وقال أنس: لما فرض الحج قال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال ﵇: لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لم تقوموا بها *، ولو لم تقوموا بها عذبتم (١). وروي عن ابن عباس مثل ذلك، وقال فيه: مرة واحدة، ومن زاد فهو تطوع (٢). والحلال ما أحلله (٣) الله، ولا حرام إلا ما حرم الله ﷻ ، وما سكت عنه فهو عفو، وما فعله رسول الله ﷺ فعلى وجه الكراهية والتنزه، ألا تراه لم يحرم الضب ولم يأكله (٤)، وكل ذي ناب من السباع، فقال الزهري: لم أسمعه من علمائنا بالمدينة، وإن كان قاله رسول الله ﷺ فلا خير فيما نهى عنه رسول الله ﷺ . والزهري رواه عن أبي إدريس (٥) عن أبي ثعلبة (٦)
وقال ابن عباس ﵁: لا حرام إلا ما حرم الله ، وقال الله : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ (١)(٢) فمحال أن يقول الله لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ﴾ (٣) فيقول هو: أجد، ولكنه يسن للمصلحة؛ لأن أكل السباع يقسي القلب، ويضري على المحرمات، ويخدر على البدن، ويورث العلل مثل الجذام (٤) والبرص (٥)، ألا ترى إلى قول عمر ﵁: إن للحم ضراوة (٦)(٧).
стр. 1124
وكذلك نهى عن التوضؤ (١) بالماء المشمس (٢)؛ لما يحدث في البدن، والله أعلم. ولا تجوز مخالفة رسول الله ﷺ ولا ترك قبول نصحه (٣).
стр. 1125
قال الله : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ (١).
وهذه أشياء كان يفعلها أهل الجاهلية لطواغيتهم، البحيرة: التي يمنع درها لطواغيتهم * أن يحلبها أحد من الناس. والسائبة: التي كانوا يسيبونها لآلهتهم، ولا يحمل عليها شيء. والحام: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه تركوه لطواغيتهم , وأعفوه من الحمل , فسموه الحام لم يحملوا عليه شيئاً، وقيل نحوٌ من ذلك تختلف الألفاظ , إلا أن ذلك قد زال بالإسلام، والنهي عنه، ولله الحمد والمنّة (٢).
قال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٣) الآية.
стр. 1126
قال أبو بكر رضوان الله عليه: إنكم تقرؤون هذه الآية فتضعونها في غير موضعها: ... ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (١) , وإنما سمعنا رسول الله ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه (٢). يأيها الناس اتقوا الكذب فإنه مجانب الإيمان (٣).
стр. 1127
وقال ابن مسعود، وذكر هذه الآية: لم يأت وقتها (١).
قال القاضي: ولعمري في ذلك الزمان إن الأمر على ما قيل، وما أمكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي ذكره الله في ثلاثة عشر موضعاً من كتابه (٢)، فلم يأت الوقت، فإنا نقدر ذلك (٣)، ولم يمكن، ورأيت هوى متبعاً، وشحاً مطاعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، وغلبة من لا دين له، فقد جاء وقتها، وعلى الإنسان بنفسه (٤)،
стр. 1128
والله أعلم.
قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينٍ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ (١) *.
قال جماعة: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ (٢): من أهل الكتاب، ومن غير أهل دينكم (٣). وقال بعضهم: في السفر خاصة (٤). وقال آخرون: من المسلمين من غير العشيرة (٥).
стр. 1129
والصحيح والله أعلم: أن ذلك في أهل الكتاب كان في صدر الإسلام , مات رجل من المسلمين ومعه رجلان من أهل الكتاب وأوصى , فأتيا بتركته ووصيته فشهدا واستحلفا، ثم عثر على خيانة منهما، فاستحلف الأولياء وهم ورثة المسلم، واستحقوا الجناية (١)، ثم نسخ ذلك كله , ثم أنزل الله من الفرائض بقوله عز من قائل: ﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (٢) ... ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٣) ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٤) وإذا كنا لا نرضى العاصي منا والمذنب، فكيف نرضى الكافر؟ فقد فرضت الفرائض، وعمل المسلمون بها، وبطل ذلك كله , فلسنا نقبل إلا من ثبتت عدالته ممن لا بدعة فيه، فإذا كنا نرد غير المرضي فكيف تجوز شهادة كافر؟ (٥).
стр. 1130
سورة الأنعام
قال الله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (١).
أخبرنا (٢) أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي، قراءة عليه في منزله بمصر عام واحد (٣) وأربعين وثلاثمائة , وأنا أسمع قيل له: قلتَ رضي الله عنك: ذهب قوم إلى أن المسلم إذا ذبح ونسي أن يسمي لم تؤكل، وتأولوا هذه الآية، وهم نفر، ولم يتأملوا الآية إلى آخرها (٤)، وإنما المعنى والله أعلم: ولا تأكلوا مما لم يذبح بالملة *؛ لأن الله قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (٥) فعلمنا أن المشركين لم يكونوا يجادلون المسلمين في مسلم ذبح ونسي أن يسمي؛ لأنهم كانوا يأكلون الميتة، لقول الله : ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ (٦) وعلمنا أن من ذبح ونسي أن يسمي، وأكل، أنه ليس بفاسق ولا مشرك , فإذا كان هذا لا يتوهمه أحد فقد علمنا أن لهذه الآية تأويلاً غير ما تأوله من قدمنا ذكره.
стр. 1131
قال ابن عباس ﵁: سبب نزول الآية أن المشركين قالوا للمسلمين لمّا حرمت الميتة: لا تأكلون (١) ما ذبح الله (٢) , وتأكلون ما ذبحوا هم , فأنزل الله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٣)(٤). يريد الميتة؛ لأن اليهود قالت: تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون (٥) ما قتل الله (٦).
стр. 1132
وأما قوله : ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (١). يريد أن قولهم لكم في ذلك فسق (٢).
стр. 1133
والذابح منا إذ نسي التسمية فقد قصد الذكاة بالذبح، فقصده بالملة للذكاة تسمية بقلبه. قال جماعة من المفسرين: اسم الله في قلبه، ألا ترى أن المجوسي لو سمى على ذبيحته لم تؤكل، مع قوله : ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (١) فعلم أن ذلك مردود إلى الملة، كذلك قال علي (٢)، وابن عباس (٣)، وخلق من التابعين (٤) , وقالوا: أحلت ذبيحة اليهود؛ لأنهم آمنوا بالتوراة , والنصارى (٥)؛ لأنهم آمنوا بالإنجيل. فإذا كان الذبح بالملل فأهل الإسلام أولى بذلك (٦)،
стр. 1134
والله أعلم.
وما ذبح أهل الكتاب لكنائسهم وكفرهم فقد اختلف الناس فيه *، فقال قوم: يؤكل بإحلال الله ذلك (١). وقال آخرون: لا يؤكل؛ لأنه أهل لغير الله (٢). وكل قد ذهب إلى مذهب، والتوقي حسن (٣).
стр. 1135
وأما قوله : ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (١) أي: انحروها على هذه الحال (٢). وكذلك هي في مصحفنا على هذا اللفظ , وكذا قرأها نافع (٣)، وأهل المدينة، وأبو عمرو بن العلاء، وأهل البصرة (٤).
стр. 1136
قال ابن عباس: ﴿صَوَافَّ﴾: صوافن (١) قياماً معقولة (٢) , وكذلك قال ابن مسعود، وكان يقرأ: (صوافن) معقولة على ثلاثة قوائم (٣) , وكذلك قال ... ابن عمر (٤) , إلا أن الصحيح عنه: قائمة غير معقولة، صافات اليدين (٥).
стр. 1137
وكل ذلك جائز، وإن كان أحب إلينا أن تكون قياماً على ما ذكروا لا معقولة (١) , والله أعلم.
قال الله : ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٢) الآية. ممن فسرها من الصحابة وكثير من التابعين قال: هي الزكاة المفروضة , العشر أو نصف العشر (٣)،
стр. 1138
عليهم تصفين (١) ذلك على أنفسهم، وإخراجه إلى الإمام , أو صرفه إن وُكل إليهم في الوجوه التي تسمى الصدقات فيها بحسب الحاجة، والله أعلم.
وفي الآية ذكر الزيتون والرمان مع النخل والزرع ,فأما النخل فيخرص (٢)، ويؤخذ تمراً قبل الجذاذ , والزرع يؤخذ منه إذا كيل بعد الفراغ منه , وأما الزيتون فيؤخذ إذا بلغ خمسة أوسق من زيته إذا عصر, وأما الرمان فلا شيء فيه (٣). وقد قال أبو حنيفة: فيه الزكاة (٤) *. وهذه الأشياء لم تحدث، وقد كان الرمان على عهد الرسول ﷺ والخلفاء من بعده، فلم يرو أن أحداً منهم أخذ منه، ولا من شيء من الخضر الزكاة , وإنما أوجب ﵇ الزكاة فيما دخل الوسق , وحُد خمسة أوسق (٥)
стр. 1139
(١) , فزعم النعمان أنه يأخذ من القليل والكثير (٢) , لقول النبي ﷺ : ما سقت السماء أو كان بَعْلاً (٣) العشر , وما سقي بالنضح (٤) فنصف العشر (٥).
стр. 1140
فكان هذا مرجوحاً على ما أوجب فيه الزكاة من الأشياء والمقدار، كما قال في الرِّقَة (١) ربع العشر (٢) , فرُد إلى خمس أواق (٣)(٤)، وما دونها لا شيء فيه، فقال ذلك موافقاً لنا فيه (٥)، وناقض في الأول - أعني في الخضر وما دون الخمسة أوسق - (٦)، فإن قالوا: فالرمان قد ذكر في الآية , قيل: إنما ذكر لإثبات الحجة في التوحيد في متشابه وغير متشابه , ليعرف حكم الله وأفعاله كما قيل: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ (٧)، ثم قيل: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٨)، قال الله : ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (٩) فهذا على العموم , ثم قال: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ (١٠) وإنما يحمل على بعض الأنعام , ونظائر هذا كثير، وهو شائع في اللغة , والله أعلم.
قال الله : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (١١) الآية.
стр. 1141
قال ابن عباس ﵁: ماتت شاة لسودة، فقال رسول الله ﷺ *: لم لا أخذتم مسكها (١) فدبغتموه , فإنما قال الله : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ (٢) وإنكم لا تطعمونه (٣).
стр. 1142
وقيل لجابر بن زيد: إنهم يزعمون أن رسول الله ﷺ نهى عن لحوم الحمر الأهلية , فقال: قد كان الحكم بن عمرو الغفاري (١) يقول ذلك عندنا بالبصرة , ولكن أباهُ البحر، يعني ابن عباس ﵁، وقرأ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (٢)(٣). وقال القاسم: كانت عائشة ﵂ لا ترى بأساً بأكل لحوم الحمر الأهلية، ولحوم السباع , وتلت: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ (٤)(٥).
стр. 1143
وسئل ابن عمر عن القنفذ، فقال: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (١) إلى آخر الآية، فقال له إنسان: إن أبا هريرة يرويه عن النبي ﷺ ، ويقول: هو خبيثة من الخبائث، فقال ابن عمر: إن قاله النبي ﷺ فهو كما قال (٢).
قال القاضي: قلت وإن صح ذلك عن أبي هريرة فإنما أراد الخبيث الطعم والمنفعة , وما أراه يصح (٣).
وقال محمد بن جُحادة (٤): سألت الشعبي عن لحم الفيل والأسد، فقرأ:
стр. 1144
﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (١) إلى آخر الآية (٢).
وقد كان أهل الجاهلية يحرمون أشياء، ويستحلون أشياء نحو قوله عنهم: ﴿هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ (٣): ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ (٤) وغير ذلك , فيجوز أن يكون الله ﵎ أراد بقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ﴾ (٥)
стр. 1145
يعني سائر ما حرموه , ومع ذلك * فلا حرام إلا ما حرم الله , وتحريم رسول الله ﷺ لأكل الحمار الأهلي (١)، ولحوم السباع (٢) يوجب الامتناع، وطاعة السنة، واتباع الرواية شفقة من رسول الله ﷺ ، وحسن نظر لنا لشيء علمه. وهو الممنوع , فممنوع بالفرض , وممنوع بالندب لعلة مأخوذ به لا يبلغ به ما أجمع عليه , والله أعلم بما أراد (٣).
стр. 1146
قال الله : ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ (١). قالت عائشة -رضوان الله عليها-: الدم المسفوح دون ماعداه، وتلت الآية (٢). وقال جماعة ممن فسر الآية بمثل ذلك (٣).
ولذلك جازت الصلاة في الثوب فيه القليل من الدم (٤)
стр. 1147
, ولذلك صلى سعيد بن المسيب وقد رعف , وهو يَفْتِلُ (١) الدم، ولما سال خرج فغسله ورجع فبنى (٢). وقال ابن عباس: إذا كان الدم فاحشاً فعليه الإعادة , يعني إذا كان في الثوب , وإذا كان قليلاً فليس عليه الإعادة (٣) , وهذا مع قول ابن عباس: إن الثوب لا ينجس (٤). ولكنه أراد الاحتياط، ولم يحمله على مر القياس.
стр. 1148
وقال ابن سيرين عن يحيى بن الجزّار (١): إن ابن مسعود صلى وعلى بطنه فرث ودم , قال: فلم يعد الصلاة (٢).
فأما الفرث فطاهر، وأما الدم فإذا لم يك سائلاً خرج عن اسم المسفوح، وقال الحسين (٣) مثل ذلك , وإبراهيم أيضاً (٤) , وكلهم فرقوا بين قليل البول، وقليل الدم (٥)،
стр. 1149
فأجازوا الصلاة في الدم، وأمروا بالإعادة * من البول في الوقت , وهو قول مالك ﵁ (١)، وقال بعضهم: يعيد أبداً في البول خاصة (٢).
стр. 1150
قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١).
لا ينبغي أن يغتنم من مال اليتيم شيئاً، ولا يرتفق به، والتي هي أحسن: أن يتجر له ويسمى له، ولا يستقرض من ماله، ولا يشتري من نفسه لنفسه، وما أشبه هذا (٢).
قال الله جل وعز: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٣).
قال عبد الله بن مسعود ﵁: خط لنا رسول الله ﷺ خطاً، وخط عن يمينه وعن شماله خطوطاً، وقال: هذا سبيل الله (٤)، وهذه سُبُل، وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ (٥)(٦)
стр. 1151
يعني الخط ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ (١) يعني الخطوط ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٢).
وقال عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ لعبد الله بن مسعود: يا أبا عبد الرحمن ما الصراط المستقيم؟ قال: هو ورب الكعبة الذي ثبت عليه أبوك حتى دخل الجنة , ثم حلف على ذلك ثلاثة أيمان (٣). وقال مجاهد (٤)، وزيد بن أسلم (٥): صراط الله الإسلام والسنة, والسبل البدع والأهواء.
قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ (٦) *.
стр. 1152
قال الحسن البصري: خرج علينا عثمان بن عفان يوماً فخطبنا, فقطعوا عليه خطبته، وتراموا بالبطحاء , حتى جعلت ما أبصر أديم السماء (١) , وسمعنا صوتاً من بعض حجر أزواج النبي ﷺ , فقيل: هذا صوت أم المؤمنين -وهي أم سلمة- فسمعتها وهي تقول: ألا إن نبيكم قد برئ ممن فرق دينه واحتزب , وتلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٢)(٣).
стр. 1153
وقال أبو أمامة الباهلي عن النبي ﷺ : هم الخوارج (١). وأول الخوارج، وأول البدع الذين خرجوا على عثمان فقتلوه. وقد ذكر أبو غالب عن أبي أمامة الحديث بطوله , وأن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقه, وأن أمته ﷺ تزيد عليها فرقة، كلها في النار إلا السواد الأعظم (٢).
والقرآن يدل على أن كل من ابتدع في الدين بدعة فهو من الخوارج؛ لأنهم إذا ابتدعوا تجادلوا وتفرقوا فكانوا شيعاً , فمن قدر منهم على الخروج خرج, ومن عجز فسيفه في قلبه , والله بمنه يقمعه ويمنعه (٣).
стр. 1154
سورة الأعراف
قال الله : ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (١) *.
قال المفسرون جميعاً ممن انتهى إلينا تفسيره: إنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، العرب دون الحُمس، الرجال والنساء، حتى كانت المرأة تغطي فرجها وتقول:
اليوم يبدو (٢) بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله
فنزلت: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٣)(٤).
وقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٥).
دليل على أنهم كانوا يحرمون على أنفسهم ما وصف عنهم من لبس الزينة, ولم يختلف المفسرون أنه قصد بذلك أن يستر الإنسان نفسه ما يلزمه ستره , ولم يقصد به الصلاة (٦)
стр. 1155
, وزعم الشافعي: أنه أريد به الصلاة (١). وليس له في ذلك متقدم (٢)، ولما كان ستر العورة من فرض البدن فيجوز للرجل أن يصلي في ثوب واحد؛ لأنه يستر ما أمره الله بستره. والمرأة في درع (٣) سابغ وخمار (٤) , وهو أقل ما أمرها الله بستره من بدنها. والأمة في ثوب وخمار (٥) , ولم يكن هذا من فرض الصلاة , وإنما هو من فرض الأبدان، ووافق الصلاة (٦)؛
стр. 1156
لأنه لو كان من فرض الصلاة كالوضوء كما شبهه الشافعي لكان إذا لم يجد الثوب لم يصل , كما أنه إذا لم يجد الماء ولا الصعيد لم يصل , فإن قال قائل متأخر: يصلي ويعيد (١). فقد أمره بصلاة لا تجزئه ولا تنفعه، وهو آثم فيها؛ لأن رسول الله ﷺ قال: لا يقبل الله صلاة * بغير طهور، ولا صدقة من غلول (٢).
وقال عمر (٣)، وعلي (٤)، والتابعون (٥) ممن فسر الآيات، وانتهى إلينا تفسيره: إن الأمة تصلي كما تخرج إلى الناس. فيدل على موافقة الفرض ما أمرت به من الستر، وإنما احتذى أمر الله ﵎ بستره، والله أعلم.
стр. 1157
ولا أدري الوجه الذي شبه الشافعي فيه الثياب بالطهارة في الإيجاب للصلاة , وقد قال رسول الله ﷺ : لا يقبل الله الصلاة بغير طهور (١). وأجمع على ذلك فقهاء الأمصار ومن قبلهم , وأجمعوا على جواز صلاة العريان عند الضرورة (٢) , فإن قال: فإن لم تكن ضرورة وصلى - وَلِبْسُ اللباس من فرض الصلاة - قيل: هذا رجل تهاون بأمر الله، وخالف آداب الله، ولعب بصلاته , فأبطلنا عليه صلاته لهذه العلة عقوبة على فعله (٣) , وكذا يفعل في كل شيء خولف فيه أمر الله، وأمر رسول الله ﷺ ، ألا ترى أنا نفعل ذلك في البيع بعد النداء الثاني يوم الجمعة (٤) , ويفرق بين من خطب على خطبة أخيه، وذلك إذا ركنت المرأة إلى الرجل، وتوافقا على إيقاع العقد وعزيمته , فأما إذا كانت الخطبة ولم تكن إجابة فليس الذي أراد النبي (٥)،
стр. 1158
ويحارب من ترك السنن عامداً، ومعانداً لغير سبب ولا عذر، وتعداد هذا يكثر , وفيما مضى كفاية لمن عقل.
ثم زعم الشافعي أيضاً: أن الثوب يكون طاهراً (١). قال ابن عباس (٢) لمن سأله، وسعيد بن جبير (٣): اقرأ عليَّ آية في طهارة الثياب. منكراً لذلك.
وتأول الشافعي: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٤). وهذا مما يدل على علمه باللغة (٥)؛ لأن الله قال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (٦)، وهل يجوز أن تُجعل الثياب بين الأمر بالإنذار وهجر إبليس؟ وإنما هو: قلبك فطهر، وهذا أول ما نزل على رسول الله ﷺ من القرآن , وبه بعث، ولا فرض بعد، وإنما قيل له بعد: واهجر إبليس (٧)،
стр. 1159
ولربك فاصبر على ما يلحقك، يكون بين ذلك اغسل ثيابك , هذا لو قاله رجل منا لاسُتضعف، جل ربنا عن ذلك، وقال الشاعر:
وإني بحمد الله لا ثوب فاجر ... لبست ولا من غدره أتقنع (١)(٢)
وقال بعضهم ممن تكلف الكلام في هذه المسألة: إن لم يقدر على الماء والصعيد صلى ولم يعد (٣).
стр. 1160
وهو قول من لا يعرف الأصول كيف وضعت، ولو جاز هذا لكانت الحائض تصلي , وإنما سقطت الصلاة عنها؛ لعجزها عن الطهارة، ولعل الرواية خطأ، وإنما فرض الله السترة لا للصلاة لحقوق البدن , فإذا لم يقدر عليه لم يسقط الفرض (١).
وقال ابن عباس ﵁ في طهارة الثياب: أربع لا تنجس الثوب، والأرض، والماء، والإنسان (٢). وأجاز ابن عباس ﵁ وأصحابه الصلاة في الثوب النجس، ولم يروا الإعادة (٣)، ورأى مالك الإعادة في الوقت استحباباً؛ لأن الوقت من فرض الصلاة , والثوب من سنتها , وكذلك طهارتها، فما صلي في الوقت أفضل مما يعيده في * غير الوقت؛ إذ كانت الإعادة ناقصة الفرض تامة السنن , والأولى كاملة الفرض ناقصة السنن , فلذلك أمره في الوقت، ولم يوجبها في خروج الوقت , وقال ذلك استحباباً، لم يره إيجاباً , والله أعلم (٤)، وفي هذا الباب حجاج كثير، وحديث يطول ذكره، وكذا في سائر الأحكام، وإنما قصدنا الاختصار ليقرب من الفهم , نفعنا الله والمسلمين به.
قال الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (٥)، وقال في سورة الأنعام: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (٦).