الصحيح سواء كان الوطء زوجاً أم غيره، مُحرماً أم حلالاً (١).
وكما يفسد الحج بالوطء في الفرج قبل التحلل الأول وتفسد به العمرة المفردة قبل الفراغ منها بالتحلل منها بالحلق أو التقصير في ختام رحلة الإحرام والطواف والسعي لعمرته، حيث ليس للعمرة إلّا تحلل واحد (٢).
ومن محظورات الإحرام قبل التحلل منه عقد النكاح إيجاباً أو قبولاً، للخبر الذي رواه مسلم في صحيحه: «لا يَنْكح المحرم ولا يُنْكح ولا يخْطُبُ» (٣).
لهذا الحديث ذهب جماهير العلماء ومنهم مالك والشافعي وأحمد فمن بعدهم إلى أنه لا يصح نكاح المحرم، واعتمدوا أحاديث الباب التي أوردها مسلم في كتاب النكاح، باب بعنوان: تحريم نكاح المحرم.
وخالف أبو حنيفة والكوفيون جماهير الفقهاء فقالوا بجواز نكاح المحرم للحديث الآخر الذي رواه مسلم في الباب عن أبي الشعثاء أن ابن عباس أخبره أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم (٤).
стр. 107
أجاب الجمهور عن حديث ميمونة بأجوبة، منها تأويل حديث ابن عباس على أنه ﷺ تزوج ميمونة في الحرم وهو حلال؛ لأنه يقال لمن في الحرم محرم وإن كان حلالاً؛ لأنه يقال لمن هو في الحرم محرم وإن كان حلالاً. قال الإمام النووي: «وهي لغة شائعة معروفة، ومنه البيت المشهور [قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً] أي في حرم المدينة (١).
الجواب الثاني قال به جماعة من أصحاب الشافعية أن النبي ﷺ كان له أن يتزوج في حال الإحرام، وهو مما خُصَّ به دون الأمة. قال العلامة النووي: وهذا أصح الوجهين عن أصحابنا (٢).
الجواب الثالث: أن أكثر الصحابة رووا أنه ﷺ تزوجها حلالاً، وهو ما روته ميمونة نفسها فرواية هؤلاء أضبط من رواية من قال إنه تزوجها محرماً. قال الإمام النووي: «قال القاضي وغيره: ولم يرو أنه تزوجها محرماً» إلّا ابن عباس وحده، وروت ميمونة وأبو رافع وغيرهما أنه تزوجها حلالاً وهم أعرف بالقضية لتعلقهم به، بخلاف ابن عباس، ولأنّهم أضبط من ابن عباس وأكثر» (٣).
أما قوله ﷺ : «ولا يُنكح فمعناه كما قال العلماء أنه لا يزوج امرأة بولاية ولا بوكالة. قال النووي: «قال العلماء: سببه أنه لما منع في مدة الإحرام من العقد لنفسه صار كالمرأة فلا يعقد لنفسه ولا لغيره». وظاهر هذا العموم أنه لا فرق بين أن يزوج بولاية خاصة كالأب والأخ ونحوهم، أو بولاية عامة وهو
стр. 108
السلطان والقاضي ونائبه وهذا هو الصحيح عندنا، وبه قال جمهور أصحابنا.
وقال بعض أصحابنا: يجوز أن يزوج المحرم بالولاية العامة؛ لأنها يستفاد بها بالخاصة وولهذا يجوز للمسلم تزويج الذمية بالولاية العامة دون الخاصة» (١). ثم قال النووي: واعلم أن النهي عن النكاح والإنكاح في حال الإحرام نهي تحريم، فلو عقد لم ينعقد سواء كان المحرم هو الزوج والزوجة أو العاقد لهما بولاية أو وكالة نهي تحريم، فالنكاح باطل في كل ذلك، حتى لو كان الزوجان والولي مُحلِّين ووكّل الوليُّ أو الزوجُ مَحرَماً في العقد لم ينعقد (٢)». (٣)
ثم قال النووي: وأما قوله ﷺ : «ولا يخطب فهو نهي تنزيه ليس بحرام وكذلك يكره للمحرم أن يكون شاهداً في نكاح المحلون» (٤).
إذن كل نكاح وجد فيه ولي محرم، أو زوج محرم، أو زوجة محرمة فهو باطل بنص الفقهاء على هذه المسالة.
وعلى العكس لو عقد وهو حلال وطلق وهو حلال، جاز له الرجعة في الإحرام على الأصح لكن مع الكراهة (٥)
الأخير من محظورات الإحرام هو الطيب: «إذا أهلّ المسلم بالحج أو العمرة
стр. 109
حرم عليه استعمال الطيب في بدنه وملبوسه أو فراشه».
دليل الحرمة الإجماع. ومن النصوص التي استند إليها إجماع الفقهاء الحديث المتفق عليه عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: «كنت أطيِّبُ رسول الله ﷺ لإحرامه حين يُحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت» (١).
ومن الأدلة ما أخرجه النسائي وابن ماجة موقوفاً على ابن عباس قال: إذا رميتم الجمرة فقد حلَّ لكم كلُّ شيءٍ إلّا النساء. فقال له رجل: يا ابن عباس! والطيب؟ فقال: أمّا أنا فقد رأيتُ رسول الله ﷺ يُضَمِّخُ رأسه بالمسك. أفطيب ذلك أم لا» (٢).
فالطيب من أبرز مظاهر الترفه الذي تأباه حكمة الحج إلى بيت الله الحرام، ويتنافى مع قوله ﷺ في الحديث الصحيح: الحاجّ أشعثُ أغبر، وقوله ﷺ : «ولا يلبس من الثياب ما مسه ورسٌ أو زعفران» (٣). والروس هو الطيب (٤)، ويبد ولي أن الزعفران مثله (٥)، بدليل ما جاء في القاموس المحيط من أنه إذا كان في بيت لا يدخله سام أبرص اهـ وهذا ربما لرائحته، والله أعلم.
стр. 110
فاستعمال الطيب يحرم على الحاج أو المعتمر حتى ولو كان فيه مقصود آخر كالمسك والكافور والورد والياسمين والبنفسج والنرجس والريحان وما أشبه ذلك (١).
قال الإمام النووي: «ولا يحرم ما لا يظهر فيه قصد الرائحة، وإن كان له رائحة طيبة كالفواكه الطيبة الرائحة كالسفرجل والتفاح والأُتْرُجّ (٢) والنارنج، وكذا الأدوية (٣) كالدار صيني، والقَرَنْفُل والسُّنْبُل (٤) وسائر الأبازير الطيبة، وكذا الشِّيْحُ والقَيْصُوم والشَّقَاق وسائر أزهار البراري الطيبة التي لا تستنبت قصداً (٥)، وكذا نَوْرُ التفاح والكُمّثْرى (٦)، وغيرهما، وكذا العُصْفُر والحناء فلا يحرم شيء من هذه ولا فدية فيه» (٧).
ومن الأشياء التي يحرم استعمالها الكحل إذا ظهر طعم الطيب فيه، أو
ريحه، ما لم يستهلك الطيب في الطعام، فإن استهلك فلا بأس به (٨). فإن بقي اللون
стр. 111
وحده لم يحرم في الأصح (١). قال الإمام النووي: «ولو خفيت رائحة الطيب أو الثوب المطيب بمرور الزمان والغبار ونحوه، فإن كان بحيث لو أصابه الماء فاحت رائحته حرم استعماله، فإنْ بقي اللون فقط لم يحرم على الأصح».
ثم تابع قوله: «ولو انغمر طيبٌ في غيره كماء ورد قليل انمحق في ماء لم يحرم استعماله على الأصح. وإن بقي طعمه أو ريحه حرم. وإن بقي اللون لم يحرم على الأصح» (٢).
أمّا شم الطيب فقط دون مس فيكره عند الشافعية والحنفية والمالكية، أي لا فداء في ذلك ولا إثم. وقال الحنبلية يحرم تعمد شمّ الطيب كالمسك والكافور ويجب فيه الفداء، لكن يجوز شمّ رائحة الفواكه الطيبة عندهم، وكل نبات صحراوي كالشِّيح والقيصوم (٣) ...
لا بل يمكنني أن أقول: إنّ أكل الفواكه ذات الرائحة الطيبة كالتفاح والليمون والنارنج والسفرجل والبرتقال وغيرها هو جائز عند جميع الفقهاء، والله أعلم. وربما يؤيد ذلك ما رواه البخاري موقوفاً على ابن عباس قال: يَشُمُّ
стр. 112
المحرم الرَّيحان، وينظر في المرآة، ويتداوى بما يأكل الزيت والسمن» (١).
стр. 113
الفداء من اقتراف محظورات الإحرام
قال الإمام العمريطي فيما يجب فيه الفداء وما لا يجب من محظورات الإحرام:
ثم الفدا في كل ما منها وجد ... إلَّا النكاح فهو غير منعقد
أي الفدية التي سيأتي بيان تفصيلها موجودة في كل صور المحرمات المذكورة باستثناء النكاح فلا يجب فيه فداء؛ لأن وجوده كعدمه، إذ هو غير منعقد أصلاً.
ويحرم عقد النكاح بولاية أو وكالة، وكذا قبوله أو توكيله لما رواه الشافعي (٨٢٠) أن رسول الله ﷺ قال: ولا يُنْكحُ المحرم ولا يُنَكّح ولا يخطب».
قال العمريطي: في تفصيل فداء ما فيه من محظورات:
والظُّفْر فيه المد والظفران ... كالشعرتين فيهما مدّان
أي الظفر الواحد إذا أزاله، أو الشعرة إذا أزالها، في كل منهما مدّ من طعام، وهو ملء حفنة منه، بينما الظفران أو الشعرتان إذا أزالهما فيهما مدّان من طعام.
ولا يجب الدم إلّا باكتمال ثلاثة أظفار يزيلها أو ثلاث شعرات، وذلك في مذهب الشافعية والحنبلية (١).
стр. 114
قال العمريطي:
والنسكان مطلقاً قد أُبْطِلَا ... بالوطء إلّا وطء من تحلّلا
وواجبٌ بالوطء هدي والقضا ... وكونه في فاسد به مضى
أي نسكا الحج والعمرة مطلقاً قد أُبطلا بالوطء في الفرج فقط وإن لم ينزل إذا وقع في العمرة قبل الفراغ منها، وفي الحج قبل التحلل الأول، وقبل الوقوف بعرفة بالإجماع، أو بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول فيبطل عند الشافعية والجمهور خلا الحنفية سواء كان الحاج أو المعتمر رقيقاً أو صبياً مميزاً لقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقٌ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].
فيجب بإبطال النسك ثلاثة أشياء:
الاستمرار في حجه الفاسد لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
ثانياً: أداء حج صحيح في العام القادم قضاء للحجة الفاسدة، حتى ولو كان نفلاً.
ثالثاً: ذبح الهدي في حجة القضاء، وهو عند الأئمة الثلاثة: لا تجزئ فيه الشاة، بل تجب بدنة أي من الجمال ذكراً أو أنثى. وهي فتوى جماعة من الصحابة لم يعرف لهم مخالف. وقال الحنفية إذا جامع قبل الوقوف بعرفة فسد حجه، ووجب القضاء، لكن تجب فيه شاة، محتجين بما رواه أبو داود في المراسيل، ومن المعروف أن المرسل من جنس الحديث الضعيف (١)، والله تعالى أعلم.
стр. 115
هذا يعني أنه لا يبطل بالوطء نسك من تحلل التحلل الأخير بالرمي والحلق وطواف الإفاضة الذي أعقبه سعي أو سبقه سعي بعد طواف القدوم.
ومسألة الوطء واردة على نسك الحج، ثم قاس العلماء العمرة على الحج (١).
قال العلامة العمريطي:
ومن يَفُتْ وقوفه تحلّلا ... بعمرة إن كان عن حصر خلا
أو فاته ركن سواه لم يَحِلْ ... من ذلك الإحرام إلّا إن فعل
وإن يفته واجب يرق دماً ... أو سنة فما بشيء أُلزما
يتناول العلامة العمريطي في البيت الأول ما يعرف عند الفقهاء بالفوات، ويعنون به في اصطلاحهم بـ (ذهاب وقت عرفة)، بحيث لم يدرك الحاج الوقوف في ذلك اليوم ضمن الوقت المجزئ لذلك.
ولا فرق بين أن يقع الفوات بعذر أو بغير عذر؛ لأن الحج عرفة، لكن مع العذر لا إثم فيه (٢).
ومن فاته الوقوف فقد فاته الحج باتفاق المذاهب الأربعة، ويتحلل بعمرة؛ لأن الإحرام بعدما انعقد صحيحاً لا سبيل للخروج منه إلّا بأداء أحد النسكين؛ ولأن في بقائه محرماً حرجاً شديداً يعسر احتماله سواء في ذلك حج الفريضة أو
стр. 116
الناقلة؛ ولأن مالك في المطوطأ روى بسند صحيح عن فتوى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ما يفيد ذلك. قال الإمام مالك: «وعلى هذا الأمرُ عندنا فيمن أحصر بغير عدو، وقد أمر عمر بن الخطاب أبا أيوب الأنصاري، وهبّار بن الأسود حين فاتهما الحج، وأتَيا يوم النحر، أن يَحِلا بعمرة، ثم يرجعا حلالاً، ثم يحجان عاماً قابلاً ويهديان. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله» (١) ومن أدلتهم ما روي عن ابن عمر وابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «من فاته عرفه بليلٍ فقد فاته الحج فليتحللْ بعمرة، وعليه الحج من قابل» (٢). ومن تحلل بعمرة للفوات وجب عليه أن يطوف ويسعى ويحلق كما يفعل في أي عُمرة أخرى لكن إن كان قد سعى بعد طواف القدوم لم يجب أن يسعى بعد طواف عمرة التحلل ولا حاجة لإعادة السعي هنا (٣).
وفي حق القارن الذي فاته الوقوف لا يتبدل الحكم الشرعي، فيتحلل كما يتحلل المفرد بطواف وسعي وحلق أو تقصير (٤)، لكنه في هذا الصورة تكون قد
стр. 117
فاتته العمرة كما فاته الحج؛ لأنها مندرجة فيه، وتابعة له؛ ولأن إحرامه واحد فلا يتبعّض حكمه، وبهذا وجب على الحاج أن يقضي قارناً، وعليه أن يقدم ثلاثة دماء: أولها دم لفوات عرفة وثانيها دم للقران الفائت، وثالثها دم للقران الذي أتى به في القضاء، وهو ما نص عليه في المجموع.
وتلزمه هذه الدماء سواء قضى مفرداً أو متمتعاً أو قارناً.
العمرة التي يتحلل بها من فاته الوقوف بعرفة، لا تجزئ عن عمرة الإسلام (١) وإذا تحلل فعليه هدي كدم التمتع كما سيأتي (٢)، ثم عليه القضاء فوراً بالحج من قابل تماماً كما لو فسد بالجماع؛ لأنه في كلٍّ لا يخلو الحال من تقصير (٣).
هذا فيمن فاته الوقوف من آحاد الناس.
أما لو فات الحجيج جميعهم الوقوف بعرفة للخطأ في إثبات الهلال، فوقفوا يوم العاشر من ذي الحجة فالحكم الشرعي أنه تَمّ حج الناس صحيحاً اتفاقاً بين الفقهاء. قال استأذنا الدكتور نور الدين عتر، بعد أن ساق هذا:
стр. 118
«ولو وقفوا يوم الثامن من ذي الحجة ظناً أنه التاسع لا يصح وقوفهم، ويكون الحج قد فاتهم، ويجب على كل واحد ما يجب على فائت الحج حسبما عرفته.
وهذا مذهب الجمهور عدا الحنبلية. وقال الحنبلية: يجزئهم الوقوف.
وهذا كله إذا علموا بالخطأ بعد فوات الوقوف بعرفة، أما إذا علموا بالخطأ قبل الوقوف فيجب عليهم الوقوف اتفاقاً، لتمكنهم منه» (١).
هذا فيمن فاته الوقوف بعرفة، أما فيمن فاته ركن من أركان الحج سوى الوقوف بعرفة أو فاته ركن من أركان العمرة، فإنه لا يحل، أي لا يخرج من إحرامه ذاك إلّا إن فعل الركن المتروك ولو بعد سنين وطويلة؛ لأن أركان الحج والعمرة (ما خلا الوقوف بعرفه) لا آخر لوقتها، لذلك لا يتم الخروج منها إلّا بأدائها وهو ما عبر عنه العمريطي بقوله:
أو فاته ركن سواه لم يَحِلّ ... من ذلك الإحرام إلّا إن فَعَلْ
أما فيمن فاته واجب من واجبات الحج المعهودة كالمبيت في منى، أو رمي الجمرات أو ... عمداً أو سهواً، أو جهلاً، فإنه يُريق لترك أحدها دماً وجوباً من شاة تجزئ في الأضحية.
أما فيمن سنة من السنين من نحو الاضطباع في الطواف، أو ركعتين بعده، أو الهرولة بين الميلين الأخضرين في السعي بين الصفا والمروة، أو الدعاء واقفاً بارزاً للشمس مستقبلاً القبلة في أرض عرفة، أو إطالة الدعاء إلى طلوع الشمس في مزدلفة، أو غسل الحَصَيَات في رمي الجمار في منى أو .... فإنه لا يلزمه بترك
стр. 119
السنة شيء بل يفوته فضل فعلها. وهو ما يطرد في سائر العبادات.
стр. 120
الدماء في الإحرام
(أقسامها ـ خصوصيتها ـ ما يقوم مقامها)
قال الإمام العمريطي:
وسائر الدماء في الإحرامِ ... محصورة في خمَسةٍ أقسام
فالأول المرتب المقدرُ ... بترك أمر واجب ويُجبرُ
بذبح شاة أولاً وصاما ... للعجز عنه عشرة أياما
ثلاثة في الحج في محلهِ ... وسبعةً إذا أتى لأهله
الدماء التي تجب كفارات بأمر الله تعالى على مخالفات واقعة في فريضة الحج إلى بيت الله الحرام باجتماع وصفين أو اجتماع ما يقابلهما، أو أحد الوصفين مع ما يقابل الآخر وذلك وفق البيان التالي:
الوصف الأول هو الترتيب، فإن قلنا الكفارة واجبة على الترتيب فنعني بذلك وجوب الدم أولاً فإن عجز الحاج عدل إلى المرتبة الثانية في هذا الترتيب وهو الصيام كما في ترك أمرٍ واجب من واجبات الحج.
وصف الترتيب يقابله التخيير فإن قلنا الكفارة على التخيير فنعني بذلك جواز الدم وجواز الصيام وربما جواز الإطعام كما في فعل محظورات الإحرام خلا الجماع وعقد النكاح.
فالترتيب والتخيير وصفان متقابلان.
стр. 121
الوصف الثاني التقدير: فإن قلنا الكفارة على التقدير فنعني بهذا أن الشرع قدر البدل المعدول إليه ترتيباً أو تخييراً، لا نريد على ذلك ولا ننقص.
ففي المثال السابق في ترك أمرٍ واجب من واجبات الحج تقع الكفارة على الترتيب والتقدير؛ لأن الشاة قدّرها ربّ العزة، فهي تقديرية؛ ثم لأنه جعلها في المقام الأول لا تترك إلى الصيام إلّا عند العجز فهي ترتيبية.
وصف التقدير يقابله التعديل، فإن قلنا الكفارة، على التعديل. فنعني به، أنه أمر يرجه فيه إلى تقويم العدول أصحاب الثقة والخبرة يعدّلونه ويحددون قيمته.
مثاله الإحصار فكفارته على الترتيب والتعديل فمن أحصر، بأن منعه عدو من إتمام النسك وهو محرم وجب في حقه شاة أولاً على الترتيب لا يصار إلى غيرها إلّا بالعجز، فإن لم يستطع انتقل إلى التعديل وهو إطعام بقيمة الشاة، فهو بحاجة إلى غيره لتقويم كم تساوي الشاة؟ وكم يشتري طعاماً بثمنها ليوزعه على الفقراء.
إذا علمت هذا بدأت معك في دراسة دماء الكفارات، وما يقوم مقامها، مبيناً أنها محصورة في خمسة أقسام:
القسم الأول: مثاله ما سرده لنا الإمام العمريطي في الأبيات السابقة وهو الدم المرتب المقدّر وهو الواقع كفارة على ترك الواجب من الواجبات التي سبق ذكرها (١) والتي نقلها لنا مجتمعة العلامة الشافعي إبراهيم الباجوري فيما نظمه ابن
стр. 122
المقري بقوله:
١ ـ أربعةُ دماءِ حجٍ تُحصر ... أولها المرتّبُ المقدْرُ
٢ ـ تمتعٌ فوتٌ وحجٌ قُرِنَا ... وتركُ رمي والمبيتُ بمنى
٣ ـ وتركه الميقات والمزدلفهْ ... أو لم يودّعْ، أو كمشي أخْلَفَهْ
٤ ـ ناذرهُ يصوم إنْ دماً فَقدْ ... ثلاثةً فيه، وسبعاً في البلدْ (١).
هذا الدم قدره الشارع في محكم التنزيل، وأنزله منزلة الترتيب، وهو أولاً
стр. 123
ذبح شاة مجزئة في الأُضحية بأن تكون جذعة ضأن لها سنة، أو أسقطت مقدّم أسنانها بعد ستة أشهر من تاريخ ولادتها، أوثنية معزلها سنتان، بشرط عدم العيب فيهما.
فيجزئ شاة عن واحد أو بدنة أو بقرة عن سبعة دماء، بأن يكون نصيب الواحد منها سُبْعُ بدنة، أو سُبْعُ بقرة.
هذا هو الواجب في المقام الأول، فإن لم يجد الحاج الشاة أو ما يقوم مقامها أو وجده بزيادة على ثمن المثل، أولم يجد الثمن الكافي لذلك الواجب انتقل إلى المرتبة الثانية في هذا الترتيب، وهي صيام عشرة أيام بدلها وجوباً، منها ثلاثة أيام في الحج في محله أي محل إقامته، ومنها سبعة أيام يصومها إذا رجع إلى أهله، إن أراد الرجوع إليهم، لذلك لم يجز له صيامها في الطريق لنص الآية، لكن إن نوى الإقامة بمكة، واستنكف عن الرجوع إلى قومه وعشيرته صام في أرض الحرم السبعة الباقية في ذمته (١)، ويندب في صيام الثلاثة الأُوَّل، وفي السبعة الأُخر التتابع؛ لأن فيه مبادرة إلى قضاء الواجب، وخروجاً من خلاف من أوجبه.
دليل ما ذكرت من بيان القرآن الكريم ومن صحيح السنة النبوية المشرّفة.
فأما الكتاب العزيز ففي قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الآية: ١٩٦].
стр. 124
وأما صحيح السنة المشرفة ففي الحديث الذي اتفق على روايته الشيخان، وفيه قال رسول الله ﷺ للناس: « ... مَن كان منكم أهْدى فإنه لا يَحِلُّ من شيْ حَرُم منه حتى يقضي حجّه، ومَنْ لم يكن منكم أهدى فليطُفْ بالبيت وبالصفا والمروة وليقصِّرْ وليُحَلِّلْ ثم ليهُلَّ بالحج ولْيُهْدِ (١)، فمن لم يجد هدياً فليصُمْ ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ... » (٢).
وكما رأيت من نظم العلامة ابن المقري فأول دم مرتب مقدّر يقع على نسك التمتع بنصّ الآية الكريمة: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، علة بذلك أنه دم واجب بترك نسك، هذا النسك هو ترك المتمتع الإحرام من ميقات بلده؛ لأنه يحرم بالحج من مكة، ولو أفرد لأحرم من ميقات بلده، فلزمه على ترك هذا الواجب دم.
ومثله دم القران؛ لأنّ القارن، وهو الذي قرن في إحرامه بين الحج والعمرة معاً، إنما ترك بقرانه الإحرام بالعمرة من ميقاتها وهو أدنى الحل لمن كان بمكة، إذ لكل من الحج والعمرة ميقات زماني ومكاني، خاص بهذين النسكين قد يجتمعان، وقد يفترقان والقارن أحرم من ميقات واحد بدل أن يحرم من ميقاتين، تاركاً إحرام العمرة من ميقاتها بعد انقضاء النسك فلزمه ترك هذا الواجب دم.
الدم الثالث الواجب تحت هذا العنوان هو دم الفوات، وقد وجب على الحاج بسبب تركه الوقوف بعرفة التي فاتته لسببٍ ما.
стр. 125
الدماء الباقية سببها ترك واجب من الواجبات كالرمي والمبيت بمنى والمبيت بالمزدلفة وطواف الوداع، فذلك ظاهر كما ترى (١).
وبالنسبة لدم التمتع والقران فإنه يجوز أن يقدم ذبح شاة على أحد سببيها؛ لأنها عبادة مالية، والسبب الأول هنا هو تقديم العمرة على الحج، والسبب الثاني هو الإحرام بالحج.
أما الصوم فهو عبادة بدنية، والعبادة البدنية لا يجوز تقديمها على أحد سببيها، لا بل يجب تأخيرها عن سببيها معاً، لذلك إن فقد الشاة أو ثمنها وانتقل إلى الصوم وجب عليه صوم الأيام الثلاثة الأولى بعد وقوع السبب الثاني وهو الإحرام أي يصومها في حال الإحرام، قبل يوم النحر، فإن أخرها عنه عصى ووجب عليه قضاؤها فوراً بعد يوم النحر وأيام التشريق ولا يجوز صومها في أيام التشريق في الجديد.
والتتابع الذي قلنا إنه يندب في الأيام الثلاثة في الحج قد يتحول إلى واجب كما لو ضاق الوقت بإحرامه في سادس ذي الحجة (٢)، ففي هذه الصورة يلزمه التتابع لضيق الوقت لا لذات التتابع حيث قلنا لا يجوز تأخير الصيام عن يوم النحر.
* * *
стр. 126
دم التخيير والتقدير
قال الإمام العمريطي:
ثاني الدما مخيَّرٌ مقدّرُ ... بنحو حَلْقٍ من أُمورٍ تُحظرُ
فالشاةُ أو ثلاثةٌ أيّامُ ... يصومها أو آصعٌ طعامُ
لستةٍ هَمْ من مساكينِ الحرمْ ... لكلِّ شخصٍ نصف صاع منه ثَمّ
الدم الثاني هو الذي يطلقون عليه الدم المخيَّر المقدَّر، وهو دم تضرب كفارته على ثمانية أفراد تدخل جميعها في دائرة الترفه والاستمتاع بما حرمه ربنا زمن الإحرام وهي بالتعداد:
١ - دم الحلق بإزالة ثلاث شعرات فأكثر. وتجب الفدية في ذلك ولو كان ناسياً للإحرام، أو جاهلاً بالحرمة.
٢ - دم قَلْم الأظفار لثلاثة أظفار فأكثر.
وفي هذين يشترط اتحاد الزمان والمكان (١).
٣ - دم اللبس لما حرمه الله على المحرم من المحيط المحيط.
٤ - دم الدهن للزيت في شعر الرأس أو اللحية.
٥ - دم التطيب أي للاستمتاع بالطيب في الفراش واللباس والبدن.
٦ - دم الجماع الثاني الذي جرى بعد أن أفسد الحج بالجماع الأول.
стр. 127
٧ - دم الجماع بين التحللين، حيث لا يفسد الحج بالجماع بعد التحلل الأول وقبل التحلل الثاني، لكن يجب في هذا الدم.
٨ - دم المباشرة أي باشر زوجه بشهوة فيما دون الجماع فيلزم عليه دم تخيير وتقدير (١).
التخيير الواقع في هذه الكفارة يجري بين ذبح شاة تجب، أو صيام ثلاثة أيام تلزم (٢)، أو ثلاثة آصع من طعام يتصدق بها على ستة من مساكين الحرم (٣) لكل شخص منها نصف صاع، فلا يجوز أن تنقص حصة المسكين عن هذا المقدار، مع مراعاة أنه لا يوجد في الشرع كفارة يزيد عطاء المسكين فيها عن مدّ غير هذه.
دليل هذه الكفارة التخييرية من كتاب الله قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
ودليلها من سنة رسول الله ﷺ ما رواه الشيخان عن كعب بن عُجْرَة قال: أتى عليَّ رسول الله ﷺ زمن الحديبية، وأنا أُوْقدُ تحت قِدر لي، والقمل يتناثر على وجهي فقال: أيؤذيك هوامُّ رأسك؟ قال: قلتُ: نعم، قال: فاحلق وصُمْ ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أوانسُكْ نسيكةً. قال أيوب: فلا أدري بأيّ ذلك بدأ» (٤).
стр. 128
وفي رواية، قال كعب بن عُجْرَة ﵁: فِيَّ نزلتْ هذه الآية: فمن كان منكم مريضاً ... » (١).
وفي رواية: فاحلقْ رأسك، أو أطعَمْ فَرَقاً بين ستة مساكين. «والفَرَقُ ثلاثة آصُع ... » (٢).
وفي رواية: أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين (٣).
وفي رواية: أو إطعام ستة مساكين نصفَ صاع لكل مسكين. قال: فنزلت فيَّ خاصة وهي لكم عامة (٤).
هذا ويمكنك أن تعود إلى أبيات ابن المقري من العاشر منها إلى الثالث عشر لتدارس بها ما سبق بيانه.
* * *
стр. 129
دم التخيير والتعديل
قال الإمام العمريطي:
ثالثها مخيَّرٌ معدلَ ... بقطعِ نَبْتٍ أو بصيدٍ يُقْتَلُ
فإنْ يكن للصيد مِثْلٌ في النَّعَمْ ... فلْيذبحِ المثلَ ابتداءً في الحرمْ
أو يشتري لأهل ذلك الحرمْ ... حبّاً بقَدْر ماله من القِيَمْ
أو يعدلُ الأمداد منه صَوْمَا ... يصومه عن كلِّ مدٍّ يوما
وخيّروا في الصوم والإطعام في ... إتلاف صيدٍ حيث مثلهُ نُفِيْ
الدم الثالث يسمونه مخيّراً معدّلاً:
هذا النوع من الدماء يقع على أمرين اثنين:
الأول: نباتات الحرم وأشجاره وحشيشه الرطب الذي ليس مملوكاً لأحد، وليس مما يستنبته الناس.
الثاني: صيد مأكول بري وحشي، أو صيد ما أحدُ أصليه ذلك.
والصيد ضربان: الضرب الأول هو الذي نطلق عليه اسم المثليّ، وهو الذي له مِثْلٌ من النَّعَمِ يشبهه في الخلقة والصورة تقريباً (١). والنَّعَمُ كما تعلم هي الإبل والبقر والغنم.
стр. 130
في هذه المسألة ننظر: إن كان للحيوان المصيد نقلٌ ثابت عن رسول الله ﷺ أو عن السلف الصالح في شيء يشبه هذا الذي نتحدث عنه، حكمنا به في الحال.
ومن هذا الضرب النعامة ففي صيدها بدنة من الإبل.
ومنه الواحدة من بقر الوحش ففيها بقرةٌ من النعم، ومثله حمار الوحش.
ومنه الغزال (وهو ولد الظبية الذي لم يطلع قرناه) في فداء صيده معز صغير، ففي ذكر الغزال جديٌ، وفي أُنثاه عَنَاق (١).
فإن طلع قرنا الغزال ـ أي صار كبيراً ـ سمّيَ الذكَرُ ظَبْياً، والأنثى ظبْيَة ففي الظبيّ تَيْسٌ، وفي الظبية عنز، وهي أُنثى المعز التي تم لها سنة.
ومنه الأرنب وفيه عَنَاق.
ومنه اليَرْبوع وفيه جَفْرَة.
ومنه الضبع وفيه كبش.
ومنه الثعلب وفيه شاة (٢).
فالصيد المثليُّ جزاء قاتل المصيد فيه على التخيير والتعديل بين أشياء ثلاثة:
الاختيار الأول: أن يذبح الجاني المثل المشابه (٣) من النَّعَمِ في مكة، ويتصدّق
стр. 131
به على مساكين الحرم (١).
توضيح ذلك لو اصطاد نعامة، فإن جزاء قتلها أن يذبح بدنة من الإبل في حدود حرم مكة الشريف بامتداداته إلى ما قبل الحلّ بأدنى شيء، فيتصدق بلحم تلك البدنة على المساكين هناك جزاء ما اقترفت يداه من قتل النعامة، وعلى تخويفه ما أمَّنه رب البيت في حرمه الآمن، ولا يجزئه فعل ذلك في الحل.
هذا ما عبر عنه الإمام العمريطي بقوله:
فإن يكن للصيد مثْلٌ في النَّعَمْ ... فليذبح المثلَ ابتداءً في الحرمْ
الاختيار الثاني: أن يقوِّمَ المثل دراهم يشتري بها طعاماً مجزئاً في الفطرة (٢)،
стр. 132
ويتصدق بالطعام على مساكين الحرم.
التقويم هو المعنيُّ بالتعديل؛ لأنّ قاتل الصيد، إن اختار الإطعام، لزمه أن يقدّر ثمن البدنة (وفق المثال السابق حيث اصطاد نعامة)، ثم يخرج الثمن الذي قوّم به تلك البدنة من ماله ثم يشتري به طعاماً يوزعه على مساكين الديار المباركة (١).
هذا ما عناه العمريطي بقوله:
أو يشتري لأهل ذلك الحرمْ ... حبّاً بقَدْر ماله من القِيَمْ
الاختيار الثالث: إن شاء الجاني قدّر الطعام الذي سيشتريه بما يساويه من الأمداد وصام عن كلّ مد يوماً.
стр. 133
والصوم لا يخص مكة المكرمة، وإنما يجوز في سائر البلاد.
العمريطي أوضح ما يرمي إليه هذا الاختيار بقوله:
أو يَعدلُ الأمدادَ منه صوما ... يصومه عن كلِّ مدٍّ يوما
لكن خيار الصيام قد تواجهه عقبة في طريقه؛ لأن صيام اليوم الكامل يقع في مقابل المد بتمامه، فكيف نفعل إذا فضل عن الأمداد بعض مدّ؟ فهل نصوم بعض يوم؟
الفقهاء يقولون: إن الصيام لا يتبعض، لذلك يصوم عن بعض المد (أي المد المنكسر) يوماً كاملاً (١).
ومن المسائل الهامة أنه لوحكم عدلان خبيران فقيهان فطنان، بأن هذا الصيد له مثْلٌ يشبهه، لكن حكم عدلان آخران أنه لا مثل له، فالتكييف الفقهي أنّ له مثلاً، وهو ما جزم به في الروضة؛ لأن الخبيرين الأوّلين أدركا من الشبه ما خفي على الآخرين فقُدِّما في الفتوى على القائلين بأنْ لا مثل له.
ولوحكم خبيران بأن هذا الصيد له مثل شبيه به، وحكم آخران بأن له مثلاً شبيهاً آخر، ففي هذه الحالة يتخير الجاني بين هذا المثل أو ذاك، أي بين قولي الخبيرين هذين أو ذينك (٢).
стр. 134
الضرب الثاني من الصيد ما لا مثل له يشبهه من النعم، وهو نوعان: أحدهما: ما فيه نقل عن الني ﷺ والسلف الصالح، وهو الحمام (١) ونحوه كاليمام (٢) والقُمْريِّ (٣) والفواخت (٤)، وكل مطوّق (٥).
ففي الواحدة (٦) من الحمام شاة من ضأن أو معز.
هذا الوجه يتخير فيه الصائد الجاني كسابعه بين واحد من أمور ثلاثة:
فإن شاء ذبح الشاة.
وإن شاء قوّم الشاة بالدراهم، واشترى بثمنها طعاماً، وقسمه على مساكين الحرم.
وإن شاء قدّر ثمن الشاة بما يعدله من أمداد الطعام، ثم قام بحساب ذلك وعدِّهِ، ثم صام عن كلِّ مدّ يوماً.
أي إنّ ما ورد فيه نقل عن سلف هذه الأمة له حكم ما له مثله يشبهه.
مثل ذلك: الحمام الذي ورد في واحده شاة جزاء على صيده، فهذا يحمل
стр. 135
حكم الثعلب الذي تشبهه الشاة وتجب جزاء على قتله.
الحكم الفقهي في الصورتين واحد، وهو إمّا اختيار الذبح، أو تقويم الشاة بالدراهم، ويشتري بثمنها طعاماً يوزعه، أو يصوم أياماً بعدد الأمداد التي تعدل ثمن الشاة.
ثانيهما: ما لا نقل فيه عن النبي ﷺ ، وجمهور صحابته الكرام، من نحو الجراد، والعصافير، وما كان على شاكلتها سوى الحمام (١).
هذا النوع من الصيد يحكم فيه أصحاب الخبرة، ثم أقل عدد يقبل في المسألة اثنان ذوا عدلٍ من أهل مكة عملاً بقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥].
ولما كانت القضية في خصوص تقويم صيد الحرم اشترط أن تكون خبرتهما فيه نصاً، لذلك قالوا: من أهل مكة.
الخبيران يقوّمان الصيد، لأجل أن يُخرج الجاني بقيمته طعاماً يتصدق به على أهل الحرم، وهذا هو الاختيار الأول.
أو يقوّمان الصيد، ليعمد الجاني بالثمن المرصود إلى تقدير الأمداد التي يمكنه شراؤها به، ليباشر بعد هذا التعديل إلى الصيام عن كل مدٍّ منها يوماً، وبهذا يكتمل اختياره الثاني.
стр. 136
وليس ثمة اختيار ثالث هنا؛ لأن الصيد الذي نتناوله في هذه الفقرة لا شبيه له وبذلك يسقط اختيار ذبح المثيل لعدم وجوده.
الدليل على ما نقول فتوى الصحابة رضوان الله عليهم في مسألة الجراد، حين خيّروا المستفتي بين القيمة والصيام.
إن الجراد هو من المخلوقات التي مدّ لها ربنا رواق الطمأنينة في ربوع بيته الحرام؛ لأنها مما يؤكل، وكذلك هي مما لا يؤذي، فلا تدخل بحال في علة الفواسق التي استثناها المولى من صكّ الأمان هذا.
وإلى جانب هذا الضمان فإنّ الجراد مما لا مثل له، لذلك حكموا بناء على اجتماع الوصفين بالقيمة، وهي التي يرجع فيها إلى قول عدلين فقيهين فطنين كما أشرت.
قال أستاذنا الدكتور نور الدين عتر ـ حفظه الله ـ: واتفق الجمهور على أنَّ في الجرادة صدقة تمر (١).
• • •
ومن المسائل الهامة التي يمكنني تدوينها أن جناية الحلال على صيد الحرم لا تختلف عن جناية المحرم، قياساً للأول على الثاني وذلك في مذاهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد (٢).
ولما كانت هذه الأبيات تتناول إتلاف الصيد، وإتلاف شجر الحرم أو
стр. 137
حشيشه مما ليس مملوكاً لأحد، ولم يستنبته الناس، فقد صار لزاماً عليّ أن أتعرَّض للثاني وهو إتلاف النبات بهذا الوصف:
الحق أن الشافعية والحنبلية في الأصح من مذهبهم قالوا بوجوب الضمان من النعم في إتلاف شيء منه وفق ما يلي: قالوا: في الشجرة الكبيرة بقرة، وفي الصغيرة شاة، أما الحشيش الرطب فضمانه بالقيمة إن لم يُخلف، فإن أخلف فلا ضمان (١).
المسألة الأخيرة في هذا البيان هي فيما لو أصاب المحرم الصيد بضرر ولم يقتله، حينئذ وجب عليه الجزاء بما يتناسب مع الإصابة.
فإن كان الصيد مثلياً وجب عليه بمقدار النقص من مثله من النعم، لا بمقدار النقص من قيمة النعم.
مثال توضيحي: لو جرح ظبياً، واندمل جرحه بلا إزمان (٢)، فنقص عشر قيمته فعليه عشر شاة لا عشر قيمتها تحقيقاً للماثلة.
أما إن لم يكن الصيد مثلياً فيضمن القيمة بمقدار ما نقص من الصيد بسبب الضرر النازل به.
стр. 138
أما إذا أحدث به عاهة مستديمة وهو ما يعبرون عنه بقولهم: لو أزمن الصيد فيلزمه جزاء كامل (١).
أضاف أستاذنا الدكتور نور الدين عتر ـ حفظه الله ـ: أما إذا أصابه إصابة أزالت امتناعه عمن يريد أخذه وجب الجزاء كاملاً عند الحنفية، وأحد القولين عند الشافعية؛ لأنه فوّت عليه الأمن بهذا، وفي قول عند الشافعية يضمن النقص فقط.
ثم قال: هذا ويجب بسبب حلب الصيد وكسر بيضه قيمة كل من اللبن والبيض» (٢).
قال الإمام العمريطي:
رابعها مرتَّبٌ معدَّلُ ... فواجبُ بالحصر حيث يحصلُ
دمٌ، فإنْ لم يستطع فليُطعِمِ ... قوتاً يرى بقدر قيمة الدم
وصام عند العجز عن إطعامِ ... ما يعدلُ الأمداد من أيام
الإحصار في فقه الحج أن يمنعه العدوّ عن المضيِّ في الحج من كل الطرق (٣).
والإحصار في اللغة من الحصر وهو المنع ومنه قوله تعلى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، أي منعوا.
لكن الأشهر أن يقال: حصره العدو، بغير همز، وأحصره المرض، أي
стр. 139
بهمز، إلّا أن المهموز يستعمل في العدوّ والمرض معاً بدليل استعمال الإمام النووي له في هذا البحث (١).
والإحصار في اصطلاح الفقهاء خاص بمنع العدو؛ لأن الأصل فيه الحادثة الشهيرة التي جرت مع رسول الله ﷺ في السنة السادسة للهجرة، في ميقات الحديبية، حال كفار قريش دون وصول المسلمين إلى البيت، فنحر رسول الله ﷺ بُدْنه وحلق رأسه، وهي الحادثة المشهورة التي توسعت لك بها في موطنه من كتاب «الركن الخامس»، وفيها نزل قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ شَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ .. [البقرة: ١٩٦]
ويؤيده ما ذهب إليه ابن عباس وابن عمر وأنس من أنه في العدو خاصة (٢). قال الإمام ابن العربي من فقهاء المالكية: وهو اختيار علمائنا (٣).
ومن خلال هذه القصة النبوية الشريفة يتبين لك أن الإحصار يقع في الحج، ويقع في العمرة أيضاً؛ لأنّ الحادثة وردت في العمرة، والآية نزلت في كليهما.
فمذهب مالك والشافعي وأحمد أن الإحصار لا يكون إلّا بالعدو أو الفتنة أو الحبس ظلماً، مستدلين بقوله تعالى في الآية السابقة: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ .. [البقرة: ١٩٦]؛ لأن الأمن يكون من
стр. 140
العدوّ؛ ولأن البيان الإلهي قال: أمنتم ولم يقل برأتم (١)، أي من المرض، مما يدل على أن المرض لا يدخل في الإحصار، وسيأتي (٢).
كما استدلوا بما رواه البخاري عن نافع أن عبد الله بن عمر ﵄ قال حين خرج إلى مكة معتمراً في الفتنة (٣): «إنْ صُدِدْتُ عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله ﷺ ، فأهلَّ بعمرة من أجل أن النبي ﷺ كان أهلَّ بعمرة عام الحديبية. ثم إنّ عبد الله بن عمر نظر في أمره فقال: ما أمرهما إلّا واحد. فالتفت إلى أصحابه فقال: ما أمرهما إلّا واحد. أشهدكم أني قد أجبت الحج مع العمرة. ثم طاف لهما طوافاً واحداً (٤). ورأى أن ذلك مجزئ عنه، وأهدى» (٥).
وكما ترى فإن الفتنة كانت بين المسلمين، وابن عمر خشي من الحَجَّاج أن يقف مانعاً في وجهه، وهو الذي حاصر مكة بأمر من الخليفة وكلاهما مسلم، وهو ما يؤيد أن الإحصار لا يشترط أن يأتي من جهة الكافر نفسه على غرار ما حدث في الحديبية، وأنه قد يأتي من السلطان المسلم على نحو ما كان يخشاه عبد الله بن عمر أيام الفتنة.
стр. 141
لكن إن احتاج المحرمون إلى قتال ليبلغوا مكة فهل يقاتلون؟
إذا كان المانعون كفاراً، وكانت لديهم القدرة على قتالهم، فالأولى لهم ذلك، ليجمع الحاج بين الجهاد ونصرة الإسلام وإتمام النسك (١).
قال الإمام النووي: «وإن احتاجوا إلى قتال فلهم التحلل، ولا يلزمهم القتال سواء كان العدو مسلمين أو كفاراً قليلاً أو كثيراً. لكن إن كان في المسلمين قوة فالأولى أن يقاتلوا الكفار. وإن كان فيهم ضعف فالأولى أن يتحللوا.
ومتى قاتلوا فلهم لبس الدروع والمغافر وعليهم الفدية كمن لبس لحرٍّ أو بَرْد» (٢).
ثم ماذا لولم يمكنهم المضيُّ إلى مكة إلّا بجُعْلٍ من المال يبذلونهم لمن وقف على أذناب الأودية يمنع قوافل الرحمن من الوصول إلى البلدة الحرام إلّا بإلقاء مقدار معلوم؟
هذه المسألة يعود فيها التفصيل السابق:
فإن كان المانع كافراً لم يجب تقديم جُعْلٍ له؛ لما فيه من هوان الإسلام والمسلمين، إلّا أنه جائز مع الكراهة، ولا يحرم كما تحرم الهبة للكفار، وهو المعتمد في فقه السادة الشافعية.
وفي اجتهاد آخرين بذل المال لكافر لا يجب، وهو جائز مع الكراهة.
أما إن كان المانعون مسلمين فلا يبذل المال كذلك وإن قلّ، لكن لا يحرم أيضاً عليهم لو فعلوا. ثم إن القلة هنا ليست على إطلاقها عند متأخري الشافعية،
стр. 142
بل هي بالنسبة لطبيعة النسك، لذلك لا يضر درهم أو درهمان، فهذا مما يتهاون فيه الناس، لاسيما وأن الفريضة هذه طبيعتها الإنفاق فيبذلون هذا ولا يتحللون (١).
قال الإمام النووي: «ولو منعوا ولم يتمكنوا من المضي إلّا ببذل مالٍ، فلهم التحلل، ولا يبذلون المال وإن قلّ، بل يكره البذل إن كان الطالب كافراً؛ لأنّ فيه صغاراً على الإسلام» (٢).
وقال الإمام القرطبي: «ولو سأل الكافر جُعْلاً لم يَجُزْ؛ لأن ذلك وهن في الإسلام» (٣).
وقال الإمام القرطبي في حق المسلم إن كان هو الواقف في طريق مضي الحجاج إلى مكة: «وأما بذل الجعل، فلما فيه من دفع أعظم الضررين بأهونهما، ولأن الحج مما ينفق فيه المال، فيعد هذا من النفقة» (٤).
أي في اجتهاد العلامة القرطبي لابأس ببذل المال للمسلم، وأنه يدخل ضمن نفقة الحج المالية.
والذي نخلص به من كلام الإمامين الكبيرين أنه لا يكره بذلك للمسلم؛ لأن إمامنا النووي نص على الكراهة فيما لو بذل المال لكافر، فدل على أن الكراهة
стр. 143
تخصه وحده، وهو ما صرح به العلامة ابن حجر الهيتمي في تعقبه لكلام النووي (١). وكذلك العلامة الشربيني في قوله: «أما المسلمون فلا يكره بذله لهم» (٢).
والأصل في الإحصار أن يمنع العدو المحرم من المضي في مناسك الحج من كل الطرق، وله حينئذ التحلل سواء كان وقت التحلل واسعاً أو ضيّقاً، لكن في الحالة الأولى، أي إن اتسع الوقت فالأفضل الصبر عن التحلل، لأنه ربما زال الإحصار بزوال سببه، فيدرك المحرم به فضيلة إتمام الحج إلى بيت الله الحرام (٣).
فالتحلل من الإحرام على الجواز لا على الوجوب، اللهمّ إلّا إن لزم عليه مصابرة الإحرام في غير وقته فيجب عليه التحلل حينئذ لما في المصابرة على الإحرام زمناً طويلاً انتظاراً لقدوم الحج الذي تعجل بالإحرام فيه، مشقة وحرجاً شديداً لا يحتمل عادة.
أما إن ضاق الوقت فالأفضل أن يعجّل بتحلّله، لئلا يفوت الحج.
يستثنى من هذا ما لو يتقّن (٤) المحصر زوال الإحصار عن قرب في مدة يمكن إدراك الحج بعدها، وهي ثلاثة أيام، فإنه يمتنع تحلله في هذه الصورة.
ومثله المعتمر الذي أيقن أو غلب على ظنه أنه إن انتظر زال مانع الحصر
стр. 144
لوقت قريب قدره العلماء أيضاً بثلاثة أيام، فكذلك يمتنع تحلله (١).
ولا خلاف في جواز التحلل بالإحصار ما لو أحاط العدو بالمحرم من جميع الجوانب وكانوا فرقة واحدة يعضد بعضها بعضاً، أو فرقاً متميزة لا تشد إحداها عضد الأخرى (٢) وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (٣).
ومن الإحصار ما لو صُدّ عن البيت من طريق، ثم وجد طريقاً آخر آمناً أطول منه، وكانت لديه نفقة تكفيه، ووجدت في شخصه شروط الاستطاعة، لزمه المضيُّ فيه، سواء أطال الزمن أم قصر، حتى وإن تيقّن فوت الحج في ذلك العام، وحينئذ يتحلل بعمرة، كما نصّ عليه الشافعي ﵀، ولا يجب عليه القضاء.
أما إذا وجد الطريق الآمن الأطول دون أن تتوفر في شخصه شروط الزاد والراحلة، وسائر ما يتعلق بها من شروط الاستطاعة، فله التحلل وقتئذ في الطريق الذي أُحصر فيه (٤).
ومن مسائل الإحصار أنه إما أن يقع عن الوقوف دون البيت، أو عن البيت دون الوقوف بعرفة، أو عن المبيت والرمي، أو عن هذا كله: فإن أُحصر الحاج عن الوقوف بعرفة دون أن يحصر من دخول مكة، فلا يتحلل حتى يدخل
стр. 145
مكة المكرمة، ثم يؤدي عمرة يتحلل من إحرامه بها.
وإن أُحصر عن البيت، ولم يمنع من الوقوف بعرفة، لزمه الوقوف فيها، ثم يتحلل، وهو الحكم الفقهي الذي نقله النووي في المجموع عن الماوردي وأيده.
إما إن أُحصر من المبيت والرمي فلا يتحلل بالإحصار؛ لأنه يمكنه التحلل بالطواف والسعي والحلق.
أما إن أُحصر من هذا كله، فإنه يتحلل حيث أُحصر، على التفصيل الذي مر معك.
هذا الذي سطرته لك هو ما يعرف عند فقهاء الشافعية بالإحصار العام، لكن يلحق به صور أخرى تندرج تحت ما اصطلح عليه بالإحصار الخاص (١)، من نحو المانع الثاني من موانع الحج، ومفاده أنه إذا حبس ظلماً كأن حبس بدين وهو معسر به جاز له التحلل كما مر في الحصر العام، ومثله ما لو كان موسراً وله وكيل يقضي عنه ما عليه من التزامات مالية، لكن لم يقبل منه ذلك، وسيق إلى الحبس بسائق الظلم (٢).
أما إذا حبس بحق كأن أُدخل السجن بدين، وهو يتمكن من أدائه، لم يجز له التحلل؛ لأنه يقدر على الخروج من حبسه بدفع ما عليه، ويمضي في نسكه،