← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151196

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية

بكر بن العلاء

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

¬٥. ترك ذكر طرق الأحاديث والآثار من المتابعات والشواهد، فقد يكون للحديث أكثر من طريق عن راوي واحد، وهذا ما يعرف بالمتابعات، وقد يكون للحديث شاهد آخر بنفس المعنى، أومن طريق آخر عن راوي آخر، فيكتفي المؤلف كثيراً بذكر طريق واحد ويترك الباقي، ويقول: ولهذا الحديث طرق كثيرة. (١) وانظر على سبيل المثال قول المؤلف: وقال زر عن علي في قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٢) قال: إلا أن يكون مسافراً فلا يجد الماء، فيتيمم ويصلي. وفي الأصل ذكره من طريقين عن زر عن علي بن أبي طالب ﵁. وعند نفس الآية قال المؤلف: روى المطلب أن النبي ﷺ لم يأذن لأحد أن يدخل المسجد وهو جنب، إلا علي بن أبي طالب ﵁؛ لأن بيته كان في المسجد. وفي الأصل ذكر شاهداً له فقال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال حدثنا هشيم قال أخبرنا العوام بن حوشب قال حدثنا شيخ منذ أربعين سنة: أن علياً كان يمر في المسجد وهو جنب مجتازاً. ومع ذلك فقد حفظ المؤلف غالب المادة العلمية للأصل، ولم يكن مجرد مختصر، بل كان اختصاره عن علم وحسن انتقاء، وله نظر في ذلك وترجيح، وزيادات، واستدراكات على صاحب الأصل، يقول القاضي بكر: وربما اختصرته وزدت فيه، وتكلمت بما حضرني مما ظننت أن إسماعيل لكثرة شغله أغفله، أو لزيادة زيدت علينا بعده، فاحتجت إلى الانفصال منها، مما رجوت أن يكون تقوية للمذهب، وتصحيحاً لما ذهب إليه فيه، إلا ما قلت فيه حدثنا فذلك من سائر الحديث ليس مخرجه إسماعيل. (٣)

стр. 72

¬ويمكن بيان أوجه ما زاده المؤلف على الأصل، مقارنة مع ما تبقى من الأصل: ١. زيادته مسألة فقهية، وهي مسألة حجر الزوج على زوجته في مالها ونفسها، وأطال النفس فيها، مستدلاً لها، ومصححاً لما استدل به، ومجيباً على الاعتراضات على ما ذهب إليه (١). وهذه المسألة غير موجودة في الأصل. ٢. ذكره لمجموعة من الأحاديث والآثار المسندة التي ليس مخرجها القاضي إسماعيل، وقد سبقت الإشارة إلى هذه الأحاديث والآثار عند الحديث عن شيوخ المؤلف وروايته عنهم (٢). ٣. كان له بعض الاستدراكات على شيخه صاحب الأصل، مع عرضها بشيء من الأدب والاحترام، فعند قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣). نقل قول القاضي إسماعيل في مسألة حكم الإتمام في السفر، فقال المؤلف: وليس إتمام الصلاة في السفر مثل الصيام، قال القاضي إسماعيل: لأن المسافر فرضه ركعتان فلا يجوز له أن يصلي أكثر من فرضه.

стр. 73

¬قال المؤلف معقباً على هذا: قال القاضي: وطرق هذا الحديث كثيرة، وقد قال مالك في من أتم في السفر: إنه بعيد في الوقت. فإن قيل: إن كان فرضه ركعتين فالزيادة فيها تبطلها كما تبطل الزيادة في الأربع، قلنا: الفرض ركعتين أقوى ما روي ونقل إلينا، ولسنا مثل من جاء بعد المائتين يقول: إنما خالفه لا يجوز البتة، لو قلنا أن يصلي أربعاً يعيد أبداً لكان عثمان وعائشة ﵄ ما صليا، وآراؤنا دون آرائهم، قال ابن مسعود ﵁ وقد صلى خلف عثمان ﵁ أربعاً: ليت حظي من أربع ركعتين، ولم ير الإعادة، وهذا علي بن أبي طالب ﵁ يقول له ابن عباس: كنت معنا نقول لأبي بكر وعمر إن الخمس لنا بالكتاب والسنة حتى أفضي الأمر إليك فقسمته على ما قسماه، قال علي: إنهما تأولا كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وتأولنا ولسنا بتأويلنا أولى منهم بتأويليهم، فقسمتها على ما قسماها، وقال: قد كانا رشيدين وما أحب أن يؤثر عني خلافهما، فنحن ما أدركنا الوقت قلنا أيضاً بالأفضل، فإذا خرج الوقت لم نزر على الصحابة ونقول ما يكدح فيهم. وعند قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (١). قال المؤلف: قال القاضي ﵀: وهذه الآية والله أعلم توجب ترك قتل الذراري، والنساء، والشيخ الفاني، ومعنى قوله: ﴿قَاتِلُوا﴾ اقتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تقتلوا من لا فضل فيه لقتالكم، ألا تراه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٢) فكان هذا مانعاً من قتلهم.

стр. 74

¬ثم قال: قال القاضي إسماعيل: إنما أذن الله ﵎ للنبي ﷺ في القتال بعد قدومه المدينة، ثم أمره بالقتال على أحوال كانت، فكان يؤمر فيها بعينها فمنها والله أعلم هذه الآية التي ذكرناها وغيرها، ثم نسخ ذلك كله وأمر بقتال المشركين كافة وقتال أهل الكتاب. قال القاضي: فقد يجوز أن يكون كما ذكره إسماعيل، ويدخل في معناه ما قدمنا ذكره. وقال في موضع آخر: وقد قال قوم، وقرأوا: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ (١) يريد تزوجن. وهذا تأويل من لم يعرف قول النبي ﷺ : إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها. وهذا على العموم، وقد أنكر إسماعيل القاضي: (أحصن) أسلمن، لأن الله ذكر في أول الآية: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢) فاستُغني بذلك. وهذا مما لا ينبغي له أن ينكره مع علمه باللغة واتساعه فيها، أن يقول الله : ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٣) فإذا أحصن بالإسلام. فقد قال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٤)، ونظائر هذا في القرآن كثير، قال الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٥) وفي هذا كفاية، ثم قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٦). وجعل إسماعيل حجته في حد العبد والأمة الحديث دون الآية، والحديث يزيد الآية، ويبين ما فيها والله أعلم، وكان بنص فرآه بذلك.

стр. 75

¬٤. الزيادة فيما طرأ من الحجة للمذهب بعد ذلك، فنجد المؤلف يذكر مثلاً قول الطحاوي في مسألة النبيذ. (١) ٥. الاختيار والترجيح، فلا تكاد تخلو آية - في الغالب - من ابتدائها أو ختمها بقول المؤلف: قال القاضي. وهذه الاختيارات مبنية على أصول منها ما يتعلق بتفسير الآية، ومنها ما يتعلق بالحديث، ومنها ما يتعلق باللغة، وستأتي الإشارة إلى بعضها عند الحديث عن منهج المؤلف التفصيلي إن شاء الله. ولعل هذه النقطة - أعني اختيارات المؤلف وترجيحاته - لا تنسجم مع ما نقل عن المؤلف من قوله: بعدم الاختيار بعد المائتين، فقد قال ابن حزم: وكقول بكر بن العلاء القشيري المالكي: إن بعد سنة مائتين قد استقر الأمر، وليس لأحد أن يختار. (٢) وقال في موضع آخر: وقول بكر بن العلاء: ليس لأحد أن يختار بعد التابعين من التاريخ. ثم قال: ويقال لبكر من بينهم: فإذا كان لا يجوز الاختيار بعد المائتين عندك ولا غيرك، فمن أين ساغ لك وأنت لم تولد إلا بعد المائتين بنحو ستين سنة أن تختار قول مالك دون من هو أفضل منه من الصحابة والتابعين؟ أو من هو مثله من فقهاء الأمصار، أو من جاء بعد متعقباً عليه وعلى غيره، ممن هو أعلم منه بالسنن وأصح نظراً، أو مثله كأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه وغيرهما. ثم شدد عليه النكير بكلام شديد. (٣) وقال ابن القيم: وقال بكر بن العلاء القشيري: ليس لأحد أن يختار بعد المائتين من الهجرة. (٤) وما وقفت عليه من هذا مما ذكره المؤلف في كتابه هذا، هو ما يلي: قوله: والقرآن كله قد أحكم، وعرفت أحكامه، فما أُخرَ بيانه عن الحاجة إليه.

стр. 76

¬فقد بيّن ما أراد الله به من عموم وخصوص، وظاهر وباطن، وغير ذلك من وجوهه وتصرفاته، ولم يوقف فلا يعمل به، على من يأتي بعد مائتين وثلاث مائة سنة، فبينه حتى يضع كتباً يقول فيها: البيان الأول والثاني والثالث من البيان، وهذا ما لا يجوز أن يقدم عليه إلا جبريل ﵇ عن الله . (١) وقال: ولسنا مثل من جاء بعد المائتين يقول: إن ما خالفه لا يجوز البتة. (٢) وقال: وقد زعم بعض الناس أنها واجبة بقول الله : ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ (٣) فجعل للحج أكبر وأصغر، وأخطأ خطأً فاحشاً؛ لأن كل من فسر هذه الآية قصد إلى اليوم، ولم يجعل حجاً أكبر وأصغر، فمن الصحابة من قال: يوم عرفة، ومنهم من قال: يوم النحر، وسئل النبي ﷺ عن يوم الحج الأكبر فقال: يوم النحر، وقال: أفضل الأيام يوم النحر ثم يوم النفر. وليس يكون من طرأ بعد المائتين خلافاً للصحابة الذين ذكروا أن الله قصد يوم الحج الأكبر، لاسيما مع بيان النبي ﷺ . (٤)

стр. 77

¬هذا ما وقفت عليه في كتابه هذا، وقد يكون هناك نصوص أصرح من هذه في كتبه الأخرى، لكن الذي يظهر من هذه النصوص أن المؤلف لا يرى المنع من الاختيار بعد المائتين، الاختيار المبني على الدليل، فالمؤلف يقصد بهذا أمرين، الأول: عدم إحداث قول خارج عن أقوال السلف، وقد صرح بذلك حيث قال: فمدح الله متبعهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (١)، ومتبعهم إنما يتبعهم فيما قالوه دون مارووه، إذ كان مارُوي المتبع فيه الرسول ﷺ ، فإذا اختلفوا وجب النظر في أقاويلهم، دون الخروج عنها، لقوله : ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢)، والأحسن ما أنتجه النظر، واستخرجته الدلائل والعلل من الأصول المجمع عليها من الكتاب والسنة، فبيّن ما اختلف فيه على علل ما اتفق عليه. (٣)

стр. 78

¬الأمر الثاني: وجوب الرجوع إلى فهم السلف الصالح عند الاختلاف، فإن الاختلاف دائماً ليس في النصوص، وإنما في فهمها، ولذلك يقول المؤلف: ولم يزل أهل العلم على ذلك متبعين لسلفهم، حتى حدث في القرن الرابع من هذه الأمة ومن تلاهم قوم مستخفون بقول السلف، وله هاجرون، وعلى مذاهبهم زارون، يحدثون أنفسهم أن أسد الجواب ما استخرجوه، وأعلاه ما استنبطوه، أخذوا ذلك عن أهل الزيغ، لا يعرجون على الرواية، ولا يلتفتون إلى باطن التلاوة، ويرون أنهم يساوون السلف في العلم بالكتاب، طعناً بذلك على إخوان المصطفى الذين فارقهم على الصدق والوفاء، والطهارة والتقى، ولو أخذوا ذلك عمن شاهد الوحي ونزل القرآن بلغته لكانت هذه الطائفة قد سلكت سبيل الصواب، وصادفت سديد الجواب، ولعلِمتْ أن عقول من تقدمهم تربى على عقولهم، وأفهامهم تزيد على أفهامهم، ولكنهم لما خالطوا أهل الكلام وجانبوا الورع، وصار القصد الغلبة بالجدل المحض، منعهم الله التوفيق، وحاد بهم عن الطريق. (١) ثانياً: منهج المؤلف العام . بدأ المؤلف كتابه بمقدمة ذكر فيها أن تفسير القرآن منه ما يعرف ويعقل بنفس الخطاب، ومنه ما بينه الله بآيات أخرى، ومنه ما بينه رسوله ﷺ ، ومنه ما بينه الصحابة، بما أتوه من العلم، والمشاهدة، والفضل. ثم ذكر أن من بعدهم صار على نهجهم، حتى حدث في بعض القرون المتأخرة من يستخف بقول السلف، ويرى تقديم قوله على قولهم، وفهمه على فهمهم. ثم بين أنه اختصر كتابه هذا ليقرب من فهم المتعلم، وأنه لم يعد فيه من السنة، وقول السلف، وما توجبه اللغة العربية التي نزل القرآن بها.

стр. 79

¬ثم بدأ المؤلف كتابه بتفسير سورة الفاتحة دون أن يذكر اسمها، فذكر بعض ما فيها من الأحكام الفقهية، وذكر فيها بعض الأمور التي لا علاقة لها بسورة الفاتحة كالحديث عن معنى السورة، ومعنى القرآن. ثم شرع في تفسير سورة البقرة، ثم آل عمران، ثم النساء، ثم المائدة، ثم الأنعام، ثم الأعراف، على ترتيب المصحف، وهو لا يتعرض إلا لما فيها من آيات الأحكام، وعند عرضه لهذه الآيات يرتبها حسب ورودها في السورة، إلا في مواضع محدودة، منها: تقديم الآية ١٤٤ من سورة البقرة على الآية ١٤٣ من السورة نفسها، والآية ٢٨٣ من سورة البقرة شرح جزء منها - وهو ما يتعلق بمسألة إذا تداعيا الراهن والمرتهن في قيمة الرهن - مع الآية ٢٨٢ من السورة نفسها، ثم رجع مرة أخرى بعد الانتهاء من الآية ٢٨٢ وبين ما في آية ٢٨٣ من بقية الأحكام، وقد قدم هذه المسألة لمناسبة الحديث عند الآية ٢٨٢ عن مسألة الاستيثاق في الديون، والقضاء بالشهادة واليمين عند الاختلاف وعدم البينة. وقدم المؤلف أيضاً الحديث عن الآية ٢٤٠ من سورة البقرة مع الحديث عن الآية ٢٣٤ من السورة نفسها للمناسبة بين هاتين الآيتين من حيث إن المتقدمة ناسخة للمتأخرة. وفي سورة آل عمران قدم الحديث عن الآية ٩٧ وأخر الحديث عن الآية ٢٨ من السورة نفسها، ولم يتبين لي السبب في ذلك. وقد بلغ عدد الآيات التي تناولها المؤلف - في القسم المحقق عندي - ١٥٤ آية، على النحو التالي: سورة البقرة ٦٣ آية، سورة آل عمران ٤ آيات، سورة النساء ٤٥ آية، سورة المائدة ٣١ آية، سورة الأنعام ٦ آيات، سورة الأعراف ٥ آيات.

стр. 80

¬وقد يحيل المؤلف في تفسير آية إلى موضع آخر من كتابه (١)، وقد لا يفسر الآية، وإنما يحيل في تفسيرها إلى كتاب آخر، كما في تفسير الآية ٢٢٦ من سورة البقرة قال: ويأتي تقصي قولهم في كتاب الاحتجاج عليهم، وعند الآية ٤٣ من سورة النساء والآية ٩٠ من سورة المائدة أحال إلى كتابه الأشربة، وعند تفسير الآية ١١ من سورة النساء أحال إلى كتاب شيخه في الفرائض. وأما طريقة عرضه لتفسير الآيات، فإنه يذكر الآية كاملة أو جزء منها، ثم يشرع في تفسيرها مفتتحاً ذلك - في الغالب - بإيراد أقوال السلف في معناها، أو فيما ذكر فيها من أسباب النزول، معرجاً على بيان ما ساق الآية من أجله، وهو بيان ما فيها من الأحكام الفقهية، مكتفياً بذكر الحكم مختصراً تارة، ومفصلاً تارة أخرى، مؤصلاً للمذهب، مستدلاً له، مورداً أقوال المخالفين وأدلتهم، مناقشاً لها، مبيناً للصحيح من الضعيف، والراجح من المرجوح. هذا بإيجاز منهجه العام، وسيظهر جلياً عند الحديث عن منهجه التفصيلي إن شاء الله. ثالثاً: منهج المؤلف التفصيلي . أشار المؤلف في مقدمة كتابه إلى الأصول التي فسر بها القرآن، وهي: ما يعرف ويعقل بالخطاب، وتفسير القرآن بالقرآن، وبالسنة، وبأقوال السلف، وباللغة العربية، مضمناً كتابه الأحكام المستنبطة من القرآن.

стр. 81

¬قال المؤلف: فأحكم الله ﷻ الفرائض والأحكام، والأصول كلها فيه جلياً وخفياً. فمنه ما يعقل بنفس الخطاب، قال الله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (١)، ومنه ما بينه الله بالوحي، وهو الخفي، ألا تراه يقول: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (٣)، فسأل نبينا ﷺ ربه ﵎ عن بيانه، فبيّنه له، ومنه مابيّنه الرسول ﷺ بالحكمة التي أعطاه الله، يقول الله : ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (٤)، وقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٥). ومنه ما شرّف الله به أصحاب نبيه بمشاهدتهم الأسباب التي نزل القرآن من أجلها، وسنت السنن بحضرتهم عملاً وقولاً، فكانوا بالمشاهدة أعلم الخلق بما نزل، وبوجوهه وتصرفاته، ونصحهم للأمة، وصدقهم. ثم قال: فإني اختصرت في كتابي هذا أحكام القرآن، ليقرب من فهم المتعلم، طلباً لعظيم الأجر، وجزيل الذخر، إذ كان عماد الدين، لم أعد فيه عن السنة، وقول السلف، وما توجبه اللغة التي نزل القرآن بها. (٦) ويمكن تقسيم منهج المؤلف التفصيلي إلى أربعة أقسام: منهجه في التفسير، منهجه في القراءات، منهجه في تصحيح وتضعيف الحديث والأثر، منهجه في عرض المسائل الفقهية.

стр. 82

¬ القسم الأول: منهجه في التفسير . أ. تفسير القرآن بالقرآن: وإليه أشار المؤلف بقوله: ومنه ما بينه الله بالوحي، وهو الخفي، ألا تراه يقول: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (١)، وقال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (٢)، فسأل نبينا ﷺ ربه ﵎ عن بيانه، فبيّنه له. (٣) ويمكن تحديد أبرز الصور في تفسير القرآن بالقرآن فيما يلي: ١. استدلاله على معنى آية بمعنى آية أخرى، ومن الأمثلة على ذلك قوله: وقال ﵎ في الساحر: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ (٤) وإنما باعوا أنفسهم للقتل بالسحر الذي فعلوه، وقال في قصة يوسف ﵇: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ (٥) وإنما باعوه بثمن بخس. وفي موضع آخر قال: الجوارح: الكواسب، مكلبين: مسلطين معلمين، فالكلب، والصقر، والبازي وما أشبه ذلك من الجوارح، وهي الكواسب، قال الله ﵎: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ (٦) أي: كسبتم، وقال: ﴿الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ (٧) (٨).

стр. 83

¬٢. تفسير أسلوب قرآني بمثله في آية أخرى، ومن الأمثلة عليه: ما ذكره المؤلف بقوله: قال القاضي: فقد جاء الاختلاف في الحاج يحصر على ما وصفنا، وقد قال الله : ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١) فلولا أنا قد علمنا أن هذه الفدية لكل محرم أصابه أذى من رأسه لكان الظاهر يدل على أن هذا إنما أنزل في المحصر خاصة، وكذلك: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١) استعملها الناس في كل محرم ساق الهدي، وأنه لا ينبغي أن يحلق حتى ينحر هديه، وهذا النحو يأتي في القرآن كثير يذكر القصة ثم يذكر بعدها أمور أخرى ثم يعاد إلى القصة الأولى، قال الله : ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ (٢) ثم ذكر بعد هذا القسم قصة أصحاب الأخدود، ثم قال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ (٣) وقال: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ (٤) إلى قوله: ﴿لِذِي حِجْرٍ﴾ (٥) ثم ذكر بعد ذلك ما ذكرتم، ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (٦) هذا هو القسم، وقال: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٧) فعلم أنه عنا بقوله (إلا قليلاً) عطفاً على (لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلاً)، ولولا فضل الله عليهم ورحمته لاتبعوا الشيطان كلهم.

стр. 84

¬فلما قيل: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١) ثم ذكر بعد ذلك ما ذكر، ثم قيل: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢) أعيد ذكر ذلك الهدي للتراخي وللكلام الذي وقع بين ذلك. ومثال آخر: قال الله ﵎: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٣). بدأ الله بذكر الوصية قبل الدين لفظاً، واللفظ لا يوجب التبدئة، وإنما يوجب الكلام إخراج الوصية والدين، فكانت البغية الأمر بإخراجهما ووضعهما في مواضعهما؛ لأن قوله من بعد كذا وكذا يريد : أن ما بعد هذين الصنفين موروث، قال الله ﵎: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (٤) أي: لا تطع أحداً من هذين الصنفين، وقد يقول الرجل مررت بفلان وفلان ويكون الثاني هو المبتدأ به، كما يجوز أن يكون الأول، وهذا اللفظ لا يقتضي التبدئة، وإنما يقتضي الأفعال، قال الله ﵎: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٥) فعلم أنها أمرت بذلك كله، ولم تؤمر بالتبدئة. (٦)

стр. 85

¬٣. تفسير الآية من سياقها: ومن الأمثلة عليه ما ذكره المؤلف عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (١) من خلاف في من الذي بيده عقدة النكاح، قال: فإذا اختلف في تأويل آية وجب النظر، فرأينا الله قال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (٢) فكانت المخاطبة للأزواج، لا يقدر أحد أن يدعي خلافاً لذلك في تأويل ولا معقول، ثم قال: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (٣) وهذه مخاطبة للأزواج، ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (٤) وهن النساء البوالغ اللواتي أَمْرُهن إليهن، لا ولاية عليهن: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (٥) فهو الولي الذي يجوز له العقد شاءت أم أبت، وليس يجوز أن يعنى بذلك الزوج؛ لأن كلام الله إيجاز واختصار، فلو عنى الزوج لقيل إذ كانت المخاطبة له: (أو تعفون رجال) أولى بأن يقال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (٦) فترك الخطاب بما هو معقول بالمواجهة، ويخاطب بما يشكل ويقع فيه التأويلات، ويكثر فيه الاختلاف. (٧)

стр. 86

¬٤. الجمع بين ما يتوهم أنه مختلف من الآيات، وكيف يجمع بينها، يعد نوعاً من أنواع تفسير القرآن بالقرآن، ومن الأمثلة عليه ما ذكره المؤلف بقوله: قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (١). وحق تقاة الله : أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى، وهذا ما لا يطيقه إلا من عصمه الله بالورع، وحال بينه وبين ما ألزمه اجتنابه، وإنما يطيق ذلك النبي ﷺ وأمثاله، ولما علم الله جل وعز ذلك خفف عن عباده رحمة لهم فقال ﵎: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ (٢) لأنهم لو أخذوا بحق تقاته، فاجتمع أهل السماوات وأهل الأرضين على أن يبلغوا حق تقاته ما بلغوا ذلك؛ لعظم حقه، وإنما أراد ﷻ أن يعلم خلقه قدرته، ثم يأتيهم برحمته، فنسخها وهون على خلقه بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣) إذ الآية الأولى تكليف ما لا يطاق. (٤) ب. تفسير القرآن بالسنة: وأشار إليه المؤلف بقوله: ومنه مابيّنه الرسول ﷺ بالحكمة التي أعطاه الله، يقول الله : ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (٥)، وقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٦) (٧).

стр. 87

¬ويمكن تحديد منهجه في أمرين: ١. توضيح لفظ مشكل في الآية أو توضيحها، ومن الأمثلة على ذلك: حديث عدي ابن حاتم المشهور في تفسير قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١). ومن الأمثلة أيضاً ما ذكره المؤلف بقوله: قال أبو بكر رضوان الله عليه: إنكم تقرؤون هذه الآية فتضعونها في غير موضعها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٢) , وإنما سمعنا رسول الله ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه. (٣) ٢. ذكر حديث في معنى الآية، ومن الأمثلة عليه: قال الله ﵎: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤) عن أم سلمة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بجحته من بعض فأقضي له بما أسمع منه، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطعه له به قطعة من النار. (٥)

стр. 88

¬ج. تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين: وقد بين المؤلف مكانة الصحابة في ذلك فقال: ومنه ما شرّف الله به أصحاب نبيه بمشاهدتهم الأسباب التي نزل القرآن من أجلها، وسنت السنن بحضرتهم عملاً وقولاً، فكانوا بالمشاهدة أعلم الخلق بما نزل، وبوجوهه وتصرفاته، ونصحهم للأمة، وصدقهم، فمدح الله متبعهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (١)، ومتبعهم إنما يتبعهم فيما قالوه دون مارووه، إذ كان مارُوي المتبع فيه الرسول ﷺ ، فإذا اختلفوا وجب النظر في أقاويلهم، دون الخروج عنها، لقوله : ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢)، والأحسن ما أنتجه النظر، واستخرجته الدلائل والعلل من الأصول المجمع عليها من الكتاب والسنة، فبيّن ما اختلف فيه على علل ما اتفق عليه. (٣) وقد سبقت الإشارة في منهج المؤلف العام إلى طريقة عرضه لأقوال السلف في تفسير الآية، وسيقتصر الحديث هنا على بيان أهم المجالات التي يورد المؤلف فيها أقوال السلف وهي: ١. بيان معنى لفظة في الآية، والأمثلة على ذلك كثيرة، ومنها: قوله: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٤) فالشطر ههنا: تِلقاءه، قِبَلَهُ، قال ذلك علي ﵁، والبراء، وأبو العالية، وقال مجاهد: نحوه، قتادة، وزيد بن أسلم: قصده.

стр. 89

¬وتارة يأتي بالمعنى العام للآية ثم يقول وبهذا قال: فلان وفلان، ومن الأمثلة عليه: قال الله ﵎: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) معنى هذه الآية: أن من قبل الدية واتبع بها فليس له أن يقتل بعد ذلك، فإن قتل فهو الذي توعده الله تعالى، قال ذلك سعيد بن جبير، وقتادة، والضحاك بن مزاحم. ٢. يورد أقوالهم في بيان أسباب النزول، ومن الأمثلة على ذلك: قال الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ (٢) قال البراء: إن هذه الآية نزلت فيمن كان يشرب الخمر قبل التحريم، ومات على ذلك قبل أن تحرم. وقال جابر بن عبد الله: اصطبح قوم الخمر، ثم قتلوا شهداء. وقال أنس: إن الذين شربوها قبل التحريم أتوا رسول الله ﷺ ، فسألوه عما مضى من أفعالهم فنزلت الآية. ٣. إيراد أقوالهم في بيان الناسخ والمنسوخ، ومن الأمثلة على ذلك قوله: وقد اختلف التابعون في تفسير ذلك، فقال جماعة منهم: إن قوله سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٣) ناسخ لقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٤). وقال جماعة منهم: إن قوله عز من قائل: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٥) غير منسوخة، وأن الأخرى وهي قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٦) عطف على الأولى.

стр. 90

¬٤. إيراد أقوالهم في بيان الحكم الفقهي، ومن الأمثلة على ذلك قوله: قال الله : ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (١) قال القاضي: قال ابن عمر: إذا رجعت إلى أهلك، وقال بعضهم - أعني التابعين -: إن شاء صام في الطريق وإن شاء صام إذا رجع إلى أهله، وقال عطاء: إذا رجع من منى. ومن الأمثلة أيضاً قوله: عن علي في قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٢) قال: إلا أن يكون مسافراً فلا يجد الماء، فيتيمم ويصلي، وقال ابن مسعود ﵁: هو اختراق المسجد، وقال ابن عباس: لا يقرب الصلاة وهو جنب، إلا أن يكون مسافراً فلا يجد الماء، فيتيمم ويصلي.

стр. 91

¬ويلحظ عند المؤلف في إيراده لأقوال السلف في تفسير الآية اهتمامه بجانبين، الأول: التصحيح والتضعيف لهذه الآثار، وسيأتي الحديث عن هذا - إن شاء الله - عند الحديث عن منهج المؤلف في الأحاديث والآثار، والجانب الثاني وهو الاختيار والترجيح بين هذه الأقوال، ومن الأمثلة عليه: ما ذ كره عند قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ (١) قال: فأمر المُوصي بالعدل في الوصية، وأمر الموصى إليه بوعظه وأن يأخذه بالإصلاح فيما يوصي إليه، هذه الألفاظ معاني ما روي عن طاووس، وعطاء، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومن فسر هذه الآية، وقد قال قوم: إن هذه الآية قبل نزول الفرائض قال ذلك زيد بن أسلم واحتج بقول الله : ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (٢) يقول: صواباً، يأمر هذا الموصي أن يسدد في ذلك، فلما عجزوا فرض الله الفرائض وسماها لأهلها. وقال قتادة في هذه الآية: إن الإمام يردها إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فردُها واجب عليه. فهذا مع قول زيد أحسن ما قيل في هذه الآية والله أعلم. ومن الأمثلة أيضاً قوله: قال الله ﵎: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٣).

стр. 92

¬قال ابن عباس ﵁: الملامسة الجماع، وأصحابه مثله. وقال ابن مسعود ﵁: القبلة والجسّة من الملامسة. وقال ابن عمر ﵁: القبلة والجسة هي الملامسة. وتابعهما على ذلك خلق كثير من التابعين، وروي في هذا الباب أحاديث مرفوعة أنكرها النقاد، وطعنوا بها على حديث بن أبي ثابت، ولكن ما روي عن ابن عباس ﵁، وابن مسعود، وابن عمر، ومن تابعهم من التابعين صحيح، والنظر يوجب ما قاله ابن مسعود، وابن عمر، وكذلك ظاهر الآية؛ لأن الملامسة ذكرت مع الغائط الذي يكون منه الوضوء في الموضعين. (١) د. تفسير القرآن بلغة العرب، قال المؤلف: لم أعدُ فيه عن السنة، وقول السلف، وما توجبه اللغة التي نزل القرآن بها. (٢) ويأتي في مقدمة ذلك ما ذكره المؤلف عن الصحابة والتابعين في تفسير الآيات، وهو أعلى درجات التفسير اللغوي، فالصحابة عرب خلص، وبلغتهم نزل القرآن، والتابعون أخذوا علم اللغة عن الصحابة، فمنزلة تفسيرهم أعلى من رتبة غيرهم من اللغويين الذين أتوا بعدهم، بل هم أولى لجمعهم بين اللغة ومشاهدة أسباب النزول، ومعرفة أحوال العرب، وأما بعض اللغويين المتأخرين فتعاملوا مع النص القرآني على أنه نص لغوي بحت، دون النظر إلى هذه المعاني. ومن الأمثلة على تفسير السلف اللغوي ما ذكره المؤلف عند تفسير قوله: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ (٣). قال ابن عباس: لي القاضي، وإعراضه إلى أحد الخصمين دون الآخر، وقال مجاهد، وغيره: هي في الشهود، إذا كتموا الشهادة، أو حرفوا.

стр. 93

¬وأما ما نقله المؤلف عن أهل اللغة المتأخرين فقد سبقت الإشارة إلى ذكرهم، ومواضع النقل عنهم. (١) وهناك جانب من جوانب التفسير اللغوي عند المؤلف، ذلكم هو الاستشهاد بأشعار العرب، وكان استشهاده بالشعر لأمرين، الأول: بيان معنى لفظة في الآية، ومن الأمثلة على ذلك: ما ذكره عند تفسير قوله: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢)، قال: تلقاءه، نحوه، قصده، ثم قال: وأنشدنا لابن أحمر: تعدو بنا شَطْرَ جَمْعٍ وهي عاقدةٌ ... قد كارب العقْدُ من إيقادها الحُقُبا وقال لقيط: وقد أَظلّكُمُ مِنْ شَطْرِ ثَغرِكُمُ ... هولٌ له ظُلَمٌ يَغْشَاكُمُ قِطَعَا وعند قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ (٣) قال: وقد احتج من قال: إنه الزنا بقول الحطيئة: ويحرم سر جارتهم عليهم ... ويأكل جارهم أَنْف القصاع (٤)

стр. 94

¬الأمر الثاني: استشهاده بالشعر على أسلوب عربي قرره في الآية، ومن الأمثلة على ذلك قوله: ، فلما قيل: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ (١) علم أنه مبتدأ في كل ذي عسرة عليه دين، فصار في معنى: وإن وقع ذو عسرة، كما يقول القائل: قد كان الأمر، أي وقع، وكما يقول: أعرفه منذ كان، وقال الله ﵎: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ (٢) فقرئت بالرفع؛ لأن ذلك لم يعطف على شئ قد مضى فينصب، وإنما هو في معنى: وإن وقع تجارة حاضرة، وقال الشاعر: فدا لبني شيبان أمي وخالتي ... إذا كان يوم ذو كواكب أشهب أي إذا وقع يوم بهذه الصفة. ومن الأمثلة أيضاً قوله: وقوله : ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٣) وامسحوا روؤسكم واحد، وهذه الباء تدخل في الكلام، والمعنى فيها وفي إسقاطها واحد عند أهل اللسان؛ لأنك تقول: ليس فلان قاتلاً، وليس فلان بقاتل، قال الشاعر: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً فكان مثل قوله: كفى بالشيب والإسلام. (٤) القسم الثاني: منهجه في القراءات . اهتم المؤلف بجانب القراءات، فيذكرها مع من قرأ بها، ولا يلتزم ذكر القراء السبعة المعروفين؛ لأن مسبع السبعة ابن مجاهد (٢٤٥ - ٣٢٤ هـ) عاصر صاحب الأصل القاضي إسماعيل (ت ٢٨٢ هـ)، وصاحب المختصر القاضي بكر بن العلاء (ت ٣٤٤ هـ)، فقد يكون هذا التقسيم لم يشتهر إلا بعد ذلك.

стр. 95

¬ومن الأمثلة على ذكره للقراءات مع ذكر من قرأ بها قول المؤلف: وكذلك هي في المصحف: ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ (١) وبها قرأ أهل المدينة وأهل العراق. وروي عن ابن عباس ﵁ أنه قرأها: (آية بينة). وفي الغالب ذكره للقراءة دون من قرأ بها، كما في قول المؤلف: قال الله : ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (٢). قرأها بعضهم: (فَتُذْكِرَ إحداهما) بالتخفيف. وقرأها آخرون بالتثقيل , وهما لغتان مستعملتان والمعنى فيهما واحد، تقول: ذكرّت فلاناً وأذكرت فلاناً , ومعناهما إن نسيت إحداهما أذكرتها الأخرى. وعند قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) وقد قرئ: تقاة، وتقية، ومعناهما واحد. (٤) وللمؤلف اهتمام بتوجيه القراءات، ومن الأمثلة على ذلك ما قاله عند قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٥). من قرأ: (ننسها) وأسقط الألف جعلها من النسيان، ومن قرأ: (ننساها) وأثبت الألف فإنه جعلها من التأخير كأنه أراد: أو يؤخرها، فأثبت الألف؛ لأنها همزة اسكنت الحركة منها لموضع الجزم، وبقيت الهمزة ساكنة فكتبت ألفاً؛ لأنه يقال: نسأت الشيء أي: أخرته.

стр. 96

¬ومن الأمثلة أيضاً ما قاله عند قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (١). اختلف الناس في الأرجل، فقرأها قوم: (وأرجلِكم) خفضاً، وقرأها بعضهم: (وأرجلَكم) نصباً، فمن قرأها (وأرجلِكم) خفضاً فقال: يغسل، ومنهم من قال: يمسح، والغسل سنة. ومن قرأها (وأرجلَكم) نصباً فهو الغسل، ومن قرأها بالخفض فجعلها معطوفة على الرؤوس؛ لأنها تليها، وقد يعطف الشيء على ما يليه، وقد يعطف على الذي قبله. (٢). ويذكر المؤلف القراءات الشاذة، ويرجح المعنى الذي تدل عليه القراءة الصحيحة، ومن الأمثلة على ذلك قول المؤلف: وأما قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٣) فإن ابن عباس كان يقرؤها: (وعلى الذين يُطَوَّقُونَهُ)، ولا يطيقونه، ويقول: إنها في الشيخ والشيخة إذا عجزا عن الصيام. وروي عنه ضد ذلك رواه حماد بن زيد عن سلمة بن علقمة عن محمد بن سيرين عن ابن عباس: أنه قرأ هذه الآية (فديةُ طعامِ مساكين) قال: هي منسوخة. ثم قال: وأما قراءة من قرأ (يطوقونه) فإن هذه القراءة ليست في مصحفنا المجتمع عليه، والذي يبطل ذلك قوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٤) فكيف يقال لمن لا يطيق: وأن تصومه خير لك؟ ومن قرأ (فدية طعام مسكين وطعام مساكين) فإنه يصير إلى معنى واحد، فمن قرأ (مسكين) يريد عن كل يوم مسكين، ومن قرأ (مساكين) يريد عن الأيام بعددها مساكين.

стр. 97

¬وقراءة أبي عمرو بن العلاء - وهو أعلم القراء باللغة -، وتابعه قراء العراق على ذلك (طعام مسكين). وفي مثال آخر يقول: والقراءة: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ (١) إنما تقع هي بالرفع، فلما كانت كذلك علم أنه لم يعن بها صاحب الربا؛ لأنه لو كان عُني بها صاحب الربا لقيل: (وإن كان ذا عسرة) أي: إن كان الذي عليه الربا ذا عسرة، فلما قيل: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ (٢) علم أنه مبتدأ في كل ذي عسرة عليه دين، فصار في معنى: وإن وقع ذو عسرة، كما يقول القائل: قد كان الأمر، أي وقع، وكما يقول: أعرفه منذ كان، وقال الله ﵎: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ (٣) فقرئت بالرفع؛ لأن ذلك لم يعطف على شئ قد مضى فينصب، وإنما هو في معنى: وإن وقع تجارة حاضرة. (٤) ومما لاحظته أن المؤلف قد أغفل بعض القراءات التي لها أثر في اختلاف الأحكام الفقهية، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٥)، وقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٦). القسم الثالث: منهج المؤلف في تصحيح وتضعيف الأحاديث والآثار . سبقت الإشارة إلى أن المؤلف حذف جل الأسانيد في هذا الكتاب، ولم يبق منها إلا النزر اليسير (٧)، ومع ذلك فقد كان له دور بارز في جانب الحكم على الأحاديث والآثار، ولا غرو في ذلك فقد كان - كما وصفه غير واحد - راوية للحديث، عالماً به وبعلله. (٨)

стр. 98

¬ويمكن تحديد أهم ملامح منهجه في أربع نقاط: الأولى: تصحيحه للأحاديث والآثار التي يستدل بها، ومن الأمثلة على ذلك: قوله عند حديثه في مسألة شهادة العبيد: أنا إسماعيل قال: نا علي بن المديني قال: نا عبدالله بن وهب قال: نايونس بن يزيد الأيلي عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: قضى عثمان بن عفان ﵁ في الصغير يشهد بعد كبره , والنصراني بعد إسلامه , والعبد بعد عتقه , أنها جائزة إن لم تكن ردت عليهم قبل ذلك. وهذا قول إمام بإسناد جيد. والروايات في هذا تكثر. (١) وفي موضع آخر وهو يتحدث عن مسألة الحجر على المرأة في مالها ونفسها لزوجها، قال: ولما رواه داود بن أبي هند وحبيب بن الشهيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: لا يجوز لامرأة هبة في مالها إذا ملك زوجها عصمتها. وهذا الحديث قد روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مطلقاً، فجاز أن يكون عن محمد بن عبد الله جد عمرو، فيكون من جملة الصحيفة، فجوزه داود وحبيب، فأخرجاه عن الصحيفة، بأن شعيباً رواه عن جده لا عن أبيه، ولا يشك في سماع شعيب عن جده، هكذا قال علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، وقال علي: كلما رواه عمرو من الصحيفة فصحيح. وعلى أن محمد بن عبد الله بن عمرو مات قبل أبيه، وإنما أخذ الصحيفة شعيب عن عبد الله، كذا كان علي يقول. قال القاضي نا به محمد بن صالح قال: أنا يوسف بن موسى قال: نا حجاج عن حماد بن سلمة عن داود وحبيب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ . وله أسانيد كثيرة، وداود من أهل الضبط والدين، بحيث لاخفاء به، وكذلك حبيب بن الشهيد، وإن كان دونه. (٢)

стр. 99

¬الثانية: تضعيفه للأحاديث والآثار من جهة السند، ومن الأمثلة على ذلك: وهو يتحدث عن مسألة الاشتراك في الهدي، قال: وعلى أن حديث يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂: نحر رسول الله ﷺ عن نسائه بقرة في حجة الوداع. غلط من يونس؛ لأن يحيى بن سعيد رواه عن عمرة، وعبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، ومالك وحماد عن عبدالرحمن قال: ذبح عن نسائه البقر. وكان ذلك في حجة الوداع. وهذه أسانيد الفقهاء الذين يعلمون ما يحتاج إليه، ويميزون ما يسمعون. (١) ومن الأمثلة أيضاً ما ذكره عند مسألة الخلع هل هو طلاق؟ ومسألة حكم الطلاق ثلاثاً بلفظ واحد، قال: وقال الناس جميعاً إلا طاوس: إن الخلع طلقة، وروى طاوس عن ابن عباس ﵁: أنه فسخ بغير طلاق. فعوتب طاوس في ذلك، فعزاه إلى إنسان، وأنكر أن يكون سمعه من ابن عباس. وروي عن طاوس أيضاً: أنه روى عن ابن عباس في المطلق ثلاثاً أنها واحدة، وأنكر الناس ذلك على طاوس؛ لأن سعيد بن جبير روى عن ابن عباس ﵁ في رجل طلق مائة تطليقه، فقال ابن عباس ﵁: ثلاث منها تبينها، وسائرهن اتخذت بها آيات الله هزواً. ثم قال: ولم يختلف الناس في أن الثلاث تقع إلا هذه الرواية الضعيفة، قال أيوب السختياني: كانوا يعجبون من كثرة خطأ طاوس، وكان رجلاً صالحاً من خيار المسلمين إلا أنه كان كثير الخطأ. (٢) وقال في مسألة مس المرأة هل ينقض الوضوء: وروي في هذا الباب أحاديث مرفوعة أنكرها النقاد، وطعنوا بها على حديث بن أبي ثابت. (٣)

стр. 100

¬الثالثة: تضعيفه للأحاديث والآثار من جهة المتن، فلم يكتف المؤلف بتضعيف سنده، بل ضعفها من جهة متنها، ومن الأمثلة على ذلك: في مسألة الاشتراك في الهدي أورد حديث جابر قال: نحر النبي ﷺ يوم الحديبية سبعين ناقة أشرك بين كل سبعة في جزور. ثم قال المؤلف: والقوم أيضاً ما كانوا حساب سبعين بدنة عن ألف وأربعمائة، كيف تكون البدنة عن سبعة؟ هذا عن عشرين، وقد يجوز أن يفضل بعضهم على بعض في القسم، فتكون إن كانت الأحاديث تصح دفع إلى جابر وستة معه بدنة؛ لأن ما وجب لا ينتقل. (١) وفي مسألة صداق المثل لمن مات عنها زوجها ولم يسم، أورد حديث بروع بنت واشق، ثم قال المؤلف: وهذا حديث غير صحيح ولا مقبول، أيتوهم متوهم أن قوماً عندهم قضية من رسول الله ﷺ وهم يترددون شهراً إلى ابن مسعود، حتى يقول: أقول فيها برأي فإن يك صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ﵎ ورسوله ﷺ منه بريئان. هذا ما يتوهمه ذو لب. (٢) الرابعة: نقده للرجال، والحكم عليهم، ومن الأمثلة على ذلك: قوله عند مسألة الاشتراك في الهدي: وقد روى أبو جمرة عن ابن عباس: شركة في دم وهو شح. وخالفه أيوب عن محمد عن ابن عباس، وثقات أصحاب ابن عباس، فوها ما رواه، والمعتمد في العلم على الثقات المعروفين بالضبط. (٣) ومن الأمثلة أيضاً ما ذكره المؤلف عند مسألة من الذي بيده عقدة النكاح قال: روى عيسى بن عاصم عن شريح عن علي: أنه الزوج. قال عيسى: وقال شريح: هو الولي. وروى عمار بن أبي عمار عن ابن عباس ﵁: أنه الزوج، وقال شريح مثل ذلك.

стр. 101

¬قال القاضي: فأما عيسى بن عاصم فليس بشيء، ولا يثبت بمثله رواية؛ لأنه شيخ ضعيف، وكذلك عمار بن أبي عمار، ولكن قد روي عن جماعة من التابعين: أنه الزوج. وقال عمر، وكم شاء الله من التابعين: إنه الولي. (١) ولا يعني هذا التسليم المطلق بكل ما ذكره المؤلف من تصحيح أو تضعيف، فهناك أحاديث صحيحة ضعفها المؤلف (٢)، وهناك أحاديث تصح من طرق أخرى حكم عليها بالضعف، وقد أشرت إلى ذلك في موضعه. كما لا يعني التسليم المطلق في حكمه على الرجال، ففي مثال سابق تكلم في أبي جمرة، مع أنه ثقة ثبت من رجال البخاري. وقد أورد المؤلف حديثاً موضوعاً، ونسبه إلى الرسول ﷺ . (٣) القسم الرابع: منهجه في عرض المسائل الفقهية . يمكن تحديد أهم معالم منهجه في عرض المسائل الفقهية من خلال ما يلي: ١. افتتاحه للمسألة بإيراد ما فيها من الأحاديث والآثار ثم يتبعها ببيان الحكم الفقهي، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) قال مجاهد: غير باغ على المسلمين، ولاعاد عليهم، فمن خرج يقطع الطريق أو في معصية الله فاضطر إلى الميتة لم تحل له، إنما تحل لمن خرج في طاعة الله، وقال سعيد بن جبير مثل ذلك، وقال ابن عباس: غير باغ في الميتة، ولا عاد في الأكل، وقال الحسن مثل ذلك.

стр. 102

¬قال القاضي بكر ﵀: وأرجو أن تكون الرخصة للجميع؛ لأن الذي خرج في معصية الله قد مضى فعله فقتله نفسه معصية ثانية، لا نأمره بها وهو في سعة من أن يحيي نفسه. وعند قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١). أورد حديث جابر بن عبد الله قال: قيل يا رسول الله: العمرة واجبة؟ قال: لا، ولأن تعتمر خير لك. وقال علي بن أبي طالب ﵁ وقد سئل عن قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٢) قال: أن تحرم بهما مؤتنفتين من دويرة أهلك. ووافق عمر علياً في ذلك، واختلف التابعون فمنهم من لم يرها واجبة، ومنهم من رآها واجبة. ٢. وأحياناً يفتتح المسألة بذكر الخلاف الفقهي، ثم يستدل عليه بالسنة والأثر، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٣). حكي عن بعض أهل العراق أنه قال: لا بأس أن يزوج الرجل أمته من عبده بغير صداق. (٤). ٣. ومن حيث ذكر الخلاف: يبدأ بذكر مذهب مالك - في الغالب -، ثم يذكر من خالفه، وأكثر ما يذكر مذهب أبي حنيفة والشافعي، وأحياناً بشير إلى مذهب أهل الظاهر، وأما مذهب الإمام أحمد فلم يورده في كتابه، ولعل هذا راجع إلى أن البعض لا يعد الإمام أحمد من الفقهاء، بل من المحدثين، كما فعل ابن جرير في كتابه اختلاف العلماء، وغيره. ومن الأمثلة قول المؤلف: وزعم غيرنا أن الحيض لا يكون أقل من يوم وليلة، وقال العراقيون: ثلاثة أيام بلياليها. وليس لهم أصل في ذلك من كتاب ولا سنة ولا قياس. (٥)

стр. 103

¬وقال في موضع آخر: قال أبو مصعب: قال مالك ﵁: أحسن ما سمعت في تأويل هذه الآية: الحر بالحر يريد الجنس الذكر والأنثى سواء، وكذا العبد بالعبد الذكر والأنثى سواء، وإعادة ذكر الأنثى بالأنثى إنكار لما كان من أمر الجاهلية، ألا تراه سبحانه قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (١) إلى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٢) فالمساواة في ذلك، الحرية في جنسها والعبودية في جنسها. وزعم أهل العراق: أنهم يقتلون الحر بالعبد، والمسلم بالكافر وسووا بينهم. (٣) ٤. التزم المؤلف بإيراد المسائل الفقهية حسب ورودها في الآيات بما يتفق وترتيب المصحف، إلا أنه شذ عن ذلك في بعض المسائل فأتى بها في غير موضعها لمناسبة الحديث عنها، ومن ذلك: تقديمه مسألة قصر المسافر للصلاة عند الحديث عن الصيام في السفر (٤)، مع أن موضعها عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (٥). وقدم مسألة الاختلاف في قيمة الرهن عند الحديث عن مسألة الاستيثاق للديون (٦)، مع أن حقها التأخير عند قوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٧). وقدم مسألة حكم أكل السباع، وأكل الضب عند قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (٨) مع أن حقها التأخير عند قوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (٩).

стр. 104

¬٥. إكثاره من الجدل الفقهي، وذكر الاختلاف، والرد على المخالف، وهذا أمر بارز في هذا الكتاب، متأثراً بما سبق ذكره عن المدرسة المالكية العراقية (١)، وقد عد هذا الكتاب أصلاً يستفاد منه في هذا، ويدل عليه ما ورد في وصية ابن أبي زيد القيرواني لبعض طلابه، حيث قال لهم: وإذا دخلت العراق، فاكتب ما تجد لأهل الوقت من الخلاف والحجة، وإن كانت لك رغبة في الرد على المخالفين من أهل العراق والشافعي: فكتاب ابن الجهم إن وجدته، وإلا اكتفيت بكتاب الأبهري إن كسبته، وكتاب الأحكام لإسماعيل القاضي، وإلا اكتفيت باختصارها للقاضي ابن العلاء. (٢) ومن السمات البارزة في هذا الجانب: إلزامه للمخالف بقوله في مسألة بقول وفي مسألة أخرى بقول، ومن الأمثلة على ذلك قول المؤلف: وزعم أهل العراق: أنهم يقتلون الحر بالعبد، والمسلم بالكافر وسووا بينهم، وقد فرّق الله وجعل القصاص بالتساوي، وفرّق بين الحرية والعبودية، وبين المسلم والكافر، فلم يوجب على من قذف كافراً وعبداً ما أوجبه على من قذف حراً مسلماً، والحدود يرد بعضها إلى بعض. وقد ناقضوا أيضاً فزعموا: أنهم يقتلون الحر المسلم بالعبد والكافر، ولا يفقؤون عينه بعينه، وكذلك سائر الجراح وذلك في نسق الآية، فزعموا أن النفس تساوي النفس، واليد لا تساوي اليد، فإن كانوا أرادوا الجسم فالمساواة ظاهرة بينه، وإن أرادوا الجنس فالجنسان مختلفان. (٣)

стр. 105

¬وقوله في موضع آخر: واختلف الناس أيضاً في الجماعة تسرق ما قيمته ثلاثة دراهم أو عشرة، على مذهب أهل العراق فقالوا: لا قطع عليهم حتى يكون مقدار ما أخذوه ما يلزم كل إنسان ما يقطع فيه اليد، وقال المالكيون: يقطعون؛ لأن ما دون المقدار هو التافه، والقطع إنما هو في المقدار والحرز، فإذا كان المقدار لا يستقل به الواحد، ولا يقدر عليه إلا بآخر قُطعا جميعاً، وألزموا العراقي والشافعي ذلك، بالاتفاق أنهم يقتلون الجماعة بالواحد، وليس كل واحد منفرد بإماتت النفس، كما ليس كل واحد منفرد بإخراج السلعة التي قيمتها ثلاثة دراهم، وألزموا الشافعي أن يقول ذلك؛ لقوله في مائة نفر ملكوا مائتي درهم لكل واحد درهمان: أنهم يزكون. (١) ومن السمات في هذا الجانب أيضاً قوله: فإن قالوا قلنا، وإن قيل قلنا. (٢) ومن السمات أيضاً إيراده لمسائل مشابهة لما ذكر وبيان الفرق بينها، ومن الأمثلة على ذلك قوله: وليس إتمام الصلاة في السفر مثل الصيام، قال القاضي إسماعيل: لأن المسافر فرضه ركعتان فلا يجوز له أن يصلي أكثر من فرضه، والمسافر والمريض إنما أجيز لهما الفطر رفقاً بهما، وأن يؤخرا فرضهما من وقت إلى وقت، ولم يسقط عنهما من الفرض شيء لا بدل له كما حط من الصلاة، ولو كان قصر الصلاة يشبه تأخير الصوم لجاز للمريض أن يقصر الصلاة كما جاز للمسافر أن يقصر، فلما لم يجز ذلك علم أن أمر الصوم لا يشبه قصر الصلاة. (٣)

стр. 106

¬وقوله: ولما كان ستر العورة من فرض البدن فيجوز للرجل أن يصلي في ثوب واحد؛ لأنه يستر ما أمره الله بستره. والمرأة في درع سابغ وخمار , وهو أقل ما أمرها الله بستره من بدنها. والأمة في ثوب وخمار , ولم يكن هذا من فرض الصلاة , وإنما هو من فرض الأبدان، ووافق الصلاة؛ لأنه لو كان من فرض الصلاة كالوضوء كما شبهه الشافعي لكان إذا لم يجد الثوب لم يصل , كما أنه إذا لم يجد الماء ولا الصعيد لم يصل , فإن قال قائل متأخر: يصلي ويعيد. فقد أمره بصلاة لا تجزئه ولا تنفعه، وهو آثم فيها. ثم قال: وقال بعضهم ممن تكلف الكلام في هذه المسألة: إن لم يقدر على الماء والصعيد صلى ولم يعد. وهو قول من لا يعرف الأصول كيف وضعت، ولو جاز هذا لكانت الحائض تصلي , وإنما سقطت الصلاة عنها؛ لعجزها عن الطهارة، ولعل الرواية خطأ، وإنما فرض الله السترة لا للصلاة لحقوق البدن , فإذا لم يقدر عليه لم يسقط الفرض. (١)

стр. 107

¬٦. محاولته في مواضع عديدة الربط بين الحكم الفقهي والآية وجعله مأخوذاً من الآية، ومن الأمثلة على ذلك قوله: وقد اختلف أيضاً في الرهن إذا تداعيا ما عليه، فقال المرتهن: هو عندي على مائة، وقال الراهن: بل هو على خمسين. فقال أكثر المفسرين: القول قول المرتهن، وقال بعضهم: القول قول الراهن، وقال بعضهم: القول قول المرتهن إلى قيمة الرهن، وهذا الأخير هو قول مالك ﵁ وأهل المدينة، وهو أشبه بظاهر القرآن؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ (١) فوعظ المرتهن ولم يعظ الراهن؛ لأنه قد توثق منه، فكان الرهن وثيقة لحقه، كالشهادة وثيقة لحقه، فكل من كان القول قوله موعوظاً، ألا تراه قال في أول الآية: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ (٢) ولم يقل ذلك عن الشهادة والرهن (وليتق الله ربه)؛ لأنه قد توثق منه فصار القول قول المرتهن مع يمينه إلى مبلغ قيمة الرهن. (٣)

стр. 108

¬ومن الأمثلة أيضاً قوله: وقد قال العراقيون - مخالفة لباطن الآية ومخالفة للسنة - بترك إجازة الشاهد واليمين، ولما جعل الله الشاهدين - مع علمه بأن أحدهما قد يموت قبل صاحبه ويبقيه - لم يجز أن يأمر بما في علمه أنه غير وثيقة، فلما علم الله ذلك، وكانت اليمين للمدعى عليه إذا لم تكن بينة يدفع بها عن نفسه لقوته باليد المدعى عليه، كان المدّعي إذا مات أحد الشاهدين أقوى بالشاهد الواحد من المدعى عليه باليد؛ إذ كانت يده بياناً منه، وشهادة الشاهد بياناً للمدعي من غيره، فوجب بذلك أن تكون اليمين له، فيكون ما أمر الله به وثيقة صحيحة منا، إذا بطل بعضها لم يبطل المال ببعضها، كالرهن الذي جعله الله وثيقة متى تلف تلفاً ظاهراً كان المال ثابتاً على الغريم لا يزول بتلف الرهن، فيكون ما حكم به النبي ﷺ من الشاهد واليمين مستخرجاً من باطن الآية. (١) ٧. استنباطاته الدقيقة لبعض الأحكام الفقهية من آيات لا يتوقع أن يستخرج منها هذه الأحكام، ومن الأمثلة على ذلك: مسألة ذبح ما حقه النحر ونحر ما حقه الذبح أوردها عند قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (٢)، ومسألة الحجر على المرأة في مالها ونفسها لزوجها، أوردها عند قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (٣)، ومسألة الخروج من صيام التطوع، وكذلك مسألة بيع الخيار أوردهما عند قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٤).

стр. 109

¬٨. تأصيل المؤلف لمذهبه المالكي، ورده على المخالفين له، وهذا واضح جلي في كتابه، ومع ذلك فإنه عند دراسته للمسألة يرجح ما يراه وإن خالف مذهبه المالكي، ومن ذلك مسألة: هل على المحصر هديين أم هدي واحد؟ (١)، ومسألة: إذا قال هذا عليّ حرام لشيء من الحلال عدا الزوجة فهل تلزمه كفارة؟ (٢)، ومسألة: حكم قراءة الفاتحة للمأموم. (٣) ومن المسائل التي خالف فيها مشهور مذهب مالك: جواز وطء الحائض إذا تيممت (٤)، ومسألة: الرخصة بالأكل من الميتة للمسافر سفر معصية (٥). ومع ذلك فلم يسلم المؤلف من التعرض للأئمة والشدة عليهم، وخاصة الإمام الشافعي، حيث انتقصه أكثر من مرة بكلام ينبغي لأهل العلم الترفع عنه، ولقائل أن يقول: أن فترة المؤلف في ذلك الوقت كانت مليئة بكتب الردود والمناظرات بين أصحاب المذهب مما يذكي هذا، إلا أن هذا لا يعد مبرراً لتجريح الأئمة والانتقاص منهم، بل المفترض أن تكون هذه المناظرات وغيرها مجالاً رحباً للمناقشة العلمية الهادئة البعيدة عن التعصب، وأن تكون طريق خير في توحيد هذه الأمة.

стр. 110

¬ المبحث الرابع: قيمة الكتاب العلمية لقد كان لذلك العصر الذي عاش فيه المؤلف، والذي يعتبر من أزهى العصور من الناحية العلمية، وللبيئة الخاصة التي كونت شخصية المؤلف، وهي المدرسة المالكية العراقية (١)، ولمكانة المؤلف العلمية، أقول: كان لهذا انعكاس إيجابي على هذا الكتاب، فمما لاشك فيه ما لهذه العناصر من أثر في جعل الكتاب ذا قيمة علمية، ولعل مما يبين هذه القيمة له ما يلي: ١. كونه مختصر لأصل عظيم مفقود، استفاد منه العلماء قديماً وحديثاً، وأكثروا من النقل عنه، كالجصاص، وابن العربي، وأبي الوليد الباجي، وابن عبد البر، وابن قدامة، والقرطبي، وابن القيم، وابن حجر، وغيرهم، ذلكم الأصل هو (أحكام القرآن) للقاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي، الذي قال عنه الخطيب البغدادي: له كتاب أحكام القرآن لم يسبق إلى مثله. (٢) فتبرز قيمة هذا الكتاب من قيمة أصله. ٢. بإخراج هذا الكتاب ونشره يكون أقدم كتاب - مطبوع كامل (٣) - في أحكام القرآن. ٣. ثناء العلماء على هذا الكتاب، فقد سبق قول ابن أبي زيد القيرواني: وإذا دخلت العراق، فاكتب ما تجد لأهل الوقت من الخلاف والحجة، وإن كانت لك رغبة في الرد على المخالفين من أهل العراق والشافعي: فكتاب ابن الجهم إن وجدته، وإلا اكتفيت بكتاب الأبهري إن كسبته، وكتاب الأحكام لإسماعيل القاضي، وإلا اكتفيت باختصارها للقاضي ابن العلاء. (٤). وهذا قول معتبر من إمام معتبر عند المالكية وغيرهم.
следующие страницы →