← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151196

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية

بكر بن العلاء

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

من المفسرين من قال: إن الله ﵎ أحل ذبائحهم، وذبائح كل من تعلق باليهودية أو النصرانية (١)، ومنهم من قال: لا تؤكل ذبائح بني تغلب (٢)، ونصارى العرب (٣)، ومنهم من كره ذبائح الصابئين (٤)، ومنهم من أباح ذلك (٥)،

стр. 982

والذي يُذهب إليه أن كل من تعلق بالتوراة والإنجيل فهو من أهل الكتاب، قال الله تعالى: ... ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (١)، وأما المجوس فليسوا أهل كتاب، وقد بين ذلك رسول الله ﷺ بقوله: سنوا بهم - في الجزية - سنة أهل الكتاب (٢). لأن عبد الرحمن بن عوف إنما شهد بذلك على رسول الله ﷺ بسبب الجزية (٣). وأما قوله : ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٤) فقد قالوا: ذبائحهم (٥)،

стр. 983

ويحتمل أن يكون أراد ما يأكلون من ذبائحهم، ويحتمل أن يكون أراد ... ما تأكلون من ذبائحهم، ويحتمل أن تكون الذبائح كلها، فلما احتمل الذكاة واحتمل ... ما يأكلون مما يذكون، كره مالك أكل * الشحوم من غير أن يحرمها، فهذا مذهبه فيها توقياً، والله أعلم (١)، واحتج مالك ﵁ في أن المجوس ليسوا أهل كتاب بقوله عز ... وجل: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ (٢) فلما قيل: على طائفتين، علمنا أن الثالثة لا أصل لها، واحتج أيضاً مالك ﵁ في ذلك أن النبي ﷺ لما كتب إلى عظيم الروم كتب في الكتاب: يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم (٣)، وكتب إلى كسرى فلم يكتب بذلك (٤). وفي بعض ذلك كفاية لمن وفق.

стр. 984

قال الله ﵎: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ (١) المحصنات من المؤمنات في هذا الموضع الحرائر، وكذلك المحصنات من أهل الكتاب هن الحرائر، كذلك قال المفسرون إلا واحد، قال: العفائف (٢). وهو خطأ؛ لأنه عطف على قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٣) فلو كان أراد العفائف لم يجز تزويج الحرة المسلمة حتى تكون عفيفة، وهذا خطأ (٤).

стр. 985

وأما إماء أهل الكتاب فأكثر الناس يقول: هن حرام بالنكاح، إلا أبا حنيفة وبعض الكوفيين (١)، وذهب عنهم قول الله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢) وكأنهم ... ما قرأوها. وحرم الله نساء المجوس، وكل عبدة الأوثان بقوله : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٣)، وقد روي عن حذيفة أنه تزوج مجوسية فأمره عمر ﵁ بمفارقتها، رواه الحسن (٤). وروى ابن سيرين أنه تزوج نصرانية *. وهذه الرواية أصح (٥)،

стр. 986

وقد تزوج جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ نصرانيات (١). وأما قوله تبارك اسمه: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (٢) فمعناه: حل لكم إطعامهم، فأما هم فلا يخاطبون بتحليل ولا تحريم، والله أعلم (٣). قال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٤) الآية. قال محمد بن مسلمة (٥)

стр. 987

متأولاً: كل شئ يوجب الوضوء فهو في القرآن (١)، وذكر قول زيد بن أسلم وتفسيره: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٢) إذا قمتم من النوم (٣)،

стр. 988

فدل ذلك على أن الوضوء على النائم من أجل الريح الذي يخرج منه وهو لا يشعر، ومن هذه العلة رخص لمن نام قاعداً ألا يتوضأ؛ لأنه لو خرج منه (١) شيء لعلمه لانضمام الإليتين، وقال الله : ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (٢) فأوجب هذا الوضوء من السبيلين، وقوله: ﴿الْغَائِطِ﴾ (٣) اسم للأرض المنخفضة، كناية عن حاجة الإنسان (٤)، وقال الله : ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٥) وهو ما دون الجماع (٦)، ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٧) اغتسلوا وَإِنْ ﴿كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (٨) في هذه الأحوال التي قُدم ذكرها: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٩)، فلما قال الله سبحانه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١٠) وذكر لنا ما يوجب الوضوء لم يجب في قيء، ولا رعاف (١١)،

стр. 989

ولا في شيء يسيل من الجسد الوضوء، فإن قيل: المغمى عليه عندكم يتوضأ ولم يذكر (١). قيل: هذا وأضرابه داخل تحت قوله في ذكر النوم، فإن قالوا فالنفساء، قيل: تحت ذكر الحائض *؛ لأنه حيض طالت أيامه، فلا وضوء، ولا غسل إلا مما ذكر الله في كتابه، إلا ما سنه رسول الله ﷺ في غسل الجمعة (٢)، وغُسل الإحرام (٣)، وما أشبه ذلك، وكذلك في الوضوء فيما سن رسول الله ﷺ اتباعاً له، وذلك كله غير مفروض، وليس لأحد قصد ترك السنن، فمن عاندها بالترك استتيب للعناد، ولا يجري مجرى الفرائض، فإن قيل: فإن ابن عمر (٤) وابن المسيب (٥)

стр. 990

قد روى عنهما مالك أنهما توضآ من الرعاف. قيل: ذلك غسل الموضع، والعرب تسميه وضوءاً (١)،

стр. 991

وقد صلى عمر ﵁ وجرحه يثعب (١) دماً (٢). وصلى الأنصاري (٣) والدم يجري من السهم الذي رمي به، وذكر ذلك لرسول الله ﷺ فلم ينكر ذلك، ولا أمره بوضوء (٤).

стр. 992

وأما مس الذكر فإن مالكاً ﵁ كان لا يرى الوضوء فيه، إلا على من مسه متعمداً، وذلك أنه أجراه مجرى ملامسة النساء، ولو أجراه مجرى غيره من الحدث الذي يخرج من الإنسان لأوجب فيه الوضوء على المتعمد وغير المتعمد، كما يجب الوضوء على من خرج منه الحدث عامداً كان أو غير عامد، فدل ذلك على ما قلنا من أنه أدخله في معنى قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (١)، وإنما فارق الذكر سائر البدن؛ لأنه يمسه لشهوة، والشهوة فيه إنما هي للنساء، فكان شيئاً يشبه بعضه بعضاً، فهما من باب واحد (٢).

стр. 993

واتبع أصحابنا في ذلك مع مقارنة الشهوة ما روي عن النبي ﷺ (١)،

стр. 994

وعن سعد (١)، وعن ابن عمر (٢)، وقام به الدليل عنده، وكان ما رواه طلق بن علي (٣) (٤):

стр. 995

ما كان لغير شهوة، إن صح، والله أعلم. وقد روي عن طلق أيضاً: أن فيه الوضوء *. والله أعلم بصحته (١). قال الله ﵎: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٢). اختلف الناس في الأرجل، فقرأها قوم: (وأرجلِكم) خفضاً، وقرأها بعضهم: ... (وأرجلَكم) نصباً (٣)،

стр. 996

فمن قرأها (وأرجلِكم) خفضاً فقال: يغسل (١)، ومنهم من قال: يمسح، والغسل سنة (٢).

стр. 997

ومن قرأها (وأرجلَكم) نصباً فهو الغسل، ومن قرأها بالخفض فجعلها معطوفة على الرؤوس؛ لأنها تليها، وقد يعطف الشيء على ما يليه، وقد يعطف على الذي قبله، قال الله : ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (١) فعطف الوارث على المولود له، وعلى أن على وارث الولاية القائم مقام الأب ما كان على الأب من الرزق والكسوة، وهذه الآية اختلف الناس فيها، فقالوا: على الوارث ألا يضار، وقال آخرون: النفقة وألا يضار، والذي أراه أن على من قام مقام الأب في مال الطفل الأمرين جميعاً؛ لأنه سمي وارث، وهو الوصي ومن قام مقامه، قال الله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ (٢) وإنما قام مقامه، ونظائر هذا في القرآن كثير (٣). فلما قيل: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٤) فسمي الموضع المنتهى إليه دل على الغسل؛ لأن التحديد إنما يقع للغسل، ولا يقع في المسح إذ كان المسح لا يستوعب، ألا ترى الرَجُلَ لو توضأ ومسح برأسه وترك منه شيئاً يسيراً لأجزأ (٥)،

стр. 998

وإن كنا لا نأمر أن يتعمد الإنسان ترك شيء منه؛ لما روي عن رسول الله ﷺ من سائر الوجوه الصحيحة: أنه مسح من مقدم رأسه إلى * مؤخره، ثم رده إلى حيث بدأ (١). وفي الأعضاء أيضاً تقديم وتأخير لا يمنع منه ذو عقل ومعرفة، وأن يكون الله سبحانه أراد اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا بروؤسكم (٢)، إذ العمل المروي يؤيده، فإن قيل: قد قدم رسول الله ﷺ المسح (٣)، قيل: هذا هو المؤيد لجواز تقديم الأعضاء، وأن يكون عمل على النسق والمراد غيره، والقائل بمسح الرجلين يجيز ترك بعض الرأس، ولا يجيز ترك بعض الرجلين؛ لأن إجازة ذلك مخالفة لكتاب الله، إذ يقول: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٤) وجاءت الروايات كلها عن رسول الله ﷺ كل من روى الوضوء: أنه غسل رجليه (٥).

стр. 999

ولم يرو المسح، وكان شرط الله ﵎ في الرجلين مثل شرطه في اليدين؛ لأنه قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (١)، ثم قال: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٢) فعلم أنه عطف على اليدين، وقال النبي ﷺ : (ويل للأعقاب (٣) من النار) (٤) (ويل للعراقيب (٥) من النار) (٦). فدل ذلك كله على الغسل. وقد احتج قوم أنه المسح: بالتيمم، وأنه قد يبلغ به إلى المرفقين وهو مسح، فقيل لهم: لم يقل الله ﵎ في التيمم إلى المرفقين، فاختلف الناس في ذلك، وإنما قلنا: يمسح ما كان يغسل احتياطاً، وكان أقوى في باب الحجة، وأحوط في أداء الصلاة (٧).

стр. 1000

وقد قال قوم وقوله : ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (١) أي: بعض روؤسكم (٢)، ولو كان هذا هو المعنى لنزل القرآن به، ولما مسح رسول الله ﷺ رأسه كله، إذ لم يرو عنه أنه مسح ببعض رأسه رواية تصح (٣)، كل من روى وضوء رسول الله ﷺ روى أنه مسح رأسه كله (٤)،

стр. 1001

هذا مع نهي * رسول الله ﷺ عن العداء، قال عبد الله بن مغفل (١): سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيكون قوم من هذه الأمة يعتدون في الدعاء والطهور (٢). فترك بعض الرأس عداء، كما أن الزيادة على مسحه عداء، والرواية في الثلاث خطأ، وراويها غير معتمد عليه (٣)،

стр. 1002

وهو مسح كمسح التيمم، فلا يزاد في عدده، وقول الله : ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (١) مثل قوله في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٢)، ومسح رسول الله ﷺ بمقدم رأسه إلى قفاه، ثم ردها إلى حيث ... بدأ (٣)، وقوله : ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٤) وامسحوا روؤسكم واحد، وهذه الباء تدخل في الكلام، والمعنى فيها وفي إسقاطها واحد عند أهل اللسان (٥)؛

стр. 1003

لأنك تقول: ليس فلان قاتلاً، وليس فلان بقاتل، قال الشاعر: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً (١) فكان مثل قوله: كفى بالشيب والإسلام، وقال الله ﵎: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢) وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز الطواف ببعض البيت، حتى قالوا: من طاف في الحجر لم يجزئه طوافه؛ لأن بعض الحجر من البيت (٣)، فلم تعمل الباء ... شيئاً.

стр. 1004

وقال مالك ﵁ فيمن قدم يديه قبل وجهه: إنه إن كان في مكانه أو بحضرة ذلك أعاد ما قدم، ليكون بعد ما أخر، وإن كان صلى فصلاته ماضية (١). وبما قال في الحال الأول اتباع للسنة (٢)، وخالفه الشافعي فزعم: أن الصلاة لا تصح إذا قدم ما أخر ذكره (٣). ولا نعلم اختلافاً بين أهل اللغة أن الواو لا توجب التبدئة، وإنما تقتضي الأفعال (٤)،

стр. 1005

إذا قال: لقيت زيداً وعمراً، فقد * يجوز عندهم أن يكون لقي عمراً قبل زيد، وإذا قيل: لقيت زيداً فعمراً، علم أنه لقي زيداً أولاً بغير تراخي، فإذا قال: لقيت زيداً ثم عمراً، فقد ذكر أنه لقي عمراً بعد زيد على تراخ، فالواو لا توجب التبدئة، وإنما تقتضي الأفعال، قال الله ﵎: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (١) وقد علم أن السجود بعد الركوع؛ لأن السجود أزيد في التواضع لله ، ومن شأن العبد أن يكون تواضعه لله يزيد لا ينقص، والركوع بعد السجود تواضع دون الأول، فمعلوم أن الله ﵎ اقتضى الأفعال منها، ففعلت ما أمرت به، وصلت فركعت ثم سجدت، والقنوت هاهنا طول القيام، والخشوع لله . فإن قيل: فإن رسول الله ﷺ بدأ كما بدأ الله في الآية، قلنا: كذلك نأمر المتوضئين بذلك اتباعاً للسنة (٢)، فإن قيل: فقد قال الله ﵎: ... ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٣)، وقال النبي ﷺ : نبدأ بما بدأ الله به (٤) (٥). قلنا: الواو هاهنا لا توجب التبدئة أيضاً، وفعل رسول الله ﷺ يجري مجرى السنن، فلو كنا في هذا وكلنا إلى الآية والفعل لاخترنا أن نبدأ بما بدأ الله به، فإن خالف ذلك إنسان غير عامد للخلاف، وأتى بالسعي وعدده أجزأه، ولكن أمر الحج وإن كان نعلمه من الكتاب وأفعال رسول الله ﷺ لقوله: خذوا عني مناسككم (٦).

стр. 1006

فإن الأصل مأخوذ عن إبراهيم الخليل صلوات الله عليه، فقد يجوز أن يكون النبي ﷺ احتذى فيه فعل إبراهيم، وما أمر الله ﵎ إبراهيم به، فلما جاز ذلك خفي عنا أو علمناه *، ولم نوكل إلى ظاهر الآية، وما توجبه اللغة فيها، ومع ذلك فإن الذبح والنحر عند المروة لقول النبي ﷺ : هذا المنحر (١).

стр. 1007

فاحتيج أن يجعل آخر السعي المروة، ووجدنا في الحج أفعالاً من النحر والحلق وما أشبهه، وإن قدم بعضه على بعض فجاز ذلك، وإن كان فعل رسول الله ﷺ مخالفاً لمن قيل له: افعل ولا حرج. قال الله سبحانه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١) وأجمعوا أنه من طاف ثم رمى وحلق أنه جائز، وقال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٢) وقال النبي ﷺ لمن قال: حلقت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج (٣). وقال الله ﵎ للقاتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٤) وأجمعوا أن الدية إن قدمت جاز، وقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٥) ولا اختلاف أنه إن قدم العمرة وهو ضرورة أجزأه، والعمرة عند الشافعي فرض (٦)، وكانوا قد اتفقوا على أمر الصفا والمروة، فصار مخصوصاً بأن نبدأ بالصفا؛ إذ كان الطواف والسعي من شرع إبراهيم ﷺ ، وكان النحر عند المروة لم يجز أن نبدأ إلا بالصفا؛ لأن التمام يقع عند المروة (٧).

стр. 1008

قال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١) إلى قوله عز من قائل: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). قول مالك ﵁: إن المحاربة: عصيان الله، والسعي في الأرض فساداً: إخافة السبيل، فإذا حمل السلاح، وأخاف السبيل فقد لزمه حكم الآية، فالإمام مخير فيه إذا قدر عليه قبل التوبة: إن شاء * قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء قطع من خلاف، وإن شاء نفى، وسواء قتل، أو أخذ المال، أو لم يأخذه، الحكم فيه واحد (٣)، وقال بعض الناس: إن الإمام ليس بمخير في المحارب، وإنما له أن يقتله إذا قتل، وأن يقطعه إذا سرق، وأن يصلبه إذا قتل وأخذ المال، وينفيه إذا لم يفعل شيئاً من ذلك (٤).

стр. 1009

قال القاضي: فأجرى الشافعي حكم المحارب كحكم القاتل غير المحارب، فلا نرى المحاربة أحدثت شيئاً، وقد ركب ما ركب من الفساد في الأرض، قال الله ﵎: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (١) فجعل الفساد بمنزلة القتل؛ لأن المعنى والله أعلم: من قتل نفساً بغير نفس، أو بغير فساد في الأرض، فلم يحتج إلى إعادة غير، وعطف الكلام على ما قبله (٢)، فجعل الفساد عِدلاً للقتل، فإذا كان الشيء بمنزلة الشيء فهو مثله، وقد ذكر الله ﵎ القصاص في غير موضع من كتابه، ثم أفرد للمحارب حكماً، فانتهينا إلى حكم الله ﵎ فيه (٣).

стр. 1010

قال عطاء (١)، ومجاهد (٢)، والضحاك (٣)، وأبو عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر: كل ما قال الله ﵎ فيه افعل كذا، أو كذا، فصاحبه بالخيار، أيُّ ذلك فعل فقد أتى بما أمره الله به (٤)، قال أبو مصعب عن مالك ﵁ مثل ذلك (٥). فهذا الذي يفهم من كلام الناس (٦).

стр. 1011

وما روي عن ابن عباس (١)، والحسن (٢)، وسعيد بن جبير (٣)، فعلى وجه المشورة (٤)، ومن تابعهم (٥).

стр. 1012

وأما سعيد بن المسيب (١)، والضحاك بن مزاحم (٢)، والحسن (٣)، وعطاء (٤)، والقاسم (٥)، وعمر بن عبد العزيز (٦)، فقالوا: الإمام مخير. *

стр. 1013

وليس قول من قال: إنه مخير في المحارب أنه يفعل فيه بالهوى، ولكنه يجتهد فيما يراه ردعاً، ويتخير من العقوبات التي أنزلها الله ﵎ فيه ما يرى أنه أقرب إلى الله، فكم من محارب لم يَقتُل، له في أمره من الرئاسة والتأليب على قطع طريق المسلمين أكثر ممن قد قَتَلَ في محاربته، كما أن المجاهدين في سبيل الله لِكثيرٍ ممن لم يَقتُل منهم من العناء والتدبير ما ليس لمن قَتَل، وإذا اجتمع الناس في الخير والشر فأعظمهم عناءً أعظمهم أجراً في الخير، وأعظمهم وزراً في الشر، فلذلك جعل الاجتهاد إلى الحاكم في المحاربين، وهو حق من حقوق الله يقوم به الإمام، وأما الآية فيمن لم يقتل، ولم يأخذ المال، وإنما هي فيمن أفسد في الأرض، وعصى الله بذلك، فمحاربة الله عصيانه، ألا تراه قال في الربا: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١) وحرب الله عقوبته لمن عصاه فحاربه، ولذلك قيل: يقال للمرء يوم القيامة: خذ سلاحك، وقم (٢). فإذا قتل المحارب، وتاب قبل القدرة خرج من حكم هذه الآية، وصار مقتولاً قصاصاً، يقول الله ﵎: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٣) عند من يرى قتله بالآية، وخرج من حكم الآية إذ يقول الله : ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٤)

стр. 1014

والتائب قبل القدرة لا سبيل إلى قتله، فإذا كان قد قتل فما تنفعه التوبة، وإذا أخذ المال فالذي عليه بكتاب الله قطع اليد حسب، إن جرى مجرى السارق، والآية توجب قطع اليد والرجل، ومع ذلك فلو عفى الولي عن الدم بطل * حكم الله بالقدرة عند قائل هذه المقالة، ولو تدبروا الآية لما أزالوا حكمها، فإنهم بهذا القول قد أزالوا حكمها. فإن احتج محتج بحديث النبي ﷺ : لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث، رجل كفر بعد إسلامه، أو زنا بعد إحصانه، أو قتل نفساً بغير نفس (١).

стр. 1015

فهذا الحديث يدل على أن المحارب غير داخل فيه، إذ قد أُفرد له حكم خُص به؛ لأن قاتل النفس في غير المحاربة لا تسقط التوبة عنه القود، وإنما أمره في القتل أو الترك إلى ولي المقتول، وأمر المحارب إلى السلطان لإفساده في الأرض (١)، وليس كل من قتل نفساً يجب قتله، وإنما الحديث يدل على أن القود ذاكرٌ في القصة، والقصاص إلى الولي، وقد أجمع المسلمون في قتلى الجمل (٢) أو صفين ألا قود بينهم، وهؤلاء فيهم (٣) من قتل نفساً بغير نفس؛ لأنهم قتلوا على التأويل في الدين، فلما كان قصدهم هذا سقط القود، وأما المحارب فقصده في قتل المسلم لقطع الطريق، وأخذ الأموال، والفساد في الأرض، فكان الأمر فيه إذا اجتمع له المحاربة والفساد، قتل أو لم يقتل، إلى السلطان لا إلى ولي (٤)

стр. 1016

المقتول، كما خرج من وصفنا من قتلى صفين والجمل من معنى هذا الحديث، كذلك خرج المحارب من معناه، مع أن المحارب قد أفسد في الأرض، وقد جعل الله الفساد في الأرض عِدلاً للقتل، وقائل هذه المقالة لا يجوز له أن يحتج بهذا الحديث؛ لأنه يقتل من امتنع من الصلاة، ويقتل من امتنع من الزكاة، وقد روت عائشة ﵂: لا يحل دم أحد من أهل الملة إلا ثلاثة *قتل نفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق جماعة المسلمين يفسد في الأرض (١).

стр. 1017

وإذا كان الخوارج يحل قتلهم وليسوا بمرتدين، وقال النبي ﷺ : طوبى لمن قتلهم أو قتلوه (١). فكذلك المحارب يقتل لإفساده في الأرض. وقد اختلف الناس في النفي، فقال بعضهم: يطلب ليقام عليه الحد فيهرب (٢)، وقال بعضهم: النفي بعينه (٣)، وهذا أشبه، ومالك يرى فيه وفي الزاني البكر: أن التغريب والنفي، إخراج عن البلاد إلى محبس في سواه، إلى أن تحدث منه توبة، والزاني سنة، ثم يطلق، وتوبة المحارب عند مالك ربما طال حبسه إلى أن تظهر منه توبة، وهي من أشد العقوبات، أو يطول حبسه فيرى الإمام أنه قد ردعه فيطلقه (٤)،

стр. 1018

قال الله : ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ (١)، وقال : ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ (٢) وقال : ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ (٣) فالنفي من الوطن والحبس هناك من غليظ العقوبات، ومذهب مالك ﵁ في النفي أن أقله إلى موضع تقصر في السفر إليه الصلاة، ويستحب ما زاد على ذلك (٤)؛ لأن عمر ﵁ استعمل رجلاً على الخمس، فاستكره جارية من الخمس، فجلده مائة ونفاه إلى فدك (٥) (٦).

стр. 1019

وقد زعم قوم أن المحاربة لا تكون إلا خارج (١) عن المصر (٢)، وهذا غلط؛ لأن المحارب هو الذي يقاتل على أخذ المال، والسارق الذي يأخذ المال مستخفياً، فكما يكون السارق في المصر وفي غير المصر، كذلك يكون * المحارب في المصر وفي غير المصر؛ لأن الجناية هي بفعله لا بالموضع الذي يكون فيه الفعل؛ لأن الله نسب الفساد إلى أفعالهم لا إلى المواضع، فقال عز من قائل: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (٣)

стр. 1020

ولعل المحاربة في المصر أغلظ؛ لأن المحاربين لا يجترؤون على ذلك في المصر إلا بعِدَّة وعُدَّة (١)، قال ابن عباس، والحسن، وقتادة: إذا دخل عليك ومعه حديدة في بيتك فهو محارب تقطع يده ورجله (٢). وقد فرق الله بين المحارب والسارق، فجعل توبة السارق لا تسقط الحد عنه، وكذلك الزاني لاستسرارهما بفعلهما، وجعل المحارب لإظهاره الفعل تقبل توبته قبل القدرة عليه، ويسقط الحد عنه، وكذلك المرتد عن الإسلام خاصة إلى أي دين كان من عبادة وثن، أو يهودية، أو قولاً بالدهر، أو نصرانية أي ذلك كان، أو غيره فهو كفر، فارتداده يوجب قتله وقبول توبته؛ لأنه قاتل ظاهراً بظاهر، والزنديق فهو مرتد إلا أنه سمي بهذا الاسم لإخفائه واستسراره بردته، إلى أي أصناف الكفر كان، فهذا إذا أسرته البينة قتل، ولا توبة له؛ لأن توبته مقابلة باطن بظاهر، لا يعرف صحته، ولا يؤمن أن يكون ذلك حيلة منه لدفع ما حكم الله به فيه، ثم يعود إلى استسراره الذي كان عليه، وكذلك الساحر المسلم إذا سحر لاستسراره بفعله الكفر ما كان مقتولاً غير مقبول توبته (٣)،
следующие страницы →