عن عائشة عندنا قديماً ولا حديثاً (١)! .
والحق أن كلام الإمام مالك ليس مطعناً بعروة ولا بالسيدة التي روى عنها، ولا بالصحيح الذي اعتمده العلماء والأمة قاطبة، لكنه ترجيح لغير رواية عروة عن خالته عائشة ضمن كمٍّ من الروايات.
والحق أيضا أن تغليط عروة خروجاً عن التعارض الظاهر بين الروايات لم يكن اجتهاداً موفقاً ولا رأياً سديداً، وبالتالي فالقول بأن عائشة كانت مفردة بالحج استناداً إلى رواية عمرة والأسود والقاسم ينافيه روايات عروة عن عائشة التي أخرجها مسلم في صحيحه. والحق أيضاً -كما تعلم - أن ما بين دفّتي مسلم في الحديث المروي هو الصحيح من أعلى درجات الصحة لا سبيل اليوم لغُرَابٍ ينعق خارج السرب أن يشككنا فيه أو يطعن في سنده أو متنه وهو الكتاب الذي صنفه الإمام الحافظ مسلم بن الحجّاج القشيري (٢) نسباً النيسابوري وطناً الذي قال فيه النووي: "وهو أحد أعلام أئمة هذا الشأن وكبار المبرزين فيه وأهل الحفظ والإتقان والرحالين في طلبه إلى أئمة الأقطار والبلدان والمعترف له بالفضل فيه بلا خلاف عند أهل الحذق والعرفان المرجوع إلى كتابه المعتمد عليه في كل الأزمان" (٣).
ثم قال: "قلتُ: وَمنْ حقّقَ نظره في صحيح مسلم ﵀ .... علم أنه إمامٌ لا يلحقه مَنْ بعد عصره، وقلَّ من يساويه بل يدانيه من أهل وقته ودهره، وذلك فضل الله
стр. 282
يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم" (١).
إنه الكتاب الذي تلقته الأمة بالقبول كابراً عن كابر وجيلاً إثر جيل، واستند إليه العلماء والفقهاء والخطباء وطلاب العلم والعامة والمستنبطون على حد سواء في إجماع يعكس عصمة الأمة التي لا تجتمع على ضلالة من الحرمين إلى كل بقاع الإسلام ومن ذلك الزمان امتداداً إلى ما تلاه من الأزمنة، لم يزدد صحيح مسلم في القلوب إلّا رفعة وسمواً، لذلك قال النووي: "فصل: اتفق العلماء ﵏ على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول وكتاب البخاري أصحهما، وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة ... " (٢).
كل هذا يبعد احتمال استبعاد رواية عروة ليحضر مكانه مسلك التوفيق بين روايات مسلم حول هذه المسألة، وهو القول الذي صرح به الإمام النووي وتبنّاه بعد أن عرض لقول القاضي عياض الذي ذهب إلى أن تضعيف رواية عروة عن عائشة: "لا يستقيم" (٣).
بعد هذا التمهيد لا بد أنك شغوف لإدراك ما آل إليه تحقيق الإمام النووي في هذه القضية الشائكة وإليك خلاصة ذلك (٤) مع زيادات فَتَحَ الكريم بها على عبده
стр. 283
الفقير هذا:
ثمرة البحث عنده أن السيدة عائشة أحرمت بالحج أولاً تماشياً مع فعل رسول الله ﷺ والصحابة، وهو ما تؤيده روايات الأكثرين عنها، ويدعمه المنطق؛ لأن الصحب الكرام خرجوا مع نبيهم ﷺ في أشهر الحج لأجل الحج بدليل قول عائشة: "لا نذكر إلّا الحج"، وفي أخرى: "لا نرى إلّا الحج" وهذا هو البدهي في حق قوم يتشرفون بأنهم أبناء الحرم، ولولا الهجرة في سبيل الله التي أرغموا عليها فراراً بدينهم لما كان عندهم بديل عن مكة البتة، وأما الأنصار فهم من أبناء الجزيرة العربية المجاورين للحرم نسبياً، والمعظمين لحرمته، شأنهم شأن سائر العرب حتى قبل بزوغ فجر الإسلام، فالفريقان مشتاقون إلى لقاء الله في بيته الحرام، وإلى لقاء الكعبة في حضرة الرسول ﷺ والأهل والأمن ومظلة الإسلام، ثم إنّ الزمان هو ساحة لتحرك لواعج الشوق والحنين إلى بيتٍ جُعِلَ مثابة للناس وأمناً، وجعل لهم جوار عزّ وبركة وتشريف.
الأهم من هذا كله أن نبيهم ﷺ أحرم بالحج وأن العمرة ما كان لها رصيد آنذاك في رحلتهم؛ لأنها عندهم يومها من أفحش العمل!
فالسيدة عائشة ﵂ كانت فرداً في ركب النور هذا الذي ينوي الحج اقتداء بمُعلّمه ورسوله محمد ﷺ ، لذلك كان إهلالها بالحج مُفرِدَةً به إحرام أكثر رواد هذه القافلة اتّباعاً والتصاقاً بقائدها صلوات الله وسلامه عليه.
المنعطف الأول في فوج محمد ﷺ هذا هو اطّلاع النبي المربي على عادة ذميمة أقلقته؛ لأنها من رواسب الجاهلية يوم كانوا يمتنعون عن العمرة في أشهر الحج، ويرون أنها من أفجر الفجور بتحريض من قريش الحريصة على أن تبقى مكة موئلاً للزوّار لئلا تنقطع تجارتهم وعطاياهم فيها! لذلك عالج أمين القافلة الحكيم سيدنا محمد ﷺ هذا الخلل
стр. 284
المستعصي في النفوس بدعوة من لم يسق الهدي إلى فسخ حجّه إلى عمرة بينما أدخل صلوات الله عليه العمرة على الحج؛ لأنه ساق الهدي، ومن فعل ذلك فلا فسخ في حقه حتى يبلغ الهدي محله (١).
بناء على ما ذكرت لا يستبعد أن يكون عروة قد أخبر عن عائشة بما كان من إهلالها آخر الأمر وهو العمرة استجابة منها لأمين هذه القافلة ونبيِّ هذه الأمة ﷺ وبذلك لا يجوز لنا تضعيف قول عروة فقد ذكر عن خالته ما انتهى إليه أمرها دون أن يذكر مبتدأه.
إن إحرام السيدة عائشة بالعمرة استمر حتى اقتراب أُمنّا الصّدّيقة من مكة المكرمة، وحينئذ حاضت في مكان يقال له: سَرِفُ أو قريباً منه. ويبدو أنها حسبت هناك عادتها الشهرية والأيام التي تفصلها عن يوم عرفة فأيقنت أنها لن تدرك الوقوف فيه حاجّة؛ لأنها محرمة بعمرة وعليها أن تنتظر طهرها للتحلل منها، فأخذت تبكي، وتقسم بالله قائلة: "لَوَدِدْتُ أني لم أكن خرجت العام" وهو الحوار الذي ألقته على مسامعنا بتمامه الرواية السادسة في هذا المبحث (٢).
يؤيد هذا التوجيه ما طلعت علينا به الروايات الثانية والرابعة والسابعة:
стр. 285
ففي الرواية الثانية نقرأ قولها: "فلم أزل حائضاً حتى كان يوم عرفة".
وفي الرواية الرابعة: "فأدركني يوم عرفة وأنا حائض لم أحل من عمرتي".
وفي الرواية السابعة: "أنها لم تطهر حتى نزلت منى".
وفي الرواية السادسة: "أنها طهرت يوم النحر".
هذه الروايات ليس فيها مشكلة؛ لأنها تصرّح بأنّ سيدتنا عائشة إلى يوم عرفة لم تكن قد طهرت بعد، وأنها طهرت بعد ذلك يوم النحر في منى، ومن المعلوم بداهة أن أيام منى تبدأ من يوم النحر اليوم العاشر من ذي الحجة.
المشكلة هي في الرواية الثانية عشرة التي صرحت بأنها تطهرت في عرفة. وهذا برأيي غير ذي بال؛ لأن يوم عرفة متصل بيوم النحر فربما انقطع الدم في عرفة، ثم لم تجد الماء للاغتسال إلّا يوم النحر أو أنها طهرت ثم ارتد عليها الدم فصار طهرها النهائي في اليوم التالي.
وأيّاً ما كان الأمر فإن يوم عرفة لا يكفي لو طهرت فيه لأداء مناسك العمرة والتحلل منها ثم الإحرام بالحج والوصول إلى عرفة قياساً على إمكانيات ذلك العصر في المواصلات، وهذا أحد الأسباب في بكائها، لكن دموعها الغالية على قلب رسول الله ﷺ لم تجد من يمسحها ليَطيْبَ خاطرُها سوى حبيبها المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، فإذا بالحكمة النبوية المقتبسة من وحي السماء تشق طريقها إلى تأوّهها لتضع عليها بلسماً لا شك في نجاحه وهي التي بذلت جهوداً مضنية مذ خرجت في القافلة تريد الحج لخمس بقين من ذي القعدة، كما أوردته لنا الرواية الثامنة.
وجه الفتوى النبوية الحكيمة برزت في مخاطبة عائشة لإدخال الحج على عمرتها وبذلك تصير قارنة تجمع في ذات الوقت بين العمرة التي أهلّتْ بها، والتي لم تدخل في
стр. 286
طوافها وسعيها بعد، وبين الحج الذي أهلّتْ به أولاً ثم ما لبثت أن فسخته إلى عمرة انسجاماً مع الوصايا النبوية، وهو الذي تبكيه اليوم خشية الفوات، لكن الرحمة النبوية تميط عنها لثام ما تخشى، فها هي تحظى بشرف الحج والعمرة جميعاً في إحرام واحد، وها هي تعلّمنا أحكاماً ما كان لنا أن ندركها لولا هذه الرحلة الجهادية التي اختصت فيها السيدة عائشة بالكثير من المزايا، لذلك ليس لنا إلّا أن نقف عند قول رسول الله ﷺ يوم النفر: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك" وهو ما أوردته لنا الرواية الحادية عشرة، وهو ما فسره النووي بالقران، وأنه يكفي فيه طواف واحد وسعي واحد بدليل قول رسول الله ﷺ : "هذه مكان عمرتك" (١)،
إشارة لما ذكرته لنا الرواية الأولى، إلّا أن حرص السيدة عائشة ﵂ أن تكون لها عمرة مستقلة أُسوة بسائر أمهات المؤمنين وهي الجارية الحديثة السن التي لا ترضى أن تسبقها إحدى أخواتها في إطار أسرتها الكبيرة -زوجات الرسول ﷺ ، - وأسرتها الأكبر - قافلة الصحابة الكرام - وهو ما تترجمه لنا الرواية التاسعة من قولها: "يصدر الناس بنُسكين وأصدر بنُسك واحد"، كما تترجمه الرواية الحادية عشرة حين قال لها رسول الله ﷺ : "يسعك طوافك لحجك وعمرتك" قال: فأبت أي إلّا عمرة مستقلة أسوة بغيرها ﵂، فما كان من رسولنا محمد ﷺ إلّا أن استجاب لها ليقدم للأزواج درساً آخر في إكرام أزواجهن وحبّهن والاستجابة لمطالبهن فيما أباحه أو شرعه الإسلام الحنيف، وهو ما تفصح عنه الرواية الرابعة عشرة: "وكان رسول الله ﷺ رجلاً سهلاً إذا هَوِيَتْ الشيء تابعها عليه ... ".
стр. 287
وبهذا أسدل الستار على أطول مسألة ناقشها العلماء في موضوعات الركن الخامس، هذا والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 288
التحلّل
قال جابر: "فحل النَّاس كلهم وقصّروا إلَّا النبي ﷺ ومن كان معه هدي":
لفظ جابر هذا من الألفاظ العامة التي يراد بها الخصوص؛ لأن عائشة
﵂ لم تحل، ولم تكن ممن ساق الهدي وعليه يكون مراد جابر في قوله: "حل الناس كلهم أي معظمهم" (١)
ثم التحلل الذي أتى على ذكره جابر ومارسه أغلب حجاج الصحابة كان من نسك العمرة؛ لأنهم لم يكونوا قد أحرموا بالحج بعد كما يدل عليه سياق الحديث وقد تحللوا من عمرتهم بالتقصير دون الحلق ليتم لهم الجمع بين الفضيلتين فقي المنسكين فضيلة إزالة الشعر بالتقصير في العمرة وفضيلة إزالة الشعر بالحلق في الحج، وقد وافق تأخير الحلق إلى فريضة الركن الخامس؛ لأنها أرفع شأناً من العمرة والله أعلم (٢).
وإذا كانت العمرة تتم بتحلل واحد بإزالة شعر الرأس تقصيراً أو حلقاً يحل له بعد كل شيء فإن الحج يتم التحلل من محظوراته على مرحلتين بسبب الأعمال الكثيرة له، وامتداد زمن أدائه وذلك بالتحلل الأول ويسمى التحلل الأصغر ويحصل بفعل اثنين من ثلاثة هي: الرمي والحلق وطواف الزيارة المسبوق بسعي (٣)
هذا التحلل يحل بعده كل شيء
стр. 289
إلّا النساء أي الجماع ودواعيه كالقبلة واللمس بشهوة بدليل الحديث الذي رواه النسائي وابن ماجة موقوفاً على ابن عباس وفيه يقول ابن عم رسول الله ﷺ : "إذا رميتم فقد حل لكم كل شيء إلّا النساء" فقال رجل يا ابن عباس والطيب؟ فقال: أما أنا فقد رأيت
стр. 290
رسول الله ﷺ يضمخ رأسه بالمسك. أفطيب ذلك أم لا؟
وزاد الشافعية والحنبلية عقد النكاح لما رواه مسلم وغيره لا يَنْكِحُ المحرم ولا يُنكِح أي لا يتولى ذلك لنفسه ولا لغيره، ويبدو أنهم عدوا ذلك من أمر النساء الذي لا يحل إلّا بعد التحلل النهائي. وزاد المالكية والصيد، فلا يحلّ عندهم بعد التحلل الأول لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. وما دام الحاج لم يتحلل التحلل الأكبر فهو في اجتهادهم يدخل تحت قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.
وإذا تحلل الحاج وبات في منى، ورمى ما عليه من حصى الجمار في الأيام المعدودة وأدى ما عليه من مناسك الحج بأركانه وواجباته سن له عند الحنفية أن ينزل بوادي المحصّب أو الأبطح في النفر من منى إلى مكة المكرمة، وهو الوادي الذي يقع اليوم داخل حدود مدينة مكة المكرمة العمرانية بعد توسعها حيث نلحظه عند مدخل المدينة المقدسة بين الجبلين في طريقنا لى المقبرة المسماة بالحَجون بين قصر الملك عبد العزيز في المعابدة وجبانة المَعْلاة التي تليها من جهة الحرم المكي الشريف وهو المكان المشغول اليوم ببعض الأبنية.
وفي هذه السنّة التي اقتصرت على اجتهاد السادة الحنفية يقول الشيخ الدكتور نور الدين عتر وهو حنفي المذهب: "فيسن أن تنزل فيه، وتصلي في أي مسجد هناك: الظهر والعصر والمغرب والعشاء أو امكُثْ ما تيسر لك تحصيلاً للسنة قدر الإمكان لتعيش بقلبك وروحك في ذكريات الجهاد الذي قاده النّبيّ ﷺ فهذه حكمة هذه السنة. قال ﷺ : "نحن نازلون بخيف بني كنانة حيث قاسمت قريش على الكفر" (١).
стр. 291
ثم قال: "ولما أن المحصب أصبح ضمن مكة فيمكث الحاج فيه ما تيسر أو في مسجدٍ مما هناك تحصيلاً للسنة قدر الإمكان".
وفي صحيح مسلم وغيره ما يؤيد ذلك حيث روي عن نافع أن ابن عمر كان يرى التحصب سنة، وأنه كان يصلي الظهر يوم النفر بالحصْبة. قال مسلم: قال نافع: قد حصّب رسول الله ﷺ والخلفاء بعده" (١).
أما غير الحنفية فقد اكتفوا باستحباب النزول بوادي المحصب أو الأبطح دون أن يرتقي استحبابهم إلى رتبة السنية يؤيد ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: نزول الأبطح ليس بسنة إنما نزله رسول الله ﷺ ؛ لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج" (٢).
كما يؤيده قول ابن عباس في صحيح مسلم قال: "ليس التحصيب بشيء إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ " (٣).
وروى مسلم عن أبي رافع قال: لم يأمرني رسول الله ﷺ أن أنزل الأبطح حين خرج من منى ولكني جئت فضربت فيه قبته فجاء فنزل (٤).
وهناك اجتهاد آخر في المحصب ذكره النووي قال: "قال: بعض العلماء: وكان نزوله ﷺ هنا شكراً لله تعالى على الظهور بعد الاختفاء وعلى إظهار دين الله تعالى والله أعلم" (٥).
стр. 292
يوم التروية والإحرام فيه
قال جابر ﵁: "فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلّوا بالحج":
يوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة سمي بذلك؛ لأن الناس كانوا يتروون فيه من الماء أي يحملونه معهم من مكة إلى عرفات لاستعماله في الشرب وسائر الوجوه الأخرى؛ لأن تلك الأماكن لم يكن فيها آنذاك ماء (١).
وقيل: ؛ لأن إبراهيم تروّى في ذبح ولده وهو شاذ (٢).
ويوم التروية يسمى يوم النُّقْلَةُ؛ لانتقالهم فيه إلى منى (٣).
وكلام جابر دليل للشافعي وموافقيه في أن من كان بمكة وأراد الإحرام بالحج فإنه يحرم يوم التروية عملاً بهذا الحديث وهو محل اتفاق جمهور الفقهاء، ويشهد له رواية أخرى عند مسلم في باب إحرام أهل المدينة من عند مسجد ذي الحليفة عن ابن
стр. 293
جريح أنه قال لعبد الله بن عمر ﵄: يا أبا عبد الرحمن: رأيتك تصنع أربعاً لم أر أحداً من أصحابك يصنعها. قال: ما هنّ يا ابن جريج؟ قال رأيتك لا تمسّ من الأركان إلّا اليمانيين، ورأيتك تلبس النعال السِّبْتيّة (١)، ورأيتك تصُبغُ بالصُّفرة (٢)، ورأيتك إذا كنت بمكة أهلّ الناس إذا رأوا الهلال ولم تُهلل أنت حتى يكون يوم التروية.
فقال عبد الله بن عمر: أما الأركان فإني لم أرَ رسول لله ﷺ يمس إلّا اليمانيين، وأما النّعال السِّبْتيّة فإني رأيت رسول الله ﷺ يلبس النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها، فأنا أحب أن أفعل ذلك، وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله ﷺ يَصْبُغُ بها فأنا أحب أن أصبُغَ بها، وأما الإهلال فإني لم أر رسول الله ﷺ يُهلّ حتى تنبعث به راحلته (٣) " (٤).
стр. 294
أعمال اليوم الثامن
قال جابر ﵁: "وركب رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس":
يقع على عاتق الحاج بعد أن يبلغ منى يوم التروية سنن تأتي اتّباعاً لرسول الله ﷺ :
أولها: أن يأتي منى في اليوم الثامن من ذي الحجة تحديداً فلو اندفع الحاج من مكة إلى منى قبل هذا التاريخ فمذهب الشافعية أنه خلاف السنة، وقال مالك بكراهة ذلك (١).
ثانيها: أن يأتيها راكباً وأن يتردد فيما بينها راكباً؛ لأن الركوب في تلك المواطن أفضل من المشي عملاً بسنة رسول الله ﷺ (٢).
ثالثها: أن يمكث في منى وأن يصلي فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء من يوم
стр. 295
التروية والصبح فجر يوم عرفة (١).
رابعها: أن يبيت بمنى هذه الليلة. قال الإمام الشوكاني: "وهذا المبيت سنة ليس بركن ولا واجب فلو تركه فلا دم عليه بالإجماع" (٢).
خامسها: أن لا يخرج من منى صباح اليوم التاسع حتى تطلع الشمس، وهذا متفق عليه. قال الإمام النووي: فإذا طلعت الشمس يوم عرفة على ثبير وهو جبل معروف هناك ساروا من منى متوجهين إلى عرفات (٣).
سادسها: أن يدعو في طريقه من منى إلى عرفات وأن يكثر من التلبية. قال الإمام النووي: واستحسن بعض العلماء أن يقول في مسيره: اللهم إليك توجهت، ولوجهك الكريم أردت، فاجعلْ ذنبي مغفوراً، وحجي مبروراً، وارحمني، ولا تخيبني إنك على كل شيء قدير (٤).
سابعها: قال الإمام النووي: "قال أقضى القضاة الماوردي: يستحب أن يسيروا على طريق ضب (٥) ويعودوا على طريق المأزمين (٦) اقتداء برسول الله ﷺ وليكن عائداً في
стр. 296
طريق غير الذي صدر منها كالعيد، وذكر الأزرقي: وطريق ضب مختصر من المزدلفة إلى عرفة وهو في أصل المأزمين عن يمينك وأنت ذاهب إلى عرفات (١) والله تعالى أعلم" (٢).
ومن تمام الفائدة أن الإمام يخرج بالحجاج قبل طلوع فجر اليوم التاسع من منى ـ وذلك عند الشافعية ـ إن صادف وقوع يوم التروية يوم جمعة؛ لأن السفر عندهم في هذه الحالة بعد الفجر وقبل الزوال حرام (٣).
هذه هي الخطوط التفصيلية لما عليه عمل حجاج بيت الله الحرام في هذا الوقت الممتد في منى وهو ما ينبغي أن يحرص عليه كل الوافدين على الله في مواسم هذه الفريضة، وكذلك كل القائمين على تنظيم وخدمة ضيوف الرحمن من أمناء أفواج وشركات سياحية ومؤسسات إشراف حكومية؛ لأنه لا يوجد شيء في الدنيا يضاهي شرف متابعة خاتم الأنبياء محمد ﵊ خصوصاً في رحلة الرسل والأنبياء، عنوان الصلة الوثيقة بين الأرض والسماء.
إن الذي يصدر عن معظم الحجيج منذ زمن بعيد هو خلاف ما سار عليه سلف
стр. 297
هذه الأمه ونقيض ما وثقه الفقهاء حيث ترى قوافل الناس تمضي عصر اليوم الثامن من ذي الحجة وليلة التاسع منه حثيثاً نحو أرض عرفات لاستلام الخيام المعدة لها هناك، ونقطة انطلاقها هي مكة وليس منى وهذا الخطأ أشار إليه وحذر منه إمامنا النووي الذي قال: "وأما ما يفعله الناس في هذه الأزمان من دخولهم أرض عرفات في اليوم الثامن فخطأ مخالف للسنة وتفوتهم بسببه سنن كثيرة منها الصلاة بمنى والمبيت بها والتوجه منها إلى نمرة والنزول بها والخطبة والصلاة قبل دخول عرفات وغير ذلك" (١).
إن ترك جزئيات من السنة المطهرة هو تقصير بحد ذاته يدفع الغيورين الصادقين إلى أن يعتصرهم الأسى بسبب الإعراض عنه لكنه تقصير ربما يعذر المسلم فيه تحت سقف هذه الخصوصية التي عرف بها الحج في عصرنا حيث سهلت وسائل الاتصال والمواصلات وصول الناس إلى أرض الحرمين الشريفين براً وبحراً وجواً فتسببت بازدحام شديد لا عهد لهذه الفريضة به وهو ما جعل حركة سير الحجاج معقدة وقاسية تفوق ألم ركوب الجمال في الصحراء قياساً لما يتمتع به أبناء هذا الزمان من رفاهية عالية وتحملٍ هش.
ثم إذا كان عبء الازدحام محتملاً عند شرائح من الحجاج فإن ما لا يكاد يحتمل هو أن تفوت الفريضة برمتها بسبب إغلاق الطرق طبيعياً أو بقرارت ارتجالية تهدف إلى تخفيف الضغط عن خط السير هذا أو ذاك، وهو ما أستطيع توثيقه بأحداث وصل أبطالها إلى تخوم عرفات حينما غادروا صباح اليوم التاسع فلم يتح لهم الوصول الموفق إلى ما خصص لهم من خيام وهو ما جعلهم يضطرون للوقوف في العراء تحت أشعة
стр. 298
الشمس الحارقة فكيف الحال حين يكون المنتظرون هناك شيوخ وقواعد من النساء؟ وكيف إذا كان هؤلاء أعداداً غفيرة في قافلة واحدة ولا مأوى لهم ولا ظل يحميهم في ظروف درجات حرارة عالية أحياناً إلى حد يتساقط فيه أفراد الحجاج تترى؟ .
وكيف يمكن للقائمين على هذه الأفواج أن يواجهوا الحجاج إن منعوا من دخول أرض عرفة أو الوصول إلى مواقع الخيام؟
أمام هذا الواقع الذي تحتاج معه فريضة الحج إلى سياسة جديدة تقصى بها الباصات ووسائل النقل المعتادة وتستقدم وسائل علمية تتناسب مع رقي هذا الركن وجليل حكمته من قطارات كهربائية بعشرات الخطوط، أو سلالم متحركة أفقياً تنقل الحجاج فيما بين مواضع المناسك المختلفة بحيث يخصص لكل مجموعة من الأفواج قطار يقلهم تتلوه قطارات على ذات السكة، وبالتالي يتحول ركاب الحافلات إلى مرتادي حافلات القطارات، فتحافظ سماء المشاعر على صفائها المادي أُسوة بالصفاء الروحي والمعنوي.
أمام هذا الواقع لا يسعني إلّا أن أرمق بناظري عظمة الإسلام الذي لم يجعل مناسك الحج وسائر عبادات الدين الإسلامي لوناً واحداً رحمة بالعباد الذين صادفوا في هذه العبادة أركاناً لا كفارة لها ولا يصح الحج إلّا بها، وواجباتٍ لو اضطر الحاج إلى تركها فلا تضطرب الصحة في الأداء - ويلزمه فقط كفارات تعوض النقص والخلل - وسنناً وآداباً كلما اغترف الحجاج من ينابيعها الطاهرة غرفة صاروا إلى الحج المبرور أقرب أما إذا اضطرتهم الظروف والأولويات إلى تجاوز شيء منها فإن الحج الذي يؤدونه صحيح لا قضاء فيه ولا كفارة، وفي هذا يأتي كلام الإمام النووي حول سنن اليوم الثامن من ذي الحجة ضياء نستبين به الطريق ونعالج على وضوحه كل عقبة
стр. 299
كؤود قد تعترض هذا الركن السامي:
"وكل ذلك مسنون ليس بنسك واجب فلو لم يبيتوا بها أصلاً ولم يدخلوها فلا شيء عليهم لكن فاتتهم السنة (١) ".
* * *
стр. 300
النزول بنمرة
قال جابر ﵁: "وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة (١) فسار رسول الله ﷺ ولاتشك قريش إلّا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها":
مسجد نمرة من موقف عرفة
стр. 301
عندما ينفر الحجاج صباح اليوم التاسع من منى فالمستحب عند أهل العلم نزولهم بنمرة التي تقع على الحدود المتاخمة لعرفات دون أن تدخل فيها، وهناك يَنْصِبُ من كان له خيمة قُبّة يستظل بها (١) من حر الشمس اقتداء منه برسول الله ﷺ الذي أمر بضرب قبة له من شعر في نمرة وافاها لدى نزوله تلك الأرض.
ومن السنة اغتسالهم حيث ضربوا خيامهم استعداداً لاجتماع ضيوف الرحمن في موقف عرفة، ومن عجز عن الاغتسال تيمم ويكون ذلك قبل الزوال.
ومن أعمالهم في نمرة المكث فيها حتى تزول الشمس عن منتصف السماء في الهاجرة (٢)، فإذا زالت ذهب الإمام والناس جميعاً إلى المسجد الذي صلى فيه رسول الله ﷺ ويدعى مسجد إبراهيم ﵇ وهو يعرف الآن بمسجد نمرة، وهو قائم اليوم كالعلم في تلك الأرض، وفيه يخطب الإمام في الجزء الذي لا يدخل في عرفة (٣)
خطبتين خفيفتين، ثم يؤذن المؤذن، ثم يقيم لصلاة الظهر، ثم يقيم لصلاة العصر حيث يصليهما جمع تقديم كما
стр. 302
سيأتي من كلام جابر، ثم يتوجهون جميعاً إلى عرفات حيث الموقف العظيم وهو ـ كما تعلم ـ خارج حدود الحرم المكي على تخومه من أرض الحل لذلك لم تكن قريش تقف فيه وإنما تنتهي بها الإفاضة في مزدلفة عند مشعرها الحرام وهو جبل فيها يقال له قزح (١)! يُعلّل القرشيون ذلك بقولهم: "نحن أهل حرم الله فلا نخرج منه (٢)! ويقولون أيضا: نحن قواطن البيت لا نجاوز الحرم (٣)! وكان يُدعى هؤلاء الحمس (٤) وعلى هذا فمحمد ﷺ منهم؛ لأنه من قريش (٥)،
لذلك لما سار ﷺ لم تكن قريش تشك في متابعتهاعلى عادتها؛ وأنه واقف معها عند المشعر الحرام كما كانت تصنع في جاهليتها، لكنه ﷺ جدّ السير إلى أرض الموقف في عرفة مخالفاً ما عليه قومه من التمييز العنصري الذي يمقته الإسلام، ودعوى الخصائص المزعومة التي تقوم على خلفية الابتداع والمقاييس الاجتماعية المبتذلة، وتبتعد عن جوهر الاتباع وإخلاص العمل لله تعالى لذلك انتهى به ﷺ الوقوف إلى أرض عرفة من حيث أفاض الناس وليس من حيث أفاض قومه إلى جمع، استجابة منه للنداء العلوي الخالد الذي ينأى بهذه الفريضة عن الأغراض الدونية ويرتقي بها إلى قمة العلياء في الهدف والأداء وذلك هو قوله تعالى في محكم التنزيل ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾
стр. 303
[البقرة: ١٩٩]، ولهذا قال جابر ﵁ "فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة" (١).
إنها العودة بهذه الفريضة الشامخة إلى سكة الرسل والأنبياء وفي مقدمتهم خليل الرحمن باني البيت بأمر من ربه المتعال، مروراً بكليم الله موسى ﵇، وبروح الله وعبده الكريم عيسى بن مريم عليه منا أزكى تحية وتسليم.
إنه تصحيح للمسار الذي تدخلت فيه يوماً أهواء الجانحين ومطامع الشاذين الحالمين على حساب العقيدة والنهج الإلهي وحكمة رب العالمين.
وإنه الإصلاح دونما تنازل أو مراوغة في لوحة تنطق بحرص رسول الله ﷺ عن تقصد على مخالفة المشركين وإمساكه بعناية لدفة سفينة الركن الخامس في توجيه بوصلته من جديد إلى الأصول الصحيحة والجذور الراسخة وهي الخطوات التي توّجها رسولنا محمد ﵊ في خطبة الوداع حين ألقى تحت قدميه بقايا الجاهلية دون لبس أو تأويل (٢).
روى ابن ماجة في سننه عن يزيد بن شيبان قال: كنا وقوفاً تُباعده من الموقف (٣)، فأتانا ابن مربع فقال: إني رسولُ رسولِ الله ﷺ إليكم يقول: "كونوا على مشاعركم فإنكم اليوم على إرثٍ من إرث إبراهيم" (٤).
стр. 304
وفي صحيح مسلم بن الحجاج عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ مرّ بوادي الأزرق فقال: أيُّ وادٍ هذا؟ فقالوا: هذا وادي الأزرق. قال: كأني اُنظر إلى موسى ﵇ هابطاً من الثنية هذه وله جؤار إلى الله بالتلبية (١).
ثم أتى على ثنية هَرْشى (٢) فقال: أيُّ ثنية هذه؟ قالوا: ثنية هَرْشى. قال: كأني اُنظر إلى يونس بن متى ﵇ على ناقة حمراء جَعْدَةٍ عليه جُبّةٌ من صوفٍ، خِطام ناقته خُلبَهٌ وهو يلبي. قال: ابن حنبل في حديثه: قال هشيم: يعني ليْفا (٣) " (٤).
وروى مسلم في صحيحه عن حنظلة الأسلمي قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يحدث
стр. 305
عن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لَيُهِلَنّ ابن مريم بفجّ الروحاء حاجاً أو معتمراً أو لَيَثْنينّهما" (١).
فالحج من خلال السيرة النبوية يحمل بصمة التاريخ الطاهر الذي يفوح منه عبق الصالحين والذي يرسم همزة الوصل بين حاضر أجيال هذه الأمة وماضي الرجال الأبرار من أسرة الرسل والأنبياءمن أمثال الخليل والكليم والعبد الكريم الكائن من نفخة الله القادر الحكيم.
والحج من خلال المشهد السابق بخطوطه وتقاطعاته هو صيحة في شباب الإسلام وحملة راية القرآن وأمل المستقبل تنادي فيهم مراكز الخشية من الله ومواضع الغيرة على دينه تهيب بهم أن لا يتنازلوا عن ثوابت الأمة التي لم تكن يوماً في منهج السماء وأصحاب المبادئ مجالاً للمساومة أو المقايضة تحت أي مبرر أو مسمى.
إنها تقدم لهم مثالاً ينبض بالحياة في ترجمة تجديد الخطاب الديني من أداءِ وسنة رسول الله ﷺ الذي أحيا بعد قرابة ألفي عام من بعثة أبيه إبراهيم سنة خليل الرحمن في الحج إلى بيت الله الحرام عقيدة وممارسة؛ لأنه موقن أنها سنة السماء بين الأحياء فلم يمسّ خطاباً ثابتاً ولم يؤوّل تأويلاً فاسداً، ولم يقدّم رؤى شخصية على طريقة الرؤى الاستشراقية التي يؤتى بها جاهزة كوجبة (الهمبرغر) الجاهزة بقالب إسلاميٍّ، التكلفُ فيه والتصنع واضح المعالم! حاشا رسول الله ﷺ وهو الذي قال الله فيه وهو النبي القريب والشفيع الحبيب ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ
стр. 306
الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧].
إنها اللوحة التي تحشد في الدعاة روح الأمانة للشريعة والعقيدة وثقافةِ الفضيلة وليس الوصاية على النصوص والإجماع؛ لأنه حينئذ من قبيل التلاعب من أدعياء الدعاة باسم الدين وباسم التجديد الذي لم يدركوه وباسم الجديد الذي ظنوا أنهم لبسوه والحقيقة أنه شباك آخرق ألبسوه.
اُنظروا أيها المسلمون إلى نبيكم محمد ﷺ كيف لم يمالئ قومه وعشيرته الأقربين وهو منهم فإذا به يخالف موقفهم في مزدلفة ويجاوزهم إلى موقف الناس في عرفة؛ لأنه موقف الحق الذي نزل به الروح الأمين، ومارسه إبراهيم قبل مئات السنين.
لقد علمهم بهذا أن الاقتداء يأتي من وحي السماء التزاماً واتباعاً وليس لحسابات وأطماع وأرقام.
وكما لم يمالئ قبيلته وأبناء عمومته كذلك لم يمالئ أبناء قوميته من العرب فأفاض من عرفات بعد مغيب شمس اليوم التاسع وكان المشركون يفيضون من عرفة قبل مغيب الشمس، كما كانوا لا يفيضون من مزدلفة حتى تطلع الشمس! ويقولون: "أشْرِقْ ثبير كيما نغير"! فخالفهم ﷺ وأفاض قبل طلوع الشمس (١). وأنت تذكر كيف غيّر رسولنا محمد ﷺ عادة الجاهليين في العمرة حيث كانوا يرونها في أشهر الحج من أفجر الفجور! .
стр. 307
كما لا أظنك تنسى ما فرضه ﷺ على أصحابه من وجوب السعي بين الصفا والمروة مخالفاً المشركين الذين كانوا يتنسكون لأصنامهم سعياً بين صنمي إساف ونائلة على شاطئ البحر الأحمر ويضمون إلى ذلك شعيرتي الصفا والمروة!
ومن تمام ذلك في منهج رسول الله ﷺ في إظهاره لشعائر الإسلام ومبادئ التوحيد في المواضع التي كان يعلن فيها الكفر وشعاره بناؤه ﷺ لمسجد الطائف في الموضع الذي كان يقام فيه نصب اللات والعزى.
كما تجلى ذلك في وأده لعادة قريش من أعمال جاهليتها حين كانت تمنع في الإحرام من يَقْدُم عليها ممن ليس قرشياً أن يطوف بالبيت إلّا بثياب أبناء قريش يقدمها له أحدهم أو يطوف حول البيت عرياناً! فصارحهم ﷺ بما لا يقع فيه النقاش والجدال: "أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان".
ثم إنه ﷺ لم يمالئ اليهود الذين يدّعون زوراً وبهتاناً جهاراً ليلاً نهاراً أن دين موسى مغاير لدين محمد ﷺ لذلك وجدناه يستقبل قبلة بيت المقدس تأليفاً لقلوبهم ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، فلما سخروا منه وهو الذي كان يقصد لفت انتباههم إلى حقيقة أعمتها عصبيتهم المقيتة! وهي أن الدين واحد وأن الدين عند الله له مضمون ثابت لم يتغير في رسالة سماوية صحيحة أيّاً كان اسم الرسول آدم أو نوح أو إبراهيم أو إسماعيل أو إسحاق أو موسى أو عيسى أو محمد أو غيرهم عليهم منا أعطر الصلوات والتسليمات، وأن الدين عند الله له مسمى واحد لا ثاني له هو الإسلام ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. فلما سخروا منه ويئس من إيمانهم توجه إلى الكعبة المشرفة وخالفهم.
لقد كررت هذا آيات الكتاب الحكيم بأساليب متنوعة، وترجمته السنة المطهرة بشتى الوسائل، وما ذاك إلّا لأن ما سبق يدخل في عداد البدهيات والمسلمات العقلية فإذا كان
стр. 308
المخبر واحداً ـ وهو الصحيح ـ وهو الباري فالخبر لا يجوز تعدده ولو تعدد المخبرون؛ لأن الأخبار هي من قبيل المعاني التي لا تحمل التناقض.
وكذا لْمَ يمالئ النصارى الذين يذهبون إلى أن عيسى ﵇ هو القسيم الثاني في آلهة ثلاثية الأركان! وأنه ابن الله: وأنه صلب فداء للبشرية فإذا به ﷺ يتقدم إليهم بأدب المحاور اللطيف الثابت على عقيدته وهو أحد أعضاء أسرة الرسالة السماوية بل أحد المتميزين فيها ولادة ومسيرة وفضلاً فهو واحد من أولي العزم من الرسل، تماماً كنظيره موسى، ونظيره عيسى ﵉، لذلك تقدم إليهم بصريح العبارة التي لا يختلف فيها اثنان بأن عيسى صلوات الله عليه عبد الله ورسوله وأنه ما قتل وما صلب وأنّ الذين اختلفوا فيه لفي شك منه وما قتلوه يقيناً، لا بل رفع إلى السماوات العلى بروحه الطاهرة وبجسده المبارك ونزل فيهم ضيفاً كريماً على ربِّ العزة إلى أن يحين الأجل المضروب لنزوله نبياً مباركاً وقائداً موفقاً وقاضياً ومفتياً بشريعة القرآن التي ضمت بين دفتيها إنجيل عيسى وتوراة موسى وزبور داود وصحف إبراهيم، وأن المسلمين والمسيحيين وسائر الناس يومئذ أتباعه وجنوده وصحبه الكرام، وأنه يحج بيت الله الحرام ملبياً ويملأ هذه الدنيا بركة وعدلاً بعد أن ملأت ظلماً وجوراً، وأنه يموت كما يموت الخلق وكما مات من قبل موسى ومحمد وسائر الأنبياء والرسل عليهم جميعاً أزكى صلاة وسلام، وأنه يدفن كما يدفن سائر الخلق، على أنّ هناك من يقول إنه يدفن إلى جوار محمد ﷺ وصاحبيه أبي بكر الصديق والفاروق عمر بن الخطاب في المدينة المنورة.
هذا هو المنهج النبوي في تناول القضايا والثوابت الإسلامية تبرزه لنا هذه الفريضة وهي تسجل في رحلة الحج إلى بيت الله الحرام ذكريات من امتزجت قلوبهم بنبض العبودية لخالقهم فرسمت مسيرة تلبيتهم إلى بيت الله الحرام وحدة الرسل
стр. 309
والرسالة والمضمون والمقصد حتى أثمرت وحدة الخير للإنسانية قاطبة إذ لم يكن أنبياء الله ورسله يوماً عامل هدم وتخريب بل عامل ردم وبناء وتلاق لجميع أبناء البشرية دون استثناء.
* * *
стр. 310
عرفة وخطبتها الجامعة
قال جابر ﵁: "حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء (١) فَرُحِلت (٢) له فأتى بطن الوادي (٣) فخطب الناس ..... ":
قلنا إن ضيوف الرحمن يندفعون من منى إلى عرفة بعد طلوع شمس اليوم التاسع من ذي الحجة وهم ما يزالون في منى. وفي طريق اندفاعهم إلى حيث الموقف يجمعون بين التلبية والتكبير عملاً بالسنة مع مراعاة أن التلبية أفضل بنص الفقهاء (٤).
وقلنا إنهم ينزلون بنمرة على تخوم عرفات، ويمكثون فيها حتى تزول الشمس، فإذا زالت الشمس فعلوا ما فعل رسول الله صلى حين أمر ناقته بعد أن جعل الرَّحْلَ
стр. 311
عليها فقامت بسيد الخلق محمد ﷺ فتحرك بها إلى أن أتى المسجد المسمى باسم أبيه إبراهيم ﵉ في بطن وادي عرنة وهناك يخطب الإمام كما خطب رسول الله ﷺ في أمته خطبتين خفيفتين قبل صلاة الظهر يبين لهم في الأولى الوقوف بعرفة وشرطه ومتى الدفع من عرفة، والمبيت بالمزدلفة وأخذ الحصى منها لرمي الجمار وغير ذلك، كما يحرضهم فيها على إكثار الدعاء والتهليل في الموقف (١) دون أن يفوته التنبيه على أهم قضايا الأمة اقتداء منه برسول الله ﷺ في خطبته الجامعة المانعة التي سندرسها في الفقرة التالية من كلام جابر ﵁.
ومن السنة أن يخفف هذه الخطبة لكن لا يبلغ في تخفيفها تخفيف الثانية؛ لأن الأولى هي المقصودة والثانية مجرد ذكر لهذا شرعت مع الأذان؛ ولهذا طلب تخفيفها قصداً للتعجيل والمبادرة بالصلاة لإدراك أول الوقوف كما فعله رسول الله ﷺ (٢).
ومن السنة الجلوس بين الخطبتين قدر قراءة سورة الإخلاص (٣)، ثم يشرع بالأذان كما سيأتي معك من كلام جابر (٤).
روى البخاري في صحيحه عن سالم بن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كتب عبد الملك (٥) إلى الحَجاج أن لا يخالف ابن عمر في الحج فجاء ابن عمر وأنا معه يوم
стр. 312
عرفة حين زالت الشمس فصاح عند سرادق الحَجاج (١) فخرج وعليه ملحفة (٢) مُعَصْفَرَة (٣) فقال: ما لك يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: الرواحَ إن كنت تريد السنة (٤) قال: هذه الساعة؟ ! قال: نعم. قال: فأنظرني حتى أُفيض على رأسي ثم أَخرج، فنزل (٥) حتى خرج الحجاج فسار بيني وبين أبي (٦) فقلت: إن كنت تريد السنة فاقْصُرِ الخطبة وعجِّلِ الوقوف (٧) فجعل ينظر إلى عبد الله فلما رأى ذلك عبد الله قال: صدق" (٨).
ثم الخطب التي يخطبها الإمام في الحج أربع خطب مسنونة:
إحداها: يوم السابع من ذي الحجة يخطب بها عند الكعبة المشرفة خطبة واحدة لا يجلس فيها بالاتفاق وهي أول الخطب يعلّمهم فيها الإمام مناسك الحج استعداداً للرحيل إلى منى يوم التروية (٩). الدليل ما رواه البيهقي في السنن الكبرى بإسناد جيد عن نافع عن ابن عمر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا كان قبل التروية خطب
стр. 313
الناس فأخبرهم بمناسكهم (١).
الثانية هي هذه التي يتحدث عنها جابر التي أداها رسول الله ﷺ ببطن عرنةيوم التاسع من ذي الحجة بعد الزوال، وهي تؤدى كصلاة الجمعة بخطبتين قبل الصلاة يجلس بينهما كما مر (٢).
الثالثة يوم النحر وقد عنون الإمام البخاري في صحيحه في بابه بعنوان: "الخطبة أيام منى" وفيه عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم النحر فقال: يا أيها الناس أيُّ يوم هذا؟ (٣) قالوا: يوم حرام. قال: فأيُّ بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام. قال: فأيُّ شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام. قال: فإنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا. فأعادها مراراً ثم رفع رأسه فقال: اللهم! هل بلّغْتْ؟ اللهم! هل بلغت؟ قال ابن عباس: والذي نفسي بيده إنها لوصية لأمته فليبلغ الشاهد الغائب: لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض" (٤).
فالخطبة يوم النحر هي لتعليم الناس مناسكهم من النحر والإفاضة والرمي؛ لأن النحر يوم تكثر فيه أعمال الحج فيحتاج الناس حينئذ إلى تعلم الأحكام فإذا بخطبة يوم النحر مفتاح يمكنهم من بلوغ غايتهم.
الرابعة يوم النفر الأول، وهو ثالث أيام العيد، أي اليوم الثاني من أيام التشريق يعلّم
стр. 314
الإمام فيه حجاج بيت الله الحرام حكم التعجيل من منى، وحكم التأخير في منى، وحكم التوديع للبيت (١). روى الإمام أبو داود في سننه عن سرّاء بنت نبهان وكانت ربة بيت في الجاهلية قالت: خطبنا رسول الله ﷺ يوم الرؤوس فقال: أيُّ يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: أليس أوسط أيام التشريق" (٢).
هذه الخطبة وسابقتها كخطبة السابع من ذي الحجة خطبة إفراد أي يخطب الإمام خطبة واحدة خلافاً لخطبة عرفات. قال الإمام النووي: "كل هذه الخطب إفراد وبعد صلاة الظهر إلّا التي يوم عرفات فإنها خطبتان وقبل الصلاة" (٣).
فهذه الخطب محطات تثقيفية ومنابر تعليمية وتوجيهية يطل بها الإسلام على أبنائه يقدم لهم الزاد المعرفي والوحي في كل مرحلة من مراحل هذه الفريضة العظيمة بما يكفيهم للمحطة التالية التي تنتظرهم لذلك قال الإمام النووي: "قال أصحابنا: ويعلمهم في كل خطبة ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى (٤) والله أعلم" (٥).
ومن هذا يتبين لنا أن الحج إلى بيت الله الحرام ليس رحلة ترفيهية، ولا نزهة سياحية، وأنه عمل جهادي متواصل ينضبط إيقاعه على وقع الأحكام الشرعية، مما يتطلب من القائمين عليه محطات تعليمية تغطي إحداها مسافة زمنية محددة ليتلقى الحاج بعد ذلك محطة أُخرى تسلمه التالية لها وهكذا حتى تختتم هذه الرحلة الإيمانية
стр. 315
بسلامة الفريضة من العبث والجهل والضياع (١).
* * *
مواثيق حقوق الإنسان
قال جابر ﵁ (٢): "وقال (٣): إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإنّ أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مُسْتَرْضِعاً في بني سعد فقتلته هُذيلٌ، وربا الجاهلية موضوع، وأول رباً أضع ربانا ربا عبّاس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنّكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهنّ أن لا يوطِئْنَ فرشَكم أحدٌ تكرهونه، فإنْ فعلْنَ ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبِّرح، ولهن عليكم رزقهنَّ وكسوتهنّ بالمعروف، ولقد تركت فيكم
стр. 316
ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله. وأنتم تُسأَلون عنّي فماذا أنتم قائلون؟ قالوا نشهد أنك قد بلّغْتَ وأدّيتَ ونصحتَ فقال: بإصبعه السبّابة يرفعها إلى السماء ويَنْكُتُها إلى الناس: اللهم! اشهد اللهم! اشهد ثلاث مرات":
الخطبة في فريضة الحج إلى بيت الله الحرام وسيلة إعلامية نافعة يُقْبِلُ بها الإمام على جموع المحتشدين في سفوح عرفات ووادي منى والبيت الحرام في مكة يخاطب بها عقولاً تألقت في هذا الجمع العظيم، وقلوباً ارتوت من جرعات العبودية في أودية المتهجدين، وخَلْقاً تعاهدوا في صعيد تلك المواطن المباركة على حمل أمانة العقيدة ورسالة الشريعة وثقافة الأمة.
وعندما يكون الخطيب هو صفي الله ورسوله محمد ﷺ ، وعندما يكون الوافدون عليه هم أصحابه الكرام البررة، وعندما تؤدى الخطبة في الأرض التي شهدت وفود الأنبياء والمرسلين عليها من كل فج عميق، واجتماع الملائكة حولهم، وعندما تجسد الرحلة في اجتماعاتها وخطبها امتداداً لدعوة أبي الأنبياء إبراهيم بأمر من ربه ، وعندما تقع تلك الكلمات في حجة الوداع التي ظهرت فيها أمارات الاقتراب المحتوم من الرفيق الأعلى بعد أن تكاملت الرسالة وأوشكت المهمة أن تنتهي، وعندما يأتي هذا كله في سياق حرب شعواء على موروثات جاهلية فاسدة طويت صفحتها في موسم العطاء هذا، وعندما يؤذّن رسول الله ﷺ بالناس أنه حاج إلى بيت الله الحرام (١) ولايبقى ذلك طي الكتمان، ولا يعتمد فيه أسلوب التغطية كما اشتهر عنه في تسيير
стр. 317
السرايا والغزوات، وعندما لا يبقى للمسلمين شيء لم يتعلموه من نبيهم ﷺ بعد ركن الصلاة وشهر الصيام وأمر الزكاة وقضايا العبادات والمعاملات سوى ما يتعلق بمناسك الحج من واجبات وفروض وآداب.
عندما تلتقي هذه الخطوط متضافرة في زمان عرفات وعلى تخوم الموقف العظيم في وادي عرنة فلا جرم أنها بيعة ومنهج يرسم رسولنا محمد ﷺ من خلاله مسيرة أمة ستُسَلَّم زمام الأمانة، وها هو هنا يلقيها على أعناقها يخاطب في هؤلاء الخاشعين المتضرعين الأجيال المقبلة متوجّاً ثلاثة وعشرين عاماً من سنيّ الجهاد والمصابرة والاحتساب في سبيل الله حتى أثمرت تبدلاً في الفكر والثقافة على خلفية تبديل المعتقد؛ فإذا بأعداء الأمس المتربصين به وبدعوته الدوائر هم الرجال الصادقون الذين يملؤون السهل والجبل ولا تحيط بهم الأبصار وهم حملة الراية واللواء، وعليهم تبنى آمال الأمة في تثبيت بنيانها ووصول كلمتها في الحق للعالمين.
وبدأ رسول الله ﷺ وهو يجلس على منبر ناقته القصواء يلقي خطابه المودّع الجامع، وراح المحتشدون يتلقون كل كلمة تفد عليهم من فمه العطر ينصت معهم الوجود كله لما يتلى على مسامعهم من وحي النبوة:
"أيها الناس، اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً":
إنها كلمات الوداع التي لا يقال فيها إلّا المهم من الأمر، وإنه الحشد الذي يضم وفوداً من كافة القبائل العربية والإسلامية وشتى فجاج الجزيرة العربية وما حولها فلا يأتي معه النبي الرحيم الذي يلمح بالرحيل إلّا بما يجول في خَلَده من أبرز ما يشغل باله.
وينصت الكون كله بعد هذا التنبيه فإذا ببصمة القدرة الإلهية تحضر بقوة في خطبة
стр. 318
الوداع، وكأنّ النبي ﷺ يرى المستقبل المشرق بتفصيلاته، ويرى المنزلقات التي ستتنكّب فيها جماعات من المسلمين مُغَرِّدين خارج السرب تائهين عن المنهج الإسلامي الذي ترسم ملامحه، وتضبط إيقاعه حجة الوداع وخطبة الوداع في مبادئ إسلامية يحرم على العاملين في حقل الدعوة والجهاد أن يُعرضوا عنها أو ينشغلوا عن الدراسة فيها؛ لأنها ستحدد خريطة العلاقات الإسلامية الصحيحة في العالم كله والإعراض عنها سيحدد خريطة التعامل باسم الإسلام زوراً وبهتاناً مع المحيط الإنساني العربي والإسلامي والعالمي وستنزلق بسبب ذلك أقدام وأقلام.
وإليك هذه المبادئ:
المبدأ الأول: "ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع":
فالجاهلية الأولى بكل عاداتها وتقاليدها وموروثاتها الباطلة التي أفسدت العقيدة والمشروع الحضاري لبني الإنسان قد أُزْهِقَتْ رُوْحُها وانتهت أيامها وها هي ذا مدفونة كالجيفة النتنة تحت قدمي رسول الله ﷺ فلا يعمد إلى نبش قذرها باسم الانفتاح والحرية أو التجديد أو العولمة أو الحداثة أو تجديد الخطاب الديني إلّا جاهل بما هي عليه، حريص على طمس معالم الضياء الإسلامي بعد سطوعه، مأجور لمن يسعى لإقصاء العين الصحيحة بالعور، لم يحمل أمانة ولا يذكر بيعة ولايدري عن أمته التي ينتمي إليها شيئاً، وهو متنكب عن جادة قوله تعالى في أجواء حجة الوداع الصحية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. قال أستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي حول هذا القرار النبوي الجازم: "فما المعنى الذي تتضمنه صيغة هذا القرار؟ .. إنه يقول: إنّ ما كانت الجاهلية تفخر
стр. 319
وتتمسك به من تقاليد العصبية والقبلية وفوارق اللغة والأنساب والعرق واستعباد الإنسان أخاه بأغلال الظلم والمراباة قد بطل أمره، ومات اعتباره، فهو اليوم جيفة منتنة غيّبها شريعة الله في باطن الأرض وأصبح مكانها في حياة المسلم اليوم تحت الأقدام.
إنه رجس ولّى وعماهة أدبرت وغاشية بادت.
فمنذا الذي يرجع بعد ذلك لينبش التراب عن الجيفة النتنة فيعانقها! وأيّ عاقل يتقمم الأدران التي تخلص منها ليتمسح ثانية بها؟ وأيُّ أبيٍّ يعمد إلى القيد الذي كسره البارحة وألقاه ليصلحه ويعود فيتقيّد به اليوم.
أرجاس من تقاليد الجاهلية أبعدها الرسول ﷺ عن منطلق الإنسانية وتقدمها الفكري والحضاري وأعلن أنها عادت حثالة مدفونة تحت قدميه كي يثبت للدنيا كلها ويسجل على مسمع القرون والأجيال أنه ما من تائه يزعم التقدم الفكري إذ يعمد فينبش شيئاً من هذا الدفين القديم إلّا وهو يرجع القهقرى يسبح في أغوار قصيّة من التاريخ المظلم القديم وإن خَيّلَ إليه وهمه أنه أنّما يتقدم صعداً ويخطو مترقياً" (١).
المبدأ الثاني: "دماء الجاهلية موضوعة، وإنّ أول دم أضع من دمائنا دمُ ابن ربيعة بن الحارث":
هذا المبدأ يقرر حرمة الإنسان في دمه وماله وعرضه وأن حرمته تتطاول في العلياء لتقف جنباً إلى جنب مع أعظم الحرمات الإسلامية قدسية من البيت الحرام إلى الشهر الحرام إلى اليوم الحرام وهوما افتتح به رسول الله ﷺ خطبته.
стр. 320
هذه الحرمة سِيَّانِ فيها المسلم والكافر، والسيرة النبوية خير ناطق بما أقول اللهم إلّا أن ينابذنا الكافر العداء ويناصب أمتنا الإيذاء ويعلن البغضاء فنحن أمام رد عدوانه لا خيار لنا، لكننا ونحن نقاتله فإنما نفعل ذلك لأجل اعتدائه لا لكفره.
لكن لماذا خص خطابُ الوداع المسلم دون الكافر في حرمة الدم والمال وليس في هؤلاء يومئذ من نشب بينه وبين أخيه نزاع أو قتال وهم الذين ذوب الإسلام ما بينهم من حواجز وأبعد ما يقطع شرائحم من روابط؟ .
هنا تتجلى المعجزة الباهرة وهنا تتألق الخطبة في توجهها الذي يتعدى الحاضرين إلى الأجيال القادمة التي ستمر وفودها فوق هذا الصعيد، وإذا بصدى تلك الكلمات يتردد في جنبات المكان، وإذا بالتحذير من داء مستطير وشر خطير يشهد له القفر والجبل والحجر والمَدَر وتشهد به أفواج الوافدين إلى رحاب الله كل عام تقيم الحجة على من تنكب عن منهج السماء وتاه عن ضوابط الشريعة الغرّاء، وضاع عن قبس الوحي الإلهي الذي أشهد عليه رسول الله ﷺ الكون كله إنسَه وجنّه وملائكته وجماده كلهم كان يصغي بأنس لما يلقى على مسامعه من كلام النبوة، ويعلن تبرأه من أقوام يأتون بعده يرون في قتل المسلم قربة إلى الله وجهاداً!
يأخذون أمتهم بالتهمة، ويقطعون رؤوسهم بالجملة، ويخلطون بين جهاد لا نزاع فيه وباطل لا خير فيه! يتباهون بتصاعد أعداد القتلى على أيديهم من المسلمين وكأنها دماء شياه وهل نستنكر ذبح الشياه!
يصنعون هذا وعدو الأمة الحقيقي ورأس الإرهاب العالمي جاثم بغلظة فوق صدر الأسيرة المقدسة فلسطين ومسجدها القدسي مسرى رسول الله ﷺ وعاصمتها قبلة المسلمين الأولى لا يلتفتون إليها وهم بمنأى عن واجب استعادتها بعد أن أحالوا