ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله. وأنتم تُسأَلون عنّي فماذا أنتم قائلون؟ قالوا نشهد أنك قد بلّغْتَ وأدّيتَ ونصحتَ فقال: بإصبعه السبّابة يرفعها إلى السماء ويَنْكُتُها إلى الناس: اللهم! اشهد اللهم! اشهد ثلاث مرات":
الخطبة في فريضة الحج إلى بيت الله الحرام وسيلة إعلامية نافعة يُقْبِلُ بها الإمام على جموع المحتشدين في سفوح عرفات ووادي منى والبيت الحرام في مكة يخاطب بها عقولاً تألقت في هذا الجمع العظيم، وقلوباً ارتوت من جرعات العبودية في أودية المتهجدين، وخَلْقاً تعاهدوا في صعيد تلك المواطن المباركة على حمل أمانة العقيدة ورسالة الشريعة وثقافة الأمة.
وعندما يكون الخطيب هو صفي الله ورسوله محمد ﷺ ، وعندما يكون الوافدون عليه هم أصحابه الكرام البررة، وعندما تؤدى الخطبة في الأرض التي شهدت وفود الأنبياء والمرسلين عليها من كل فج عميق، واجتماع الملائكة حولهم، وعندما تجسد الرحلة في اجتماعاتها وخطبها امتداداً لدعوة أبي الأنبياء إبراهيم بأمر من ربه ، وعندما تقع تلك الكلمات في حجة الوداع التي ظهرت فيها أمارات الاقتراب المحتوم من الرفيق الأعلى بعد أن تكاملت الرسالة وأوشكت المهمة أن تنتهي، وعندما يأتي هذا كله في سياق حرب شعواء على موروثات جاهلية فاسدة طويت صفحتها في موسم العطاء هذا، وعندما يؤذّن رسول الله ﷺ بالناس أنه حاج إلى بيت الله الحرام (١) ولايبقى ذلك طي الكتمان، ولا يعتمد فيه أسلوب التغطية كما اشتهر عنه في تسيير
стр. 317
السرايا والغزوات، وعندما لا يبقى للمسلمين شيء لم يتعلموه من نبيهم ﷺ بعد ركن الصلاة وشهر الصيام وأمر الزكاة وقضايا العبادات والمعاملات سوى ما يتعلق بمناسك الحج من واجبات وفروض وآداب.
عندما تلتقي هذه الخطوط متضافرة في زمان عرفات وعلى تخوم الموقف العظيم في وادي عرنة فلا جرم أنها بيعة ومنهج يرسم رسولنا محمد ﷺ من خلاله مسيرة أمة ستُسَلَّم زمام الأمانة، وها هو هنا يلقيها على أعناقها يخاطب في هؤلاء الخاشعين المتضرعين الأجيال المقبلة متوجّاً ثلاثة وعشرين عاماً من سنيّ الجهاد والمصابرة والاحتساب في سبيل الله حتى أثمرت تبدلاً في الفكر والثقافة على خلفية تبديل المعتقد؛ فإذا بأعداء الأمس المتربصين به وبدعوته الدوائر هم الرجال الصادقون الذين يملؤون السهل والجبل ولا تحيط بهم الأبصار وهم حملة الراية واللواء، وعليهم تبنى آمال الأمة في تثبيت بنيانها ووصول كلمتها في الحق للعالمين.
وبدأ رسول الله ﷺ وهو يجلس على منبر ناقته القصواء يلقي خطابه المودّع الجامع، وراح المحتشدون يتلقون كل كلمة تفد عليهم من فمه العطر ينصت معهم الوجود كله لما يتلى على مسامعهم من وحي النبوة:
"أيها الناس، اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً":
إنها كلمات الوداع التي لا يقال فيها إلّا المهم من الأمر، وإنه الحشد الذي يضم وفوداً من كافة القبائل العربية والإسلامية وشتى فجاج الجزيرة العربية وما حولها فلا يأتي معه النبي الرحيم الذي يلمح بالرحيل إلّا بما يجول في خَلَده من أبرز ما يشغل باله.
وينصت الكون كله بعد هذا التنبيه فإذا ببصمة القدرة الإلهية تحضر بقوة في خطبة
стр. 318
الوداع، وكأنّ النبي ﷺ يرى المستقبل المشرق بتفصيلاته، ويرى المنزلقات التي ستتنكّب فيها جماعات من المسلمين مُغَرِّدين خارج السرب تائهين عن المنهج الإسلامي الذي ترسم ملامحه، وتضبط إيقاعه حجة الوداع وخطبة الوداع في مبادئ إسلامية يحرم على العاملين في حقل الدعوة والجهاد أن يُعرضوا عنها أو ينشغلوا عن الدراسة فيها؛ لأنها ستحدد خريطة العلاقات الإسلامية الصحيحة في العالم كله والإعراض عنها سيحدد خريطة التعامل باسم الإسلام زوراً وبهتاناً مع المحيط الإنساني العربي والإسلامي والعالمي وستنزلق بسبب ذلك أقدام وأقلام.
وإليك هذه المبادئ:
المبدأ الأول: "ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع":
فالجاهلية الأولى بكل عاداتها وتقاليدها وموروثاتها الباطلة التي أفسدت العقيدة والمشروع الحضاري لبني الإنسان قد أُزْهِقَتْ رُوْحُها وانتهت أيامها وها هي ذا مدفونة كالجيفة النتنة تحت قدمي رسول الله ﷺ فلا يعمد إلى نبش قذرها باسم الانفتاح والحرية أو التجديد أو العولمة أو الحداثة أو تجديد الخطاب الديني إلّا جاهل بما هي عليه، حريص على طمس معالم الضياء الإسلامي بعد سطوعه، مأجور لمن يسعى لإقصاء العين الصحيحة بالعور، لم يحمل أمانة ولا يذكر بيعة ولايدري عن أمته التي ينتمي إليها شيئاً، وهو متنكب عن جادة قوله تعالى في أجواء حجة الوداع الصحية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. قال أستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي حول هذا القرار النبوي الجازم: "فما المعنى الذي تتضمنه صيغة هذا القرار؟ .. إنه يقول: إنّ ما كانت الجاهلية تفخر
стр. 319
وتتمسك به من تقاليد العصبية والقبلية وفوارق اللغة والأنساب والعرق واستعباد الإنسان أخاه بأغلال الظلم والمراباة قد بطل أمره، ومات اعتباره، فهو اليوم جيفة منتنة غيّبها شريعة الله في باطن الأرض وأصبح مكانها في حياة المسلم اليوم تحت الأقدام.
إنه رجس ولّى وعماهة أدبرت وغاشية بادت.
فمنذا الذي يرجع بعد ذلك لينبش التراب عن الجيفة النتنة فيعانقها! وأيّ عاقل يتقمم الأدران التي تخلص منها ليتمسح ثانية بها؟ وأيُّ أبيٍّ يعمد إلى القيد الذي كسره البارحة وألقاه ليصلحه ويعود فيتقيّد به اليوم.
أرجاس من تقاليد الجاهلية أبعدها الرسول ﷺ عن منطلق الإنسانية وتقدمها الفكري والحضاري وأعلن أنها عادت حثالة مدفونة تحت قدميه كي يثبت للدنيا كلها ويسجل على مسمع القرون والأجيال أنه ما من تائه يزعم التقدم الفكري إذ يعمد فينبش شيئاً من هذا الدفين القديم إلّا وهو يرجع القهقرى يسبح في أغوار قصيّة من التاريخ المظلم القديم وإن خَيّلَ إليه وهمه أنه أنّما يتقدم صعداً ويخطو مترقياً" (١).
المبدأ الثاني: "دماء الجاهلية موضوعة، وإنّ أول دم أضع من دمائنا دمُ ابن ربيعة بن الحارث":
هذا المبدأ يقرر حرمة الإنسان في دمه وماله وعرضه وأن حرمته تتطاول في العلياء لتقف جنباً إلى جنب مع أعظم الحرمات الإسلامية قدسية من البيت الحرام إلى الشهر الحرام إلى اليوم الحرام وهوما افتتح به رسول الله ﷺ خطبته.
стр. 320
هذه الحرمة سِيَّانِ فيها المسلم والكافر، والسيرة النبوية خير ناطق بما أقول اللهم إلّا أن ينابذنا الكافر العداء ويناصب أمتنا الإيذاء ويعلن البغضاء فنحن أمام رد عدوانه لا خيار لنا، لكننا ونحن نقاتله فإنما نفعل ذلك لأجل اعتدائه لا لكفره.
لكن لماذا خص خطابُ الوداع المسلم دون الكافر في حرمة الدم والمال وليس في هؤلاء يومئذ من نشب بينه وبين أخيه نزاع أو قتال وهم الذين ذوب الإسلام ما بينهم من حواجز وأبعد ما يقطع شرائحم من روابط؟ .
هنا تتجلى المعجزة الباهرة وهنا تتألق الخطبة في توجهها الذي يتعدى الحاضرين إلى الأجيال القادمة التي ستمر وفودها فوق هذا الصعيد، وإذا بصدى تلك الكلمات يتردد في جنبات المكان، وإذا بالتحذير من داء مستطير وشر خطير يشهد له القفر والجبل والحجر والمَدَر وتشهد به أفواج الوافدين إلى رحاب الله كل عام تقيم الحجة على من تنكب عن منهج السماء وتاه عن ضوابط الشريعة الغرّاء، وضاع عن قبس الوحي الإلهي الذي أشهد عليه رسول الله ﷺ الكون كله إنسَه وجنّه وملائكته وجماده كلهم كان يصغي بأنس لما يلقى على مسامعه من كلام النبوة، ويعلن تبرأه من أقوام يأتون بعده يرون في قتل المسلم قربة إلى الله وجهاداً!
يأخذون أمتهم بالتهمة، ويقطعون رؤوسهم بالجملة، ويخلطون بين جهاد لا نزاع فيه وباطل لا خير فيه! يتباهون بتصاعد أعداد القتلى على أيديهم من المسلمين وكأنها دماء شياه وهل نستنكر ذبح الشياه!
يصنعون هذا وعدو الأمة الحقيقي ورأس الإرهاب العالمي جاثم بغلظة فوق صدر الأسيرة المقدسة فلسطين ومسجدها القدسي مسرى رسول الله ﷺ وعاصمتها قبلة المسلمين الأولى لا يلتفتون إليها وهم بمنأى عن واجب استعادتها بعد أن أحالوا
стр. 321
ساحات أمتهم الإسلامية الآمنة إلى أرض وغى لا يأمن فيها المسلم على عرض أو دم أو مال! فأين نحن من وصية رسول الله ﷺ التي ارتقت إلى رتبة الحظر القضائي الذي لا طعن فيه ولا رجوع عنه ولا تقصير لشأنه حين جعل الرسول ﷺ دم المسلم خاصة ودم الإنسان عامة خطاً أحمر لا يجوز تجاوزه ولايصح الاعتداء عليه وهو القائل: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" أي لا ترجعوا بعدي كالكفار يستبيح أحدكم دم إخوته من البشر في نزاعهم حول السلطة والمنافع (١)
ومن يدري فلعله ﷺ ذكر لفظ الكفار إشارة منه إلى جماعات شاذة تتغنى بتكفير المجتمع الإسلامي وقتاله تتوسل بذلك سبيلاً معبدة في رأيها للنيل من الدماء البريئة دون أن تعلم أن الكفر لا يجيز دماً وأن الإيمان سيظل ينازع الكفر في كافة ساحات الدنيا دون أن تمتد يد المسلم إليه بلغة الاستئصال؛ لأن هذا يتعارض مع القاعدة الديمقراطية الأولى في إرساء المجتمع الإسلامي وهي قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: ١١٨].
ولقد كرر صلوات الله وسلامه عليه هذه الوصية المقررة وهو ينظر إلى وجوه أصحابه في خاتمة خطاب المنهج والميثاق وأكد ضرورة الالتزام بها حين قال: "تَعْلَمُنَّ أنّ كلَّ مسلم أخٌ للمسلم وأن المسلمين إخوة فلا يحل لامرئ من أخيه إلّا ما أعطاه عن طيب نفسٍ منه، فلا تظْلِمُنّ أنفسكم، ألا هل بلغت؟ ".
стр. 322
ومن عوامل القتل الثأر على خلفية الانتقام وتفريغ شحنة حقد دفين سواء كان ثأراً لقتل أو سلطة أو عرض أو أي منفعة دنيوية! ولكي تموت هذه العادة الذميمة المتمكنة من تلك المجتمعات آنئذ فقد بدأ رسول الله ﷺ بنفسه وأهله فأسقط دم إياس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وكان طفلاً صغيراً يحبو بين البيوت زمن استرضاع بني سعد له فأصابه حجر في حرب كانت دائرة بين بني سعد وبني ليث بن بكر من هُذَيل فمات (١).
وبهذا رسخ رسول الله ﷺ تحريم الثأر بإسقاط حق من يقتدي هذا الجمع الغفير به على مرأى ومسمع المحتشدين.
المبدأ الثالث: وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله:
الجاهلية هي الجاهلية أيّاً كانت مسمياتها وألوانها لا فرق في ذلك بين جاهلية أولى أو جاهلية معاصرة إذ الثوابت فيها واحدة المعالم لا تتبدل: ففي الثقافة: سمةُ الجاهلية استباحة ما التقت الفطرة السليمة والشريعة السماوية على تحريمه.
وفي العلاقات الإنسانية عنوانها استحلاب مزيد من الحروب بأي وسيلة لحساب تقاليد أو عصبيات أو فوارق شكلية تُلَمِّعُ نفسها في إطار عنصري أو لحساباتٍ شخصيةٍ لمن استعبدهم هذا كله، قيدهم بأغلاله بريق الدرهم والدينار.
وفي الاقتصاد فإن النظام الربوي الذي يقدِّم فيه القوي المال منّةً للضعيف وهيمنة عليه في ظل حرب باردة يعيش فيها الأغنياء الجشعون على تلال متنامية من المال الذي
стр. 323
لم يبذلوا جهداً في تحصيله في حين يتهاوى الفقراء في مهاوي العوز السحيق بعد أن ازدادوا فقراً على فقرهم حيث حرموا من فرص النجاح وتحولوا إلى أداة مستعبدة بيد أسياد قساة يسخرونهم بلا رحمة كما يُسَخَّرُ ثور الرحى في دوامة الإنتاج اللامتناهيةهو عنوان بارز لهذه الجاهلية.
وإذا كان زماننا المعاصر يتسم بالمعاملات الربوية في غالب ربوع العالم بما فيه الإسلامي فإن الظلم في العلاقة بين الشعوب في توزيع خيراتها وتقاسم ثرواتها هي العلامة الفاصلة الدالة على عودة الشعوب القهقرى إلى جاهلية مقيتة حذرنا رسولنا محمد ﷺ من العود إلى جيفتها القذرة ومعانقتها والتمسح بأذيالها بعد أن صارت نسياً منسياً، وبعد أن غيّب جدار الماضي رائحتها العفنة.
ومثلما قدم رسول الله ﷺ من عشيرته مثلا يحتذى في نبذ الثأر والدماء فقد عاود الكرة قدوة ومعلماً في أمر ربا الجاهلية الذي قرنه في خطابه بالشذوذ الإنساني في القتل والتدمير وكأنه يقول: إذا كان السيف يقتل الإنسان بقطع رأسه فإن الربا يقتل الإنسان بإذلاله وقطع رزقه وإحالته إلى عبد يمضي عمره يقضي ما عليه من أموال ربوية ولا تنقضي.
وفي هذا صراحة في خطاب الأجيال فالمترسمون غير هدي الشريعة في تصفية الحسابات ذبحاً واستباحة دماء جاهليون متطرفون شاذون عن جادة الحق والفطرة والسماء، والمترسمون غير منهج الله في العلاقات الاقتصادية على مستوى الأفراد والمجتمعات جاهليون شاردون عن طريق العدل والسداد والاعتدال.
المبدأ الرابع: "فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن
стр. 324
بكلمة الله ... (١) ":
الإسلام منارة مضيئة في سماء هذه الامة تفضح ممارسات العهود البائدة في الظلم والعدوان وتهيب بأبناء الإسلام أن لا يخدعوا من جديد فيقعوا ضحية ممارسات فاسدة تصادم ما محاه الإسلام في تشريعاته بين قومه الكرام.
فالوصية بالنساء رفع للظلم الذي كان واقعاً عليهن يوم كانت المرأة مهملة لا تملك في مجتمعها أي حق.
والوصية بالنساء تثبيتٌ لضمانات الحقوق التي أقرتها شريعة السماء.
ولعل في التوصية في هذه الخطبة بالذات تنبيه إلى حاجة الأمة إلى العناية بالإناث تربية وتثقيفاً وتعليماً خوفاً من أن يتسلل إليهن مارق دعي يخلط في أزمنة لاحقة بين حق المرأة في رسالة الأمة الحضارية وبين استغلال المرأة في كرامتها توظيفاً لمفاتنها في إفساد المجتمعات وجني ما لا يحصى من الأموال في لعبة تغدو المرأة في مسرحها رقيقاً أبيض لا تملك أدنى حقوق البشر في اختيار المأكل والمشرب والملبس وأوقات النوم والراحة! وحياة هؤلاء اليومية وتصريحاتهم أبلغ دليل على هذا لكن الأبلغ في الذم أن يعرض أحد المنتسبين إلى الأمة عن خطاب حجة الوداع فإذا بهؤلاء يتسابقون باسم المعاصرة إلى تسويق وجوه الاستخفاف بالنساء واستعبادهن تقليداً أعمى لغرب لم تعد
стр. 325
المرأة عنده أكثر من منديل ورقي يقضي بها حاجته ثم يمضي مدبراً عنها بكل قسوة، وهذا أيضاً من موروثات الجاهلية، وهؤلاء المخدوعون الخادعون هم أيضاً من أبناء الجاهلية التي قام في وجهها الإسلام.
المبدأ الخامس: "وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتابَ الله":
المبدأ الخامس هو الاعتصام بحبل الله المتين وبصراطه المستقيم الذي لا تزيغ به الأهواء ولا يبلغ من ابتغى الهدْيَ بغيره، ولا يضل من طلب الهدي فيه.
فالجاهلية العفنة تبرز في وجه جديد يحذر رسول الله ﷺ منه أمته حين يتسوّل بعض أبنائها الهداية من شرائع ونظم مستوردة تنبهر بها جماعات إلى أجل ثم ما يلبث بريقها أن يخبُتَ لتتوالى التجارب في ساحة الأمة، وفي كل محاولة أنصار ودعاة، وطاقات تتبدد دون أن يبدو في الأفق القريب من بريق أمل أو خلاص إلّا من خلال توجيه رسول الله ﷺ للأمة إلى الاعتصام في الحصن الذي لا تُذِلُّ فيه أحداً، ولا تُذَّل، فهو الميزان الذي تضع في كفتيه مشكلاتها، فإن أصغت إليه فهو الضمان لها من كل شقاء.
مبادئ خمسة وثمة سواها لو قصدنا الاستقصاء، يُخْرِجُ بها رسول الله ﷺ المسؤولية من عنقه ويضعها في عنق الأجيال المتعاقبة التي يخاطبها من خلال هذا الحشد الجامع.
ولكي يطمئن إلى أنّ خطابه قد وعته الأمة وأدركت مقاصده فإنه ﷺ يشهد أمته أمام الله على ذلك فيقول لهم: "وأنتم تُسْأَلون عني فماذا أنتم قائلون؟ " وترتفع أصوات الحجاج تعلن بملء فيها: (نشهد أنك قد بلَّغتَ وأَدّيْتَ ونصحت) ويتهلل وجه رسول الله ﷺ لما لامس أذنيه من جواب، ويطمئن إلى أنه يستطيع الآن أن يودع أصحابه وهو في مأمن من المساءلة بين يدي العزة عن أي تقصير، ثم ينظر بعيني الرضا إلى السماء، ثم
стр. 326
يقبل بوجهه إلى الناس وهو يقول: (اللهم! اشهدْ. اللهم! اشهدْ. اللهم! اشهدْ).
* * *
أحكام الموقف العظيم
قال جابر ﵁: "ثم أذّن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصلّ بينهما شيئاً":
بعد زوال شمس يوم عرفة يخطب الإمام خطبتين خفيفتين في موقفه في وادي عرنة كخطبتي الجمعة لذلك أخّر النبي ﷺ الصلاة إلى ما بعد خطبتيه.
وفي هذه الصلاة تم تأخير الأذان للظهر إلى حين فراغه من الخطبة الأولى وابتدائه بالخطبة الثانية بحيث انتهى مؤذنه من إعلام الناس بالأذان مع انتهاء الخطبة الثانية (١).
والصلاة التي يؤديها الحجاج نهار ذلك اليوم تؤدى القراءة فيها سراً وهذا محل إجماع، وتجمع فريضة العصر في وقت الظهيرة إلى فريضة الظهر جمع تقديم قصراً لمن كان
стр. 327
مسافراً منهم سفراً طويلاً أما من كان حاضراً من أهل مكة أو عرفات أو مزدلفة أو مسافراً سفراً قصيراً دون مرحلتين فلم يجز له فقهاء الشافعية الجمع كما لم يجيزوا له القصر (١) ووافقهم في ذلك أتباع مذهب الإمام أحمد بن حنبل حيث ذهبوا إلى أن الجمع والقصر هناك سببه السفر الطويل فيختص بالمسافرين وأنه ليس من سنن الحج ومناسكه.
وهناك قول عند الشافعية يذهب إلى أنه يستوي في هذا الجمع المقيم والمسافر فالجمع عند هؤلاء علته النسك وليس السفر الطويل وهو ما يتفق مع مذهب الحنفية (٢).
قال الإمام النووي في جمع الصلاتين يوم عرفة: "وقد أجمعت الأمة عليه واختلفوا في سببه فقيل: بسبب النسك وهو مذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي وقال أكثر أصحاب الشافعي هو بسبب السفر" (٣).
هذا ويؤذن للأولى وهي الظهر ثم يقيم للصلاة لها، ثم يؤدي فرضها وبعد أن يسلّم يقيم لصلاة العصر ولا يؤذن، لها ثم يأتي بفرضها دون أن يصلي بينهما شيئاً كما
стр. 328
صرح بذلك جابر ﵁ وإلا بطلت صلاته (١)؛ لأن جمع التقديم تشترط فيه الموالاة وكذا الترتيب كما تفيده رواية مسلم في صحيحه عن جابر.
وتؤدى هذه الصلاة جماعة كما مر (٢).
وفي هذا الجمع يؤدي الحجاج سنة الظهر القبلية أي التي تقع قبل صلاة الظهر ثم يصلون الظهر ثم العصر ثم يؤدون سنة الظهر البعدية أي التي تقع بعد الظهر عادة، ثم سنة العصر. هذا ما يفعلونه، وهو ما يسن في حق كل من صلّى جمعاً بسبب السفر، في أي البلاد كان، لكن ضيوف الرحمن في عرفة لا يتنفلون بعد الصلاتين بغير ما ذكرنا من السنن الراتبة، ويبادرون إلى تعجيل الوقوف وهو ما نص عليه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى (٣).
والذي نخلص إليه أن الجمع هناك محل عمل جماهير الأمة: فهل نعرض عنه بسبب إقامتنا في مكة (٤) أو نؤديه عملا بمذهب من قال هو من النسك؟
стр. 329
الذي يبدو لي ـ والله تعالى أعلم ـ أن مراعاة الهيئة التي أداها رسول الله ﷺ في عرفات حين جمع بين الظهر والعصر على وجه التقديم تستدعي منا العمل على مذهب الإمام أبي حنيفة في هذه المسألة لكنه اشترط لجواز هذا الجمع أن تؤدى الصلاتان على الهيئة التي وردت بها السنة وهي إمام وإحرام فلو لم يصلِّ بهم الإمام وهو ولي الأمر أو نائبه صلى كل واحد منهم الفريضة في وقتها ولا يجمعها بأختها ومع اختلال هذا الشرط اليوم فإننا نأخذ بمذهب صاحبي أبي حنيفة الإمامين الجليلين أبي يوسف ومحمد حيث أجازا الجمع في عرفة لمن صلى جماعة بإمامة غير ولي الأمر أو نائبه وهو ما يحصل اليوم مع الغالبية العظمى من الحجاج كما أجازا الجمع للحاج ولو كان منفرداً (١).
هذا الكلام يعضده مذهب الإمام مالك الذي ذهب إلى أن أهل الموقف يجمعون بين الصلاتين للنسك مع القصر لكل صلاة منها إلّا لساكني عرفات في عرفات وساكني مزدلفة (٢).
كما يعضده ما سبق بيانه من مذهب بعض الشافعية القائلين: إن الجمع عام في حق أهل الحضر والسفر على السواء.
بعد الحديث عن جمع الصلاة يحضر الكلام عن قصر الصلاة هناك فهل تؤدى تامة أو قصراً في ذلك الصعيد؟
أترك تفصيل هذا لفضيلة أستاذنا الدكتور نور الدين عتر حفظه الله إذ قال:
"وأما القصر فهو عند الجمهور من أحكام السفر فمن كان مكياً أو قدم مكة
стр. 330
للمكث بها مدة الإقامة الشرعية لا يجوز له قصر الصلاة مطلقاً.
وذهب الإمام مالك وأصحابه إلى أن المكي ومن في حكمه يقصرون ويجمعون بعرفة ومزدلفة ومنى وكذا أهل كل مشعر يجمعون ويقصرون في غير بلدهم.
لكن مذهب الجمهور أقوى دليلاً وأحوط لإبراء الذمة والله أعلم" (١).
الخلاصة أننا نجمع الظهر والعصر جمع تقديم عملاً بالسنة النبوية المطهرة بما يوافق المذاهب المعتمدة من رجال السلف الصالح لكننا لا نقصر هناك خروجاً من خلاف جمهور العلماء الذين رأوا في القصر علة واحدة وهي السفر. أما من يضم القصر إلى الجمع فلا نخطئه؛ لأن لديه مستنداً من أئمة السلف إمام دار الهجرة الإمام مالك ﵁. هذا والله تعالى أعلم (٢).
* * *
стр. 331
الحج عرفة
قال جابر ﵁: "ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه (١)، واستقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتى غَرَبَتْ الشَّمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص":
عند هذه النقطة يبدأ الوقوف بعرفة الذي يُمَهَّدُ له بتعجيل الاندفاع إلى أرض عرفات عقب الفراغ من الصلاة مباشرة، وهنا لا بدّ لنا من ذكر آداب وأحكام أعظم يوم من أيام الحج قاطبة لقول رسول الله: "الحج عرفة"؛ لأنه اليوم الذي لا بديل عنه، ولا كفارة فيه، ولا يقوم بنيان الحج إلّا بالوقوف فيه.
وإليك مختصر ما يتصل بالوقوف في هذا اليوم من أعمال:
أولا: عرفة كلها موقف إلّا بطن عرنة كما مر (٢)، وهو ما لا يجوز التساهل فيه وإلا ذهبت الفريضة في أودية البطلان، ووجب التحلل منها بعمرة؛ لأن عرفات ليست من أرض الحرم فحدودها تنتهي عند منتهى الحرم بما يعرف بالشاخص المنصوب هناك المكتوب على رقعته الخضراء عند منتهى المأزِمَين الجبلين اللذين بين مزدلفة وعرفة: "بداية
стр. 332
عرفات" (١).
ثانياً: واجب الوقوف بعرفة شيئان:
أحدهما كونه في وقته المحدود وهو من زوال شمس يوم عرفة إلى طلوع فجر ليلة العيد بدليل ما أخرجه الترمذي وغيره عن عبد الرحمن بن يَعْمُرَ أن ناساً من أهل نجد أتَوْا رسول الله ﷺ وهو بعرفة فسألوه فأمر منادياً فنادى: "الحج عرفة. من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج، أيام منى ثلاثةٌ .... " (٢).
وقد قال وكيع بن الجراح شيخ الشافعي: هذا الحديثُ أُمُّ المناسك (٣).
والدليل الآخر رواه الترمذي عن عروة بن مُضَرِّس بن أوس بن حارثة بن لامٍ الطائيّ قال: أتيتُ رسول الله ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت: يارسول الله: إنني جئت من جَبَلَي طيِّء أَكْلَلْتُ راحلتي، وأتعبتُ نفسي. والله ماتركت من حَبْلٍ إلّا وقفتُ عليه فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : "من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا
стр. 333
حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد أتمَّ حجّه، وقضى تفثه" (١).
فمن حصل له بعرفة وقوف في لحظة لطيفة من هذا الوقت صح وقوفه وأدرك الحج، ومن فاته ذلك فقد فاته الحج (٢).
الثاني: كون الحاج أهلا للعبادة وهو ما يعني اشتراط العقل لذلك فهو يشمل الصبي (٣) والنائم، فالحج منهما صحيح، أما المغمى عليه جميع وقت الوقوف والمجنون (٤) والسكران (٥) فلا يصح وقوف كلٍّ لانتفاء أهلية العبادة عندهم كما في الصوم لكن قالوا: يقع حج المجنون نفلا (٦).
ولو كان المسلم ماراً في عرفات في طلب آبق فقد صح حجه وإن قَصَدَ صرف حضوره عن الوقوف شرط كونه محرماً بالحج وكونه أهلاً للعبادة، وذلك أنّ مجرد الوقوف مع توفر هذين الشرطين يجزئه في هذا (٧).
стр. 334
ولبيان مزيد من الفائدة أنقل لك ما نص عليه الإمام النووي حول هذه النقطة: "فمن كان من أهل العبادة وحصل في جزء يسير من أجزاء عرفات في لحظة لطيفة من وقت الوقوف المذكور صح وقوفه حضرها عمداً أو وقف مع الغفلة أو مع البيع والشراء أو التحدث واللهو أو في حالة النوم أو اجتاز في عرفات في وقت الوقوف وهو لا يعلم أنه عرفات ولم يلبث أصلاً بل اجتاز مسرعاً في طرف من أرضها المحدودة أو كان نائماً على بعيره فانتهى به بعيره إلى عرفات فمر بها البعير ولم يستيقظ راكبه حتى فارقها أو اجتازها في طلب غريم هارب بين يديه أو بهيمة شاردة أو غير ذلك مما هو في معناه صح وقوفه في جميع ذلك ولكن تفوته كمال الفضيلة" (١).
شرط الأهلية الذي قال به الشافعية وافقهم في القول به الحنبلية بخلاف الحنفية والمالكية الذين أجازوا وقوف المغمى عليه ولو كان إغماؤه مطبقاً بحيث أُدخل إلى عرفة وهو في حالة فقدان الوعي ولم يُفِقْ حتى خرج منها؛ لأنهم لم يشترطوا للوقوف نية ولا طهارة، وبالتالي لا يشترط عندهم كونه أهلاً للعبادة، فيصح في اجتهادهم وقوف المغمى عليه والمار بها ولو لم يعلم أنها عرفة ما دام قد مر في زمن الوقوف المذكور (٢).
وفي رأيي هذا تيسير من الله على عباده بوجود فتاوى من هذا النظير لأئمةٍ معتمدين من رجال السلف الصالح، فما نشاهده كل عام يوم عرفة من سيارات إسعافية تحمل بمجموعها الكثير من الحجاج المرضى الذين فجأتهم أزمات فإذا بهم يدخلون معها في سبات تام وهم لا يزالون في حالة إحرام فهؤلاء يصح وقوفهم على
стр. 335
مذهبي الإمامين الجليلين أبي حنيفة ومالك رحمها الله تعالى ولله الحمد والمنة.
ثالثاً: الأصح في مذهب الشافعية أن الوقوف راكباً هو الأفضل اقتداء برسول الله ﷺ لقول جابر: ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات (١) قالوا: ؛ ولأنه أعون على الدعاء وهذا هو المهم في عرفات.
رابعاً: الأفضل تحري موقف رسول الله ﷺ قرب جبل الرحمة المنتصب بوسط جبل عرفات حيث وقف رسول الله ﷺ عند الصخرات الكبار المفروشة أسفل الجبل بحيث يكون الجبل قبالة الواقف إذا استقبل القبلة ويكون طرف الجبل تلقاء وجهه (٢).
يفعل الحجاج هذا مالم يخشَ أحدهم مزاحمة بعضهم بعضاً، أو إيقاع الأذى فيما بينهم، أو التيه عن الرفقة والصحبة فحينئذ الابتعاد أولى مراعاة لمصلحة المسلمين العامة.
أما صعود جبل الرحمة بقصد السنة والخصوصية فهذا مما لا أصل له وهو عمل غير مشروع إن كان المقصود تحصيل فضل زائد عن الموقف لذلك قال الإمام النووي: "وأما ما اشتهر عند العوام من الاعتناء بالوقوف عند جبل الرحمة الذي بوسط عرفات كما سبق بيانه وترجيحهم له على غيره من أرض عرفات حتى ربما توهم كثيرٌ من جهلهم أنه لا يصح الوقوف إلّا به فخطأ مخالف للسنة ولم يذكر أحد ممن يعتمد عليه في صعود هذا
стр. 336
الجبل فضيلة إلّا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري فإنه قال يستحب الوقوف عليه وكذا قال أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي البصري صاحب الحاوي من أصحابنا: يستحب أن يقصد هذا الجبل الذي يقال له جبل الدعاء قال: وهو موقف الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وهذا الذي قالاه لا أصل له ولم يرد فيه حديث صحيح ولا ضعيف والصواب الاعتناء بموقف رسول الله ﷺ وهو الذي خصه العلماء بالذكر والتفضيل وحديثه في صحيح مسلم وغيره وقد قال إمام الحرمين: في وسط عرفات جبل يسمى جبل الرحمة لا نُسُكَ في صعوده وإن كان يعتاده الناس.
فإذا عرفت ما ذكرناه فمن كان راكباً فليخالط بدابته الصخرات المذكورة وليداخلها كما فعل رسول الله ﷺ ، ومن كان راحلاً قام على الصخرات أو عندها على حسب الإمكان بحيث لا يؤذي أحداً، وإذا لم يمكنه ذلك الموقف فيقرب مما يقرب منه ويتجنب كل موضع يؤذي فيه أو يتأذى ... " (١).
هذا في حق الرجل أما المرأة فالمستحب لها أن تكون في حاشية الموقف لا أن تقف عند الصخرات أو في الزحمة؛ لأنه يستحب أن تؤدي الوقوف في عرفات قاعدة؛ لأنه أستر لها (٢).
خامساً: من السنة استقبال القبلة في وقوف عرفات سيان في ذلك وضع الدعاء أو غيره (٣)؛ لقول جابر: "واستقبل القبلة"، وهكذا فالكعبة والبيت والحرم يظل هذا كله حاضراً بقوة في وقوف ضيوف الرحمن في أرض الحل عرفة حتى ولو لم يكونوا في صلاة أو دعاء وفي هذا ترويض للمسلم ليبقى قلبه مشدوداً وبصره ممدواً إلى حيث المحور
стр. 337
الإسلامي الجامع كعبة الله المشرفة.
سادساً: ومن السنة التطهر للوقوف بعرفة ولا يجب ذلك؛ لأن رسول الله ﷺ قال للسيدة عائشة ﵂ فيما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما: "افعلي كل ما يفعله الحاج غير أن لا تطوفي بالحرم حتى تطهري" فلو وقف محدثاً أو جنباً أو عليه نجاسة أو مكشوف العورة صح وقوفه وفاتته الفضيلة (١). وقد مر معك أن رسول الله ﷺ اغتسل على أبواب عرفات استعداداً للموقف الكبير كما أنه ورد عن عبد الرحمن بن يزيد قال: اغتسلتُ مع ابن مسعود يوم عرفة تحت الأراك (٢).
إن الاغتسال الذي يتكرر فصولاً في شتى مواقف الحج إلى بيت الله الحرام هو مظهر حضاري ينبه إلى تقدير الدين الإسلامي للنظافة العامة والخاصة، وإلى مراعاته آداب اللقاء والاجتماع التي تعد إحدى مرتكزات العلاقات الاجتماعية اليوم ذلك أنه في كل مناسبة تشتهر بازدحام الناس تبرز في أفق المسلم سنة الاغتسال نجد ذلك في موضع صلاة الجمعة التي يدخل وقت الاغتسال فيها بالفجر الصادق ليوم الجمعة، وفي العيد؛ لأنه يوم زينة وتلاق، ويدخل وقت الاغتسال له بنصف ليلة العيد، وفي خطبة وصلاة الكسوف والخسوف والاستسقاء، وكذا لقاصد الدخول بالإحرام بحج أو عمرة (٣) أو قاصد الدخول لمكة المكرمة تعظيماً لها وتأدباً مع ضيوفها وروادها وإزالة
стр. 338
لشعث السفر قبل دخولها (١). وكذلك يستحب الاغتسال للوقوف بعرفة والأفضل كونه بنمرة ويحصل أصل السنة في غير نمرة ووقته كالجمعة بطلوع الفجر الصادق لليوم التاسع وكونه قبل الزوال أفضل وأليق بجمع عرفة الغفير (٢).
وإن الاغتسال كذلك هو لون من ألوان تعظيمه ﷺ لشعائر الحج قبل عرفات وللمبيت في مزدلفة (٣) وفي منى سائر أيامها لرمي الجمار الثلاث في كل يوم من أيام التشريق (٤) ولطوافي الإفاضة والوداع مِن قول مَن ذهب إليه (٥).
ومن تعظيم مناسك الحج وشعائره تطيُّبه ﷺ بعد الغسل وقبل الإحرام بأطيب طيب وجده كما في حديث زيد بن ثابت عن أبيه أنه رأى النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل (٦).
وروت السيدة ـ عائشة ﵂ قالت: "كنت أطيب رسول الله ﷺ بأطيب ما أقدر عليه قبل أن يحرم ثم يحرم" (٧) وفي رواية: "بأطيب الطيب" (٨) وفي رواية: "كأني اُنظر
стр. 339
إلى وبيص الطيب في مَفْرق رسول الله ﷺ وهو محرم" (١).
في هذه اللفتة دعوة إلى الاقتداء برسول الله ﷺ في تقديسه لفريضة الركن الخامس وتعظيمه لشعائرها وتحريضه ضيوف الرحمن على صيانة حرمتها حتى ينالوا ثواب الحج المبرور والذي لا يكون كذلك إلّا بهذا لكن المتأمل لحج المسلمين اليوم يجد بين شرائح منهم انتهاكاً صارخاً لحدود الله وحرماته واستهانة جلية بأعماله ومواضعه وما ذلك إلّا بسبب التقصير في تهيئة الحجيج لهذه الفريضة تعليماً وتذكيراً وهذا من عموم تقصير المسلمين في حقوق الله وشعائره التي قال الباري فيها: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
وخير من نبه إلى ذلك وحذر منه الإمام ابن القيم ﵀ في كلام نفيس له حين قال: "لم يُقَدّره حقّ قدره من هان عليه أمره فعصاه ونهيه فارتكبه وحقُّه فضيّعه، وذِكْره فأهمله، وغفل قلبه عنه وكان هواه آثر عنده من طلب رضاه، وطاعة المخلوق
стр. 340
أهمَّ عنده من طاعة الله، فللهِ الفضلةُ من قلبه وعلمه وقوله وعمله وماله وسواه المقدم في ذلك؛ لأنه المهم عنده" (١).
لذا فواجبنا التأسي برسول الله ﷺ في إجلاله شعائر ربه وحدود شرعه ومناسك حجه والقيام بذلك على أتم وجه وبإخلاص تام لوجهه الكريم، وأن نصبر على هذا ونتواصى على ذلك.
سابعاً: من السنة أن يقف الحاج يوم عرفة مفطراً لما رواه البخاري في صحيحه عن أمّ الفضل بنت الحارث أن ناساً اختلفوا عندها يوم عرفة في صوم النبي ﷺ فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلتُ إليه بقدَحِ لبن وهو واقف على بعيره فشربه (٢).
فلا يصوم يوم عرفة سواء كان يضعف فيه أم لا (٣)؛ لأن الموقف عبادة لها تميزها وتحتاج من أصحابها استعداداً من نوع خاص لاسيما في هذا الزحام الشديد واقتران ذلك بالطقس الحار غالباً هناك فالفطر يعين على أداء العبادة وهو ما يتفق مع السنة المطهرة.
ثامناً: الأفضل أن لا يستظل الواقف بشيء بل يبرز للشمس؛ لأنه لم ينقل أن النبي ﷺ استظل بعرفات مع العلم أن الرواية التي صحت عنه ﷺ هي استظلاله بثوب وهو يرمي الجمرة.
تاسعاً: ومن سنن الوقوف الجمع بين الليل والنهار بحيث يبقى واقفاً حتى تغرب
стр. 341
الشمس ويدرك جزءاً من الوقت بعد الغروب ولو لحظة لطيفة منه، فلو أفاض قبل غروب الشمس صح وقوفه وحجه واستحب له أن يجبر هذا التقصير بدم في أصح قولي إمامنا الشافعي ﵀، وهو المفتى به، وخروجاً من خلاف من أوجبه (١).
ولو وقف في جزء من الليل دون النهار صح وقوفه وحجه أيضاً.
أما لو وقف بعد الفجر نهار اليوم التاسع ودفع من عرفات قبل الزوال فوقوفه وحجه باطل ما لم يعد إلى عرفات في الزمن الممتد من زوال شمس اليوم التاسع إلى طلوع فجر يوم النحر (٢).
стр. 342
ولدى النظر في كلام الشافعية نجده على اتفاق مع صريح الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي عن عروة بن مُضَرِّس أن رسول الله ﷺ قال: "من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد أتم حجه وقضى تفثه" (١).
عاشراً: يوم عرفة هو أعظم الأيام عند الله تعالى فيه يجتمع سر المكان الذي اختاره ربنا لضيوفه من رسل وأنبياء وأولياء ووافدين من لدن آدم إلى أن يقوم الناس لرب العالمين (٢)، وسر الزمان الذي تدنوا في ساعاته المباركة رحمة الله من عباده الشعث الغبر المتذللين إليه بحاجتهم وسحائب فضله وكرمه، وسرّ الأشخاص بما يجمع فيه الباري من الخواص، لذلك فإن هذا المجمع العظيم والموقف الجسيم هو أعظم مجامع ومواقف الدنيا على الإطلاق لما يفيض فيه ربنا من فيوضات إيمانية تنسكب في أفئدة عباده الواقفين تحرك فيه قلوباً لطالما تجمدت بصقيع المادة ولهيب الشهوات الجانحة، فتذرف من عيونهم دموع لطالما حبست فلم تخرج ببواعث الرغبة والرهبة.
فالموقف في زمانه المعهود ومكانه المقصود وواقفيه المخصوصين هو نفحة إيمانيه
стр. 343
عالية في يوم من أيام دهر الله لا تأتي بهذه الصورة في العام كله إلّا مرة واحدة لذلك ينبغي لك أيها الحاج هناك أن تقف حاضر القلب فارغ الذهن من الشواغل الدنيوية التي يندب في حقك أن تقضيها قبل الزوال لتكون مستعداً بباطنك وظاهرك عن جميع العلائق متفرغاً لنداء ربك ودعاء مولاك مستفرغاً وسعك بين يديه في بحار العبودية مناجياً وسائلاً وداعياً (١) وملبياً (٢) ومكبراً ومهللاً وذاكراً وتالياً للقرآن ومصلياً على رسول الله ﷺ مظهراً التذلل والفقر ويداك إلى صدرك كالمستطعم المسكين في موقف قيوم السموات والأرض (٣) في أنموذج مصغر للمحشر حين يقوم الناس في عرصات يوم القيامة حفاة عراة غُرْلاً ثم يتوَّج أهل الخير في الجنة ويساق أهل العصيان إلى النار.
فاملأ ساحة وقتك قائماً وقاعداً كالنحلة ترتشف من رحيق شتى الأزهار، فتارة اذكر، وتارة هلِّلْ، وتارة كبر، وتارة صلّ على نبيك وحبيبك وقدوتك ﷺ ، وتارة استغفر، وأعلنها توبة، وتارة لبِّ، افعل ذلك حال انفرادك عن إخوانك وحال اجتماعك بهم (٤) اغتنم كل لحظة في وقوف الحشر الأصغر هذا واعلم أن الحج كله يفوت إن فات الوقوف فيه، وأن ثواب الحج في خطر عظيم إن خرج أحد من صعيد الموقف ولم ينل
стр. 344
من نفحات وبركات هذا اليوم فلم يغفر له، فالسعيد من كان حظه في هذا اليوم موفوراً وقلبه خاشعاً خاضعاً موصولاً، وجوارحه متواضعة محفوظة عن سوء الأدب ولو في نظرة لا تليق أو إطلاق لسان بما ينبو عن مثله أدب الحبيب (١)،
فالوظيفة في هذا الموقف واضحة محدودة والمرجو ثمرة لا مطلب للعبد الصادق في سواها، فمن قصر في هذه المعاني (٢) واشتغل بالقيل والقال والمخاصمة والمشاتمة والكلام القبيح والجدال فقد ضل سعيه وفات جهده وذهب ماله في غير طائل، لا بل إن الفقهاء يوصون بالاحتراز عن الكلام المباح الذي لا مخالفة فيه؛ لأنه تضييع للوقت عن المهم الأسمى سداً للذرائع عن الانجرار إلى ما هو حرام.
قال الإمام النووي: "وليحذرْ كل الحذر من التقصير في ذلك، فإن هذا اليوم لا يمكن تداركه بخلاف غيره ويستحب الإكثار من الاستغفار والتلفظ بالتوبة من جميع المخالفات مع الاعتقاد بالقلب، وأن يكثر من البكاء مع الذكر والدعاء، فهناك تسكب
стр. 345
العبرات، وتستقال العثرات، وترتجى الطلبات" (١).
كما قال: "وينبغي أن يكثر من التضرع فيه والخشوع وإظهار الضعف والافتقار والذلة ويلح في الدعاء ولا يستبطئ الإجابة، بل يكون قوي الرجاء للإجابة، ويكرر كل دعاء ثلاثاً ويفتتح دعاءه بالحمد والتمجيد لله تعالى والتسبيح والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، ويختمه بمثل ذلك، وليكن متطهراً متباعداً عن الحرام والشبهة في طعامه وشرابه ولباسه ومركوبه وغير ذلك مما معه فإن هذا من آداب جميع الدعوات، وليختم دعاءه بآمين، وليكثر من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل" (٢).
فالدعاء يرافقه كثرة التضرع وصدق المناجاة له منزلة رفيعة في الإسلام إذ هو إظهار غاية التذلل والافتقار بين يدي الله لذلك عرّف النبي ﷺ الدعاء بأنه مخ العبادة وجوهرها لدلالته على إقبال العبد إلى ربه والإعراض عماسواه وهذه هي العبودية الحقيقية التي تليق بالعاجز الفقير في علاقته مع الخالق الغني والكريم اللطيف بعباده وهو المعنى الذي أكده ﷺ بإخبار أمته بأنه ليس شيء أكرم على الله من الدعاء (٣)، ثم في تسمية أهم ركن من أركان الإسلام ـ أي الصلاة ـ باسم من أسماء الدعاء ما يشير إلى هذا المعنى الذي أحرره لك.
ولما كان الحج إلى بيت الله الحرام الفرض الذي يمتد رواقه إلى سائر أركان الإسلام ليظلها بطيفه فإن الدعاء كان وما يزال الأوفر حظاً والأكثر نصيباً في ساحة مناسكه لذلك أظهره رسول الله ﷺ في كافة جنباته فتراه يؤديه في الطواف حتى يبدو لك أنه أصل
стр. 346
فيه ويمتد به إلى الوقوف على الصفا والمروة إلى أن يصير علامة فارقة عليه، ثم يطيل النبي ﷺ دعاءه يوم عرفة متذللاً متخشعاً باكياً وهو على ناقته ويُمضي فيه من الوقت ما لم يقضه في أي مكان آخر من بعد الزوال عقب الخطبتين والصلاة إلى غروب الشمس.
وفي مزدلفة في المشعر الحرام أطال نبينا محمد ﷺ التضرع بين يدي مولانا الكريم منذ أن صلى الفجر في أول الوقت بغلس إلى أن أسفر جداً قبل أن تطلع الشمس (١).
وفي أيام التشريق بعد رمي الجمرتين الأوليين كان النبي ﷺ يستقبل القبلة ويقوم قياماً طويلاً يدعو ويرفع يديه قدر سورة البقرة (٢).
ومن الفوائد أن المنقول عن دعائه ﷺ وثنائه على ربه في الحج قليل جداً بالنسبة لما لم ينقل؛ لأن الأصل في الدعاء أنه محض خطاب العبد لمولاه وأنه سر من أسرار عبوديته لربه، فالدعاء يتضمن حاجة الإنسان التي يرفعها إلى خالقه وهذا من خصوصيات كل مناجاة، كما تتضمن القائمة - بالنسبة لغير رسول الله ﷺ صنوف الذنوب التي سقطت منه وهذا أشد خصوصية (٣) ثم إن الدعاء الذي طال كثيراً يوم عرفة لم تغطه الأدعية المأثورة بما نقل لنا منها وهو قليل وبعضه ضعيف الإسناد ليس بقوي وإنْ ذلك كله إلّا نذر يسير في جنب كمٍّ هائل كبير من الدعاء المبارك الذي مارسه ﷺ ، ولا أدل على هذا من الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي أمامة ـ في عموم الدعاء ـ قال: دعا رسول الله ﷺ
стр. 347
بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئاً فقال: "ألا أدلكم على ما يجمع ذلك كله؟ " تقول: "اللهم نسألك من خير ما سألك منه نبيك محمد ﷺ ونعوذ بك من شر ما استعاذ منه نبيك محمد ﷺ وأنت المستعان وعليك البلاغ ولا حول ولا قوة إلّا بالله" (١).
فلو لم يكن دعاء النبي ﷺ طويلاً لما كان في حفظه عسر فكيف الحال لدعاء عرفة وهو الأطول في زمانه وعباراته فيما أعلم.
ومن تلك الأدعية المأثورة يوم عرفة ما رواه طلحة بن عبيد الله بن كَرِيْز أن رسول الله ﷺ قال: "أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له" (٢).
وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفة لا إله إلّا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. اللهم! اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً.
اللهم! اشرح لي صدري، ويسّرْ لي أمري، وأعوذ بك من وسواس الصدر، وشتات الأمر، وفتنة القبر.
اللهم! إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل وشر ما يلج من النهار وشر ما تهب به الرياح ومن شر بوائق الدهر" (٣).
стр. 348
وقد ذكر الإمام النووي في شرح الإيضاح في مناسك الحج فصلاً في الدعاء المختار في يوم عرفة جاء فيه: " (فرع): ومن الأدعية المختارة:
اللهم! آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم! إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً وإنه لا يغفر الذنوب إلّا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم.
اللهم! اغفر لي مغفرة من عندك تصلح بها شأني في الدارين، وارحمني رحمة منك أسعد بها في الدارين، وتب علي توبة نصوحاً لا أنكثها أبداً، وألزمني سبيل الاستقامة لا أزيغ عنها أبداً.
اللهم! انقلني من ذل المعصية إلى عز الطاعة، وأغنني بحلالك عن حرامك وبطاعتك عن معصيتك وبفضلك عمن سواك، ونوّر قلبي وقبري، وأعذني من الشر كله، واجمع لي الخير كله. استودعتك ديني وأمانتي وقلبي وبدني وخواتيم عملي وجميع ما أنعمت به عليَّ وعلى جميع أحبّائي وجميع المسلمين" (١).
ومن آداب الدعاء أن يناجي ربه بلغة الدموع والبكاء. روى ابن الجوزي في صفة الصفوة عن مهران بن عمرو الأسدي قال: سمعت الفضيل بن عياض عشية عرفة بالموقف وقد حال بينه وبين الدعاء البكاء يقول: "واسوأتاه وافضيحتاه وإن عفوتَ عني ... ".
وقال إسحاق بن إبراهيم الطبري: وقفت مع الفضيل بن عياض بعرفات فلم أسمع من دعائه شيئاً إلّا أنه وضع يده اليمنى على خده وطأطأ رأسه يبكي بكاء خفيفاً
стр. 349
فلم يزل كذلك حتى أفاض الإمام فرفع رأسه إلى السماء يقول: "واسوأتاه والله منكَ وإن غفرتَ. قالها ثلاث مرات (١).
ومن آداب الدعاء ترك الأَثَرَةَ فيه، فلا يخص به نفسه وينسى من حوله، ولا يرفع به حاجته ويعرض عن قضايا أمته، ولا يدعو لشخصه ويغفل والديه ومشايخه وأقاربه؛ لذلك نص الفقهاء على أن الحاج يدعو بأنواع الأدعية، ويأتي بأنواع الأذكار، ويدعو لنفسه ولوالديه ولأقاربه ولشيوخه ولأصحابه وأصدقائه وأحبابه وسائر من أحسن إليه من الناس كما يدعو لجميع المسلمين (٢).
وفي هذا الزمان فإن البخيل المتهاون، والمقصر الكسول هو الذي يتجاهل الدعاء لعرين هذه الأمة القدس الشريف سواء في ذلك شطرها الغربي أو الشرقي، فالناحيتان معاً يطلق عليهما قدس أمة الإسلام، وفي داخلهما قلب أمتنا النابض المسجد الأقصى بقبته قبة الصخرة ومصلاه المرواني وساحاته الإسلامية الشامخة.
ومن واجب كل مسلم أن يدعو لعودة كل ذرة تراب من أرض فلسطين إلى حظيرة هذه الأمة سواء في ذلك تراب تل أبيب أو حيفا ويافا أو صفد والجليل أو القدس والضفة وغزة فكلها أرض فلسطين التي بارك الله فيها للعالمين، وألزم كل المسلمين المضيّ قدماً لكي تضم الأسرة الإسلامية الكبرى إلى صدرها من جديد فلذة كبدها ومسرى نبيّها ومعراج رسولها ﷺ ، وسائر الأرض التي بارك فيها ربنا للعالمين.
стр. 350
الحادي عشر: في فضل يوم عرفة:
روى مسلم في صحيحه عن سعيد بن المسيب قال: قالت عائشة ﵂: إن رسول الله ﷺ قال: "ما من يوم أكثرَ من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء" (١).
وفي رواية في مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يباهي الملائكة بأهل عرفات يقول: انظروا إلى عبادي شُعْثاً غُبْرَاً" (٢).
فعرفة هو أفضل الأيام على الإطلاق لذلك قال الفقهاء: لو قال رجل: امرأتي طالق في أفضل الأيام فإنها تطلق في يوم عرفة. والوجه الآخر أنها تطلق في يوم الجمعة لكن المفتى به الأول.
ويتأول الفقهاء حديث: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة" على أنه أفضل أيام الأسبوع (٣).
وروى الإمام البيهقي في السنن الكبرى باب ما جاء في فضل عرفة عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلاً قال لعمر ﵁: يا أمير المؤمنين: آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً. فقال: أيُّ آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ فقال عمر ﵁: فقد عرفنا ذلك
стр. 351
اليوم والمكان الذي أنزلت فيه. نزلت على رسول الله ﷺ بعرفات يوم جمعة" (١).
وعن عباس بن مِرْدَاس أن رسول الله ﷺ دعا عشية عرفة لأمته بالرحمة والمغفرة فأكثر الدعاء، فأوحى الله تعالى إليه: "إني قد فعلتُ إلّا ظلمَ بعضهم بعضاً، وأما ذنوبهم فيما بيني وبينهم فقد غفرتها" فقال: "يارب إنك قادر على أن تثيب هذا المظلوم خيراً من مَظْلَمَتِهِ وتغفر لهذا الظالم" فلم يجبه تلك العشية، فلما كان غداة المزدلفة أعاد الدعاء فأجابه الله : إني قد غفرت لهم" فتبسم رسول الله ﷺ ، فقال له بعض أصحابه: "يا رسول الله قد تبسمتَ في ساعة لم تكن تبسَّم فيها، قال: تبسمت من عدوّ الله إبليس، إنه لما علم أن الله قد استجاب لي في أمتي أهوى يدعو بالويل والثُّبور ويحثو التراب على رأسه" (٢).
وقال النووي: " (وروينا) عن طلحة بن عبيدالله أحد العشرة ﵃ (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : "ما رؤي الشيطان أصغر (٤) ولا أحقر ولا أدحر (٥) ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلّا أن الرحمة تنزل فيه فيتجاوز عن الذنوب العظام".
стр. 352
وعن الفضيل بن عياض ﵁ أنه نظر إلى بكاء الناس بعرفة فقال: "أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل واحد فسألوه دانقاً أكان يردهم؟ قيل: لا. قال: والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق (١).
وعن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃ أنه رأى سائلاً يسأل الناس يوم عرفة فقال: ياعاجزاً أفهذا اليوم تسأل غير الله تعالى؟ ! ! (٢) وعن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: من قال ليلة عرفة هذه العشرَ كلمات ألف مرة لم يسأل الله شيئاً الله إلّا أعطاه إلّا قطيعة رحم أو مُؤْثَم:
"سبحان الذي في السماء عرشه.
سبحان الذي في في الأرض موطئه.
سبحان الذي في البحر سبيله.
سبحان الذي في النار سلطانه.
سبحان الذي في الجنة رحمته.
سبحان الذي في القبور قساؤه.
سبحان الذي في الهواء روحه.
سبحان الذي رفع السماء.
سبحان الذي وضع الأرض.
سبحان الذي لا منجا منه إلّا إليه" (٣).
стр. 353
وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة. قال: فقال رجل: يا رسول الله هن أفضل أم عدتهن جهاداً في سبيل الله؟ قال: هن أفضل من عدتهن جهاداً في سبيل الله إلّا عفير يعفر وجهه في التراب، وما من يوم عند الله أفضل من يوم عرفة ينزل الله إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء فيقول: انظروا إلى عبادي شُعثاً غُبراً ضاحين جاؤوا من كل فج عميق، ولم يروا رحمتي، ولم يروا عذابي، فلم أر يوماً أكثر عتيقاً من النار منه في يوم عرفة" (١).
عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان عشية عرفة لم يبق أحد في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان إلّا غفر له". قلت يا رسول الله: "أهل عرفة خاصة؟ " قال: "بل للمسلمين عامة" (٢).
وعن طالب ابن سلمى بن عاصم بن الحكم قال: حدثني بعض أهلنا أنه سمع جدي قال: قال رسول الله ﷺ يومئذ: "ألا إن الله نظر إلى هذا الجمع فقبل من محسنهم، وشفّع محسنهم في مسيئهم، فتجاوز عنهم جميعاً" (٣).
الحادي عشر: في التعريف يوم عرفة بغير عرفة:
التعريف يوم عرفة معناه أنه إذا صلى المسلم العصر نهار عرفة - خارج أرض
стр. 354
عرفة في أنحاء البلاد والأمصار كالشام ومصر والحجاز والعراق وسائر بلاد العرب والإسلام والدنيا - جلس للدعاء وأخذ يذكر الله ويتضرع بين يديه على غرار يوم عرفة تشبهاً بهم علّه ينال من بركات هذا اليوم، وتجليات الله فيه.
هذا العمل محل خلاف الفقهاء قديماً وحديثاً:
فالإمام مالك بن أنس - إمام دار الهجرة، المدينة المنورة - كره ذلك، كما كرهه جماعة من كبار التابعين منهم نافع مولى ابن عمر وإبراهيم النَّخَعي والحكم وحماد وغيرهم. قال الإمام النووي بعد أن ساق ذلك: "وصنف أبو القاضي الطَّرْطوشيُّ المالكيُّ الزاهد كتاباً في البدعِ المنكراتِ وجعل منها هذا التعريف، وبالغ في إنكاره، ونقل أقوال العلماء فيها." (١).
وقال ابن وهب: سمعت مالكاً يُسأل عن جلوس الناس في المسجد عشية عرفة بعد العصر واجتماعهم للدعاء فقال: "ليس هذا من أمر الناس، وإنما مفاتيح هذه الأشياء من البدع".
وروى محمد بن وضاح أن الناس اجتمعوا بعد العصر من يوم عرفة في مسجد النبي ﷺ يدعون فخرج نافع مولى ابن عمر فقال: "يا أيّها الناس إن الذي أنتم فيه بدعة وليست بسنة. أدركت الناس ولا يصنعون هذا".
وحين استخلف عمر بن عبد العزيز فحضر، فلما كان عرفة صلّى عمر العصر، فلما فرغ انصرف إلى منزله، فلم يخرج إلى المغرب، ولم يقعد للناس (٢).
وعن شعبة قال: "سألت الحكم وحماداً عن اجتماع الناس يوم عرفة في المساجد
стр. 355
فقالا: هو مُحْدَث" (١).
وعن منصور عن إبراهيم قال: هو مُحْدَث (٢).
وفي المقابل فقد نقل عن جماعة استحبابه وفعله لا سيما وأن منهم من ذهب إلى أن أول من صنع ذلك هو ابن عباس (٣).
ومن الذي كانوا يفعلونه الحسن البِصْرِيُّ فقد روى الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي عن أبي عَوَانَة قال: "رأيتُ الحسن البِصْرِيَّ يوم عرفة بعد العصر جلس فدعا وذكر الله فاجتمع الناس" (٤).
وفي رواية: "رأيت الحسن خرج يوم عرفة من المقصورة بعد العصر فقعد فعرَّف" (٥).
وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى عن التعريف في الأمصار: "أرجو أن لا يكون به بأس" (٦).
قال الإمام النووي: "وقد فعله غير واحد الحسنُ، وبكرٌ، وثابتٌ، ومحمد بن واسع، كانوا يشهدون المسجد يوم عرفة".
فما هو الحق الذي نرتضيه في خضم هذا الاختلاف الواضح؟
إن من يتتبع ما ذكرت لك من خلال الأسطر السابقة يتبين له أن رجال السلف الصالح الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالخيرية لم يجتمعوا على اجتهاد واحد يتفقون عليه في