فأجلى عمر ﵁ يهود خيبر، ويهود نجران، وفدك (١). وقال مالك ﵁: وجزيرة العرب: مكة، والمدينة، واليمن، واليمامة (٢).
стр. 1052
وإنما ذكر مالك ﵁ أمهات القرى من جزيرة العرب، ولم يذكر ما هو تبع لها من البوادي والقرى. قال الأصمعي: جزيرة العرب من أقصى أرض اليمن إلى ما تبلغه عمارة فارس والروم (١). وقول مالك ﵁: أن اليهود لا تقام عليهم الحدود، ولا على أحد من الكفار في الزنا، وما أشبهه مما يكون الحد فيه لله وحده (٢)؛ لأن الله أمرنا أن نقرهم على أنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، فقد أقررناهم على الذي بينهم، لا مدخل لنا في ذلك، ولما أخذنا منهم الجزية وجب علينا أن نُمنع منهم، فإن غصبهم غاصب، أو سرقهم سارق، أو قتلهم قاتل وجب على الحاكم أن ينظر في ذلك بينهم وبين خصمهم، كان منا أو منهم؛ لأن علينا أن نكف بعضهم عن بعض في أنفسهم، وأموالهم للوفاء بعهدهم، وإذا كانت المعاملات في الأموال بينهم وبين المسلمين وجب على الحاكم أن ينظر بينهم؛ لأن المسلم لا يتولى الحكم عليه إلا مسلم، وإن كان الذي عامله ذمياً لم ينظر الحاكم بينهما (٣)، إلا أن يتراضيا بحكمه؛ لأنا أخذنا منهم الجزية وتركناهم ودينهم، إذ أقرهم الله على أن لا يحرمون ما حرم الله ورسوله (٤)،
стр. 1053
ولا يدينون دين الحق، وإن حكمنا * عليهم بأحكامنا كان نقضاً للعهد بيننا وبينهم؛ لأنا إذا فعلنا ذلك ألزمناهم أن يحرموا ما حرم الله ورسوله، ولو جاز لنا ذلك لأخذناهم بالإسلام الذي هو الأصل، فإذا حكّمونا فلنا أن نحكم، ولنا أن نعرض، وإن حكمنا كان الحكم بالكتاب والسنة، ولم يكن ذلك بعد التراضي بنا نقضاً للعهد، وإنما الحاكم في هذه المنزلة رجل حكَّمه رجلان، فإن شاء حكم، وإن شاء ترك. كتب محمد بن أبي بكر (١) إلى علي بن أبي طالب ﵄ يسأله عن زنادقة النصارى، وعن مسلم زنا بنصرانية، فكتب إليه: أما زنادقة النصارى فيتركون وأهل دينهم، وأما المسلم الذي زنا بنصرانية فيقام عليه الحد، وتترك هي وأهل دينها (٢).
стр. 1054
وقد اختلفت الروايات والتفاسير في قول الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ (٢) و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ (٣) فقال بعضهم: إنها في اليهود لما غيروا من كتاب الله، وعدلوا عن أحكامه (٤). وقال بعضهم: هي فينا وفيهم (٥).
стр. 1055
وقد نص الله في ذلك في أمر اليهود وأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، فخالفوا ما كتب عليهم في التوراة، فقال : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (١) فكان ظاهر ذلك يدل على أنه من فعل فعلهم، واخترع حكماً خالف به حكم الله، وجعله ديناً يعمل به فقد لزمه ما لزمهم، حاكماً كان أو غير حاكم (٢).
وقد روى عطاء بن السائب (١) عن أبي عبد الرحمن (٢) عن علي قال: شرب نفر من أهل الشام الخمر، وعليهم يزيد بن أبي سفيان (٣)
стр. 1058
*، وقالوا: هي لنا حلال، وتأولوا هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (١) الآية، فكتب فيهم (٢) إلى عمر ﵀ فاستشار فيهم الناس، فقالوا: يا أمير المؤمنين نرى أنهم كذبوا على الله، وشرعوا في دينه ما لم يأذن به، فاضرب أعناقهم، وعلي ﵀ ساكت، فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ ، فقال: أرى أن تستتيبهم، فإن تابوا جلدتهم ثمانين لشربهم الخمر (٣)، وإن لم يتوبوا ضربت أعناقهم، وإنهم كذبوا على الله، وشرعوا في دينه ما لم يأذن به الله، فاستتابهم فتابوا، فضربهم ثمانين ثمانين (٤).
قال القاضي: وهذا القول اتفاق من عمر وعلي على أن من شرع شرعاً يخالف كتاب الله كان له حكم من يقدمه ممن خالف الكتاب.
стр. 1059
وأما قوله : ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ﴾ (١) فقد تأول قوم بهذه الآية: أن المسلم يقتل بالذمي (٢).
стр. 1060
وهذا التأويل مع ما فيه من مخالفة الحديث الذي روي عن رسول الله ﷺ خطأ شديد؛ لأن الله قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ (١) يعني: في التوراة، فكان ذلك مكتوباً على قوم هم ملة واحدة متساوون، ولم يكن لهم أهل ذمة ولا عبيد، ولا أبيح الاستعباد إلا لنبينا ﷺ في شيء من الكتب، كما المسلمين أهل ذمة وعبيد، لأن الجزية فيء وغنيمة أفاءها الله على المؤمنين، ولم يجعل الفيء قبل هذه الأمة، ولا كان نبي يبعث إلا إلى قومه، وبعث نبينا ﷺ إلى الناس كافة (٢)، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٣)
стр. 1061
فعلمنا أن هذه الآية أوجبت على أهل التوراة، وكانت دماؤهم تتكافأ، وأحكامهم * وملتهم واحدة، فكذلك وجب حكم هذه الآية على أهل القرآن إذ أنزلت فيه فيما بينهم على التكافؤ (١)(٢)؛ لقول النبي ﷺ : المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم (٣).
стр. 1062
وهذا دليل واضح أن دماء غيرهم لا تكافئ دماءهم، إذ قال: وهم يد على من سواهم. فمن زعم أن المسلم يقتل بالذمي فقد جعل الكافر يكافئ المؤمن، وأخلى قول النبي ﷺ : المؤمنون تتكافأ دماؤهم. من الفائدة، وهوكلام بعضه موصول ببعض، فأدنى المسلمين يجير عليهم، ولو أن ذمياً أجار عليهم لما جاز جواره، وقد علمنا بقول رسول الله ﷺ أن من سواهم هم الكفار من ذمي وغير ذمي، والكافر الذمي محرم دمه بالعهد الذي جعل له، كما حرم ماله، ولولا ذلك لكان بمنزلة الحربي، لا فضيلة له، وليس يجب على مسلم نقض عهد فيما بينه وبين ذمي أن قتل، ولكن يؤدب ويغرم ما أتلف من دم أو مال. وقد زعم أبو حنيفة في حربي دخل بأمان فقتله مسلم أنه لا يقتل به، وأن عليه ديته (١). فترك هو وأصحابه ما احتجوا به من: أن النفس بالنفس، وأن الآية عامة في كل نفس محرمة، ودم المستأمن عندهم محرم، كما حرم دم الذمي (٢)، وكل واحد منهما له عهد يجب على المسلمين الوفاء به إلى مدته، لا فرق بين حاله إلى مدته وبين حال الذمي، وقالوا أيضاً: من قتل عبده المسلم لم يقتل به (٣).
стр. 1063
فأخرجوه أيضاً من جملة الآية التي احتجوا بعمومها، فإن قالوا: إن هذا خرج من جملة الآية؛ لأنه عبده. فكذلك خرج الآخر؛ لأنه كافر ليس حرمته كحرمة المسلم، بل العبد المسلم أعظم عند الله من الذمي؛ لقول الله تعالى فيمن قتل * مؤمناً متعمداً، وخص المؤمنين بذلك، والعبد المؤمن داخل في جملة المؤمنين (١). ولو أن مسلماً قذف ذمياً لما جلد له الحد لنقصان حرمة الكافر عن حرمة المسلم، ولكن يؤدب للعهد الذي جعل له (٢).
قال الشعبي أخبرني أبو جحيفة (٣) قال: وسمعت علياً يقول: ما عندنا سوداء في بيضاء (٤) بعد كتاب الله، إلا ما في هذه الصحيفة، قلت: وما فيها؟ قال: العقل (٥)، وفكاك الأسير (٦)، ولا يقتل مؤمن بكافر (٧).
стр. 1064
وقد احتج من أصحاب داود (١) بعضهم بقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ (٢)(٣). ولا تخلوا هذه الآية من أن تكون خصوصاً أو عموماً، فإن كانت على العموم فينبغي أن يقتلوا (٤) الحر بالعبد، فقد قتل مظلوماً، وإن كانت خاصة فقد اذن (٥) إلى التكافؤ (٦)(٧)، والله أعلم.
стр. 1065
وقالوا أيضاً: إن قوله: ولا يقتل ذو العهد في عهده. ابتداء لا وجه له؛ لأنا قد علمنا بقوله: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ (١) أن قتلهم محرم في العهد إلى تقضيه، وهو نكث الذمي، وخروجه من الذمة (٢). قلنا لهم: ليس الأمر على ما ظننتم، إن كانت الآية قد منعت من قتلهم فقد منعت من قتل الحربي في عهده، كما منعت من قتل الذمي في مدته، والآية فيهما سواء، بل ظاهرها في الذي له العهد إلى مدة، وأنتم لا تقتلون قاتل ذي العهد إلى مدة، وتقتلون قاتل الذمي، ومع ذلك فلهذه الآية نظائر، قال الله في الربا: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (٣) فعلم بهذه الآية أن الفاضل على رأس المال محرم، وقال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: ألا وإن كل ربا كان في الجاهلية موضوع، وأول ذلك ربا العباس بن عبد المطلب (٤)(٥).
стр. 1066
وكان للعباس ديون بمكة فعرّفهم مع قراءتهم * الآية: أنه ليس له إلا رأس ماله، وكذلك سائر من له مال من ربا، وقال : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١) أي: ولا يقتل بعضكم بعضاً، وقال ﵎: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ (٢) فعلم بالآيات تحريم ذلك، وقال رسول الله ﷺ في حجة الوداع، بعد نزول الآيات: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا (٣). ونظائر هذا في القرآن كثير، وإعادة رسول الله ﷺ القول فيه، وعلى أن القول في ذي العهد، كان واجباً إعادة ذكره، وذلك أنه لما قال ﵇: لا يقتل مؤمن بكافر. أراد كافراً حظر الله قتله، دون من أمر الله بقتله، فخيف من سفل دينه أن تهون عليه العقوبة فيقتلهم، فأعاد عند تقضي الكلام بالنهي عن قتل المعاهدين، ليعلم أن ذلك باقياً على الحظر، وأن من فعله فعليه عقوبة، وإن لم يبلغ بها القتل، هذا وجه الكلام، والله أعلم. ومما يدل على أنه لا مخاطبة على أهل الكتاب في تحريم ولا تحليل ما كانوا على كفرهم، قول الله في سورة النور عند ذكر الزنا: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤).
стр. 1067
وروى مالك ﵁ عن محمد بن عبد الرحمن (١) عن عمرة (٢) عن عائشة ﵂ قالت: وجد في قائم (٣) سيف رسول الله ﷺ كتاب: أن أشد الناس غلواً (٤) رجل ضرب غير ضاربه، ورجل قتل غير قاتله، ورجل تولى غير أهل نعمته، والمؤمنون تكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ولا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده (٥).
стр. 1068
وطرق هذه الأحاديث كثيرة (١) *.
واحتج بعض أصحاب أبي حنيفة لأبي حنيفة في هذا الحديث، بأنه لو كان صحيحاً لكان لا يقتل مؤمن بكافر، ولا بذي عهد في عهده (٢). وهذا الذي قاله خطأ فاحش؛ لأن الله قال: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٣) فلو كان عطفاً لكان وإن كان ذا عسرة، ولكنه ابتداء كلام، قال: وإن وقع ذو عسرة فنظرة (٤).
стр. 1069
كذلك قيل مبتدأ: ولا تقتلوا ذا العهد في عهده، فكان الكلام: ولا يقتل ذو العهد في عهده؛ لأنه لو قيل: لا يقتل مؤمن بكافر، ولا بذي عهد في عهده، لأوجب الكلام أن ذي العهد ليس بكافر، وجعل هذا الرجل قوله: لا يقتل مؤمن بكافر حربي (١). وكيف يجوز أن يقال: لا يقتل مؤمن بكافر حربي (٢)، وقد أمر الله ﵎ بقتلهم، وحث عليه، وجعله من أفضل الأعمال، وأحبها إليه؟ فهل يجوز أن يتوهم متوهم أن الله أمر بقتلهم، فيحتاج النبي ﷺ أن يبين لنا أنه لا قود بيننا وبينهم؟ وإنما معنى الكلام: لا يقتل مؤمن بكافر أصلاً، ثم قيل بعد تمام الكلام: ولا ذو عهد في عهده، عطفاً على لا يقتل؛ لأن هذا الذي أضمر لو أظهر فقيل: لا يقتل مؤمن بكافر، ولا يقتل ذو عهد في عهده، ولو أفرد قيل: لا يقتل ذو عهد، ولم يكن قبله كلام لكان مستقيماً، وإنما قيل ذلك لما رفع النبي ﷺ القود بين المسلمين والكافرين، ولم يؤمن من جرأة من سفه حلمه على قتل أهل العهد، فاتبعهم بأن قال: ولا يقتل ذو العهد في عهده، فنهوا عن قتل ذي العهد من أهل * الذمة، وممن دخل بأمان؛ لأنهما جميعاً بالعهد في دارنا، فإن قيل: إن [أهل] (٣)
стр. 1070
الذمة قد علم أن دماءهم محرمة في عهدهم، قيل: إنما علم لأنهم عُلِمُوه، ولما خيف من أمر المقود أن يقدم على قتل من لا يقاد به سرح (١)، فنهيه عن ذلك؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (٢) فعلم القاتل أنه يُقتل فكفَ فحييا جميعاً، ولذلك نزلت الآية (٣). فلما أزيل القود عن قاتل ذي العهد وهو الذمي، نهوا عن قتله ليوجب النهي عقوبة تردع عن ذلك، والله أعلم، وأكثر الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ : لا يقتل مؤمن بكافر. ليس فيها ذكر ذي العهد (٤)،
стр. 1071
ومما يدل على أن الآية في النفس بالنفس على التساوي، وأن المسلم لا يقتل بكافر قوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ (١)، والذمي لا يُكفر عنه (٢)، وقولهم: إن النبي ﷺ قصد إلى الحربي والله يقول: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٣) أمر الله بقتلهم، فكيف يقال: لا قصاص بينكم وبينهم؟ وإنما يستوي الكلام أن لا قصاص بينكم وبين من نهيتم عن قتله من الكفار، فأما من أمرتم بقتله فقد أغنى الله عن ذكر القصاص فيه، والله أعلم.
стр. 1072
قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ الآية (١).
الذي دلت عليه الأخبار في تفسير ذلك: أنه لا ينبغي لأحد أن يحرم على نفسه كل النساء، فيجوز له أن يُحرم بعضهن؛ لأنه إذا تزوج أربعاً حَرُم عليه ما عداهن، والتحريم هاهنا، وإيقاع يمين * الطلاق، وهو شيء يلزمه الإنسان نفسه ليُحمل عليه عند ملكه بعض النساء، فله أن يقول: إن تزوجت في بني فلان، ووالله لا تزوجت في بني فلان، والتحريم يمنع لليقين (٢)، وقد قال رسول الله ﷺ : تزوجوا في بني فلان، فإنهم عفوا فعففت (٣) نساءهم، ونهي عن آخرين (٤)، فالذي حظر الله على الرجل أن يحرمه في باب النكاح الكل، فإن حرّمه لم يحرم، وإباحة الامتناع من البعض بيمين كان ذلك أو بغير يمين.
وأما الإماء فلا يجوز له أن يحرم منهن شيئاً، وإن حرم لم تحرم، ألا ترى أن حفصة (٥) ﵂ لما قال لها رسول الله ﷺ في مارية (٦):
стр. 1073
إنها علي حرام، فقالت: كيف تُحرمها وهي لا تحرم؟ ، فقال: فو الله لا وطئتها، فأنزل الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (١)(٢) فأُمر أن يكفر عن يمينه، وقد كان ناس من أصحاب رسول الله ﷺ أرادوا أن يتخلوا من الدنيا، ويتركوا النساء ويترهبوا، منهم: علي بن أبي طالب ﵁، وعثمان بن مظعون (٣)، فنزلت الآية فتركوا ما كانوا عزموا عليه (٤).
стр. 1074
ولا يجوز لأحد بهذه الآية أن يحرم مأكولاً ولا مشروباً على نفسه، إذا كان من حله، وله أن يمتنع من بعض المأكولات والمشروبات من غير أن يعقد فيها تحريماً، وإن حلف على شيء من ذلك على وجه التحريم كفّر عن يمينه، ثم إن شاء * أكل وإن شاء لم يأكل (١)،
стр. 1075
وإنما حرم إسرائيل لما أصابه عرق النسَّا (١) قبل نزول التوراة، فليس لأحد أن يحرم شيئاً أحله الله على نفسه؛ لأن إسرائيل حرم قبل أن ينهى، وكانوا إذا حرموا شيئاً على أنفسهم حَرُمَ، فنسخ الله ﵎ ذلك عنا بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٢) فإن حرّم إنسان شيئاً أحله الله له كان تحريمه باطلاً، وإن حلف كفّر وأتى الذي هو خير، فأما اليهود فما حُرّمَ في التوراة، إنما حرموا على أنفسهم ما كان إسرائيل حرّم على نفسه، ألا تراه قال: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣) فاعلمنا أنهم افتروا الكذب، وأن ما حرم إسرائيل على نفسه لم يَعْدُهُ إلى غيره (٤)، والله أعلم.
قال الله : ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (٥).
стр. 1076
قال الشافعي: من حلف عامداً للكذب، فقال: والله ما كان كذا. وقد كان، ووالله لقد كان كذا. وما كان، كفّر، وقد أساء (١) إذ حلف بالله باطلاً، قال: فإن قيل: ما الحجة في أن يكفّر وقد عمد (٢) الباطل؟ قيل: أقربها قول النبي ﷺ : فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه (٣).
стр. 1077
فقد أمره أن يعمد (١) الحنث (٢)، وقول الله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ (٣) نزلت في رجل حلف أن لا ينفع أخاه، فأمره الله ... ﵎ أن ينفعه (٤)، وقول الله : ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ (٥)
стр. 1078
ثم جعل فيه الكفارة، قال *: ومن حلف وهو يرى أنه صادق، ثم وجده كاذباً، فعليه الكفارة (١). وشبّه الشافعي شيئاً بما لا يشبهه (٢)؛ لأن الذي أمره رسول الله ﷺ أن يأتي الذي هو خير، ويكفر عن يمينه، إنما أمره أن يستأنف بعد اليمين شيئاً كان حلف فيه أن لا يفعله، وكذلك قول الله : ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ (٣) ولم يكن واحداً من هذين الرجلين كاذباً في وقت يمينه، ولا حالفاً على كذب (٤)، فجعلت كفارة يمينه إذا فعل ما حلف عليه ما ذكر في القرآن، والذي حلف على كذب قد علمه مخبر عن شيء قد مضى، فهو كاذب فيه، حالف عليه، فكيف يُشبِّه هذا بهذا؟ وقال الشافعي: قد أمره بالحنث إن تعمده (٥).
стр. 1079
فشبّه الشافعي هذا بالذي حلف بالله كاذباً، فينبغي له على قوله هذا أن يبيح الحلف على الكذب، ويكفّر الحالف، كما يبيح من حلف أن يتعمد الحنث، ويكفّر، وينبغي إذ شبهه به ألا يسميه آثماً، إذ كان الحالف المأمور بالحنث لا يسميه آثماً؛ لأن النبي ﷺ أمره أن يفعل، وينبغي أن تكون الكفارة التي سماها الله في كتابه تكفر عن يمين من حلف بالله كاذباً، إذ كانت الآية عنده قد عمتهما، وقد قال الله ﵎: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (١)
стр. 1080
فجعل الكفارة تكفر اليمين، ومن كفّر عنه فلا إثم عليه، فينبغي أن يكون هذا في قول الشافعي لا إثم عليه، فينسخ الشافعي عن هذه الأمة آية وعيد * محكمة، ومعاذ الله أن يكون قول مخلوق ينسخ كلام الخالق، قال الله ﵎: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: كنا نعد من الذنب الذي لا كفارة له اليمين الغموس، أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذباً ليقتطعه (٢)(٣). وقال النبي ﷺ : من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة، وأوجب له النار (٤). وقال: من حلف على يمين صَبْرٍ (٥)
стр. 1081
ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان. وقال ابن مسعود ﵁: وأنزل الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقٍ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١)(٢).
فأبطل الشافعي بقوله: الآيات المحكمات، والروايات الواضحات، بقول اخترعه برأيه، ثم سماه إثماً ومسبباً تيسيراً لما عظّم الله وتصغيراً، وهذا كلام ينبغي لقائله أن يستغفر الله منه.
وإنما الأيمان هي: العقود التي أمر الله : ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٣) فالحالف لا يكلم زيداً عاقداً، والحالف على الكذب ليس بعاقد، ولو أن رجلاً طلق امرأته لقيل (٤): طلق، ولم يقل: عقد طلاقها إلا أن يكون طلاقاً إلى أجل، أو على صفة، وكذلك العتق، ولو وعد رجلاً وعداً لكان قد عقد، ولو حلف على ذلك لكان قد عقد عليه يميناً، وقد أخبر رسول الله ﷺ * بالحكم في يمين تكفر؛ لأنه علمهم ذلك تعليماً، ولم يكن في مسألة بعينها، وما جاء على التعليم كان عاماً، فوجب أن يكون ذلك بشرط ما عُلم من إتيان الذي هو خير والكفارة.
стр. 1082
وقد ذكر الشافعي جملة هذا الحديث، فلو تمسك به لكان فيه كفاية، ثم زعم في هذا الحديث أنه أمره أن يتعمد الحنث، وأن يكفر. والحنث هو: الفعل الذي حلف ألا يفعله، فإذا فعله (١) فإنما يفعله بعد اليمين، وإذا حلف على شيء قد مضى فإنما حلف على فعل كان قبل أن يحلف، فكيف يكون ذلك الفعل موجباً للحنث؟ ويبين ذلك أيضاً
ما روي عن النبي ﷺ فيمن حلف بالله واستثنى أنه: إن شاء فعل غير حرج (٢)(٣).
стр. 1083
فعلم أن هذا للمستقبل، ووجب أن كل يمين يكون فيها الكفارة فالاستثناء يسقطها، وجميعاً لا يكون إلا في المستقبل؛ لأن قول الرجل: إن شاء الله من باب المجازاة، والمجازاة لا تكون لما مضى؛ لأن المستقبل يقال فيه: أفعلُ كذا إن شاء الله، ولا يجوز: فعلتُ كذا إن شاء الله؛ لأنه جهل من قائله. قال القاضي: وإنما ذكرت هذا ليعرف مخارج الكلام، وأما قوله قال الله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ (١)، وجعل فيه الكفارة، فهذا أقبح من الأول، الكفارة هاهنا بالعود الذي هو طاعة لله، والعود وحده يوجب شيئاً، فلما عاد إلى الذي هو خير قيل له: كفّر، ولو لم يعد لم تكن عليه كفارة، وهذا أيضاً من المستقبل الذي شبّهه بالمستدبر.
وأما لغو اليمين فإن أعلى * الرواية وأكثرها إنما جاء على قول الرجل: لا والله، وبلى والله، وهو لا يريد اليمين (٢)، فلم تكن عليه يمين؛ لأنه لم ينوها؛ لأن اللغو عند العرب وأهل اللسان: ما ألغته النية، فلذلك سمي لغواً (٣)، قال الشاعر:
стр. 1084
وَيهْلِكُ وسْطها المَرئُّي لغواً ... كما أَلغَيتَ في الدِّية الحُوارا (١)
стр. 1085
والسهو: حلف الإنسان على يقينه، لا نية له في الكذب، ولا عاقداً على مستقبل، ذلك لغو لسقوط النية عن الحال الموجبة للكفارة؛ لقول النبي ﷺ : الأعمال بالنيات (١). فلمالم يعقد النية لم يك حالفاً، ويدخل في ذلك أيضاً حلف الرجل على شيء يرى أنه على ما حلف عليه، فلما لم يقصد للكذب لم يك آثماً، ولم يكن عليه حنث ولا كفارة؛ لأنه قصد إلى حق عنده، وحلف على حق عنده في المستدبر الذي لا يكون فيه الكفارات؛ لأن الكفارات إنما جعلت في المستقبل، والحنث فيه بعد العقد، والحلف على المستدبر يكون الحالف آثماً، وهذا حلف على حق عنده، وقد شرط الله ﵎ الإثم على من قصد بقوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) وهذا حلف على صدق عنده، فلغو اليمين عندنا: ما دخل في هذين البابين، وهذان البابان هما ما روي عن الصحابة والتابعين أنه لغو اليمين، قال هذا طائفة، وهذا طائفة، والآية توجب قول الفريقين (٣)، لا نعلم أحداً قبل الشافعي قال ما قاله الشافعي، وما رأيناه في شيء من أصناف المحدثين، ونسأل الله التوفيق.
قال الله ﵎: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (٤) *.
стр. 1086
روي عن بعض الصحابة أنه كان يقول الأوسط: مدين من بر، وهو نصف صاع (١). وروي عن جماعة منهم أنهم قالوا: لكل مسكين مد بالمد الأول، وهو ربع صاع لكل مسكين (٢). وروى مثل ذلك عن جمع من التابعين (٣). وروي عن بعض التابعين أنه قال: مَكُّوكاً (٤)
ومنهم من قال: أوسط ما تطعمون أهليكم ليس بأفضله ولا بأحسنه (١). وقال ابن عباس ﵁: كان الرجل يقوت أهله قوتاً فيه سعة، وبعضهم دون، وبعضهم وسطاً، فأمر الله ﵎ بالأوسط (٢). وقال ابن عمر ﵁: الأوسط الخبز واللبن، والخبز والزيت، والأفضل الخبز واللحم (٣). وقال مثل ذلك خلق من التابعين (٤). وقال بعضهم: يطعمهم أكلة واحدة (٥). ومنهم من قال: يغديهم ويعشيهم (٦). وأقوى ما روي في ذلك ما رواه أهل المدينة: في مد لكل مسكين (٧).
стр. 1089
وأما الإطعام في جزاء الصيد فليس يقاس هذا عليه؛ لأن الكفارات لا يقاس بعضها على بعض، ألا تراه جعل في كفارة الظهار بإزاء كل مسكين صيام يوم، وفي جزاء الصيد مثل ذلك، وفي كفارة الأذى بإزاء كل مسكين يوماً واحداً، وفي كفارة اليمين بإزاء عشرة مساكين ثلاثة أيام، فلما اختلفت لم يجز أن يقاس بعضها * على بعض، فأما زكاة الفطر فإنها على عدد رؤوس المعطين، لا على الآخذين، وقد يفضل بعضهم على بعض، ومما يدل على ذلك أن المساكين كانوا يحضرون يوم الفطر فيأكلون، والأكل مختلف. والذي ذهب إليه مالك إذا أراد المكفر أن يطعم المساكين عنده: أن يغديهم ويعشيهم، ليوفيهم قوت يومهم الخبز والزيت؛ لأن الزيت أوسط إدام أهل المدينة، ومن أعطى البر أعطى لكل مسكين مداً بمد النبي ﷺ (١).
قال الله : ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ (٢).
стр. 1090
كان أبو موسى الأشعري (١)، وسعيد بن المسيب (٢)، والحسن (٣)، وابن سيرين (٤)،
وأبو جعفر محمد بن علي (٥)