← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151196

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية

بكر بن العلاء

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

روي عن بعض الصحابة أنه كان يقول الأوسط: مدين من بر، وهو نصف صاع (١). وروي عن جماعة منهم أنهم قالوا: لكل مسكين مد بالمد الأول، وهو ربع صاع لكل مسكين (٢). وروى مثل ذلك عن جمع من التابعين (٣). وروي عن بعض التابعين أنه قال: مَكُّوكاً (٤)

стр. 1087

من بر بين العشرة، ومَكُّوكاً من تمر (١).

стр. 1088

ومنهم من قال: أوسط ما تطعمون أهليكم ليس بأفضله ولا بأحسنه (١). وقال ابن عباس ﵁: كان الرجل يقوت أهله قوتاً فيه سعة، وبعضهم دون، وبعضهم وسطاً، فأمر الله ﵎ بالأوسط (٢). وقال ابن عمر ﵁: الأوسط الخبز واللبن، والخبز والزيت، والأفضل الخبز واللحم (٣). وقال مثل ذلك خلق من التابعين (٤). وقال بعضهم: يطعمهم أكلة واحدة (٥). ومنهم من قال: يغديهم ويعشيهم (٦). وأقوى ما روي في ذلك ما رواه أهل المدينة: في مد لكل مسكين (٧).

стр. 1089

وأما الإطعام في جزاء الصيد فليس يقاس هذا عليه؛ لأن الكفارات لا يقاس بعضها على بعض، ألا تراه جعل في كفارة الظهار بإزاء كل مسكين صيام يوم، وفي جزاء الصيد مثل ذلك، وفي كفارة الأذى بإزاء كل مسكين يوماً واحداً، وفي كفارة اليمين بإزاء عشرة مساكين ثلاثة أيام، فلما اختلفت لم يجز أن يقاس بعضها * على بعض، فأما زكاة الفطر فإنها على عدد رؤوس المعطين، لا على الآخذين، وقد يفضل بعضهم على بعض، ومما يدل على ذلك أن المساكين كانوا يحضرون يوم الفطر فيأكلون، والأكل مختلف. والذي ذهب إليه مالك إذا أراد المكفر أن يطعم المساكين عنده: أن يغديهم ويعشيهم، ليوفيهم قوت يومهم الخبز والزيت؛ لأن الزيت أوسط إدام أهل المدينة، ومن أعطى البر أعطى لكل مسكين مداً بمد النبي ﷺ (١). قال الله : ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ (٢).

стр. 1090

كان أبو موسى الأشعري (١)، وسعيد بن المسيب (٢)، والحسن (٣)، وابن سيرين (٤)، وأبو جعفر محمد بن علي (٥)

стр. 1091

(١) يرون: أن يعطى كل مسكين ثوبين. وكان ابن عمر (٢)، وعمران بن حصين (٣)، وإبراهيم (٤)، ومجاهد (٥)، وطاوس (٦)، وجابر بن زيد (٧)، والزهري (٨) يرون: أن يعطى كل مسكين ثوباً تجوز فيه الصلاة. وكان مالك بن أنس يرى: أن يكسى المسكين ما يصلي فيه، فإن كسا رجلاً كساه ثوباً، وإن كسا امرأة فدرع (٩)

стр. 1092

وخمار (١) (٢). وقال الشافعي: أدنى ما تقع عليه كسوة ولو خرقة، أو قلنسوة (٣)، أو تِكّة (٤) وما أشبه ذلك (٥).

стр. 1093

وهو قول لم يسبقه إليه أحد من الصحابة ولا من التابعين (١)، فلو قال في الإطعام: لكل مسكين لقمة لمرَّ قوله على نظام، ولكنه قال في الطعام ما يكفي ليومه، وفي الكسوة ما لا تطلق العرب أن فاعله كاسٍ، ولا أن لا يشبه كاس، ولو لزم ما عليه الناس لسلم، ولم تلزمه المناقضة، وينفرد بما يقبح حكايته (٢). وقول الله : ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٣) *.

стр. 1094

قد تكلم قوم فيه فقالوا: كيف بدأ بالتخفيف ثم ثنى بالتثقيل، وفي القتل والظهار (١) بدأ بالتثقيل ثم خفف؟ فالجواب عن ذلك: أن الله ﵎ بدأ هاهنا بالثقيل الذي هو الواجب، ثم خفف عن عباده عند عدم الاستطاعة، وحيث بدأ بالتخفيف فإنما ذكر ما هو الكفارة التي رضيها من كل الناس، ثم خير من قدر وأراد الزيادة في الثواب في أن يكفر بالثقيل إن شاء، ولم يوجبه إلا أن يشاء إنسان ذلك، والواجب هو الإطعام. وفي الظهار؛ لأن ابتداء القول منكر وزور ما أوجب الثقيل، ثم رحم وخفف عن عباده.

стр. 1095

قال الله ﵎: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (١) فممن فسر هذه الآية من قال: متتابعات (٢). ومنهم من قال: متفرقات، وإن تابع أحسن (٣).

стр. 1096

وقد قال الله : ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (١) وقال عز من قائل في المتمتع: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (٢) وقال في قضاء رمضان: ... ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣) ولم يذكر في شيء من ذلك متتابعات، كما ذكر في قتل الخطأ، وفي كفارة الظهار. وقول مالك ﵁ في ذلك (٤): أن التتابع في ذلك كله أحب إليه، فإن فرقه إنسان أجزأه عنده، إذ لم يشرط الله فيه التتابع، ومن أُمر بشيء فأتى به فقد قضى ما عليه (٥)، وبالله التوفيق. قال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٦) *.

стр. 1097

حرم الله ﵎ الخمر في هذه الآية بقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) بياناً شافياً بعد تحريم خفي على البعض (٢)،

стр. 1098

وذلك أن أول ما أنزل فيها - لما شرب من شرب من الصحابة، فقرأ القارئ: (أعبد ما تعبدون) -: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (١) (٢). ثم شرب قوم فتفاخروا عند السكر من قريش والأنصار، فأخذ رجل من الأنصار ... لحيّ (٣) جزور فضرب به أنف رجل (٤) من المهاجرين، ففزر أنفه (٥) فأنزل الله ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ (٦) (٧)

стр. 1099

فسماهما إثماً، وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِنْسَ﴾ (١) بعد أن سماها إثماً، ثم أنزل الله ﵎: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ (٢) إلى قوله عز من قائل: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣)، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (٤) يعني ما جرى بين قريش والأنصار: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ (٥) يعني الصلاة التي خلّطوا فيها. فدل كتاب الله وسنة نبيه ﷺ على تحريمها، وهي من النخلة والعنبة؛ لأنها عامة خمور الناس، وكذلك قال الله : ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ (٦) فالسكر ما حُرم منهما، والرزق الحسن ما حَل منهما، وكانت خمور أهل المدينة كلها من النخل عند نزول الآية (٧)، ولمّا سميت كلها الخمر، وهو مأخوذ من تغطية العقل (٨)،

стр. 1100

وقال النبي ﷺ : * كل مسكر حرام (١)، وكان الله قد ذكر العلة التي من أجلها حرم، وأنها تلقي العداوة، وتصد عن الصلاة دخل كل ما فعلها في التحريم معها، ووجب له اسمها من كل مصنوع من الأشربة يفعل فعلها. والحديث والحجة في ذلك يطول ذكرهما، وقد بيّنا ذلك في كتاب الأشربة (٢)، والحجة على الطحاوي (٣) فيما هوّنه من أمر الشراب، وسماه نبيذاً بغير اسمه (٤)،

стр. 1101

وذكرنا النبيذ وما هو (١)، وما قال رسول الله ﷺ فيه، وما روي عنه ﵇: أن أمته تستحل الخمر باسم تسميه إياه (٢). قال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ (٣).

стр. 1102

قال عثمان بن عفان ﵁: الميسر النرد، ونهى عنها، وقال: هممت أن أوجه إلى ديار قوم هي في بيوتهم، وأحرقها عليهم (١). وقال علي -رضوان الله عليهم-: الشطرنج (٢) ميسر العجم (٣). وقال ابن عمر: الميسر القمار (٤). وقال ابن مسعود: الكعاب (٥). وقال القاسم: كل ما ألهى عن ذكر الله فهو من الميسر (٦). وقال ابن سيرين: كل ما قومر به فهو ميسر (٧).

стр. 1103

وقال سعيد بن المسيب نحو ذلك (١). وقال مالك بن أنس: كل ما قومر به من شطرنج ونرد وغير ذلك فهو ميسر، وهو القمار، ونهي عن النرد خاصة، وعن الشطرنج إذا قومر بها (٢)، وسئل عن الغناء، فقال: إذا كان يوم القيامة أوتي بالحق والباطل، فالغناء مع أيهما يكون، أمع الحق * أو الباطل؟ فحرمه (٣). وقال القاسم بن محمد وقد سئل عن الغناء فقال: فماذا بعد الحق إلا الضلال (٤). فالقمار أكل المال بالباطل وهو الميسر في كل شيء كان، وينبغي أن ينتهي العبد عن كل ما ألهى عن ذكر الله ، وبالله التوفيق.

стр. 1104

قال الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ (١) الآية. قال البراء: إن هذه الآية نزلت فيمن كان يشرب الخمر قبل التحريم، ومات على ذلك قبل أن تحرم (٢). وقال جابر بن عبد الله: اصطبح (٣) قوم الخمر، ثم قتلوا شهداء (٤).

стр. 1105

وقال أنس: إن الذين شربوها قبل التحريم أتوا رسول الله ﷺ ، فسألوه عما مضى من أفعالهم فنزلت الآية (١). وقد كان قوم شربوها في أيام عمر ﵁، فكتب إليه يزيد بن أبي سفيان (٢) بذلك، فأحضرهم واستتابهم؛ لأنهم تأولوا الآية، فلما تابوا ضربهم للشرب ثمانين ثمانين. واتفق رأي عمر وعلي على ذلك ففعله عمر (٣)، فالآية تنبئ بزوال الإثم عمن شربها قبل التحريم، وتوجب أن يكون قوله في المستأنف: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (٤) مما أحل لهم دون ما حرم، والله أعلم. قال الله ﵎: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ (٥). الذي تناله الأيدي من الطير والفراخ والبيض، وما يؤخذ من الأوكار (٦)،

стр. 1106

والرماح: فالرمح *، والنَّبْلُ، والنُشَّابَة (١)، والمِعْراض (٢)، وغير ذلك مما يصاد به (٣)، والله أعلم. قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٤).

стр. 1107

لما كان قتل الصيد باليد والرمح تذكيته، وكان حلالاً في غير الحرم وفي الإحلال، فقيل: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (١) علم أنه حَرُمَ أكله، فصار بمنزلة الميتة، سواء ذبح المحرم أو قتل؛ لأن الحالين جميعاً تذكية في الصيد؛ لأنه لما قيل: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ (٢) فكلما تناله اليد يذبح، وما تناله بالرمح يقتل، وكانا جميعاً وجوه تذكية الصيد، وحَرَّمَ الصيد على المحرم، عُلم أنه حَرُمَ عليه تذكيته بالوجهين جميعاً واصطياده، فلا فرق بين ما ذبح منه وما قتل، وبين الميتة في التحريم، فإن قال قائل: فلم لا يكون من ذبح بسكين غصبها محرمٌ أكله؟ قيل له: لأن الفساد لم يقع في نفس التذكية، وإنما وقع في غصب السكين، وليس الخطاب في الآلة المذكى بها، ألا ترى أن المجوسي يذكي ويذكر اسم الله فلا تأكل، ويذكي الكتابي فتأكل، وإنما الخطاب في السكين المغصوبة بين الغاصب والمغصوب، اللهم إلا أن يقصد المذكي بالتذكية بالسكين المغصوبة لإفساد الذكاة، فإن فعل ذلك لم تؤكل (٣)، والله أعلم. قال الله : ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ (٤).

стр. 1108

قال قوم من التابعين: يحكم على المتعمد، ولا يحكم على الخاطئ (١). وقال الكثير من المفسرين: يحكم على العامد والمخطئ جميعاً، وممن قال ذلك عمر (٢)، وعثمان (٣)، وابن عمر (٤)، وجماعة من التابعين (٥) (٦)

стр. 1109

*. وقال الزهري: جاء القرآن بالجزاء على العامد، والسنة على المخطئ (١). والزهري أعلم الناس بالسنن، ولولا أن الله ﵎ قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ (٢) لكان لا جزاء على المتعمد لقتله، مُشبهاً بقتل المؤمن، فأراد الله ﵎ التخفيف عن عباده بذكر العمد لئلا يبلغ به حرمة المؤمن، وكان الجزاء بقوله : ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٣) وإنما حرم قتله فلما كان جزاء ما كان المخطئ مكفراً؛ لأن الله قال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ (٤)، ولكن من قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة، فإن قيل: قاتل الخطأ عليه دية وكفارة، قيل له: الدية، ليس على القاتل، وإنما هي على العاقلة، وعليه هو في نفسه الكفارة، ولو كان الصيد مملوكاً فقتله المحرم لكان عليه الجزاء، وعليه قيمته لمالكه. قال الله : ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ إلى قوله ﵎: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ (٥). قال مالك بن أنس ﵁: ما كان له مثل من النعم حكم بالمثل فيه، في النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الغزال كبش، وما أشبه ذلك، وقال فيما لا مثل له: قيمته (٦).

стр. 1110

وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن المحرم إذا أصاب صيداً فإنما عليه قيمته (١). فتركوا كتاب الله، قال الله : ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٢) والمثل إنما هو في مثل الخلقة *، ولو أريد القيمة لقيل ذلك، وقد حكم أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون في النعامة بدنة، أفيظن ظان أن النعامة تثبت قيمتها في القرن الأول والثاني على بدنة؟ ثم قال تأكيداً: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٣)، وقد ذكر الله الهدي في غير موضع فقال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٤) وساق رسول الله ﷺ الهدي، وقال: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾ (٥) (٦)، وسئل النبي ﷺ عن قتل الضبع، فقال: هي صيد (٧) وجعل فيها كبشاً، رواه جابر بن عبد الله (٨). وحكم عمر بمثل ذلك (٩)، وحكم علي بن أبي طالب ﵁ في الضبع بمثل ذلك (١٠)،

стр. 1111

وابن عباس بمثل ذلك (١)، وقال ابن عباس: قضى عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، ومعاوية: في النعامة بدنة من الإبل (٢). ومن التابعين بمثل ذلك (٣). وعمر (٤) وابن مسعود (٥) حكما في الظبي بكبش. فأما التابعون فكثر ذكر من حكم منهم بالمثل من النعم متبعاً في ذلك الصحابة، ما قال أحد من الصحابة ولا من التابعين إن في شيء من ذلك قيمة، ولو كان الواجب القيمة لما قيل في النعامة بدنة، وفي الضبع والظبي شاة، وفي كذا كذا (٦) وفي كذا كذا، حتى ينظر الحكمان إلى النعامة المقتولة ويقومانها، ثم يقومان البعير الذي يحكمان فيه، هذا ما لا يذهب على ذي لب أنه لم يخطر للقوم في وهم، ومع ذلك فقد قالوا: ما لم يبلغ الهدي ففيه ثمنه، وذلك أن الله يقول: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ﴾ (٧)

стр. 1112

ففيه ﴿صِيَامًا﴾، فإذا أصاب * المحرم من الصيد ما لا يكون له مثل من النعم، مثل: الشاة وما فوقها، حكم في ذلك بالطعام أو الصيام، يقيم ذلك بالطعام أو الدراهم، ثم يردها إلى الطعام، فإن عجز عن الطعام صام مكان كل مد يوماً، ذلك قول مالك، وأهل المدينة (١). وقال آخرون: مكان كل مدين يوماً، وهم أهل العراق (٢)، وكلٌ بنى ذلك على أصوله، وكلا الفريقين قاله المفسرون (٣). قال الله ﵎: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ (٤). اختلف السلف في ذلك، فقال قوم: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ قبل التحريم ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ بعد التحريم. وقال آخرون: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ يعني القتلة الأولى، التي أوجب فيها الجزاء. فمن قال بالأول على العامد الجزاء كلما عاد (٥)،

стр. 1113

ومن قال بالقول الثاني قال: الانتقام في الآخرة، ولا جزاء عليه في الأول أولاً (١)؛ لأن الله في سائر ما حرم قال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ (٢) يريد ما كان قبل نزول التحريم، والذين حملوه على الانتقام عقوبة، وقد قال الله : ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٣) فكان مُخرق الثوب عليه قيمته، وقال : ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٤) فمن خرق ثوباً ألزم قيمته، وقد قال الله حين أوجب الجزاء: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ (٥) بالجزاء: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ (٦) قبل التحريم: ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ (٧) بعد التحريم: ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ (٨) بالجزاء، هذه عقوبته وانتقامه، وذلك في أول مرة، فقتل في الحرم وهو محرم الصيد، فإذا جعل أن ذلك عطفاً على: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ * إلى قوله عز من قائل: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ (٩) وينتقم الله بذلك العزم منه، والله أعلم.

стр. 1114

قال الله : ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١). هذه الآية لم يحكم أبو بكر في قاتل الصيد حتى دعا أُبَيّاً، فحكما جميعاً (٢). وعمر ﵁ دعا عبد الرحمن بن عوف، فاجتمعا وحكما (٣). وقال التابعون مثل ذلك (٤). وقال مالك: من أصاب صيداً يعلم ما فيه فلا يهدي ولا يطعم إلا بعد أن يُحكِّم حكمين، فيَحكُمان عليه، فما حكما به فعله، ولا أعلم في ذلك اختلافاً فيما تقدم (٥)، والله أعلم. قال الله عز وعلا: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (٦)

стр. 1115

صيد البحر ما صيد وهو حي، وطعامه ما مات فيه، أو قذفه البحر فمات، وقال النبي ﷺ : هو الطهور ماؤه الحل ميتته (١). وقال ﵇: أحلت لنا (٢) ميتتان: الحيتان والجراد (٣). وقال أبو بكر (٤)، وعمر (٥)، وسائر من انتهى إلينا كلامه في الآية مثل ذلك (٦)،

стр. 1116

إلا شيء شذ قائله، وضعف راويه، والله أعلم، فإنه فرق بين ما قذفه البحر فمات، وبين ما مات في البحر، وهذا قول لا أعرف وجهه (١)،

стр. 1117

وقد أكل النبي ﷺ من ما قذفه البحر لما أتاه به أبو عبيدة (١) (٢)، ولما كانت الآية مخاطبة للمحرمين كان للحلال أجوز وأحل، فأحل للمحرم صيد البحر، ومنعه عمر من الجراد، وأوجب الناس فيه (٣)، ومُنع من صيد البر. واختلف * الناس في صيد البر إذا صاده المحل فذكاه، هل يأكل المحرم منه؟ فقال قوم: لا يأكل (٤).

стр. 1118

وقال قوم آخرون: يأكل (١)، وهو قول مالك (٢)؛ لأن الله حَرَّمَ على المحرم الصيد والقتل، ولم يحرم عليه (٣) كل ما كان صاده في الحل، وذكاه قبل الإحرام؛ لأنه قد صار لحماً ليس بصيد، والله أعلم. قال الله : ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ (٤).

стр. 1119

قبلة لهم، وعصمة في أمر دينهم ما تمسكوا بذلك، وشدة في الدين، وصلاحاً لهم (١)؛ إذ كانت الصلاة عماد الدين، قال عمر ﵁: ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة (٢).

стр. 1120

قال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (١) الآية. قال سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ : إن أعظم المسلمين في (٢) المسلمين جرماً (٣) من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم عليهم من أجل مسألته (٤). وقال (٥): كانوا يسألون عن الشيء وهو لهم حلال، فما يزالون يسألون عنه حتى يحرم عليهم، فإذا حرم عليهم وقعوا ... فيه (٦). وقال رسول الله ﷺ : ذروني ما تركتم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على (٧) أنبيائهم، ما نهيتكم عنه فانتهوا، وما أمرتكم (٨) به فأتوا منه ما استطعتم (٩).

стр. 1121

وقال أنس: لما فرض الحج قال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال ﵇: لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لم تقوموا بها *، ولو لم تقوموا بها عذبتم (١). وروي عن ابن عباس مثل ذلك، وقال فيه: مرة واحدة، ومن زاد فهو تطوع (٢). والحلال ما أحلله (٣) الله، ولا حرام إلا ما حرم الله ﷻ ، وما سكت عنه فهو عفو، وما فعله رسول الله ﷺ فعلى وجه الكراهية والتنزه، ألا تراه لم يحرم الضب ولم يأكله (٤)، وكل ذي ناب من السباع، فقال الزهري: لم أسمعه من علمائنا بالمدينة، وإن كان قاله رسول الله ﷺ فلا خير فيما نهى عنه رسول الله ﷺ . والزهري رواه عن أبي إدريس (٥) عن أبي ثعلبة (٦)

стр. 1122

(١)، ثم قال فيه هذا القول (٢).

стр. 1123

وقال ابن عباس ﵁: لا حرام إلا ما حرم الله ، وقال الله : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ (١) (٢) فمحال أن يقول الله لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ﴾ (٣) فيقول هو: أجد، ولكنه يسن للمصلحة؛ لأن أكل السباع يقسي القلب، ويضري على المحرمات، ويخدر على البدن، ويورث العلل مثل الجذام (٤) والبرص (٥)، ألا ترى إلى قول عمر ﵁: إن للحم ضراوة (٦) (٧).

стр. 1124

وكذلك نهى عن التوضؤ (١) بالماء المشمس (٢)؛ لما يحدث في البدن، والله أعلم. ولا تجوز مخالفة رسول الله ﷺ ولا ترك قبول نصحه (٣).

стр. 1125

قال الله : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ (١). وهذه أشياء كان يفعلها أهل الجاهلية لطواغيتهم، البحيرة: التي يمنع درها لطواغيتهم * أن يحلبها أحد من الناس. والسائبة: التي كانوا يسيبونها لآلهتهم، ولا يحمل عليها شيء. والحام: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه تركوه لطواغيتهم , وأعفوه من الحمل , فسموه الحام لم يحملوا عليه شيئاً، وقيل نحوٌ من ذلك تختلف الألفاظ , إلا أن ذلك قد زال بالإسلام، والنهي عنه، ولله الحمد والمنّة (٢). قال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٣) الآية.
следующие страницы →