عن عمرو بن يحيى المازني (١) عن معاذ بن رفاعة الزرقي (٢) أن رجلاً من بني سلمة يقال له سليم (٣) أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: إنا نظل في أعمالنا فنأتي حين نمسي، فيأتي معاذ فينادي للصلاة، فنأتيه فيطول علينا، فقال رسول الله ﷺ : يا معاذ لا تكن فتاناً (٤)،
стр. 1192
إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف عن قومك , ثم قال: يا سليم * ما معك من القرآن؟ قال: معي أني أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، والله ما أحسن دندنتك (١) ولا دندنة معاذ، فقال رسول الله ﷺ : هل تصير دندنتي ودندنة معاذ إلا أن نسأل الله الجنة، ونعوذ به من النار , ولكن سترون هذا غداً إذا التقى القوم - وكانوا يجهزون لأحد - فخرج سليم فاستشهد (٢).
فكان قوله ﷺ : إما أن تصلي معي - وهو يعلم أنه يصلي معه - يريد صلاة الفرض حتى آمر غيرك يصلي بالقوم، أو تخفف بقومك، وتتنفل معي (٣)؛
стр. 1193
لأن المتنفل الصلاةِ تجوز خلف المفترض، ألا ترى أنا أجمعنا على أن من دخل المسجد وقد صلى في بيته أنه يصلي مع الناس، وصلاته تطوعاً، ولم نر فريضة أجاز الأئمة كونها خلف المتنفل، إلا ما ادعاه الشافعي بغير حجة، ولا أثر بيّن , وهذا الحديث يدل على أن ذلك كان في أول الهجرة , ومن يحفظ القرآن قليل (١)
стр. 1194
, وقد روى أبو هريرة، وابن عمر، وأبو سعيد الخدري , فأما ... أبو هريرة فإسلامه بعد أحد بسنين (١) , وأما ابن عمر (٢)، وأبو سعيد (٣)، وجابر (٤) فكلهم يوم أحد غير بالغ , وعائشة ﵂ روت، وكانت يوم أحد لعشر سنين أو لإحدى عشرة سنة (٥) , أن النبي ﷺ قال: صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد بضعاً (٦) وعشرين درجة (٧).
стр. 1195
فتبين بهذا (١)، وبما قدمنا ذكره: أن الإمام والمأموم شركاء في الصلاة , وليس يجوز الاشتراك إلا فيما تستوي فيه النيات (٢) *؛ لأن رسول الله ﷺ قال: لَتُسوُّنَ صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم (٣). أفتراه ﷺ يأمرهم بهذا في الصفوف التي لو اختلفت لكانت الصلاة تامة عند الأمة، إذا كانوا يأتمون بإمامهم , ويبيحهم اختلاف النيات، فيكون الإمام يصلي صلاة، والمأموم يصلي غيرها، هذا مالا يظنه ذو عقل وروية (٤) , وقد عيّر الله قوماً في غير الصلاة فقال: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ (٥)، والصلاة من أجلّ الفرائض , وقد فضل الاجتماع فيها، أفيجوز ذلك على أن قلوبهم مختلفة؟ فأي اجتماع هذا؟ (٦)
стр. 1196
وإذا صلى الإمام الظهر ومن وراءه العصر أجزأته صلاته، وعليهم الإعادة؛ لأنهم صلوا ولا إمام لهم في تلك، وصلى الإمام وحده فتمت صلاته، وفسدت صلاتهم؛ لأنهم ائتموا بمن ليس هو لهم بإمام (١) , ولو كان يجوز ما قاله هذا الرجل ما احتيج إلى صلاة الخوف، وكان النبي ﷺ يصلي بطائفة الفرض، وبطائفة متطوعاً (٢)، ويكون للمتطوع مثل ثواب المفترض خمسة وعشرين درجة. وهذا منافٍ لقول رسول الله ﷺ : صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا الفرض (٣). وهذه المسألة يكثر شغبها , والاحتجاج فيها، والاختصار أولى، وفي ذلك كفاية إن شاء الله .
стр. 1197
وقال زيد بن ثابت عن النبي ﷺ : أفضل صلاة المرء * في بيته. إلا المكتوبة (١). وقال: صلاة المرء في بيته تفضل على صلاته حيث يراه الناس كفضل الجميع في الفرض على صلاة الرجل وحده (٢). وسئل النبي ﷺ أحب الصلاة إلى الله: صلاة المرء في بيته مُرخاً عليه ستوره يناجي ربه (٣). وما تطوع النبي ﷺ في المسجد قط , إلا في رمضان؛ ليَسُنَ ذلك , ثم خشي أن تفرض فتركها (٤) , فسنها عمر ﵁ وجمع الناس عليها (٥)، وقال: انقطع الوحي، وأمنا أن تفرض (٦). فهذه أشياء كلها لو عرفها الشافعي ولم تغب عنه لترك قوله، والله أعلم.
стр. 1198
سورة الأنفال .
قال الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية (١).
هذه الآية نزلت يوم بدر، وهي أول غزاة غزاها كانت فيها غنيمة، وكان النبي ﷺ قال لهم: ? من قتل قتيلا فله كذا، ومن أسر أسيرا فله كذا? (٢) وكان سعد (٣) أصاب سيفا فأراد أن ينفله (٤)، فافترق الناس يومئذ ثلاث فرق: فرقة انفردت بالعدو والقتال، وفرقة أحاطت بالغنائم لما تخلى عنها العدو هاربا، وفرقة أحاطت برسول الله ﷺ ، فلما رجع الذين لحقوا بالعدو قالوا: لنا النفل، نحن طلبنا العدو وبنا نفاهم الله وهزمهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ : ما أنتم بأحق به منا، بل هو لنا، نحن أحدقنا برسول الله (٥) ألا ينال العدو منه غرة، وقال الذين استولوا على العسكر والنهب: فوالله ما أنتم بأحق به منا بل هو لنا، نحن حويناه واستولينا عليه، وتنازع سعد ورجل من الأنصار،
стр. 1199
في السيف الذي أخذه سعد، فأنزل الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ! وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) فقسمه رسول الله ﷺ عن وفاق.
وكان بعد ذلك يُنَفِّل في البَدْأَة (٢) وإذا نفلوا (٣)، وأخذ رسول الله ﷺ يوم حنين وَبَرَة (٤) من جنب بعير فقال: ? يا أيها الناس مالي فيما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخِيَاط والمِخْيَط (٥)، وإياكم والغلول فإنه عار على أهله يوم القيامة، وقال: وعليكم بالجهاد في سبيل
الله فإنه باب من أبواب الجنة، ويذهب الله به الغم والهم، وقيل:
كان رسول الله ﷺ يكره الأنفال ويقول: ليرد مُقْوي المؤمنين
على ضعيفهم? وروى ذلك أبو أمامة الباهلي (٦)
стр. 1200
وعبادة بن الصامت (١) وأنس (٢)، وابن عباس (٣) وغيرهم بتقارب المعاني فيه.
стр. 1201
وروى سعد بعضه (١)، وروى عبادة أن النبي ﷺ ? نفل في البدأة الربع، وفي الرجعة الثلث? (٢) ووافقه جماعة في هذه الرواية (٣).
ثم اختلفوا بعد رسول الله ﷺ فقال قوم: لا نفل بعد رسول الله ﷺ (٤) وقال آخرون (٥): ذلك منسوخ
стр. 1202
بقوله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (١) فعلم أن الأربعة الأخماس قد استحقها الجيش، وقال النبي ﷺ وسئل عن الغنيمة فقال: ? لله خمسها وللجيش أربعة أخماس، قيل: فهل أحد أحق به من أحد؟ قال: لا، ولا السهم تنزعه من جنبك فلست بأحق به من أخيك المسلم? (٢) فجاء هذا الحديث وحديث عبادة، وعبد الله بن عمرو (٣) مؤكدا الأربعة الأخماس، فلم يبق للسلب والنفل موضع إلا من الخمس، وجاز أن يكون منه لقول الله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ! خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ (٤) فالرسول ﵇ يجتهد فيه فيصرفه
стр. 1203
ويضعه حيث أراه الله؛ لأن قوله: ﴿فَأَنَّ! خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ فإنما أريد أنه يصرف في مرضات الله ومرضات الرسول ﷺ .
وقال سعيد بن المسيب (١): إنما كان النفل من الخمس ولا نفل إلا من الخمس (٢).
ونُفِّل أنس بن مالك في بعض المغازي فأعطاه أمير السرية، فأبى أن يأخذ إلا من الخمس بعد القسم (٣).
وقد كان إلى النبي ﷺ فنسخ ذلك بما جعل للجيش، وجعل إلى النبي ﷺ الخمس يصنع فيه ما شاء، فصار الخمس بمنزلة الأنفال التي كانت ببدر، وتنفل النبي ﷺ من بدر سيفه ذا الفقار (٤).
ومما يبين ذلك أن النبي ﷺ أعطى المؤلفة يوم حنين من الخمس (٥)، فلو لم يكن إليه أن يعطي إلا من شيء هو له ـ وهو خمس الخمس ـ على ما قال الشافعي (٦)؛ لم
стр. 1204
يجز له أن يعطي المؤلفة إذ لم يسم الله لهم في الخمس شيئا، وسمى لهم في الصدقات (١) ولم يرو أنه أعطاهم من الصدقات شيئا قَلَّ ولا كثر، ولم يكن له أن يقول: ? من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه? (٢) في شيء قد سمي لقوم بأعيانهم، فكان إلى الرسول ﷺ قسمته ووضعه فيما يراه من المسلمين وغيرهم، إذا كان كله له، ومعنى له: يحكم فيه فيدفع منه إلى المسلمين وغيرهم، ألا تراه ﷺ قال: ? مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس وهو مردود عليكم? (٣)
ومثل هذا مثل قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (٤) فَذُكِرا في الجملة ثم خُصّا بالذكر، كذلك خص ذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وكذلك قال تبارك اسمه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ (٥) فجمع كل شيء ثم خص النفاثات في العقد والحاسد، ومثل هذا كثير في القرآن، فكأنه قيل: لله وللرسول فيما نراه من المُسَمّين وغيرهم.
стр. 1205
وقال محمد بن مَسْلمة (١): ومما يبين ذلك قول النبي ﷺ : ? يذهب كسرى فلا كسرى بعده، وإذا ذهب قيصر فلا قيصر بعد، أما والذي نفسي بيده لتُنْفَقن كنوزهما في سبيل الله? (٢) فإذا كانت كنوزهما قد أخذت عنوة ومَلَك الجيش أربعة أخماسه، وهل ينفق في سبيل الله إلا الخمس، ولم يسم سبيل الله لا في القربى ولا في الخمس، ولكنه كان مما إلى الرسول ﷺ وولاة الأمر من بعده وهم المخاطبون، فبين ﵇ واستنوا به.
ومما يبين أن ذلك إلى الرسول ﷺ ؛ أنه لم يذكر في الصدقات، ولم يُعْطِ الرسول ﷺ منها إلا من سُمي بحسب الاجتهاد في ذلك.
ومما يبين ذلك ـ أيضا ـ إعطاء المؤلفة والسلب، ولو كان مقصودا على قوم لم يعدل به عنهم.
ومما يبين ذلك ـ أيضا ـ قوله في القرآن: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ (٣) جعله إلى الرسول مجملا ثم رده مفرقا فقال: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ فبين أن الرسول ﷺ يقسمه فيما يراه من تفضل وزيادة؛ لقوله: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ولو كانت في تلك الوجوه؛ لم يقل: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقد حصلت لقوم مُسَمَّين.
стр. 1206
فإن قال قائل: إن حديث أبي قتادة (١) يدل على أن السلب ليس من الخمس؛ لأنه لو كان من الخمس لقوم وذكر (٢) ذلك في الحديث، قيل له: ليس كل شيء كان ذكر في الحديث، وإنما أتى في الحديث ما يحتاج إليه، وترك الباقي لمعرفة الناس به، وأنه يفعل ذلك كله فيما جعل إليه، دون ما استحقه قوم لجهادهم، ألا تراه ﷺ يشفع إلى الناس في أسارى حنين، وأمر العرفاء (٣) أن يعرفوه أجوبة الناس، ليعلم أنهم قد أذنوا في ذلك (٤)، فجعل إعطاء المؤلفة قلوبهم وحديث أبي قتادة على ما تدل عليه الشواهد والدلائل.
وقد قال ابن عمر (٥) بأجود الأسانيد:
(وجهنا (٦)(٧) رسول الله ﷺ بعيرا بعيرا) (٨) فعلم بهذا أنه نفلهم من الخمس.
стр. 1207
وزعم الشافعي أن ذلك من خمس الخمس، وهو مما لرسول الله ﷺ (١)، وهو خطأ من جهات، منها: أنه لم يعرف الحساب؛ لأن السهمين (٢) إذا كانت اثنا عشر بعيرا علم أن الخمس ثلاثة أباعر، فكيف يكون خمس ثلاثة واحد (٣).
ومن العجب أنه جعل لرسول الله منهما يقاسم به الأيتام والمساكين، ولم يرفع رسول الله ﷺ عن مشاركة المساكين والأيتام، وجعله لهم نظيرا.
والوجه الثالث: الرد على رسول الله ﷺ قوله؛ لأنه قال: ? لي الخمس كله، وهو مردود عليكم? (٤) وإنما يأخذ من الدنيا ما يكفيه وعياله بالمعروف، بل دون الكفاية ترفعا وتنزها عن الدنيا، إذ كانت حقيرة عند الله حين قال جل من قائل: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ (٥) إلى
стр. 1208
آخر الآية، وإنما أعطاه مفاتيح خزائن الأرض لعلمه بأن سيردها، فيدخر له ذلك في آخرته.
أما قول الشافعي في قوله ﷺ : ? من قتل قتيلا فله سلبه? (١) وأن ذلك على العموم (٢)، فواضح الخطأ؛ لأن الرسول ﷺ قد غزا غزوات كثيرة، وقع فيها مغانم ولم يقل ذلك إلا مرة واحدة، فقد يجوز أن يكون ذلك في ذلك اليوم وحده، وليس على الوجوب على مر الدهور، ألا تراه قال لخالد (٣): أعطه ثم قال: لا تعطه؛ لأن أبا قتادة (٤) كان خاطبه في أمر المَدَدي (٥) القاتل وهدده، فلما قال أبو قتادة لخالد: ألم أف لك يا خالد؟ قال: لا تعطه، ولو كان واجبا ما عاقب ـ بقول أبي قتادة ـ فمنع، وإنما كان له أن يتفضل به، فلما شبب بما يقدح في الإمارة منعه، ألا تراه قال ﵇ عقيب ذلك: ? مالكم وأمرائي إنما لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره? (٦) ولو كان السلب على العموم لما جاز للإمام أن يدخل الأسلاب في القَسْم ويوقفها لأهلها إذًا.
стр. 1209
وأما قسم الخمس فقد كُفيناه بما تكلم به القاضي إسماعيل في كتابه كفاية (١)، والله أعلم.
قال الله : ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ (٢).
قال أبو سعيد الخدري (٣): نزلت هذه الآية يوم بدر (٤).
ولم يكن لهم فئة ينحازون إليها لأن الفئة رسول الله ﷺ وهو معهم، فليس يجوز لهم التولي عنه ولا أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، إذا حضر، ثم زال ذلك في ... (٥) وصار المسلمون بعد بدر ينحازون إلى فئة.
وقال ابن عمر كنت في جيش، فلقينا العدو فانحرفنا فقلنا: يا رسول الله ﷺ نحن
الفرارون، قال: ? لا بل أنتم العكارون (٦)، بل أنتم العكارون، لا تفعلوا أنا فئتكم? (٧).
стр. 1210
وقال عمر ﵁: أنا فئتكم وأنا فئة كل مسلم (١).
وقال عطاء (٢): هذه الآية منسوخة (٣).
قال الله (٤): ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ! خُمُسَهُ﴾ (٥)
هذه الآية وواجباتها في جزء لإسماعيل فيها كفاية (٦).
قال الله : ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٧).
قال ابن عباس ﵁: أمروا إذا كانوا عشرين ألا يفروا من مائتين ويثبتوا ويصبروا، ثم خفف عنهم فأمروا ألا يفر مائة من مائتين، وجعل لقلب المؤمن من القوة ما لرجلين من الكفار (٨).
стр. 1211
فقال ابن عباس ﵁: إن فر رجل من رجلين فقد فر، وإن فر من ثلاثة فلم يفر (١).
وقال ابن شبرمة (٢): والأمر والنهي عن المنكر هكذا (٣).
فإذا صبر المسلمون على مثليهم من العدد أورثهم الصبرُ النصرَ ووفى الله لهم بما وعد من الغلبة، وبالله التوفيق.
قال الله ﵎: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (٤).
قال مجاهد (٥): كان عمر بن الخطاب ﵁ يرى الرأي فيوافق رأيه ما ينزل من القرآن، فلما كان يوم بدر شاور رسول الله ﷺ الناس في الأسارى، فقال (٦): لا تقتلهم وخذ منهم الفداء، فقال عمر ﵁: اقتلهم ـ والإثخان: القتل ـ فنزلت الآية (٧). وقال عبد الله
стр. 1212
بن مسعود (١)، رواه أبو معاوية (٢) عن الأعمش (٣) عن عمرو بن مرة (٤) عن أبي عبيدة (٥) عن عبد الله (٦): لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ : ? ما ترون في الأسرى؟ فقال أبو بكر ﵁: قومك وأهلك استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم. وقال عمر ﵁: يا رسول الله ﷺ : كذبوك وأخرجوك وقاتلوك، قدمهم فاضرب أعناقهم. وقال عبد الله بن رواحة (٧): يا رسول الله
стр. 1213
انظر واديا كثير الحطب فأضرمه عليهم نارا، فقال العباس (١): ما تقول قَطَعَتكَ رَحِمُك! قال: فدخل رسول الله ﷺ ولم يرد عليهم شيئاً. فقال أناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال أناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة. فخرج رسول الله ﷺ وقال: إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللين، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، مَثَلُك يا أبا بكر مَثَل إبراهيم ﵇ قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) ومَثَلُك يا أبا بكر مَثَل عيسى ﵇ حيث يقول: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣) ومَثَلُك يا عمر؛ كمثل نوح صلى الله عليه، قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ (٤) ومَثَلُك يا عمر؛ مَثَل موسى ﵇ إذ يقول: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ (٥) أنتم عالة (٦)، فلا ينفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق. فقال عبد الله ـ يعني ابن مسعود ـ: يا رسول الله ﷺ إلا سهيل بن بيضاء (٧) فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت رسول ﷺ قال: فما رأيتني في يوم أخوف مني في ذلك اليوم أن تقع علي (٨) الحجارة من السماء، حتى قال الرسول
стр. 1214
- ﷺ إلا سهيل بن بيضاء، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآيتين? (٢).
قال القاضي: فقد كان سبق في علم الله وكَتْبِه فيما جرى به القلم، أن سيحل ذلك لرسول الله ﷺ ، وأعلمه ذلك ولم ينكره عليه، وقد كان سبق الكتاب بالمغفرة لأهل بدر وكل ما فعلوه، وسبقت لهم الشهادة، وسبق حكمه ألا يعذب أحدا على شيء، قبل أن يتقدم إليهم فيه، ولم يكن تقدم فيهم، فأخبر أنه لو لم يكن أحلها لهم، أو كان قد تقدم بالنهي لعذبهم؛ لأن الأمم كانت قبلهم لا تحل لهم الغنائم والفداء فكانوا يحرقونها، بل قيل: كانت نار من السماء تأتي فتحرقها (٣)، ولذلك قال رسول الله ﷺ : ? أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، ونصرت بالرعب من مسيرة شهر? روى ذلك حذيفة بن اليماني (٤)، وأبو هريرة (٥) وغيرهما (٦).
стр. 1215
وكان كلام أبي بكر موافقا لغيب الله فيهم، فأسلم أسارى بدر كلهم، وحسن إسلامهم وحمدت مقامتهم، ولم يمت منهم أحد على كفر.
قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (١) قال أبو مالك (٢) قال: قال رجل: نورث أرحامنا من المشركين، فنزلت ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٣)
وهذا في المواريث جعلها أبو مالك، ويدخل في هذا المعنى: الموالاة والمعاقدة (٤)، فمن والى قوما ودخل في جملتهم فهو منهم، وإن كان الكفر كله عندنا ملة واحدة كلهم كافر،
стр. 1216
فكفرهم يفترق على ضروب: فالنصارى (١) جنس وهم كفرة ومن تولاهم، فمن لم يلزمه اسم الإيمان فهو منهم، وكذلك اليهود (٢)، وكذلك المجوس (٣)، والصابئون (٤) كلهم كافر، وكل له مذهب في كفره.
وأما قول الله : ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (٥) فهم العرب الذين لا يقبل منهم الجزية ليس فيهم غير القتل أو الإسلام (٦)، إلا من دخل منهم في الملل المأمور بأخذ الجزية
стр. 1217
منها قبل البعث، فأولئك منهم وحكمهم كحكمهم؛ لأنه قد كان في ربيعة (١) النصرانية، وكان في اليمن اليهودية وكان في تميم (٢) المجوسية في طائفة منهم لاختلاطهم بالأكاسرة وكانت قريش (٣)، وكنانة (٤)، وقيس (٥)، وعيلان (٦) ومن جاورهم عبدة أوثان، فمن بعث
стр. 1218
النبي ﷺ وهو من قوم فهو منهم، تؤخذ منهم الجزية كما تؤخذ منهم، ذلك الأمر عندنا (١) والله أعلم (٢)(٣).
стр. 1219
الثاني من
أحكام القرآن
تأليف: القاضي الفقيه الإمام:
بكر القشيري ﵁ (١)(٢)
стр. 1220
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عونك يا رب
قال الله ــ ــ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١).
هذه الآية ناسخة ما كان قبلها من الموارثات بالحلف والهجرة، وصارت الموارثة بالإسلام والمساواة في الملة.
وقد قال بعض العراقيين: إنه يُوَرِثُ بهذه الآية ذوي الأرحام دون الموالي (٢)، فقالوا: لو أن رجلا أعتق عبدا فمات المعتَقُ، وترك مولاه الذي أعتقه، وترك خالته وعمته، أن المال للخالة والعمة دون المولى.
وإنما نزلت هذه الآية لأنهم كانوا يتوارثون بالحلف، ثم صارت الموارثة بالهجرة (٣)،
стр. 1221
بقوله : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ (١) فكان الرجل يموت فيُخلِف ابنا أو أخا، ثم يهاجر وابن عم له هجرة، فيرثه دون أولئك، وكذلك كان بالحلف قبل الهجرة، فكان الرجل يحالف الرجل فيقول: ترثني وأرثك (٢)، فلما فتحت مكة وجاء الناس يدخلون في الإسلام أفواجا؛ نسخ الله ذلك بهذه الآية، فصار الناس يتوارثون بالإسلام خاصة، وبطل ما كان قبل ذلك، وإنما هي في ذوي الأرحام الذين سماهم دون من لم يسم ولا دَخَل بالمعنى، ثم بين النبي ﷺ فقال: ? فما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر? (٣)
ولو كان كما قال العراقيون مع قول رسول الله ﷺ : ? فما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر? وقوله: ? الولاء لحمة كلحمة النسب? (٤) لكان ينبغي لهم إذا خَلَف الرجل ابن
стр. 1222
عم وابنة عم؛ أن يكون المال بينهما، وكذلك إن خلف عما وعمةً، وكذلك إن خلف عمة وابن عم، أن يكون المال للعمة، وكذلك إن خلف ابنة وأختا وابن عم أن يكون المال كله للبنت أو الأخت، دون ابن عم المتوفى، وهم لا يقولون شيئا من ذلك، ولو قاله قائل لخالف كتاب الله وليس بين المسلمين خلاف علمته في ذلك، وإذا كان هذا هكذا فقد علمنا أن الله سبحانه إنما أراد بالآية ذوي الأرحام الذين يرثون بكتابه، دون غيرهم ممن لا نسب بينهم وبين المتوفى، والولاء فقد جعله الله ﵎ على لسان نبيه ﷺ إذ هو المبين ما أراد الله منا (١).
وإنما فسر هذه الآية أهل العلم من عروة (٢)، ومجاهد (٣)، والحسن (٤)، وقتادة (٥)،
وزيد بن أسلم (٦)، وسائر من فسرها: بأنها ناسخة لما كان أجري من الموارثة بالهجرة، وعرفوا أن هذه الآية نزلت وكانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار يتوارثون، فارتفع ذلك بعد فتح
стр. 1223
مكة، وأنزل الله : ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ يعني من أسمى ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١).
وزيد بن أسلم شرح القصة من أولها إلى آخرها، وكيف كانت الموارثة (٢) بالحلف الأول ثم صارت بالهجرة، فكان الرجل إذا هاجر يرثه ابن عمه دون ابنه وأخيه ثم زال ذلك كله.
ولقد توفي مولى لعمارة بنت حمزة بن المطلب (٣) وخلف بنتا، فأعطاها
النبي ﷺ النصف، ودفع النصف الآخر إلى عمارة بنت حمزة (٤)
стр. 1224
روى ذلك إسماعيل بن إسحاق قال: نا سليمان بن حرب (١)، عن حماد بن زيد (٢)، عن أبي فزارة (٣)، عن الحكم بن عتيبة (٤)، عن عبد الله بن شداد (٥) قال: توفي مولى لعمارة بنت حمزة، ـ وذكر الحديث ـ وقد حكي عن بعض العراقيين أنه قال في هذا الحديث: إنما أطعمها ذلك طعمة (٦)، أفكان قائل هذا القول يتوهم أن النبي ﷺ يطعم إنسانا مال إنسان آخر! ما أعظم هذا القول!
стр. 1225
سورة براءة .
قال الله : ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (١).
نزلت هذه الآيات من أول سورة براءة بالحرب والمنابذة، ولذلك لم يكتب في أولها بسم الله الرحمن الرحيم؛ لأنها للسلم ولا تكتب في المنابذة.
وقد كان نزولها بعد خروج أبي بكر ﵁ سنة تسع للحج (٢) بالناس، لأن النبي ﷺ فتح مكة سنة ثمان
стр. 1226
عنوة (١)، واستخلف على الحج سنة ثمان عَتَّاب بن أَسِيد (٢)، ثم ولي الحج في سنة تسع أبا بكر ﵁، وكانوا يحجون على رسومهم (٣) التي كانوا عليها، ولم يكن فُرِض الحج على النبي ﷺ ولا أُمر به (٤)، ليعود الزمان كهيئته، وعلى ما حج عليه إبراهيم الخليل ﷺ من مناسكه وأفعاله ورسومه.
وكانت حجة عَتَّاب وحجة أبي بكر في ذي القعدة، في النسيء الذي كان في الجاهلية (٥).
стр. 1227
وكانت الحُمُس (١) تقف عند المزدلفة يوم عرفة، وكانت العرب ـ ممن لا وِلادة لها في قريش ولا حلف ـ تقف بعرفات، وكذلك كانوا في حجة أبي بكر ﵁ على ذلك الاختلاف، فأنزلت سورة براءة فأنفذ بها رسول الله ﷺ عليا (٢)، ليتلو الآيات على الناس في الموضع الذي يجتمع الفريقان فيه وهو منى، وينادي في الناس بما أمره به رسول الله ﷺ من: ? ألا يحج بعد العام مشرك وألا يطوف بالبيت عريان? (٣) وكانت العرب تطوف عراة الرجال والنساء، فكانت المرأة تغطي فرجها بيدها وتقول:
стр. 1228
اليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله (١)
فنادى بذلك علي، وأعانه أبو هريرة وغيره بالنداء بمنى، في مجمع الناس وفي سائر أسواقهم، قال علي: أمرني بأربع: ? ألا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأن يتمم إلى كل ذي عهد عهده? (٢) وذلك لمن لم يكن نقض العهد، فأما من نقض فليس يدخل في ذلك (٣).
قال الزهري (٤) عن حميد بن عبد الرحمن (٥)، أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر ﵁ فيمن يؤذن يوم النحر بمنى؛ ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان،
стр. 1229
ويوم الحج الأكبر يوم النحر (١)، فلم يحج في العام الذي حج فيه رسول الله ﷺ حجة الوداع مشرك، وأنزل الله تعالى في العام الذي نبذ فيه أبو بكر ﵁ إلى المشركين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِن اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) فكان المشركون يوافون بالتجارة فينتفع منها المسلمون، فلما حرم الله على المشركين أن يقربوا المسجد الحرام، وجد المسلمون في أنفسهم مما قطع عنهم من التجارة التي كان المشركون يوافون بها، فقال الله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ ثم أحل في الآية التي تبعتها الجزية، ولم تكن تؤخذ قبل ذلك، فجعلها عوضا مما منعهم من موافاة المشركين لتجاراتهم، فقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٣) فلما أحق الله ﵎ ذلك للمسلمين، عرفوا أنه قد عاضهم أفضل مما كانوا وجدوا عليه مما كان المشركون يوافون به من التجارة (٤).
стр. 1230
ثم قال ﵎: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ وآخرها سلخ المحرم ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وهم الذين لم يكن لهم عهد بقوله: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ إلى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) وبقي من لم ينقض العهد إلى مدته، وهم قوم من كنانة، وليس هم الذين قاتلوا خزاعة (٢)، وذلك في سائر العرب ألا يقبل منهم جزية، إلا من تمسك منهم بالكتاب وهم: بنو تغلب (٣)، واليهود من اليمانيين فلهم حكمهم (٤).
ثم استقر أمر الحج لما فرض على النبي ﷺ وأمر به، ووافق حجه ذي الحجة (٥)، ووقف بعرفة والمسلمون معه، واستقر الأمر على ذلك.
وفي طوافهم عراة نزلت: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٦) فأمروا بستر عوراتهم (٧).