← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151196

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية

بكر بن العلاء

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

عنوة (١)، واستخلف على الحج سنة ثمان عَتَّاب بن أَسِيد (٢)، ثم ولي الحج في سنة تسع أبا بكر ﵁، وكانوا يحجون على رسومهم (٣) التي كانوا عليها، ولم يكن فُرِض الحج على النبي ﷺ ولا أُمر به (٤)، ليعود الزمان كهيئته، وعلى ما حج عليه إبراهيم الخليل ﷺ من مناسكه وأفعاله ورسومه. وكانت حجة عَتَّاب وحجة أبي بكر في ذي القعدة، في النسيء الذي كان في الجاهلية (٥).

стр. 1227

وكانت الحُمُس (١) تقف عند المزدلفة يوم عرفة، وكانت العرب ـ ممن لا وِلادة لها في قريش ولا حلف ـ تقف بعرفات، وكذلك كانوا في حجة أبي بكر ﵁ على ذلك الاختلاف، فأنزلت سورة براءة فأنفذ بها رسول الله ﷺ عليا (٢)، ليتلو الآيات على الناس في الموضع الذي يجتمع الفريقان فيه وهو منى، وينادي في الناس بما أمره به رسول الله ﷺ من: ? ألا يحج بعد العام مشرك وألا يطوف بالبيت عريان? (٣) وكانت العرب تطوف عراة الرجال والنساء، فكانت المرأة تغطي فرجها بيدها وتقول:

стр. 1228

اليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله (١) فنادى بذلك علي، وأعانه أبو هريرة وغيره بالنداء بمنى، في مجمع الناس وفي سائر أسواقهم، قال علي: أمرني بأربع: ? ألا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأن يتمم إلى كل ذي عهد عهده? (٢) وذلك لمن لم يكن نقض العهد، فأما من نقض فليس يدخل في ذلك (٣). قال الزهري (٤) عن حميد بن عبد الرحمن (٥)، أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر ﵁ فيمن يؤذن يوم النحر بمنى؛ ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان،

стр. 1229

ويوم الحج الأكبر يوم النحر (١)، فلم يحج في العام الذي حج فيه رسول الله ﷺ حجة الوداع مشرك، وأنزل الله تعالى في العام الذي نبذ فيه أبو بكر ﵁ إلى المشركين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِن اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) فكان المشركون يوافون بالتجارة فينتفع منها المسلمون، فلما حرم الله على المشركين أن يقربوا المسجد الحرام، وجد المسلمون في أنفسهم مما قطع عنهم من التجارة التي كان المشركون يوافون بها، فقال الله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ ثم أحل في الآية التي تبعتها الجزية، ولم تكن تؤخذ قبل ذلك، فجعلها عوضا مما منعهم من موافاة المشركين لتجاراتهم، فقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٣) فلما أحق الله ﵎ ذلك للمسلمين، عرفوا أنه قد عاضهم أفضل مما كانوا وجدوا عليه مما كان المشركون يوافون به من التجارة (٤).

стр. 1230

ثم قال ﵎: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ وآخرها سلخ المحرم ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وهم الذين لم يكن لهم عهد بقوله: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ إلى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) وبقي من لم ينقض العهد إلى مدته، وهم قوم من كنانة، وليس هم الذين قاتلوا خزاعة (٢)، وذلك في سائر العرب ألا يقبل منهم جزية، إلا من تمسك منهم بالكتاب وهم: بنو تغلب (٣)، واليهود من اليمانيين فلهم حكمهم (٤). ثم استقر أمر الحج لما فرض على النبي ﷺ وأمر به، ووافق حجه ذي الحجة (٥)، ووقف بعرفة والمسلمون معه، واستقر الأمر على ذلك. وفي طوافهم عراة نزلت: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٦) فأمروا بستر عوراتهم (٧).

стр. 1231

قال الله ﵎: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ (١). اختلف المفسرون في يوم الحج الأكبر، فقال الكبراء من الناس: إنه يوم النحر، وقال قوم: يوم عرفة (٢). وممن قال إنه يوم النحر: علي بن أبي طالب (٣)، وعبد الله بن مسعود، وابن عمر، وابن أبي أوفى (٤)، وأبو هريرة، وجماعة كثيرة (٥). وقال بعض المفسرين: إنه أيام الحج كلها (٦).

стр. 1232

وقال بعضهم: الحج الأكبر أريد وهو الحج، وأن الأصغر العمرة (١). فدل على القول الأول وأنه هو الصحيح (٢)؛ أن النبي ﷺ قال بمنى: ? أي يوم هذا؟ قالوا: الله ورسوله (٣) أعلم، فقال: هو يوم حرام، من شهر حرام، في بلد حرام، ثم قال: إن الله حرم دماءكم وأعراضكم وأموالكم، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا? (٤) ذلك لا يكون بعرفة؛ لأنها ليست من الحرم، فزال قول من قال: إنه يوم عرفة. والآية ـ أيضا ـ تدل على ذلك؛ لأن الله قال: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ (٥) والناس بعرفة متفرقون، وفي تلك السنة وقف أكثر الناس بالمشعر مع أبي بكر (٦)، ومنهم من يأتيها بليل، وإنما يكون الاجتماع للنداء بمنى، حيث يجتمع الناس جميعا ثلاثة أيام، وقال أبو هريرة ﵁: إنه نادى ثلاثة أيام حتى صَحِل صوته (٧).

стр. 1233

وأما من قال: إنه أريد الحج الأكبر لم يرد العمرة، وأن العمرة الحج الأصغر ففيه: أن الله أوجب حجين وهو قصدان (١)، وقد كفانا ذلك رسول الله ﷺ لما سئل: أفي كل عام؟ قال: ? لا ولو قلتها لوجبت ولكن مرة واحدة? (٢) وسئل عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: ? لا، ولأن (٣) تعتمر خير لك? (٤) وقال الله سبحانه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٥) وهذا في المتطوع بهما، فأمروا بإتمام ما دخلوا فيه، وأعلموا أن ليس لهم قطعه وإن كان متطوعا به، وسماهما الله تبارك الله باسمين، وكل واحد منهما يقتضي غير ما يقتضيه الآخر، والله أعلم بما أراد من ذلك. وقال النبي ﷺ : ? أفضل الأيام يوم النحر ثم يوم النفر (٦)? (٧). قال الله ــ ــ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ (٨). معنى هذه الآية ما أَمَر به الرسول ﷺ أن ينادى به: ألا يحج بعد العام مشرك (٩)، فكان ذلك نهيا عن الحج بالاختصار الموجز، الذي لا تبلغه فصاحة فصيح، وليس القصد في ذلك لدخول المسجد، ولو كان قصد به المسجد لما قيل: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ لأن دخول المسجد يتصل وليس له وقت بعينة، ولكن لما جعلهم الله أنجاسا بكفرهم، لم يجر إباحة المسجد الحرام لهم،

стр. 1234

ولا سائر المسجد الحرام (١) إلا لضرورة (٢)، والله أعلم. قال الله ﵎: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٣). أمر الله ﵎ أمر الله (٤) نبيه ﷺ بقتال عبدة الأوثان، وهم العرب على الإسلام خاصة، ولقتال أهل الكتاب وسائر الكفرة على الإسلام أو الجزية. وقد اختلف في نصارى العرب: فقال قوم: يلحقون بعبدة الأوثان من العرب. وقال آخرون: يلحقون من انتموا إليه.

стр. 1235

وكتاب الله يوجب إلحاقهم بهم، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (١) قال ابن عباس ﵁: كلوا من ذبائح بني تغلب، فإن الله ﵎ (٢): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى (٣) أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٤)، فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم. والذي عليه العمل في مشركي العرب: الإسلام أو القتل، قال الله تبارك وتعال: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٥) وقال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ (٦) وقال: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٧) فعلم أنه لا يجوز أن يستأنف بهم عهد بعد التبرؤ منهم. وكل ما في القرآن من ذكر المشركين فإنما عُنِىَ به العرب (٨)، قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٩) فأخذت الجزية من هذه الطبقات كلها، إلا مشركي العرب، ولا نعلم سلطان الإسلام بلغ إلى موضع من بلاد الكفار إلا وأهله من إحدى هذه الطبقات. فأما الزِّنْج (١٠) ومن أشبههم ممن ليس له ديانة تعرف، فإن مالكا قال فيمن سبي منهم: إنهم يجبرون على الإسلام (١١).

стр. 1236

قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١). روي عن أبي ذر (٢) وجماعة معه عن النبي ﷺ : ? أن الكنز كل مال مالوه مطلقا? (٣). وروي عن ابن عمر بالأسانيد الجيد، وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ : ? أنه المال الذي لا تؤدى زكاته وحق الله فيه? (٤)، وتابع ابن عمر على قوله؛

стр. 1237

ابن عباس (١)، وجماعة من المفسرين (٢). والصحيح من ذلك ـ والله أعلم ـ أن الكنز: هو المال الذي لا يؤدى حق الله فيه، وقد قال النبي ﷺ : ? ما من مال لا تؤدى زكاته إلا أتي بصاحبه يوم القيامة وبماله فأحمي عليه في نار جهنم? (٣) فنحن نرجو أن يكون هذا هو الحق المفترض فيه من

стр. 1238

الزكاة، في كل صنف من المزكيات، وقد تحدث أمور لاتحد، ولا يحد لها وقت، فتجب بها المواساة للضرورة التي تنزل؛ من ضيف مضطر، أو جائعٍ يُعلم أنه مضطر، أو غازٍ يُعلم أنه مضطر، أو ميتٍ يُعلم أنه ليس له من يواريه، فتجب حينئذ على من تُمْكِنه المواساة، المواساة التي يزول بها حد الضرورة، فإن ذلك من حقوق الله في الأموال، ينوب فيه بعضنا عن بعض. ونرجو أن يكون قول من قال: يكنزه الإنسان ويخَلِّفُه، غير مضبوط؛ وذلك أن الله ﵎ قال: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ (١) وقال ـ عز من قائل ـ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٢) فمحال أن يوصينا فيما نترك وقد حظر علينا الترك، وجعله كنزا نُعَذَبُ عليه. وكيف يكون ذلك كذلك، والنبي ﷺ يقول لسعد: ? الثلث والثلث كثير أو كبير، إنك أن تدع ورثتك أغنياء، خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس? (٣). وأصحاب رسول الله ﷺ ورحمة الله لهم خلفوا الأموال، من الضِيَاع وغيرها؛ عثمان (٤)، وعلي، والزبير (٥) (٦)، وعبد الرحمن (٧) وغيرهم، وليس للكنز عندي وجها (٨) إلا المال الذي لا يؤدى حقوق الله فيه (٩)، والله أعلم.

стр. 1239

قال الله تبارك اسمه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (١). الأربعة الحرم ثلاثة منها متوالية: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر (٢) الذي بين جمادى وشعبان، وإنما قيل رجب مضر؛ لأن ربيعة بن نزار كانوا يحرمون رمضان ويسمونه رجبا، وكانت مضر تحرم رجب نفسه (٣)، لذلك قال النبي ﷺ : ? الذي بين جمادى وشعبان? (٤). وأما قوله : ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٥) ففي الشهور كلها لا تظلموا فيهن أنفسكم فتعصوا ربكم؛ لأن كل نفس ظلم للنفس (٦) وتعريضا لها وتعرضا لعذاب الله قالت الأنبياء ﵈: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ (٧). وقد قيل: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ الأربعة الحرم لا تقاتلوا فيهن لا تقاتلوا فيهن (٨)، وهذا منسوخ بإباحة الحرب في كل الشهور (٩).

стр. 1240

والصحيح؛ أن لا تواقعوا الخطايا في الشهور كلها (١)، والله أعلم. قال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾

стр. 1241

إلى قوله: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ (١). روى ثور بن زيد (٢) عن عكرمة (٣) عن ابن عباس أن النبي ﷺ خطب في حجة الوداع فقال: ? يا أيها الناس اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد يومي هذا في هذا الموقف: أيها الناس إن دماءكم وأموالكم حرام إلى يوم تلقون ربكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، وإنكم ستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن كل ربا موضوع، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، فقضى الله ﵎ ألا ربا، وإن ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله، وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع، وإن أول دمائكم أضع: دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب (٤)، كان مسترضعا في بني ليث (٥) فقتلته هذيل (٦)، فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية، وإن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم، ولكنه أن يطمع فيما سوى ذلك ـ مما تحاقرون من أعمالكم ـ فقد رضي، فاحذروه أيها الناس على دينكم، وإن النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا، يحلونه عاما ويحرمونه عاما، ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم؛ ثلاثة متوالية، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان? وذكر سائر الحديث (٧)، وروي مثل ذلك عن جماعة. وأصل النسيء: إنما كان رجل من بني (٨) كنانة ثم من بني فُقَيم، يعرف بالقَلَمَّس (٩)، واسمه حُذيفة (١٠) نَسَأَة، فقال فيه الشاعر:

стр. 1242

ومنا منسي الشهور القَلَمَّسُ (١) كان اسمه حُذيفة وهو من بني فُقَيم، وكان ملكا فيهم، وكانت العرب لا تقاتل في الشهر الحرام، فكان إذا أراد القتال أحل الشهر الحرام وقاتل فيه واستحله وأبدل مكانه، ثم أبدل الحج لحاجته إلى الحرب، وكان يحل في الشهر الحرام دماء طيء (٢) وخَثْعَم (٣)؛ لأنهما كانا لا يرتآن الحج من بين سائر العرب، وكانت العرب كلها تحج البيت، وتعظم الشهور الأربعة التي حرمها إبراهيم ﵇، وكانوا يحجون في ذي الحجة على الاتباع لأفعال إبراهيم ﵇ حتى حدث النسيء، وكان القَلَمّس لما غير الحج وغير الشهور الحرم يقول: إني (٤) أحل شهرا إلا حرمت مكانه شهرا، فكانت العرب كذلك ممن كان يدين للقلمس، فكان يخطب فيقول: اللهم إني لا أُعُاب ولا أُخَاب (٥)

стр. 1243

ولا مرد لما قضيت، اللهم إني قد أحللت دماء المحلين من طيء وخثعم، فمن لقيهما فليقتلهما، فيرجع الناس وقد أخذوا بقوله. فكان حذيفة على ذلك ثم خلفه ابنه عباد بن حذيفة، ثم خلفه ابنه قَلْع بن عباد، ثم أمية بن قَلْع، ثم عوف بن أمية، ثم جُنَادة بن عوف، فحج النبي ﷺ حجة الوداع وجُنَادة صاحب ذلك، فأبطل النبي ﷺ ما كان جُنَادة يفعله (١)، وحرم الشهور

стр. 1244

على ما كانت في عهد إبراهيم ﵇ ورَدَّ الحج إلى ما كان عليه مقتديا بجده إبراهيم ﵇، ووقف الأمر على ذلك واستقام وأبطل النسيء، وحبس الله ﵎ نبيه ﷺ عن الحج فيما يأمره به، ولم يوجبه عليه حتى دار الزمان وزال النسيء. وقال ﵎ عند ذلك: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١) وزال الجدال فلا حج إلا على شريعة إبراهيم ﵇، وقال ﵇: ? خذوا عني مناسككم? (٢) وكان حج عَتَّاب (٣)، وحجة أبي بكر في سنة تسع في ذي القعدة (٤)، على ما كانوا عليه، فبعث النبي ﷺ أبا بكر ليقيم الموسم والعرب على أمرهم، ونزلت براءة بعد خروج أبي بكر بثلاث، فأنفذ بها عليا وحمله على ناقته العَضْبَاء وعهد إليه، فأدرك أبا بكر ببعض الطريق فقال أبو بكر: أمير أو مأمور؟ فقال: بل مأمور، فمضيا، فأقام أبو بكر ﵁ للناس يوم الحج، حتى إذا كان يوم النحر صرخ علي بأعلى صوته فقال: يا أيها الناس إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهد فهو إلى مدته (٥).

стр. 1245

وكانت قريش أدارت بينها رأيا (١) يكيدون به العرب، فابتدعوا بينهم أن قالوا: أنتم ولاة هذا البيت وأهله دون الناس، فلا تعظموا سواه، فكانوا يقفون بالمزدلفة، وتركوا الموقف بعرفة؛ لأنه من الحِل (٢)، وكانت عرفة من عهد إبراهيم وشعائره، وكانت العرب غير الحمس تقف بعرفة، فأمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يفيض من حيث أفاض الناس، فرجع الأمر إلى عرفة. وقوله جل وعز: ﴿وَلَا جِدَالَ﴾ (٣) إنما هو لا جدال في الوقوف بعرفة، وأن الحج في ذي الحجة، فقد ارتفع الجدال في ذلك، وقيل لقريش: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (٤) فألزموا ذلك، وأزيل النسيء الذين كانوا يحجون في المحرم سنتين، وفي صفر سنتين، وفي كل شهر سنتين (٥).

стр. 1246

وزعم الشافعي؛ أن للإنسان أن يؤخر حجة الإسلام المفروضة عليه، وهو ممن يستطيع الحج؛ لأن النبي ﷺ لم يحج بعد فتح مكة عامين (١)، فتكلم بكلام من لا يعرف لله ﵎ ولا لرسوله حقهما، وإنما كان النبي ﷺ عبدا مأمورا يفعل ما أمره به ربه ولا يتقدم بين يدي الله ﵎ بشيء، فلم يأمره الله تعالى بالحج؛ حتى قطع ما أراد قطعه من عهود المشركين، وأُمر بالبراءة منهم، وأن ينادى بذلك سنة تسع؛ لكي لا يقف مع النبي ﷺ كافر، ودار الحج إلى الشهر الذي جعل الله فيه الحج، وحج فيه أبوه إبراهيم ﵉، وهو ذو الحجة، فكان هذا أمر أراده الله ﵎ بنبيه ﷺ وأن يكون باقيا بعده مادام الإسلام، لا يُغيّر ولا يُبدّل، وهذا ما يعلمه كل من له لبٌ؛ أن التأخير كان لهذه الأشياء، فإن كان الذي رخص له الشافعي في تأخير الحج المفترض عليه وهو مطيق له، يتوقع من الله أمرا يمتثله قيس أمره عليه، وإلا فكيف يجترئ من له تقوى أن يُسهل للناس مثل هذا، وقد قال النبي ﷺ : ? مطل الغني ظلم? (٢) وقال: ? إن ملك الزاد والراحلة واستطاع الحج، ولم يحج

стр. 1247

فليمت يهوديا أو نصرانيا? رواه أبو إسحاق (١) عن الحارث (٢) عن علي عن النبي ﷺ (٣)، ورواه علي بن سابط (٤)، عن أبي أمامة عن النبي ﷺ (٥)، وروي عن عمر قوله بمثل ذلك (٦).

стр. 1248

وقال النبي ﷺ : ? حجوا قبل ألا تحجوا? (١) وقد احتج بعض أصحابه في ذلك بأن قال (٢): قد تجب الصلاة بأول الوقت، ويجوز تأخيرها إلى آخر الوقت، والمفطر بالمرض في شهر رمضان يلزمه القضاء، وقد يجوز له أن يؤخره، فقلنا له: المفطر بالمرض عليه القضاء، ونحن نأمره به في أول الوقت الذي يمكنه فيه، ومباح له تأخيره إلى وقت معلوم وهو: أن يبقى إلى شهر رمضان مقدار ما يفرغ من القضاء قبل دخول الشهر، وكذلك الصلاة عند دلوك الشمس إلى ظل المثل، فإن ماتا قبل ذلك لم يكونا حَرِجَين ولا عاصيين لله ، ومُؤَخِّرُ الحج ليس يؤخره من وقت إلى وقت؛ لأن إيجابه (٣)

стр. 1249

قد لزم بشرط القدرة، وقد علمنا أن عائشة ﵂ (١) كانت تقضي رمضان في شعبان (٢)، وإنما كانت تؤخره إلى شهر كان رسول الله ﷺ يصوم أكثره، ليوافق صومها عن الفرض صومه التطوع به، وقد قال الله : ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣) فجعل الأخر في باقي السنة إلى شهر رمضان، والله أعلم. وقد يؤخر الإنسان الحج خمسين سنة بهذا الترخيص فيموت، فإن جازها (٤)، قال الشافعي: فليس يأثم ولا حرج؛ لأنه له أن يؤخر، ويصير قول النبي ﷺ وقول عمر ﵁ لا فائدة فيه، ونعوذ بالله من أن نقول ذلك ومن كل ضلالة، وقد اتفقنا أن مؤخر الصلاة إلى آخر الوقت لا يقضى عنه إن مات، وزُعم عنه: أن تارك الحج يُحج عنه من ماله وإن لم يوص به (٥)، وقد تكلمنا في هذه المسألة في كتاب مفرد (٦) بما يغني عن الإطالة.

стр. 1250

قال الله ﵎: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (١). الجهاد فرض على الكافة، لا يجوز أن يتركه الناس كلهم، وليس بواجب على كل إنسان منهم، إلا أن تنزل الحاجة إلى ذلك، فيجب الجهاد حينئذ على من كان من المسلمين يُحْتاج إلى جهاده وقتاله في تلك الحال. وكذلك طلب العلم فرض على الناس كافة، ينوب فيه بعض عن بعض، وما يكون منه ففرض (٢) على كل إنسان في نفسه، لا يجوز أن يتكل فيه على غيره علم حاله. فأما الطهارة والصلاة ففرض على كل إنسان في نفسه تعليمها (٣)؛ لأنه يستوي فيهما الناس، فإذا دارت حال الإنسان إلى أن يكون إماما، وجب عليه أن يتعلم ما يلزمه ـ من يَؤُم ـ زيادة على ما كان عليه في نفسه، فإذا رُزِق ما يحج به وجب عليه أن يتعلم أحوال الحج، وكذلك الزكاة، وكلما وجب عليه شيء وجب عليه تعلم ذلك الشيء بعينه. وأما الجهاد فيكفي بعض الناس بعضا، فإذا دعت ضرورة وجب على الناس جميعا، ولم يستأذن أحد أباه ولا أمه (٤). وأما قوله: ﴿(خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (٥) فقيل: شبابا وشيوخا (٦).

стр. 1251

وقيل: من له عيال ومن لا عيال له (١). وكان أبو طلحة (٢) وأبو أيوب (٣) الأنصاريان يقولان: شيوخا وشبابا (٤)، وكانا لا يدعان الغزو حتى ماتا، والله أعلم بما أراد من ذلك. قال الله : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية (٥). كان عمر بن الخطاب، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس ﵁ يقولون: في أيها وضع أجزأ (٦). وكان عمر ﵁ ربما وضعها في الصنف الواحد (٧)، ولم نجد لهم مخالفا من الصحابة (٨).

стр. 1252

وقال ابن جبير (١): إنما أَعْلَمَ الله، وعَلَّم الوجوه التي تصرف فيها الصدقات (٢). وقال عطاء، وإبراهيم (٣)، والحسن، وابن شهاب، وجماعة: في أيها وضعت فيها الحاجة (٤) أجزأ ذلك (٥)، إلا أن إبراهيم قال: إلا في الرقاب، فإنه يصير له

стр. 1253

الولاء (١) قال بكر: ونحن نقول الولاء لجملة المسلمين (٢)، وقال الشافعي انها اثمان (٣) ثم ناقض بان قال: ما بقي من سهم العاملين يرد علي سائر السهام (٤)،

стр. 1254

وقد تكلمنا في هذه المسألة مع قسم الخمس بما فيه كفاية (١). وبقي في هذه الآية قول بعض العراقيين (٢) فإنه زعم أنه يُعطى من الصدقات المفروضة أهل الكتاب في فقرائهم، ومن زكاة الفطر. وقال أكثر المفسرين: إنهم لا يعطون إلا من التطوع (٣)، وهذا موافق لمعنى الآية؛ لأنه قال عز من قائل: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (٤) فذكر الفقراء والمساكين بالحال التي هم فيه، ثم قيل: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (٥) شتى في أنفسها من طريق منافع الدنيا، ووصف المؤلفة قلوبهم بالتأليف على الإسلام، فكان الجميع لمصالح الإسلام والمسلمين.

стр. 1255

وقال النبي ﷺ : ? خذها من أغنيائهم، وارددها على فقرائهم? (١) فلما لم تكن تؤخذ إلا من المسلمين؛ كان قوله: ? فقرائهم? هم المسلمون. وقال أبو سعيد الخدري: ? إن عليا ﵀ قدم من اليمن بذهيبة، فقسمها النبي صلى الله عليه بين أربعة من المؤلفة قلوبهم؛ الأقرع بن حابس التميمي (٢)، وعيينة بن حصن الفزاري (٣) وعلقمة الجعفري (٤)، وزيد الخيل الطائي (٥)? (٦) وكانت جميع ما جاء به فآثر به صنفا واحدا.

стр. 1256

وقد قال بعض الناس: إن التأليف قد انقطع (١)، واحتج بأن عمر ﵁ قطع عن المؤلفة الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ (٢)، وإنما قطع عنهم لما استغنى عنهم، وحكم التألف ثابت إذا احتيج إليه لرؤساء يُتَألفون، فيَدْخُل في الإسلام بدخولهم أتباعهم، فهذا جائز غير منسوخ، باق في حكم الآية عند الحاجة إلى ذلك (٣). وأما شرح الفقراء والمساكين, فإن الفقير والمسكين واحد وهما فقيران، إلا أن المسكين مأخوذ من السكون، وهو الذي يسأل فتظهر عليه الذلة من جملة الفقراء (٤).

стр. 1257

قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ (١). قال الحسن: جهاد الكفار بالسيف، وجهاد المنافقين باللسان والحدود (٢)، وهذا قول حسن، ألا تراه قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ﴾ (٣) فأظهره بالحجة. وقد قيل (٤): ما مات رسول الله ﷺ حتى أذن له في قتال المنافقين وقتلهم، والله أعلم بصحة ذلك. وقد كان قال لعمر ﵁ العذر في تركهم: ? ألا يقول الناس: إن محمدا يقتل أصحابه? (٥) وكان المسلمون (٦) قليلا، ألا تراه قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (٧) فأظهره بالحجة.

стр. 1258

قال الله ﵎ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية (١). كان قوم يستغفرون لآبائهم الذين توفوا في الجاهلية، ويحتجون بقول إبراهيم لأبيه: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ (٢) فكان يستغفر له (٣)، وذهب عنهم قوله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ (٤) يعني ترك الاستغفار، وقوله في هذه الآية أيضا: ﴿وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٥) وليس يتبين ذلك إلا بعد الموت، وإنما أيس إبراهيم ﵇ لما مات أبوه، فيجوز للإنسان أن يدعو لأبويه الكافرين ماداما باقيين، يرجو من الله أن يتوب عليهما ويرزقهما الإسلام، فإذا ماتا على كفرهما حرم ذلك عليه؛ لأن الآية فيمن مات على كفره.

стр. 1259

وأما قوله: ﴿لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا﴾ (١) إنما ذلك لأن النبي ﷺ كان يشكر أفعال أبي طالب (٢) فقيل: إنه لما مات قال: ? رحمك الله فلقد كنت ولقد كنت، فلما رأى المسلمون ذلك استغفروا لآبائهم، فنزلت الآية? (٣) وما الإسناد في ذلك بالقوي. والأقوى في ذلك؛ أن قوما تأولوا استغفار إبراهيم ولم يتأملوا ما بعد ذلك، فنزلت يعني إبراهيم، ومن استغفر متأولا لأمر إبراهيم، ألا تراه عقب بعد ذلك بأن قال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ (٤) فقص القصة وتبريه بعد ذلك.

стр. 1260

ومن سورة يونس قال الله ﵎ ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ (١). قال ابن عباس: كانوا في أول الإسلام خائفين فقيل لهم: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ يريد أي: مصلى تصلون فيها (٢)، وقال ذلك جماعة من المفسرين: أمروا أن يصلوا في بيوتهم (٣) وكان ذلك إلى أن أسلم عمر بن الخطاب ﵀ (٤).

стр. 1261

سورة هود ﵇ -. قال الله ﵎: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الآية (١) قوله عز من قائل: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الغداة والعصر (٢). ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ عشاء الآخرة (٣). وقيل ـ أيضا ـ: المغرب وعشاء الآخرة (٤). وقيل: الفجر وصلاة العشاء (٥) ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ المغرب والعشاء (٦). وكان ابن عباس ﵁ يستحب بقوله: ﴿زَحْفًا﴾ تأخير عشاء الآخرة (٧). وقال بعضهم: هو أمر بالصلوات الخمس (٨).

стр. 1262

وأما قوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١) فهن الصلوات الخمس يذهبن السيئات (٢)، ألا ترى أن النبي ﷺ قال: ? مثل الصلوات الخمس؛ كمثل نهر يجري على باب أحدكم، يغتسل (٣) فيه كل يوم خمس مرات، فماذا يبقى من درنه? (٤) والروايات عن رسول الله ﷺ في هذا المعنى كثيرة.

стр. 1263

ومن سورة يوسف ﵇ - قال الله : ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ (١). ليس في ذكر عدد الدراهم واختلافهم فيها فائدة، إلا أن معنى بخس: أنها قليلة نَزِرَة (٢)، دون ما يساوي مثله لو كان عبدا وحَلَّ بيعه. وقالوا في ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ عشرين درهما (٣)، وغير ذلك من نقصان وزيادة (٤)، والمعنى فيه: أن الدراهم كانت تعد ولا توزن (٥). ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ (٦) غير مريدين لشرائه. وقيل: وأظهرت الواردة البائعة له زهدا فيه، فهذا ما ذكر في ذلك. واختلف قوم في اللقيط؛ فقال قوم: هو مملوك (٧). وقال آخرون: هو حر (٨)، وهو المعمول عليه، والذي عليه أهل العلم.

стр. 1264

ثم اختلفوا في الولاء (١)؛ فقال قوم: الولاء لمن التقطه (٢)، وذكروا أن عمر ﵀ قال: لك ولاؤه وعلينا نفقته (٣). فأما قول من قال: إن اللقيط عبد لمن التقطه فلا وجه له؛ لأنه لا يخلو؛ أن يكون ابن مملوكة فهو لمولاها، لا يحل لملتقطه أن يتملكه، أو يكون ابن حرة فهو حر. وأما قول عمر: لك ولاؤه، يريد ولايته والقيام به والثواب على تربيته، وعلى بيت المال نفقته. وروي عن عائشة وابن عمر في أولاد الزنا: أعتقوهم وأحسنوا إليهم (٤) (٥) فإن مخرجه في أمر الحرية، على الإعلام لهم بأنهم أحرار، وهذا جائز في الكلام كقول النبي

стр. 1265

- ﷺ : (لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكاً يشتريه فيعتقه) (١) وليس يجوز بقاء ملك الولد على الوالد ولا ملك الوالد على الولد؛ لأنه يتنافى أن يكون أبا عبدا، أو ابنا عبدا، ألا ترى الله قال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (٢) وقال: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (٣) فإذا كان هذا في الولد فهو في الأب أولى؛ لنعمة الأب، وما أوجبه الله من حقه فقرنه بنفسه فقال: ﴿اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ (٤) وأما (٥) رواه سُنَيْن أبو جَمِيلَة (٦) عن عمر ﵁ فهو كلام مفهوم، قال عمر ﵁: (هو حر) فأخبر بالحرية: (ولك ولاؤه) القيام بأمره، ولو كان حرا بإعتاق عمر ﵀ لكان الولاء لمن أعتق، ولا يجوز هبة الولاء؛ لنهي النبي ﷺ عن ذلك (٧)، فهو مولى لجميع المسلمين، ونفقته من بيت مال المسلمين. قال الله ﵎: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ (٨)
следующие страницы →