عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِن اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٨ ـ ١٩٩] ويكثر من قوله ﴿رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةُ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١].
ويستحب أن يقول: "اللهم! لك الحمد كله، ولك الجلال كله، ولك التقديس كله.
اللهم! اغفر لي في جميع ما أسلَفْتُه، واعصمني فيما بقي، وارزقني عملاً صالحاً ترضى به عني يا ذا الفضل العظيم (١).
اللهم! إني أستشفع إليك بخواص عبادك وأتوسل بك إليك.
أسألك أن ترزقني جوامع الخير كله، وأن تمن علي بما مننت به على أوليائك وأن تصلح حالي في الآخرة والدنيا يا أرحم الراحمين (٢)(٣) ".
ثامناً: الإفاضة من مزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس بعد أن يسفر الفجر جداً مخالفة للمشركين الذين كانوا يفيضون بعد طلوع الشمس لما روى الإمام البيهقي في السنن الكبرى عن عمرو بن ميمون يقول: "شهدت عمر بن
الخطاب ﵁ بجمع بعد ما صلى الصبح وقف فقال: "إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون أَشْرِقْ ثبير، وإن رسول الله ﷺ خالفهم فأفاض قبل طلوع الشمس" (٤).
стр. 387
آداب الاختلاط المباح في الحج ونفائس أخرى
قال جابر ﵁: "وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلاً حسن الشَّعْرِ، أبيضَ وسيماً (١) فلما دفع رسول الله ﷺ ، مرّت به ظُعُنٌ يجرينَ فطفق الفضل ينظر إليهن فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفَضْلِ فحوّل الفضلُ وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر حتى أتى بطن محسّر فحرّك قليلاً، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخَذْفِ رمى من بطن الوادي ... ":
هذا الفصل ينطوي على فوائد جمة:
أولها: الفضل بن عباس وهو ابن عم رسول الله ﷺ كان رديف رسول الله ﷺ على ناقته القصواء من مزدلفة أو من وادي محسر بينما كان أسامة بن زيد رديفه ﵁ من عرفات إلى مزدلفة وهو ما أفاده النص السابق من حديث جابر ﵁.
ثانيها: أن الفضل بن عباس كان بصفة من تفتتن النساء به لذلك قال عنه جابر: "وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيماً". قال الإمام النووي: "وفي رواية الترمذي وغيره في هذا الحديث أن النبي ﷺ لوى عنق الفضل فقال له العباس: لويت عنق ابن عمك؟ قال: رأيت شاباً وشابة فلم آمن الشيطان عليهما"، فهذا يدل على أن وضعه ﷺ يده الشريفة على وجه
стр. 388
الفضل كان لدفع الفتنة عنه وعنها. وفيه أن من رأى منكراً وأمكنه إزالته بيده لزمه إزالته، فإن قال بلسانه ولم ينكفّ المقول له وأمكنه بيده أثم ما دام مقتصراً على اللسان والله أعلم" (١).
ثالثها: غض البصر عن الأجنبيات وغضهن عن الرجال. أما عن كشف الظُّعُنِ عن وجوههن أو المرأة الخثعمية كما جاء في رواية فإن ذلك بسبب إحرامهن؛ لأن ستر الوجه للمرأة المحرمة من محظورات الإحرام تُبذَل في سبيل كفارة خطيئته الفدية، وهو ما يفصّل فيه القول بإذن الله.
رابعها: عندما يبلغ الحجاج وادي محسِّر في طريقهم من مزدلفة إلى منى في الموضع الفاصل بينهما (٢) فإنه يندب لهم الإسراع بتنبيه دوابهم وتحريكها لقطع عرضه بسرعة أو بالخبب بالنسبة للماشي، وذلك قدر رمية حجر (٣) ثم يخرج الحاج منه إلى منى سائراً.
روى الإمام البيهقي عن جابر قال: أفاض رسول الله ﷺ وعليه السكينة وأمرهم بالسكينة وأَوْضَعَ في وادي محسّر، وأمرهم أن يرموا الجمار مثل حصى الخَذْف وقال: "خذوا عني مناسككم" (٤). وفي رواية عنده "حتى أتى مُحَسِّراً ففزّع ناقته حتى جاوز
стр. 389
الوادي فوقف، ثم أردف الفضل، ثم أتى الجمرة فرماها" (١).
وذكر الإمام ابن حجر علة الإسراع في ذلك الوادي فقال: وصح أنه ﷺ سار فيه سريعاً، وفي رواية كالخبب، ولعله سار فيه النوعين، والعلة فيه كما في المجموع أن النصارى كانت تقف هناك فنسرع نحن مخالفة لهم، وعبر الغزالي بالعرب بدل النصارى ولا مانع أن كلاً كان يقف ثَمَّ، أو مراده بالعرب العرب من النصارى، وقيل: ومشى عليه المصنف فيما مر؛ لأنه محل هلاك أصحاب الفيل (٢)، وبحثه الإسنوي لعدم روايته له منقولاً، ثم قال: هو كديار ثمود إذ يسن لمن مر بها الإسراع (٣) " (٤).
خامسها: التوجه إلى منى من طريق يختلف عن الطريق الذي سلكه من منى إلى عرفات، أي يخالف بين الطريقين فيذهب إلى عرفات في طريق ضَبّ ويرجع منها إلى منى في طريق المأزمين، وفي ذلك ترسيخ حكمة التفاؤل بتغير الحال إلى أحسن وهو ما صرح به النووي تعليلاً بقوله: "وهذا معنى قول أصحابنا: يذهب إلى عرفات في طريق ضب ويرجع في طريق المأزمين ليخالف الطريق تفاؤلاً بغير الحال كما فعل النبي ﷺ في دخول مكة حين دخل من الثنيَّة العليا وخرج من الثنيَّة السُّفلى، وخرج إلى العيد في
стр. 390
طريق ورجع في طريق آخر وحول رداءه في الاستسقاء" (١).
فهذه الطريق التي سلكها ﷺ هي التي سماها جابر الطريق الوسطى، وهي التي تخرج على الجمرة الكبرى مباشرة.
سادسها: حد منى: ما بين وادي محسّر وجمرة العقبة، وكلا الحدين ليس من منى وقد نص النووي في المجموع أن جمرة العقبة ليست من منى ونقل ذلك عن الأزرَقي والأصحاب واعتمده، كما نص على ذلك الشافعي ﵀ وهو من أهل مكة كالأزرَقي وهما أدرى بشعابها (٢).
ومنى شعب طوله نحو ميلين، وذَرْعُهُ ما بين محسّر والعقبة، وهو كما قال الأرزقي سبعة آلاف ذراع ومائتا ذراع أما عرضه فيسير ومنه الجبال المحيطة به ما أقبل منها عليه، أما ما أدبر منها عنه فليس من منى (٣).
ومسجد الخَيْف (٤) من منى أما العقبة فليست منها كما ذكر، وهي الجمرة التي بايع رسول الله ﷺ عندها الأنصار قبل الهجرة (٥)، وهي التي عند الشجرة كما جاء في رواية جابر، ويبدو أنه كان يومذاك بالقرب منها شجرة معروفة.
كان قبلكم الغلوّ في الدين" (٦).
فالنّبيّ ﷺ رمى بالحصى وقال: بمثل هذا فارموا ـ كما هو صريح رواية النسائي (٧) ـ
стр. 391
فدل قوله على الذي ذهب إليه فقهاء الشافعية.
ويجزيه كذلك أن يحمل حصى الجمار من أي مكان من عرفات أو مزدلفة أو منى أو من المرمى ولو من موضع نجس إلّا أن السنة في حصى جمرة العقبة أن تكون من مزدلفة (١)، وهو ما علل به نافع مولى ابن عمر أن ابن عمر كان يأخذ الحصى من جمع كراهية أن ينزل (٢)
أي لئلا ينزل من راحلته عند بلوغه جمرة العقبة، وهو ما أخذ منه الشافعية سنة أن يرمي الجمرة يوم النحر راكباً إن كان قد أتى راكباً؛ لأنه صح أنه ﷺ رمى الجمرة راكباً (٣).
стр. 392
قال إمامنا الشافعي: "ومن حيث أخذ أجزأه إلّا أني أكرهه من المسجد لئلا يُخرج حصى المسجد منه، ومن الحش (١) لنجاسته، ومن الجمرة؛ لأنه حصى غير متقبل" (٢).
ويستحب أن تكون الحصاة كحصى الخذف وهي ما دون الأنملة طولاً وعرضاً أي مثل حبة الباقلاء وهي أكبر من الحِمَّص ودون البندق كالفولة، وقيل: نحو النواة (٣)، وهو ما نفهمه من كلام جابر.
وقولنا يستحب يفيد أن ما يسمى حصاة يجزئ صغر أو كبر (٤)، لكن مع الكراهة لذلك قال إمامنا النووي: قال أصحابنا: "فلو رمى بأكبر منه أو أصغر كره وأجزأه" (٥).
كما يسن أن يغسل حصى الجمار قبل رميها حتى وإن التقطها من محل طاهر وفي هذا السياق قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "ولا أكره غسل حصى الجمار، بل لم أزلْ
стр. 393
أعمله وأحبه" (١).
كما يكره أن يرمي بحجر أخذه من محل نجس وإن غسله لبقاء استقذارة في النفس فكراهته ككراهة استعمال إناء البول بعد غسله وهو ما نص عليه العلامة ابن حجر (٢).
ويكره كذلك أن يرمي الجمار بما رمى به غيره فلو رمى بشيء منه أجزأه (٣).
ومن المسائل التي يجب الانتباه لها هنا أنه يمكن للحاج رمي سبعين حصاة يوم النحر وأيام التشريق بحصاة واحدة فقط يرميها ثم يستردها، ثم يرميها ثم يستردها، وهكذا سائر الأيام لا بل إنّ رميَ فوج بكامله، بل قل إنّ رميَ حجاج الموسم جميعاً يجوز أن يتأتى بحصاة واحدة شرط أن يتسع الوقت وهو ما صرح به إمامنا النووي عليه رحمة الله الذي شبه ذلك بما لو دفع إلى فقير مداً ثم اشتراه منه ثم دفعه إلى فقير آخر وهكذا (٤).
وكما لا يشترط طهارة الحصاة في الرمي كذلك لا تشترط طهارة الرامي (٥).
تاسعها: وقت أداء جمرة العقبة وسائر الجمرات:
للرمي عند الشافعية وقت جواز ووقت فضيلة ووقت اختيار، بالضبط نظيرما نعرفه عن ذلك في أوقات الصلاة (٦).
стр. 394
وبالنسبة لرمي جمرة العقبة فإن وقت الجواز يبدأ بنصف ليلة النحر وينتهي بغروب آخر يوم من أيام التشريق.
دليل الشافعية فيما ذهبوا إليه من بدء زمن رمي جمرة العقبة بنصف الليل الحديث المتفق على صحته من أنه ﷺ قدّم ضعفة أهله بليل، وأجاز لأصحاب الحاجات من أهل السقاية ورعاء الإبل بالتوجه ليلاً لرمي تلك الجمرة دون أن يأمرهم بجبر هذا بدم فدل ذلك على أن واجب الوقوف يجزئ فيه مضي لحظة لطيفة بعد انتصاف ليلة العيد.
أما الدليل الأهم عند الشافعية والذي نقله عنهم الإمام ابن رشد القرطبي في بداية المجتهد هو حديث أم سلمة وحديث أسماء حيث أجاز فيهما الرميَ ليلاً لغير أصحاب الأعذار وحديث أم سلمة كما سيأتي علل ذلك بأنه صادف يومها مع رسول الله ﷺ فأحب رسول الله ﷺ أن توافقه وحديث أسماء علل ذلك بأنهم كانوا يفعلونه في عهد رسول الله ﷺ (١) وإليك نص هذين الحديثين:
روى البيهقي عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ أمرها أن توافي صلاة الصبح يوم النحر بمكة (٢) وكذا ما رواه عن عائشة ﵂ قالت: أرسل رسول الله ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم الذي يكون عندها رسول الله ﷺ (٣) وفي رواية: وكان يومها فأحب أن توافقه (٤).
стр. 395
وروى البيهقي عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء قال: أخبرني مخبر عن أسماء ﵂ أنها رمت الجمرة قلت: إنا رمينا الجمرة بليل قالت: إنا كنا نصنع هذا على عهد رسول الله ﷺ (١).
ويؤيده ما مر معك في الحديث المتفق عليه عن عائشة أنها تمنت أن لو صنعت ما صنعته سودة وكانت ثَبِطَة أي ثقيلة الحركة. كل هذا يدل على أن جواز الرمي بعد منتصف ليلة النحر لم يكن خاصاً بذوي الحاجات بدليل أن عائشة لم تكن كذلك بل كانت فتاة صغيرة في عمرها عظيمة في شأنها رشيقة في حركتها ومع ذلك فقد تمنت بسبب ما لاقته من جهد ومشقة بالمبيت في مزدلفة أن لو سارت مع من سِرْن لجمرة العقبة ليلاً لهذا قال إمامنا الشافعي ﵀ بجواز الرمي من بعد نصف الليل للقادر والعاجز (٢).
وعن نهاية زمن رمي جمرة العقبة وسائر الجمرات يقول الإمام النووي:
"واعلم بأنه يفوت كلُّ الرمي بأنواعه بخروج أيام التشريق من غير رمي ولا يؤدّى شيء منه بعدها لا أداء ولا قضاء. ومتى تدارك فرمى في أيام التشريق فائتها أو فائت يوم النحر فلا دم عليه. ولو نفر من منى يوم النحر أويوم القرّ أو يوم النفر الأول ولم يرم ثم عاد قبل غروب الشمس من اليوم الثاني فرمى أجزأه ولا دم عليه. ومتى فات الرمي ولم يتداركه حتى خرجت أيام التشريق وجب عليه جبره بالدم (٣).
стр. 396
فالأيام الأربعة من النحر إلى ثالث أيام التشريق هي وقت للرمي، وهي وقت جواز له عند الشافعية، ولو فاتت فلا أداء ولا قضاء.
ولو فات يوم منها تداركه في تاليه أو في سائر الأيام؛ لأنها كلها أيام رمي وهو مذهب السادة الحنبلية أيضاً (١).
أما وقت الاختيار فينتهي بغروب شمس يوم النحر (العيد). قال إمامنا النووي: "ويدخل وقت الرمي والحلق والطواف بنصف الليل من ليلة العيد ويبقى إلى غروب الشمس (٢). وقيل يبقى إلى طلوع الفجر من ليلة أول أيام التشريق (٣) " (٤).
وأما وقت الفضيلة فهو ما يعبر عنه بالسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ وهو أن يرميها بعد طلوع الشمس وارتفاعها قدر رمح. قال العلامة ابن حجر: "عبر به في المجموع وظاهره أنه لا يدخل وقت الفضيلة إلّا بارتفاعها كذلك، فما اقتضاه ظاهر كلام
стр. 397
الروضة والمنهاج من دخوله بمجرد الطلوع محمول على أصل الفضيلة لا كمالها. قال الماوردي: "ويستمر وقت الفضيلة إلى الزوال" (١).
يفهم من هذا أن من دخل منى قبل طلوع الشمس سن له تأخير الرمي حتى تطلع الشمس قدر رمح وهو ما لا يتنافى مع ما مر من أن تحية بقعة منى هو في رمي جمرة العقبة؛ لأن التأخير هاهنا لعذر تطبيق السنة في تأدية الرمي في وقت فضيلة، وهذا لا يفوّت تلك التحية بدليل ما صح من طرق متعددة أنه ﷺ بعث ضعفة أهله وأمر أصحابه أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس (٢) وإليك تفصيل ذلك:
روى مسلم في صحيحه عن جابر قال: رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى وأما بعد فإذا زالت الشمس (٣).
قال الإمام النووي: "المراد بيوم النحر جمرة العقبة فإنه لا يشرع فيه غيرها بالإجماع" (٤).
أقول: يشهد لهذا الروايةُ الأخرى عند البيهقي في سننه عن جابر بن عبد الله قال: "رأيت رسول الله ﷺ رمى جمرة العقبة أول يوم ضحى وهي واحدة" (٥).
وروى الخمسة وصححه الترمذي عن ابن عباس قال: قدَّمَنا رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة أُغَيْلِمَةَ بني عبد المطلب فجعل يَلْطَحُ (٦) أفخاذنا ويقول: أُبَيْنِيَّ (٧) لا ترموا حتى
стр. 398
تطلع الشمس" (١) ولفظه عند الترمذي: "قدّم ضعفة أهله وقال: لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس" (٢).
وفي جمرات أيام التشريق تتكرر هذه المصطلحات الثلاثة مرة أخرى:
المصطلح الأول: وقت الفضيلة يقع بعد زوال الشمس مباشرة لما روى البخاري عن وَبَرَة عن ابن عمر ﵄ قال: متى أرمي الجمار؟ قال: إذا رمى إمامك فارمه. فأعدْتُ عليه المسأله. قال: كنّا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا" (٣). ولما رواه مسلم وغيره عن جابر قال: "رأيت النبي ﷺ يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس" (٤).
فابن عمر يروي عن الصحابة الكرام في عهد رسول الله ﷺ أنهم كانوا يتحينون في موقع الجمرات - كما يفهم من الحديث - قبل زوال الشمس، فإذا زالت الشمس رَمَوْا؛ لأنه وقت الفضيلة الثابت عن رسول الله ﷺ .
أما وقت الاختيار فيمتد إلى غروب شمس يوم الرمي، فإن كان الأول من أيام
стр. 399
التشريق فالاختيار في رمي الجمرات في ذلك اليوم إلى غروبه وإن كان الثاني منها فهو كذلك وهكذا.
قال الإمام النووي: "لا يصح الرمي في هذه الأيام إلّا بعد زوال الشمس، ويبقى وقته إلى غروبها (١). وقيل: يبقى إلى طلوع الفجر والأول أصح" (٢).
ويستنبط من كلام ابن عمر: "نتحين" أنهم كانوا لا يقدمون على الرمي شيئاً لذلك قال الفقهاء: يستحب إذا زالت الشمس أن يُقدّم الحاج الرميَ على صلاة الظهر فلا يصليها حتى يرجع من رمي الجمرات. قال إمامنا النووي: "نص عليه الشافعي ﵀".
المصطلح الثالث: وقت الجواز، فإنه يمتد إلى آخر أيام التشريق وهو المفتى في فقه السادة الشافعية والحنبلية لذلك قال الإمام النووي: "إذا ترك شيئاً من الرمي نهاراً فالأصح أنه يتداركه فيرميه ليلاً أو فيما بقي من أيام التشريق سواء تركه عمداً أو سهواً وإذا تركه فيها فالأصح أنه أداء لا قضاء، وإذا لم يتداركه حتى زالت الشمس من اليوم الذي يليه فالأصح أنه يجب عليه الترتيب فيرمي أولاً عن اليوم الفائت، ثم عن الحاضر، وهكذا لو ترك يومَ العيد رمي جمرة العقبة فالأصح أنه يتداركه في الليل وفي أيام التشريق ويشترط فيه الترتيب فيقدمه على رمي أيام التشريق ويكون أداء على الأصح وإذا قلنا بالأصح أن المتداركَ أداءٌ لا قضاءٌ كان تعيين كل يوم للمقدار المأمور به وقت اختيار وفضيلة كأوقات الاختيار للصلاة" (٣).
стр. 400
فهذه هي أوقات الرمي حسب تقسيم الفقهاء لها وهو مذهب معتمد تلقته الأمة بالقبول وانبرى للتعبد وفق أحكامه والاجتهاد وفق استدلالاته آلاف الأئمة من المحدثين والفقهاء وجهابذة العلماء وهو أيسر في هذا من مذهب الإمام مالك إمام دار الهجرة وشيخ الشافعي الذي يقول: "ينتهي الأداء إلى غروب كل يوم وما بعده قضاء له ويفوت الرمي بغروب الرابع ويلزمه دم في ترك حصاة أو في ترك الجميع، وكذا يلزمه الدم إذا أخر شيئا منها إلى الليل".
علق أستاذنا الدكتور نور الدين عتر على هذا الكلام بعد أن ساقه:
"والقضية اجتهادية - كما ترى - ليس فيها نص مما يجعل الأمر واسعاً" (١).
ونعم ما ذكرتَهُ يا أُستاذَنا فإن المكان الذي تُرمى فيه الجمرات محدود لا يمكن توسيعه، والأعداد الغفيرة من الحجاج قد تصل اليوم في موسم الحج الواحد إلى أكثر من ألفي ألف حاج (مليوني حاج) فكيف يتأتى أداء العبادة بالنسبة لهذه الوفود والزمان في وقت الفضيلة لا يتجاوز الساعات القليلة؟ ! إن هذا في ميزان العمليات الحسابية البسيطة هو إقدام على الانتحار وانزلاق إلى الهلاك وهو ما نرى منه اليوم مشاهد تتفطر لها أكباد الغيارى، وتستثمرها نظرات الحاقدين في توظيف مشبوه لنسف هذه الفريضة أو تشويه جوهرها وأهدافها لذلك لا بدّ لنا من علاج هذه المعضلة التي باتت تؤرق أفئدتنا كلما شددنا رحالنا إلى بيت الله الحرام.
المعالجة في نظري تبدأ من ضبط أعداد الحجاج ضمن منهجية تراعي كل الحيثيات الشرعية وتقلل من أعداد الوافدين على الديار المقدسة بما يُبقي السيطرة على منطقة
стр. 401
الجمرات تامة ومأمونة.
الخطوة الثانية تأتي في توسيع زمان الرمي وفق ما تقتضيه الضوابط الشرعية أمام عجزنا عن توسيع مكان الرمي (١) وهنا يتبدّى أمامنا مذهب السادة الشافعية ومنهم النووي والرافعي والهيتمي والعسقلاني وطائفة من كبار فقهاء الأمة ومحدثيها فنتلمس عندهم في امتداد زمن الرمي إلى آخر أيام التشريق بغروب شمس يوم الرابع منها ترياقاً ناجعاً لا مثيل له حيث يمكننا أن نرمي في وقت الفضيلة ووقت الاختار الذي يختم بغروب شمس اليوم نفسه، ووقت الجواز الذي يصح معه الرمي بالليل أو الرمي باليوم التالي عن الأول أولاً، كما يصح أن يجمع رمي الأيام كلها في اليوم الأخير قبل غروب شمسه حسب ترتيب الأيام دون أن يُعَدَّ ذلك قضاء أو موجباً للإثم أو ملزماً لكفارة الدم.
هذا ما نفعله كل عام في فوج اليمان بتوفيق الله حيث نرمي عقب النفرة من مزدلفة جمرة العقبة ليوم النحر، ثم يرمي الشباب والفتيات في الليل في مجموعات عن كل يوم في زمانه أو عن يومين يُجمعان معاً، ثم ينتقل الفوج في اليوم الثالث من أيام التشريق - حيث لا نتعجل - بشبابه وعجزته ونسائه القادرات والعاجزات في مجموعات منظمة صوب الجمرات نبدأ باليوم الأول من أيام التشريق بجمراته الثلاث مرتبة: الصغرى فالوسطى فالكبرى (العقبة) فاليوم الثاني كذلك فاليوم الثالث، كل هذا بعد الزوال وقبل الغروب.
هذا ما أرتضيه لنفسي وأحمل عليه أصحابي من ضيوف الرحمن الملتحقين بفوج اليمان
стр. 402
وهو الأفضل من الأخذ بالأقوال الضعيفة والروايات المنسوبة إلى هذا الإمام أو ذاك بما يخالف جمهور أصحابه، أو رواياتٍ أخرى منقولة عنه ثابتة خلاف سياق الأولى، لكن حتى هذا لا نحجر عليه وإن كنا لا نفعله شرط صحة النسبة إلى أصحابها؛ لأن حرمة المسلم عند الله أعظم من حرمة الكعبة الني يحج إليها المسلمون، ويتوجهون إليها في صلواتهم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
من ذلك ما روي عن الإمام أبي حنيفة النعمان من جواز رمي اليوم الثاني من أيام التشريق قبل الزوال مع أن الرواية المشهورة عنه والظاهرة في مذهبه حرمة الرمي قبل الزوال وهي المسألة التي اتفق عليها أئمة وجماهير الفقهاء.
قال أستاذنا الدكتور نور الدين عتر:
"الرمي في اليوم الأول والثاني من أيام التشريق الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة يجب فيهما رمي الجمار الثلاث على الترتيب يرمي أولاً الجمرة الصغرى التي تلي مسجد الخَيْفِ، ثم الوسطى، ثم يرمي جمرة العقبة يرمي كل جمرة بسبع حصيات.
يبدأ وقت الرمي في هذين اليومين من أيام التشريق بعد الزوال حتى لا يجوز الرمي فيهما قبل الزوال باتفاق الأئمة وجماهير العلماء وهي الرواية المشهورة الظاهرة عن أبي حنيفة.
وروي عن أبي حنيفة أن الأفضل أن يرمي بعد الزوال في اليوم الثاني والثالث من أيام النحر وهما الأول والثاني من أيام التشريق، فإن رمى قبل الزوال جاز واستُدِلّ له بقياس أيام التشريق على يوم النحر؛ لأن الكل أيام رمي.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: "إن كان مِن قَصْدِه أن يتعجل في النَّفْرِ الأول فلا بأس بأن يرمي في اليوم الثالث من أيام النحر قبل الزوال، وإن رمى بعده فهو أفضل
стр. 403
وإن لم يكن ذلك من قصده لا يجوز أن يرمي إلّا بعد الزوال وذلك لدفع الحرج؛ لأنه إذا نفر بعد الزوال لا يصل إلى مكة إلّا بالليل فيحرج في تحصيل موضع النزول" (١). وقوى بعض متأخري الحنفية هذه الرواية توفيقاً بين الروايات عن أبي حنيفة (٢).
ويقول فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي في دندنته حول هذا الموضوع:
"لا شك أن ما حدث في موسم الحج هذا العام وما حدث منذ سنتين قبل ذلك من موت مئات من المسلمين عند رمي الجمرات أمر تنفطر له الأكباد حسرة، وتتقطع عليه القلوب حزناً وأنا أشهد أن المملكة قد بذلت - وتبذل - من الجهود والتيسيرات للحجيج ما لا ينكره لا مكابر ولا جاحد".
ثم قال في علاج ذلك:
"وأول هذه الحلول في نظري أن نقلل من عدد الحجاج ما أمكننا وخصوصاً الحجاج الذين حجوا قبل ذلك حجة الفريضة، وربما حج كثير منهم مرات ومرات وأن نوعّي هؤلاء بأن أفضل لهم من حج النافلة أن يتبرعوا بمبلغ الحج لإخوانهم المسلمين الذين يموتون من الجوع ولا يجدون ما يمسك الرمق أو يطفئ الحرق أو ....
"ولو فقه المسلمون الذين يحجون للمرة السابعة أو العاشرة أو العشرين دينهم حقاً وعلموا أن إطعام الجائع وكسوة العريان ومداواة المريض وتعليم الجاهل وتشغيل العاطل وإيواء المشرد وكفالة اليتيم وإغاثة اللهفان أحب إلى الله تعالى من حج النافلة، ما تزاحموا على الحج، وتركوا هذه القربات العظيمة التي أراها فرائض على المسلمين
стр. 404
قصّروا فيها، وقد اتفق علماء الأمة على هذه القاعدة: (إن الله لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة)، وقد قال الربانيون: من شغله الفرض عن النفل فهو معذور ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور".
ثم قال: "وهناك أمر آخر في غاية الأهمية وهو منوط بأهل العلم والفقه في هذه الأمة وهو أن نوسع في (زمن الرمي) ما وسّع لنا الشرع في ذلك، حيث لانستطيع أن نوسع المكان إذ المرمى صغير كما هو معلوم، ثم لا بد أن يكون الرمي من مسافة قريبة حتى يقع الحصى بالمرمى ولا يصيب الناس فيؤذيهم.
وما دام العدد كبيراً والمكان محدوداً فليس أمامنا إلّا توسيع الزمان وهو إجازة الرمي من الصباح إلى ما شاء الله تعالى من الليل.
وقد أجاز الإمام أبو حنيفة الرمي يوم النفر من منى من الصباح فيرمي، ثم يحزم أمتعته لينزل إلى مكة (١).
وإذا كان معظم الناس يتعجلون في يومين كما قال تعالى ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣] فلم يبق إلّا يوم واحد هو اليوم الثاني من أيام النحر.
"وقد قال ثلاثة من كبار الأئمة بجواز الرمي قبل الزوال في الأيام كلها وهم عطاء فقيه مكة وفقيه المناسك وأحد فقهاء التابعين، وطاوُس فقيه اليمن وأحد فقهاء
стр. 405
التابعين، وهو وعطاء من تلاميذ حبر الأمة عبد الله بن عباس وكذلك هو رأي أبي جعفر الباقر من أئمة أهل البيت وفقهاء الأمة المعتبرين بل قال هذا بعض المتأخرين من فقهاء المذاهب من الشافعية والمالكية والحنابلة وهو رواية عن الإمام أحمد" (١).
ثم قال: "وقد قرر العلماء عدة قواعد كلها تنفعنا في هذه القضية منها قولهم: "التكليف بحسب الوسع"، "المشقة تجلب التيسير" "إذا ضاق الأمر اتسع" "الضرورات تبيج المحظورات"، "لا ضرر ولا ضرار"، ومما يؤكد ذلك أن المقصود من الرمي هو ذكر الله تعالى.
ثم قال: " ... ولهذا كان الرمي بعد الزوال سنة عنه، ولكن لم يأت نهي منه ﵊ عن الرمي قبل ذلك.
على أن الرمي ليس من أساسيات الحج فهو يتم بعد التحلّل الثاني من الإحرام بالحج وتجوز فيه النيابة للعذر، وأجاز فقهاء الحنابلة أن يؤخر الرمي كله إلى اليوم الأخير، وكل هذا يدل على التسهيل فيه وعدم التشديد.
وحديث عروة بن مضرّس الطائي الذي رواه أصحاب السنن، وقد أدرك النبيّ ﷺ في صلاة الفجر بمزدلفة وسأله عن حجه فقال: "من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع أي إلى منى وطواف الإفاضة وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه".
стр. 406
ثم ذكر فضيلة الشيخ القرضاوي رسالة بعنوان: "يسر الإسلام" للعلامة
عبد الله بن زيد المحمود رئيس المحاكم الشرعية في قطر أفتى فيها بهذا وأن من أدلته:
"فبما أنه ثبت عن رسول الله ﷺ أنه نحر يوم العيد ضحى، وحلق يوم العيد ضحى، وطاف طواف الإفاضة يوم العيد ضحى، وسكت عن التحديد فجعله العلماء موسعاً يفعل في أي ساعة شاؤوا من أيام التشريق فكذلك الرمي.
ثم تابع قائلا فيما ينقله عن ابن محمود:
"فإذا طاف طواف الإفاضة فقد تحلل التحلل الثاني بحيث لو مات لحكم بتمام حجه فناسب التسهيل وعدم التشديد في التحديد إذ هي من فروع المسائل الاجتهادية".
ثم تابع عنه قوله: "فمتى كان الأمر بهذه الصفة وأن أيام منى كالوقت الواحد حسبما ذكروا فإذن لا وجه للإنكار على من رمى قبل الزوال".
ثم تابع عنه قوله: "وكل من تأمل الفتاوى الصادرة من النبي ﷺ بعد التحلل الثاني يجدها تتمشى على غاية السهولة واليسر فقد استأذنه ابن عباس في أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له على أن هذا الإذن مستلزم لترك واجبين وهما المبيت والرمي ولم يأمره أن يستنيب من يرمي عنه ولا من يسقي عنه على أن الاستنابة في كلا الأمرين ممكنة.
وقيل له: إن صفية قد حاضت قال: فهل طافت طواف الإفاضة؟ قالوا: نعم قال: فلتنفر إذن. فأسقط عنها طواف الوداع. وهو معدود من الواجبات، ولم يأمرها في أن تستنيب من يطوف بدلها.
ورخص لرعاة الإبل في المبيت عن منى بأن يرموا يوم النحر ثم يجمعوا جمار الأيام
стр. 407
الثلاثة يرمونها يوم النفر في أي ساعة شاؤوا من ليل أو نهار" (١).
هذه النقول سقتها بين يدي قراء هذا الكتاب توثيقاً مني للاجتهاد الذي أشرت إليه وهو ما توخيته في مجمل أبحاث الكتاب كما اجتهدت في أن يجمع كتابي بين اجتهادات المتقدمين والمتأخرين من الفقهاء والمعاصرين منهم لإكساء الكتاب حلة جديده أسأله سبحانه أن تكون مرضية عنده عنوانها التوفيق والإخلاص.
ومن الثمار التي رجوتها من وراء ذلك أيضا أن يعلم الحجاج الكرام خطورة الازدحام وطبيعة المشقة التي يسببها ويعانيها ضيوف الرحمن خاصة عند رمي الجمار لنتعاون جميعاً على فهم الاجتهادات الفقهية الموثقة المنقولة عن سلف هذه الأمة والمترابطة بأصلي الكتاب والسنة لنغترف منها ما يتمشى مع صلاح عصرنا، ويرفع الحرج عنا دون أن نخرج عن الضوابط التشريعية لهذه الفريضة وبهذا نملك من الزاد العلمي ما ننأى به عن اتهام العلماء الثقات بالتغرير بنا فيما يزعمون أنه حِجة فقهية لا حِجة نبوية! فإن هذا كلام إذا رميت بسهامه مصداقية الفقهاء المتنورين أحدث إساءة وسوء فهم في بيت الله الحرام واتهاماً لمن صانتهم علومهم وسيرتهم عن أمثال هذا الهراء الذي تبعث عليه العصبية والجهل بأحكام المناسك، والافتقار إلى فهم الواقع المصاحب لهذه الفريضة من جهد ومشقة بالغين (٢).
стр. 408
عاشرها: كيفية الوقوف للرمي:
السنة أن يقف الحاج عند رمي جمرة العقبة في بطن الوادي بحيث تكون منى وعرفات والمزدلفة عن يمينه وتقع مكة المكرمة عن يساره وهو الصحيح الذي جاءت به الأخبار ومن ذلك ما أورده الإمام البخاري في صحيحه عن
عبد الله بن زيد قال: رمى عبد الله من بطن الوادي (١). ورواه عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود أيضاً ﵁ أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، ورمى بسبع، وقال: هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة ﷺ (٢).
هذه هي السنة ويصح في المقابل الكيفيات الأخرى. قال الإمام النووي: "وهذا هو الصحيح في مذهبنا وبه قال جمهور العلماء. وقال بعض أصحابنا: يستحب أن يقف مستقبل القبلة مستدبراً مكة. وقال بعض أصحابنا: يستحب أن يقف مستقبل الكعبة وتكون الجمرة عن يمينه والصحيح الأول. وأجمعوا على أنه من حيث رماها جاز سواء استقبلها أو جعلها عن يمينه أو عن يساره أو رماها من فوقها أو أسفلها أو وقف في وسطها ورماها.
وأما رمي باقي الجمرات في أيام التشريق فيستحب من فوقها (٣)(٤) ".
стр. 409
حادي عشرها: في آداب أخرى تصحب الحاج في رميه:
من السنة أن يقطع الحاج التلبية مع أول حصاة يرميها (١)؛ لأنه بالرمي يشرع في التحلل من الإحرام، والتلبية شعار الإحرام فلا يأتي بها مع شروعه في التحلل منه كذا قاله النووي (٢).
ويستدل لهذه السنة بما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عباس عن الفضل أن رسول الله ﷺ لم يزلْ يلبّي حتى بلغ الجمرة" (٣).
ومن السنة إذا قطع التلبية أن يكبر بدل تلبيته يفعل ذلك مع رميه كل حصاة يقول: الله أكبر (٤). ولو قدم الحلق أو الطواف على الرمي فإنه يقطع التلبية في أول ما
стр. 410
قدمه؛ لأنهما من أسباب التحلل (١).
ومن الاتباع أن يرمي بيده اليمنى إن سهل عليه، وأن يرفع يده في رميه حتى يرى بياض إبطه. هذا في حق الرجل أما المرأة والخنثى فلا ترفعان يداً؛ لأن الأصل في حق النساء الستر (٢).
ومنها أن لا يزاحم أحداً، ولا يطرد الناس عند رمي الجمار، ولا ينهرهم، ومن باب أولى أن لا يضرب غيره؛ لأن هذا مما يتنافى مع خلق المسلم ويتعارض مع رحلة السلام هذه، كما لا يتماشى مع لون من ألوان ذكر الله تعالى والذي جسده في هذه المحطة واجب الرمي عند الجمرات. روى الترمذي في سننه عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "إنما جعل رمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله" (٣).
ورُويَ كذلك عن قدامة بن عبد الله قال: "رأيت النبي ﷺ يرمي الجمار على ناقة. ليس ضَرْبٌ ولا طَرْدٌ ولا إِليكَ إِليك" (٤).
وإذا كانت السنة أن يكون حصى الجمار مثل حصى الخذف - وقد بيَّنْتُه لك - فإن السنة نهت عن الرمي بما يسمى خَذْفاً (٥) التي هي أشبه بما يفعله الأولاد اليوم في لعبهم بما
стр. 411
يعرف عند أهل الشام بالدَّحل. علة النهي أن هذه الكيفية قد تفقأ العين أو تكسر السن، لاسيما وأن المرمى يكثر فيه الناس، فربما اندفعت الحصاة من تحت إصبع الرامي بغير اختياره فأصابت من بقربه من ضيوف الرحمن فآذته (١).
بهذا يتبيّن لنا أن الرمي كسائر عبادات الإسلام يصطبغ فيها ذكر الله تعالى بكل ما يتجلى به على قلب صاحبه من خشية وعلى نفسه من سكينة، وعلى جوارحه من وقار، وهو ما ينافيه ما يفعله بعض مسلمي اليوم من تدافع ومصادمة وإيذاء يدل على افتقارهم للذكر والعلم والتوعية على حد سواء، وعلى تراجع الذوق المحمدي الكريم في تصرفاتهم، وأنهم ينكفؤون خلف النصوص الحرفية دون مراعاة لروح الشرع ومقاصده وأولوياته وهو ما تقام عليهم به الحجة بما أورده إمام المحدثين البيهقي عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أمه قالت: "رأيت رسول الله يرمي الجمرة من بطن الوادي وهو راكب يكبر مع كل حصاة ورجل من خلفه يستره فسألت عن الرجل فقالوا: الفضل بن عباس وازدحم الناس فقال النبي ﷺ : يا أيّها الناس لايقتلْ بعضكم بعضاً، وإذا رميتم الجمرة فارموا بمثل حصى الخَذْف" (٢).
стр. 412
فالأدب الإسلامي في الرمي الملاطفة والسكينة والتكبير مع كل حصاة، ومَن ترك الملاطفة فآذى غيره فقد عصى، أما من ترك التكبير فرمى من غير ذكر فلا شيء عليه إلّا أنه تارك للسنة جعلنا الله من أهلها المستمسكين بها. قال الإمام الشوكاني: "قال في الفتح: وأجمعوا على أن من لم يكبر لا شيء عليه. انتهى" (١).
وبعد أن يرمي الجمرة الأولى وهي التي تلي مسجد الخَيْف وهي أولهن من جهة عرفات بسبع حصيات مستقبلاً القبلة مكبراً مع كل حصاة فإنه يتقدم عنها وينحرف قليلا لجهة يساره ويجعلها في قفاه في موضع منها لا يصيبه المتطاير من الحصى الذي يرمى به هناك حيث يستقبل القبلة من جديد يحمد الله تعالى ويكبر ويهلل ويسبح ويدعو طويلاً واقفاً قدر قراءة سورة البقرة بقراءة الرجل المعتدل مع حضور القلب وخشوع الجوارح اتباعاً لرسول الله ﷺ .
هذه الإطالة يحضر فيها بقوة الذوق الإسلامي الرفيع لذلك اشترط لها فقهاؤنا أن محلها حيث لا ضرر يتأتى للداعي وسط ازدحام الحشود، ولا إيذاء يمس غيره بسبب وقوفه حين تسد وفود الداعين الطريق مما يعرقل المسير نحو الجمرة التالية ويتسبب في بعض الأحيان بآلام ينتج عنها الأذى الشديد وما لا تحمد عقباه (٢).
стр. 413
ومع إتمام الرمي والدعاء يجدّ الحاج السعي الحثيث نحو الجمرة الثانية
-الوسطى - ليصنع فيها ما صنع في سابقتها ويقف للدعاء بعدها كما وقف في الأولى (١).
ومن الوسطى يأتي الحجاج جمرة العقبة التي رموها يوم النحر، فيقف الرامي تحتها من بطن الوادي ويرمي عندها بالكيفية السابقة، على النحو الذي بيناه في رمي يوم العيد ولا يقف عندها للدعاء أبداً لا في يوم النحر (٢) ولا في سائر أيام التشريق اقتداء برسول الله ﷺ وتفاؤلاً بالقبول مع الفراغ منها وهي آخر الجمرات وأقربهن إلى مكة.
ولعل دفع الأذى عن نفسه وعن غيره قرينة أخرى على ترك الوقوف للدعاء والله أعلم (٣).
روى البخاري في صحيحه عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات ثم يكبر على إثر كل حصاة (٤) ثم يتقدم فيُسْهِلُ (٥)
стр. 414
فيقوم مستقبل القبلة قياماً طويلاً فيدعو ويرفع يديه (١).
ثم يرمي الجمرة الوسطى كذلك فيأخذ ذات الشمال (٢) فيُسْهِلُ ويقوم مستقبل القبلة قياماً طويلاً فيدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الجمرة ذات العقبة (٣)، من بطن الوادي ولا يقف عندها، ويقول: "هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل" (٤).
وروى الإمام البيهقي عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقف عند الجمرتين الأوليين فيقف وقوفاً طويلاً، ويكبر الله، ويسبحه، ويحمده، ويدعو الله لا يقف عند جمرة العقبة" (٥).
وروى عن وَبَرَة قال: "قام ابن عمر حين رمى الجمرة عن يسارها نحو ما لو شئت قرأت سورة البقرة (٦) " (٧).
стр. 415
وروى عن أبي مِجْلَزِ في حِرْز قيام ابن عمر قال: وكان قدر قراءة سورة يوسف (١). كما روى عن ابن عباس أنه كان يقوم بقدر قراءة سورة من المئين (٢).
قال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي: "وَرُوِّيْنَا عن عطاء بن أبي رباح أن النبي ﷺ كان يعلو في الجمرتين إذا رماهما" (٣).
قال إمامنا النووي: "وأما الدعاء وغيره مما زاد على أصل الرمي فسنة لا شيء عليه في تركه لكن فاتته الفضيلة" (٤).
ومن السنة المرتبطة بالرمي استحباب الاغتسال عن كل يوم لرمي ذلك اليوم ولا يشترط لاغتساله دخول وقت الزوال خلافاً لاشتراط ذلك في الرمي إلّا أن تقريب الاغتسال من ذهابه إلى الرمي أكمل وأفضل كما في الجمعة لذلك قال العلامة ابن حجر الهيتمي في حاشيته: "فالذي يتجه أنه يدخل بالفجر كغسل الجمعة بجامع أن كلاً لما يفعل بعد الزوال وبه يتجه أن غسل عرفة كذلك كما مر" (٥).
ومن السنن الموالاة بين الجمرة الصغرى والوسطى ثم بين الوسطى والعقبة في رمي اليوم الواحد، كذلك الموالاة بين رميات الجمرة الواحدة على الأصح (٦).
ثاني عشرها: فيما لا يصح معه الرمي البتة وما يصح:
стр. 416
الواجب في رمي جمرة العقبة وسائر الجمرات أن يرمي كلاً منها بما يسمى حجراً وما يسمى رميا؛ لأن الرمي الصحيح المجزئ هو ما كان باليد، أما الذي يجري بالقوس أو المقلاع أو الدفع بالرِّجْل أو اللفظ بالفم فلا يصح من ذلك شيء ومثله ما لو وضع الحجر في المرمى بيده؛ لأن وضعه لا يسمى رمياً.
فالواجب أن يرمي الجمرة بسبع حصيات واحدة واحدة حتى يستكملهن، فلا يرمي جميع الحصى مرة واحدة وإلا حسبت رميته تلك عن حصاة واحدة، ولا يرمي الجمرة بأقل من سبع حصيات (١).
هذا ما جاءت به الأحايث الصحيحة من أنه ﷺ كان يكبر مع كل حصاة وهو تصريح بأن نبينا ﵇ رمى كل حصاة وحدها كذا نص على استنتاجه الإمامان الجليلان الشوكاني من الزيدية والنووي من الشافعية وغيرهما من العلماء، كما يؤيده قوله ﷺ : "لتأخذوا عني مناسككم"، ومن الاتباع فعل ذلك. قال الإمام الشوكاني: "قال النووي وغيره: هذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج وهو نحو قوله ﷺ في الصلاة: صلوا كما رأيتموني أصلي. قال القرطبي: ويلزم من هذين الأصلين أن الأصل في أفعال الصلاة والحج الوجوب إلّا ما خرج بدليل كما ذهب إليه أهل الظاهر وحكي عن الشافعي انتهى" (٢).
стр. 417
وقال الإمام الشوكاني أيضاً "قوله: (ورمى بسبع): فيه دليل على أن رمي الجمرة يكون بسبع حصيات وهو يرد قول ابن عمر ما أبالي رميت الجمرة بست أو بسبع، وسيأتي في باب المبيت متمسَّك لقوله. وروي عن مجاهد أنه لا شيء على من رمى بست. وعن طاوس يتصدّق بشيء. وعن مالك والأوزاعي: من رمى بأقل من سبع وفاته التدارك يجبره بدم وعن الشافعية في ترك حصاة مد وفي ترك حصاتين مدان وفي ثلاثة فأكثر دم. وعن الحنفية: إن ترك أقل من نصف الجمرات الثلاث فنصف صاع وإلا فدم" (١).
فلو شك في عدد الحصيات السبع هل رمى ستاً أو سبعاً مثلاً بنى على الأقل وحقق المطلوب يقيناً (٢).
كما يشترط في الرمي قصد المرمى فلو رمى في الهواء دون أن يقصد رمي الجمرة فوقعت الحصاة صدفة في المرمى لم يعتد بها.
ومن تمام هذا أن لا يقصد الشاخص المنصوب ولا حائط الجمرة معتقداً أنه المرمى بل لا بد من أن يقصد مجتمع الحصى الذي سيأتي بيانه وهو ما بينهما، فلو قصدهما على فعل كثير من الجهلة لم يعتدّ بهذا الرمي وإن كان الزركشي أجازه؛ لأن العامة لا يقصدون بهما إلّا فعل الرمي الواجب، والمفتى به خلافه.
ولا يشترط في الحصاة الاستقرار في المرمى، فلو رمى الجمرة في حدود دائرتها فتدحرجت الحصاة من مجتمع الحصى إلى ما سال من الحصى، أو ذهبت بعيداً، لم يضرّه ذلك، بخلاف ما لو أصابت سائل الحصى ولم تصب مجتمع الحصى فإنها لا تجزئ (٣).
стр. 418
ولو رمى الحصاة فارتمت بالأرض ثم ارتدت فوقعت في المرمى اعتد بها. وكذا فيما لو انصدمت بأي شيء آخر بعنق بعير أو بثوت إنسان أو بمَحْمِل أو حافلة واقفة إلى جانب المرمى ثم ارتدت إلى المرمى أو ردتها إليه الريح اعتد بها على الأصح لحصولها في كل ذلك في المرمى بفعله من غير معاونة بخلاف ما لو وقعت على ثوب إنسان مثلا فنفض هذا الإنسان ثوبه أو وقعت على حافلة فتحركت الحافلة فعادت بفعل ذلك إلى المرمى فإنه لا يعتد بذلك لحصول وصولها إلى المرمى بمعونة (١). قال النووي بعد أن ساق ما سبق: "ولوشك في وقوع الحصاة في المرمى لم يعتد بها على المذهب الصحيح" (٢).
ثالث عشرها: حكم الرمي ووجه اشتراط العدد فيه:
الرمي واجب من واجبات الحج فإن تركه حتى فاتت أيام الرمي عصى ولزمه دم وصح حجه لذلك قال الإمام النووي: "ومتى فات الرمي ولم يتداركه حتى خرجت أيام التشريق وجب عليه جبره بالدم فإن كان المتروك ثلاث حصيات أو أكثر أو جميع رمي أيام
стр. 419
التشريق ويوم النحر لزمه دم واحد على الأصح" (١).
أي إنْ تَرك جميع الجمار بما في ذلك يوم النحر وأيام التشريق لزمه دم واحد لا دماء متعددة وهو ما يؤيده ما رواه البيهقي في السنن الكبرى (٩٧٧٦) عن عطاء بن أبي رباح قال: من نسي جمرة واحدة أو الجمار كلها حتى يذهب أيام التشريق فدم واحد يجزئه.
وبالنسبة لترك حصاة واحدة أو أكثر من حصى جمرة العقبة (٢) أو من إحدى الجمرتين الأولتين في اليوم الأول أو الثاني أو الثالث من أيام التشريق يلزمه بهذا دم لوجوب الترتيب بين الجمرات فيبطل ما بعد الجمرة التي أنقص منها حصاة أو أكثر حتى يأتي بهذا النقص مراعاة للترتيب بين الجمرات الذي هو شرط من شروط صحة الرمي (٣).
أما لو ترك حصاة واحدة من الجمرة الأخيرة في اليوم الأخير (٤) لزمه مد طعام على الأظهر، ولو ترك حصاتين لزمه مدان ورميه السابق صحيح؛ لأن هذه الجمرة هي الثالثة من الجمرات الثلاث فلا يخدش هذا شرط الترتيب (٥).
стр. 420
والخلاصة أن الرمي واجب -كما قلنا- ليس بركن لكن نقل إمامنا النووي عن مالك في رمي جمرة العقبة قال: قال مالك: يفسد حجه (١).
وعن وجه اشتراط العدد أقول: إن العدد شرط في الرمي عند الشافعية تماماً كاشتراط الترتيب في صحة الرمي فيرمي الحاج يوم النحر سبع حصيات كل حصاة برمية كما تقدم بيانه (٢).
رابع عشرها: النيابة في الرمي:
تجب النيابة في رمي الجمار على كل حاج عاجز عن الرمي بنفسه لشيخوخة مانعة تنعت صاحبها بالعجز عن واجب الرمي، أو لمرض أو لحبس (٣) لا فرق في ذلك بين أن يكون العذر مزمناً كالمرض القديم أو طارئاً في أيام الرمي كالمرض الحادث، كما لا فرق بين أن ينيب الحاج غيره عن كل الجمار أو عن بعضها كما لو رمى جمرة العقبة ثم داهمه المرض وإنما يصح ذلك منه لعلة لا يرجى زوالها منه قبل انقضاء زمن الرمي بحيث يغلب على ظنه أن المانع من الرمي سيمتد رواقه إلى غروب شمس آخر أيام التشريق وذلك بإخبار طبيبين عدلين أو طبيب عدل واحد ولو عدل رواية فيجزئه حينئذ أن يستنيب من يرمي عنه (٤).
стр. 421
أما لو أخبره الطبيب الثقة بأن عذره المانع سيزول بإذن الله قبل انقضاء وقت الرمي ولو في نهار اليوم الثالث من أيام التشريق فإن الاستنابة حينئذ تمتنع؛ لأن أيام التشريق كيوم واحد فلا يفوت وقت الأداء إلّا بانقضائها كلها (١).
هذه المسألة لا فرق في جانبها بين الرجال والنساء، إذ ليست الأنوثة نقصاً في المرأة، ولا عذراً يبيح لها الإنابة ما دامت قادرة، وهو ما يلقي بظلاله على أفواج تستمرئ إرسال النساء في حافلات يوم التعجيل إلى مكة، وتفتي - ظلماً وجهلاً - بإنابتهن للرجال! إذ كل هذا باطل لا رصيد له في شرع الله الحنيف.
الشرط الثاني لصحة الإنابة أن يرمي النائب عن نفسه رمي جميع اليوم، ثم يرمي بعده عن مستنيبه، وبالتالي فلا يجوز في فقه السادة الشافعية أن يرمي النائب عن نفسه الجمرة الأولى ثم يرمي عن غيره ثم ينتقل إلى الجمرة الوسطى فيرميها عن نفسه ثم يرمي عن غيره، ثم ينتهي إلى جمرة العقبة فيرميها عن نفسه ثم يرمي عن غيره على عادة ما يجري اليوم من بعض الناس تسهيلاً لأنفسهم فهذا مما لا يجزئ (٢)؛
لأن رمي الجمرات
стр. 422
الثلاث واجب واحد له أجزاء فأشبه الطواف الذي لا يصح أن يطوف فيه عن غيره قبل أن يطوف أجزاء الطواف السبعة، فكذلك هنا لم يجز أن يرمي عن غيره حتى يرمي الأجزاء الثلاثة للرمي وهي، الجمرة الأولى والثانية والثالثة عن نفسه (١).
ولو أن النائب في الرمي خالف هذا الشرط فرمى عن غيره أولاً - أي عن الذي استنابه - لوقع ذلك الرمي عن نفسه كأصل الحج وهو ما نص عليه إمامنا النووي.
ولو صار الحاج عاجزاً عن الرمي وعاجزاً عن الإنابة في وقت واحد كأن أغمي عليه ولم يكن قد أذن لأحد ليرمي عنه لم يجز لغيره أن يرمي له (٢).
أما لو أذن لغيره ثم دخل في سبات أو غيبوبة أو أصابه جنون أو انتهى به مرضه إلى الموت فإنّ رمي نائبه عنه يسري صحيحاً؛ لأن هذه الظواهر من فقد وعي أو ذهاب عقل أو قبض روح لا تبطل بها الاستنابة (٣).
ولو رمى النائب بموجب توكيل العاجز له، ثم زال المانع، وارتفع العجز، وما يزال
стр. 423
الوقت باقيا للرمي، وصالحاً لإعادة المستنيب الرمي بعد رمي النائب عنه فإن المذهب الصحيح أن لا إعادة لهذا الرمي ولو كان في وقت الرمي بقية؛ لأنه فعل تم بناء على توكيل صحيح واستناداً إلى عذر شرعي لكن المذهب أنه يسن الإعادة كما في المجموع (١).
ومن سنن هذه المسألة أنه يسن للمستنيب أن يناول نائبه الحصى إن قدر على ذلك بأن يقف عند الجمرات إلى جانب كل جمرة يقدم له حصيات الجمار بيديه ويشهد نسكه وهو يؤدّى.
كما يسن أن يكبر الحاج عند تقديم الحصى إلى نائبه وهو غير التكبير المشروع عند رمي الجمرات من قبل النائب (٢).
خامس عشرها: فائدة الحكمة من الرمي:
قبل أن نقف أمام الحكمة من الرمي أرى أنه من المستحسن أن نعرج معاً على ما قاله إمامنا النووي في هذا الموضوع:
"في حكمة الرمي: اعلم أن أصل العبادة الطاعة. والعبادات كلها لها معان قطعاً، فإن الشرع لا يأمر بالعبث. ثم معنى العبادات قد يفهمه المكلّف وقد لا يفهمه:
فالحكمة في الصلاة التواضع والخضوع والخشوع وإظهار الافتقار إلى الله تعالى.
والحكمة في الصوم كسر النفس.
وفي الزكاة مواساة المحتاج.
стр. 424
وفي الحج إقبال العبد أشعث أغبر من مسافة بعيدة إلى بيتٍ فضّله الله تعالى وشرفه كإقبال العبد إلى مولاه ذليلاً.
ومن العبادات التي لا تفهم معانيها السعي والرمي فَكُلِّفَ العبد بها ليتم انقياده، فإنّ هذا النوع لا حظّ للنفس فيه، ولا أنس للعقل به، فلا يحمل عليه إلّا بمجرد امتثال الأمر وكمال الانقياد فهذه إشارة مختصرة يعرف بها الحكمة في جميع العبادات والله أعلم" (١).
هذا هو اجتهاد إمامنا النووي، وهو ما وافقه عليه ابن حجر في حاشيته مشيراً إلى استدلال بعضهم إلى أنه لو كان القصد بالرمي النكاية لجاز بنحو النشاب، أو الإهانة لجاز بنحو بعر الحيوان، أو الإكرام لجاز بنحو النقد من الذهب والورق، فلم يبق سوى التعبد المحض فلزم تحرير النص فيه على ذلك (٢).
لكن المسألة في تقديري هي أبعد من هذا وإن كان التعبد لله العنوان البارز في هذه الفريضة المتجددة؛ لأن الحج إلى بيت الله الحرام فيه من الدقائق والأسرار ما لا يحيط به كتاب عالم ولا نظر فقيه ولا بحث عارف فهو المدرسة الراسخة والجامعة المتخصصة والحصن التربوي الفريد حيث أرستْ قواعده وقعّدَتْ مناهجه يد الحكمة الإلهية إحياء لمعان فات على كثير من النفوس تلقيها، وغاب عنهم - بترك التروض بها - جمال معانيها وعمق مقاصدها ونبل مراميها.
أولى تلك الأهداف وأسماها سعي رحلة الركن الخامس بروادها إلى تعريفهم على ربهم تذللاً بين يديه ورقاً، تذوقاً لمعاني العبودية وعتقاً، ولا سبيل إلى
стр. 425
ذلك إلّا بمجاهدة النفس بالكفّ عن الأهواء والحد من الملذات بحيث يتحكم المسلم بدفتها يأخذ منها ما صفا ويدع ما كدر دون أن يشغله شيء منها عن الوصال بمحبوبه الحقيقي وهو الله ﷻ .
ولقد ساح الربانيون من أبناء الأمم السالفة في أنحاء الأرض متجردين لله يكتفون من المتع الدنيوية بالضروري منها زاهدين بما لا يقيم أود حياتهم مؤثرين الانحياز إلى العزلة والتفكر والأنس بالله عن الأنس بالخلق.
ولما جاء الإسلام جدد في هذه الأمة سلوك طريق الآخرة، وجدد في أبنائها سنة التعرف على الله بالمجاهدات بغية أن يقوم خلق المسلم على هذا النهج الذي لا تنقطع فيه غراس الإيمان التي ساحتها العقل عن جذورها التي مستقرها القلب لتبقى روافد التغذية متصلة وعملية الإرواء والتنقية متواصلة لذلك أبدل ربنا جلَّ في علاه سياحة السابقين التي قامت على التجرد من الدنيا لله إلى سياحة أخرى تحاكي الحياة ولا تتجرد عنها، تمتطي صهوتها دون أن تستوحش بها، وما ذاك إلّا لأن الإسلام دين جهاد، ومنهج حياة لذلك أقام المولى الحكيم من فرائض هذا الدين مدارس تخصصية لبناء صلة قوية بين العبد الفقير ومولاه الجليل ثم توج ذلك بمؤتمر الأمة السنوي الذي تحتفل فيه على مستوى القرى والمدن والأقطار والقارات وجعل منه أم الفرائض الإسلامية الذي يشتغل بتعميم الأهداف الإسلامية وترسيخها ونشر عبقها في العالمين.
فالحج إلى بيت الله الحرام رهبانية هذه الأمة، يسيح فيها حجاج بيت الله العتيق من كل فج عميق شعثاً غبراً قاصدين بتواضع ملك الملوك راجين عفوه ومتيمّنين داخل أسوار عرينه جميل صفحه، جالسين على مائدة ضيافته لذلك جاؤوا إليه في سياحة خاصة متجردين عن شارات الدنيا وأمارات الكبرياء مقبلين بتواضع ونشاط على مناسك هذه