← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151196

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية

بكر بن العلاء

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

¬وقوله: ولما كان ستر العورة من فرض البدن فيجوز للرجل أن يصلي في ثوب واحد؛ لأنه يستر ما أمره الله بستره. والمرأة في درع سابغ وخمار , وهو أقل ما أمرها الله بستره من بدنها. والأمة في ثوب وخمار , ولم يكن هذا من فرض الصلاة , وإنما هو من فرض الأبدان، ووافق الصلاة؛ لأنه لو كان من فرض الصلاة كالوضوء كما شبهه الشافعي لكان إذا لم يجد الثوب لم يصل , كما أنه إذا لم يجد الماء ولا الصعيد لم يصل , فإن قال قائل متأخر: يصلي ويعيد. فقد أمره بصلاة لا تجزئه ولا تنفعه، وهو آثم فيها. ثم قال: وقال بعضهم ممن تكلف الكلام في هذه المسألة: إن لم يقدر على الماء والصعيد صلى ولم يعد. وهو قول من لا يعرف الأصول كيف وضعت، ولو جاز هذا لكانت الحائض تصلي , وإنما سقطت الصلاة عنها؛ لعجزها عن الطهارة، ولعل الرواية خطأ، وإنما فرض الله السترة لا للصلاة لحقوق البدن , فإذا لم يقدر عليه لم يسقط الفرض. (١)

стр. 107

¬٦. محاولته في مواضع عديدة الربط بين الحكم الفقهي والآية وجعله مأخوذاً من الآية، ومن الأمثلة على ذلك قوله: وقد اختلف أيضاً في الرهن إذا تداعيا ما عليه، فقال المرتهن: هو عندي على مائة، وقال الراهن: بل هو على خمسين. فقال أكثر المفسرين: القول قول المرتهن، وقال بعضهم: القول قول الراهن، وقال بعضهم: القول قول المرتهن إلى قيمة الرهن، وهذا الأخير هو قول مالك ﵁ وأهل المدينة، وهو أشبه بظاهر القرآن؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ (١) فوعظ المرتهن ولم يعظ الراهن؛ لأنه قد توثق منه، فكان الرهن وثيقة لحقه، كالشهادة وثيقة لحقه، فكل من كان القول قوله موعوظاً، ألا تراه قال في أول الآية: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ (٢) ولم يقل ذلك عن الشهادة والرهن (وليتق الله ربه)؛ لأنه قد توثق منه فصار القول قول المرتهن مع يمينه إلى مبلغ قيمة الرهن. (٣)

стр. 108

¬ومن الأمثلة أيضاً قوله: وقد قال العراقيون - مخالفة لباطن الآية ومخالفة للسنة - بترك إجازة الشاهد واليمين، ولما جعل الله الشاهدين - مع علمه بأن أحدهما قد يموت قبل صاحبه ويبقيه - لم يجز أن يأمر بما في علمه أنه غير وثيقة، فلما علم الله ذلك، وكانت اليمين للمدعى عليه إذا لم تكن بينة يدفع بها عن نفسه لقوته باليد المدعى عليه، كان المدّعي إذا مات أحد الشاهدين أقوى بالشاهد الواحد من المدعى عليه باليد؛ إذ كانت يده بياناً منه، وشهادة الشاهد بياناً للمدعي من غيره، فوجب بذلك أن تكون اليمين له، فيكون ما أمر الله به وثيقة صحيحة منا، إذا بطل بعضها لم يبطل المال ببعضها، كالرهن الذي جعله الله وثيقة متى تلف تلفاً ظاهراً كان المال ثابتاً على الغريم لا يزول بتلف الرهن، فيكون ما حكم به النبي ﷺ من الشاهد واليمين مستخرجاً من باطن الآية. (١) ٧. استنباطاته الدقيقة لبعض الأحكام الفقهية من آيات لا يتوقع أن يستخرج منها هذه الأحكام، ومن الأمثلة على ذلك: مسألة ذبح ما حقه النحر ونحر ما حقه الذبح أوردها عند قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (٢)، ومسألة الحجر على المرأة في مالها ونفسها لزوجها، أوردها عند قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (٣)، ومسألة الخروج من صيام التطوع، وكذلك مسألة بيع الخيار أوردهما عند قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٤).

стр. 109

¬٨. تأصيل المؤلف لمذهبه المالكي، ورده على المخالفين له، وهذا واضح جلي في كتابه، ومع ذلك فإنه عند دراسته للمسألة يرجح ما يراه وإن خالف مذهبه المالكي، ومن ذلك مسألة: هل على المحصر هديين أم هدي واحد؟ (١)، ومسألة: إذا قال هذا عليّ حرام لشيء من الحلال عدا الزوجة فهل تلزمه كفارة؟ (٢)، ومسألة: حكم قراءة الفاتحة للمأموم. (٣) ومن المسائل التي خالف فيها مشهور مذهب مالك: جواز وطء الحائض إذا تيممت (٤)، ومسألة: الرخصة بالأكل من الميتة للمسافر سفر معصية (٥). ومع ذلك فلم يسلم المؤلف من التعرض للأئمة والشدة عليهم، وخاصة الإمام الشافعي، حيث انتقصه أكثر من مرة بكلام ينبغي لأهل العلم الترفع عنه، ولقائل أن يقول: أن فترة المؤلف في ذلك الوقت كانت مليئة بكتب الردود والمناظرات بين أصحاب المذهب مما يذكي هذا، إلا أن هذا لا يعد مبرراً لتجريح الأئمة والانتقاص منهم، بل المفترض أن تكون هذه المناظرات وغيرها مجالاً رحباً للمناقشة العلمية الهادئة البعيدة عن التعصب، وأن تكون طريق خير في توحيد هذه الأمة.

стр. 110

¬ المبحث الرابع: قيمة الكتاب العلمية لقد كان لذلك العصر الذي عاش فيه المؤلف، والذي يعتبر من أزهى العصور من الناحية العلمية، وللبيئة الخاصة التي كونت شخصية المؤلف، وهي المدرسة المالكية العراقية (١)، ولمكانة المؤلف العلمية، أقول: كان لهذا انعكاس إيجابي على هذا الكتاب، فمما لاشك فيه ما لهذه العناصر من أثر في جعل الكتاب ذا قيمة علمية، ولعل مما يبين هذه القيمة له ما يلي: ١. كونه مختصر لأصل عظيم مفقود، استفاد منه العلماء قديماً وحديثاً، وأكثروا من النقل عنه، كالجصاص، وابن العربي، وأبي الوليد الباجي، وابن عبد البر، وابن قدامة، والقرطبي، وابن القيم، وابن حجر، وغيرهم، ذلكم الأصل هو (أحكام القرآن) للقاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي، الذي قال عنه الخطيب البغدادي: له كتاب أحكام القرآن لم يسبق إلى مثله. (٢) فتبرز قيمة هذا الكتاب من قيمة أصله. ٢. بإخراج هذا الكتاب ونشره يكون أقدم كتاب - مطبوع كامل (٣) - في أحكام القرآن. ٣. ثناء العلماء على هذا الكتاب، فقد سبق قول ابن أبي زيد القيرواني: وإذا دخلت العراق، فاكتب ما تجد لأهل الوقت من الخلاف والحجة، وإن كانت لك رغبة في الرد على المخالفين من أهل العراق والشافعي: فكتاب ابن الجهم إن وجدته، وإلا اكتفيت بكتاب الأبهري إن كسبته، وكتاب الأحكام لإسماعيل القاضي، وإلا اكتفيت باختصارها للقاضي ابن العلاء. (٤). وهذا قول معتبر من إمام معتبر عند المالكية وغيرهم.

стр. 111

¬وقال القاضي عياض: وألف بكر كتباً جليلة منها: كتاب الأحكام المختصر من كتاب إسماعيل بن إسحاق بالزيادة عليه. (١) وقال الذهبي: ومؤلفه في الأحكام نفيس. (٢) ٤. وما يدل على قيمته العلمية أيضاً ما حواه من الأحاديث والآثار في تفسير الآيات، وبيان الأحكام، ما لا يوجد في غالب كتب أحكام القرآن، فهذا الكتاب يعد بحق من كتب تفسير الأحكام بالمأثور. ٥. ما حواه من طرق للأحاديث والآثار - وإن كانت قليلة - قد لا تكون في غيره، مما يكون له الأثر الواضح في تقوية الأحاديث والآثار، وذلك بتعدد طرقها. ٦. ما حواه من أقوال وآراء للإمام مالك في التفسير والفقه، قد لا توجد في غيره، وخاصة أقواله في التفسير. ٧. بروز شخصية المؤلف في التصحيح والتضعيف، والاختيار والترجيح. ٨. دقته في نسبة الأقوال لأصحابها، مقدماً أقوال السلف على غيرهم. ٩. اعتماده للمنهج الصحيح في التفسير من تقديم تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقوال السلف، ثم باللغة. ١٠. تصديه لأهل الأهواء والبدع، الطاعنين في سلف هذه الأمة، متبعاً ما كان عليه أهل السنة والجماعة في الاعتقاد. وأخيراً فإن قيمة الكتاب تظهر ببيان ما له وما عليه، وقد ذكرت طرفاً مما له هنا، وذكرت طرفاً آخر عند الحديث عن منهجه. وأما ما عليه: فقد سبق ذكر أهم ذلك - وهي قليلة في هذا البحر الزاخر - عند الحديث عن منهجه: كتضعيفه لبعض الأحاديث والآثار الصحيحة، أو تضعيفها دون النظر إلى طرقها التي تتقوى بها، وكذلك شدته على المخالف المخالفة لأدب الحوار والمناظرة. فالعصمة يأباها الله إلا لكتابه، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا المعصوم ﷺ ، وهكذا كل جهد بشر قابل للتصحيح والتوجيه. نسأل الله أن يعفو عنا وعنه، وأن يجزل له الأجر على ما قدم، وأن ينفع بعلمه وبهذا الكتاب.

стр. 112

¬أحكام القرآن للقاضي أبي الفضل بكر بن محمد القشيري (ت: ٣٤٤ هـ) من أول سورة الأنفال إلى آخر الكتاب، دراسة وتحقيقا إعداد: ناصر بن محمد بن عبد الله الماجد إشراف أ. د/ إبراهيم بن سعيد الدوسري خطة البحث: تشتمل على: مقدمة، وتمهيد، وقسمين، وخاتمة، وفهارس. المقدمة: تشتمل على: أهمية الموضوع، وسبب اختياره، وخطة البحث، ومنهج الدراسة والتحقيق. التمهيد: يتضمن تعريفا بالتفسير الفقهي، وبيان أثره، وأشهر المصنفات فيه. القِسم الأول: دراسة عن المؤلف والكتاب الفصل الأول: دراسة عن المؤلف وحياته بإيجاز. الفصل الثاني: دراسة عن الكتاب. الفصل الثالث: موازنة مع كتاب أحكام القرآن لابن العربي. القسم الثاني: تحقيق المخطوط. من أول سورة الأنفال إلى آخر الكتاب، في ثلاث وسبعين ومائة لوحة من لوحات المخطوط. الخاتمة. وفيها ذكرت أهم النتائج التي توصلت لها في هذا البحث الفهارس ذكرت عدد من الفهارس التي تخدم البحث وتساعد الناظر فيه

стр. 113

¬ المقدمة إنّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠]. أما بعد: فمن رحمة الله تعالى بهذه الأمة أن أنزل عليها هذا الكتاب الحكيم، والذكر المبين، فجمعها من شتات فرقتها، ووحد مِزَق صفها، وآلف في محرابه أرواحها، وطهر قلوبها بآياته، وزكى نفوسها بعظاته، وأقامها على سنن الفطرة، فكانت خير أمة أخرجت للناس. ومن نعمته وعظيم منته على هذه الأمة، أن هيأ لكتابه الكريم أئمة من أساطين العلم وحملته، أخذوا على أنفسهم نفي تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، أحيوا بكتاب الله قلوبا غلفا، وبصروا بآياته أعينا عميا، وفتحوا بهداياته آذانا صمّا، عمروا بكتاب الله أوقاتهم، تلاوة ودراسة، وعلما وعملا، وبلغوه من جاء بعدهم، غضا طريا كما نزل.

стр. 114

¬وخلَّفوا ﵏ وأجزل مثوبتهم ـ تراثا ضخما، يشي بمبلغ عنايتهم بكتاب ربهم، وعظيم قيامهم به، ويشهد لهم بسبقهم وتقدمهم على من جاء بعدهم. وإن من بعض حقهم علينا، اعترافا بالفضل لأهله، والسبق لمن تقدم، أن نعتني بتراثهم، خدمة له، وعناية به، حتى يظهر في أبهى حلة، وأكمل صورة. وكتاب أحكام القرآن، لأبي الفضل القشيري المالكي، المتوفى سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، بقية من ذلك التراث وقبس من ضيائه، اختصره مؤلفه من كتاب كبير ضخم في أحكام القرآن ألفه القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي، المتوفى سنة اثنين وثمانين ومئتين للهجرة. وقد منَّ الله ـ بفضله وكرمه ـ عليّ فوفقني لاختياره موضوعا، أتقدم به لقسم القرآن وعلومه، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، لنيل درجة الدكتوراه، تحت عنوان: أحكام القرآن للقاضي أبي الفضل بكر بن محمد القشيري ت: ٣٤٤ هـ دراسة وتحقيقا: من أول سورة الأنفال إلى آخر الكتاب. وقد اخترت أن يكون لي شرف الإسهام في تحقيق هذا الكتاب؛ لما يتميز به من أهمية، وقيمة علمية خاصة، أُبينها في الفقرة الآتية.

стр. 115

¬* أهمية الموضوع . أولا: يعتبر هذا الكتاب من أقدم ما أُلّف في أحكام القرآن الكريم، التي وصلت إلينا، وانتهت بين أيدينا، ذلك أن مؤلفه أبا الفضل القشيري ﵀ توفي في أوائل القرن الرابع الهجري عام أربع وأربعين وثلاثمائة للهجرة، وهو بهذا يعتبر من أقدم المؤلفات في أحكام القرآن الكريم. ثانيا: يتميز هذا التفسير من حيث مادته العلمية بجملة من السمات تجعله جديرا بالعناية حقيقا بالدراسة، وسيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ في قسم الدراسة بسطها، غير أني أذكر منها سمة بارزة، قيمة، وهي تلك العناية الكبيرة بآثار السلف وأقوالهم، فلا تكاد تخلو آية من الآيات التي تكلم عنها، من جملة من الآثار والروايات، بل قد حوى عددا من الآثار، التي لم أقف عليها في شيء من المصادر أو المراجع، وهذه السمة لها عدد من المتعلقات، وتحتاج إلى مزيد بسط وإيضاح، سأعرض لها بإذن الله تعالى على نحو موسّع في قسم الدراسة. ثالثا: وسمة بارزة لهذا الكتاب لا يخطئها الفهم، ولا تعشو عنها العين، هو ما تميز به الكتاب من تلك الاختيارات والترجيحات، التي يختم بها المؤلف كلامه عن الآية أو المسألة، على نحو دالٍ على رسوخ قدمه في العلم، وعلو كعبه فيه. رابعا: كتاب " أحكام القرآن " للإمام القشيري، وهو في أصله كتاب مختصر من كتاب كبير في أحكام القرآن للقاضي إسماعيل بن إسحاق البصري (ت: ٢٨٢)، وتبرز هذه السمة من جانبين، أولهما: مكانة المؤلف، فهو إمام مقرئ حافظ ناقد، من أعيان المالكية ومقدميهم، والجانب الآخر: قيمة الكتاب العلمية، إذ كان محل ثناء العلماء وتقديرهم، على نحو لافت للنظر، يكفي في ذلك مقولة الخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٢٥٨) وهو يثني على القاضي إسماعيل: " وانضاف إلى ذلك علمه بالقرآن، فإنه ألف في القرآن كتبا تتجاوز كثيرا من الكتب المصنفة فيه، فمنها: كتابه أحكام القرآن، وهو كتاب لم يسبقه إليه أحد من أصحابه إلى مثله ". * سبب اختيار الموضوع . أولا: أهمية الموضوع، وقد أشرت في الفقرة السابقة، إلى قيمة هذا الكتاب. ثانيا: الإسهام في إحياء تراث سلفنا الصالح، والعناية به، من خلال إكمال تحقيق هذا المخطوط، وجعله قريبا في متناول أيدي الباحثين والدارسين ـ ولا سيما ـ أن المخطوط من المؤلفات التي اعتنت كثيرا بأقوال السلف وقَدَمَتها. ثالثا: دراسة آيات الأحكام، والوقوف على مذاهب العلماء، واختلاف أنظارهم، ومنازع استدلالهم بنصوص الكتاب الكريم، على مسائل الخلاف، وطرائقهم في الترجيح والاختيار. رابعا: إثراء المكتبة القرآنية، بكتاب قيم، يعتني بتفسير آيات الأحكام. * الدراسات السابقة . بحسب ما أعلم فإن كتاب أحكام القرآن للقاضي أبي الفضل القشيري، لم يُحَقّق ولم يُطبع، وقد سُجّل الجزء الأول منه، بقسم القرآن وعلومه، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، حيث تقدم به الأخ الكريم/ ناصر بن محمد الدوسري، لنيل درجة الدكتوراه، والفضل يعود بعد الله ـ جل وعلا ـ إليه في العثور على هذا المخطوط القِّيم، وتقديمه لقسم القرآن وعلومه، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

стр. 116

¬* خطة البحث . وتشتمل على: مقدمة، وتمهيد، وقسمين، وخاتمة، وفهارس. المقدمة. وتشتمل على العناصر الآتية: ١. أهمية الموضوع، وسبب اختياره. ٢. خطة البحث. ٣. منهج الدراسة والتحقيق. التمهيد. ويشتمل على: أولا: التفسير الفقهي وأثره. ثانيا: أشهر المصنفات في أحكام القرآن الكريم. القسم الأول: دراسة عن المؤلف والكتاب. وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: دراسة عن المؤلف وحياته بإيجاز. وفيه مبحثان: المبحث الأول: عصر المؤلف. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الحالة السياسية. المطلب الثاني: الحالة الاجتماعية. المطلب الثالث: الحالة العلمية. المبحث الثاني: حياته الشخصية والعلمية. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: اسمه، ونسبه، ومولده، ونشأته. المطلب الثاني: عقيدته، ومذهبه الفقهي. المطلب الثالث: مكانته العلمية. المطلب الرابع: آثاره ووفاته.

стр. 117

¬الفصل الثاني: دراسة عن الكتاب. وفيه مبحثان: المبحث الأول: التعريف بالكتاب. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: اسم الكتاب، وتوثيق نسبته إلى المؤلف. المطلب الثاني: النسخ الخطية، ووصفها. المطلب الثالث: مصادر المؤلف. المطلب الرابع: القيمة العلمية للكتاب. المبحث الثاني: منهج المؤلف في كتابه. وفيه سبعة مطالب: المطلب الأول: الأصل الذي اعتمد عليه في تفسيره. المطلب الثاني: الطريقة العامة في عرض الآيات، وتفسيرها. المطلب الثالث: منهجه في التفسير بالمأثور. المطلب الرابع: منهجه في الاستدلال بالإجماع. المطلب الخامس: منهجه في الاستدلال بلغة العرب. المطلب السادس: منهجه في عرض المسائل الفقهية. المطلب السابع: اهتمامه بعلوم القرآن. الفصل الثالث: موازنة مع كتاب أحكام القرآن لابن العربي. وفيه تمهيد وثلاثة مباحث: تمهيد: التعريف بكتاب أحكام القرآن لابن العربي، ومكانته. المبحث الأول: موازنة في عرض المسائل العلمية. المبحث الثاني: موازنة في الاستدلال. المبحث الثالث: موازنة في الترجيح، والاختيار.

стр. 118

¬ منهج دراسة الكتاب والمؤلف . ١. الوقوف على أبرز الكتب التي درست الفترة التي عاش فيها المؤلف، من الجوانب السياسية والعلمية والاجتماعية، مما يساعد على فهم طبيعة الفترة التي عاش فيها المؤلف، لاستخلاص ترجمة شاملة للمؤلف، وعصره من خلالها. ٢. توثيق اسم الكتاب، والتدليل على صحة نسبته للمؤلف، بتتبع كتب التراجم والطبقات، والنظر في مظانه من الكتب الأخرى: ككتب التفسير، والفقه، والكتب التي تعتني بالمصنفات العلمية ومؤلفيها. ٣. ذكر مصادر المؤلف والتعريف بها. ٤. ذكر شيوخ المؤلف، والآخذين عنه، ممن ورد ذكرهم في ثنايا الكتاب. ٥. استجلاء منهج المؤلف في كتابه، والتعرف على معالمه، والوقوف على سماتها، بالنظر في طريقة المؤلف في عرض الآيات، ومنهجه في ذكر السنن والآثار، وسبيله في ذكر الأقوال وحكاية الخلاف بين المذهب والعلماء، ومدى عنايته بنسبة الأقوال إلى قائليها، ونحو ذلك مما يكشف عن منهجه ويبين عن طريقته.

стр. 119

¬القسم الثاني: تحقيق المخطوط. وفيه تحقيق كتاب أحكام القرآن للقشيري، من أول سورة الأنفال إلى آخر الكتاب، وهي تقع في ثلاث وسبعين ومائة لوحة من لوحات المخطوط. منهج التحقيق والدراسة. ١. إخراج النص كاملا، والاستعانة بكتب التفسير، وكتب الأحكام التي تقدمت على هذا المخطوط. ٢. عزو الآيات إلى موضعها. ٣. توثيق القراءات القرآنية. ٤. تخريج الأحاديث من مصادرها الأصيلة، مقدما في الذكر ما كان أقرب للفظ المؤلف، مع بيان حكم أهل العلم عليها إن وجد، وإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بهما عن الإحالة إلى غيرهما. ٥. تخريج الآثار من المصادر الأصيلة التي تعتمد الإسناد، كالصحاح، والسنن، والمستدركات، والمستخرجات، والمصنفات، والأجزاء، والمعاجم، والتفاسير المسندة، ولم أُحِل على المصادر غير المسنده إلا في حال لم أهتد إليها في تلك المصادر. ٦. توثيق المسائل الفقهية التي يذكرها المؤلف، والتأكد من صحة نسبتها إلى قائليها، بالإحالة على المصادر الأصيلة المعتمدة في المذاهب المشهورة، وغيرها. ٧. التعريف بالأعلام والقبائل والأماكن. ٨. عزو الشواهد الشعرية ونسبتها إلى قائليها. ٩. بيان غريب الألفاظ والمصطلحات. ١٠. العناية بضبط ما يحتاج إلى ضبط من الألفاظ والأعلام والأماكن. ١١. التعليق على ما تدعو إليه الحاجة من المسائل العلمية

стр. 120

¬١٢. لم أتصرف فيما يوجد في المخطوط من خطأ أو تصحيف أو تحريف بشيء، بل أثبت الأصل كما هو، ونبهت على ما ظهر لي أنه خطأ في الحاشية، واستثنيت من ذلك الخطأ في كتابة الآيات، حيث صوبتها في الأصل وأشرت إلى الخطأ في الحاشية. ١٣. رتبت ذكر المصادر والمراجع التي أُحيل عليها، بحسب تاريخ وفاة مؤلفيها. الخاتمة. وفيها أهم نتائج البحث. الفهارس. " الآيات. " القراءات. " الأحاديث. " الآثار. " الأعلام. " المسائل الفقهية. " الشواهد الشعرية. " الأماكن والقبائل. " الملل والطوائف. " المصادر والمراجع. " الموضوعات.

стр. 121

¬وبعد: فإني أتوجه بالحمد، والثناء على الله ـ تعالى ـ بما هو أهله، حمدا يليق بجلاله وعظيم سلطانه، على نعمه التي لم تزل تترى، وآلائه التي لا أحصي لها عدا، ولا أعرف لها حدا، ثم أقدم الشكر والعرفان لكل من كان له عليّ فضل في هذه الرسالة، بمعونة أو نصح أو توجيه، ولا سيما والداي الكريمان، سائلا الله ـ تعالى ـ أن يجزل مثوبتهما ويرفعا درجاتهما، كما أخص بالشكر والعرفان فضيلة الشيخ الدكتور: إبراهيم بن سعيد الدوسري، الأستاذ بقسم القرآن وعلومه بجامعة الإمام، على توليه الإشراف الدقيق على هذه الرسالة، وتقديم النصح والتوجيه بخاطر سمح وخلق ندي، فأسأل الله ـ تعالى ـ أن يجزل له المثوبة، وأن يبارك له في علمه وعمله، وأن ينسأ في أثره، ويصلح عقبه. وأصل الشكر ممتنا لصاحب الفضيلة الأستاذ الدكتور علي بن سليمان العبيد وكيل الرئيس العام لشؤون المسجد النبوي، وأخيه فضيلة الدكتور سعيد بن جمعه الفلاح الأستاذ المشارك بكلية أصول الدين، على قبولهما مناقشة هذه الرسالة، وتصويبها، كما أتقدم بالشكر والتقدير لجامعة الإمام ممثلة في قسم القرآن وعلومه على ما تبذله من خدمة للعلم وطلابه، سائلا الله تعالى أن يبقيها مشعلا يستضاء بها، ومنارة يهتدى بها. وأخيرا: فهذه الرسالة جهد المقل، أسأل الله تعالى أن يعصمني فيها من سلطان الهوى، وغلبة الجهل، وخطل الرأي، كما أسأله ـ وهو البر الرحيم ـ أن يجعل عملنا خالصا له ـ سبحانه ـ مقربا مرضاته. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المصطفى الأمين، وعلى آله وصحبه والطيبين ..

стр. 122

¬ التمهيد . لما كان موضوع البحث في تحقيق كتابٍ يتناول تفسير آيات الأحكام من الكتاب العزيز، فمن المناسب التمهيد له، بتناول التفسير الفقهي من جانبين: الجانب الأول: التفسير الفقهي وأثره . الجانب الثاني: أشهر المصنفات في أحكام القرآن الكريم. - الجانب الأول: التفسير الفقهي وأثره. مصطلح: التفسير الفقهي، أو تفاسير الفقهاء، أو تفسير آيات الأحكام، جميعها مصطلحات أطلقت على: التفسير الذي يجمع آيات الأحكام من القرآن الكريم، ويفسرها في كتاب مستقل (١). ويمكن أن تُعّرف ـ أيضا ـ بأنها: الكتب التي أُلفت لتفسر الآيات القرآنية، الدالة على الأحكام الشرعية. وهذه الآيات التي تناولها المفسرون الفقهاء، بالبيان والتأويل، والنظر والتدليل، اختُلِف في عدها وتعيينها، لاختلاف أنظار العلماء في الاستنباط والفهم، واشتهر عند بعض أهل العلم أنها تبلغ خمسمائة آية، وقيل غير ذلك، قال السيوطي: " قال الغزالي

стр. 123

¬وغيره: آيات الأحكام خمسمائة آية، وقال بعضهم: مائة وخمسون آية " (١) وقال صديق حسن خان: " فهذه الآيات التي يحتاج إلى معرفتها راغب في معرفة الأحكام الشرعية القرآنية، وقد قيل: إنها خمسمائة آية، وما صح ذلك، وإنما هي مائتا آية، أو قريب من ذلك، وإن عدلنا عنه، وجعلنا الآية: كل جملة مفيدة يصح أن تسمى كلاما في عرف النحاة، كانت أكثر من خمسمائة آية، وهذا القرآن من شك فيه؛ فليعد" (٢). وأيّا يَكُن العَدُّ، فلا يُفهم من هذا، أن أحدا من الأئمة الأعلام، الذين تكلموا عن هذه الآيات، حصروا الآيات القرآنية التي تستنبط منها الأحكام الشرعية، في هذا العدد أو ذاك، إذ القرآن الكريم كله كتاب هداية وبيان، وحِكَم، وأحكام، لا تنقضي عجائبه، ولا تنحصر آياته، ولا تشبع منه العلماء، وإنما مرادهم ـ في الغالب ـ: جمع الآيات التي اعتنى بها الفقهاء في مؤلفاتهم الفقهية، وكثر البحث فيها، والنظر في دلالاتها، واشتهر الاستدلال بها على مسائل الحلال والحرام، كما هو الشأن في أحاديث الأحكام، التي انتقاها مصنفوها، من بين أحاديث المصطفى، وسننه ﵊، قال الزركشي: " ثم قيل: إن آيات الأحكام خمسمائة آية، وهذا ذكره الغزالي وغيره، وتبعهم الرازي، ولعل مرادهم: المصرح به، فإن آيات القصص والأمثال وغيرها، يستنبط منها كثير" (٣) وفي هذا المعنى قال عز الدين بن عبد السلام فيما نقله السيوطي: " معظم آيّ القرآن لا يخلو عن أحكام مشتملة على آداب حسنة، وأخلاق جميلة، ثم من الآيات ما صرح فيه بالأحكام، ومنها ما يؤخذ بطريق الاستنباط".

стр. 124

¬وهذا الاتجاه في التفسير، جزء من الانطلاقة العلمية، التي شهدها علم التفسير بعامة، في مراحل نشوئه وتطوره، وتاريخ تدوينه والتأليف فيه، وإذا أُريد تمييز هذا الاتجاه ـ بعينه ـ في التفسير، باستقراء تطوره، وتاريخ التدوين فيه، أمكن تمييز أربع مراحل، مَرّ بها هذا الاتجاه في التفسير، وهي (١): المرحلة الأولى: النشأة والظهور . وهذه المرحلة تصدق على عصر الصحابة، والتابعين لهم، وتمتد إلى قريبٍ من منتصف القرن الثاني الهجري، حيث كان التفسير الفقهي جزءا من التفسير العام، في نشأته وتطوره، وخصائصه وسماته، فبيان آيات الأحكام لا يخرج عن مقصود التفسير بعامة، بل هو جزء منه، ولذا يجد المتتبع لآثار الصحابة والتابعين، كثيرا من الآثار المتعلقة بآيات الأحكام، بل ويستطيع الجزم: أن آيات الأحكام حازت قصب السبق في هذه المرحلة، لما نراه من كثرة الآثار عن السلف في تفسيرها وبيانها. وهذه المرحلة من تاريخ تطور التفسير والتدوين فيه، قد تكلم عنها المؤلفون في نشأة التفسير، وتاريخ تدوين علومه، وبينوا خصائصها وسماتها (٢).

стр. 125

¬ المرحلة الثانية: الازدهار والتطور . وهذه المرحلة ازدهر فيها هذا الاتجاه في التفسير، وهي تمتد من الفترة ما بين منتصف القرن الثاني الهجري، إلى القرن السادس الهجري. وفيها استقل الاتجاه الفقهي عن الاتجاه العام في التفسير، بحيث ظهرت كتب مفردة، يقتصر مؤلفوها على آيات الأحكام فقط، وإن ذكروا غيرها ذكروه تبعا لا قصدا، وأول الكتب التي استقلت ـ كما تنقله المصادر التاريخية ـ هو كتاب: تفسير الخمسمائة آية، تأليف: مقاتل بن سليمان الخراساني البلخي، المتوفي سنة ١٥٠ هـ، يقول د. علي العبيد عن هذا الكتاب: " ألف هذا الكتاب مقاتل بن سليمان الخراساني البلخي، في تفسير آيات الأحكام من كتاب الله، ويعتبر أقدم كتاب اطّلَعتُ عليه في تفسير آيات الأحكام من كتاب الله " (١). والجدير ذكره ـ هنا ـ أن هذا الاتجاه الفقهي في التفسير، ازدهر وتطور بشكل كبير ـ ولا سيما ـ في القرن الثالث والرابع الهجريين، فهما أزهى عصور التأليف في أحكام القرآن وأَوْرَقِهَا، وذلك بعد أن استقرت أصول المذاهب الفقهية المشهورة، وتحررت قواعدها، وطرائق أخذها واستدلالها، وكان قصب السبق في ذلك لأتباع تلك المذهب من أهل العلم، حيث تناولوا آيات الأحكام بالتفسير والبيان، واحتجوا بها على صحة مذاهبهم، وكشفوا منازع أئمتهم منها، وأجابوا عن قول من خالفهم، فَهْمَا واستدلالا. وإنه إن يكن الباعث لهم على ذلك نصرة مذهبهم؛ فلقد أفاد ذلك الحركة العلمية المتعلقة بالدراسات القرآنية، حيث أَثْرَوْها بكتب أصيلة في فنها، متينة في مضمونها، ولا أدل على ذلك؛ من أنك لا تكاد تجد كتابا في أحكام القرآن، أُلِف استقلالا، دون أن يكون صاحبه تابعا لمذهب فقهي، قاصدا التدليل عليه، ومبتغيا الاحتجاج له.

стр. 126

¬ المرحلة الثالثة: الركود وانحسار حركة التأليف . وتمتد هذه المرحلة ما بين القرن السابع إلى بداية العصر الحاضر، وفي هذه المرحلة شهد النشاط العلمي، المتعلق بهذا الاتجاه من التفسير، ركودا وانحسارا، إذ ضعفت حركة التأليف بشكل كبير، وذلك أن من أهم الأسباب الباعثة على التأليف في أحكام القرآن: نصرة المذهب، وبيان دلالة آيات القرآن عليه، والإجابة عن قول المخالفين، وهذه الغاية قد تحققت بشكل كبير في المرحلة السابقة، حيث وجد أهل هذه المرحلة أن من سبقهم قد كَفَوْهُم المؤونة، بما ألفوه من كتب، أغنتهم عن ابتداء التأليف. المرحلة الرابعة: العصر الحديث . في عصرنا الحاضر ظهرت عدد من المؤلفات، التي اعتنت بتفسير وبيان آيات الأحكام، تميزت عما سبقها من مراحل؛ بأن النَفَس المذهبي ضَعُف فيها، حتى لا ترى له أثرا، سواء في ابتداء التأليف، وانتهاء بالاختيار والترجيح، حيث ينظر المؤلفون في هذا العصر إلى خلاف السلف ـ وفي جملتهم أصحاب المذاهب المتبوعة ـ ثم يوازنون بين الأقوال، ويرجحون بحسب ما تبين لهم من الدلائل والبرهان، دون التزام باختيار مذهب، أو قول إمام، يقول د. علي العبيد " غالب الكتب المؤلفة في أحكام القرآن في العصر الحاضر، وضعت وفق منهج دراسي معين لا يخرج عنه مؤلفه، ... كما أنها لم تأخذ طابع المذهبية غالبا، فخلت من التعصب الذي ظهر في بعض المؤلفات القديمة" (١) ومن أبين الأمثلة على هذه المرحلة كتاب: نيل المرام من تفسير آيات الأحكام لصديق حسن خان (ت: ١٣٠٧). والجدير ذكره هنا: أن معظم المؤلفات في هذه المرحلة، لم يكن من قصد أصحابها تأليفها ابتداء، وإنما كتبت كمذكرات لطلبة الدراسات الشرعية بالجامعات الإسلامية، ولذا فلا يوجد في كثير منها من التحرير والتدقيق، مثل ما كان عليه الحال في المؤلفات المتقدمة (٢).

стр. 127

¬وبعد: فلقد كان للتفسير الفقهي بمراحله التي مر بها، وخصائصة التي تميز بها، أثره الطيب المبارك، على الحركة العلمية بعامة، وعلى الجانب المتعلق بالدراسات القرآنية بخاصة، وربما كان الأمر يستدعي بحثا أوسع، ونظرا أَحَدّ لاستجلاء تلك الآثار الطيبة، لهذا الاتجاه في تفسير القرآن الكريم، وسأذكر هنا طرفا من تلك الآثار: أولا: لقد كان للمؤلفات في أحكام القرآن، أثرها البين في الحركة العلمية المتعلقة بالدراسات القرآنية، يلمس ذلك كل ناظر في كتب التفسير، أو تلك المؤلفات القرآنية ذات الصلة بالتفسير، والتي جعلت من كتب أحكام القرآن الكريم مرجعا أصيلا لها، تعتمده في دراسة آيّ القرآن الكريم ـ ولا سيما ـ حين تتعرض تلك المؤلفات والدراسات للمسائل الفقهية في الآيات القرآنية، فتراهم يعولون عليها، ويرجعون إليها، بل ربما استغنوا بهذا الرجوع عن العود إلى أمهات كتب الفقه (٢). ثانيا: ومن الآثار الحسنة لهذا الاتجاه في التفسير، أنه أسهم في توسيع دلالات آيّ القرآن الكريم، بما تضمنته تلك المؤلفات من بحوث عميقة، واستنباطات دقيقة، وفهم وَقَّادٍ، لدلالات آيّ القرآن، ومن أصدق الشواهد على ذلك: كتاب الجامع لأحكام القرآن

стр. 128

¬للإمام القرطبي، فقد حوى بحوثا ومسائل قَلّ أن تراها في غيره، خاصة ما تعلق باستنباط الأحكام الشرعية (١). ثالثا: ومن الآثار الطيبة المباركة لهذا الاتجاه في التفسير، أنه ربط الناس بالدليل، وقيدهم بالنص، فهما واستنباطا، فعلى نصوص الكتاب يردون، وعن دلالتها يصدرون، معتمدين على دلالات القرآن الكريم فهما واختيارا، على نحو لا تجده في بعض المؤلفات التي جُردت عن الدليل من الكتاب والسنة. رابعا: تفاسير الفقهاء تطبيق عملي للتّأصيل الفقهي، الذي قرره الأئمة في كتب أصول الفقه وقواعده، على اختلاف مذاهبهم، على نحو بديع مُعْجِب، يُنَمي في طالب العلم بعامة، والمشتغل بتفسير كلام الله بخاصة، ملكة الاستدلال، ويذكي جذوة الاستنباط، ويوقفه على طرائق العلماء في فهم الخطاب، ومنازعهم في الاستدلال. خامسا: اعتنت تفاسير آيات الأحكام، بتحرير مذاهب الأئمة ـ ولا سيما الأئمة الأربعة ـ في المسائل الفقهية، التي تدل عليها آيات القرآن الكريم، وقربتها للناس، ووَطَّأَت أكنافها لهم، على نحو استغنى به كثير من المؤلفين عن الرجوع إلى كتب المطولات والأمهات الفقهية، يقول د. علي العبيد " ومن هنا سهل على الباحثين والفقهاء الإطلاع على الأحكام الشرعية، وفق مذاهب الأئمة، من خلال الآيات القرآنية" (٢). سادسا: تميزت تفاسير آيات الأحكام بعنايتها بتقرير قول المذهب، واختيار الأصحاب فيه، والاستدلال له، والجواب عن مسلك المخالف، على نحو قوي مقنع، فالناظر ـ مثلا ـ في تقرير الجصاص لمذهب أبي حنيفة وانتصاره له، يحسب أن الصواب معه،

стр. 129

¬وأنه لم يدع لمتكلم مقالا، فإذا نظر فيما حققه ابن العربي المالكي وأَصّلَه، استدلالا لمذهب مالك، تردد بين القولين، واحتار بين الرأيين، أيهما بالصواب أشبه، وإليه أقرب. ومع هذه الآثار الطيبة المباركة، وغيرها مما لم يُذكر، فإن أكثر المآخذ على هذا المنحى في التفسير والاتجاه في التأليف، أنه خرج بالتفسير عن مقصوده، إلى بحوث فقهية صِرْفَة، لا تعلق لآيات القرآن بها، وفي هذا يقول أبو حيان الأندلسي: " وقد تعرض المفسرون في كتبهم لحكم التسمية في الصلاة، وذكروا اختلاف العلماء في ذلك، وأطالوا التفاريع في ذلك، وكذلك فعلوا في غير ما آية، وموضوع هذا كتب الفقه، وكذلك تكلم بعضهم عن التعوذ وعلى حكمه، وليس من القرآن بإجماع، ونحن في كتابنا هذا لا نتعرض لحكم شرعي، إلا إذا كان لفظ القرآن يدل على ذلك الحكم، أو يمكن استنباطه منه بوجه من وجوه الاستنباطات " (١). ومما أُخِذ على هذا الاتجاه في التفسير، أن أكثر المؤلفات فيه اتسمت بالتعصب للمذهب، والانتصار لقول إمامه، حتى إنه من النادر جدا أن ترى فيها اختيارا يخالف المذهب، وهذا النوع من التعصب للمذهب يَحْمِلُ على الحِّدَة على المخالف، بل ربما أودى به التعصب إلى البغي أحيانا، على تفاوت بين المؤلفين، بين مقل ومستكثر، يقول الذهبي: " ولقد بلغ الأمر ببعض هؤلاء المقلدة، إلى أن نظروا إلى أقوال أئمتهم كما ينظرون إلى نص الشارع، فوقفوا جهدهم العلمي، على نصرة مذهب إمامهم وترويجه، وبذلوا كل ما في وسعهم لإبطال مذهب المخالف وتفنيده .. " (٢).

стр. 130

¬- ثانيا: أشهر المصنفات في أحكام القرآن الكريم. الاتجاه الفقهي في التفسير واكب الحركة العلمية، التي شهدتها المعارف الإسلامية عموما، والدراسات القرآنية خصوصا، وبدأ التدوين فيه منذ وقت مبكر، وازدهر النِتَاج العلمي في العصور الذهبية للحركة العلمية، واستمر بعد ذلك إلى عصرنا، لتكون حصيلة هذه العصور، عددا غير قليل من المؤلفات في أحكام القرآن الكريم، منها (١): ١. تفسير الخمسمائة آية من القرآن، لمقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠) (٢). ٢. أحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي (ت: ٢٠٤) (٣). ٣. أحكام القرآن، لأبي الحسن علي بن حُجْر السعدي (ت: ٢٤٤) (٤).

стр. 131

¬٤. أحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري (ت: ٢٦٨) (١). ٥. أحكام القرآن، لأبي سليمان داود بن علي الأصبهاني البغدادي الظاهري (ت: ٢٧٠) (٢) ٦. أحكام القرآن، للقاضي أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق المالكي (ت: ٢٨٢) وسيأتي له ذكر ـ إن شاء الله ـ في الفصل الثاني من هذه الرسالة. ٧. أحكام القرآن، لأبي الحسن علي بن موسى القمي الحنفي (ت: ٣٠٥) (٣). ٨. أحكام القرآن، لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي الحنفي (ت: ٣٢١) (٤). ٩. أحكام القرآن، لأبي الفضل بكر بن محمد القشيري (ت: ٣٤٤) وهو محل الدراسة في هذه الرسالة. ١٠. أحكام القرآن، لأبي بكر أحمد بن محمد الجصاص الرازي الحنفي (ت: ٣٧٠) مطبوع. ١١. أحكام القرآن، لأبي العباس أحمد بن علي الباغاني (ت: ٤١٠) (٥).

стр. 132

¬١٢. اختصار أحكام القرآن، لأبي محمد مكي بن طالب القيسي المالكي (ت: ٤٣٧) (١). ١٣. أحكام القرآن، لأبي الحسن علي بن محمد الكيا الهراسي الشافعي (ت: ٥٠٤) مطبوع. ١٤. أحكام القرآن للقاضي أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي المالكي (ت: ٥٤٣) مطبوع. ١٥. أحكام القرآن لأبي محمد عبد المنعم بن الفَرَس المالكي (ت: ٥٩٧). ١٦. القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز، لأبي العباس أحمد بن يوسف الحلبي، المعروف بالسمين الحلبي (ت: ٧٥٦) (٢) ١٧. تيسير البيان لأحكام القرآن، لابن نور الدين محمد بن علي الموزعي (ت: ٨٢٥) ١٨. أحكام الكتاب المبين، لعلي بن عبد الله بن محمود الشنكفي الشيرازي (ت: ٩٠٧) (٣). ١٩. الإكليل في استنباط التنزيل، لجلال الدين أبي الفضل عبد الرحمن بن الكمال السيوطي (ت: ٩١١) مطبوع. ٢٠. نيل المرام من تفسير آيات الأحكام لأبي الطيب صديق بن حسن خان (ت: ١٣٠٧) مطبوع. ٢١. روائع البيان تفسير آيات الأحكام من القرآن، لمحمد علي الصابوني، مطبوع.

стр. 133

¬ومما يلاحظ أن المذهب المالكي تميز عن سائر المذاهب الفقهية المشهورة بعنايته بأحكام القرآن، ظهر ذلك في كثرة مؤلفاتهم في أحكام القرآن، يقول د. علي العبيد: " ويلاحظ أن المذهب المالكي حظي بالنصيب الأوفر من المؤلفين في الأحكام، حيث بلغت مؤلفاتهم ثمانية عشر كتابا " (١)، ويلاحظ ـ أيضا ـ أن مدرسة المالكية بالعراق ـ التي ينتمي إليها المؤلف وشيخه ـ حازت قصب السبق بين مدارس الفقه المالكي، حيث كانت أكثر المؤلفات تعود لمالكية العراق.

стр. 134

¬ الفصل الأول: دراسة عن المؤلف وحياته بإيجاز .

стр. 135

¬ المبحث الأول: عصر المؤلف . وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الحالة السياسية . المطلب الثاني: الحالة الاجتماعية. المطلب الثالث: الحالة العلمية. المطلب الأول: الحالة السياسية. عاش أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري في حدود الفترة ما بين عام ستين ومائتين إلى تاريخ وفاته عام أربع وأربعين وثلاثمائة للهجرة النبوية، وهذه الفترة تندرج في زمن مُلك بني العباس، الذين قامت إمارتهم على أنقاض بني أمية. وقد تميزت هذه المرحلة التي عاشها المؤلف من مُلك بني العباس بأنها الفترة التي أخذ فيها نجم بني العباس يَخْفُت، وبدأت سلطتهم تضعف، ونفوذهم ينحسر، على نحو آذن بقيام الإمَارات الصغيرة، التي قطعت أوصال الأمة، كل يطمع أن يستقل بدويلة أو إمارة، فلا تزال المعارك والحوادث تنشب هنا وهناك. وأشهر الإمارات التي قامت في تلك الفترة إمارة بني بويه، التي كان لها نفوذ كبير على بلاد ما وراء النهر، بل امتد نفوذهم حتى بلغ العراق، واجترؤوا حتى على خلع الخليفة العباسي (١)، وكان أثرهم على بلاد العراق سيئا إذ أكثروا البطش وأثاروا الفتن، يقول د. حسن إبراهيم: " وكان لسياسية بني بويه، أسوأ الأثر في العراق، فقد قامت الفتن الطائفية،

стр. 136

¬وثار الجند كل في وجه الآخر، وانتشرت الفوضى، وعم الاضطراب، وساد الفزع قلوب الأهلين" (١). ومن آثار هذا الضعف أن الأمة شغلت بنفسها عن عدوها، مما مكن العدو من استباحة أرضها، فغزاها بعد أن كانت غازية، واقتطع جزءا من أرضها بعد أن كانت تحوي البلاد والممالك، فتحولت الحال من المغالبة إلى المدافعة. وكما فتح الباب على مصراعيه لظهور كثير من النزاعات والفتن والاضطرابات الداخلية بين أبناء الإسلام، وأصبحت للحركات الباطنية ـوأشدها القرامطة ـ صولة وجولة، ولا يزال التاريخ يذكر في تلك الحقبة الزمنية، ما فعله القرامطة في بيت الله العتيق من نقض أساس الكعبة، وأخذ الحجر الأسود، واستباحة دماء حجاج بيت الله، حتى أسالوا منهم الدماء، وانتهكوا الحرمات المعصومة، ونهبوا الأموال وعاثوا في الأرض فسادا (٢). وأما أمر الخلافة فقد بلغ من الاضطراب مبلغا عظيما، إذ كانت الخلفاء يثب بعضهم على بعض، ويقوم الواحد منهم مقام الآخر، مع استعمال الكيد والمكر، ومن ورائهم الوزراء والقادة، المنتفعون بسلطتهم ونفوذهم، كل يستميل الآخر إلى صفه، ويغريه بالرشاوى، ويملي له بالوعود والعطايا، حتى فسد أمر الخلافة، وذهبت هيبتها من النفوس، حتى النساء والخدم، كان لهم في هذا الميدان صولة، وكانت لهم فيه جولة، وأحسن ما يصور هذا الاضطراب والتلاعب بأمر الخلافة، ما نقله الصولي عن الخليفة الراضي بالله، حيث قال: " كأني بالناس يقولون: أرضي هذا الخليفة أن يدبر أمره عبد تركي، يتحكم في المال، وينفرد بالتدبير، ولا يدرون أن هذا الأمر أفسد قَبْلِي، وأخل فيه قوم بغير شهوتي، ... ويتعدى الواحد منهم أو من أصحابهم على بعض الرعية، وآمره فيه فلا يُمْتثل، ولا ينفذ،

стр. 137

¬ولا يستعمل، وأكثر ما فيه أن يسألني كلب من كلابهم، فلا أملك رده، وإن رددته غضبوا وجمعوا وتكلموا .. " (١). ولهذا الاضطراب فقد عاصر أبو الفضل القشيري تسعة من خلفاء بني العباس، هم: المعتضد بالله، والمكتفي بالله، والمقتدر بالله، والقاهر بالله، والراضي بالله، والمتقي لله، والمستكفي بالله، والمطيع لله، والطائع لله، وبعض أولئك لم تدم خلافتهم إلا بضعة أشهر. ومصر ـ وهي المنزل الثاني للقشيري ـ لم تكن من هذا ببعيد، فقد كانت تخضع لسلطان بني العباس، يجري عليها ما جرى على حاضرة الخلافة العباسية، وكانت تعاني كسائر حواضر الإسلام من اختيار الأمراء الذين كانوا يعدون إمارتهم فرصة لنهب البلاد والعباد. وظلت الحال على هذا، حتى تولى ابن طولون عام ٢٥٤ هـ، فتمكنت له الحال، ورسخت قدمه فيها، وتوطدت إمارته، فاستطاع إقامة إمارة بلغت من القوة أن ضمت إليها الشام، وجزءا من العراق، بل وأرهبت الروم المتربصين بالبلاد، فمنعتهم من كثير من أطماعهم، وآيستهم من كثير من آمالهم (٢). وهذه الحال لم تدم طويلا، حيث أسقط الخليفة العباسي إمارة بني طولون، فعادت الحال كما كانت، حتى كان عام ٣٢٣ هـ، حيث قامت إمارة الإخشيديين على مصر، وبسطت نفوذها على ما جاورها (٣). وهذا النوع من الاستقرار وإن لم يدم طويلا، فقد جعل مصر تشهد نوعا من الاستقرار السياسي، الذي عادت آثاره طيبة على البلاد، فكانت مصر حاضرة علمية يردها العلماء الأفذاذ للاستقرار فيها، كما فعل القشيري ﵀ حيث استوطنها في آخر حياته.

стр. 138

¬ المطلب الثاني: الحالة الاجتماعية . ما من شك في الصلة الوثيقة بين البناء الاجتماعي والوضع السياسي، فأثرهما متبادل، وتأثيرهما مشترك، فالأوضاع السياسية الآمنة المستقرة، تظهر آثارها بادية على مجتمعِ الناسِ وبيئتهم، وينعكس ضؤوها على حياتهم، ففي ظلال الأمن والاستقرار، تنشأ المجتمعات، وتزدهر المدنيات، وتتطور الحضارات. وكما تقدم فإن أواخر القرن الثالث الهجري والقرن الرابع الهجري، شهدا انقسامات سياسية في بلاد المسلمين، نشأت على إثرها إمارات ودويلات، كان لها أثرها البالغ على حياة الناس. ومن اللافت للنظر أن أكثر تلك الإمارت من غير العرب، فكانت لهم عوائدهم العجمية التي تأثرت بالمدنيات السابقة، ظهر ذلك فيما بدأت عليه تلك الإمارات، من حرص على الظهور بأشد أنواع الترف، على نحو لا يعرفه العرب ولا يحسنونه، فتنافس الأمراء في تشييد القصور، وتباروا في زخرفتها وتجميلها، واستنبتوا الحدائق والبساتين النظرة، وأنفقوا عليها من الأموال ما لا يأتي تحت حصر، ومَلَؤوها خدما من الغلمان والجواري، وتحكي كتب الأدب والتاريخ شيئا يظن الظان أنه نَسْجُ خيال، وأحلام يقظان (١). وهذا الترف، والمبالغة في البذخ التي كان عليها الأمراء والوزراء، أورثت حياة كان شعارها المجون، ودثارها رقة الدين وقلة الحياء، فكثرت مجالس الطرب، التي يجتمع عليها الندماء، سماعا للمِزْمَار، وشربا للراح، وتغزلا بالملاح، حتى أمسى لهذه المجالس أدبها الخاص، وتقاليدها التي عرفت بها.

стр. 139

¬وانعكست هذه الحال على عامة الناس، فقد ازدهرت تجارة الرقيق، حتى أصبحت العراق من أكبر الأسواق، ولا سيما تجارة الجواري المغنيات، اللآتي يتقن أصوات الغناء، ويُجِدْن فنون المجون، وتفنن القوم في ذلك وبلغوا حدا مسرفا، يصور ذلك ما ذكره أبو حيان التوحيدي، حيث يقول: " وقد أحصينا ـ ونحن جماعة من الكَرخ ـ أربعمائة وستين جارية في الجانبين، ومائة وعشرين حرة، وخمسة وتسعين من الصبيان البُدو، يجمعون بين الحذق والحسن، والظُّرف، والعِشرة، هذا سوى من كنا لا نظفر به، ولا نصل إليه لعزته، وحرسه، ورُقبائه، وسوى ما كنا نسمعه ممن لا يتظاهر بالغناء " (١). بل لقد تجاوز الخطر هذا القدر، إلى أن بات للجواري والغلمان أثرهما البالغ على سياسة الدولة، وتوجيه دِفة الأمور، فكثرت الدسائس والمكائد، فيهن ومنهن، وحتى الغلمان بات منهم القادة، الذين يأتمر بأمرهم الجند، ومنهم من تولى بعض أعمال عامة الناس، كالتجارة والصناعة والزراعة، فأثّروا على أديان الناس وأخلاقهم. وهذه الحياة الباذخة الفارهة لا بدلها من مورد لا ينضب، فما كان من الأمراء والوزراء، إلا أن تجبي الأموال والضرائب من الناس، وكثيرا ما أثقلت كواهلهم، ودقت أعناقهم، مما جعل ظاهرة اللصوص والشطار تزداد، حتى لقد عُرفت أسماء كانت كَنَارٍ في رأس علم. ولا يظن من يقرأ هذه الأسطر، أن المجتمع قد علته الظلمة والقتامة، فأبلس من الخير، وأعدم من البر، أبدا فلم تزل ـ بحمد لله ـ في ذلك الوقت، شعائر الإسلام ظاهره، وحدوده قائمة، والأمر فيه للشريعة، والقهر فيها لسلطانها، ولم يزل العلماء لهم مكانتهم ومقامهم، هم قادة الناس وساستهم. وجانب آخر مضيء في هذه الحقبة، أنها رفعت من المستوى الحضاري في المجتمع المسلم، المتمثل في جوانب عديدة، كالعناية بالمرضى بإنشاء المستشفيات والمصحات، ورعاية الضعفة والمسنين، وذوي الاحتياجات الخاصة من المعاقين. وجانب آخر هو أعظمها بهاء، وأشدها ضياء، وأبهاها سناء، ما لقيته الحركة العلمية من نهضة قلَّ نظيرها، ووثبات قلَّ مثيلها، ولِمَا لها من تميز واضح، أُفْرِدها بالحديث في المطلب التالي.

стр. 140

¬ المطلب الثالث: الحالة العلمية . يعتبر القرنان الثالث والرابع الهجريان من أكثر القرون زهوا في تاريخ الحركة العلمية، وأعظمها تفتحا على آفاق المعرفة وميادين العلم. ففي هذه الفترة ازدهرت حركة التأليف والتدوين في شَتّى العلوم، ومختلف المعارف والفنون، سواء ما كان منها متعلقا بالحديث رواية ودراية، أم بالفقه، ولا سيما فقه المذاهب المتبوعة المشهورة، أو ما كان في اللغة وآدابها ومعارفها، أو التاريخ والأخبار، أو العلوم التطبيقية والطبية. وفي تلك الفترة بدأت حركة الترجمة إلى العربية، تنشط وتزدهر، وخاصة ما تم نقله من حضارة الفرس، وآدابها، ومعارفها المختلفة، على نحو أثرى المسيرة العلمية وطورها، وفتح الأذهان وفتقها، وآذن ـ أيضا ـ بظهور مذاهب شتى ونِحَل مختلفة. وإن يكن الأمراء والوزراء قد أسهموا في تقسيم البلاد، فقد كان لهم فضل دعم المسيرة العلمية، ومؤازرة العلماء، وتشجيعهم، فبدلا أن تكون بغداد والبصرة مركزي العلم والعلماء دون غيرها، أصبح بجانبها: شيراز، والرَّي، وأصبهان، وهمذان، وبخارى، وسمرقند، والقاهرة، ودمشق، ولكل منها سماتها وخصائصها (١). وبعد أن كان الخليفة وحده هو الذي يشجع العلم والعلماء، أصبح هناك أمراء متعددون، يحرصون أشد الحرص على مؤازرة العلماء وتشجيعهم، وإجراء الأرزاق عليهم،

стр. 141

¬بل وتنافسوا على استصحاب العلماء في مجالسهم، وإسناد وزارات الدولة ووظائفها إليهم، بل حتى في جمع الكتب وحيازتها، حتى كان عظم خزائنهم من الكتب مدعاة للتفاخر (١). ولقد كانت الجوامع الكبار منارات علمية، أشبه ما تكون بالجامعات في عصرنا الحاضر، تُدَرّس فيها مختلف العلوم، وشتى المعارف والفنون، وكانت مجالس الدرس والسماع، تزدحم بمختلف شرائح المجتمع، وشتى طبقاته، من الأمراء إلى سوقة الناس وعامتهم. ـ وفي الحق ـ فقد كانت حقبة زمنية ازدانت بأئمة أعلام كبار، كانت لهم آثارهم الواضحة، على المسيرة العلمية في تاريخ الحضارة الإسلامية، ولا يستطيع المرء أن يحصي ذكرهم، وسأكتفي بذكر بعض أشهر الأئمة في المذاهب المتبوعة، أو أولئك الذين برزوا في بعض فنون العلم وميادين المعرفة، ممن عاش في نفس الفترة التي عاشها المؤلف، ومقتصرا على العراق ومصر، إذ كان فيهما مقامه ومنزله، فمنهم (٢): ١. المَحَامِلي، أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل الضبي (ت: ٣٠٣) الإمام صاحب السنن. ٢. ابن الأنباري، أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار بن الأنباري (ت: ٣٠٤) إمام اللغة والنحو. ٣. الطبري، محمد بن جرير بن غالب الطبري (ت: ٣١٠) شيخ المفسرين. ٤. الطحاوي، أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي الحنفي (ت: ٣٢١) محدث الديار المصرية وفقيهها. ٥. نفطويه، أبو عبد الله بن محمد العتكي الأزدي (ت: ٣٢٣) إمام النحو، صاحب التصانيف البديعة. ٦. ابن مجاهد، أبو بكر أحمد بن موسى بن مجاهد البغدادي (ت: ٣٢٤) الإمام المقرئ مصنف كتاب السبعة. ٧. الاصْطَخْرِي، أبو سعيد الحسن بن يزيد الاصطخري الشافعي (ت: ٣٢٨) الفقيه الشافعي. ٨. الأشعري، أبو الحسن علي بن بشر الأشعري اليماني البصري (ت: ٣٣٠) الإمام رأس المتكلمين. ٩. الجصاص، أبو يوسف يعقوب بن عبد الرحمن الجصاص البغدادي (ت: ٣٣١) الإمام الفقيه الحنفي. ١٠. ابن عقدة، أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني (ت: ٣٣٢) أحد أعلام الحديث وحفاظ زمانه، وصاحب التصانيف الكثيرة. ١١. الأثرم، أبو العباس محمد بن أحمد البغدادي الأثرم (ت: ٣٣٦) الإمام المقرئ المحدث. ١٢. أبو إسحاق المروزي، إبراهيم بن أحمد المروزي (ت: ٣٤٠) شيخ الشافعية وصاحب ابن سريج. ١٣. الكَرْخِي، أبو الحسن عبيد الله بن الحسين بن دلال البغدادي (ت: ٣٤٠) مفتى العراق شيخ الحنفية. ١٤. ابن الحداد، أبو بكر بن أحمد بن محمد الكناني المصري (ت: ٣٤٥) وصاحب كتاب الفروع في المذهب الشافعي.

стр. 142

¬١٥. السمرقندي، أبو عمرو عثمان بن محمد السمرقندي المصري (ت: ٣٤٥) الإمام المحدث المسند. ١٦. المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي (ت: ٣٤٥) صاحب مروج الذهب. ١٧. ابن يونس، أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس المصري (ت: ٣٤٧) الإمام الحافظ المتقن، صاحب تاريخ علماء مصر. * المدرسة المالكية العراقية (١). في هذه الحقبة الزمنية، الزاخرة بالعلم، الناضحة بالعلماء، الناضجة بالمعرفة، عاش عالمنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء، الذي أسهم في هذه المسيرة العلمية الراشدة، ولا سيما في المدرسة المالكية بالعراق، حيث كانت تلك المدرسة المالكية تعيش أزهى عصورها وأنضج مراحلها، وسأختصر الكلام عن هذه المدرسة في النقاط الآتية: " نشأة المدرسة العراقية. كان الإمام مالك بالمدينة النبوية قبلة طلاب العلم ورواته، وردوا إليه من مختلف الحواضر والعواصم الإسلامية، كل ينهل من مورده، وقد برز من هؤلاء طائفة التزمت مذهب مالك وأصوله الفقهية، وحفظوا عنه أقواله وآراءه الفقهية، فأخذوا في نشرها في البلاد التي أقاموا بها، ولم ينشب الأمر حتى تطور، ليصبح أولئك النفر القليل، نَبتاتٍ مباركات لمدارس قامت في عدد من الأمصار، ترجع في أصلها إلى تلك المدرسة الأم في المدينة، وأستاذها الأول: مالك بن أنس، وهي خمس مدارس:

стр. 143

¬١. مدرسة المالكية في المدينة المنورة ٢. مدرسة المالكية في العراق. ٣. مدرسة المالكية في مصر. ٤. مدرسة المالكية في القيروان. ٥. مدرسة المالكية بالأندلس. لقد كان من أبرز العوامل التي أسهمت في قيام هذه المدارس؛ هو أستاذها الأكبر مالك بن أنس، فقد كان ﵀ متضلعا من علمي الحديث والفقه، ظهرت آثار تضلعه على تلاميذه، فتميز بعضهم بعلم الحديث وروايته، وتميز الآخر بالفقه ودرايته، فكانت هذا المدارس جميعها، يظهر فيها أحد اتجاهين اثنين: الاتجاه الأول: من يرى تقديم الأحاديث الصحيحة على ما جرى عليه العمل، ولقد تزعم هذا الاتجاه المدنيون، وتابعهم عليه أئمة من المدارس الأخرى. الاتجاه الثاني: يرى الاعتماد على الأحاديث التي أيدها العمل وتقديمها، وبمعنى آخر: اتخاذ عمل أهل المدينة عملا مثاليا ومفسرا للسنة. ومحل النظر هنا من بين هذه المدارس جميعها: المدرسة العراقية، التي يعتبر أبو الفضل القشيري وشيخه القاضي إسماعيل، أحد آثارها، حيث تميزت هذه المدرسة بعامل آخر كان له أثره البارز على اتجاهها، على نحو ميزها عن سائر المدارس المالكية الأخرى: وهي البيئة التي ظهرت فيها هذه المدرسة، فقد كانت بيئة العراق العلمية يغلب عليها اتجاه أهل الرأي، فظهر ذلك على طريقة العراقيين من أتباع مالك، حتى كانت مؤلفاتهم مسلكا جديدا على الفقه المالكي،

стр. 144

¬إذ تميزوا " بإفراد المسائل، وتحرير الدلائل، على رسم الجدليين، وأهل النظر من الأصوليين" (١)، كما أنهم تميزوا بدراسة " المذهب دراسة مقارنة بالمذاهب الأخرى، ولهم في هذا فضل السبق والابتكار " (٢) ولهذا يقول الخطيب البغدادي وهو يتكلم عن القاضي إسماعيل، الذي يعتبر بحق رأس هذه المدرسة وإمامها: " وصنف في الاحتجاج لمذهب مالك والشرح له، ما صار لأهل هذا المذهب، مثالا يحتذونه، وطريقا يسلكونه " (٣). كما امتازت هذه المدرسة عن غيرها من المدارس المالكية الأخرى، بسمة التقعيد للمسائل، والتأصيل للقضايا، ولعل هذا التميز كان أثرا من آثار البيئة التي ظهرت فيها حيث كانت المدرسة الحنفية والشافعية متميزة في هذا الأمر (٤). كما امتاز علماء المذهب المالكي بالعراق ـ أيضا ـ عن غيرهم من علماء المدارس المالكية الأخرى، بسعة الاطلاع على نتاج ومؤلفات وكتب المذاهب الأخرى، والاقتباس من طرقها وأساليبها. " أشهر روادها. يعتبر عبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وسليمان بن بلال، وأحمد بن المُعَذِّل، هم الرواد الأوائل الذين أدخلوا مذهب مالك إلى العراق، ومهدوا لقيام المدرسة العراقية،

стр. 145

¬غير أن أسرة آل حماد يُدان لها بفضل نشر المذهب في العراق، وأخذه مكانه بين العراقيين، وعلى رأس هذه الأسرة الكريمة، يأتي الإمام إسماعيل بن إسحاق (ت: ٢٨٢) ـ شيخ المؤلف ـ والذي يعتبر بحق: المؤسس الفعلي للمدرسة المالكية في العراق، ثم تبعه بعد ذلك أبو بكر محمد بن عبد الله الأبهري (ت: ٣٧٥)، وأبو القاسم عبيد الله بن الحسين بن الجلاب (ت: ٣٧٨)، وأبو الحسن علي بن عمر بن القصار (ت: ٣٩٨)، الذين كانوا دعامة المهذب المالكي في العراق، ثم خلفهم القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر (ت: ٤٢٢) الذي يُعتَبر خاتمة الأئمة الكبار من مالكية العراق، فلم تدم هذه المدرسة بعده طويلا. " أبرز آثارها. من أبرز الآثار التي خلفتها المدرسة العراقية، أنها استطاعت المزاوجة بين الاتجاه الأثري الأصيل في المذهب المالكي، واستعمال المنهج الاستنباطي الفقهي التعليلي، القائم بالعراق " فأهل العراق جعلوا مصطلحهم في مسائل المدونة كالأساس، وبنوا عليها فصول المذهب، بالأدلة والقياس ... ودأبهم القصد إلى إفراد المسائل، وتحرير الدلائل، على رسم الجدليين، وأهل النظر من الأصوليين" (١)، وظهر أثر هذا المنهج على المذهب المالكي، وانعكست آثاره رسما باديا على شخصيات بارزة فيه، فظهر جليا تأثر أبي زيد القيرواني (٢)، وكذلك أبي الوليد الباجي" حيث تعمق في درس مناهج الفرع المالكي العراقي، جامعا في دراسته بين الفقه والحديث، حتى إذا عاد إلى الأندلس أضحى مدرسة قائمة بذاتها ... ولقد كان لتلاحم هاتين الطريقتين،
следующие страницы →