← Фикх общий

Фикх общий · id 151185

الركن الخامس

محمد محيي الدين حمادة

Полный текст (520 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

أما لو أخبره الطبيب الثقة بأن عذره المانع سيزول بإذن الله قبل انقضاء وقت الرمي ولو في نهار اليوم الثالث من أيام التشريق فإن الاستنابة حينئذ تمتنع؛ لأن أيام التشريق كيوم واحد فلا يفوت وقت الأداء إلّا بانقضائها كلها (١). هذه المسألة لا فرق في جانبها بين الرجال والنساء، إذ ليست الأنوثة نقصاً في المرأة، ولا عذراً يبيح لها الإنابة ما دامت قادرة، وهو ما يلقي بظلاله على أفواج تستمرئ إرسال النساء في حافلات يوم التعجيل إلى مكة، وتفتي - ظلماً وجهلاً - بإنابتهن للرجال! إذ كل هذا باطل لا رصيد له في شرع الله الحنيف. الشرط الثاني لصحة الإنابة أن يرمي النائب عن نفسه رمي جميع اليوم، ثم يرمي بعده عن مستنيبه، وبالتالي فلا يجوز في فقه السادة الشافعية أن يرمي النائب عن نفسه الجمرة الأولى ثم يرمي عن غيره ثم ينتقل إلى الجمرة الوسطى فيرميها عن نفسه ثم يرمي عن غيره، ثم ينتهي إلى جمرة العقبة فيرميها عن نفسه ثم يرمي عن غيره على عادة ما يجري اليوم من بعض الناس تسهيلاً لأنفسهم فهذا مما لا يجزئ (٢)؛ لأن رمي الجمرات

стр. 422

الثلاث واجب واحد له أجزاء فأشبه الطواف الذي لا يصح أن يطوف فيه عن غيره قبل أن يطوف أجزاء الطواف السبعة، فكذلك هنا لم يجز أن يرمي عن غيره حتى يرمي الأجزاء الثلاثة للرمي وهي، الجمرة الأولى والثانية والثالثة عن نفسه (١). ولو أن النائب في الرمي خالف هذا الشرط فرمى عن غيره أولاً - أي عن الذي استنابه - لوقع ذلك الرمي عن نفسه كأصل الحج وهو ما نص عليه إمامنا النووي. ولو صار الحاج عاجزاً عن الرمي وعاجزاً عن الإنابة في وقت واحد كأن أغمي عليه ولم يكن قد أذن لأحد ليرمي عنه لم يجز لغيره أن يرمي له (٢). أما لو أذن لغيره ثم دخل في سبات أو غيبوبة أو أصابه جنون أو انتهى به مرضه إلى الموت فإنّ رمي نائبه عنه يسري صحيحاً؛ لأن هذه الظواهر من فقد وعي أو ذهاب عقل أو قبض روح لا تبطل بها الاستنابة (٣). ولو رمى النائب بموجب توكيل العاجز له، ثم زال المانع، وارتفع العجز، وما يزال

стр. 423

الوقت باقيا للرمي، وصالحاً لإعادة المستنيب الرمي بعد رمي النائب عنه فإن المذهب الصحيح أن لا إعادة لهذا الرمي ولو كان في وقت الرمي بقية؛ لأنه فعل تم بناء على توكيل صحيح واستناداً إلى عذر شرعي لكن المذهب أنه يسن الإعادة كما في المجموع (١). ومن سنن هذه المسألة أنه يسن للمستنيب أن يناول نائبه الحصى إن قدر على ذلك بأن يقف عند الجمرات إلى جانب كل جمرة يقدم له حصيات الجمار بيديه ويشهد نسكه وهو يؤدّى. كما يسن أن يكبر الحاج عند تقديم الحصى إلى نائبه وهو غير التكبير المشروع عند رمي الجمرات من قبل النائب (٢). خامس عشرها: فائدة الحكمة من الرمي: قبل أن نقف أمام الحكمة من الرمي أرى أنه من المستحسن أن نعرج معاً على ما قاله إمامنا النووي في هذا الموضوع: "في حكمة الرمي: اعلم أن أصل العبادة الطاعة. والعبادات كلها لها معان قطعاً، فإن الشرع لا يأمر بالعبث. ثم معنى العبادات قد يفهمه المكلّف وقد لا يفهمه: فالحكمة في الصلاة التواضع والخضوع والخشوع وإظهار الافتقار إلى الله تعالى. والحكمة في الصوم كسر النفس. وفي الزكاة مواساة المحتاج.

стр. 424

وفي الحج إقبال العبد أشعث أغبر من مسافة بعيدة إلى بيتٍ فضّله الله تعالى وشرفه كإقبال العبد إلى مولاه ذليلاً. ومن العبادات التي لا تفهم معانيها السعي والرمي فَكُلِّفَ العبد بها ليتم انقياده، فإنّ هذا النوع لا حظّ للنفس فيه، ولا أنس للعقل به، فلا يحمل عليه إلّا بمجرد امتثال الأمر وكمال الانقياد فهذه إشارة مختصرة يعرف بها الحكمة في جميع العبادات والله أعلم" (١). هذا هو اجتهاد إمامنا النووي، وهو ما وافقه عليه ابن حجر في حاشيته مشيراً إلى استدلال بعضهم إلى أنه لو كان القصد بالرمي النكاية لجاز بنحو النشاب، أو الإهانة لجاز بنحو بعر الحيوان، أو الإكرام لجاز بنحو النقد من الذهب والورق، فلم يبق سوى التعبد المحض فلزم تحرير النص فيه على ذلك (٢). لكن المسألة في تقديري هي أبعد من هذا وإن كان التعبد لله العنوان البارز في هذه الفريضة المتجددة؛ لأن الحج إلى بيت الله الحرام فيه من الدقائق والأسرار ما لا يحيط به كتاب عالم ولا نظر فقيه ولا بحث عارف فهو المدرسة الراسخة والجامعة المتخصصة والحصن التربوي الفريد حيث أرستْ قواعده وقعّدَتْ مناهجه يد الحكمة الإلهية إحياء لمعان فات على كثير من النفوس تلقيها، وغاب عنهم - بترك التروض بها - جمال معانيها وعمق مقاصدها ونبل مراميها. أولى تلك الأهداف وأسماها سعي رحلة الركن الخامس بروادها إلى تعريفهم على ربهم تذللاً بين يديه ورقاً، تذوقاً لمعاني العبودية وعتقاً، ولا سبيل إلى

стр. 425

ذلك إلّا بمجاهدة النفس بالكفّ عن الأهواء والحد من الملذات بحيث يتحكم المسلم بدفتها يأخذ منها ما صفا ويدع ما كدر دون أن يشغله شيء منها عن الوصال بمحبوبه الحقيقي وهو الله ﷻ . ولقد ساح الربانيون من أبناء الأمم السالفة في أنحاء الأرض متجردين لله يكتفون من المتع الدنيوية بالضروري منها زاهدين بما لا يقيم أود حياتهم مؤثرين الانحياز إلى العزلة والتفكر والأنس بالله عن الأنس بالخلق. ولما جاء الإسلام جدد في هذه الأمة سلوك طريق الآخرة، وجدد في أبنائها سنة التعرف على الله بالمجاهدات بغية أن يقوم خلق المسلم على هذا النهج الذي لا تنقطع فيه غراس الإيمان التي ساحتها العقل عن جذورها التي مستقرها القلب لتبقى روافد التغذية متصلة وعملية الإرواء والتنقية متواصلة لذلك أبدل ربنا جلَّ في علاه سياحة السابقين التي قامت على التجرد من الدنيا لله إلى سياحة أخرى تحاكي الحياة ولا تتجرد عنها، تمتطي صهوتها دون أن تستوحش بها، وما ذاك إلّا لأن الإسلام دين جهاد، ومنهج حياة لذلك أقام المولى الحكيم من فرائض هذا الدين مدارس تخصصية لبناء صلة قوية بين العبد الفقير ومولاه الجليل ثم توج ذلك بمؤتمر الأمة السنوي الذي تحتفل فيه على مستوى القرى والمدن والأقطار والقارات وجعل منه أم الفرائض الإسلامية الذي يشتغل بتعميم الأهداف الإسلامية وترسيخها ونشر عبقها في العالمين. فالحج إلى بيت الله الحرام رهبانية هذه الأمة، يسيح فيها حجاج بيت الله العتيق من كل فج عميق شعثاً غبراً قاصدين بتواضع ملك الملوك راجين عفوه ومتيمّنين داخل أسوار عرينه جميل صفحه، جالسين على مائدة ضيافته لذلك جاؤوا إليه في سياحة خاصة متجردين عن شارات الدنيا وأمارات الكبرياء مقبلين بتواضع ونشاط على مناسك هذه

стр. 426

الفريضة رغم ما يعتريها من جهد وما يصاحبها من مشقة رجاء أن يبلغوا بهذا الانقياد رتبة الحج المبرور الذي ليس له جزاء إلّا الجنة. ضيوف الرحمن يفعلون هذا سواء اهتدت إلى حكمته عقولهم، أو غاب عن ذلك قصورهم لتسليمهم بأن الداعي لهم إلى هذا اللقاء الحاشد هو الله، وليقينهم بأنهم إنما يجيبون بقدومهم نداء مولاهم جلَّ وعلا العلي الكريم والحليم الرحيم المنزه عن العبث فيما يأمر ويحظر، وأنه يكفي في قول لبيك وفعل لبيك أنه يرمز إلى حسن الانقياد وتمام الرضى واليقين والتسليم. لأجل ذلك غلب على فريضة الحج لغة الرمزية التي تنطق بكلام لا حروف فيه، وتعبر ببيان تعجز عن الإحاطة به أقلام الباحثين وبلاغة المتكلمين. إن أولى ما يرمز إليه رمي الجمار هو التذلل والانقياد لتعاليم الله، إظهاراً منه للرق والعبودية، وتشرفاً منه بتجلبب رداء التواضع والامتثال، وانتهاضاً لهمته للاستجابة لأمر الله فيما يستقبله من أيام وما يعترضه فيها من ابتلاء وأحكام، يحكي الرامي هذا بفعله، بعد أن حكاه لسانه بقوله: لبيك حقاً حقاً، لبيك تعبداً ورقاً. وثاني ما نقرؤه في هيئة الرمي هي تلك الرمزية القوية التي يستحضر معها ضيوف الرحمن صورة التزييف والتأبي في حلقة ناطقة باستمرار معركة الصراع بين الخير والشر، والتي من محطاتها ما عرض على إبراهيم ﵇ من أمر الشيطان الذي اعترضه منتصباً عند جمرة العقبة فرماه بسبع حصيات حتى ذهب. إنها إشارة إلى تلك المعركة التي تستعر نارها يومياً بين جنود الحق الداعين إلى الأخذ بتعاليم الإسلام على قاعدة: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَرْضُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وأهل الباطل

стр. 427

المنادين بالاغترار بالأهواء الآسرة، والشهوات الجانحة، واللذائذ الماجنة (١). رمزية رمي الجمار لها أكثر من وجه صحيح: فهي من جانب ترمز إلى التشبه بإبراهيم خليل الرحمن في ثباته أمام ما عرض له الشيطان من تزيين ما حرم الله عليه حين عمد إلى إدخال الشبهة على حجته، أو تسويغ الأمر لمعصية ربه، ومن جانب هي ترمز إلى أن لا حيادية في معركة مصيرية كهذه يمكن للانهزام فيها أن تضيع معه معالم الحق الإبراهيمي وتنزلق قدم العبد عن مدارج المعرفة الإلهية فيخسر بالملهيات لذة تذوقه لمعاني العبودية بين يدي مولاه، وتعرفه عليه، ثم يخسر ـ لا قدَّر الله ـ امتحانه الحقيقي يوم يقف مع الواقفين في عرصات يوم القيامة خالي الوفاض لا عمل ينجيه ولا طاعة يحصد ثمرتها في موقف يفر فيه المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه. ومن جانب آخر هي ترمز إلى أن رضوان ربنا الأعلى هو الهدف المنشود الذي يتقلب في أحضانه العبد المسلم، ويسعى حثيثاً إليه، فهو لله يحيا، ومن أجله يمضي وفي سبيله يفعل كل شيء، ويبذل كل نفيس، لذلك نجده لم يتردد في ارتداء ثياب تشبه الأكفان وفي رمي حصيات في الوقت والوجه المخصوص إرغاماً للشيطان، وإرضاء للرحمن. كما يرمز الرمي إلى تعبئة روح المسلم معنوياً ليملك الزاد الكافي في مواجهته

стр. 428

اليومية مع شياطين الإنس والجن وهي التي تحتاج إلى طاقات متجددة، أمام ابتكار وسائل في الوسوسة جند لها أتباع إبليس كل إنجازات العصر الإعلامية في سبيل تسويقها إلى بني الإنسان. وفي رمي الجمرات رمز للقوة التي أمرت والتي لا تتخلى عن المسلمين في الشدائد، وهي قريبة منهم يشعرون بها ويتلمسون مددها ويستنصرون على العدو بها، لذلك كان التضرع والتبتل طويلاً مع الإلحاح الشديد والتواضع والسؤال وطلب المدد والعون بعد رمي الجمرتين الصغرى والوسطى إشارة إلى هذا المعنى الدقيق. إنَّ رمي الجمار وسيلة تربوية ناجحة تعتمد أسلوب الرمزية في تحقيق المراد وترتكز على إحياء نبذ الحبائل الشيطانية، وطرد مروّجيها الخارجين على سلطان الله المستبيحين لحرماته عن طريق تجسيد الرفض بهذه الصورة المادية الحاضرة ولا أدل على هذا من التكبير الذي يصاحب رمي كل حصاة، ذلك أن الله الذي أنعم على هذا العبد وعلى الوجود الإنساني كله بنعمتي الإيجاد والإمداد هو أكبر في عظمته وسلطانه وسطوته من جميع حشود الباطل مجتمعة التي يخيل لها أنها تتحرك على غير إرادة الله أو أنها قادرة على نسف مراده! وهي في حقيقة الأمر لن تعدو قدرها، وليست أكثر من نملة في كف إنسان تتحرك فيها ظانة أنها تصعد أو تهبط وهي أتفه من أن تقاوم ضم يده إلى بعضها لو شاء فتسحق دونما عناء ولله المثل الأعلى. ثم لماذا يعيب بعض الجهلة نسك الرمي لحصى الجمار وهي تستند إلى أمرٍ إلهي لو كانوا يؤمنون، وإلى لغة فاعلة تحكي ما لا يراه أدعياء البصر والنظر. إن أسلوب الرمزية تتعامل معه حكايات المؤلفين ومسلسلات المخرجين وسياسات الناس في العالمين أفراداً ودولاً على تنوع الثقافات وتباعد القارات، فلماذا

стр. 429

يرى هؤلاء المفتونون وأسيادهم من محترفي الغزو الفكري في لغة الرمزية لدى شعوب وأمم الأرض وسيلة تفاهم وأداة أداء، ثم لا يرون في فريضة الركن الخامس هذا المعنى الحضاري في بلاغته ومقاصده؟ ! (١). إن هذا التوجه الذي اتبعته في البحث عن الحكمة المختفية خلف تلافيف النصوص في الرمي وغيره، تؤيدني فيه إشارات للإمام الغزالي في "الإحياء"، والعلامة ابن حجر في "حاشيته" كما تقوي حجتي مجموعة من الأحاديث الواردة في خصوص الرمي، ناهيك عن قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]، والرمي مشي على هدي أبينا إبراهيم، وتشبه به ﷺ في تأبيه على عرض إبليس، وطرده له، لذلك قال الحليمي: "ينوي عند رميه أنه يجاهد الشيطان، ويقول له: إن ظهرتَ لي حَصَبْتُكَ هكذا، ولو كنتُ حاضراً عندما اعترضتَ للخليل ﵇ تريد إدخال الشك عليه فرماك ودحرك لرميتك مثل رميه هذا. أو أنه رمى الموبقات أو تبرأ منها فليس بعائد إليها" (٢).

стр. 430

روى الإمام البيهقي في شأن عرض الشيطان لأبينا إبراهيم عند الجمرات عن ابن عباس أنه قال بعد أن ساق الحديث: "الشيطانَ ترجمون، وملة أبيكم تتبعون" (١)، وفي هذا إشارة إلى جانب من حكمة رمي الجمار. ويؤيده الحديث الذي سبق ذكره وتخريجه عند الترمذي وأبي داود واللفظ له: "إنما جعل الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله".فهو لون خاص من ألوان ذكر الله تعالى، لذلك روعي فيه حكمة اتباع سيدنا إبراهيم ﵇ وسائر الأنبياء في هذا الذي نسكه الله لنا في الرمي، وهو ما يتكرر في السعي بين الصفا والمروة اقتداء بزوج نبيينا إبراهيم هاجر ﵍. سادس عشرها: ومن المسائل التي هي ذات ارتباط بالرمي في زمانه ومكانه مسألتان اثنتان: الأولى: النزول بمنى، والمبيت فيها. الثانية: زيارة مسجد الخَيف أيام منى. نبدأ بالنزول بمنى، وحكم المبيت فيها: النزول بمنى يوم النحر، والمبيت فيها ليالي التشريق أمر ثابت عن رسول الله ﷺ . روى أبو داود في سننه عن عبد الرحمن بن معاذ عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: خطب النبي ﷺ الناس بمنى، ونزَّلهم منازلهم، فقال: "لينزل المهاجرون ههنا" وأشار إلى ميمنة القبلة، "والأنصار ههنا" وأشار إلى ميسرة القبلة، "ثم لينزل الناس حولهم" (٢).

стр. 431

لذلك ذهب الأئمة الثلاثة إلى وجوب المبيت ليالي منى الثلاث لمن لم يتعجَّل، والمبيت ليلتين لمن تعجَّل فنفر النفر الأوَّل (١). دليلهم فعل رسول الله ﷺ وهو القائل: "لتأخذوا عني مناسككم" (٢). كما أخذوا بحديث عبد الرحمن بن فرُّوخ حين سأل ابن عمر قال: "إنا نبتاع، أو قال: نتبايع بأموال الناس، فيأتي أحدنا مكة فيبيت على المال، فقال: أما رسول الله ﷺ فباتَ، أو قال: قد بات بمنى وظلَّ" (٣). ومن ذلك الأثر الذي يرويه عبد الله بن عمر عن أبيه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قال: "لا يبيتنَّ أحد من الحاج ليالي منى من وراء العقبة" (٤). ومنه ما أخرجه البخاري عن نافع عن ابن عمر ﵄ "أنه ﷺ طاف طوافاً واحداً ثم يقيل، ثم يأتي منى" يعني: "يوم النحر" (٥).

стр. 432

هذا الطواف هو طواف الإفاضة لما جاء في الحديث الآخر عن عائشة ﵂ قالت: "حججنا مع النبي ﷺ فأفضنا يوم النحر" (١)، كما قالت السيدة عائشة في رواية عند أبي داود: "أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلّى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث ليالي التشريق .... " (٢). كما استدلوا على الوجوب بالحديث الذي رواه الشيخان عن ابن عمر ﵄ "أن العباس بن عبد المطلب ـ ﵁ ـ استأذن النبي ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له" (٣). قال الإمام العلامة ابن حجر العسقلاني في وجه الاستدلال بهذا الحديث: "وفي الحديث دليل على وجوب المبيت بمنى، وأنه من مناسك الحج؛ لأن التعبير بالرخصة يقتضي أن مقابلها عزيمة، وأن الإذن وقع للعلة المذكورة، وإذا لم توجد، أو ما في معناها لم يحصل الإذن، وبالوجوب قال الجمهور" (٤). في هذه الأيام المعدودات (٥) يجب على الحاج أن يبيت بمنى معظم الليل (٦)، فإن تركه

стр. 433

لنسيان له، أو جهل بوجوبه، تعين عليه دم شاة جبراً للخلل (١). هذا الدم لا يجزئ عن ترك المبيت في مزدلفة فيما لو ترك معه المبيت بمنى بل يلزمه على ذلك دمان على الأصح (٢). هذا فيمن لا عذر له، أما تارك المبيت بالمزدلفة أو بمنى لعذر، فلا شيء عليه وسيأتي بيان ذلك بعد هذا بعونه تعالى. فإن ترك الحاج مبيت ليلة واحدة فالأصح أنه يجبرها بمدٍّ من طعام (٣)، وإن ترك مبيت ليلتين لزمه مدّان، فإن ترك لياليها الثلاث وجب عليه دم شاة كما قلنا، لكن هذا فيما لو لم ينفر النفر الأول في اليوم الثاني من أيام التشريق؛ لأنه إذا نفر وتعجَّل

стр. 434

عملاً بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]، ثم لم يكن قد بات الليلتين الأولتين من أيام التشريق، فلا يقال في حق هذا: إنه ترك مبيت ليلتين بتعجله، فلزمه مدان! لأنه بهذا التعجيل الذي لم يسبقه مبيت يكون تاركاً لجنس المبيت، لذلك يلزمه دم في هذه الصورة. وذلك بخلاف من تأخر ولم يتعجَّل - وهو الأفضل (١) - بأن كان في منى وقت غروب شمس اليوم الثاني من أيام التشريق (٢) فبات الليلة الثالثة فيها، مع تركه الليلتين قبلها، فإنه في هذه الهيئة يلزمه فقط عن كل يوم مدُّ طعامٍ، ولا دم عليه (٣). وجوب المبيت بمنى خالف فيه الحنفية، فقالوا: هو سنة، وأجابوا عن حديث عائشة ﵂ وغيره، بأنه ﷺ ثبت في منى ليسهل عليه الرمي في أيام التشريق، فليس من أفعال الحج، فتركه عندهم لا يوجب الدم، وهو القول المشهور

стр. 435

عند أحمد (١). مذهب الحنفية وافقهم عليه الشافعي في أحد قوليه وهو القول المرجوح، وأحمد في إحدى روايتيه. كما وافقهم في ذلك ابن عباس والحسن ﵃ (٢). بعد بيان حكم الشرع في مبيت منى، أنتقل بالقارئ الكريم إلى العذر الذي يبيح للحاج ترك المبيت بمزدلفة أو ترك المبيت بمنى، وهو على أقسام: القسم الأول: أهل سقاية العباس الذين أعطاهم رسول الله ﷺ شرف سقاية الحجاج إلى قيام الساعة لا ينزعها عنهم إلّا ظالم. جاء في صحيح البخاري "أن العباس بن عبد المطلب استأذن النبي ﷺ ليبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له" (٣). هذا الإذن بالسقاية لا يختص بالعباس ﵁، ومن قال بذلك فقد نسبه العلامة ابن حجر العسقلاني إلى الجمود، والصحيح أنه يدخل به آل العباس، ويدخل به قومه بنو هاشم، ليشمل العذر بعد ذلك كل من احتاج إلى السقاية أو قام بالعمل بها خدمة لحجاج بيت الله الحرام (٤)، والعلة في ذلك انشغاله في إعداد الماء للشاربين، وهذا عام في آل العباس وغيرهم (٥). عذر السقاية عن واجب المبيت مرده أنّ شغل السقاة يتم ليلاً غالباً في عادة تلك

стр. 436

الأيام، بسبب طبيعة المناخ القاسية نهاراً، لكن لو اشتغلوا بها نهاراً وأمكنهم العود إلى منى ليلاً فلا يسقط عنهم المبيت، بخلاف ما لو اشتغلوا بها نهاراً وكانوا بحيث لا يمكنهم العود إليها في الليل (١). ومن الأحاديث الواردة في سقاية الحجاج ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن بكر بن عبد الله المزني قال: "كنت جالساً مع ابن عباس عند الكعبة فأتاه أعرابي فقال: ما لي أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون النبيذ؟ ! أمن حاجة بكم أم من بخل؟ فقال ابن عباس: الحمد لله ما بنا من حاجة ولا بخلٍ. قدم النبي ﷺ على راحلته، وخلفه أسامة، فاستسقى فأتيناه بإناء من نبيذ (٢)، فشرب وسقى فضله أسامة، وقال: أحسنتم، وأجملتم كذا فاصنعوا (٣)، فلا نريد تغيير ما أمر به رسول الله ﷺ " (٤). وفي هذا الحديث دليل لما قاله الشافعية من استحباب أن يشرب الحاج وغيره من نبيذ سقاية العباس (٥). القسم الثاني: رِعاء الإبل وهم في مقدمة أصحاب الأعذار. روى الإمام البيهقي بسنده عن أبي البدّاح بن عاصم بن عَدِيٍّ أخبره عن أبيه "أن رسول الله ﷺ أرخص لرعاء

стр. 437

الإبل في البيتوتة يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد (١)، ومن بعد الغد ليومين، ثم يرمون يوم النفر" (٢). ورواه كذلك بسنده هذا "أن النبي ﷺ رخَّص للرِّعاء أن يرموا يوماً، ويَدَعُوْا يوماً". كما روي عن ابن وهب قال: أخبرني ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح "أنَّ رسول الله ﷺ رخَّص لرِعاء الإبل أن يرموا بالليل" (٣). وعن عطاء بن أبي رباح قال: سمعت ابن عباس يقول: قال رسول الله ﷺ : "الراعي يرمي بالليل، ويرعى بالنهار" (٤). وعن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر- ﵄ "أن النبي ﷺ رخَّص للرعاة أن يرموا بالليل" (٥). لهذه الأحاديث، جزم الجمهور بإلحاق رعاء الإبل بأهل السقاية (٦). وعند الشافعية لا فرق بين أن يكون الراعي مالكاً أو أجيراً أو متبرعاً (٧).

стр. 438

وشرط الراعي - كما في أهل السقاية - أن يتعسَّر عليه العود إلى منى (١)، أو يخشى من فراق الإبل ضياعها، ولو بسبب الجوع؛ أو لأنها لا تصبر على تقصير من يتعهدها ويرعاها تماماً كما لو خشي المتعهد على المريض تأذياً فيما لو فارقه، كما سيأتي (٢). فرِعاء الإبل يجوز لهم ترك المبيت بعذر الرعي ليالي منى جميعها، ولهم ترك رمي اليوم الأول من أيام التشريق بعد أن غادروا منى عقب رمي جمرة العقبة يوم النحر، وحينئذٍ يعودون إن استطاعوا في اليوم الثاني من أيام التشريق للرمي عن يومين بشرط الترتيب الذي ذكرناه، فإن لم يتح لهم الخروج إلى منى في اليوم الثاني من أيام التشريق جاز لهم الذهاب إلى موضع الجمرات، ورميها بالترتيب المشروط في اليوم الأخير من أيام التشريق؛ لأن ترك رمي يومين متتاليين لا يضر عند الشافعية سواء في ذلك المعذورون أو غير المعذورين؛ لأن غير المعذورين إذا جاز لهم ذلك، فالمعذورون لهم التأخير إلى ما قبل غروب شمس آخر أيام العيد من باب أولى، وكل هذا مبني على ما صححه فقهاء الشافعية من بقاء وقت الرمي أداء إلى آخر أيام التشريق. أما إن اشتغل أهل الرِّعاء بالإقامة بمكة اليوم الثاني من أيام التشريق- من جهة أن عملهم ينقطع ليلاً غالباً بخلاف أهل السقاية - فإنهم (٣) يبيتون في منى الليلة الأخيرة على سبيل الوجوب، ويرمون بعد زوال الشمس اليوم الأخير. أما إن لم يتح لهم الإقامة بمنى بسبب احتياجات شغلهم فلا يجب عليهم المبيت

стр. 439

حينئذ كأهل السقاية (١). القسم الثالث: كل من له عذر بسبب آخر غير هذين القسمين، فقد توسع الشافعية في أمره فقاسوه على أهل السقاية، لذلك جزمتْ كتبهم بإلحاق من له مال يخاف ضياعه، أو مريض يتعهده (٢) يخشى إن تركه لأجل المبيت فوت مصلحته، أو كان مريضاً يشق معه المبيت، أو اشتغل عن ليالي منى بطلب عبد آبق أو بالبحث عن ضالة يرجوها. ومن الأعذار ما لو كان مديناً لآخر بمال ويخاف من غريمه حبساً، ولا بينة له تشهد بعسره، ومثله ما لو كانت تنتظره عقوبة يرجو بغيبته العفو عنها، ويلحق بذلك ما لو عجز عن لباس لائق به، وإن كان عنده ما يستر به عورته وكذا خوفه إن بات ثَمَّ من سفر رفقته (٣). بناء على ما ذكره الشافعية فإن الحجاج الذين تقدمت بهم السن بحيث يشق معهم المبيت بمنى، يسقط عنهم ذلك المبيت، وكذا من يحتاجونه لتعهد شؤونهم ولو لم يكن طبيباً أو قريباً أو صديقاً، ولو لم يشرف أحدهم على الموت بل أولئك يعذرون من باب أولى (٤)؛ لأن الشافعية ذكروا هذا في أعذار صلاة الجماعة ومنها الجمعة، وهي واجب

стр. 440

عيني كالمبيت بمنى، ومع ذلك فقد قالوا: إنَّ مجرد استئناس المريض بشخصٍ عذرٌ يسقط عنه الجماعة والمبيت ولو كان للمريض متعهد يرعاه (١). وبناء على ذلك فإن الحجاج من أطباء المستشفيات والمراكز الإسعافية في مكة يعذرون بترك المبيت إن كان لديهم ما يشغلهم، ومثل هؤلاء الحجاج من موظفي الفنادق والأبنية المستأجرة وكذا من له مال أو أودع عنده مال يحفظه ويخشى من ضياعه (٢)، ومن باب أولى إن خاف الحاج على نفسه لأي سبب من الأسباب، وهو نص عبارة إمامنا النووي الذي قال: "أو يخاف على نفسه، أو مالٍ معه ... " (٣). وبناء عليه فإنَّ الحاج لو اشتغل عن المبيت بمنى بطواف الإفاضة كان ذلك عذراً له، وهو نظير ما قاله الفقهاء في عذر المشتغل عن المبيت بالمزدلفة بالوقوف بعرفة (٤)، وكلا المسألتين مما نصَّ عليه الشافعية (٥).

стр. 441

وبناء عليه فإن من أقوى أعذار ترك المبيت بمزدلفة أو بمنى خوف مجيء حيض يمتد لرحيل الرُّفقة، فيتعذر معه طواف الإفاضة، فتتضرر المرأة حينئذ بطول ملازمتها للإحرام. قال العلامة ابن حجر بعد أن ساق هذا: "بل هذا أولى من بعض أعذار ذكروها" (١). المسألة الثانية: زيارة مسجد الخيف أيام منى: في هذه المسألة أجد من الخير تقديم نقل موثق عن الإمامين النووي وابن حجر في فضل ذلك، وفضل مسجد الخيف، وما حوله: قال الإمام النووي في شرح الإيضاح في مناسك الحج: "يستحب له الإكثار من الصلاة في مسجد الخيف (٢)، وأن يصلي أمام المنارة عند الأحجار التي أمامها فقد روى الأزرقيُّ أنه مصلّى رسول الله ﷺ ، ويستحب أن يحافظ على صلاة الجماعة فيه مع الإمام في الفرائض، وقد روى الأزرقيُّ في فضل مسجد الخيف والصلاة فيه آثاراً" (٣). وقال العلامة ابن حجر الهيتمي في حاشيته حول كلام النووي: " (قوله: أمام المنارة عند الأحجار التي أمامها): المراد بها المنارة المتصلة بالقبلة المستجدة بالمسجد سنة أربع وسبعين وثمانمائة التي وسَط المسجد، لا المنارة التي على بابه، ومحراب هذه القبة هو محل تلك الأحجار التي كانت أمام المنارة، وبقربها قبر آدم

стр. 442

- ﷺ كما أخرجه أبو سعيد في شرف النبوة". ثم قال العلامة ابن حجر عقب ذلك مباشرة: " (قوله: ويستحب أن يحافظ إلخ): أي: لخبر الترمذي وابن حبان في غير صحيحه عن يزيد: شهدت الصلاة مع النبي ﷺ في حجة الوداع، فصليت معه الصبح بمسجد الخيف .. الحديث، وأخرج أبو سعيد كالأزرقي عن ابن عباس ﵄ أنه صلّى فيه سبعون نبياً، وعن مجاهد: خمسة وسبعون، وأنه قال: فإن استطعت أن لا تفوتك الصلاة فيه فافعل". ثم قال العلامة ابن حجر بعد ذلك بأسطرٍ: "ومن المواضع المشهورة بمنى الغار الذي صح أن المرسلات أنزلت على النبي ﷺ فيه، قال الطبري: وهو مشهور بمنى خلف مسجد الخيف في نحو الجبل مما يلي اليمين، كذلك يؤثره الخلف عن السلف. والسَّرْحة التي بين الأخشبين من منى لخبر مالك والنسائي وغيرهما عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ يقول: "إذا كنت بين الأخشبين من منى ـ ونفخ بيده نحو المشرق ـ فإن هناك وادياً يقال له وادي السرر، به سَرْحة (١) سُرّ تحتها سبعون نبياً"، أي: قطعت سررهم تحتها عقب ولادتهم، والسرر مثلث السين جمع سره وهي الباقي بعد القطع. ومسجد كبش إسماعيل صلى الله على نبيّنا وعليه وسلم، فقد أخرج الأزرقي أن الكبش هبط من ثبير على العرق الأبيض

стр. 443

الذي على باب شعب علي كرَّم الله وجهه. وروي أن إبراهيم ﵇ أخذه وذبحه على الصفا الذي بأصل الجبل على باب الشعب المذكور وعليه بنت لبابة بنت ابن ابن عباس المسجد المعروف الآن بمسجد الكبش" (١). * * *

стр. 444

الهدي والأضاحي والكفارات قال جابر ﵁: "ثم انصرف إلى المنحر (١)، فنحر ثلاثاً وستين بيده (٢)، ثم أعطى علياً فنحر ما غبر (٣)، وأشركه في هديه (٤)، ثم أمر من كل بدنة بِبَضْعَةٍ (٥) فَجُعِلَتْ في قِدْرٍ فَطُبِخَتْ، فأكلا لحمها، وشربا من مرقها (٦) ": سَوْقُ الهدي من الحلّ إلى الحرم سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ ، ولقد ساق نبيُّنا صلوات الله وسلامه عليه معظم هديه معه من ذي الحليفة حتى بلغ به حرم مكة، ومن هناك حمله إلى عرفة، ومنها ساقه إلى مزدلفة حتى انتهى به الأمر إلى حيث المنحر في منى (٧)، بينما ساق عليّ سائر الهدي معه من اليمن.

стр. 445

والهدي شعيرة بارزة من شعائر هذا الدين تحت سقف الركن الخامس، بتصريح البيان الإلهي في سورة [الحج: ٣٦] بأنها بعض شعائر الله: ﴿وَالْبُدْنَ (١) جَعَلْنَاهَا لَكُمْ

стр. 446

مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ (١) لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ (٢) فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا (٣) صَوَافَّ (٤) فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا (٥) فَكُلُوا مِنْهَا (٦)

стр. 447

وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ (١) كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢) (٣٦) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا (٣) وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ (٤) كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ هذه السنة المؤكدة في سوق الإبل كانت موضع اهتمام السلف الصالح وعلى رأسهم إمام السلف والخلف محمد رسول الله ﷺ الذي نحر ثلاثاً وستين بدنة بيديه الشريفتين، وأناب ابن عمه علياً لنحر ما غبر منها، أما اليوم فقد أعرض أكثر الناس أو كلهم عن ذلك، وربما السبب في هذا قدومهم بوسائل نقل حديثة يستحيل في معظمها سوق الهدي إلى الحرم، مما دفعهم إلى البحث عن البديل وهو الحصول على الهدي مما يجلبه المتخصصون إلى مكة من إبل وبقر وغنم وشياه من أنحاء الأرض، في تساهل واضح بِجُلّ السنن المرتبطة بهذا النسك كنحر أو ذبح الهدي من قبل صاحبه، وتقليده وإشعاره وغير هذا من المستحبات والأحكام التي سنأتي عليها. ومما زاد الطين بلة بلوغ التساهل عندهم إلى درجة من الّلامبالاة ضاعت فيها

стр. 448

أموالهم وتاهت في تضاريسها سنة نبيهم، حين تسلل خفافيش الظلام إلى سدة الفتوى، ومحراب الأمانة وهم عن العلم والثقة بمعزل! . ولا يعجلنَّ قارئ علي بتهمة التجني، أو إساءة الظنّ بأحد من المسلمين فإنني لم أستق هذا من خيالي أو بنات أفكاري ولم أندفع إلى تدوينه أو التحذير منه في المجالس الخاصة والعامة بباعث التسرع في إطلاق الأحكام (١)، كما أنني لا أعتمد سياسة التعميم لكل من تصدى للإفتاء في فوج أو تقلد أمانة التشريف بين مجموعة من ضيوف الرحمن؛ لأن من هؤلاء صادقين موفقين أرجو من الله أن تتنامى ظاهرتهم في رحاب هذه الفريضة المباركة، لكن في المقابل هناك من يعبث بأحكام رب العزة، وبحقوق ضيوفه الكرام، مستغلاً ظاهرة الصفاء الروحي التي ينعم بها رواد البيت الحرام، وما ينبثق عنها من مبالغة بالثقة لكل من يغدو ويروح في ساحة الركن الخامس. إننا عندما نتذكر بأن الهدي إلى بيت الله الحرام هو شعيرة من شعائر هذا الدين، وأن تعظيم شعائر الله هو من تقوى القلوب، وأن التقصير في هذا الجانب هو من غشٍ ونفاق يلفّها، فإن المسلم حينئذٍ يعلم حجم المسؤولية المنوطة به أمام الله، وتجاه فريضة وبيت الله، لذلك بادرت في فوج اليمان إلى رفض أي توكيل لأي شخصية تحسبُ عليَّ في إطار الفوج في مسألة الهدي والأضاحي، واقتصرت على مناشدة كل مجموعة من الحجاج بترشيح

стр. 449

مندوب منها لم يسبق له التعرّف عليَّ قبل هذه الرحلة مشهود له بالنزاهة والمكانة بين بني قومه، حيث يقوم هؤلاء المرشحون بجمع المال الخاص بدماء الهدي والكفارات والأضاحي، ثم يتحركون في مجموعة واحدة إلى أحد البنوك ذات الكفاءة والتخصص في هذا المضمار، وهناك يقدمون لائحة بأسماء الحجاج الباذلين للمال جنباً إلى جنب مع المال الذي بذلوه، حيث يتم استصدار شيكات نظامية توثق هذا الإجراء كلٌّ باسم صاحبه، ومن ثم يتم توزيعها بحضور كامل حجاج الفوج وبالاسم الشخصي وعلى الملأ، كل هذا حرصاً مني على الدفاع عن نزاهة وشرف وكرامة ركن من أركان الإسلام يجب علينا جميعاً أن نذود عن حياضه كرامة لله ولرسوله ولحرمه الآمن وللمؤمنين. إن إعراض الناس اليوم عن هذه السنة المؤكدة عن تقصير منهم، أو لطروء عوامل مانعة من هذا التدبير، لا يلغي هذه الشعيرة، وهي الثابتة في كتاب الله، والمعمول بها في حياة رسول الله ﷺ ، والسلف الصالح، لا سيما وأن الترك ليس لشعيرة البدن والأضاحي والكفارات، فهذه لا تزال تحيا بيننا إلى اليوم، وإنما التخلف واقع على طريق وصول الهدي إلى مكة، فلم يعد يسوقه الحجاج، أو يرسلون من يسوقه لهم إلى مكة، وهو ما يعني أن الأحكام المرتبطة بها من النحر والذبح، ومن صفة الهدي والأضحية، لم تتغير، والذي تأثر هو الزمن الذي فيه نمتلك الهدْيَ وما يتبعه من أعمال حتى الوصول إلى مكة المكرمة، حيث انتقل من يوم مغادرة الحاج لبلده صوب البيت الحرام إلى يوم النحر بمنى (١)، لذلك لا يسعني إلّا أن أقف أميناً مع العنوان القرآني

стр. 450

﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ متناولاً ما يندرج تحت سمائه من مسائل: المسألة الأولى: البُدْن وما يلحق بها من الهدي للبقر والغنم والشياه شعيرة من شعائر الله يجب تعظيمها لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢]. والشعائر كما يقول المفسرون جمع شعيرة وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم عنه، ومنه شعار القوم في الحرب؛ أي: علامتهم التي يتعارفون بها (١). وعلى هذا شعائر الله أعلام دينه، لاسيما ما يتعلق بالمناسك، وهو ما يدخل فيه هنا إشعار البدنة إعلاماً بأنها هدي، والمراد به شق الجلد من صفحة سنامها اليمنى حيث يلطخها بجزء من دمها ليعلم من رآها أنها هدي فلا يتعرض لها ببيع ولا بغيره (٢). وفي هذا الإشعار تخفيف عن ضغط الدم الذي تلاقيه الإبل تحت حرّ صحراء الجزيرة العربية، فهو أشبه ما يكون بالحجامة فليس في هذا مُثلة؛ لأنه فعل رسول الله ﷺ ؛ ولأن المثلة إنما تأتي من حيث إفحاش الجرح، وهذا ممنوع كما نصّ على ذلك فقهاء الشافعية؛ لأن الرحلة رحلة سلام، ولأن الحكمة أن يعلم الناس أن هذا هدي كما قلنا، لا أن تؤذى الإبل، لذلك قال بعض الشافعية: الإشعار خاص بالسفر القريب كالمدينة المنورة، لئلا يمرض الحيوان أو يتلف (٣).

стр. 451

هذا وإشعار الإبل والبقر ذهب إلى سنيته الشافعية والحنبلية والمالكية (١). ومن الإشعار تقليد الهدي بنعلين إشهاراً لأمر هذه الذبائح بأنها نسك وعبادة، وما كان كذلك فيليق به الإظهار، بخلاف ذبائح الجنايات ـ الكفارات ـ والإحصار؛ لأن الجناية يليق بها السِّتر، وهذا باتفاق فقهاء الشافعية والحنفية (٢). واستحب الشافعية أن يكون للنعلين قيمة؛ ليمكنه التصدق بهما عند انتهاء المهمة في منى. أما عن إشعار التقليد، فهو وإن كان للإشهار بأمر العبادة وهذا من تعظيم شعائر الله إلّا أنه يشير إلى حقارة الدنيا، وأنها إلى الزوال (٣)، وأن الفائدة فيها هي بالنسبة لمن امتطى صهوتها للوصول إلى آخرته، فانظر إلى مائة من الإبل ساقها رسول الله ﷺ كم تساوي من الثمن الباهظ، كيف نحرها، وتصدق بلحمها، وكان له منها فقط بضع لقيمات، فهل هناك أبلغ من ذلك على هذا. إن وضع القلادة للإبل والبقر والغنم ومثلها الإشعار، أمر ثابت عن رسول الله ﷺ . جاء في صحيح البخاري أن النبي ﷺ "خرج زمن الحديبية في بضعَ عشرةَ مائةً من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلَّد النبي ﷺ الهدي، وأشعر وأحرم بالعمرة" (٤).

стр. 452

وعن عائشة ﵂ قالت: "فَتَلْتُ قلائد بدن النبي ﷺ بيدي، ثم قلَّدها وأشعرها، وأهداها فما حرم عليه شيء كان أحل له" (١). وعن نافع قال: كان ابن عمر ﵄ إذا أهدى من المدينة قلَّده وأشعره بذي الحليفة، يطعن في شقِّ سنامه الأيمن بالشَّفرة، وَوَجْهُهَا قِبَلَ القبلة باركة (٢). وجاء في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: "أهدى رسول الله ﷺ مرَّة إلى البيت غنماً فقلَّدها" (٣). قال الإمام النووي في مجموع هذه الأحاديث ونظرائها: "فيه دليل على استحباب الجمع بين الإشعار والتقليد في البدن، وكذلك البقر، وفيه أنه إذا أرسل هديه أشعره وقلده من بلده. ولو أخذه معه أخّر التقليد والإشعار إلى حين يحرم من الميقات" (٤). كما قال النووي في الغنم: "وإن ساق غنماً استحب أن يقلدها خُرَب القِرَب، وهي عراها وآذانها، ولا يقلدها النَّعْل ولا يشعرها، لأنها ضعيفة" (٥). وقال في عموم ذلك: "ويكون تقليد الجميع، والإشعار وهي مستقبلة القبلة، والبدنة باركة (٦) ". بقي أن نعلم في هذه الفِقْرة أنه لا يجزئ في الهدي المطلق إلّا ما يجزئ في الأضحية

стр. 453

المطلقة، وذلك كالتالي: أولاً: لا يجزئ من الضأن إلّا الجَذَع منها، وهو الذي أتم سنة كاملة، أي: ودخل في الثانية، أو سقط مقدم أسنانه قبل أن يتم السنة الأولى. ومن باب أولى يجزئ ما فوق الجذع من الضأن، وهو الأصل، وهو الأفضل كما سيأتي بعد أسطر عند البحث عن دليل ذلك. ولا يجزئ في المعز والبقر إلّا الثَنِيُّ منها، وهو ماله سنتان تامتان. كذلك لا يجزئ في الإبل إلّا الثنيُّ منها، لكن الثني من الإبل هو ما له خمس سنين تامة، وهو ما عبر عنه بعض الفقهاء بقوله: وطعن في السادسة. ويجزئ مطلقاً ما كان فوق الجذع والثني، وهو المستحسن كما يجزئ كل من الذكر والأنثى (١). ومذهب الشافعية والجمهور أن أفضل الأنواع البدنة ثم البقرة ثم الضأن ثم المعز؛ لأن البدنة والبقرة تجزئ عن سبعة، وأما الشاة فلا تجزئ إلّا عن واحد. وقال مالك: الغنم أفضل؛ لأنه أطيب لحماً (٢). واعلم أن سبع شياه أفضل من اشتراك سبعة على بدنة أو بقرة، كما أن شاة جيدة سمينة أفضل من شاتين بقيمتها. أقول: لذلك أجمع العلماء على استحباب سمين الأضحية والهدي وطيبها (٣). قال الإمام النووي بعد أن ساق ذلك: "واختلفوا في تسمينها: فمذهبنا ومذهب الجمهور استحبابه، وفي صحيح البخاري عن أبي أمامة: كنا نسمن الأضحية، وكان المسلمون يسمنون. وحكى القاضي عياض عن بعض أصحاب مالك كراهة ذلك

стр. 454

لئلا يتشبه باليهود، وهذا قول باطل" (١). وفي دليل ضابط إجزاء النَّعَم روى مسلم في صحيحه عن جابر قال: "لا تذبحوا إلّا مسنّة إلّا أن يعسر عليكم، فتذبحوا جَذَعَة من الضأن" (٢). قال الإمام النووي في شرحه على هذا الحديث: "قال العلماء: المسنة هي الثنية من كل شيء من الإبل والبقر والغنم فما فوقها، وهذا تصريح بأنه لا يجوز الجذع من غير الضأن في حالٍ من الأحوال" (٣). والشرط في الإجزاء أن لا يكون فيها معيب بعيب يؤثر في نقص اللحم تأثيراً بيناً، فيدخل في ذلك المرض؛ لأنه يؤدي إلى هزالها، والجربُ وإن كان يسيراً، وإن رجي زواله؛ لأنه يفسد اللحم والودك (٤) وينقص القيمة، وشديدةُ العرج كذلك بحيث تسبقها الماشية وإن حدث العرج تحت السكين (٥)، ومثله من باب أولى انكسار بعض الأعضاء. ولا تجزئ المجنونة وهي التي لا تهتدي إلى المرعى؛ لأن هذا يؤثر على رعيها فيقل لحمها، كما أنه ينقص من قيمتها. ولا تجزئ العمياء لذات العلة، ولا العوراء وهي التي ذهب ضوء إحدى عينيها بخلاف العمشاء؛ لأنها تهتدي، إذ العمش ضعف في الرؤية مع سيلان الدمع في أكثر الأوقات، لكنه ليس انعداماً لها، ومثلها العشواء؛ لأنها تهتدي نهاراً. ولا تجزئ مقطوعة الأُذُن وإن قلَّ، وإن كان ذلك في أصل الخلقة، كما لا تجزئ

стр. 455

مقطوعة اللسان أو الضَّرْع، أو الألية، لكن تجزئ مخلوقة بلا ضرع أو ألية أو ذنب، وفارقت المخلوقة بلا أُذُن بأنها عضو لازم غالباً بخلاف تلك الثلاثة. ولا يؤثر فوات خصية وقرن؛ لأنه لا ينقص اللحم، بل الخِصاء يزيده، لذلك قالوا: الذكر أفضل من الأنثى إن لم يَكْثُرْ نزوانُه، فإن كثر نزوانه فالأنثى التي لم تلد أفضل؛ لأن الولادة والنزوان يؤثران في نقص اللحم (١)، ثم قالوا: والخِصِيُّ أفضل من ذكر ينزو، وذكر لا ينزو أفضل من الخصي وكل ذلك من حيث التأثير في اللحم زيادة وإنقاصاً، وكله تفريع عن أفضلية السمين والطيب اللحم، كما أن ذلك مأخوذ من مدلول الخبر الصحيح الذي رواه الخمسة وصححه الترمذي: "أربع لا تجزئ من الأضاحي: العوراء البيِّن عورها، والمريضة البيّن مرضها، والعرجاء البين عرجها، والعجفاء البين عجفها". والعجفاء هي التي اشتد هزالها حتى ذهب مُخّها، ومن هنا قالوا: لا تجزئ التي ذهب جميع أسنانها وإن لم يؤثر في نقص اللحم؛ لأنه علامة الضعف المنهي عن مثله في الحديث. هذا والله تعالى أعلم (٢). ولو نذر شاة أضحية ثم ولدت، أو ولد الهديُ المنذور لزمه ذبح الولد معها سواء

стр. 456

كان حملاً يوم النذر أو حملت به بعده (١). المسألة الثانية: جواز ركوب البدن إن احتاج إلى ذلك، وترك ركوبها إن زالت الحاجة. هذا ما قاله الفقهاء، لذلك جاء لفظ الشافعي الذي نقله عنه ابن المنذر، وترجم له البيهقي: "يركب إذا اضطر ركوباً غير فادح" (٢)، كما أطلق ابن عبد البر كراهة ركوبها لغير حاجة عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأكثر الفقهاء (٣). دليل الفقهاء ما رواه الشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ "رأى رجلاً يسوق بَدَنَهً، فقال: ارْكبها، فقال: إنها بدنة، فقال اركبها. قال: إنها بدنة، قال: اركبها، ويلك، في الثالثة أو في الثانية" (٤). ودليل التقييد ما أورده مسلم في صحيحه عن أبي الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله سئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: "اركبها بالمعروف إذا أُلجِئْتَ إليها حتى تجد ظهراً" (٥). وكما يجوز الركوب لحاجة فقد أجاز الفقهاء الحمل على البُدْن بشرطه المذكور، ويضمن إن حدث نقص ظاهر. قال الإمام الشوكاني: "وقد وافق أبا حنيفة الشافعيُّ على ضمان النقص في الهدي الواجب" ثم قال في جواز الحمل عليها: "وله شاهد مرسل عند سعيد بن منصور بإسنادٍ صحيح رواه أبو داود في المراسيل عن عطاء قال: كان النبي ﷺ

стр. 457

يأمر بالهدية إذا احتاج إليها سيدها أن يحمل عليها أو يركبها غير منهكها. واختلف من أجاز الركوب هل يجوز أن يجعل عليها متاعه؟ فمنعه مالك وأجازه الجمهور وهل يحمل عليها غيره؟ أجازه الجمهور أيضاً على التفصيل المتقدم ونقل عياض الإجماع على أنه لا يؤجرها. واختلفوا أيضاً في اللبن إذا احتلب منه شيئاً: "فعند العترة والشافعية والحنفية يتصدق به، فإن أكله تصدق بثمنه، وقال مالك: لا يشرب من لبنه، فإن شرب لم يغرمْ" (١). وكذا الأضحية المنذورة فله أن يركبها ويعيرها لمن يركبها دون إجارتها لكن له أن يشرب من لبنها ما فضل عن كفاية ولدها، ولو تصدق به كان أفضل (٢). المسألة الثالثة: هل تذبح البدن على الطريق إن هي عطبت؟ يفرَّق في الهدي بين أن تكون نذراً أو تطوّعاً: فإن كانت نذراً، فقد صار واجباً عليه أن يرعاها ويحفظها حتى تصل إلى بيت الله، وينحرها في منحر منى، أو في أي موضع من الحرم شاء، وبالتالي فإن يده عليها حتى ينحرها لا تُسَلّطُ على نذره بيعاً أو أكلاً، فليس له أن يتصرف فيها إلّا في الأمانة والإشراف كما لو كانت بين يديه وديعة، فهي بالنسبة إليه كالمودَع عنده، فإن فرط فيها ضمن، لذلك قال الفقهاء: إن كلّت البدنة المنذورة، وأعيت ووقفت بحيث نالها العطب في الطريق وجب عليه ذبحها والتصدق بها على المساكين، أو التخلية بينها وبين المساكين على الوجوب، ولا يجوز لصاحب الهدي الأكل من شيء منها مهما كان قليلاً، ولا لرفقته الذين معه في الركب سواء كان الرفيق مخالطاً له أو في جملة الناس من غير

стр. 458

مخالطة (١). قال الإمام النووي في تعليل ذلك: "والسبب في نهيهم قطع الذريعة لئلا يتوصل بعض الناس إلى نحره، أو تعييبه قبل الناس" (٢). كما قال الفقهاء: إنْ ذبحَ الهدي المنذور غمسَ النعلين اللتين قلّد بهما الهدي سابقاً، في دم الهدي الذي نحره أو ذبحه ثم ضرب بهما صفحة السنام، ثم يتركه ليعلم بذلك من مرَّ به أنه هدي فيأكله إن كان فقيراً أو مسكيناً؛ لأنه مستحق المساكين والفقراء من غير رفقة القافلة كما قلت لك (٣). دليل ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس أنَّ ذُؤَيْبَاً أبا قُبَيْصَةَ حدّثه أن رسول الله ﷺ كان يبعث معه بالبدن ثم يقول: "إنْ عَطِبَ منها شيء فَخَشِيْتَ عليه موتاً فانحرها، ثم اغمس نعلها في دمها، ثم اضرب به صفحتها، ولا تَطْعَمْها أنت ولا أحد من رُفقتك" (٤). وروى الترمذي في سننه عن ناجية الخُزَاعيّ، صاحب بُدْنِ رسول الله ﷺ قال: "قلت يا رسول الله: كيف أصنع بما عَطِبَ من البُدْنِ؟ قال: انحرها، ثم اغمِسْ نعلها في دمها، ثم خلِّ بين الناس وبينها، فيأكلوها" (٥). أما إذا كان الهدي هدي تطوع أي ليس نذراً فقد قال إمامنا الشافعي: له أن يفعل فيه ما يشاء من بيع وذبح وأكل وإطعام وغير ذلك، وله تركه، ولا شيء عليه في كل ذلك؛ لأنه

стр. 459

مِلكه (١). المسألة الرابعة: متى يدخل وقت النحر والذبح للهدي والأضحية والكفارة؟ لا يجوز النحر لغير دماء الكفارات قبل يوم النحر بالإجماع (٢)، لكن هل يدخل نحر البدن بالفجر أو بطلوع الشمس يوم النحر؟ وهل يشمل ذلك الأضحية أيضاً؟ قال الشافعية: وقت ذبح الأضحية والهدي (٣) المطوّع بهما، والنذر يدخل بعد أن تطلع الشمس ويمضي على طلوعها قدر صلاة العيد بركعتين خفيفتين، وخطبتين خفيفتين بأن يعتبر بأقل ما يجزئ سواء صلى الإمام أم لم يصلِّ، وسواء صلَّى المضحي أم لم يصلِّ (٤). قال الإمام النووي: "والأفضل أن يذبح عقيب رمي جمرة العقبة قبل الحلق" (٥). وعلى هذا نجد أن بداية وقت الذبح أو النحر يدخل بطلوع شمس يوم النحر وفق الضابط المذكور (٦)، أما نهاية الزمن الممتد له فيدخل بغروب شمس آخر يوم من أيام

стр. 460

التشريق، وهنا لا بد من الإشارة إلى أمرين اثنين: الأول: لو فات الوقت بالنسبة للنذر من أضحية أو هدي لزمه ذبحهما قضاء. الثاني: أما لو فات الوقت بالنسبة للأضحية غير المنذورة، أو لهدي التطوع فقد فاتت الأضحية أو الهدي في هذه السنة لخروج الزمن المضروب للفعل في تلك السَّنَة (١). قال الإمام ابن حجر في الأضحية ـ والهدْيُ غير المنذور في معناها عند الشافعية ـ: "ويمتد وقتها ليلاً ونهاراً (إلى آخر أيام التشريق (٢) " الثلاثة بعد يوم النحر فلو ذبح بعد ذلك أو قبله لم تقع أضحية لخبر الصحيحين: أول ما نبدأ به من يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، من فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله، وليس من النسك في شيء" (٣). والخلاصة أن الأظهر عند الشافعية ـ وهو كذلك مذهب الحنبلية والمالكية ـ أنَّ هدي
следующие страницы →