← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151196

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية

بكر بن العلاء

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

¬بل وتنافسوا على استصحاب العلماء في مجالسهم، وإسناد وزارات الدولة ووظائفها إليهم، بل حتى في جمع الكتب وحيازتها، حتى كان عظم خزائنهم من الكتب مدعاة للتفاخر (١). ولقد كانت الجوامع الكبار منارات علمية، أشبه ما تكون بالجامعات في عصرنا الحاضر، تُدَرّس فيها مختلف العلوم، وشتى المعارف والفنون، وكانت مجالس الدرس والسماع، تزدحم بمختلف شرائح المجتمع، وشتى طبقاته، من الأمراء إلى سوقة الناس وعامتهم. ـ وفي الحق ـ فقد كانت حقبة زمنية ازدانت بأئمة أعلام كبار، كانت لهم آثارهم الواضحة، على المسيرة العلمية في تاريخ الحضارة الإسلامية، ولا يستطيع المرء أن يحصي ذكرهم، وسأكتفي بذكر بعض أشهر الأئمة في المذاهب المتبوعة، أو أولئك الذين برزوا في بعض فنون العلم وميادين المعرفة، ممن عاش في نفس الفترة التي عاشها المؤلف، ومقتصرا على العراق ومصر، إذ كان فيهما مقامه ومنزله، فمنهم (٢): ١. المَحَامِلي، أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل الضبي (ت: ٣٠٣) الإمام صاحب السنن. ٢. ابن الأنباري، أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار بن الأنباري (ت: ٣٠٤) إمام اللغة والنحو. ٣. الطبري، محمد بن جرير بن غالب الطبري (ت: ٣١٠) شيخ المفسرين. ٤. الطحاوي، أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي الحنفي (ت: ٣٢١) محدث الديار المصرية وفقيهها. ٥. نفطويه، أبو عبد الله بن محمد العتكي الأزدي (ت: ٣٢٣) إمام النحو، صاحب التصانيف البديعة. ٦. ابن مجاهد، أبو بكر أحمد بن موسى بن مجاهد البغدادي (ت: ٣٢٤) الإمام المقرئ مصنف كتاب السبعة. ٧. الاصْطَخْرِي، أبو سعيد الحسن بن يزيد الاصطخري الشافعي (ت: ٣٢٨) الفقيه الشافعي. ٨. الأشعري، أبو الحسن علي بن بشر الأشعري اليماني البصري (ت: ٣٣٠) الإمام رأس المتكلمين. ٩. الجصاص، أبو يوسف يعقوب بن عبد الرحمن الجصاص البغدادي (ت: ٣٣١) الإمام الفقيه الحنفي. ١٠. ابن عقدة، أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني (ت: ٣٣٢) أحد أعلام الحديث وحفاظ زمانه، وصاحب التصانيف الكثيرة. ١١. الأثرم، أبو العباس محمد بن أحمد البغدادي الأثرم (ت: ٣٣٦) الإمام المقرئ المحدث. ١٢. أبو إسحاق المروزي، إبراهيم بن أحمد المروزي (ت: ٣٤٠) شيخ الشافعية وصاحب ابن سريج. ١٣. الكَرْخِي، أبو الحسن عبيد الله بن الحسين بن دلال البغدادي (ت: ٣٤٠) مفتى العراق شيخ الحنفية. ١٤. ابن الحداد، أبو بكر بن أحمد بن محمد الكناني المصري (ت: ٣٤٥) وصاحب كتاب الفروع في المذهب الشافعي.

стр. 142

¬١٥. السمرقندي، أبو عمرو عثمان بن محمد السمرقندي المصري (ت: ٣٤٥) الإمام المحدث المسند. ١٦. المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي (ت: ٣٤٥) صاحب مروج الذهب. ١٧. ابن يونس، أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس المصري (ت: ٣٤٧) الإمام الحافظ المتقن، صاحب تاريخ علماء مصر. * المدرسة المالكية العراقية (١). في هذه الحقبة الزمنية، الزاخرة بالعلم، الناضحة بالعلماء، الناضجة بالمعرفة، عاش عالمنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء، الذي أسهم في هذه المسيرة العلمية الراشدة، ولا سيما في المدرسة المالكية بالعراق، حيث كانت تلك المدرسة المالكية تعيش أزهى عصورها وأنضج مراحلها، وسأختصر الكلام عن هذه المدرسة في النقاط الآتية: " نشأة المدرسة العراقية. كان الإمام مالك بالمدينة النبوية قبلة طلاب العلم ورواته، وردوا إليه من مختلف الحواضر والعواصم الإسلامية، كل ينهل من مورده، وقد برز من هؤلاء طائفة التزمت مذهب مالك وأصوله الفقهية، وحفظوا عنه أقواله وآراءه الفقهية، فأخذوا في نشرها في البلاد التي أقاموا بها، ولم ينشب الأمر حتى تطور، ليصبح أولئك النفر القليل، نَبتاتٍ مباركات لمدارس قامت في عدد من الأمصار، ترجع في أصلها إلى تلك المدرسة الأم في المدينة، وأستاذها الأول: مالك بن أنس، وهي خمس مدارس:

стр. 143

¬١. مدرسة المالكية في المدينة المنورة ٢. مدرسة المالكية في العراق. ٣. مدرسة المالكية في مصر. ٤. مدرسة المالكية في القيروان. ٥. مدرسة المالكية بالأندلس. لقد كان من أبرز العوامل التي أسهمت في قيام هذه المدارس؛ هو أستاذها الأكبر مالك بن أنس، فقد كان ﵀ متضلعا من علمي الحديث والفقه، ظهرت آثار تضلعه على تلاميذه، فتميز بعضهم بعلم الحديث وروايته، وتميز الآخر بالفقه ودرايته، فكانت هذا المدارس جميعها، يظهر فيها أحد اتجاهين اثنين: الاتجاه الأول: من يرى تقديم الأحاديث الصحيحة على ما جرى عليه العمل، ولقد تزعم هذا الاتجاه المدنيون، وتابعهم عليه أئمة من المدارس الأخرى. الاتجاه الثاني: يرى الاعتماد على الأحاديث التي أيدها العمل وتقديمها، وبمعنى آخر: اتخاذ عمل أهل المدينة عملا مثاليا ومفسرا للسنة. ومحل النظر هنا من بين هذه المدارس جميعها: المدرسة العراقية، التي يعتبر أبو الفضل القشيري وشيخه القاضي إسماعيل، أحد آثارها، حيث تميزت هذه المدرسة بعامل آخر كان له أثره البارز على اتجاهها، على نحو ميزها عن سائر المدارس المالكية الأخرى: وهي البيئة التي ظهرت فيها هذه المدرسة، فقد كانت بيئة العراق العلمية يغلب عليها اتجاه أهل الرأي، فظهر ذلك على طريقة العراقيين من أتباع مالك، حتى كانت مؤلفاتهم مسلكا جديدا على الفقه المالكي،

стр. 144

¬إذ تميزوا " بإفراد المسائل، وتحرير الدلائل، على رسم الجدليين، وأهل النظر من الأصوليين" (١)، كما أنهم تميزوا بدراسة " المذهب دراسة مقارنة بالمذاهب الأخرى، ولهم في هذا فضل السبق والابتكار " (٢) ولهذا يقول الخطيب البغدادي وهو يتكلم عن القاضي إسماعيل، الذي يعتبر بحق رأس هذه المدرسة وإمامها: " وصنف في الاحتجاج لمذهب مالك والشرح له، ما صار لأهل هذا المذهب، مثالا يحتذونه، وطريقا يسلكونه " (٣). كما امتازت هذه المدرسة عن غيرها من المدارس المالكية الأخرى، بسمة التقعيد للمسائل، والتأصيل للقضايا، ولعل هذا التميز كان أثرا من آثار البيئة التي ظهرت فيها حيث كانت المدرسة الحنفية والشافعية متميزة في هذا الأمر (٤). كما امتاز علماء المذهب المالكي بالعراق ـ أيضا ـ عن غيرهم من علماء المدارس المالكية الأخرى، بسعة الاطلاع على نتاج ومؤلفات وكتب المذاهب الأخرى، والاقتباس من طرقها وأساليبها. " أشهر روادها. يعتبر عبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وسليمان بن بلال، وأحمد بن المُعَذِّل، هم الرواد الأوائل الذين أدخلوا مذهب مالك إلى العراق، ومهدوا لقيام المدرسة العراقية،

стр. 145

¬غير أن أسرة آل حماد يُدان لها بفضل نشر المذهب في العراق، وأخذه مكانه بين العراقيين، وعلى رأس هذه الأسرة الكريمة، يأتي الإمام إسماعيل بن إسحاق (ت: ٢٨٢) ـ شيخ المؤلف ـ والذي يعتبر بحق: المؤسس الفعلي للمدرسة المالكية في العراق، ثم تبعه بعد ذلك أبو بكر محمد بن عبد الله الأبهري (ت: ٣٧٥)، وأبو القاسم عبيد الله بن الحسين بن الجلاب (ت: ٣٧٨)، وأبو الحسن علي بن عمر بن القصار (ت: ٣٩٨)، الذين كانوا دعامة المهذب المالكي في العراق، ثم خلفهم القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر (ت: ٤٢٢) الذي يُعتَبر خاتمة الأئمة الكبار من مالكية العراق، فلم تدم هذه المدرسة بعده طويلا. " أبرز آثارها. من أبرز الآثار التي خلفتها المدرسة العراقية، أنها استطاعت المزاوجة بين الاتجاه الأثري الأصيل في المذهب المالكي، واستعمال المنهج الاستنباطي الفقهي التعليلي، القائم بالعراق " فأهل العراق جعلوا مصطلحهم في مسائل المدونة كالأساس، وبنوا عليها فصول المذهب، بالأدلة والقياس ... ودأبهم القصد إلى إفراد المسائل، وتحرير الدلائل، على رسم الجدليين، وأهل النظر من الأصوليين" (١)، وظهر أثر هذا المنهج على المذهب المالكي، وانعكست آثاره رسما باديا على شخصيات بارزة فيه، فظهر جليا تأثر أبي زيد القيرواني (٢)، وكذلك أبي الوليد الباجي" حيث تعمق في درس مناهج الفرع المالكي العراقي، جامعا في دراسته بين الفقه والحديث، حتى إذا عاد إلى الأندلس أضحى مدرسة قائمة بذاتها ... ولقد كان لتلاحم هاتين الطريقتين،

стр. 146

¬وامتزاجهما في التكوين العلمي للباجي، أثرهما الواضح في منهجه: مناقشة ومناظرة، وبحثا، وتأليفا " (١)، وكذا الشأن في الإمام ابن رشد، حيث طبق هذه الطريقة الجامعة في كتابه المقدمات والممهدات، وتبعه بعده القاضي عياض في شرحه للمدونة شرحا " جمع فيه بين الطريقة العراقية، التي تعتمد على القياس والتأصيل، وتحقيق المسائل، وتقرير الدلائل، والطريقة القروية التي تعتمد على الضبط والتصحيح، وتحليل المسائل والمباحث" (٢). ومن آثار هذه المدرسة ما خلفته من مؤلفات، تَشِي بمدى روح الإبداع والتنوع عند هذه المدرسة، مع ما تميزت به كثير من تلك المؤلفات من نَفَسٍ عالٍ في التحقيق والتدقيق، وجودة النظر والتعليل، وسأذكر طرفا من المؤلفات التي أنتجتها المدرسة العراقية، على أيدي أئمتها الكبار، فمنها (٣): * مؤلفات القاضي إسماعيل بن إسحاق. ١. المبسوط. ٢. مختصر المبسوط. ٣. أحكام القرآن. ٤. الرد على محمد بن الحسن. ٥. الرد على أبي حنيفة. ٦. الرد على الشافعي.

стр. 147

¬* مؤلفات أبي بكر بن الوراق. ١. مسائل الخلاف، لأبي عبد الله بن بكير. ٢. مسائل الخلاف والحجة على مذهب مالك. ٣. شرح مختصر ابن الحكم. ٤. الرد على محمد بن الحسن. * مؤلفات أبي الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري. ١. أحكام القرآن. ٢. كتاب مسائل الخلاف. ٣. الرد على الشافعي. ٤. الرد على المزني. ٥. كتاب الأشربة. * مؤلفات أبي بكر الأبهري. ١. شرح المختصر الكبير. ٢. شرح المختصر الصغير. ٣. مسلك الجلالة في مسند الرسالة. ٤. كتاب الأمالي. ٥. كتاب إجماع أهل المدينة. ٦. كتاب الرد على المزني. ٧. كتاب الأصول. ٨. مسألة إثبات حكم القافة. ٩. كتاب فضل المدينة على مكة. ١٠. مسألة الجواب والدلائل والعلل.

стр. 148

¬* مؤلفات ابن الجلاب. ١. كتاب في مسائل الخلاف. ٢. شرح المدونة. ٣. التفريع (مختصر الجلاب). * القاضي عبد الوهاب البغدادي. ١. التلقين. ٢. شرح رسالة أبي زيد القيرواني. ٣. شرح المدونة. ٤. الممهد في شرح مختصر أبي محمد. ٥. المعونة. ٦. الإشراف على نكت مسائل الخلاف. ٧. النصرة لمذهب إمام دار الهجرة. ٨. الفروق في مسائل الفقه. ٩. عيون المسائل. هذه المؤلفات التي نقلتها لنا المصادر التاريخية، وغيرها مما توارى في زاويا التاريخ وأرفف التراث، جميعها تدل على ما بلغته تلك المدرسة من ازدهار ونشاط علمي. ومن تأمل في هذه المؤلفات والمدونات العلمية، سيلحظ أمرين جليين:

стр. 149

¬أولهما: العناية الخاصة بالجانب الفقهي، تأليفا وشرحا، وتعليلا ونظرا، على نحو طغى على ما سواه من الفنون العلمية، والمباحث الشرعية، ولعل العذر في هذا أن القوم كانوا في بيئة غلب عليها مدرسة أهل الرأي الفقهية، مما استوفز الهمم، وشد العزائم، على التقرير والتحرير، والاستدلال والتعليل، إعلاما بالحضور، وإيذانا بالوجود. وثانيهما: تجلى في هذه المدرسة ـ وهي نَبْتُ بيئتها ـ نشاط ملحوظ، وجلد ظاهر على الجدل والمناظرة، والرد والمحاورة، مَثّلَه بشكل ظاهر، هذه المؤلفات الكثيرة في الردود على المخالفين، على نحو لا يوجد عن المدارس المالكية الأخرى (١)، ولعل الذي حمل أئمة المدرسة على ذلك، قربهم الشديد من مخالفيهم، من المذاهب الأخرى ولا سيما الأحناف، حيث ضربت بجرانها في العراق، على أن القوم وإن أكثروا، فإنهم لم يبدؤوا هذا السجال، بل كانوا مدافعين عن إمام المذهب، يردون عنه صولات الناقدين، يقول الاستاذ الحبيب بن طاهر: " وإن هذا المنهج هو طابع مميز لهم عن غيرهم من علماء المدارس المالكية الأخرى، الذين كان التأليف فيهم في علم الخلاف نادرا، كما كان مقتصرا على الأثر دون أن يبلغ مستوى النظر وإعمال الرأي ومقارعة الحجج العقلية بما يناسبها" (٢). " أسباب اندثارها. دب الضعف للمدرسة العراقية في القرن الخامس الهجري، وربما كانت بوادره بدأت برحيل القاضي عبد الوهاب عنها إلى مصر (٣)، حتى إذا انتصف القرن الخامس لم يبق في العراق إمام مالكي يقوم بالمذهب، يقول القاضي عياض: "انقطع المذهب ببغداد فلم يبق بها إمام من نحو الخمسين والأربعمائة، عند وفاة أبي الفضل ابن عبدوس" (٤)، وقد ساعدت عدد من العوامل والأسباب في ضعف المذهب المالكي في العراق حتى انقطع، فمع النكبات السياسية التي حلّت بأتباع المذهب، فهناك خروج القضاء عن المالكية، وتلاحق وفاة كبار علماء المذهب، وخروج أغلبهم من العراق (٥).

стр. 150

¬ المبحث الثاني: حياته الشخصية والعلمية (١). وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: اسمه ، ونسبه، ومولده، ونشأته . المطلب الثاني: عقيدته، ومذهبه الفقهي. المطلب الثالث: مكانته العلمية. المطلب الرابع: آثاره، ووفاته. المطلب الأول: اسمه، ونسبه، ومولده، ونشأته. * اسمه. هو: بكر، بن محمد، بن العلاء، بن محمد، بن زياد، بن الوليد، بن الجهم، بن مالك، بن ضمرة، بن عروة، بن شنوءة، بن سلمة الخير، بن كعب القشيري، المالكي البصري (٢). وجاء في بعض المصادر (٣) أنه: بكر بن العلاء بن محمد، وهو الاسم المشهور في المصادر التي يرد فيها ذكر أبي الفضل القُشَيْرِي.

стр. 151

¬والذي يظهر أن اسمه بكر بن محمد، وذلك اعتمادا على ما ورد في ذات كتابه أحكام القرآن، فيما حكاه عنه تلميذه الذي سمعه، فقد ذكر أبو بكر الأدفوي اسم القاضي أبي الفضل القشيري في مواضع عديدة من الكتاب، وفي جميعها يقول: أخبرنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي (١)، وعلى هذا النحو جاء في أكثر المصادر التي ترجمت له، ولا يشكل على هذا أن تسميته بكر بن العلاء، هو أكثر ما يتردد في المصادر، لأنه يجوز أن ينسب الرجل إلى جده، وربما كانت تلك ال نسبة ليتميز بها عن غيره، ممن يشاركه في اسمه واسم أبيه. وحكى محمد بن عمر بن عيشون الطليطلي، عن أبي الفضل القشيري، أن أمه من ولد عمران بن حصين ﵁، صاحب رسول الله ﷺ (٢). * كنيته . أبو الفضل، نصت على ذلك كتب التراجم، ونص عليه ـ أيضا ـ أبو بكر الأدفوي تلميذه، الذي سمع منه كتابه أحكام القرآن. * نسبه. يرجع نسبه إلى: القشيري، والقشيري كما تذكر كتب الأنساب، نسبة إلى بني قشير (٣)، وهي قبيلة من قبائل العرب الكبرى، أبناء كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، من العدنانيين (٤). وإليها ينتسب عدد من الأئمة الكبار، من أشهرهم: مسلم بن الحجاج القشيري، صاحب الصحيح (٥). وأبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري (٦).

стр. 152

¬* مولده . ولد القاضي أبو الفضل بكر بن محمد القشيري، في عام أربعة وستين ومائتين للهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وكتب التراجم ـ التي وقفت عليها ـ لم تنص صراحة على مولده، غير أن ابن فرحون ﵀ ذكر أن أبا الفضل توفي بعد أن بلغ ثمانين سنة، يقول: " وتوفى بمصر ليلة السبت لسبع بقين من ربيع الأول، سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، وقد جاوز الثمانين سنة بأشهر" (١). * نشأته . ليس في المصادر التي ترجمت لأبي الفضل القشيري، حديث يذكر عن نشأته، يروي الظمآن، ويشفي الغليل، وقد ذكر القاضي عياض حادثة حكاها أبو الفضل نفسه، تلقي شيئا من الضوء على نشأته الأولى، قال: " احتبس بولي وأنا صبي، نحو سبعة أيام، فأتى بي والدي إلى سهل التستري ليدعو لي، فمسح بيده على بطني، فما هو إلا أن خرجنا؛ بُلت على عنق الغلام " (٢) وهذه الحادثة ـ وإن كانت عابرة ـ فربما بقيت نقشا في ذاكرة الغلام الصغير، لتكون بعد ذلك دافعا من تلك الدوافع والأسباب، التي حفزته على ملازمة الشيخ العابد الزاهد: سهل بن عبد الله التستري، حتى عرف به، واشتهر بحكاية أخباره، ورواية أقواله، وسنرى في هذا الكتاب طرفا منها (٣).

стр. 153

¬وهذه الحادثة تدل ـ أيضا ـ على أن أبا الفضل القشيري ولد في البصرة، أو على الأقل نشأ فيها منذ صغره، فإن سهل بن عبد الله التستري، كان مقامه بالبصرة وبها توفي سنة ٢٨٣ هـ. ومن غلبة الظن أن أبا الفضل عاش جُل حياته ـ أيضا ـ بالبصرة، فإن سماعه من القاضي إسماعيل بن إسحاق (ت: ٢٨٢) كان في أول نشأته، ربما كان في أواخر العقد الثاني، أو أول العقد الثالث من عمره، وسمع ـ أيضا ـ من كبار تلاميذ القاضي إسماعيل، وكلهم بصريون، وهذا مما يرجح أنه عاش أكثر حياته بالبصرة. ومن سماعه للقاضي ندرك أن أبا الفضل طلب العلم مُذْ كان صغيرا، فإن سماعه من القاضي إسماعيل كان في آواخر العقد الثاني تقريبا. على أن أبا الفضل وإن يكن نشأ بالبصرة وعاش بها، فقد شاء الله ـ تعالى ـ له أن ينتقل إلى مصر قبل الثلاثين وثلاثمائة، ليعيش أواخر حياته فيها، وليتبوأ فيها مكانة مرموقة، بعد أن ذاع صيته، وعرفت مكانته، قال القاضي عياض: " وخرج من العراق لأمر اضطره، فنزل مصر قبل الثلاثين والثلاثمائة، وأدرك فيها رئاسة عظيمة " (١). وهذا النص الذي ذكره ابن فرحون، وإن كان أشار إلى أن خروج أبي الفضل لم يكن رغبة عن البصرة، بل كان لأمر اضطره إلى هذا، فإنه لم يذكر لنا هذا الذي اضطره إلى الخروج أي شيء كان. أما المناصب التي تقلدها فقد اشتهر أنه ولي القضاء ببعض نواحي العراق (٢)، وقد اشتهر بذلك حتى كان لقب القاضي قرين اسمه. وأما قول الشعر فلم يعرف عنه، إلا أن ابن عيشون قال: " وأنشدنا بكر بن العلاء: ومن شيمتي ألا أفارق صاحبا نقل ... على حالة إلا سألت له رشدا فإن عاد بي ودي رجعت ولم أكن ... كآخر لا يرعى ذماما ولا عهدا (٣) هذه بعض الومضات من نشأة الإمام أبي الفضل القشيري، لم تسعف المصادر التاريخية ـ التي وقفت عليها ـ بأكثر منها.

стр. 154

¬ المطلب الثاني: عقيدته ، ومذهبه الفقهي . * عقيدته. معرفة عقيدة علم من الأعلام، تكون بطرق ثلاث: الأولى: أن ينص إمام من الأئمة على عقيدته، ويبين حقيقتها، وكتب التراجم زاخرة بكثير من النقول عن الأئمة في هذا الباب. الثانية: أن يوجد نص يؤثر عن العالم نفسه، يكشف عن عقيدته ويحكي حال نفسه، وهي طريقة يسلكها بعض المؤلفين في مقدمات كتبهم. الثالثة: أن يُنظر في مؤلفاته، وتُسْتَقرأ كتبه، للوقوف على معتقد مؤلفها، من خلالها. ولئن كانت كتب التراجم شحيحة، لم تجد بشيء عن عقيدة المؤلف، إلا ما أشار إليه الذهبي، من أن أبا الفضل القشيري، ألف كتابا في الرد على أهل القدر (١)، فإن في الكتاب الذي بين أيدينا، إشارات واضحة، تكشف عن عقيدة أبي الفضل، مرة عن المعتقد إجمالا، ومرة عن مسائل منه تفصيلا. وقد دلت تلك المواضع من كتابه؛ على أن أبا الفضل القشيري، كان صاحب سنة، على طريقة السلف ﵏ في الاعتقاد. وسأذكر ما استخلصته من كتابه، مما يدل على عقيدته إجمالا أو تفصيلا: " في باب التزام طريقة السلف، وتقديمهم على من جاء بعدهم. افتتح المؤلف ﵀ كتابه بمقدمة ذكر فيها أن خير السبل، وأسدَّ المسالك، وأبين الطرق؛ ما كان عليه سلف الأمة من الصحابة، ومن تبعهم من أهل القرون المفضلة، وأن أهل العلم لم يزالوا على هذه الطريقة حتى " حدث في القرن الرابع من هذه الأمة ومن تلاهم،

стр. 155

¬قوم مُسْتَخِّفون بقول السلف، وله هاجرون، وعلى مذاهبهم زارون، يحدثون أنفسهم أن أسد الجواب ما استخرجوه، وأعلاه ما استنبطوه، أخذوا ذلك عن أهل الزيغ، لا يعرجون على الرواية، ولا يلتفتون إلى باطن التلاوة، ويرون أنهم يبارون السلف في العلم بالكتاب ... ـ إلى أن قال ـ وكفى بالرجل نقصا؛ أن يرى أنه قد علم من كتاب الله ما قصر عن علمه الصحابة والتابعون، أو يرى أنه فوقهم علما أو فهما، أو يظن أنه مثلهم، لقد خاب وخسر" (١). وقد بين ﵀ أن سبب هذا الانحراف عن مسلك السلف ومنهجهم، يعود إلى أنهم: " خالطوا أهل الكلام، وجانبوا الورع، وصار القصد الغلبة بالجدل المحض، منعهم الله التوفيق، وحادوا عن الطريق" (٢). وقد ألزم نفسه في هذا الكتاب ألا يخرج " عن السنة، وقول السلف، وما توجبه اللغة التي نزل القرآن بها " (٣). " في باب الخوف والرجاء. عرض لقول أهل السنة والجماعة في باب الخوف والرجاء على نحو ما كان عليه السلف، من الجمع بينهما، إلا أن المؤمن في حال عمله وسعيه في هذه الدنيا الأولى له أن يُغّلِب جانب الخوف، وعلل ذلك بقوله: " ومن وصف المؤمنين الخوف مقرونا بالرجاء ... فلا ينبغي للمؤمن أن يكون إلا خائفاً؛ لكي لا يتكل فَيَقِلَّ عمله الصالح فالخائف يعمل ما لا يعمله الراجي بلا خوف" (٤).

стр. 156

¬" في باب عصمة الأنبياء ﵈. ذكرت كتب التراجم أن أبا الفضل القشيري، قد ألف كتابا في" تنزيه الأنبياء" (١) وفي هذا المخطوط محل الدراسة، قد أشار إلى طرف من هذه المسألة، التي وقع بين أهل السنة خلاف في بعض صورها (٢)، حيث قرر أن النبي ﷺ لم تقع منه ذنوب تُكفر عنه، قال ﵀: " وقوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ لأنها لا تكفر عنه ذنبا كما تكفر عن غيره، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فعل به ذلك من غير ذنب، فكل أعماله درجات له، غير مقابل بها ذنوب تكفر" (٣)، ولذلك لما عرض لقول قتادة، عند قوله ـ تعالى ـ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (٤)؛ لم يرتضه، ولم يعجبه، قال: " قال قتادة: ذنوب أثقلته. قال القاضي: قول قتادة لا يعجبني؛ لأن ذنوبه ﷺ أصغر الصغائر، وقد وضعها الله عنه وما يكون بعد ذلك في سورة الفتح وقد غفرت الصغائر لمن دونه إذا اجتنبت الكبائر" (٥) ولهذا فقد قرر قاعدة عامة في هذه الباب في كل ما يرد في القرآن الكريم، فقال عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ (٦): " وهذا عندي ـ والله أعلم ـ وإن كانت مخاطبة للنبي ﷺ ، فإنما يراد به أمته، وكذلك كل ما كان من أشكاله، والله أعلم" (٧). * في باب ما يجب لأصحاب النبي ﷺ . لقد كان العصر الذي عاش فيه المؤلف ـ كما تقدم ـ عصرا مضطربا يموج بعدد من التيارات العقدية، وأشدها أثرا في الأمة في تلك الفترة: الباطنية، والرافضة، وكانت العراق على وجه الخصوص شديدة التأثر بهاتين الفرقتين، ولذا فقد كان المؤلف ﵀ يقرر في كتابه في مواضع عدة، فضل الصحابة، وأنهم خير الأمة، بل ويذكر الصحابة على التفضيل الذي قرره أهل السنة يحكي ذلك إجماعا منهم، يقول: " لا اختلاف بين العلماء أن العشرة أفضل الصحابة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، وهم ألف وأربعمائة، ثم من أسلم وهاجر قبل فتح مكة، ثم يتلوهم الذين جاءوا أفواجا " (٨). وفي موضع آخر يذكر روايات في سبب نزول قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ ثم رجح أن تكون" نزلت في النبي ﷺ وفي الأربعة الخلفاء ـ رحمة الله ـ عليهم " (٩). وأهل العراق وقد ظهر فيهم من يطعن في عثمان ﵁ وينال منه، نجد المؤلف ﵀ يورد خبرا في سورة الحشر عن علي بن الحسين يتضمن تنزيه عثمان وَتَوَلِيه ﵁ (١٠).

стр. 157

¬وفضلا عن هذا فله في مواضع عدة، كلام عن بعض ما كان من الخوارج على عثمان ﵁، أو أولئك الذي قاتلهم علي بن أبي طالب ﵁، كلها تدل على تعظيم صحابة نبي الله والذب عنهم، ورد قول من تنقص أحدا منهم (١)، وقد نقل ﵀ عن الإمام مالك كلمته المشهورة الجامعة في هذا الباب، وهي قوله: " من سب أحدا من الصحابة كائنا من كان أو تنقصه، وهم الذين قال النبي ﷺ : دعوا لي أصحابي فمن آذاهم فعليه لعنة الله فليس من المسلمين الذين يقسم فيهم الفيء، ولا حق لهم فيه، وتلا محمد بن مسلمة هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ " (٢). " في باب القدر. أشارت كتب التراجم إلى أن أبا الفضل القشيري قد ألف كتابا في الرد على أهل القدر (٣)، وقد ذكر في كتابه أحكام القرآن؛ أن أهل السنة يرون أن أعمالهم هي مَنٌّ من الله ـ تعالى ـ عليهم " فلولا منّ الله عليه بها، لم يكن بالقادر عليها، فإذا قاله وهذا اعتقاده ومذهبه السنة، حسن منه" (٤)، ونقل كلاما عن سهل التستري، يصف فيه طائفة من المخالفين لأهل السنة، في هذا الباب يسميهم بالقدرية " وإنما يكون الرياء في أهل القدر الذين يعتقدون أنهم عملوها بالاستطاعة المركبة فيهم " (٥). " في باب الفرق والملل. جرى للمؤلف ذكر لأشهر الفرق المنتسبة للإسلام ولا سيما الخوارج، فقد أوردهم في أكثر من موضع، وتضمن هذا الإيراد ردا على بعض ما عندهم، وإن كان المؤلف لم يقصد له ابتداء.

стр. 158

¬بل إن المؤلف فصل في بعض فرق الخوارج، وكان من رأيه: أنهم داخلون في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ (١) وإن لم يكن ابتداء فبالمعنى، قال ﵀: " والأقوى: أن يكونوا أهل الكتاب، والمجتهدون منهم؛ لأنه قيل في إثر الكلام: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ (٢) ولا ندفع أن يدخل الخوارج من الصُفْرية، والإباضية، والأزارقة، والحرورية، والرافضة في معانيهم؛ لأن النبي ﷺ سماهم كلاب النار" (٣). كما أورد المؤلف أشهر الملل المخالفة للإسلام، فذكر اليهود، والنصارى وأشهر فرقهم (٤)، والمجوس، والصابئة، والمشركين، غير أن هذا الإيراد لم يَعْدُ مجرد الذكر، دون خوض في مقالاتهم، إلا أنه نبه على مسألة اختلف فيها أهل العلم، وكان من رأيه فيها أنهم وإن اجتمعوا في مسمى الكفر، فلكل منهم مذهب في كفره، يقول: " وإن كان الكفر كله عندنا ملة واحدة، كلهم كافر، فكفرهم يفترق على ضروب: فالنصارى جنس وهم كفرة ومن تولاهم, ... وكذلك اليهود، وكذلك المجوس، والصابئون كلهم كافر, وكل له مذهب في كفره " (٥). * مذهبه الفقهي . لم تختلف كتب التراجم التي ترجمت لأبي الفضل القشيري، سواء منها العام، أو تلك الخاصة بتراجم فقهاء المذاهب، لم تختلف جميعا في أمرين:

стр. 159

¬الأول: أنه كان مالكي المذهب، وفي هذا السبيل نقل ابن فرحون أن أبا القاسم الشافعي عزاه " في شيوخ المالكيين الذين لقيهم وانتمى إليهم" (١). والثاني: أنه بصري المنزل والمحل (٢). وهذان الأمران يكشفان عن مذهبه الفقهي بجلاء: فهو مالكي المذهب، على طريقة المدرسة المالكية بالعرق، وقد تقدم الحديث عن مدارس المذهب المالكي في المبحث السابق. ومن الغريب اللافت للنظر ـ حقا ـ أن أبا الفضل نُسب إليه القول بغلق باب الاجتهاد بعد المائتين، إذ نقل ذلك الإمام ابن حزم، فقال في الإحكام: "وكقول بكر بن العلاء القشيري المالكي: إن بعد سنة مائتين قد استقر الأمر، وليس لأحد أن يختار " (٣) ونحو ذلك نقل عنه ابن قيم الجوزية في إعلام الموقعين، ونصه: " وقال بكر بن العلاء القشيري المالكي: ليس لأحد أن يختار بعد المائتين من الهجرة " (٤)، وغرابة هذا الرأي والمسلك، من وجهين: الأول: أنه لا ينسجم مع البيئة العلمية التي عاش ونشأ فيها أبو الفضل، فقد كانت بيئة العراق الفقهية والعلمية، تتمتع بقدر كبير من اعتبار الرأي، والنظر والتحليل والمقايسات، وشيخه القاضي إسماعيل أحد أشهر رموز المدرسة المالكية بالعراق، قد أخذ بكثير من هذه السمات، التي ميزت المدرسة العراقية عن سائر المدارس المالكية الأخرى، وقد تقدم في المبحث السابق الإلمام بطرف من هذا المعنى.

стр. 160

¬الثاني: أن أبا الفضل كانت له في كتابه أحكام القرآن ـ محل هذه الدراسة ـ نظرات في معاني القرآن الكريم، واختيارات في دلالاته، وترجيحات كثيرة بين أقوال السلف، حيث كان يقوي بعضها على بعض، ويختار منها، ويدفع بعضها إن بان له ضعفها، على ما سيرد ذكرها ـ إن شاء الله تعالى ـ في الفقرة الخاصة باختياراته وترجيحاته (١). وعليه؛ فربما كان قصده التشديد في فتح باب الاجتهاد، لكثرة الأهواء والمبتدعات، حتى تُحْصَر دائرة الاجتهاد فيما لا يخرج عن أقاويل السلف، إما اختيارا من بينها، أو تخريجا وبناء عليها، قال ﵀ في مقدمة الكتاب: " حدث في القرن الرابع من هذه الأمة ومن تلاهم، قوم مُسْتَخِفون بقول السلف، وله هاجرون، وعلى مذاهبهم زارون، يحدثون أنفسهم أن أسد الجواب ما استخرجوه، وأعلاه ما استنبطوه، أخذوا ذلك عن أهل الزيغ، لا يعرجون على الرواية، ولا يلتفتون إلى باطن التلاوة، ويرون أنهم يساوون السلف في العلم بالكتاب، طعنا بذلك على إخوان المصطفى الذين فارقهم على الصدق والوفاء، والطهارة والتقى، ولو أخذوا ذلك عمن شاهد الوحي ونزل القرآن بلغته؛ لكانت هذه الطائفة قد سلكت سبيل الصواب، وصادفت سديد الجواب، ولعَلِمتْ أن عقول من تقدمهم تربى على عقولهم، وأفهامهم تزيد على أفهامهم، ولكنهم لما خالطوا أهل الكلام وجانبوا الورع، وصار القصد: الغلبة بالجدل المحض، منعهم الله التوفيق، وحاد بهم عن الطريق .... قال القاضي: والقرآن كله قد أحكم، وعرفت أحكامه، فما أُخرَ بيانه عن الحاجة إليه، فقد بيّن ما أراد الله به من عموم وخصوص، وظاهر وباطن، وغير ذلك من وجوهه وتصرفاته، ولم يوقف ـ فلا يعمل به ـ على من يأتي بعد مائتين وثلاثمائة سنة، فبينه حتى يضع كتبا يقول فيها: البيان الأول والثاني والثالث من البيان، وهذا ما لايجوز أن يقدم عليه إلا جبريل ﵇ عن الله بل قد عمل به السلف، واتبعهم على ذلك الثاني والثالث من الخلف، وهم عارفون بأقدارهم، مقتدون بهم، وكفى بالرجل نقصا؛ أن يرى أنه قد علم من كتاب الله ما قصر عن علمه الصحابة والتابعون، أو يرى أنه فوقهم علما أو فهما، أو يظن أنه مثلهم، لقد خاب وخسر" (٢).

стр. 161

¬ المطلب الثالث: مكانته العلمية . أولا: مكانته العلمية . تجمع المصادر التي ترجمت لأبي الفضل، بأنه كان فقيها في مذهب مالك، وأنه برع في التصانيف المتنوعة في الأصول والفروع، فقد عده صاحب الديباج المذهب، في أول الطبقة الخامسة " الذين انتهى إليهم فقه مالك ولم يروه، ولم يسمعوا منه، والتزموا مذهبه من العراق" (١). وقال الذهبي في كتابه: العبر في خبر من غبر، في معرض الثناء عليه: " العلامة أبو الفضل القشيري، البصري المالكي، صاحب التصانيف في الأصول والفروع" (٢). يضاف إلى ما تميز به من رئاسة في الفقه أنه كان ـ أيضا ـ " راوية للحديث عالما بماله من العلل " (٣)، وكتابه محل الدراسة يشهد له بهذا، فقد تضمن روايات مسندة عنه، كما تضمن كلاما له عن بعض علل السند والمتن، وسيأتي بيان ذلك ـ إن شاء الله مفصلا في الفصل الخاص بمنهجه. ويذكر صاحب الديباج المذهب أن أبا الفضل القشيري، لما انتقل إلى القاهرة في آخر حياته أدرك بها منزلة عالية، يقول: " وخرج من العراق لأمر اضطره، فنزل مصر قبل الثلاثين والثلاثمائة، وأدرك فيها رئاسة عظيمة " (٤). وجانب آخر يكشف عن مكانة أبي الفضل، أن أهل العلم احتجوا بكلامه وآرائه، وبين يدي نص قيم له أكثر من دلالة، فقد أورد الزيلعي نقلا عن أبي الفضل نصا يتعلق بتوهين خبر الغرانيق، وأجدني مضطرا ـ مع طول النص ـ لنقله كاملا، قال الزيلعي وهو يتكلم عن بطلان هذه القصة: " وصَدَقَ القاضي بكر بن العلاء المالكي حيث قال: لقد بُلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير، وتعلق بذلك الملحدون، مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته، فقائل يقول: إنه في الصلاة، وآخر يقول: قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة، وآخر يقول: قالها وقد أصابته سنة، وآخر يقول: بل حدث نفسه فَسَها، وآخر يقول: إن الشيطان قالها على لسانه، وأنه ﵇ لما عرضها على جبريل قال: ما هكذا أقرأتك، وآخر يقول: بل علمهم الشيطان أنه ﷺ قرأها، فلما بلغ النبي ذلك قال: والله ما هكذا أنزلت، إلى غير ذلك من اختلاف الرواة، ومن حكيت عنه هذه الحكاية من المفسرين وغيرهم، لم يسندها أحد منهم، ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم ضعيفة، والمرفوع فيها حديث البزار، وقد بين البزار أنه لا يُعرف من طريق يجوز ذكره، سوى ما ذكر، وفيه من الضعف ما فيه، مع وقوع الشك، وحديث الكلبي الذي أشار إليه، لا تجوز روايته لكذبه، وقوة ضعفه، والذي منه في الصحيح: أنه ﵇ قرأ والنجم وهو بمكة، فسجد وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس، انتهى، هذا توهينه من جهة النقل، ثم ذكر توهينه من جهة المعنى، بوجوه كثيرة يطول ذكرها " (٥) أ. هـ. وفي الحق، فهذا النص قيم جدا يكشف بجلاء عن تمكن أبي الفضل من علم الكتاب والسنة. ومما يُبين عن مكانته أنه تولى منصب القضاء بنواحي العراق، واشتهر بها حتى أصبح ملازما لاسمه (٦).

стр. 162

¬ ثانيا: شيوخه وتلاميذه لقد اجتمع لأبي الفضل القشيري، عاملان رئيسان أثرا في مكانته العلمية؛ عامل الزمان، وعامل المكان، فقد عاش ﵀ في أحد أزهى العصور من الناحية العلمية، وأكثرها نضجا وازدهارا من الناحية المعرفية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: فقد كان مقامه بالعراق بلاد الرافدين، حيث حاضرة الإسلام، وعاصمة الثقافة والعلم، مدينة بغداد مدينة السلام، وصدق بكر بن عَيَّاش إذ يقول: " الإسلام ببغداد، وإنها لصيادة تصيد الرجال، ومن لم يرها لم ير الدنيا " (١). فلا غَرْوَ ـ والحال هذه ـ أن تكون العراق منزل أهل العلم، وقبلة طلابه، وقد ظهر أثر هذا على عدد ممن سمع منهم، أو أخذوا عنه، يصور هذا ابن فرحون بقوله: " حدث عنه من لا يعد كثرة من: المصريين، والأندلسيين، والقرويين، وغيرهم". * أولا: شيوخه . سيكون من الصعب حصر من سمع منهم، وأخذ عنهم أبو الفضل، وهو في العراق حاضرة الدولة الإسلامية، يَرِدُها من لا يحصى كثرة من العلماء، وقد نَصَّت المصادر على عَدَدٍ ممن لقيهم وأخذ عنهم، وفي كتابه: أحكام القرآن، ذكر عددا ممن روى عنهم وسمع منهم، وسأقتصر على من له رواية في هذا الكتاب، مكتفيا بطرف يسير من ترجمتهم: " القاضي إسماعيل بن إسحاق بن حماد. سيأتي في الفصل الثاني (٢) حديث أبسط من هذا عن القاضي إسماعيل، باعتباره مؤلف كتاب أحكام القرآن الأصل، الذي اختصره أبو الفضل القشيري في هذا الكتاب محل البحث، وإنما الذي له تعلق بهذا الجزء من الدراسة هو: هل صح سماع أبي الفضل القشيري من القاضي إسماعيل، أم لا؟ فقد نقل القاضي عياض عن الفرغاني وغيره، أن أبا الفضل: " لم يدرك إسماعيل، ولا سمع منه، وقد حدث بكر عن إسماعيل في كتبه بالإجازة " (٣)، ولم يستبعد ﵀ احتمال أن يكون قد سمع من القاضي إسماعيل، وهذا هو الظاهر، وذلك لأمرين: الأول: أن أبا الفضل قد أدرك القاضي إسماعيل، في وقت يجوز سماعه منه، فقد توفي القاضي إسماعيل في عام ٢٨٢ هـ وولد أبو الفضل في عام ٢٦٤ هـ، أي أنه كان وقت ذاك في أواخر العقد الثاني، وهذا المعنى أشار إليه القاضي عياض، وتبعه ابن فرحون حيث قالا: " ولا يبعد سماعه من إسماعيل، إذ قد أدركه بالسن كما تراه، في وفاته وسنه" (٤). الثاني: أن أبا الفضل صرح بسماعه من القاضي إسماعيل، في كتابه أحكام القرآن في أربعة مواضع (٥)، فقال مرة: أخبرنا (٦)، وقال في أخرى: أخبرناه (٧).

стр. 163

¬" إبراهيم بن فهد بن حكيم الساجي. هو: إبراهيم بن فهد بن حكيم الساجي، أبو إسحاق البصري، قال ابن عدي: وسائر أحاديث إبراهيم بن فهد مناكير، وهو مظلم الأمر، وقد بين أبو نعيم سبب ذلك بقوله: ذهبت كتبه وكثر خطؤه لرداءة حفظه. وهو أحد شيوخ المؤلف الذين سمع منهم، وله رواية في كتابه أحكام القرآن، حيث أسند أبو الفضل من طريقه حديثا واحدا (١). توفي بالبصرة سنة ٢٨٢ هـ (٢). " محمد بن العلاء بن زياد القشيري. هو: محمد بن العلاء بن زياد بن الوليد القشيري، والد المؤلف، لم أجد له ترجمة سوى ما ورد في ترجمة ابنه أبي الفضل القشيري. وهو أحد شيوخ المؤلف الذين سمع منهم، وله رواية في كتابه أحكام القرآن، حيث أسند أبو الفضل من طريقه حديثا واحدا (٣). " سهل بن عبد الله التُسْتَري. هو: سهل بن عبد الله بن يونس التستري، نسبة إلى تستر من كور الأهواز من خوزستان، أبو محمد الصوفي، له كلمات نافعة ومواعظ حسنة، وقدم راسخ في الزهد. واشتهر عن المؤلف القشيري ملازمته له، وروايته لكلماته ومواعظه، نص على ذلك الذهبي في السير (٤)، لكنه لم يرو عنه أثرا مسندا في كتابه أحكام القرآن، وإنما حكى بعض أقواله ومواعظه (٥).

стр. 164

¬توفي ﵀ سنة ٢٨٣ هـ (١). " زياد بن الخليل التَّسْتري. هو: زياد بن الخليل التستري، أبو سهل، حَدّث ببغداد ثم صار إلى البصرة، قال الحاكم: لا بأس به، وذكره الدارقطني، وقال: لا بأس به. وهو أحد شيوخ المؤلف الذين سمع منهم، وله رواية في كتابه أحكام القرآن، حيث أسند أبو الفضل من طريقه حديثا واحدا (٢). توفي أبو سهل بالبصرة سنة ٢٨٥ هـ، وقيل: مات بالحج سنة ٢٨٦ هـ (٣). " محمد بن الحسين بن مكرم. هو: محمد بن الحسين بن مكرم البغدادي، أبو بكر البصري، وثقه الدارقطني، وقال ابن فهد: ما قدم علينا من بغداد أعلم بحديث رسول الله ﷺ من أبي بكر بن مكرم. وهو أحد شيوخ المؤلف الذين سمع منهم، وله رواية في كتابه أحكام القرآن، حيث أسند أبو الفضل من طريقه حديثا واحدا (٤). توفي بالبصرة سنة ٣٠٩ هـ (٥). " محمد بن أحمد بن سهل البرنكاني.

стр. 165

¬هو: محمد بن أخمد بن سهل البرنكاني، ويقال: البركاني، أبو عبد الله القاضي المالكي البصري، ولي القضاء بفارس والبصرة، وألف كتابا كبيرا في فضائل مالك وأخباره. عده ابن فرحون من شيوخ المؤلف (١)، وهو كذلك، فقد أسند أبو الفضل في كتابه أحكام القرآن، من طريقه حديثا واحدا (٢). توفي ﵀ بالبصرة سنة ٣١٠ هـ (٣). " إبراهيم بن حماد بن إسحاق الأزدي. هو: إبراهيم بن حماد بن إسحاق الأزدي، مولاهم، أبو إسحاق البصري، كان ﵀ إماما ثقة عابدا، قال الدارقطني: ثقة جبل، وقال الجراحي: ما جئته إلا وجدته يقرأ، أو يصلي. عده ابن فرحون من شيوخ المؤلف (٤)، وهو كذلك، فقد أسند أبو الفضل في كتابه أحكام القرآن، من طريقه عددا من الأحاديث بلغت ثلاثة أحاديث (٥). توفي أبو إسحاق البصري سنة ٣٢٣ هـ (٦). " محمد بن إبراهيم بن خُشْنَام الأصبهاني هو: محمد بن إبراهيم بن خُشْنَام، أبو عبد الله الأصبهاني، قدم بغداد، وحدث بها عن يوسف بن عدي، وروى عنه محمد بن مخلد الدوري (٧).

стр. 166

¬عده القاضي عياض من شيوخه (١)، وهو كذلك، فقد أسند أبو الفضل في كتابه أحكام القرآن، من طريقه حديثا واحدا (٢). " محمد بن يوسف بن حماد. هو: محمد بن يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن حماد، أبو عمر القاضي، قال الخطيب: لا نظير له عقلا وحلما وذكاء وتمكنا ... وحسن التأني في الأحكام، والحفظ لما يجري تحت يده. عده القاضي عياض وبن فرحون من شيوخ المؤلف، وهو كذلك، فقد أسند أبو الفضل من طريقه حديثا واحدا. توفي سنة ٣٢٠ هـ (٣). " أبو مسلم الكجي. هو: إبراهيم بن عبد الله بن مسلم بن ماعز البصري، أبو مسلم الكجي، قال عنه الطرابلسي: الحافظ المسند صاحب كتاب السنن. عده الذهبي في شيوخ المؤلف، وهو كذلك، فقد أسند أبو الفضل من طريقه حديثا واحدا. توفي سنة ٢٨٢ هـ (٤). " أحمد بن موسى السامي.

стр. 167

¬هو: أحمد بن موسى السامي، لم أعثر له على ترجمة، إلا ما ذكره الذهبي في ترجمة أبي الفضل القشيري، حيث عده من شيوخه، وقال: " سمع الموطأ من أحمد بن موسى السامي" (١). وهو أحد شيوخ المؤلف الذين سمع منهم، فمرة جاء في الكتاب أنه قال: أحمد بن موسى السامي، ومرة جاء فيها قوله: الشامي، وله رواية في كتابه أحكام القرآن، حيث أسند أبو الفضل من طريقه ثلاثة أحاديث (٢). " جعفر بن الليث، ومحمد بن يحيى بن حبان. لم أعثر لهما على ترجمة، وهما من شيوخ المؤلف الذين، لهم رواية في كتابه أحكام القرآن، حيث أسند أبو الفضل من طريقهما حديثا واحدا (٣). * ثانيا: تلاميذه . هذا العمر المديد الذي عاشه أبو الفضل القشيري، نحوا من ثمانين سنة، قضاها في محراب العلم عالما متعلما، جعله قبلة لطلاب العلم، وأهل الرواية، خصوصا من أهل المذهب، يصور هذا ما قاله القاضي عياض وهو يترجم لأبي الفضل قال ﵀: " حدث عنه من لا يعد كثرة، من المصريين، والأندلسيين، والقرويين، وغيرهم " (٤). ومن أشهر تلاميذه: " الأدفوي. هو: أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأدفوي، مفتي الديار المصرية، كان ﵀ مقرئا مفسرا نحويا. ولأبي بكر الأدفوي مكانة خاصة، فهو الذي سمع كتاب أحكام القرآن من أبي الفضل القشيري مشافهة، وقد نص الأدفوي على ذلك في نفس الكتاب في مواضع كثيرة (٥)، وبين فيها مكان السماع وزمانه، فكان في كل مرة يقول: أخبرنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي البصري، قراءة عليه في منزله بمصر سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. والأدفوي كان إماما مفسرا نحويا فقيها، ألف في التفسير كتابا اسمه: الاستغناء، استفاد فيه مما حصله من شيخه أبي الفضل القشيري (٦). " عمر بن عراك الحضرمي. هو: عمر بن محمد بن عراك بن محمد الحضرمي، أبو حفص المصري، إمام جامع مصر، وكان عالما برواية ورش، أستاذا فيها، عده ابن فرحون ممن أخذ عن أبي الفضل القشيري (٧)، توفي سنة ٣٨٨ هـ (٨).

стр. 168

¬" أبو عمر بن عيشون. هو: محمد بن عمر بن سعد بن عيشون، وسمع من شيوخ بلده، وبمكة، ومصر، والشام، والقيروان، وروى عنه ابن أصبغ وأبو الأصبغ الجزم وابن أبي درهم وابن الفرضي وغيرهم كثير، فقيه حافظ للمسائل ولي قضاء بلده. وقد نص القاضي عياض وابن فرحون على أن أبا الفضل القشيري، من شيوخه (١). " الحسن بن رشيق. هو: الحسن بن رشيق المعدل، أبو محمد العسكري المصري، مسند مصر ومحدثها، توفي سنة ٣٧٠ هـ (٢). " عبد الرحمن بن عمر بن النحاس. هو: عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن سعيد التجيبي، المالكي المصري، مسند مصر ومحدثها، توفي سنة ٤١٦ هـ (٣).

стр. 169

¬ المطلب الرابع: آثاره ووفاته . أولا: آثاره . ترك أبو الفضل القشيري عددا من المؤلفات التي تدل ـ مع كثرتها ـ على تنوع معارفه، وتعدد مواهبه، ولقد كان هذا التعدد والتنوع، لافتا لنظر بعض من ترجم له وعرف به، ولذا وجدناهم يشيرون إلى هذه السمة عند أبي الفضل، فهذا القاضي عياض وابن فرحون يذكران أنه ألف كتبا جليلة، ثم أخذا في عدها (١)، وصاحب الوفيات يقول: ألف في المذهب كتبا جليلة، والذهبي وابن العماد يقولان عنه: صاحب التصانيف في الأصول والفروع. والمصادر التاريخية وإن تكن شحيحة في ترجمتها لأبي الفضل، فقد ذكرت قدرا طيبا من مؤلفات أبي الفضل القشيري، منها: في علم الكتاب والسنة: ١. كتاب أحكام القرآن. ٢. كتاب من غلط في التفسير والحديث. ٣. ومسألة باسم الله الرحمن الرحيم. ٤. كتاب ما في القرآن من دلائل النبوة. في العقيدة: ١. كتاب تنزيه الأنبياء ﵈. ٢. كتاب الرد على القدرية. في الفقه وأصوله: ١. كتاب الأشربة. ٢. ومسألة الرضاع. ٣. كتاب أصول الفقه. ٤. كتاب القياس. ٥. كتاب مأخذ الأصول. ٦. كتاب الرد على المزني. ٧. كتاب الرد على الشافعي. وكتب أخرى: رسالة إلى من جهل محل مالك بن أنس في العلم.

стр. 170

¬وسواها مما لم تنقله كتب التراجم والسير، وهذا القدر الطيب الذي خلفه أبو الفضل القشيري ﵀ يكشف عددا من السمات في شخصيته العلمية والمعرفية، منها: أولا: تدل هذه الكتب على التنوع المعرفي والعلمي عند أبي الفضل، هذا التنوع والتعدد الذي يجده من يقرأ عناوين هذه المصنفات، فقد ضرب بسهمه في التفسير، والحديث، والعقيدة، والفقه وأصوله. ثانيا: تشير هذه المصنفات ـ أيضا ـ إلى العناية الفائقة بالفقه ومسائله، فقد كانت جلها في الفقه وأصوله، وهذا منسجم تماما مع المدرسة المالكية في العراق، التي اعتنت بتحرير المسائل، والبناء على الأصول، تبعا للبيئة العلمية التي ظهرت فيها. ثالثا: لا تخطئ العين رؤية تلك المؤلفات العديدة في الرد على المخالفين، ولا سيما من أهل المدرستين الحنفية والشافعية، وقد شمل هذه الرد مؤسس المدرسة الشافعية، وكذلك أحد أركانها المزني، وتناول أيضا أبا جعفر الطحاوي أحد كبار أئمة الحنفية المعاصرين له، ولم يكن مثل هذا النوع من التأليف مستغربا على البيئة العراقية التي ضمت بين جنباتها المذهب الأربعة جميعا، بأصحابها المدافعين عنها الرادّين على المخالفين قولهم، فهي بيئة تستوفز ـ بهذا الاختلاط بين المذاهب ـ همم العلماء على الرد والمجادلة. رابعا: ويَلْحَظُ أيضا من ينظر في هذه المؤلفات، أنها تناولت جوانب دقيقة من العلوم التي تندرج تحتها، ففي التفسير والحديث، تناول من غلط فيهما، وفي العقيدة تناول مسألة دقيقة جدا في الرد على أهل القدر، وعصمة الأنبياء، وهذا يلقي مزيدا من الضوء على التكوين العلمي الذي تميز به أبو الفضل بكر بن محمد القشيري، وانطبعت آثاره على كتابه أحكام القرآن. ومن المؤسف حقا أن هذه الكتب القيمة التي ألفها أبو الفضل، وسواها كثير مما تركه لنا سلفنا ﵏ وجمعنا بهم ـ قد ذهبت مع ما فُقِدَ من تراثنا، فلم يبق من كتب أبي الفضل جميعا، إلا كتاب أحكام القرآن، الذي هو محل الدراسة في هذه الرسالة. ثانيا: وفاته . تكاد المصادر التاريخية وفي جملتها كتب تراجم فقهاء المالكية، تجمع أنه توفي في شهر ربيع الأول، من سنة أربع وأربعين وثلاثمائة للهجرة النبوية (١)، ويتميز القاضي عياض فيكون أكثر دقة وتحديدا، فيحدد اليوم والليلة، حيث يقول: " توفي ليلة السبت لسبع بقين من ربيع الأول" (٢). وانفرد صاحب الوافي بالوفيات بين المصادر كلها؛ فذكر أنه توفي في سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة للهجرة، وتابعه صاحب شذرات الذهب على هذا (٣)، والظاهر أنه توفي سنة أربع وأربعين، وذلك لأنه قول أكثر أهل التراجم عموما، وقال به ـ أيضا ـ من ألف في طبقات المالكية خصوصا. ودفن ﵀ رحمة واسعة بالمقطم بالقاهرة (٤).

стр. 171

¬ الفصل الثاني: دراسة عن الكتاب .

стр. 172

¬ المبحث الأول: التعريف بالكتاب . وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: اسم الكتاب، وتوثيق نسبته إلى المؤلف. المطلب الثاني: النسخ الخطية ووصفها. المطلب الثالث: مصادر المؤلف. المطلب الرابع: القيمة العلمية للكتاب.

стр. 173

¬ المطلب الأول: اسم الكتاب، وتوثيق نسبته إلى المؤلف . أولا: اسم الكتاب: تشير غالب المصادر التي ترجمت للقاضي أبي الفضل القشيري، إلى كتابه أحكام القرآن، وقد تقاربت عباراتهم في الإشارة إليه وتسميته: فأصرح ما ورد في تسميته، ما ذكره ابن خير الإشبيلي قال: " كتاب أحكام القرآن لبكر بن العلاء القشيري، وهو مختصر كتاب إسماعيل القاضي" (١). وأسماه ابن فرحون: " كتاب الأحكام، المختصر من كتاب إسماعيل بن إسحاق والزيادة عليه " (٢). وأسماه الداودي في طبقات المفسرين: " كتاب أحكام القرآن، المختصر من كتاب إسماعيل بن إسحاق، بالزيادة عليه .. " (٣). وأشار إليه في الوافي بالوفيات دون تسميته قال: " وصنف في المذهب كتبا جليلة: كتابا في الأحكام ... " (٤) ومثله فعل الزركشي في البرهان (٥)، والسيوطي في الإتقان (٦). أما المؤلف نفسه فلم يبن اسم الكتاب بشكل صريح، وإنما قال في مقدمة كتابه" فإني اختصرت في كتابي هذا أحكام القرآن ... " (٧) وقال في خاتمة الكتاب: " هذا آخر كتاب الأحكام، اختصرته من كتاب إسماعيل بن إسحاق ﵀ " (٨). ويقوى في الظن أن يكون اسم الكتاب: ((أحكام القرآن)) وذلك لثلاثة أمور: الأول: وروده بهذه التسمية الصريحة في بعض المصادر: كالفهرست، وطبقات المفسرين، على ما تقدم في أعلاه. الثاني: أنه كُتِب على طرّة المخطوط: أحكام القرآن للقاضي بكر القشيري، وفي بداية الجزء الثاني كُتِب: الثاني من أحكام القرآن، ومما يزيد الثقة بهذه الكتابة أنها خط ناسخ الكتاب نفسه. الثالث: أن هذه التسمية أعني: " أحكام القرآن " هي التسمية المألوفة، المستعملة في ذلك الوقت، وقد تقدم في التمهيد من هذه الرسالة ذكر بعض تلك المؤلفات التي تحمل نفس هذه التسمية (٩). وأما مطابقة التسمية لمحتوى الكتاب ومضمونه، فقد كانت تامة وافية، فمادة الكتاب كلها، تتناول آيات الأحكام بالشرح والبيان، لم تخرج عنها.

стр. 174

¬ثانيا: توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف. يمكن توثيق نسبة كتاب أحكام القرآن إلى القاضي أبي الفضل القشيري، من طريقين: الطريق الأول: من كتب التراجم والمصادر التأريخية. حيث تشير غالب المصادر التاريخية التي ترجمت لأبي الفضل القشيري، إلى أنه ألف كتابا في أحكام القرآن: فهذا القاضي عياض يقول: " وألف بكر كتبا جليلة، منها: كتاب الأحكام المختصر من كتاب إسماعيل بن إسحاق والزيادة عليه " (١)، وبنحوه قال ـ أيضا ـ ابن فرحون. (٢) والذهبي يشير إلى كتابه مثنيا عليه بقوله: " ومؤلفه في الأحكام نفيس" (٣). وكذا قال الداودي في طبقات المفسرين: " كتاب أحكام القرآن، المختصر من كتاب إسماعيل بن إسحاق، بالزيادة عليه .. " (٤). وعدا هؤلاء، فقد أشار الزركشي في البرهان (٥)، والسيوطي في الإتقان (٦)، ورضا كحالة في معجم المؤلفين (٧)، وكذلك في معجم المصنفات في علوم القرآن (٨)، إلى أن القاضي أبا الفضل القشيري قد ألف كتابا في أحكام القرآن. وقد نص بعضهم على أنه مختصر من كتاب القاضي إسماعيل، ومنهم من أغفل ذلك فلم يذكره. الطريق الثاني: من ذات الكتاب. ومما يزيد الثقة بصحة نسبة الكتاب إلى القاضي أبي الفضل، حتى لا يدع مجالا للشك؛ أن في ذات الكتاب دلائل قوية على ذلك، منها: أولا: ورود اسم أبي الفضل القشيري صريحا، في الكتاب في مواضع كثيرة، بلغت أكثر من عشرين موضعا (٩)، كان يُذكر فيها في كل مرة: " قال بكر ". ثانيا: تصريح راوي الكتاب أبو بكر محمد بن علي الأدفوي، في مواضع كثيرة بأن هذا الكتاب هو مما حدث به أبو الفضل القشيري، مثال ذلك قوله: " أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأدفوي، قال: أنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي، قراءة عليه في منزله بمصر، سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وأنا أسمع ... " (١٠). ثالثا: مما يدل على صحة نسبة الكتاب لأبي الفضل القشيري، ما جاء في خاتمة الكتاب، وفيها: " قال القاضي بكر: هذا آخر كتاب الأحكام، اختصرته من كتاب إسماعيل بن إسحاق ﵀ ... وأما الكلام فالكثير منه كلام إسماعيل، وربما اختصرته وزدت فيه، وتكلمت بما حضرني، مما ظننت أن إسماعيل لكثرة شغله أغفله، أو لزيادة زِيْدَت علينا بعده" (١١).

стр. 175

¬رابعا: ويدل ـ أيضا ـ على صحة نسبة الكتاب إلى أبي الفضل القشيري، ما جاء فيه من إشارة إلى بعض مؤلفات القشيري نفسه، مثل: كتاب الأشربة، وكتاب الخمس، وكتاب الرد على الشافعي، وكتاب الرد على المزني. خامسا: يدل على ذلك ـ أيضا ـ ذكر عدد غير قليل من الأحاديث والآثار، المسندة، التي مخرجها من شيوخ المؤلف، مما يقوي الثقة في صحة نسبة الكتاب إليه، وقد ذكرت في الفصل الأول عددا من الشيوخ الذين روى عنهم، وضربت أمثلة على رواياتهم هناك (١). سابعا: من القرائن ـ أيضا ـ ما جاء في جلد الكتاب في الجزء الأول والثاني، حيث نسب فيها الكتاب إليه، وهي بخط الناسخ نفسه. ثامنا: ومن القرائن: أنه قد جرى في الكتاب ذكر بعض العلماء والأئمة، الذين عاصروا القشيري، كابن سريج الشافعي (ت: ٣٠٦) (٢) وأبي جعفر الطحاوي الحنفي (ت: ٣٢١) (٣). وفي الحق فهذه القرائن مجتمعة، تعطي دلالة يقينية، على صحة نسبة هذه الكتاب لأبي الفضل القشيري، فالحمد لله على ذلك.

стр. 176

¬ المطلب الثاني: النسخ الخطية ووصفها . يوجد للكتاب نسخة فريدة في إحدى المكتبات بتركيا، تقع بين مئات المخطوطات المتنوعة، التي لم تفهرس، ولم توضع للتداول، وفيما يلي وصف هذه النسخة: مكان وجودها: توجد هذه النسخة الفريدة في مكتبة: بيازد بدولة تركيا، تحت رقم: (١٨٨٩). عدد أجزائها: تقع هذه المخطوطة في جزأين. عدد لوحاتها: خمس وعشرون وثلاثمائة لوحة. عدد الأسطر: في كل صفحة تسعة عشر سطرا. عدد الكلمات في السطر: في كل سطر ما بين تسع كلمات، إلى اثنتي عشرة كلمة. راوي النسخة: الإمام أبو بكر محمد بن علي الأدفوي. اسم ناسخها: عبد الكافي بن محمد. تاريخ نسخها: تم الفراغ من نسخها في ربيع الأول سنة تسع وثمانين وخمسمائة للهجرة. نوع الخط: خط نسخ. وصف النسخة: أولا: هي نسخة كاملة سالمة من الخرم والسقط، والمحو والطمس. ثانيا: خطها واضح. ثالثا: يوجد في هوامشها تصحيحات بخط ناسخها. رابعا: النسخة مقابلة، إذ يوجد على هامشها بلاغات. خامسا: نسخت من نسخة قرأها الإمام أبو بكر الأدفوي على مؤلفها بمصر، عام ٣٤١ هـ. سادسا: كثير ما أُسقط الحرفان العاطفان: الفاء والواو، من أوائل الآيات الواردة فيها. سابعا: وردت بعض الأسماء والألفاظ مضبوطة بالشكل. ثامنا: وقعت بعض المواضع التي أغفل فيها الناسخ إثبات الألف الدالة على النصب، نحو: شيئا، حملا، محتجا، وقد بلغت هذه المواضع ثلاثة عشر موضعا، وقد أثبت الألف لدفع توهم الرفع في تلك المواضع. تاسعا: يوجد بعض التعليقات وأبيات الشعر في ظهر عنوان الجزء الثاني، ليست ذات صلة بالكتاب ولا موضوعه، منها: " قال رسول الله ﷺ : (خير الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام فأمره ونهاه في ذات الله فقتله). وقال ﷺ : (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر). ووصف ﷺ عمر ﵁ فقال: (قرن من حديد، لا تأخذه في الله لومة لائم، تركه قول الحق وما له من صديق). وروي أن معاوية حبس العطاء، فقام له أبو مسلم الخولاني، فقال له: يا معاوية إنه ليس من كدك، ولا من كد أبيك، ولا من كد أمك، فغضب معاوية ونزل المنبر، وقال لهم: مكانكم، ثم خرج عليهم، وقال: إن أبا مسلم كلمني بكلام فأغضبني، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الغضب من الشيطان، والشيطان خلق من النار، وإنما يطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليغتسل، وإني دخلت واغتسلت، وصدق أبو مسلم، إنه ليس من كدي، ولا من كد أبي، فهلموا إلى عطائكم. أ. هـ.

стр. 177

¬ المطلب الثالث: مصادر المؤلف . من الصعب استبانة المصادر التي اعتمدها أبو الفضل القشيري في كتابه أحكام القرآن، والموارد التي استقى منها؛ وذلك لأنه لم يُؤلِفْ كتابه ابتداء ـ حتى يُمكن التعرف على مصادره ـ وإنما اختصره من كتاب شيخه القاضي إسماعيل، ومن المعروف أن المختصرات تعتمد في جُلِّ مادتها العلمية، على الأصل الذي اخُتُصِرت منه، اكتفاء به عن الرجوع إلى مصادر أخرى. وإذا: فالأصل الذي اختصره هو المصدر والأساس له ـ إن جاز التعبير ـ ولهذا سيكون من نافلة القول الإشارة إليه. على أنه وإن تكن الحال ما ذُكر، فقد ألمح المؤلف إلى عدد من المصادر التي استفاد منها وانتفع بها، غير أن ما ذكر منها في كتابه لم يكن كثير العدد، أو بعبارة أدق: لم يكن المنصوص عليه منها عديْدَا. ويمكن تقسيم تلك المصادر بحسب موضوعاتها إلى ثلاثة مصادر، على النحو الآتي: " مصادر السنن والآثار. وكان اعتماد المؤلف في ذكر السنن والآثار والاستشهاد بها على الرواية عن الشيوخ، والسماع من الرواة، فقد عاش ﵀ شطر عمره في أواخر القرن الثالث، وشطره الآخر في أوائل القرن الرابع، وهذان القرنان من القرون التي شهدت عناية كبيرة بالرواية والسماع، ولهذا فالشيوخ الذين اتصل بهم القشيري، وسمع منهم، وروى عنهم، ظهر أثرهم في كتابه، حيث كان يسند بعض الروايات والآثار على نحو ما سمعه من شيوخه، ومن أمثلة ذلك: ما أسنده من طريق: أبيه محمد بن العلاء، ومحمد بن الحسن بن مكرم، عن النبي ﷺ في معنى قوله تعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال: حدثنا محمد بن الحسين بن مكرم، وحدثني أبي قالا: حدثنا محمد بن بشار بُنْدار قال: حدثنا يحي بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن صفوان بن سليم، عن أبي سلمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ قال: ? الخط? (١). " المصادر الفقهية. سيكون من العسير الوقوف على المصادر الفقهية، في كتاب يعتبر الفقه هو أساس مادته، وصلب موضوعه؛ لأن المؤلف سيحتاج إلى النظر في عدد كبير من المصادر الفقهية، المتنوعة بتنوع المذاهب وتعدد الأقوال، ولقد كان أبو الفضل يستعرض في كتابه الخلاف مع المذاهب الفقهية، ولا سيما مع الأحناف والشافعية، فيورد قول أئمة هذين المذهبين ـ على وجه الخصوص ـ ويرد عليهم، ويناقشهم في قولهم، ويخطئ رأيهم، وهو في هذا كله، لا ينص على كتاب بعينه، ولا يحيل على مصدر بذاته، مكتفيا بشهرتهم، وظهور أقوالهم بين الناس، ومن أولئك الأئمة الذين أورد قولهم: ١. أبو حنيفة النعمان. ٢. محمد بن إدريس الشافعي. وقد نقل عنهما أقوالهم فأكثر، لكنه لم يحل على مصدر بعينه، ومن المثال على ما نقله عن أبي حنيفة وأصحابه؛ ما أورده عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ قال أبو حنيفة وأصحابه: إن القاذف إذا تاب لم تقبل شهادته،

стр. 178

¬واحتجوا بأن الاستثناء لم يقع على كل ما ذكر في القرآن، وأن الدليل على ذلك، أنه لو تاب لم يسقط عنه الحد" (١). ومن مثال إيراده كلام الشافعي ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (٢) قال: " وقد حكي عن الشافعي أنه قال في المملوك يسأل سيده المكاتبة: أن ذلك لا يجب على السيد، وأنه إذا كاتبه وجب أن يُجْبر السيدُ، على أن يضع عنه مما عقد عليه الكتابة شيئا ما .. " (٣). وقد وجدت له موضعا واحدا نص فيه على كتاب الربيع ـ وهو أحد أشهر الرواة عن الشافعي ـ قال: " وزعم الشافعي أن حجته على من ذهب إلى ما روي عن النبي ﷺ : ? أن الماء لا ينجسه شيء? ؛ ما روي عنه ﷺ أن الكلب إذا ولغ في إناء غسل سبع مرات، وهو يزعم في كتاب الربيع أنه قال في الكلب بالسنة" (٤). ٣. أبو جعفر الطحاوي. ومن أولئك العلماء الذين أورد قولهم، وحكى مذهبهم: أبو جعفر الطحاوي الحنفي، فقد أورد عند قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٥) ما نصه: " وزعم الطحاوي في حكاية ذكرها، أن سهيلا سُئل عن الحديث، فلم يعرفه .. " (٦). ٤. مؤلفاته الأخرى. ومن المصادر التي اعتمدها القشيري، وأحال عليها في كتابه أحكام القرآن، بعض مؤلفاته الفقهية الأخرى، فنجده في بعض المواضع يشير إليها ويحيل عليها، وربما اكتفى بذلك عن الكلام عن الآية، مثال ذلك ما وقع له في سورة النحل عند قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ (٧) قال: " ولنا في هذه الآية: وصف ما كان القوم يفعلون، ثم لما وقع التحريم عُلِم بهذه الآية أن الخمر من هاتين الشجرتين، وقد شرحنا ذلك في كتاب الأشربة " (٨). ٥. مؤلفات القاضي إسماعيل. من مصادره الفقهية ـ أيضا ـ كتب شيخه، صاحب الأصل، القاضي إسماعيل، فمع كونه أحد شيوخه الذي سمع منهم، وأخذ عنهم، فقد كان يحيل على بعض مؤلفاته، وربما اكتفى بذلك عن مناقشه قول المخالف، كما وقع في سورة الحشر، عند قوله تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ﴾ (٩) فقد اكتفى بالإحالة على أحد كتب القاضي إسماعيل، ولم يتكلم عن الآية، قال: " هذه الآية قد تكلم فيها القاضي إسماعيل في: كتاب الخمس، بما لا يحتاج إلى زيادة فيه " (١٠).

стр. 179

¬" المصادر اللغوية. مع أن الكتاب إنما هو في أحكام القرآن، فقد تضمن وقفات حسنة في بعض المباحث اللغوية (١)، ونقل كلام عدد من كبار أئمة اللغة، مستشهدا به على معاني الآيات الكريمة، ومن أولئك الأئمة الذي أورد قولهم: ١. أبو عبيدة مَعْمَر بن المثنى. ٢. أبو عمرو بن العلاء. ٣. سيبويه. ٤. أبو عمر الجَرْمي. ٥. الأصمعي. وسأذكر الأمثلة ـ إن شاء الله تعالى ـ على أخذه عنهم، ونقله لكلامهم، في المطلب الخاص بمنهج المؤلف في الاحتجاج بلغة العرب. المطلب الرابع: القيمة العلمية للكتاب . لعل ما سبق من تعريفٍ بالمؤلف، يكشف لنا عن جانب من قيمة هذا الكتاب، ومكانته العلمية، وفي هذا المطلب سأذكر ـ بعون الله ـ عددا من النقاط الدالة على قيمة هذا الكتاب، ومكانته في المكتبة القرآنية، وبين كتب أحكام القرآن خصوصا، وذلك فيما يلي: أولا: يدل على القيمة العلمية لهذا الكتاب، مكانة مؤلفه أبي الفضل القشيري، وقد تقدم في الفصل السابق الحديث بالتفصيل عن المكانة العلمية التي تبوأها، وأذكر هنا أن له مكانة علمية خاصة في التفسير، وقد سبق ذكر كلام الزيلعي واستشهاده بكلامه في مسألة تتعلق بالتفسير (٢)، وهنا أشير ـ أيضا ـ إلى أن الإمام القرطبي، استشهد برأيه ووصفه بأنه من المحققين في التفسير الراسخين في العلم، وذلك لما ذكر اضطراب بعض المفسرين في كلامهم عن معنى الخشية في قوله تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (٣) ثم بين معنى الخشية هنا بقوله: " وخشي رسول الله ﷺ أن يلحقه قول من الناس، في أن يتزوج زينب بعد زيد وهو مولاه، وقد أمره بطلاقها، فعاتبه الله تعالى على هذا القدر، من أنه خشي الناس في شيء قد أباحه الله له، بأن قال أمسك مع علمه بأنه يطلق، وأعلمه أن الله أحق بالخشية، أي في كل حال، قال علماؤنا ـ رحمة الله عليهم ـ: وهذا القول أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية، وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين

стр. 180

¬والعلماء الراسخين: كالزهري، والقاضي بكر بن العلاء القشيري، والقاضي أبي بكر بن العربي" (١). ثانيا: ومما يشهد لمكانة هذا الكتاب وقيمته العلمية، أنه اختصار لكتاب أحكام القرآن الكبير للقاضي إسماعيل، وستأتي الإشارة إلى مكانة كتاب أحكام القرآن، ومنزلة مؤلفه القاضي إسماعيل في أول المبحث الثاني. ثالثا: أثنى أهل العلم الذين ترجموا لأبي الفضل القشيري على كتابه أحكام القرآن، فهذا القاضي عياض يقول: " وألف بكر كتبا جليلة منها: كتاب الأحكام المختصر من كتاب إسماعيل بن إسحاق والزيادة عليه " (٢)، ونحو هذا قال ابن فرحون (٣) وقال الصفدي: " وصنف في المذهب كتبا جليلة: كتابا في الأحكام والرد على المزني .. " (٤)، والذهبي يقول عنه: " ومؤلفه في الأحكام نفيس" (٥). ويقول ابن أبي زيد القيرواني في وصيته لأحد طلابه: " ... وإن كانت لك الرغبة في الرد على المخالفين من أهل العراق، وعلى الشافعي، فكتاب ابن الجَهْم إن وجدته، وإلا اكتفيت بكتاب الأَبْهُري إن اكتسبته، ففيه فوائد، وكتاب الأحكام لإسماعيل القاضي، وإلا اكتفيت باختصارها للقاضي ابن العلاء ... " (٦)، وهذه شهادة قيمة جدا من أحد أبرز رموز المذهب المالكي وأئمته. رابعا: يعتبر كتاب أحكام القرآن للقشيري، من أقدم الكتب التي انتهت إلينا، وصارت بين أيدينا، مما ألف في أحكام القرآن الكريم، ذلك أن مؤلفه أبا الفضل القشيري ﵀ توفي في أوائل القرن الرابع الهجري، عام أربع وأربعين وثلاثمائة للهجرة، وهو بهذا يعتبر من أقدم المؤلفات في أحكام القرآن الكريم. خامسا: يتميز أحكام القرآن للقشيري، بسمة بارزة جديرة بالعناية، دالة على قيمته العلمية، هي ما يلاحظه الناظر من عناية كبيرة بآثار السلف وأقوالهم، فلا تكاد تخلو آية من آيات الأحكام التي تكلم عنها، من جملة من الآثار والروايات عن الصحابة والتابعين. وأكثر من هذا أنه تضمن عددا من الآثار، التي لم أقف عليها في شيء من المصادر التفسيرية أو الحديثية، وقد أشرت في فهرس الآثار إليها وميزتها عن غيرها. سادسا: وسمة بارزة لهذا الكتاب، تزيد من قيمته ومكانته العلمية، ما تضمنه من اختيارات وترجيحات لأبي الفضل القشيري، كان كثيرا ما يختم بها كلامه عن الآية أو المسألة، على نحو دال على رسوخ قدمه في العلم، وعلو كعبه فيه. وهذا يدلنا على أن كتاب أبي الفضل القشيري، لم يكن مجرد اختصار على غرار بعض المختصرات، التي اكتفى مؤلفوها بالحذف والاختصار، بل تميز بهذه الزيادات في المسائل العلمية، مع الاختيار والترجيح.
следующие страницы →