المقتول، كما خرج من وصفنا من قتلى صفين والجمل من معنى هذا الحديث، كذلك خرج المحارب من معناه، مع أن المحارب قد أفسد في الأرض، وقد جعل الله الفساد في الأرض عِدلاً للقتل، وقائل هذه المقالة لا يجوز له أن يحتج بهذا الحديث؛ لأنه يقتل من امتنع من الصلاة، ويقتل من امتنع من الزكاة، وقد روت عائشة ﵂: لا يحل دم أحد من أهل الملة إلا ثلاثة *قتل نفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق جماعة المسلمين يفسد في الأرض (١).
стр. 1017
وإذا كان الخوارج يحل قتلهم وليسوا بمرتدين، وقال النبي ﷺ : طوبى لمن قتلهم أو قتلوه (١). فكذلك المحارب يقتل لإفساده في الأرض.
وقد اختلف الناس في النفي، فقال بعضهم: يطلب ليقام عليه الحد فيهرب (٢)، وقال بعضهم: النفي بعينه (٣)، وهذا أشبه، ومالك يرى فيه وفي الزاني البكر: أن التغريب والنفي، إخراج عن البلاد إلى محبس في سواه، إلى أن تحدث منه توبة، والزاني سنة، ثم يطلق، وتوبة المحارب عند مالك ربما طال حبسه إلى أن تظهر منه توبة، وهي من أشد العقوبات، أو يطول حبسه فيرى الإمام أنه قد ردعه فيطلقه (٤)،
стр. 1018
قال الله : ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ (١)، وقال : ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ (٢) وقال : ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ (٣) فالنفي من الوطن والحبس هناك من غليظ العقوبات، ومذهب مالك ﵁ في النفي أن أقله إلى موضع تقصر في السفر إليه الصلاة، ويستحب ما زاد على ذلك (٤)؛ لأن عمر ﵁ استعمل رجلاً على الخمس، فاستكره جارية من الخمس، فجلده مائة ونفاه إلى فدك (٥)(٦).
стр. 1019
وقد زعم قوم أن المحاربة لا تكون إلا خارج (١) عن المصر (٢)، وهذا غلط؛ لأن المحارب هو الذي يقاتل على أخذ المال، والسارق الذي يأخذ المال مستخفياً، فكما يكون السارق في المصر وفي غير المصر، كذلك يكون * المحارب في المصر وفي غير المصر؛ لأن الجناية هي بفعله لا بالموضع الذي يكون فيه الفعل؛ لأن الله نسب الفساد إلى أفعالهم لا إلى المواضع، فقال عز من قائل: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (٣)
стр. 1020
ولعل المحاربة في المصر أغلظ؛ لأن المحاربين لا يجترؤون على ذلك في المصر إلا بعِدَّة وعُدَّة (١)، قال ابن عباس، والحسن، وقتادة: إذا دخل عليك ومعه حديدة في بيتك فهو محارب تقطع يده ورجله (٢). وقد فرق الله بين المحارب والسارق، فجعل توبة السارق لا تسقط الحد عنه، وكذلك الزاني لاستسرارهما بفعلهما، وجعل المحارب لإظهاره الفعل تقبل توبته قبل القدرة عليه، ويسقط الحد عنه، وكذلك المرتد عن الإسلام خاصة إلى أي دين كان من عبادة وثن، أو يهودية، أو قولاً بالدهر، أو نصرانية أي ذلك كان، أو غيره فهو كفر، فارتداده يوجب قتله وقبول توبته؛ لأنه قاتل ظاهراً بظاهر، والزنديق فهو مرتد إلا أنه سمي بهذا الاسم لإخفائه واستسراره بردته، إلى أي أصناف الكفر كان، فهذا إذا أسرته البينة قتل، ولا توبة له؛ لأن توبته مقابلة باطن بظاهر، لا يعرف صحته، ولا يؤمن أن يكون ذلك حيلة منه لدفع ما حكم الله به فيه، ثم يعود إلى استسراره الذي كان عليه، وكذلك الساحر المسلم إذا سحر لاستسراره بفعله الكفر ما كان مقتولاً غير مقبول توبته (٣)،
стр. 1021
إذ فرق الله بين المستسر بها، والأفعال المعلن بها، قال الله : ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ (١) * فالزنديق الأسير أوقفه (٢) ورأى السيف فتوبته غير مقبوله، وقد زعم الشافعي: أن من ارتد من النصرانية إلى اليهودية أنه يستتيبه ليرجع إلى النصرانية، فإن أبى قتله (٣).
стр. 1022
وإنما قال رسول الله ﷺ : من بدل دينه فاقتلوه (١). خصوصاً للدين المرضي وهو الإسلام، ألا تراه قال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٢) ولم يكن هذا على العموم، ولا يخلوا من أن يكون ﵇ أراد الخصوص أو العموم، فإن كان الخصوص فلا دين يؤخذ الناس به غير الإسلام، وإن كان أراد العموم عند الشافعي فقد ينبغي له إن كان عابد وثن انتقل إلى أهل الكتاب أن يأخذه بالرجوع إلى عبادة النار وعبادة الحجر، فإنَّ هذا فقد مرّ على القياس مع إدعائه العموم فيما يستحيل فيه العموم (٣)، وإن أباه فهل يقول إن اليهودية أو النصرانية من الأديان التي ينبغي الإقامة عليها؟ مع ظهور حجج الفرقان، وإنه لعظيم ما كلفه الشافعي الإمام من مطالبة الوثني بالرجوع إلى عبادة الوثن، ونسأل الله التوفيق.
قال الله ﵎: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٤).
اتفق الناس جميعاً من أهل العلم على أن السارق والسارقة لا يقطعان إلا في سرقة من حرز ومقدار (٥)،
стр. 1023
ثم * اختلفوا في المقدار، وفي بعض الحرز، فقال مالك، وأهل الحجاز، ومن تبعهم: الحرز كل سرقة كانت مسارقة من أهلها، ومن سائر العيون؛ لأن اسم سرقة إنما أخذ من المسارقة، هذا عرف العرب ولسانها (١). وقالوا في المقدار: إنه من الذهب حسب ربع دينار فصاعداً، ومن الورق ثلاثة دراهم، وردوا سائر السلع إلى ثلاثة دراهم في القيمة (٢)،
стр. 1024
واحتجوا في ذلك برواية يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة- ﵂ وعبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، وسائر الطرق عن عائشة- ﵂ قولها عن النبي ﷺ : القطع في ربع دينار فصاعداً، فلا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعداً، وما طال علي ولا نسيت القطع في ربع دينار فصاعداً (١).
стр. 1025
فهذا عندنا في الذهب خاصة، والسلع مردودة إلى ثمن المجن الذي قطع فيه رسول الله ﷺ . رواه مالك، وأيوب، وعبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ : قطع في مجن (١) ثمنه ثلاثة دراهم. كذا قال مالك ﵁ (٢). وقال بعضهم: قيمته (٣).
стр. 1026
وقال أهل العراق: ولا تقطع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم (١)، وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده من الصحيفة: أن النبي ﷺ قطع في مجن قيمته عشرة دراهم (٢)،
стр. 1027
وعن ابن عباس كان ثمن المجن على عهد رسول الله ﷺ عشرة دراهم (١)، ولم يقل الذي قطع فيه (٢)، فتعلقوا بذلك، ولا حجة لهم فيه؛ لأن من قطع في ثلاثة دراهم هو يقطع فيما زاد عليها، ولم يقل عنه ﷺ لا تقطع اليد في أقل من هذا، فيكون ما دون العشرة ممنوعاً من القطع فيه *، وكانت الآية وظاهر القرآن يوجب قطع كل سارق لزمه الاسم، إلا من أجمعوا ألا يقطع، فإن قالوا: اليد محظورة إلا أن يجمعوا، قيل لهم: القطع بكتاب الله واجب إلا أن يجمعوا فنقف عند إجماعهم.
قيمتها درهمان (١)، قلنا: في الرواية نظر لأهل النقل، ومع ذلك فإن الراوي قوّم درهمين، وقوّم عثمان بالذهب، وكان يومئذ ثمانية دراهم بدينار (٢)، ألا ترى عمر بن الخطاب ﵀ جعل الدية مرة ثمانية الآف، ومرة عشرة الآف، ومرة اثنا عشر ألفاً لاختلاف القيم في الأوقات (٣)،
стр. 1030
ومع ذلك فقد ثبث عن النبي ﷺ أنه قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم، ولم يقل قيمته (١)، فتردد ذلك إلى تقويم الراوي.
وقد اختلفوا أيضاً في تضمين السارق، فقال المشرقيون: لا ضمان على موسر ... ولا معسر (٢)، وضمّن الشافعي الفريقين (٣)،
стр. 1031
وقال المالكيون: جعل الله على ... السارق جزاء كسبه شيئاً واحداً وهو القطع، فلا نجعل في يده شيئين، لأنا لو ضمناه لجعلنا في يديه شيئين، فنقول: إن قدرنا على المسروق كان صاحبه أولى به، وإن كان قد تلف نظرنا فإن كان له مال أخذنا القيمة من ماله؛ لأنه وفاه بالسرقة فيكون ذلك في المال دون البدن، وإن كان معسراً لم ألزم يديه شيئاً يسعى فيه (١)، فقد روى المسور عن عبد الرحمن بن عوف، رواه عنه سعد بن إبراهيم.
نا الحسن بن علي (٢) قال: نا خالد ابن خداش (٣) قال: نا إسحاق بن الفرات (٤) قال: نا مفضل بن فضالة (٥) قال: نا يونس بن يزيد (٦)
стр. 1032
* عن الزهري (١) عن سعد بن إبراهيم (٢) عن المسور (٣) عن عبد الرحمن بن عوف: أن النبي ﷺ أُتي بسارق فأمر بقطعه، وقال: لا غُرم عليه (٤).
стр. 1033
وعن النبي ﷺ : دُريء الضمان عن السارق، وقال: لا ضمان عليه (١). ومثل قول رسول الله ﷺ فيمن وجد متاعه في المغنم: هو أحق به ما لم يقسم، رواه علي بن المديني عن يحيى بن سعيد القطان عن مسعر عن عبد الملك بن ميسره عن طاوس عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ (٢)، وهذا مع الرواية لا يجوز في النظر سواه؛ لأن أهل دار الحرب ملكوه، فلو أسلموا ما انتزع من أيديهم، وهذا لا اختلاف فيه، كما يملكون الربا وأثمان المحرمات إذا أسلموا وتحل لهم.
واختلف الناس أيضاً في الجماعة تسرق ما قيمته ثلاثة دراهم أو عشرة، على مذهب أهل العراق فقالوا: لا قطع عليهم حتى يكون مقدار ما أخذوه ما يلزم كل إنسان ما يقطع فيه اليد (٣)، وقال المالكيون: يقطعون؛ لأن ما دون المقدار هو التافه، والقطع إنما هو في المقدار والحرز، فإذا كان المقدار لا يستقل به الواحد، ولا يقدر عليه إلا بآخر قُطعا جميعاً (٤)،
стр. 1034
وألزموا العراقي والشافعي ذلك، بالاتفاق أنهم يقتلون الجماعة بالواحد (١)، وليس كل واحد منفرد بإماتت النفس، كما ليس كل واحد منفرد بإخراج السلعة التي قيمتها ثلاثة دراهم، وألزموا الشافعي أن يقول ذلك؛ لقوله في مائة نفر ملكوا مائتي درهم لكل واحد درهمان: أنهم يزكون (٢). وهذا من أقبح ما قيل؛ لأن الله ورسوله * أوجبا الزكاة على الأغنياء للفقراء، والفقير الذي يُعطى يملك أضعاف ما يملك المزكي، فقد صارت الزكاة بقوله: تؤخذ من الفقير وتعطى الغني، ويمنع من القطع الذي هو جزاء على الفعل في المقدار، وعلى المعصية فيه، ويجوز أيضاً أن يحتج المالكي في ذلك بظاهر القرآن، أن الله ﵎ قرن اثنين في القطع بقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٣) فأمر بقطع اثنين في سرقة (٤)،
стр. 1035
ثم قدرها رسول الله ﷺ ربع دينار، فقطعناهما إذا اجتمعا وإذا انفردا في ذلك المقدار، وإذا وجب قطع اثنين في الربع وجب في أكثر من ذلك، لقتلنا الجماعة بالواحد، والله أعلم.
نا زكريا بن يحيى الساجي (١) قال: نا القاسم بن إسحاق الأنصاري (٢) قال: ... نا أبي (٣) قال: نا عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة بن الزبير (٤)
стр. 1036
عن هشام بن ... عروة (١) عن أبيه (٢) عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ أُتي برجل كان يسرق الصبيان فيبيعهم، فأمر به فقطع (٣).
стр. 1037
ومما يبين أن الله ﵎ قد يوجب المال تارة والحد يزيله تارة، ما حدثناه جماعة منهم: البرنكاني (١) والباغندي (٢) قالا: نا الحسن بن يحيى الأزدي (٣) قال: نا علي بن المديني (٤) قال: نا يحيى بن سعيد (٥)
عن مسعر (٦) عن عبد الملك بن ميسرة (٧)
стр. 1038
عن طاوس (١) عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: من وجد متاعه في أرض العدو قبل القسم فهو أحق به، وإن وجده بعد القسم فهو أحق به بالثمن (٢).
стр. 1039
قال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ (١) إلى قوله عز من قائل: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (٢) *.
الظاهر والله أعلم في قوله ﵎: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٣) إنما هو عطف على الكلام الذي قبله؛ لأنه لا يقال: وأن افعل، ابتداء بالكلام، وإنما هو على ما مضى من الكلام قبله. وقد اختلف التابعون في تفسير ذلك، فقال جماعة منهم: إن قوله سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٤) ناسخ لقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٥)(٦).
стр. 1040
وقال جماعة منهم: إن قوله عز من قائل: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (١) غير منسوخة، وأن الأخرى وهي قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٢) عطف على الأولى، فإذا اختار أن يحكم حكم بما في كتابنا، وهو ما أنزل الله على نبيه ﷺ فيما يحدث بينهم، سوى ما نزلت الآيات فيه، فإن ذلك كان حكمه فيه بالتوراة (٣)، وهذا قول أكثر المفسرين، قالوا: إن شاء حكم، وإن شاء أعرض، فإن حكم حكم بما أنزل الله علينا دون ما أنزل عليهم (٤).
стр. 1041
وهذه الآيات، وهذه القصة نزلت في يهود، زنا رجل منهم بامرأة منهم، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي، فإنه نبي بعث بالتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها، واحتججنا بها عند الله، وإن أفتانا بالرجم لم نقبل، فأتوا النبي ﷺ وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا، وكان الحد يومئيذ فينا التجبية والتحميم؟ - وهو قول الله : ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ (١)
стр. 1042
وهذا كان الحد الأول * في الزنا، ثم نزل بعد ذلك: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (١) يعني: حكماً غير هذا، ثم أنزل الله الجلد للبكر، والرجم للثيب. فخطب النبي ﷺ وقال: خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً - (٢) وقد كان اليهود قبل ذلك زنا رجل ذو قرابة من ملك من ملوكهم فدفع عنه الرجم، ثم زنا آخر في نسوة من الناس فأراد رجمه، فحال قومه دونه، وقالوا: والله لا ترجم صاحبنا حتى تأتي بصاحبك فترجمه، فاصطلحوا بينهم على التجبية والتحميم الذي كان يفعل فينا (٣).
стр. 1043
وكانت أيضاً قريظة والنضير عدت إحدى الطائفتين، وقهرت الأخرى قبل مقدم رسول الله ﷺ ، فاصطلحوا على أنه ما قتلت العزيزة من الذليلة من قتيل فديته خمسون وسقاً (١)، وما قتلت الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق (٢).
стр. 1044
ورسول الله ﷺ يومئذ لم يظهر على يهود، ولا كان له عليهم حكم، فلما أتوا النبي ﷺ في أمر الزانيين يُؤمّلون أن يأمرهم بالتخفيف، أنزل الله علينا: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ (١) يعني آمنا: قبلنا ما تقوله لنا، ولم تؤمن قلوبهم، ولم تصدق ألسنتهم عما في قلوبهم: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ (٢) يريدون التجبية والتحميم: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ (٣)
стр. 1045
* ثم قال ﵎: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ (١)، ثم أنزل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ (٢) وأنزل الله عليه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٣) فكان مخيراً بين أن يحكم أو يعرض، فلما اختار أن يحكم قال الله له: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٤)، فلما قال الله ﵎: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٥) أي: لا تحكم بشريعتك ومنهاجك، واحكم بشريعتهم ومنهاجهم، وأمر أن يحكم بينهم بالحق وبالقسط الذي أنزل عليهم في كتابهم، وقيل له: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ (٦) أتى نبي الله ﷺ إلى بيت مِدْرَاسِهم (٧)
стр. 1046
بعد أن قال لهم: ما تجدون الحد فيكم؟ فقالوا: التجبية والتحميم، فدعا بالتوراة فقرئت، فلما بلغ آية الرجم وضع ابن صوريا (١) يده عليها، فقال عبد الله بن سلام (٢): هذه آية الرجم، فرُفعت يده وقُرئت آية الرجم، فأمر بهما النبي ﷺ فرجما، وقال ﷺ : اللهم إني أول من أحيا ما أماتوا من كتابك (٣).
стр. 1047
وروى ابن عمر (١)، وأبو هريرة (٢)، وجماعة (٣) أن النبي ﷺ رجم اليهوديين بالتوراة. وقال عبيد الله * بن عبد الله بن عتبة: أما والله إن كثيراً من الناس ليتأولون هذه الآيات على غير ما أنزلت، وإنما أنزلت في يهود: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٤) ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٥) و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ (٦)(٧).
стр. 1048
وقد روى نافع (١)، والزهري (٢): أن اليهود تحاكموا إلى النبي ﷺ في اللذين زنيا.
وأبو الزناد (٣) روى: أنهم تحاكموا في القتيل الذي قتل (٤). وجميعاً قد كانا؛ لأن حديث الزانيين قد جاء من غير وجه، وقصة القتيل أيضاً (٥).
стр. 1049
وأما قول من قال (١): إن قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٢) نسخ قوله: ... ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٣) فليس بالبين؛ لأن ... الناسخ والمنسوخ لا يكون إلا حالاً بعد حال، فأما في حال واحدة فلا، ولما قيل: ... ﴿وَأَنِ احْكُمْ﴾ (٤) علم أنهم الذين قيل فيهم: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٥) وعلم أنهم حكّموه بقول الله : ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ (٦) وليس يجب على من حُكّم أن يحكم، هو مخير إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، وإنما يجب الحكم على من هو حاكم على قوم، وحكمه جائز عليهم من غير تراضيهم به، وقد ذكر عبيد الله بن عبد الله: أن النبي ﷺ لم يكن ظهر عليهم يومئذ (٧).
стр. 1050
والقرآن يدل على ذلك، وإنما جرى حكم رسول الله ﷺ على يهود، وأنزلت آية الجزية بعد فتح مكة، وعند مخرجه إلى تبوك، والرجم كان في قريظة والنضير قبل نقضهم العهد، وخيبر بعد ذلك بمدة، والذمة ودخولهم تحت الصغار والجزية بعد خيبر وبعد فتح مكة *، والنبي ﷺ قال في مرضه: لا يبقين دينان في جزيرة العرب (١).
стр. 1051
فأجلى عمر ﵁ يهود خيبر، ويهود نجران، وفدك (١). وقال مالك ﵁: وجزيرة العرب: مكة، والمدينة، واليمن، واليمامة (٢).
стр. 1052
وإنما ذكر مالك ﵁ أمهات القرى من جزيرة العرب، ولم يذكر ما هو تبع لها من البوادي والقرى. قال الأصمعي: جزيرة العرب من أقصى أرض اليمن إلى ما تبلغه عمارة فارس والروم (١). وقول مالك ﵁: أن اليهود لا تقام عليهم الحدود، ولا على أحد من الكفار في الزنا، وما أشبهه مما يكون الحد فيه لله وحده (٢)؛ لأن الله أمرنا أن نقرهم على أنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، فقد أقررناهم على الذي بينهم، لا مدخل لنا في ذلك، ولما أخذنا منهم الجزية وجب علينا أن نُمنع منهم، فإن غصبهم غاصب، أو سرقهم سارق، أو قتلهم قاتل وجب على الحاكم أن ينظر في ذلك بينهم وبين خصمهم، كان منا أو منهم؛ لأن علينا أن نكف بعضهم عن بعض في أنفسهم، وأموالهم للوفاء بعهدهم، وإذا كانت المعاملات في الأموال بينهم وبين المسلمين وجب على الحاكم أن ينظر بينهم؛ لأن المسلم لا يتولى الحكم عليه إلا مسلم، وإن كان الذي عامله ذمياً لم ينظر الحاكم بينهما (٣)، إلا أن يتراضيا بحكمه؛ لأنا أخذنا منهم الجزية وتركناهم ودينهم، إذ أقرهم الله على أن لا يحرمون ما حرم الله ورسوله (٤)،
стр. 1053
ولا يدينون دين الحق، وإن حكمنا * عليهم بأحكامنا كان نقضاً للعهد بيننا وبينهم؛ لأنا إذا فعلنا ذلك ألزمناهم أن يحرموا ما حرم الله ورسوله، ولو جاز لنا ذلك لأخذناهم بالإسلام الذي هو الأصل، فإذا حكّمونا فلنا أن نحكم، ولنا أن نعرض، وإن حكمنا كان الحكم بالكتاب والسنة، ولم يكن ذلك بعد التراضي بنا نقضاً للعهد، وإنما الحاكم في هذه المنزلة رجل حكَّمه رجلان، فإن شاء حكم، وإن شاء ترك. كتب محمد بن أبي بكر (١) إلى علي بن أبي طالب ﵄ يسأله عن زنادقة النصارى، وعن مسلم زنا بنصرانية، فكتب إليه: أما زنادقة النصارى فيتركون وأهل دينهم، وأما المسلم الذي زنا بنصرانية فيقام عليه الحد، وتترك هي وأهل دينها (٢).
стр. 1054
وقد اختلفت الروايات والتفاسير في قول الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ (٢) و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ (٣) فقال بعضهم: إنها في اليهود لما غيروا من كتاب الله، وعدلوا عن أحكامه (٤). وقال بعضهم: هي فينا وفيهم (٥).
стр. 1055
وقد نص الله في ذلك في أمر اليهود وأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، فخالفوا ما كتب عليهم في التوراة، فقال : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (١) فكان ظاهر ذلك يدل على أنه من فعل فعلهم، واخترع حكماً خالف به حكم الله، وجعله ديناً يعمل به فقد لزمه ما لزمهم، حاكماً كان أو غير حاكم (٢).