← Фикх общий

Фикх общий · id 151185

الركن الخامس

محمد محيي الدين حمادة

Полный текст (520 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

اليوم والمكان الذي أنزلت فيه. نزلت على رسول الله ﷺ بعرفات يوم جمعة" (١). وعن عباس بن مِرْدَاس أن رسول الله ﷺ دعا عشية عرفة لأمته بالرحمة والمغفرة فأكثر الدعاء، فأوحى الله تعالى إليه: "إني قد فعلتُ إلّا ظلمَ بعضهم بعضاً، وأما ذنوبهم فيما بيني وبينهم فقد غفرتها" فقال: "يارب إنك قادر على أن تثيب هذا المظلوم خيراً من مَظْلَمَتِهِ وتغفر لهذا الظالم" فلم يجبه تلك العشية، فلما كان غداة المزدلفة أعاد الدعاء فأجابه الله : إني قد غفرت لهم" فتبسم رسول الله ﷺ ، فقال له بعض أصحابه: "يا رسول الله قد تبسمتَ في ساعة لم تكن تبسَّم فيها، قال: تبسمت من عدوّ الله إبليس، إنه لما علم أن الله قد استجاب لي في أمتي أهوى يدعو بالويل والثُّبور ويحثو التراب على رأسه" (٢). وقال النووي: " (وروينا) عن طلحة بن عبيدالله أحد العشرة ﵃ (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : "ما رؤي الشيطان أصغر (٤) ولا أحقر ولا أدحر (٥) ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلّا أن الرحمة تنزل فيه فيتجاوز عن الذنوب العظام".

стр. 352

وعن الفضيل بن عياض ﵁ أنه نظر إلى بكاء الناس بعرفة فقال: "أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل واحد فسألوه دانقاً أكان يردهم؟ قيل: لا. قال: والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق (١). وعن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃ أنه رأى سائلاً يسأل الناس يوم عرفة فقال: ياعاجزاً أفهذا اليوم تسأل غير الله تعالى؟ ! ! (٢) وعن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: من قال ليلة عرفة هذه العشرَ كلمات ألف مرة لم يسأل الله شيئاً الله إلّا أعطاه إلّا قطيعة رحم أو مُؤْثَم: "سبحان الذي في السماء عرشه. سبحان الذي في في الأرض موطئه. سبحان الذي في البحر سبيله. سبحان الذي في النار سلطانه. سبحان الذي في الجنة رحمته. سبحان الذي في القبور قساؤه. سبحان الذي في الهواء روحه. سبحان الذي رفع السماء. سبحان الذي وضع الأرض. سبحان الذي لا منجا منه إلّا إليه" (٣).

стр. 353

وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة. قال: فقال رجل: يا رسول الله هن أفضل أم عدتهن جهاداً في سبيل الله؟ قال: هن أفضل من عدتهن جهاداً في سبيل الله إلّا عفير يعفر وجهه في التراب، وما من يوم عند الله أفضل من يوم عرفة ينزل الله إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء فيقول: انظروا إلى عبادي شُعثاً غُبراً ضاحين جاؤوا من كل فج عميق، ولم يروا رحمتي، ولم يروا عذابي، فلم أر يوماً أكثر عتيقاً من النار منه في يوم عرفة" (١). عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان عشية عرفة لم يبق أحد في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان إلّا غفر له". قلت يا رسول الله: "أهل عرفة خاصة؟ " قال: "بل للمسلمين عامة" (٢). وعن طالب ابن سلمى بن عاصم بن الحكم قال: حدثني بعض أهلنا أنه سمع جدي قال: قال رسول الله ﷺ يومئذ: "ألا إن الله نظر إلى هذا الجمع فقبل من محسنهم، وشفّع محسنهم في مسيئهم، فتجاوز عنهم جميعاً" (٣). الحادي عشر: في التعريف يوم عرفة بغير عرفة: التعريف يوم عرفة معناه أنه إذا صلى المسلم العصر نهار عرفة - خارج أرض

стр. 354

عرفة في أنحاء البلاد والأمصار كالشام ومصر والحجاز والعراق وسائر بلاد العرب والإسلام والدنيا - جلس للدعاء وأخذ يذكر الله ويتضرع بين يديه على غرار يوم عرفة تشبهاً بهم علّه ينال من بركات هذا اليوم، وتجليات الله فيه. هذا العمل محل خلاف الفقهاء قديماً وحديثاً: فالإمام مالك بن أنس - إمام دار الهجرة، المدينة المنورة - كره ذلك، كما كرهه جماعة من كبار التابعين منهم نافع مولى ابن عمر وإبراهيم النَّخَعي والحكم وحماد وغيرهم. قال الإمام النووي بعد أن ساق ذلك: "وصنف أبو القاضي الطَّرْطوشيُّ المالكيُّ الزاهد كتاباً في البدعِ المنكراتِ وجعل منها هذا التعريف، وبالغ في إنكاره، ونقل أقوال العلماء فيها." (١). وقال ابن وهب: سمعت مالكاً يُسأل عن جلوس الناس في المسجد عشية عرفة بعد العصر واجتماعهم للدعاء فقال: "ليس هذا من أمر الناس، وإنما مفاتيح هذه الأشياء من البدع". وروى محمد بن وضاح أن الناس اجتمعوا بعد العصر من يوم عرفة في مسجد النبي ﷺ يدعون فخرج نافع مولى ابن عمر فقال: "يا أيّها الناس إن الذي أنتم فيه بدعة وليست بسنة. أدركت الناس ولا يصنعون هذا". وحين استخلف عمر بن عبد العزيز فحضر، فلما كان عرفة صلّى عمر العصر، فلما فرغ انصرف إلى منزله، فلم يخرج إلى المغرب، ولم يقعد للناس (٢). وعن شعبة قال: "سألت الحكم وحماداً عن اجتماع الناس يوم عرفة في المساجد

стр. 355

فقالا: هو مُحْدَث" (١). وعن منصور عن إبراهيم قال: هو مُحْدَث (٢). وفي المقابل فقد نقل عن جماعة استحبابه وفعله لا سيما وأن منهم من ذهب إلى أن أول من صنع ذلك هو ابن عباس (٣). ومن الذي كانوا يفعلونه الحسن البِصْرِيُّ فقد روى الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي عن أبي عَوَانَة قال: "رأيتُ الحسن البِصْرِيَّ يوم عرفة بعد العصر جلس فدعا وذكر الله فاجتمع الناس" (٤). وفي رواية: "رأيت الحسن خرج يوم عرفة من المقصورة بعد العصر فقعد فعرَّف" (٥). وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى عن التعريف في الأمصار: "أرجو أن لا يكون به بأس" (٦). قال الإمام النووي: "وقد فعله غير واحد الحسنُ، وبكرٌ، وثابتٌ، ومحمد بن واسع، كانوا يشهدون المسجد يوم عرفة". فما هو الحق الذي نرتضيه في خضم هذا الاختلاف الواضح؟ إن من يتتبع ما ذكرت لك من خلال الأسطر السابقة يتبين له أن رجال السلف الصالح الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالخيرية لم يجتمعوا على اجتهاد واحد يتفقون عليه في

стр. 356

هذه المسألة وهذا بحدّ ذاته علامة صحة وعافية لثقافتهم؛ لأن المسألة ليست في الأصول التي تخرج صاحبها من الملة، أو تطعن بديانته أو عقيدته، لكنها في مسألة فرعية اجتهادية فلا ضير في هذا الاختلاف ما دامت الثوابت مصانة محصنة، ولا اعتراض في ذلك ما دام أصحاب شتى الآراء الاجتهادية من القرون الذهبية الثلاثة، ولنا فيهم أسوة حسنة، فمن يأخذ برأي المنكرين فحجته أن رسول الله ﷺ لم يفعل ذلك وأكثر أصحابه لم يأتوا بمثله أبداً، ومن يأخذ برأي المؤيدين فحجته ما نقل عن ابن عباس ترجمان هذه الأمة والحسن البصري العلَم الذي يشار إليه بالبنان في العلم والصلاح والقدوة في كل زمان ومكان لا سيما وأننا اليوم بحاجة إلى ربط المسلمين بدينهم أمام طغيان الحياة المادية التي يتعمد أربابها دفع أبنائنا ليعيشوا حالة ذهول عن الذي يجري مع أمتهم في تطهير للقلوب وتوحيد للهدف السامي ورأْب للصدع، واتصال صحيح قوي بالله هناك في حمى البيت الحرام وعلى ربا عرفات وفي ساحات مزدلفة وفوق أرض منى والجمرات. إن أمتنا تمر بعملية تجهيل وتعمية مقصودة لإشغالها وإلهائها وإقصائها عن أهدافها وغاياتها وينابيعها الصافية الثرة، لاسيما في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية لأكثر البلدان الإسلامية وارتفاع نسبة البطالة التي يُقتل فيها وقت ومستقبل شباب الأمة وفتياتها تحت أنقاض أقنية فضائية هدامة لا تعرف الانتماء، ولم تسمع بهوية الأمة بعد! تبث في ليالي النور والإيمان ما يحيل ظلامها إلى سواد حقيقي حين تستثار الشهوات البهيمية، وتنطلق المعاصي الشيطانية التي من أجل التحرر من قيودها انطلق وفد الله إلى بيت الله لينال من بركات رحمة الله في أيام الله. فإن كان الكثير من العلماءسموها بدعة فإنها لا ترتقي إلى فاحشات البدع كما نص

стр. 357

على ذلك إمامنا النووي (١)، وإنه لا بأس بها كما صرح بذلك ناصر السنة الإمام أحمد بن حنبل (٢)، وربما يكون في القصد الجليل ما يبرر ما يقع من التقصير، على أن الاتباع أولى وهو لِقَلْبِ المسلم أسلمُ وأحكم والله تعالى أعلم (٣). * * *

стр. 358

النفرة إلى مزدلفة قال جابر ﵁: "وأرْدَفَ أسامةَ خلفه، (١) ودفع رسول الله ﷺ ، (٢) وقد شنق للقَصْوَاء الزمام، حتى إنّ رأسها ليصيب مَوْرِكَ رَحْلهِ، (٣) ويقول بيده اليمنى: "أيها النَّاس، السَّكينةَ السَّكينةَ، (٤) كلما أتى حَبْلاً من الحبال (٥) أرخى لها قليلاً حتى تصعد، (٦) حتى أتى مزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً، (٧) ثم

стр. 359

اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حتى تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء (١) حتى أتى المشعر الحرام، (٢) فاستقبل القبلة فدعاه وكبّره وهلّله ووحّده، فلم يزلْ واقفاً حتى أسفر جداً، (٣) فدفع قبل أن تطلع الشمس": بعد موقف طويل رائع تمتزج فيه دموع الحب والخشية والتوبة، وتصدح معها حناجر الداعين المتضرعين سائلين المولى عفواً شاملاً، وفلاحاً كاملاً عاقدين العزم على عهد جديد مع الله في علاقة تقوم على معنى العبودية والتذلل بين يديه وصدق الالتجاء إليه، وتحرير البواعث والعواطف من رق مَنْ سواه. بعد طول قرع للأبواب، وكثير مناجاة وسؤال، وحسن طلب إلحاح يؤذن لحجاج بيت الله الحرام بالدخول إلى أرض الحرم بعد أن جمعوا دون استثناء على أبوابه واقفين في مغتسل الأمة الأعظم مغتسل عرفات الكبير وقد تطهروا فيه من رجس الخطايا والذنوب، ورانِ الغفلة والتقصير والعيوب، حيث نظفوا قلوبهم فيه للدخول على علام الغيوب في بيت العقيدة والتوحيد من بوابة الخير مزدلفة، التي أجمع الفقهاء على أنها كلها من الحرم، (٤) وهو ما تفسره هيئة رسول الله ﷺ ليلة دخوله على مزدلفة بما يتناسب مع جلال المكان، وبما يليق بتقديره لقدسيته فَشَنْقُ زمام الناقة بشدِّ رأسها إليه حتى انخفض

стр. 360

وكاد يصيب الموضع الذي يثني الراكب رجله عليه إذا ملّ الركوب، وأدّى إلى تباطئ حركتها ودفعها للسير بسكينة وهدوء دون جلبة كل ذلك صورة تحكي ما أقول ترفدها النصيحة التي أوصى رسول الله ﷺ بها أصحابه وهم ينفرون من عرفات يشير بيده اليمنى ويقول: "أيها النَّاس السكينةَ السكينةَ"، وكأنه بهذا الوقار العظيم يشكر ربه أن أذن لرواد موقف عرفات بالدخول إلى حرمه الآمن من بوابة القبول والأنبياء بوابة المشعر الحرام. ولم لا يقصد الحجاج مزدلفة على هذه الهيئة وهي التي سميت باسمها أخذاً من الزلفةِ بمعنى القربةِ وهو التقرب؛ لأن الحجاج يتقربون فيها إلى الله تعالى بالدعاء (١) على غرار دعاء عرفات لكن تضرّعهم في صعيد عرفة نهاراً أما تضرعهم في صعيد مزدلفة فيقع ليلاً، فكأنهما موقفان يتقاسمان بركة الليل والنهار كل له من ذلك نصيب، يدل على هذا ما رواه الطبراني في الكبير عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ في يوم عرفة: إن الله يَطَوَّل عليكم في هذا اليوم فغفر لكم إلّا التبعات فيما بينكم، ووهب ميتكم لمحسنكم، وأعطى محسنكم ما سأل، فادفعوا باسم الله، فلما كان بجمع قال: إن الله قد غفر لصالحيكم، وشفع صالحيكم في طالحيكم تنزل الرحمة فتعمهم، ثم تفرق المغفرة في الأرض فتقع على كل تائب ممن حفظ لسانه ويده، وإبليسُ وجنوده على جبل عرفات

стр. 361

ينظرون ما يفعل الله بهم، فإذا نزلت المغفرة دعا هو وجنوده بالويل يقول: "كنت أستفزهم حقباً من الدهر ثم جاءت المغفرة فغشيتهم فيتفرقون وهم يدعون بالويل والثبور" (١). ولما رواه أبو يعلى عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله تطوّل على أهل عرفات يباهي بهم الملائكة يقول: ياملائكتي انظروا إلى عبادي شُعثاً غُبراً، أقبلوا يضربون إليّ من كل فج عميق، فأُشهدكم أني قد أجبتُ دعاءهم، وشفعت رغبتهم، ووهبتُ مسيئهم لمحسنهم، وأعطيت محسنهم جميع ما سألوني غير التبعات التي بينهم، فإذا أفاض القوم إلى جمع ووقفوا وعادوا في الرغبة والطلب إلى الله، فيقول: ياملائكتي: عبادي وقفوا فعادوا في الرغبة والطلب فأشهدكم أني قد أجبت دعاءهم، وشفعت رغبتهم، ووهبت مسيئهم لمحسنهم، وأعطيت محسنهم جميع ما سألوني، وكفلتُ عنهم التبعات التي بينهم" (٢). فمزدلفة جميعاً موقف (٣) لضيوف الرحمن يحطون عندها رحالهم، ويؤدون فيها صلاتهم، تلهج فيها بالدُّعاء والابتهال ألسنتهم، وترقص من الفرحة قلوبهم، فهاهم يوفقون إلى موقف التذلل والنور والرجاء في مزدلفة كما وفقوا من قبل في عرفة، وها هي أبواب الحرم المكي تفتح لهم على مصراعيها فيدخلون ويبيتون ويتخذون من المشعر الحرام محطة نسك، ونقطة استعداد للوصول إلى قلب مكة المكرمة لتتويج تلك الفريضة بطواف الزيارة حول الكعبة المشرفة في اختتام ممسَّك لأركان هذه الفريضة التي بدأت من أرض

стр. 362

الحل عرفات وانتهت إلى جوهرة الحرم المكي المسجد الحرام الذي تزهو في وسطه بإجلال وإكبار كعبة الطهر والشموخ والرحمة والخلود. تلك مزدلفة بوابة مكة في بقعة من الأرض تقع بين نهاية عرفات من جهة الحرم وبين وادي مُحَسِّر الذي يفصل بينها وبين منى، وهو ما يعني أن مزدلفة لا تتصل بكل من عرفة ومنى مباشرة وإنما يفصلها عن كل منهما فرسخ (١). ولقد عرف الإمام النووي حدها بقوله: "وحد المزدلفة ما بين مأزمي عرفة المذكورين (٢) وقرب محسر يميناً وشمالاً من تلك المواطن القوابل والظواهر والشعاب والجبال فكلها من مزدلفة وليس المأزمان ولا وادي محسّر (٣) من مزدلفة (٤). ومن الأدلة على ذلك ما رواه أحمد في مسنده بلفظ: "كل عرفات موقف وارفعوا عن بطن عرنة، وكل مزدلفة موقف وارفعوا عن محسّر، وكل فجاج منى منحر، وكل أيام التشريق ذبح" (٥).

стр. 363

لهذا ينبغي على الحاج إذا كان حريصاً على أداء مناسكه على أتم وجهٍ موافقٍ للسنة أن ينتبه في موقفه الجديد وهو مقبل من عرفات صوب مزدلفة فيراعي هذه الحدود والتي تعرف اليوم بشاخصات كبيرة عن يمين وشمال الطريق كتب عليها أولاً: نهاية عرفات ثم بعد مسافة قصيرة تظهر شاخصة أخرى كتب عليها بداية مزدلفة. ومما يؤسف له ما شاهدته مراراً من آلاف الحجاج الذين يبيتون في المنطقة الفاصلة بين عرفات ومزدلفة التي لا تنتمي إلى هذا الموقف ولا إلى ذاك، ويجلسون هناك، ويظنون أنهم على شيء، ومما يزيد الطين بِلّهَ ما عاينته بنفسي من تقصير متعمد من رجال يسمون أنفسهم شيوخاً يشيرون إلى سائقي حافلاتهم للتوقف هناك في المكان الذي لا يتحقق فيه المبيت لصلاة المغرب والعشاء قبل أمتار من الشاخصة المكتوب عليها: بداية مزدلفة وهم يعلمون! ولكنهم مستهترون يغريهم بذلك أنهم وجدوا موقفاً لا ازدحام فيه على مقربة من ماء الشرب والوضوء يليق بمقامهم الكريم وذواتهم التي ملئت غروراً. وكما يقع بعض حجاج بيت الله الحرام ضحية الجهل والاستهتار في وجه الطريق إلى مزدلفة كذلك يقع آخرون في شباكهما في أقصى مزدلفة بالنسبة لمن يجدّ السير بعد بلوغه أرض الموقف الجديد سعياً منه للوقوف في مقدمة قافلة الحجيج فيخلّف وراءه كل ما سبقه من ضيوف الرحمن ولا يرنو بصره إلّا إلى شيء واحد هو أن يصل إلى رأس الركب عند آخر المزدلفة وهو رأي صائب لمن كان فقيهاً ورعاً أما إن كان يجهل أن الموقف له حدود لا يصح تجاوزها فما يلبث أن يجد نفسه خارج أرض مزدلفة خلف الشاخصة المكتوب عليها نهاية مزدلفة وقبل انتصاف ليلة النحر فإذا به ينفر من حيث حط رحاله هناك صوب منى دون أن يحقق المبيت في مزدلفة في الزمن المجزئ على نحو ما سأبينه لك من أقوال العلماء بعون الله تعالى.

стр. 364

والخلاصة أن موقف جمع تماماً كموقف عرفة له ما يخصه من الزمان والمكان المجزئ، وما يحيط به من الأحكام والمناسك والآداب التي أستطيع تلخيصها بالفقرات التالية: الفقرة الأولى: هيئة الدفع إلى مزدلفة: من السنة المطهرة أن يغلب على هيئة الحجاج لدى نفرتهم من عرفات إلى مزدلفة سمة السكينة والوقار، وأن يكون سيرهم بين الإبطاء والإسراع على نحوٍ فيه رفق بأنفسهم وبمن حولهم وبالحافلات التي يمتطون مقاعدها. هذه السنة أوردها أبو داود في سننه عن ابن عباس قال: أفاض رسول الله ﷺ من عرفة وعليه السكينة ورديفه أسامة وقال: "أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل" (١). وفي رواية عند البيهقي: "أيها الناس عليكم بالسكينة والوقار فإن البر ليس بإيضاع الإبل" (٢). وفي رواية عند البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه دفع مع النبيّ ﷺ يوم عرفة فسمع النبي ﷺ وراءه زجراً شديداً وضرباً وصَوْتاً للإبل فأشار بسَوْطه إليهم وقال: "أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع" (٣).

стр. 365

يؤيد هذا ما رواه البخاري ومسلم عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: "سئل أسامة وأنا جالس كيف كان رسول الله ﷺ يسير في حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العَنَقَ فإذا وجد فجوة نصّ" (١). ورواه مالك بلفظ "فرجة". فالنبي ﷺ بيّن لأمته أن الفضيلة ليست في الإيضاع الذي هو الإسراع في السير، وأن ذلك لا يعد من البر الذي يتقرب به الحاج إلى ربه، وإنما الرأفة بأنفسهم وجموعهم ودوابهم هو أحد تلك القربات، وأن اتباع المصطفى ﷺ هو قربة أخرى، أما الوقار في أداء العبادة بعد أن ملئت القلوب خشية من الله في نهار موقف عرفات، وها هي تلك القلوب ترنو إلى غنيمة أخرى ترفد زاد أفئدة مؤمنة في موقف ليل مزدلفة فهذه قربة ثالثة، فأنى لمن هذا شأنه أن يخرج عن أدب السكينة والوقار إلى خُلُق المزاحمة والايذاء والطيش الذي تأباه مائدة عرفات وبوابة مزدلفة وصفاء ليل المشعر الحرام؛ لذلك قال عمر بن عبد العزيز لما خطب بعرفة: "ليس السابق من سبق بعيره وفرسه لكن السابق من غفر له" (٢).

стр. 366

وقال المهلب: "إنما نهاهم عن الإسراع إبقاء عليهم لئلا يجحفوا بأنفسهم مع بعد المسافة" (١). وقال الإمام ابن حجر العسقلاني: "فبيَّن ﷺ أن تكلف الإسراع في السير ليس من البر أي مما يتقرب به" (٢). ولبيان هذه المعاني الرائعة مجتمعة قال أسامة عن هيئة رسول الله ﷺ : "فما يزال يسير على هيئته تلك حتى أتى جمعاً (٣). فالنبي ﷺ كان ولا يزال مضرب المثل في الذوق الرفيع الذي تشد إليه أبصار صحبه وأمته والإنسانية جمعاء فإنه في سيره إلى المزدلفة كان كعادته في كل الأمور وسيطاً فلم يكن يطلق لناقته القصواء العنان ولم يكن يمشي بطيئاً؛ لأن الطريق طويل والوظائف في مناسك الحج تتوالى لذلك جاء سيره بين الإسراع والإبطاء بما عرف بسير العَنَقِ إلّا إذا وجد متسعاً أو فرجة فإنه يزيد من سرعته بما يسميه العرب نصّاً. ويبدو لي أن سيره ﷺ لم يكن عادياً وإنما فوقه بسرعة معتدلة لا تخدش وقار الحاج الراكب بدليل قول إمامنا النووي في العنق والنص: وهما نوعان من إسراع السير وفي العنق نوع من الرفق. وفي هذا دعوة إلى حجاج بيت الله الحرام عامة ولسائقي الحافلات خاصة أن يراعوا لهذه الشعيرة هيئتها وحرمتها، وأن لا يغتروا بمزيد إسراع أو جرأة اقتحام لزحمة الجموع فالعبرة هي بمن غفر ذنبه، وستر عيبه، وعُفي عن ذلته، وفتحت له أبواب

стр. 367

الرحمة وأسرار التوفيق، وليست فيمن أطلق لمحرك وسيلة نقله العنان فأدخل الرعب في قلب هذا وبث الذُّعر في فؤاد ذاك، أو تأذى في حافلته ضيف من ضيوف الرحمن، أو تحطمت بسببه مركبة إخوة له في موقف الرحمة العامة، ولو جزئياً! فهل هذا إلّا من علامات التقصير وإشارات الإعراض عن العبد في مواطن الإقبال. اللهم لا تجعل مناسك الحج ونفحات تلك البقاع حجة علينا بل اجعلها حجة لنا وبرهاناً ونوراً وضياء في دار دنيانا وأخرانا وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا من أدب حبيبك محمد ﷺ نجترع من كيزانه صنوفاً وألواناً لنكون لندائك مجيبين، ومن حضرتك قريبين. الفقرة الثانية: في زمن الدفع من عرفة إلى مزدلفة: روى أبو داود في سننه عن أسامة بن زيد رديف رسول الله ﷺ في دفعه من عرفات قال: "ودفع حين غابت الشمس" (١) وهي المسألة التي تناولتها معك في الوقوف في أرض عرفة نهاراً وجزءاً من الليل ولو لحظة لطيفة. الفقرة الثالثة: في ذكره ﷺ أثناء المسير إلى جمع ووقت المبيت فيها: جاء في صحيح ابن خزيمة قال: "ووقف (٢) ـ يعني بعرفة ـ حتى إذا وجبت الشمس

стр. 368

أقبل يذكر الله ويعظمه ويهلله ويمجده حتى ينتهي إلى المزدلفة" (١). إن موقف جمع هو موقف عظيم يجمع بين قداسة الحرم المكي الذي تقع المزدلفة داخل حدوده، وقداسة الزمان الذي يمتد برواقه على سائر ليلة النحر، وقداسة الجمع المبارك الذي يضم ضيوف الرحمن ووفد الأرض إلى بيت ملك الملوك، وقداسة الاتّباع بما في ذلك من تهليل وتكبير ودعاء وتلبية يتوجه بها الحاج إلى ربه بفؤاد شفاف نظيف بعد أن جلا في موقف عرفة عن سطح قلبه ران الخطايا والآثام ليبدأ في مزدلفة عهداً جديداً من ذكر الله يلهج به لسان الحاج فيمخر صداه الطيّبُ عباب أعماق نفسه استجابة لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] وهي الآية التي يقول الإمام القرطبي في تفسيرها: "أي اذكروه بالدعاء والتلبية عند المشعر الحرام" (٢) كما قال الإمام النووي في إدامة التلبية من عرفات إلى رمي جمرة العقبة قوله: "قال عبد الله ونحن بجمع" (٣): "سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة (٤) يقول في هذا المقام: لبيك اللهم لبيك، فيه دليل على استحباب إدامة

стр. 369

التلبية بعد الوقوف بعرفات وهو مذهب الجمهور كما سبق" (١). كما قال في كتابه الأذكار: "ويكثر من قراءة القرآن ومن الدعاء ويستحب أن يقول: لا إله إلّا إلا الله والله أكبر ويكرر ذلك ويقول: إليك اللهم أرغب وإيّاك أرجو فتقبل نسكي ووفقني وارزقني فيه من الخير أكثر ما أطلب ولا تخيبني إنك أنت الله الجواد الكريم" (٢). لهذا فإنّ الدعاء هو من شعائر الحج ومناسكه عند المشعر الحرام الذي سمي مشعراً من الشعار وهو العلامة. قال الإمام القرطبي: "لأنه معلم للحج والصلاة والمبيت به والدعاء عنده من شعائر الحج ووصف بالحرام لحرمته" (٣). فالأفضل أن يتخذ من المشعر الحرام موضعاً لذكر الله تعالى بشتى ألوان الذكر دعاء وتكبيراً وتهليلاً وتلبية وتوحيداً اقتداء بالحبيب الأعظم محمد ﷺ لكن المشعر الحرام الذي هو جبل قزح أزيل بسبب توسعات المناسك وأقيم مكانه مسجد عظيم (٤) يحمل اسم مسجد المشعر الحرام فيمكننا أن نقف هناك نذكر الله . هذا الذكر يستحب فيه استقبال القبلة والوقوف هناك إلى الإسفار عملاً بحديث جابر: "ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً (٥) ".

стр. 370

الفقرة الرابعة: في صلاة المغرب والعشاء في مزدلفة: بعد أن يدخل وقت المغرب في عرفة يدفع الحجاج نحو مزدلفة دون أن يؤدوا صلاة المغرب هناك وإنما ينوون بعد الغروب جمع الصلاتين المغرب والعشاء جمع تأخير على أن يبدؤوا بهما كأول عمل يؤدونه بعد الوصول وقبل أي شيء آخر. ولقد توقف رسول الله ﷺ عند شعب من الشعاب فمال إليه وبال فيه، ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء ولم يصلّ فظن أسامة بن زيد وكان رديف رسول الله ﷺ على ناقته القصواء أن النبي ﷺ نسي صلاة المغرب لتأخره لها عن العادة المعروفة لوقتها في غير هذه الليلة فذكّره بها فإذا بالرسول صلوات الله وسلامه عليه يجيبه بما يفيد أنه لم يذهل عنها ولم ينسها وأن وقت فعلها في هذا اليوم تأخر عن زمنه المعهود إلى زمن مؤخر عنه يمتد إلى ما بعد دخول وقت العشاء، وأن أرض عرفة ليست المكان الذي تصلى فيه صلاة المغرب لكن صعيد مزدلفة هو مكان الصلاة في هذه الليلة (١) لذلك قال ﷺ له: "الصلاة أمامك". هذا ما سرده علينا الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه عن أسامة بن زيد ﵄ أنه قال: "دفع رسول الله ﷺ من عرفة فنزل الشِّعْبَ فبال ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء فقلت له: الصلاة، فقال: الصلاةُ أمامكَ فجاء المزدلفة فتوضأ فأسبغ ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله (٢) ثم

стр. 371

أقيمت الصلاة فصلى ولم يصلّ بينهما" (١). ولقد كان صحابة رسول الله ﷺ صادقي المتابعة لأدق جزئيات حياة رسول الله ﷺ والذي يتبيّن لنا مما رواه البخاري عن نافع مولى ابن عمر قال: كان عبد الله بن عمر ﵄ يجمع بين المغرب والعشاء بجمع غير أنه يمر بالشِّعب الذي أخذه رسول الله ﷺ فيدخل فيتبول ويتوضأ ولا يصلي حتى يصلي بجمع" (٢). أي كان يعرّج على الشِّعب الذي بال فيه رسول الله ﷺ فيقضي فيه حاجته ويتوضأ كوضوئه ﷺ حرصاً منه على أدق تفصيلات الاتباع. يؤكد هذا أنه لمّا وقع من بعض الخلفاء صلاة المغرب في الشِّعب الذي ذكرته الأحاديث بالمخالفة منهم في ترك تأخير والمغرب العشاء أنكر عليهم عكرمة وهو الذي أخرج له الفاكهي قوله: اتخذه رسول الله ﷺ أي الشعب- مبالاً واتخذتموه مصلّى. قال الإمام ابن حجر بعد أن ساق الرواية: وكأنه أنكر بذلك على من ترك الجمع بين الصلاتين لمخالفته السنة في ذلك (٣). فصلاة المغرب في عرفة تؤخر إلى مزدلفة وصلاة الجمع في مزدلفة هي أول شيء يبدأ به الحاج حين وصوله إليها وذلك قبل حط الرحال وإناخة الجمال (٤). والمعتمد في

стр. 372

مذهب الشافعية أنه يؤخر الصلاتين إلى المزدلفة (١) ما لم يخشَ فوت وقت الاختيار لصلاة العشاء الذي ينتهي بثلث الليل على القول الأصح (٢). قال الإمام النووي: "فإن خافه (٣) لم يؤخر بل يحمع بالناس في الطريق" (٤). والسنة في هذا الجمع أن يؤديه بأذان وإقامتين وهو المذهب الثابت عند الشافعية برواية مسلم التي أتى جابر على ذكرها وهي مقدمة على رواية أداء الجمع بإقامتين فقط أو بإقامة واحدة؛ لأن رواية جابر فيها زيادة، وزيادة الثقة مقبولة فكيف إذا جاءت على لسان من اعتنى بحج رسول الله ﷺ وتفصيلاته الدقيقة التي لا تجدها ضمن هذه الإحاطة عند غيره. قال الإمام النووي عن رواية جابر: "وهذه الرواية مقدمة على الروايتين الأوليين (٥)؛ لأن مع جابر زيادةَ علم، وزيادة الثقة مقبولة؛ ولأن جابراً اعتنى الحديث ونقل حجة النبي ﷺ مستقصاة فهو أولى بالاعتماد وهذا هو الصحيح من مذهبنا أنه يستحب الأذان للأولى منهما ويقيم لكل واحدة إقامة فيصليهما بأذان وإقامتين ويتأول حديث إقامة واحدة أن كل صلاة لها إقامة ولابد من هذا ليجمع بينه وبين الرواية الأولى وبينه أيضاً وبين رواية جابر .. " (٦). ولو جمع بينهما في وقت المغرب في أرض عرفات أو في الطريق أو في أي موضع

стр. 373

آخر أو صلى كل واحدة في وقتها جاز وفاتته الفضيلة، وكذا لو صلى وحده لا مع الإمام، أو صلى إحداهما وحده والأخرى مع الإمام ففي كل هذا فعل خلاف الأفضل مع كونه جائزاً. هذا مذهب الشافعية وبه قال جماعات من الصحابة والتابعين كما قال به الإمام الأوزاعي وأبو يوسف وأشهب وفقهاء مدرسة الحديث (١). أما عن عدد ركعات كل صلاة فيحكيها لنا الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عمر قال: جمع رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع صلى المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين بإقامة واحدة (٢). أي يصليهما جمعاً وقصراً (٣). يفهم من هذا أن الجمع بين الصلاتين في مزدلفة سنة عند الشافعية واجب عند الحنفية مستدلين بحديث أسامة بن زيد حين قال له رسول الله ﷺ : الصلاة أمامك، لذلك قال الحنفية يجب تأخير صلاة المغرب ذلك اليوم إلى المزدلفة لتصلى مع العشاء جمع تأخير وأنه من صلاها في عرفة أو في الطريق إلى المزدلفة وجب في حقه إعادتها (٤) ما لم يطلع الفجر عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف يجزيه: وقد أساء (٥).

стр. 374

حجة الشافعية أن الجمع شرع لعلة السفر فلا يجوز إلّا في حق مسافر سفراً يبلغ فيه مسافة القصر وهو مرحلتان وما كان رخصة في سفر فلا يكون واجباً أما الإمام أبو حنيفة ومن وافقه فقالوا: إن الجمع في مزدلفة هو بسبب النسك فلا يصح فيه غير الاتباع، وما كان كذلك فهو واجب، وقد قال بهذا بعض الشافعية بينما قال الشافعي في قول ضعيف عنده يجوز الجمع في كل سفر ولو كان قصيراً لم يبلغ مسافة القصر وعلى هذا وذاك يمكننا الجمع في مزدلفة ولو كنا شافعية وهو ما يفعله اليوم كل الشافعية من علماء وطلاب علم ودعاة وأمناء أفواج أنهم يجمعون في مزدلفة تقليداً لأبي حنيفة وتقليداً لمن وافقه من الشافعية وإبراء للذمة ومتابعة لرسول الله ﷺ فيما أداه من أعمال الحج. هذا والله تعالى أعلم. والخلاصة أن جمع الصلاتين الظهر والعصر في عرفة، والمغرب والعشاء في مزدلفة شرط لكمال الصلاة عند الشافعية، بينما هي شرط لصحة الصلاة عند غيرهم. ثم الخلاف في جمع التأخير مفاده: هل صحيح قبل مزدلفة؟ والإجابة على نحو ما بيَّنّا. الفقرة الخامسة: حكم الوقوف بالمزدلفة بعد صلاة الصبح والمبيت فيها بالليل: أجمع علماء الإسلام أن من بات بالمزدلفة ليلة النحر وجمع فيها بين المغرب والعشاء مع الإمام ووقف فيها بعد صلاة الصبح إلى الإسفار بعد أن وقف من قبل بعرفة أن حجه تام؛ لأنه أتى بالصفة التي فعلها رسول الله ﷺ (١)؛ ولأنه وافق بفعله قول الله ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨].

стр. 375

لكن اجتهادات الفقهاء اختلفت في تكييفها الفقهي بالنسبة للمبيت في المزدلفة ليلاً والوقوف فيها بعد الصبح نهاراً: إنّ معظم فقهاء الأمصار وأئمة المذاهب يرون أن الوقوف في مزدلفة ليس من فروض الحج (١)؛ لأن نبينا صلوات الله وسلامه عليه قدّم ضَعَفَة أهله ليلاً ودفع بهم إلى رمي جمرة العقبة ومنها إلى مكة لصلاة الفجر هناك، فلو كان المبيت ركناً لما صار إلى تركه كما هو حال الوقوف بعرفة. يوضح هذا ما رواه مسلم في صحيحه أن ابن عمر كان يقدّم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بالليل، فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يدفعون قبل أن يقف الإمام وقبل أن يدفع، فمنهم من من يقدم منى لصلاة الفجر ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله ﷺ (٢). كما يؤيده حديث آخر من رواية مسلم عن عائشة أنها قالت: استأذنت سودةُ رسولَ الله ﷺ ليلة المزدلفة تدفع قبله وقبل حَطْمَةِ الناس (٣) وكانت امرأة ثبِطَةٍ "يقول القاسم: والثَبِطَة الثقيلة" (٤) قال: فأذن لها فخرجت قبل دفعه وَحَبَسَنَا حتى أصبحنا فدفعنا بدفْعه؛ ولأَن أكونَ استأذنتُ رسول الله ﷺ كما استأذنَتْهُ سودْةُ فأكونَ أدفع بإذنه

стр. 376

أحبُّ إلي من مفروح به" (١). وفي رواية عنده عن عائشة قالت: وددتُ أني كنت أستأذنْتُ رسول الله ﷺ كما استأَذَنَتْهُ سودة فأصلي الصبح بمنى فأرمي قبل أن يأتي الناس (٢). وروى مسلم أيضاً عن عبد الله مولى أسماء قال: قالت لي أسماء وهي عند دار مزدلفة: هل غاب القمر؟ قلت: لا، فصلت ساعة ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: ارحل بي فارتحلنا حتى رمت الجمرة ثم صلت في منزلها فقلت: لها أي هَنْتاه (٣) لقد غلّسنا، قالت: كلا أي بُنَي إن النبيَّ ﷺ أَذِنَ للظُّعُنِ" (٤). قال الإمام النووي في ثمرة استشهاده بطائفة من الأحاديث كان ما تقدّم بعضاً منها: "وفيه دليل لجواز الدفع من مزدلفة قبل الفجر" ثم قال: "واختلف العلماء في مبيت الحاج بالمزدلفة ليلة النحر، والصحيح من مذهب الشافعي أنه واجبٌ مَنْ تركه لزمه دم وصح حجه وبه قال فقهاء الكوفة وأصحاب الحديث" (٥).

стр. 377

نخلص من هذه الدراسة إلى أن المزدلفة بوابة الحرم المكي، وبعض منه، وأنها المكان الذي دخله رسول الله ﷺ بسكينة ووقار ودعاء وتلبية وتوحيد وذكر للغفار، وأن أول شيء بادر إليه فيها قبل حط الرحال كان الصلاة التي أخّر مكانها إلى أرض المشعر الحرام وهي التي أمرنا القرآن الكريم بذكر الله بها عند جبل قزح خاصه (المشعر الحرام). فمزدلفة هي التي يقف فيها المندفعون من عرفات داعين متضرعين لله تعالى. ومزدلفة هي التي يتجلى فيها ربنا على عباده حتى تعم الرحمة أهل الموقف جميعاً وتشملهم بركة عفو الله ومغفرته ورضوانه ثم تنتشر من هناك لتدرك كل تائب في الأرض حفظ يده ولسانه من إيذاء الناس. ومزدلفة ساحة كبرى لطائفة من السنن بعضها قال العلماء بوجوبها وأنه يأثم تاركها وبأنها تجبر بدم كما في الوقوف فيها تلك الليلة على نحو ما سأفصله لك في الفقرة التالية (١)، فهل يعرّض الحاج نفسه للإثم والكفارة وقد جاء طالباً العَفو والصفح والقبول في مواطن تنزل الرحمات وإقالة العثرات؟ . وهل يتجاهل ضيوف الرحمن على مائدة الرحمن آداب القدوم وشعائر الخضوع والولاء؟ أوهل يليق بضيف الله في بيت الله أن يُغَرّر به شيطانه بقوله: هذه سُنّة ولا ضير في ترك السنة؟ وهل يليق بالمسلم المحب لرسول الله ﷺ أن يقصر في سنة نبيه محمد ﷺ ؟ . وهل الاتباع إلّا ثمرة من ثمرات الحب؟ . وإذا لم يتذوق المسلمون طعم المتابعة لإمامهم وقائدهم وحبيبهم وأسوتهم وقرة

стр. 378

عيونهم محمد ﷺ في الأقوال والأفعال والتقريرات في مجاهدات الركن الخامس التي يقوم جوهرها على قاعدة التلقي المباشر لمناسك الحج من سيرة رسول الله ﷺ بأدق تفصيلاتها في حجة الوداع (١) فمتى يتذوقون ذلك؟ . أليست رائحة المصطفى العطرة تفوح من ربوع مزدلفة وتلبيته ما يزال صداها يتردد فوق السهل والجبل؟ . بوسع أحدنا أن يلقي نظرة ويجري مقارنة بين حجاج يختارون لأنفسهم في هذه الأيام الطريق الدائري الذي يلتف بهم حول المزدلفة وصولاً إلى المسجد الحرام مباشرة دون أن يعرج بهم إلى المزدلفة وما فيها من خير عميم وواجب جسيم، وبين وقوف ابن عمر كلما حج وقف عند الشِّعب الذي مال إليه رسول الله ﷺ لقضاء الحاجة والوضوء فينزل الصحابي الجليل في ذات المكان لينقض وضوءه هناك ويتوضأ بعده دون أن يسبغ الوضوء مبالغة منه في المتابعة من غير أن تعرض له في ذاك المكان حاجة. مزدلفة هذه ليست مجرد منزل كسائر المنازل لا مزية فيه ولا خصوصية كما يروق للبعض أن يدعي! فهذا القول باطل رده العلماء (٢) ودحضته البراهين والوقائع ويكفي

стр. 379

هذه البقعة فخراً أنها من أرض الحرم الذي شرفه الله، ومرّ به الأنبياء، وجاء ذكره في محكم التنزيل، ووقف فيه رسول الله ﷺ صلاة وجمعاً وسؤالاً وتكبيراً وتهليلاً وتلبية وسائر صنوف الذكر حتى طلع الفجر وأسفر جداً فلو كان الحال كما زعم القائل لقضى فيها حاجته ثم تابع المسير من هناك إلى منى لرمي جمرة العقبة. قال الإمام النووي: "وهذه الليلة هي ليلة العيد ليلة عظيمة جامعة لأنواعٍ من الفضل منها شرف الزمان والمكان فإن المزدلفة من الحرم كما سبق وانضم إلى هذا جلالة أهل الجمع الحاضرين بها وهم وفد الله وخير عباده ومن لا يشقى بهم جليسهم فينبغي أن يعتني الحاضر بها بإحيائها بالعبادة من الصلاة والتلاوة والذكر والدعاء والتضرع" (١). الفقرة السادسة: الوقت المجزئ للمبيت في المزدلفة: الوقوف بالمزدلفة واجب باتفاق المذاهب وليس ركنا فمن تركه لزمه دم، أما المبيت بالمزدلفة فهو واجب عند الشافعية والحنبلية سنة عند المالكية والحنفية (٢). ومحل الدم لمن فاته المبيت عند من قال بوجوبه حيث لا عذر، أما المعذورون فلا دم عليهم جزماً. ومن الأعذار: أن يأتي الحاج عرفة متأخراً أي في الليل فيشتغل بالوقوف في عرفة عن المبيت بالمزدلفة، ومنها أن تخشى المرأة طروء الحيض أو النفاس فتبادر إلى مكة بالطواف. ففي هاتين الحالتين يقدم الوقوف بعرفة في الأولى والطواف في الثانية، لأن كلا

стр. 380

منهما ركن لا يتم الحج إلّا به، أما الوقوف والمبيت بالمزدلفة فهو واجب (١). والمبيت عند الشافعية يجب بعد نصف الليل ولو ساعة لطيفة منه؛ لأن النبي ﷺ بات بها، والمبيت هو المكث بعد نصف الليل فيكون هو الواجب أخذاً من الاستدلال اللغوي؛ ولأن السنة بينت هذا المبيت من خلال الدفع الذي رخص فيه ﷺ لأصحاب الأعذار بعد منتصف الليل فلو كان المبيت قبل منتصف الليل لأذن لهم بالدفع قبل ذلك وهو ما صرحت به أسماء في رواية مسلم عنها حين قالت: "إن النبي ﷺ أذن للظعن" (٢). يؤيد ذلك ما أخرجه أبو داود عن عائشة أنها قالت: "أرسل النبي ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت وكان ذلك اليومُ اليومَ الذي يكون رسول الله ﷺ [تعني] عندها" (٣). فالمبيت هناك نسك، وهو يحصل في أي بقعة كانت من مزدلفة التي سبق تحديدها، فإن دفع من جمع (٤) بعد نصف الليل فلا شيء عليه، أما إن دفع قبل نصف الليل أو ترك

стр. 381

المبيت من أصله فعليه دم لترك واجب المبيت ليلتئذ. قال الإمام النووي: "وإن ترك المبيت من أصله أو دفع قبل نصف الليل ولم يعد (١) أو لم يدخل مزدلفة أصلاً صح حجه وأراق دماً (٢). ثم قال: "ولو لم يحضر مزدلفة في النصف الأول أصلاً وحضرها ساعة في نصف الثاني من الليل حصل المبيت. نص عليه الشافعي رحمه الله تعالى في الأم" (٣). وعلى الحاج الذي صدق عهد هذه الفريضة مع ربه أن يعتني بهذا المبيت ويوليه ما يستحقه من الاهتمام ويتذكر معي قول إمامنا النووي: "ويتأكد الاعتناء بهذا المبيت سواء قلنا واجب أم سنة (٤) فقد فعله النبي ﷺ " (٥). هذا مذهب الشافعية أما مذهب المالكية فعندهم زمان الوقوف في أي جزء من أجزاء الليل بقدر حط الرحال وصلاة العشاءين وتناول شيء من الأكل أوالشرب، والمبيت ليلة النحر هناك فعندهم سنة (٦). أما الحنفية فذهبوا إلى أن المبيت ليلاً في مزدلفة سنة وليس واجباً أو ركناً وأن زمن الوقوف الواجب فيها يقع في لحظة ما بين طلوع الفجر الصادق يوم النحر وطلوع الشمس بعده، وأن من لم يحصل له هذا فقد فاته الوقوف؛ لأن حديث عروة بن مُضَرّس ينقل لنا قول رسول الله ﷺ "من شهد صلاتنا هذه .... " فقد ربط تمام الحج

стр. 382

بشهود صلاة الفجر فدل على وجوبها (١). الفقرة السابعة: في سائر السنن والمستحبات ليلة النحر في مزدلفة: أولاً: أن يغتسل في مزدلفة بعد منتصف الليل ليلة النحر وذلك توطئة للوقوف بالمشعر الحرام والعيد لما في الموقفين من اجتماع الناس، فمن لم يجد ماء تيمم كما نص على ذلك إمامنا النووي ﵀ (٢). ثانياً: إحياء ليلة النحر في المزدلفة بالعبادة من الصلاة والتلاوة والذكر والتضرع والدعاء وهو لا يحصل إلّا بمعظم الليل وإنما يسن ذلك؛ لأنها ليلة عيد (٣). ثالثاً: التأهب بعد نصف الليل لأخذ حصى الجمار لجمرة العقبة يوم النحر وهي سبع حصيات والاحتياط أن يزيد ـ كما قاله النووي ـ فربما سقط منها شيء، ويسن أن يلتقطها من غير تكسير لشيء من حجر مزدلفة، أما حصى بقية الجمار لأيام التشريق فيأخذها من وادي محسّر أو من غيره من منى (٤) ويكره أن يأخذها من المرمى ـ كما سيأتي ـ وقد علل العلامة ابن حجر ذلك بقوله: "لأن ما تُقُبِّلَ رفع كما ورد وشوهد، ولولا ذلك لسد الحصى على توالي

стр. 383

الأزمان المتطاولة ما بين الجبلين" (١). ولو أخذ حصى جمار كافة الأيام من مزدلفة جاز ذلك وهو ما قال به بعض الشافعية فيجمع على هذا القول سبعين حصاة لمن لم يرد التعجيل في نفرته من منى. قال الإمام النووي: "وكلاهما قد نقل عن الشافعي ﵀ لكن الجمهور على هذا الثاني" (٢). والسنة أن يأخذ حصى الجمار ليلاً، وأن لا يفعل ذلك بعد الصبح؛ لأنه وقت له وظائفه التي ما ينبغي أن يشغله عنها شيء (٣). رابعاً: الوقوف بالمشعر الحرام عملاً بالآية الكريمة ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وفي رواية البيهقي عن نافع عن ابن عمر أنه قال: في هذه الآية هو الجبل وما حوله اهـ (٤)، لكنني وجدت في حديث جابر الطويل أنه ﷺ أتى المزدلفة ثم صلى العشاءين ثم اضطجع حتى طلع الفجر وصلى الفجر ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً فهل كان قريباً من المشعر الحرام ثم صعد عليه بعد صلاة الصبح بواسطة ناقته القصواء يبدو لي ذلك والله تعالى أعلم. ثم بعد صلاة الفجر السنة أن يرقى عليه إن أمكنه وإلَّا وقف عنده أو تحته (٥).

стр. 384

خامساً: أن يرقد بعد صلاتي المغرب والعشاء إلى ما قبيل الفجر اقتداء برسول الله ﷺ الذي اضطجع بعد الصلاتين كما أخبرنا بذلك جابر في حديثه الطويل (١). سادساً: صلاة الصبح في أول وقتها بغلس بدليل الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن عبد الله ﵁ قال: "ما رأيت النبي ﷺ صلّى صلاة لغير ميقاتها إلّا صلاتين: جمع بين المغرب والعشاء وصلى الفجر قبل ميقاتها" (٢). وليس مقصود الراوي بقوله: "وصلى الفجر لغير ميقاتها" إيقاع صلاة الفجر قبل طلوعها، وإنما عنى به أنه ﷺ صلاها في أول وقتها عقب أذان الفجر مباشرة على خلاف وقتها المعتاد لا قبل صلاة الفجر؛ لأن ذلك ليس بجائز بإجماع المسلمين فيتعين تأويله على ما ذكرته وهو ما نص عليه الإمام النووي الذي أيد كلامه بقوله: "وقد ثبت في صحيح البخاري في هذا الحديث في بعض رواياته أن ابن مسعود صلى الفجر حين طلع الفجر بالمزدلفة ثم قال: إن رسول الله ﷺ صلى الفجر هذه الساعة" (٣). وفي هذا المعنى يقول الإمام ابن حجر العسقلاني: "فليس معناه أنه أَوْقع الفجر قبل طلوعها وإنما أراد أنها وقعت قبل الوقت المعتاد فعلها فيه في الحضر ولا حجة فيه لمن منع التغليس بصلاة الصبح؛ لأنه ثبت عن عائشة وغيرها كما تقدّم في المواقيت التغليس بها، بل المراد هنا أنه كان إذا أتاه المؤذن بطلوع الفجر صلى ركعتي الفجر في بيته ثم خرج فصلى الصبح مع ذلك بغلس، وأما بمزدلفة فكان الناس مجتمعين والفجر

стр. 385

نصب أعينهم فبادر بالصلاة أول ما بزغ حتى إن بعضهم كان لم يتبين له طلوعه وهو بيَّنَ في رواية إسرائيل الآتية حيث قال: "ثم صلى الفجر حين طلع الفجر قائل يقول: طلع الفجر وقائل يقول: لم يطلع (١) " (٢). سابعاً: الدعاء عند المشعر الحرام قبل وبعد صلاة الصبح مستقبل القبلة فيحمده تعالى ويهلله ويكبره ويوحده ويكثر من التلبية حتى يسفر جداً وهو ما نقلته لك من حديث جابر. نبدأ أولاً بما يدعوه في الليل في مزدلفة. قال الإمام النووي: "ومن الدعاء المذكور فيها - أي في ليلة النحر - اللهم! إني أسألك أن ترزقني في هذا المكان جوامع الخير كله، وأن تصلح شأني كله، وأن تصرف عني الشر كله، فإنه لا يفعل ذلك غيرك، ولا يجود به إلّا أنت" (٣). أما الدعاء بعد صلاة الصبح فجر يوم النحر في مزدلفة فقد قال فيه إمامنا النووي: "ويستحب أن يقول: اللهم! كما وقفتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا، وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ

стр. 386

عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِن اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٨ ـ ١٩٩] ويكثر من قوله ﴿رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةُ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]. ويستحب أن يقول: "اللهم! لك الحمد كله، ولك الجلال كله، ولك التقديس كله. اللهم! اغفر لي في جميع ما أسلَفْتُه، واعصمني فيما بقي، وارزقني عملاً صالحاً ترضى به عني يا ذا الفضل العظيم (١). اللهم! إني أستشفع إليك بخواص عبادك وأتوسل بك إليك. أسألك أن ترزقني جوامع الخير كله، وأن تمن علي بما مننت به على أوليائك وأن تصلح حالي في الآخرة والدنيا يا أرحم الراحمين (٢) (٣) ". ثامناً: الإفاضة من مزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس بعد أن يسفر الفجر جداً مخالفة للمشركين الذين كانوا يفيضون بعد طلوع الشمس لما روى الإمام البيهقي في السنن الكبرى عن عمرو بن ميمون يقول: "شهدت عمر بن الخطاب ﵁ بجمع بعد ما صلى الصبح وقف فقال: "إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون أَشْرِقْ ثبير، وإن رسول الله ﷺ خالفهم فأفاض قبل طلوع الشمس" (٤).

стр. 387

آداب الاختلاط المباح في الحج ونفائس أخرى قال جابر ﵁: "وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلاً حسن الشَّعْرِ، أبيضَ وسيماً (١) فلما دفع رسول الله ﷺ ، مرّت به ظُعُنٌ يجرينَ فطفق الفضل ينظر إليهن فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفَضْلِ فحوّل الفضلُ وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر حتى أتى بطن محسّر فحرّك قليلاً، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخَذْفِ رمى من بطن الوادي ... ": هذا الفصل ينطوي على فوائد جمة: أولها: الفضل بن عباس وهو ابن عم رسول الله ﷺ كان رديف رسول الله ﷺ على ناقته القصواء من مزدلفة أو من وادي محسر بينما كان أسامة بن زيد رديفه ﵁ من عرفات إلى مزدلفة وهو ما أفاده النص السابق من حديث جابر ﵁. ثانيها: أن الفضل بن عباس كان بصفة من تفتتن النساء به لذلك قال عنه جابر: "وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيماً". قال الإمام النووي: "وفي رواية الترمذي وغيره في هذا الحديث أن النبي ﷺ لوى عنق الفضل فقال له العباس: لويت عنق ابن عمك؟ قال: رأيت شاباً وشابة فلم آمن الشيطان عليهما"، فهذا يدل على أن وضعه ﷺ يده الشريفة على وجه

стр. 388

الفضل كان لدفع الفتنة عنه وعنها. وفيه أن من رأى منكراً وأمكنه إزالته بيده لزمه إزالته، فإن قال بلسانه ولم ينكفّ المقول له وأمكنه بيده أثم ما دام مقتصراً على اللسان والله أعلم" (١). ثالثها: غض البصر عن الأجنبيات وغضهن عن الرجال. أما عن كشف الظُّعُنِ عن وجوههن أو المرأة الخثعمية كما جاء في رواية فإن ذلك بسبب إحرامهن؛ لأن ستر الوجه للمرأة المحرمة من محظورات الإحرام تُبذَل في سبيل كفارة خطيئته الفدية، وهو ما يفصّل فيه القول بإذن الله. رابعها: عندما يبلغ الحجاج وادي محسِّر في طريقهم من مزدلفة إلى منى في الموضع الفاصل بينهما (٢) فإنه يندب لهم الإسراع بتنبيه دوابهم وتحريكها لقطع عرضه بسرعة أو بالخبب بالنسبة للماشي، وذلك قدر رمية حجر (٣) ثم يخرج الحاج منه إلى منى سائراً. روى الإمام البيهقي عن جابر قال: أفاض رسول الله ﷺ وعليه السكينة وأمرهم بالسكينة وأَوْضَعَ في وادي محسّر، وأمرهم أن يرموا الجمار مثل حصى الخَذْف وقال: "خذوا عني مناسككم" (٤). وفي رواية عنده "حتى أتى مُحَسِّراً ففزّع ناقته حتى جاوز

стр. 389

الوادي فوقف، ثم أردف الفضل، ثم أتى الجمرة فرماها" (١). وذكر الإمام ابن حجر علة الإسراع في ذلك الوادي فقال: وصح أنه ﷺ سار فيه سريعاً، وفي رواية كالخبب، ولعله سار فيه النوعين، والعلة فيه كما في المجموع أن النصارى كانت تقف هناك فنسرع نحن مخالفة لهم، وعبر الغزالي بالعرب بدل النصارى ولا مانع أن كلاً كان يقف ثَمَّ، أو مراده بالعرب العرب من النصارى، وقيل: ومشى عليه المصنف فيما مر؛ لأنه محل هلاك أصحاب الفيل (٢)، وبحثه الإسنوي لعدم روايته له منقولاً، ثم قال: هو كديار ثمود إذ يسن لمن مر بها الإسراع (٣) " (٤). خامسها: التوجه إلى منى من طريق يختلف عن الطريق الذي سلكه من منى إلى عرفات، أي يخالف بين الطريقين فيذهب إلى عرفات في طريق ضَبّ ويرجع منها إلى منى في طريق المأزمين، وفي ذلك ترسيخ حكمة التفاؤل بتغير الحال إلى أحسن وهو ما صرح به النووي تعليلاً بقوله: "وهذا معنى قول أصحابنا: يذهب إلى عرفات في طريق ضب ويرجع في طريق المأزمين ليخالف الطريق تفاؤلاً بغير الحال كما فعل النبي ﷺ في دخول مكة حين دخل من الثنيَّة العليا وخرج من الثنيَّة السُّفلى، وخرج إلى العيد في

стр. 390

طريق ورجع في طريق آخر وحول رداءه في الاستسقاء" (١). فهذه الطريق التي سلكها ﷺ هي التي سماها جابر الطريق الوسطى، وهي التي تخرج على الجمرة الكبرى مباشرة. سادسها: حد منى: ما بين وادي محسّر وجمرة العقبة، وكلا الحدين ليس من منى وقد نص النووي في المجموع أن جمرة العقبة ليست من منى ونقل ذلك عن الأزرَقي والأصحاب واعتمده، كما نص على ذلك الشافعي ﵀ وهو من أهل مكة كالأزرَقي وهما أدرى بشعابها (٢). ومنى شعب طوله نحو ميلين، وذَرْعُهُ ما بين محسّر والعقبة، وهو كما قال الأرزقي سبعة آلاف ذراع ومائتا ذراع أما عرضه فيسير ومنه الجبال المحيطة به ما أقبل منها عليه، أما ما أدبر منها عنه فليس من منى (٣). ومسجد الخَيْف (٤) من منى أما العقبة فليست منها كما ذكر، وهي الجمرة التي بايع رسول الله ﷺ عندها الأنصار قبل الهجرة (٥)، وهي التي عند الشجرة كما جاء في رواية جابر، ويبدو أنه كان يومذاك بالقرب منها شجرة معروفة. كان قبلكم الغلوّ في الدين" (٦). فالنّبيّ ﷺ رمى بالحصى وقال: بمثل هذا فارموا ـ كما هو صريح رواية النسائي (٧) ـ
следующие страницы →