العمرة باق إلى يوم القيامة. قال الإمام النووي في معرض بيانه لمذهب الجمهور ومخالفيهم في هذه المسألة:
"فقال أحمد وطائفة من أهل الظاهر: ليس خاصاً بل هو باق إلى يوم القيامة فيجوز لكل من أحرم بحج وليس معه هدي أن يقلب إحرامه إلى عمرة ويتحلل بأعمالها" (٢).
كما قال إمامنا النووي:
"وقوله ﷺ : ارفضي عمرتك ليس معناه إبطالها بالكلية والخروج منها فإن العمرة والحج لا يصح الخروج منهما بعد الإحرام بنية الخروج وإنما يخرج منهما بالتحلل بعد فراغهما بل معناه ارفضي العمل فيها وإتمام أفعالها التي هي الطواف والسعي وتقصير شعر الرأس فأمرها ﷺ بالإعراض عن أفعال العمرة وأن تحرم فتصير قارنة وتقف بعرفات وتفعل المناسك كلها إلّا الطواف فتؤخره حتى تطهر وكذلك فعلت ... " (٣).
ثالثا: قول جابر في الفقرة السابقة: فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: "دخلت العمرة في الحج مرتين، لا بل لأبد أبد":
فيه أن العمرة دخلت في الحج مرتين وهو ما تكرر في رواية أخرى أخرجها الإمام
стр. 265
مسلم عن جابر فيها أن سراقة سَئَلَ ذلك بعد أن قال رسول الله ﷺ لسيدنا عليّ بن أبي طالب: فَأَهْدِ وامكُثْ حراماً، وليس فيها: بل لأبد أبد وإنما فقط، فقال: لأبد (١).
فما معنى دخلت العمرة في الحج مرتين؟
جمهور العلماء على أن المراد جواز فعل العمرة في أشهر الحج إلى يوم القيامة وهو ما يتناسب مع الفقرات السابقة من كلام جابر نقلاً عن رسول الله ﷺ ، فالنبي صلوات الله وسلامه عليه أمر من لم يسق الهدي أن يجعل حجه عمرة، أما هو ﷺ فقد أدخل العمرة على الحج. كل هذا من باب النبذ لعادة الجاهليين في تحريم العمرة في أشهر الحج، فلما قام سراقة مستفسراً عن دخول العمرة في أشهر الحج وجواز فعلها في تلك الأشهر هل هو خاص بهذا العام أو هو حكم باق إلى يوم القيامة؟ أجابه رسول الله ﷺ بل لأبد أبد، أي أبطل الشرع ما كانت تزعمه العرب في جاهليتها وأجاز فعل العمرة في أشهر الحج إجازة سارية من عصر محمد ﷺ إلى ما بعده لا خصوصية فيها حتى يرث الله الأرض وما عليها. هذا ما نقله الإمام النووي عن جماهير العلماء أما القول الثاني الذي ذكره فهو أن المقصود جواز القران إلى يوم القيامة حيث تدخل أعمال العمرة في أعمال الحج في نُسك واحد (٢).
ويبدو لي أن قوله ﷺ (مرتين) لا يقصد منه التثنية وإنّما التكرار فالمرة الأولى عندما شرعها رسول الله ﷺ بين أصحابه والثانية عندما تستجيب له أمته في كل حج قادم والله تعالى أعلم.
وبمناسبة القول الثاني وهو إدخال العمرة على الحج فقد اختلف فيه العلماء، فمن
стр. 266
جوّزه - وهم أصحاب الرأي - استدلوا عليه بفعل رسول الله ﷺ ، وما أمر به أصحابه ممن ساق الهدي، أما من منعه فقد جعلوا الأحاديث الواردة في المسألة خاصة بالنبي ﷺ وأصحابه بسبب الضرورة التي أدت إلى ذلك وهو ما تؤكده شتى القرائن الواضحة والثابتة. هذا والله تعالى أعلم (١).
أما العكس وهو إدخال الحج على العمرة فقد اتفق جمهور العلماء على إجازته. قال الإمام النووي: "وقد شذ بعض الناس فمنعه، وقال: لا يدخل إحرام على إحرام كما لا تدخل صلاة على صلاة" (٢).
وقد اشترط جمهور الفقهاء في صحة هذا الإدخال أن يقع قبل الشروع في طواف العمرة؛ لأنه بالطواف يصير شارعاً في التحلل من عمرته فلم يجز إدخال شيء عليها، وهو إذا لم يشرع بطوافه فدليل جوازه فعل ابن عمر الذي أحرم بعمرة، ثم أدخل عليها الحج حيث جمعه بها ثم قال: "هكذا صنع النبي ﷺ ". (٣)
هذا الإدخال يجعل المحرم قارناً بلا خلاف لكن اشترط الحنفية زيادة على مذهب الجمهور أن يُدخله قبل إتمام أربعة أشواط؛ لأن الأربعة عندهم تكفي في صحة الطواف؛ لأنها أكثر الطواف (٤).
قال الحنفية: إضافة إحرام العمرة إلى إحرام الحج جناية توجب الدم، أما إضافة
стр. 267
إحرام الحج إلى إحرام العمرة فجائز لا جناية فيه (١).
وقال الحنفية أيضا: من فرغ من أداء عمرته ولم يبقَ عليه إلّا أن يتحلل بالحلق فأحرم بعمرة أخرى جاز مع الكراهة؛ لأن الجمع بين إحرامين في العمرة مكروه.
وقالوا: يلزمه دم باتفاق جمهورهم؛ لأن الإحرام بالعمرة الثانية يدخل وقته بعد الحلق والتحلّل من الأولى، ولم يحصل ذلك فوجب عليه لمخالفته هذه وأيضاً بسبب جمعه بين إحرامي عمرة معاً (٢).
* * *
стр. 268
دراسة مستفيضة في روايات الإحرام وفوائد أخرى
قال الإمام مسلم: قال جابر: "وقَدِمَ عليّ من اليمن بِبُدْنِ النبي ﷺ (١)، فوجد فاطمة ﵂ ممن حلّ ولبست ثياباً صبيغاً واكتحلت فأنكر ذلك عليها فقالت: إنّ أبي أمرني بهذا. قال: فكان علي يقول بالعراق: فذهبتُ إلى رسول الله ﷺ محدّثاً على فاطمة للذي صنعت مستفتياً لرسول الله ﷺ فيما ذَكَرَتْ عنه، فأخبرته أني أنكرْتُ ذلك عليها، فقال: صدقتْ صدقت، ماذا قلتَ حين فَرَضْتَ الحج؟ قال: قلت: اللهمّ! إني أُهِلُّ بما أَهلَّ به رسولك، قال: فإنّ معي الهدي فلا تَحِلَّ. قال: فكان جماعةُ الهَدْي الذي قدم به عليٌّ من اليمن، والذي أتى به النبيُّ ﷺ مائة":
هذه القطعة من الحديث فيها جملة من الفوائد النفيسة نتناولها معاً قبل أن أعرج معك على هيئة الإحرام وما يتبعها:
الفائدة الأولى: أن الرجل إذا رأى على زوجه نقصاً في دينها أن ينكر عليها ويردها إلى رشدها؛ لأنها مسؤوليته أمام الله، وتحت رعايته، وكلُّكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته كما ورد في صحيح السنة.
هذا ما نقتدي به من خلال صهر رسول الله ﷺ وفارس الإسلام عليّ بن أبي طالب الذي قدم من اليمن ببُدْن النبي ﷺ يسوقها إلى مكة، فلما وصل إلى حيث تقيم السيدة
стр. 269
فاطمة الزهراء زوجته فوجئ بأنها قد حلت من نسكها ولبست صبيغاً، وتزينت بالكحل؛ وكلاهما مما يتنافى مع صفة الإحرام التي يصطبغ بها المحرم في عبوديته لله في رحلة الجهاد هذه التي لا يستثنى منها النساء، والتي يرتفع الجميع فيها عن الترف والركون إلى الدعة والراحة.
بيد أن سيدتنا الزهراء ليست من الصنف الذي يقتحم غمار المعصية، ويتجرأ عليها، ويعلم علي كرم الله وجهه منها ذلك لكنها الأمانة التي أنيطت بكل زوج تدفعه لهكذا غَيْرَةٍ، فيسأل ويستفسر عن هذا الذي يراه منها وهي التي دخلت مكة محرمة بالحج إلى بيت الله الحرام، فتخبره بأنها تأتمر بأمر رسول الله ﷺ الذي أمر الصحابة بفسخ الحج إلى عمرة ممن لم يسق الهدي معه. وهنا يندفع مسرعاً إلى رسول البشر قاطبة مستفتياً عن هذا الذي يسمعه من ابنة أمير هذه القافلة ﷺ مغرياً بها عند أبيها بما تنال به العتاب وهو الذي لم يكن يدور في خلده ولا في خلَد غيره من الصحابة الكرام مسألة الفسخ إلى عمرة بعد أن أهلَّ المسلمون من المدينة بالحج.
ويفاجأ هناك في حضرة سيد الخلق يجيبه: "صَدَقَتْ صَدَقَتْ" أي فيما نسبته إلى رسول الله ﷺ من القول.
إن متابعة الأهل ضمن ضوابطِ الشريعة، والتوثق من انضباط الأسرة المسلمة بالأحكام الإسلامية من قبل المختصين الموثقين الذين تلقتهم الأمة بالقبول، وعدم التسرع في إطلاق الأحكام، كل هذا من الفوائد التي تجنيها من مشهد رسمه لقاء لحظة مباركة في مسيرة أسرة مسلمة بطلاها صهر وبنت رسول الله ﷺ وثمارها ذرية آل البيت الأبرار حملة النور والبر على خُطا سنن الهدى.
الفائدة الثانية: جواز تعليق الإحرام وهو القول الذي ذهب إليه الشافعية في
стр. 270
مذهبهم، وهو أن يقول قاصد مكة في إهلاله: أحرمت بإحرام فلان، أو أحرمت كإحرامه، فيصح إحرام المعلِّق، ويكون إحرامه كإحرام فلان فإن كان فلان محرماً بحج كان المعلِّق محرماً بحج، وإن كان متمتعاً كان متمتعاً أو قارناً فهو كذلك، أما إن كان إحرام فلان معلَّقاً فإحرامه معلّق أيضاً لكن في هذه الحالة له أن يصرف إحرامه إلى ما صرف إليه فلان إحرامه إليه وله كذلك أن يصرفه إلى غيره (١).
يؤيد هذا رواية صحيح مسلم الأخرى: "فقدم عليٌّ من سِعَايته" فقال: بم أهللت؟ قال: بما أهلَّ به النّبيُّ ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : "فأَهْدِ، وا مكث حراماً ... " (٢).
كما يؤيده رواية عند مسلم في شأن أبي موسى الأشعري قال: لبيك بإهلالٍ كإهلال النّبيّ ﷺ ، فقال: قد أحسنت (٣).
إنهما القسيمان في رحلة واحدة إلى اليمن حيث أوْكل ﷺ بكل منهما مهمة هناك وبالتالي فالرجلان كانا خارج قافلة النور المتوجهة من المدينة إلى مكة بقيادة أمينها العام محمد رسول الله ﷺ قائداً ونبياً ومفتياً.
والرجلان سلكا الطريق إلى مكة كل عند إنجاز الوظيفة المناطة به، وكلاهما لم يعلمْ بما أهلّ به نبي الإسلام عليه أفضل الصلاة والسلام وهو ما جعل الحيرة ترتسم على معالم
стр. 271
وجه الصحابيين الجليلين علي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري لدى وصولهما إلى ميقات الحج من جهة اليمن كل في وقته الخاص به.
وهنا يفعلان دون ترتيب أو تنسيق بينهما فعلاً واحداً في مشهد لا يجوز لنا أن نمرّ به دون أن نحمل منه في جعبتنا العديد من العبر:
إن أي مسلم صادق في إسلامه لا ترنو عيناه إلى أفضل من رسول الله ﷺ ليقتدي به في كل جزئية من تفصيلات حياته اليومية فكيف إذا كان الشأن مرتبطاً بنسك الركن الخامس الذي يؤديه المسلمون لأول مرة بعد أن افترضه الله عليهم في السنة التاسعة للهجرة لكنهما لا يدريان ما أهلّ به رسول الله ﷺ ، وليس ثمة وسائل اتصال، فيُهلّ كل واحد منهما - وهو لم ير الآخر ولم يستشره ولم يلتق به - بإهلالٍ كإهلال رسول الله ﷺ ثم بوسع الزمن الذي يفصلهم عن مكة أن يخبرهم أخيراً بالنبأ اليقين، فما أعظمها من لوحة ساحرة، وما أرسخها من رابطة بين النبي ﷺ وأصحابه؟ وكم هي شامخة صادقة تلك النفوس التي تستطيع بالعقيدة أن تتحكم بدوافع الهوى بداخلها، وتمسك بدفة قيادة نفوسها ثم تسير وفق منهج الاتّباع السليم.
لم يعلما فلم يختارا إفراداً أو تمتعاً أو قراناً!
لم يعلما فسلَّما لإهلالٍ لم يدركا كنهه بدافع الاتّباع الصحيح مع أنهما لم يكونا على موعد مع بعضهما لا في الميقات ولا في مكة لكنه الحب الخالص من شوائب الأغراض والمصالح الدنيوية المستند إلى القناعة الكاملة والإيمان المطلق بشخص القائد النبي الذي لا ينطق عن الهوى وهو ما هيمن على الصحابة الكرام فملكوا به كل ما يدور في فلك هذا الوجود المحيط بهم حتى نفوسهم، فاستحقوا بذلك أن تدين لهم الدنيا والعروش بعد أن تحرروا بالإيمان من عبودية ما سوى الله.
стр. 272
بداية الرحلة واحدة لدى كل من علي وأبي موسى الأشعري وما تأخُّر الأول عن اللحاق بركب القافلة إلّا إقامته أميراً على سِعَاية الصدقة وأما الآخر فقد أخره عين ما أخر علياً في مهمة أنيطت به في اليمن، فأنجزها وجدّ السير يطوي الأرض طيا يقصد مكة وعندما قدم يستفسر منه رسول الله ﷺ عن إهلاله فيجيب: لبيك بإهلالٍ كإهلال النبي ﷺ فيقول: له فقد أحسنتَ، طُفْ بالبيت، وبالصفا والمروة، وأَحِلَّ (١).
أما خاتمة تلك الرحلة فقد اختلفت لدى كل من الرجلين بسبب أن علياًّ كرم الله وجهه ساق الهدي، أما أبو موسى فلم يسق الهدي معه بدليل ما جاء في الرواية الأخرى: "هل سقت من هدي؟ قلتُ: لا، قال: طف بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم حِلّ" (٢).
لذلك أمره ﷺ أن يتحلل من إحرامه بعمرة فانتسب بهذا إلى الفريق الثاني. يؤيد هذا ما جاء في الرواية الثانية "قال: فطفت بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم أتيت امرأة من بني قيس فَفَلَتْ رأسي، (٣) ثم أهللت بالحج" (٤).
وبمناسبة تقديم صورة عن هذا الفريق أو ذاك من إحرام الصحابة الكرام أجد من الخير أن أتطرق لإحرام من اختلفت الروايات فيما أهلّتْ به اختلافاً كثيراً لذلك لا بد لي من ذكر ما انتهى إليه جهابذة العلماء المحققين في إحرام أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها:
стр. 273
إن الذي ينظر لما ساقه لنا الإمام مسلم في صحيحه في إهلال السيدة عائشة - زادها الله تشريفاً وتكريماً- يقف لأول وهلة موقف المتحير التائه إلّا أن حيرته لن تطول كثيراً فيما لو بذل شيئاً من العناء في فحص ما دوّنه الفقهاء الكبار في هذه المسألة حتى جعلونا - بفضل الله - نصل إلى شاطئ الأمان في تحقيق علمي مفيد يوفق بين الروايات دون أن يقصي منها شيئاً ليكون هو الأنموذج الثالث في بيان وجوه الإحرام في رصد الصحب الكرام في صدر هذا التمحيص، وبهذا أسرد بين يدي القارئ الكريم معظم الروايات التي أتى مسلم على ذكرها ضمن دراسة التوفيق فيما بينها على نحو يستقيم به أمرها جميعاً بعد الاستعانة بفضل الله وتوفيقه (١):
الرواية الأولى: عن عروة عن عائشة ﵂ أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله ﷺ : "من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يَحِلّ حتى يَحِلّ منهما جميعاً. قالت: فقدمت مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة (٢)، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: انقُضِيْ رأسك وامتشطي (٣)،
وأهِلّي بالحج، ودَعِيْ العمرة. قالت: ففعلتُ، فلما قضينا الحج أرسلني رسول
стр. 274
الله ﷺ مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرتُ، فقال: هذه مكان عمرتك، فطاف الذين أهلّوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة ثم حلوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجّهم. وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً (١) " (٢).
الرواية الثانية: هي كذلك عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع فَمِنّا مَنْ أهلَّ بعمرة ومِنّا من أهلَّ بحج، حتى قدمنا مكة فقال رسول الله ﷺ : "من أحرم بعمرة ولم يُهْدِ فليحللْ، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يَحِلَّ حتى ينحر هديه، ومن أهلّ بحج فليتم حجه، قالت عائشة ﵂: فحضت فلم أزل حائضاً حتى كان يوم عرفة ولم أهْلِلْ إلّا بعمرة، فأمرني رسول الله ﷺ أن أَنْقُضَ رأسي، وأمتشط وأُهِلّ بحج وأترك العمرة.
стр. 275
قالت: ففعلتُ ذلك حتى إذا قضيت حجتي بعث رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن أبي بكر وأمرني أن أعتمر من التنعيم مكان عمرتي التي أدركني الحج ولم أَحْلِلْ منها (١).
الرواية الثالثة: عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: "خرجنا مع النبي ﷺ عام حجة الوداع فأهللت بعمرة ولم أكن سقت الهدي ... ". (٢).
الرواية الرابعة: قال الإمام مسلم حدثنا أبو كريب حدثنا أبو نمير حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا موافين مع رسول الله ﷺ لهلال ذي الحجة لا نرى إلّا الحج فقال رسول الله ﷺ : "من أحب منكم أن يُهلّ بعمرة فليهل بعمرة فلولا أني أهديت لأهللت بعمرة. قالت: فكان من القوم من أَهلّ بعمرة، ومنهم من أهل بالحج قالت: فكنتُ أنا ممن أهل بعمرة فخرجنا حتى قدمنا مكة، فأدركني يوم عرفة وأنا حائض لم أَحل من عمرتي، فشكوت ذلك إلى النبي ﷺ فقال: "دعي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي وأهِلّي بالحج". قالت: ففعلتُ. ولما كانت ليلة الحَصْبة (٣)، وقد قضى الله حجنا أرسل معي عبد الرحمن بن أبي بكر، وأردفني، وخرج بي إلى التنعيم، فأهللتُ بعمرة فقضى الله حجنا وعمرتنا ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم (٤)
" (٥).
стр. 276
الرواية الخامسة: روى مسلم عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع النبي ﷺ ولا نرى إلّا الحج حتى إذا كنّا بِسَرِف أو قريباً منها حضت .... (١).
الرواية السادسة: عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلّا الحج (٢) حتى جئنا سَرِفَ فَطَمِثْتُ، (٣) فدخل عليَّ رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال ما يبكيكِ؟ فقلت: والله لوددت أني لم أكن خرجت العام، قال: ما لكِ؟ لعلك نَفِسْتِ؟ (٤) قلت: نعم. قال: هذا شيء كتبه الله على بنات آدم. افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري. قالت: فلما قدمتُ مكة قال رسول الله ﷺ لأصحابه: اجعلوها عمرة. فأحلّ النّاس إلّا من كان معه الهدي. قالت: فكان الهدي مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وذوي اليسارة، ثم أهلّوا حين راحوا. قالت: فلما كان يوم النحر طَهُرْتُ، فأمرني رسول الله، فأفضتُ.
قالت: فأتينا بلحم بقر،
стр. 277
فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أهدى رسول الله ﷺ عن نسائه البقر فلما كانت ليلة الحَصْبَةِ قلت: يا رسول الله يرجع الناس بحجة وعمرة وأرجع بحجة قالت: فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر فأردفني على جمله قالت: فإني لأذكر وأنا جارية حديثة السن أنْعَسُ فتصيبُ وجهي مؤخرةُ الرَّحْلِ حتى جئنا التنعيم فأهللتُ منها بعمرة جزاءً بعمرة الناس التي اعتمروا" (١).
الرواية السابعة: عن القاسم عن عائشة ﵂ قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلّين بالحج في أشهر الحج، وفي حُرُمِ الحج وليالي الحج، حتى نزلنا بسَرِف فخرج إلى أصحابه فقال: من لم يكن معه منكم هدي فأحبّ أن يجعلها عمرة فليفعلْ، ومن كان معه هدي فلا. فمنهم الآخذ بها والتارك لها ممن لم يكن معه هدي، فأما رسول الله ﷺ فكان معه الهدي ومع رجال من أصحابه لهم قوة فدخل عليَّ رسول الله ﷺ وأنا أبكي ... ". إلى أن قالت: "فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: أُخرجْ بأختك من الحرم فلْتُهِلّ بعمرة، ثم لِتَطُفْ فإني أنتظركما ههنا (٢) ...
" (٣).
الرواية الثامنة: عن يحيى ـ وهو ابن سعيد ـ عن عَمْرَةَ قالت: سمعت عائشة رضي
стр. 278
الله عنها تقول: خرجنا مع رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة ولا نرى إلّا أنه الحج، ." (١)
الرواية التاسعة: وعن القاسم عن أم المؤمنين قالت: قلت يا رسول الله: يصدر الناس بنسكين وأصدر بنسك واحد؟ قال: انتظري فإذا طَهُرْتِ فاخرجي إلى التنعيم، فأَهِلّي منه ثم اِلقَيْنَا عند كذا وكذا ولكنها على قَدْرِ نَصَبِكِ أو قال نفقتك (٢)." (٣).
الرواية العاشرة: روى مسلم عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ نلبي لا نذكر حجاً ولا عمرة ... " (٤).
الرواية الحادية عشرة: عن عبد الله بن طاوُس عن أبيه عن عائشة ﵂ أهلّتْ بعمرة فقدمت ولم تطف بالبيت حتى حاضت فنسكت المناسك كلها وقد أهلّتْ بالحج فقال لها النبي ﷺ يوم النَّفْر: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك فأبتْ، فبعث بها مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج" (٥).
الرواية الثانية عشرة: عن عائشة ﵂ أنها حاضت بِسَرِف، فتطهرتْ بعرفة، فقال لها رسول الله ﷺ : "يجزئ عنك طوافُك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك" (٦).
الرواية الثالثة عشرة: عن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة ﵂: يا
стр. 279
رسول الله: "أيرجع الناس بأجرين وأرجع بأجر؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن ينطلق بها إلى التنعيم قالت: فأردفني خلفه على جمل له قالت: فجعلتُ أرفع خماري أحسره عن عنقي فيضرب رجلي بِعِلّةِ الراحلة (١) قلت: وهل ترى من أحد؟ قالت: فأهللتُ بعمرة، ثم أقبلنا حتى انتهينا إلى رسول الله ﷺ وهو بالحَصْبَةِ" (٢).
الرواية الرابعة عشرة: عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أن عائشة ﵂ في حجة النبي ﷺ أهلّتْ بعمرة ثم قال: "وكان رسول الله ﷺ رجلاً سَهْلاً (٣) إذا هوت الشيء تابعها عليه (٤)، فأرسلها مع عبد الرحمن بن أبي بكر فأهلّتْ بعمرة من التنعيم. قال مطر: قال أبو الزبير: فكانت عائشة إذا حجت صنعت كما صنعت مع نبي الله ﷺ " (٥).
الرواية الخامسة عشرة: عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ فقال: من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد بحج فلْيُهِلّ، ومن أراد أن يهل بعمرة فلْيُهِلّ (٦). قالت عائشة ﵂: فأهلّ رسول الله ﷺ
стр. 280
بحج، وأهلَّ به ناس معه، وأهلّ ناس بالعمرة والحج، وأهلّ ناس بعمرة، وكنت فيمن أهلّ بعمرة (١).
الرواية السادسة عشرة: عن هشام عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع موافين لهلال ذي الحجة قالت: فقال رسول الله ﷺ : من أراد منكم أن يُهِلّ بعمرة فلْيُهِلّ، فلولا أني أهديت لأهللت بعمرة (٢). قالت: فكان من القوم من أهلّ بعمرة ومنهم من أهلّ بالحج. قالت: فكنتُ أنا ممن أهلّ بعمرة ... " (٣).
إن هذه الروايات المباركة التي بلغت ست عشرة رواية نقلتها لك عن سيدتنا أم المؤمنين عائشة ﵂، وهي كما ترى تختلف كل حزمة من الأحاديث فيها اختلافاً كثيراً عن حزمة أخرى تضم طائفة من مروياتٍ عن أُمّنا عائشة عليها سلام الله وبركاته.
اختلاف المرويات عنها بهذه الهيئة من التعارض دفع بعض أهل العلم إلى إنكار حديث عروة عن عائشة وهو مذهب مالك الذي قال: ليس العمل على حديث عروة
стр. 281
عن عائشة عندنا قديماً ولا حديثاً (١)! .
والحق أن كلام الإمام مالك ليس مطعناً بعروة ولا بالسيدة التي روى عنها، ولا بالصحيح الذي اعتمده العلماء والأمة قاطبة، لكنه ترجيح لغير رواية عروة عن خالته عائشة ضمن كمٍّ من الروايات.
والحق أيضا أن تغليط عروة خروجاً عن التعارض الظاهر بين الروايات لم يكن اجتهاداً موفقاً ولا رأياً سديداً، وبالتالي فالقول بأن عائشة كانت مفردة بالحج استناداً إلى رواية عمرة والأسود والقاسم ينافيه روايات عروة عن عائشة التي أخرجها مسلم في صحيحه. والحق أيضاً -كما تعلم - أن ما بين دفّتي مسلم في الحديث المروي هو الصحيح من أعلى درجات الصحة لا سبيل اليوم لغُرَابٍ ينعق خارج السرب أن يشككنا فيه أو يطعن في سنده أو متنه وهو الكتاب الذي صنفه الإمام الحافظ مسلم بن الحجّاج القشيري (٢) نسباً النيسابوري وطناً الذي قال فيه النووي: "وهو أحد أعلام أئمة هذا الشأن وكبار المبرزين فيه وأهل الحفظ والإتقان والرحالين في طلبه إلى أئمة الأقطار والبلدان والمعترف له بالفضل فيه بلا خلاف عند أهل الحذق والعرفان المرجوع إلى كتابه المعتمد عليه في كل الأزمان" (٣).
ثم قال: "قلتُ: وَمنْ حقّقَ نظره في صحيح مسلم ﵀ .... علم أنه إمامٌ لا يلحقه مَنْ بعد عصره، وقلَّ من يساويه بل يدانيه من أهل وقته ودهره، وذلك فضل الله
стр. 282
يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم" (١).
إنه الكتاب الذي تلقته الأمة بالقبول كابراً عن كابر وجيلاً إثر جيل، واستند إليه العلماء والفقهاء والخطباء وطلاب العلم والعامة والمستنبطون على حد سواء في إجماع يعكس عصمة الأمة التي لا تجتمع على ضلالة من الحرمين إلى كل بقاع الإسلام ومن ذلك الزمان امتداداً إلى ما تلاه من الأزمنة، لم يزدد صحيح مسلم في القلوب إلّا رفعة وسمواً، لذلك قال النووي: "فصل: اتفق العلماء ﵏ على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول وكتاب البخاري أصحهما، وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة ... " (٢).
كل هذا يبعد احتمال استبعاد رواية عروة ليحضر مكانه مسلك التوفيق بين روايات مسلم حول هذه المسألة، وهو القول الذي صرح به الإمام النووي وتبنّاه بعد أن عرض لقول القاضي عياض الذي ذهب إلى أن تضعيف رواية عروة عن عائشة: "لا يستقيم" (٣).
بعد هذا التمهيد لا بد أنك شغوف لإدراك ما آل إليه تحقيق الإمام النووي في هذه القضية الشائكة وإليك خلاصة ذلك (٤) مع زيادات فَتَحَ الكريم بها على عبده
стр. 283
الفقير هذا:
ثمرة البحث عنده أن السيدة عائشة أحرمت بالحج أولاً تماشياً مع فعل رسول الله ﷺ والصحابة، وهو ما تؤيده روايات الأكثرين عنها، ويدعمه المنطق؛ لأن الصحب الكرام خرجوا مع نبيهم ﷺ في أشهر الحج لأجل الحج بدليل قول عائشة: "لا نذكر إلّا الحج"، وفي أخرى: "لا نرى إلّا الحج" وهذا هو البدهي في حق قوم يتشرفون بأنهم أبناء الحرم، ولولا الهجرة في سبيل الله التي أرغموا عليها فراراً بدينهم لما كان عندهم بديل عن مكة البتة، وأما الأنصار فهم من أبناء الجزيرة العربية المجاورين للحرم نسبياً، والمعظمين لحرمته، شأنهم شأن سائر العرب حتى قبل بزوغ فجر الإسلام، فالفريقان مشتاقون إلى لقاء الله في بيته الحرام، وإلى لقاء الكعبة في حضرة الرسول ﷺ والأهل والأمن ومظلة الإسلام، ثم إنّ الزمان هو ساحة لتحرك لواعج الشوق والحنين إلى بيتٍ جُعِلَ مثابة للناس وأمناً، وجعل لهم جوار عزّ وبركة وتشريف.
الأهم من هذا كله أن نبيهم ﷺ أحرم بالحج وأن العمرة ما كان لها رصيد آنذاك في رحلتهم؛ لأنها عندهم يومها من أفحش العمل!
فالسيدة عائشة ﵂ كانت فرداً في ركب النور هذا الذي ينوي الحج اقتداء بمُعلّمه ورسوله محمد ﷺ ، لذلك كان إهلالها بالحج مُفرِدَةً به إحرام أكثر رواد هذه القافلة اتّباعاً والتصاقاً بقائدها صلوات الله وسلامه عليه.
المنعطف الأول في فوج محمد ﷺ هذا هو اطّلاع النبي المربي على عادة ذميمة أقلقته؛ لأنها من رواسب الجاهلية يوم كانوا يمتنعون عن العمرة في أشهر الحج، ويرون أنها من أفجر الفجور بتحريض من قريش الحريصة على أن تبقى مكة موئلاً للزوّار لئلا تنقطع تجارتهم وعطاياهم فيها! لذلك عالج أمين القافلة الحكيم سيدنا محمد ﷺ هذا الخلل
стр. 284
المستعصي في النفوس بدعوة من لم يسق الهدي إلى فسخ حجّه إلى عمرة بينما أدخل صلوات الله عليه العمرة على الحج؛ لأنه ساق الهدي، ومن فعل ذلك فلا فسخ في حقه حتى يبلغ الهدي محله (١).
بناء على ما ذكرت لا يستبعد أن يكون عروة قد أخبر عن عائشة بما كان من إهلالها آخر الأمر وهو العمرة استجابة منها لأمين هذه القافلة ونبيِّ هذه الأمة ﷺ وبذلك لا يجوز لنا تضعيف قول عروة فقد ذكر عن خالته ما انتهى إليه أمرها دون أن يذكر مبتدأه.
إن إحرام السيدة عائشة بالعمرة استمر حتى اقتراب أُمنّا الصّدّيقة من مكة المكرمة، وحينئذ حاضت في مكان يقال له: سَرِفُ أو قريباً منه. ويبدو أنها حسبت هناك عادتها الشهرية والأيام التي تفصلها عن يوم عرفة فأيقنت أنها لن تدرك الوقوف فيه حاجّة؛ لأنها محرمة بعمرة وعليها أن تنتظر طهرها للتحلل منها، فأخذت تبكي، وتقسم بالله قائلة: "لَوَدِدْتُ أني لم أكن خرجت العام" وهو الحوار الذي ألقته على مسامعنا بتمامه الرواية السادسة في هذا المبحث (٢).
يؤيد هذا التوجيه ما طلعت علينا به الروايات الثانية والرابعة والسابعة:
стр. 285
ففي الرواية الثانية نقرأ قولها: "فلم أزل حائضاً حتى كان يوم عرفة".
وفي الرواية الرابعة: "فأدركني يوم عرفة وأنا حائض لم أحل من عمرتي".
وفي الرواية السابعة: "أنها لم تطهر حتى نزلت منى".
وفي الرواية السادسة: "أنها طهرت يوم النحر".
هذه الروايات ليس فيها مشكلة؛ لأنها تصرّح بأنّ سيدتنا عائشة إلى يوم عرفة لم تكن قد طهرت بعد، وأنها طهرت بعد ذلك يوم النحر في منى، ومن المعلوم بداهة أن أيام منى تبدأ من يوم النحر اليوم العاشر من ذي الحجة.
المشكلة هي في الرواية الثانية عشرة التي صرحت بأنها تطهرت في عرفة. وهذا برأيي غير ذي بال؛ لأن يوم عرفة متصل بيوم النحر فربما انقطع الدم في عرفة، ثم لم تجد الماء للاغتسال إلّا يوم النحر أو أنها طهرت ثم ارتد عليها الدم فصار طهرها النهائي في اليوم التالي.
وأيّاً ما كان الأمر فإن يوم عرفة لا يكفي لو طهرت فيه لأداء مناسك العمرة والتحلل منها ثم الإحرام بالحج والوصول إلى عرفة قياساً على إمكانيات ذلك العصر في المواصلات، وهذا أحد الأسباب في بكائها، لكن دموعها الغالية على قلب رسول الله ﷺ لم تجد من يمسحها ليَطيْبَ خاطرُها سوى حبيبها المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، فإذا بالحكمة النبوية المقتبسة من وحي السماء تشق طريقها إلى تأوّهها لتضع عليها بلسماً لا شك في نجاحه وهي التي بذلت جهوداً مضنية مذ خرجت في القافلة تريد الحج لخمس بقين من ذي القعدة، كما أوردته لنا الرواية الثامنة.
وجه الفتوى النبوية الحكيمة برزت في مخاطبة عائشة لإدخال الحج على عمرتها وبذلك تصير قارنة تجمع في ذات الوقت بين العمرة التي أهلّتْ بها، والتي لم تدخل في