← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151196

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية

بكر بن العلاء

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

سورة هود ﵇ -. قال الله ﵎: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الآية (١) قوله عز من قائل: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الغداة والعصر (٢). ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ عشاء الآخرة (٣). وقيل ـ أيضا ـ: المغرب وعشاء الآخرة (٤). وقيل: الفجر وصلاة العشاء (٥) ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ المغرب والعشاء (٦). وكان ابن عباس ﵁ يستحب بقوله: ﴿زَحْفًا﴾ تأخير عشاء الآخرة (٧). وقال بعضهم: هو أمر بالصلوات الخمس (٨).

стр. 1262

وأما قوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١) فهن الصلوات الخمس يذهبن السيئات (٢)، ألا ترى أن النبي ﷺ قال: ? مثل الصلوات الخمس؛ كمثل نهر يجري على باب أحدكم، يغتسل (٣) فيه كل يوم خمس مرات، فماذا يبقى من درنه? (٤) والروايات عن رسول الله ﷺ في هذا المعنى كثيرة.

стр. 1263

ومن سورة يوسف ﵇ - قال الله : ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ (١). ليس في ذكر عدد الدراهم واختلافهم فيها فائدة، إلا أن معنى بخس: أنها قليلة نَزِرَة (٢)، دون ما يساوي مثله لو كان عبدا وحَلَّ بيعه. وقالوا في ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ عشرين درهما (٣)، وغير ذلك من نقصان وزيادة (٤)، والمعنى فيه: أن الدراهم كانت تعد ولا توزن (٥). ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ (٦) غير مريدين لشرائه. وقيل: وأظهرت الواردة البائعة له زهدا فيه، فهذا ما ذكر في ذلك. واختلف قوم في اللقيط؛ فقال قوم: هو مملوك (٧). وقال آخرون: هو حر (٨)، وهو المعمول عليه، والذي عليه أهل العلم.

стр. 1264

ثم اختلفوا في الولاء (١)؛ فقال قوم: الولاء لمن التقطه (٢)، وذكروا أن عمر ﵀ قال: لك ولاؤه وعلينا نفقته (٣). فأما قول من قال: إن اللقيط عبد لمن التقطه فلا وجه له؛ لأنه لا يخلو؛ أن يكون ابن مملوكة فهو لمولاها، لا يحل لملتقطه أن يتملكه، أو يكون ابن حرة فهو حر. وأما قول عمر: لك ولاؤه، يريد ولايته والقيام به والثواب على تربيته، وعلى بيت المال نفقته. وروي عن عائشة وابن عمر في أولاد الزنا: أعتقوهم وأحسنوا إليهم (٤) (٥) فإن مخرجه في أمر الحرية، على الإعلام لهم بأنهم أحرار، وهذا جائز في الكلام كقول النبي

стр. 1265

- ﷺ : (لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكاً يشتريه فيعتقه) (١) وليس يجوز بقاء ملك الولد على الوالد ولا ملك الوالد على الولد؛ لأنه يتنافى أن يكون أبا عبدا، أو ابنا عبدا، ألا ترى الله قال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (٢) وقال: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (٣) فإذا كان هذا في الولد فهو في الأب أولى؛ لنعمة الأب، وما أوجبه الله من حقه فقرنه بنفسه فقال: ﴿اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ (٤) وأما (٥) رواه سُنَيْن أبو جَمِيلَة (٦) عن عمر ﵁ فهو كلام مفهوم، قال عمر ﵁: (هو حر) فأخبر بالحرية: (ولك ولاؤه) القيام بأمره، ولو كان حرا بإعتاق عمر ﵀ لكان الولاء لمن أعتق، ولا يجوز هبة الولاء؛ لنهي النبي ﷺ عن ذلك (٧)، فهو مولى لجميع المسلمين، ونفقته من بيت مال المسلمين. قال الله ﵎: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ (٨)

стр. 1266

إلى قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ الآية (١). قال مجاهد وابن أبي بزة (٢): الشاهد هو القميص وقدُّه من دبر (٣). وقال ابن جبير: صبي في المهد (٤)، (٥) وقال هلال بن يشاف (٦) مثله (٧)، وقال: لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة، هذا أحدهم (٨).

стр. 1267

وقال ابن عباس ﵁: كان رجلا ذا لحية (١). وقال الحسن: رجل له فقه وعلم (٢). وقال عكرمة: رجل من أهلها ذو رأي (٣). وتابع على كل قول من ذلك قوم من المفسرين (٤). وقال الشعبي (٥): كان في قميص يوسف ﵇ ثلاث آيات: جاءوا على ... قميصه بدم كذب، فعلم يعقوب أنه كذب على الذئب، وأنه لو كان من فعل الذئب

стр. 1268

لخرق القميص، والثانية: أن تخريقه من دبر ونجاته بذلك وبقول الحكيم فيه، والثالثة: أن ألقي على وجه يعقوب فارتد بصيرا (١). وقصة يوسف ﵇ توجب القضاء فيما لا تحضره البينة بالدلائل والعلامات في مثل: اللقطة، ومثل: إغلاق الباب، وإرخاء الستر، وفي شهادة الصبيان في الجراح، وذلك دليل للشهادة، وهو غير مخالف لقوله: (البينة على المدعي واليمين على المنكر) (٢) لأنه لا يقال البينة على المدعي إلا في موضع يمكن فيه البينة، وقد ذكرنا هذا في سورة البقرة، وأن شريحا (٣) وإياس بن معاوية (٤) حكما بالعلامة.

стр. 1269

فإن قال قائل: إن تلك الشريعة لا تلزمنا (١)، قلنا له: كل ما أنزله الله علينا فإنما أنزله لفائدة فيه ومنفعة لنا فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ (٢) فآيات يوسف ﵇ مقتدى بها معمول عليها، والله أعلم. قال الله (٣): ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (٤). قال قتادة: حَمِيل (٥). الثوري (٦): كفيل (٧). والكفيل والحميل: من تكفل بغيره، أو تحمل عن غيره (٨)، وهذا رجل ضمن

стр. 1270

عن نفسه، وقال الشاعر (١): فلست بآمرٍ فيها بسَلْمٍ ... ولكني على نفسي زعيمُ بغزو مثل ولغ الكلب حتى ... تبوء بصاحبي ثأر منيم (٢) وقال آخر (٣): فإني زعيم إن رجعت مسلما ... بسيرٍ ترى منه الفُرانِقَ أزورا (٤) أي ضامن لذلك. وإنما ينبغي أن يحتج بهذه الآيات في باب الجُعل، وأنه جائز أن يقول الرجل: من فعل كذا فله كذا، وأما الكفالة فمأخوذ من غير هذا الموضع؛ لأنه رجل فعل معروفا إلى رجل وضمن عنه شيئا أوجبه على نفسه، قد يمكن أن يغرمه ويمكن أن لا يغرمه، ولم يدخل في باب الغرر الذي نهي عنه؛ لأن الغرر يدخل في باب المخاطرة

стр. 1271

والقمار؛ لأن كل واحد منهما يؤمل أن يأخذ من مال صاحبه شيئا بغير حق، والضامن ليس يأخذ شيئا، وإنما هو مصطنع معروفا، يمكن أن يغرم ويمكن ألا يغرم، فلزمه ما شرط على نفسه، إذ لم يخالف كتابا ولا سنة، وإن دفع شيئا رجع به على من ضمنه عنه. قال الله ﵎: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ (١). وقوله: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ (٢) أجرة (٣) الكيال عندنا على البائع بهذه الآية، كذلك قال مالك بن أنس ﵁ (٤)؛ لأن الرجل إذا باع الرجل قفيزا (٥) من طعامه، فقد أوجب العقد على البائع أن يَصُّر القفيز بعينه ويَحُوزَ لصاحبه، وذلك لا يكون إلا بالكيل، وكذلك الوزن فيما يباع وزنا، وكذلك فيما يعد عددا، وكذلك فيما يذرع، والله أعلم.

стр. 1272

سورة الرعد قال الله ﵎: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ (١). قال ابن عباس ﵄: ما ينقص عن التسعة وما يزيد عليها (٢)، وقاله جماعة من أصحابه (٣). وقال بعضهم: الحيض على الحمل، وقالوا: زيادة الحيض ونقصانه (٤). وأصح المعاني في ذلك: أن غيض الأرحام وزيادتها هو في الحيض خاصة، وأن الحامل تحيض على الحمل. ومن قال: إن الحامل لا تحيض (٥)، فقد أقدم على غيب من غيب الله لا يعلمه إلا الله، لا يجوز أن يقوله إلا بكتاب أو بسنة، وكل دم يخرج من الرحم فهو حيض أو

стр. 1273

نفاس، وأما دم الاستحاضة فإنما هو عِرْق (١) كما قال النبي ﷺ (٢)، وقد قال النبي ﷺ في سبي أَوطَاس (٣) ما يوجب أن الحامل تحيض قال: (لا توطأ حائل حتى تحيض ولا حامل حتى تضع) (٤) يريد: وإن حاضت؛ لأنه لو كانت الحامل لا تحيض لاستغنى بالقول الأول: (لا توطأ امرأة حتى تحيض) لأن الحامل والحائل إنما يجوز وطؤهما (٥) بعد الحيض، والنفاس حيض زادت أيامه، ولا يجوز الوطء أيضا حتى تطهران، فكان القول

стр. 1274

الأول كافيا، فأعلمنا أن الحيض لا يبرئها حتى تضع، وقد قالت عائشة ﵂ وغيرها: إن الحامل إذا رأت الدم تدع الصلاة (١). والأغلب في النساء أنهن لا يحضن على الحمل، والأغلب فيهن أنهن يحملن تسعة أشهر، فإذا حاضت على الحمل كانت كمن حملت سنتين وثلاثاً وأربعا، حكم لهما بحكمهما (٢). وإذا انفردت أخرى بارتفاع الحيض من غير سبب، نُظر في ذلك بما قال عمر ابن الخطاب ﵁ (٣)، وبالله التوفيق.

стр. 1275

سورة إبراهيم ﵇ - قال الله ﵎: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (١). قال بعضهم: غدوةً وعشيةً (٢). وقال آخرون: الحين ستة أشهر (٣). وقال آخرون: كل عام (٤). فمن قال غدوة وعشية فالآية لا تحتمله، ومن قال ستة أشهر، أراد منذ تُطْلِع (٥) النخلة إلى أن تصرم ـ يريد تُجَدَ ـ ومن قال ذلك ـ أيضا ـ يريد منذ تجد النخل إلى أن تطلع (٦).

стр. 1276

ومن قال: سنة؛ فهو القول الصحيح، وهو سنة زمانية شمسية، وإنما هو من الطلع إلى الطلع، أو من الأكل من التمر إلى الأكل، أو من الجداد إلى الجداد، فهذا معنى الآية، والله أعلم (١).

стр. 1277

سورة الحجر (١) قال الله ﵎: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٢). أقسم الله بحياة نبيه ﷺ وشَرّف، كذلك قال من فسرها (٣)، وهو معناها في اللغة (٤). وأما قوله سبحانه: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ فمعناه يترددون في حيرتهم. قال إسماعيل (٥): العَمْر والعُمر واحد، والرجل إذا قال: لعمري فقد قال: وحياتي. وليس ينبغي للناس أن يقسموا إلا بالله ﷻ ، فأما الرب ﵎ فإنه يقسم بما شاء، وليس يقسم إلا بما هو خلق من خلقه، وأجل ما أقسم به من خلقه عبده نبينا ﷺ وزاده شرفا.

стр. 1278

ومن سورة النحل . قال الله جل وعلا: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ (١). قال ابن عباس ﵁: الرزق الحسن ما أحل من ثمرتها، والسكر ما حرم من ثمرتها (٢)، وقاله سعيد بن جبير (٣)، وإبراهيم (٤)، والشعبي، وابن أبي ليلى (٥)، وذكره إبراهيم عن عبد الله (٦).

стр. 1279

وقال إبراهيم، والشعبي، وأبو رَزِين (١): السكر خمر (٢). وقال عكرمة: السكر الحرام، والرزق الحسن الحلال (٣). وقال الحسن وجماعة: السكر الخمر قبل أن تحرم، وقالوا هي منسوخة وسورة النحل مكية (٤). ولنا في هذه الآية وصف ما كان القوم يفعلون، ثم لما وقع التحريم عُلِم بهذه الآية أن الخمر من هاتين الشجرتين، وقد شرحنا ذلك في كتاب الأشربة (٥). قال الله ﵎: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ الآيتان (٦). قال ابن عباس قوله عز من قائل ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٧) قال: عثمان بن عفان ﵁ (٨).

стр. 1280

وتكلم المفسرون فيها؛ فقال بعضهم: الله ﵎ الآمر بالعدل (١). وقال بعضهم: الأبكم الصنم (٢). والصحيح ما قاله ابن عباس ﵁: أن هذه الآية نزلت في عبد بعينه وسيده، وأن العبد لم يكن له مال، وأن سيده كان له مال ينفق منه، وأن الآية الأخرى (٣) نزلت في رجل بعينه لم يكن له مال، وكان كلّا على مولاه، والمولى في هذا الموضع: الولي من أخ أو ابن عم (٤). وقد تأول قوم بهذه الآية: أن الطلاق ـ إذا تزوج العبد ـ بيد السيد، وأن بيع الأمة طلاقها (٥)، وهذا خطأ كبير؛ لأنه لو كان كذلك لكانت بَرِيْرَة (٦) قد بانت من مُغيث (٧) حين بيعت، فلما خُيرِّت بعد العِتق (٨)، عُلِم أنه لم يكن البيع طلاقا، وأنه ليس بيد السيد من ذلك شيء.

стр. 1281

وقد تعلق العراقي بهذه الآية وكذلك الشافعي (١) في العبد لا يملك، ولو تأملوا ما قرؤوا لأغنوا عن التعب بهم، هاتان الآيتان نزلتا مع غيرهما ضربَ أمثالٍ للربوبية، ألا تراه قال ـ عز من قائل ـ: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) ثم قال سبحانه: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ (٣) أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٤) وهذه الأمثال ضربها الله ﵎ لنفسه ـ جل وعز ـ فأنتم لا يستوي بعضكم ببعض، فكيف تسوون بي خلقا من خلقي، ثم قال عز من قائل: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ (٥) فإذا كنت أنت وعبدك لا تستويان، والصحيح والأبكم لا يستويان، فكيف جل الله وعز. وليس لهم حجة في ذكر العبد إلا وعليهم مثله في الأبكم، والأبكم عندهم يملك ماله، وملك العبد فيه آيات محكمات ضلوا عن معرفتها، قال الله : ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٦) وقال النبي ﷺ لرجل شكى إليه الفقر: (تزوج) (٧) فقد بين الله ﵎ أن العبد والأمة قد يغنيهما كما يغني الأيامى منا، وقال سبحانه: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٨) ولو لم يَكُنَّ المالكات لما أمر بدفع ما يملكه سواهن إليهن، والحجة في هذه المسألة تكثر ولها موضعها إن شاء الله . قال الله : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٩). معنى هذه الآية: إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ، وهي مثل قوله: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا﴾ (١٠) وإنما هو إذا أردتم أن تناجوا الرسول فقدموا. والتعوذ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وما قام هذا المقام.

стр. 1282

قال الله : ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (١) قال عكرمة: إنها أنزلت في قوم أسلموا بمكة ولم يمكنهم الخروج، فلما كان يوم بدر أخرجهم المشركون معهم كرها فقتلوا، وتلا: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (٢) وقال: طريقا إلى المدينة ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ (٣) إلى آخر الآية فعذرهم الله، فكتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى إخوانهم الذين بمكة يخبرونهم بما نزل فيهم، فلما جاءهم الكتاب خرج ناس كانوا أقروا بالإسلام، وطلبهم المشركون فأدركوهم، فرجعوا وأعطوهم الفتنة قولا دون الاعتقاد، فأنزل الله ﵎ فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ (٤) وأنزل فيهم: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٥) وأنزل فيهم: ﴿ثُمَّ إِن رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِن رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٦) فسمع ذلك رجل من بَكْر (٧) كان مريضا فقال: لأهله أخرجوني إلى الرَّوْح (٨) يريد المدينة، فأخرجوه فمات قبل الليل،

стр. 1283

فأنزل الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ (١) الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢) ثم إن قوما خرجوا فلم يدركهم أبو سفيان (٣)، فأنزل الله ﵎ فيهم: ﴿ثُمَّ إِن رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤). وقال مجاهد: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وبلال (٥)، وخباب (٦)، وصهيب (٧)، وعمار (٨)، وسمية أم عمار (٩)، فأما رسول الله ﷺ فمنعه أبو

стр. 1284

طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأُخذ الآخرون فألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس، فبلغ منهم الجهد ما شاء الله أن يبلغ من حر الحديد والشمس، فلما كان من العشي أتاهم أبو جهل (١) ومعه حربة فجعل يشتمهم ويوبخهم، ثم أتى سمية فطعن بالحربة في فرجها فقتلها، فهي أول شهيد استشهد في الإسلام، قال: وقال الآخرون ما سألوهم (٢)، وقال في غير هذه الرواية: إلا بلال، فإنه هانت عليه نفسه، وجعلوا يعذبونه ويقول: أحد أحد، حتى مَلّوه، ثم كتفوه وجعلوا في عنقه حبلا من ليف ودفعوه إلى صبيانهم، فجعلوا يلعبون به بين أخشبي مكة (٣) حتى مَلّوه وتركوه (٤).

стр. 1285

فقال عمار: كلنا تكلم بالذي قالوا له، فلولا أن الله ﵎ تداركنا غير بلال، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه حتى ملوه فتركوه (١)، فقيل: نزلت هذه الآية في هؤلاء، وقيل: في أمثالهم، وكل ذلك سواء، وقد رأى النبي ﷺ عمارا يبكي من قِيْلِه فطيب نفسه وقال: (إن عادوا فعد) (٢). وهذه الآية تدل على أنه ما أُكره الإنسان عليه من قول، فلم يقله عن اعتقاد فلا شيء عليه. فأما أن يُكْره على أن يَقتل أو يَزني أو ما أشبه ذلك من ظلم الإنسان، فلا يجوز له استعمال التقية في ذلك (٣)، والله أعلم. قال الله : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (٤).

стр. 1286

قال إسماعيل (١): نا حجاج (٢)، قال: نا صالح المزني (٣)، عن سليمان التَيْمي (٤)، عن أبي عثمان النَهْدِي (٥)، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ وقف على حمزة (٦) حين استشهد فنظر إليه، فنظر إلى منظر لم ينظر إلى شيء قط أوجع لقلبه منه، ونظر إليه قد مثل به فقال: (رحمة الله عليك، فإنك كنت ما علمتُ وصولا للرحم فعولا للخيرات، ولولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أفواج شتى، أما والله مع ذلك لأمثلن بسبعين منهم مكانك) قال فنزل جبريل والنبي ﷺ واقف معه بخواتيم سورة النحل قال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ قال: فصبر النبي ﷺ وكفر عن يمينه وأمسك عما أراد من ذلك (٧). وقال عبد الرحمن بن زيد (٨) عن أبيه قال: أمر الله ﵎ رسوله ﷺ وأهل الإسلام أن يعفوا ويعرضوا (٩) عن أهل الشرك مدة مقامهم بمكة، في آيّ كثير، ذكرنا منها قوله سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١٠)

стр. 1287

وقال: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (٢) وقال تبارك اسمه: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (٣) وقال : ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ (٤) و ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٥) وقال ﵎: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ (٦). قال القاضي: فأمر الله رسوله ﷺ بهذا وأمثاله في تلك السنين، فأسلم فيها رجال ونساء لهم ثروة ومنعة، فقالوا: يا رسول الله لو أذن الله ﵎ لنا انتصرنا من هؤلاء المشركين؛ فأنزل الله : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (٧) ثم أمر رسول الله ﷺ بالصبر، يقول: واصبر أنت يا محمد فلا تكن ممن ينتصر، ثم قال له: ﴿وَدَعْ صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (٨) فأمره بالعفو والمغفرة قبل الانتصار، وقال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٩) ثم قال سبحانه: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (١٠) ثم قال ـ عز من قائل ـ: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (١١) وقال : ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١٢) فلما قدم رسوله ﷺ المدينة أذن له في قتال المشركين وجهادهم والغلظة عليهم. وهذه السورة كلها مكية، وقد يجوز أن تكون هذه الآية وحدها نزلت في حمزة ﵀ وسائر قتلى أحد ﵏ ويجوز أن تكون على ما ذكر زيد بن أسلم، إذ كانت مكية، ويكون الله ﵎ أذكر بها نبيه ﷺ في قصة أحد، ولولا أن الإسناد فيه ما هو معلوم؛ لكانت رواية أبي هريرة أولى، ولكن كل ما خاطب الله ﵎ به نبيه ﷺ من هذه الآيات فمكي، فقد قال له بمكة: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (١٣) في آي كثير من هذا الجنس لم يذكرها زيد. والأقوى في هذا عندي: أن الله لا يأمر في المشركين ألا يعاقب بمثل ما عوقب به، ويأمر بالصبر عنهم، وقد أمره بقتالهم وقتلهم حيثما وجدوا والغلظة عليهم، ومهما كان من ذلك فليس نصا فيما يحتاج المسلمون إليه من أحكامهم؛ من القصاص، والديات، والعفو لمن أراده ورغب في ثوابه، والله أعلم.

стр. 1288

سورة بني إسرائيل (١). قال الله ﵎: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (٢). حدثنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأدفوي قال: أخبرنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي، قراءة عليه في منزله بمصر، عام إحدى (٣) وأربعين وثلاثمائة وأنا أسمع قيل: قلت رضي الله عنك قرئ: (أَمَّرْنا) (٤) ومعناه أظهرنا (٥). وقرئ: (أَمَرْنا) (٦) من الأمر. وقرئ (٧) (آمَرْنا) (٨) جعلنا فيها رؤساء وأكثرنا مستكبريها. وكل قراءة من هذه فعن القراء والتابعين. فأما من قرأ: (أَمَرْنا) من الأمر فإنه فسرها: أمرناهم بالطاعة ففسقوا فيها، وهي التي عليها أكثر القراء، وهي أمرنا خفيفة، ويحتمل أمرنا بالطاعة فعصوا، ويحتمل ـ أيضاً ـ أكثرنا. قال أبو عمر الجَرْمي (٩): هذا باب ما يجتمع فيه فعلت وأفعلت.

стр. 1289

وقال أبو زيد يونس (١) ورواه عن العرب، وقرأ به الأصمعي (٢)، وقال: نضّر الله وجهه وأنضر الله وجهك. ويقال: سلكته وأسلكته، وتقول العرب: أَمِرَ ماله إذا كثر، وهو مال آمِرٌ، ويقولون: أَمَرَ الله بأَمْرِه أَمْرا يريدون أكثره. قال أبو عبيدة (٣): وهو مال مَأْمُور أي كثير، وتقول العرب: خير المال نخلة مَأْبُورة، أو مُهْرَة مَأْمُورة (٤). قال أبو عمرو بن العلاء (٥): مُهْرَة مَأْمُورة كثيرة النسل، وقال: تقول العرب: هذا مال مُؤَمَر.

стр. 1290

وإذا لم يكن في المصحف إلا ألف واحدة كانت القراءة الموافقة لها أولى (١) وهي أيضا أصح في المعنى (٢) فيكون أَمَرْنا خفيفة، فإن كانت أمرناهم بالطاعة فذاك، وإن كانت على ما تعرفه العرب بلسانها كثرنا فحسن أيضا؛ لأنه ليس يكاد يهلك الناس إلا بفساد عامتهم؛ لأن النبي ﷺ قيل له: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم، إذا كثر الخبث) (٣). قال الله : ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ (٤) قرأها أهل الحجاز وأهل العراق: (من الذُل) بالضم، وكسر قوم (٥)، وجميعا لغتان في القرآن، قال الله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ (٦) وقال: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ (٧).

стр. 1291

وقال المفسرون أقاويل ترجع بالمعاني إلى شيء واحد، فمنهم من قال: إذا بلغا من الكبر ما يرجعا به إلى أرذل العمر، فوليت منهما ما كان يليانه منك (١). ومنهم من قال: لا تخالفهما في شيء يريدانه (٢)، وما أشبه ذلك. والذي يجب لهما عليه الطاعة فيما لم يدخله معصية لله، وألا يعصيهما ولا ينهرهما وإن أخطآ، ولا يرفع صوته عليهما، ويحسن برهما وخدمتهما حسب ما خدماه في صغره، ويجتهد في الزيادة على ذلك. قال الله : ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (٣). التبذير إنفاق المال في غير رضى الله، ولا فيما يلزم الإنسان في نفسه وأهله وما يَعْرُوه (٤)، فإذا أنفقه في غير ذلك صار في معاصي الله، ألا تراه قال: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ (٥) فلا ينبغي لأحد أن ينفق ما أعطاه الله إلا فيما لا يسخطه. نسأل الله التوفيق برحمته.

стр. 1292

قال الله : ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا (١) مَيْسُورًا﴾ (٢). معناها: إذا أتاك السائل وليس يمكنك إعطاؤه، فلا تعرض عنه وتجفوه، ولكن قل: يأتي الله برزق ونواسك، وقولاً حسناً ليناً سهلاً. وهذه الآية ليست في الوالدين، إنما هي فيمن جاء يسأل من أقارب أو ضعفاء، أُمر أن يردهم ردا يرجونه بعده، هذه معاني ما قاله مفسروها (٣). قال الله ﵎: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (٤). المعنى فيها ألا يمنع النفقة فيما يلزمه أو فيما يرجو ثوابه، ولا تبسطها فيما لا يلزمه ولا يرجو ثوابه. وقد أدب الله عباده فيما رزقهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ (٥) فالنفقة في طاعة الله وفيما أوجب الله لا تورث حسرة ولوما، وفي غير طاعة الله تورث لوماً من الناس وحسرة في الدنيا والآخرة.

стр. 1293

قال الله : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ (١). قال ابن عباس ﵁: كل سلطان في القرآن فهو حجة (٢)، أرأيت الهدهد كان له سلطان، فالسلطان في هذه الآية الحجة والمقال في أخذ حقه إما القود، أو الدية إن بذلت له، أو العفو إن أراده ورغب في ثوابه، فهذا الذي جعله الله للولي أيّ ذلك شاء فعل. وأما قوله: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ لا يقتل غير قاتل وليه؛ لأن العرب كانت إذا قُتِل من القبيل رجلٌ قتل وليُّه كلَّ من لقي من تلك القبيلة التي منها القاتل، فله أن يقتل القَتَلة من كانوا ولا يتعداهم إلى غيرهم، ولا يقتل إلا القِتْلَة التي قتل مولاه بها، إذا كانت مما يَقْتُل لا محالة ولا تُخْلِف، فإذا كانت مما تُخْلِف ـ ولا تؤدي إلى القتل على كل حال، وكان يحتاج إلى إعادة مثل الفعل ومثله ومثله، فهذه زيادة نُهِي عنها وتعذيب لا يجوز فعله ـ كان السيف أَوْخَى (٣) وأولى أن يؤخذ به الحق، والله أعلم. وقوله: ﴿لِوَلِيِّهِ﴾ قد يكون واحد ويكون جماعة ويكون رجال كثير، وإنما قال: ﴿لِوَلِيِّهِ﴾ يشار إلى الجنس كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٤) جاء اللفظ بمعنى الواحد إذ الجنس (٥)، ونظائر هذا كثير. والولي إنما يكون وليا لغيره، فيتعدى للمرأة من هذا الاسم، والولي لا بد أن يكون واحدا فأكثر، فإذا كان الولي رجلا استحق الولاية كلها، ولو جاز أن تكون المرأة وليا لما استحقت الولاية كلها، وتصير في المعنى كأنها بعض ولي. فإن قيل: قد يمكن أن تضم إلى غيرها، كما يكون البنون وإن كثروا أولياء، وكذلك الإخوة. قيل: وإنما صار البنون أولياء والإخوة كذلك؛ لاستواء أحوالهم، وكذلك بنو العم إذا استووا في القُعْدُد (٦) والمرأة إذا ضمت إلى أخ أو عم أو ابن عم لم تستو حالها وحاله، وكان لها من الميراث بقدر استحقاق النساء، ولو كان لأبيها مولى لكان الولاء لأخيها ولعمها وابن عمها دونها، فذلك كله يدل على أن (٧) المرأة لا تسمى وليا، وقد قال الله سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٨). وإنما جعل الله في القصاص حياة ليكف بعضهم عن بعض (٩)، وكان المقصود بكثرة القتل الرجال دون النساء ـ وإن كان قد يكون في النساء نادر، فيحكم لها ولوليها

стр. 1294

بحكم الآية ـ كان الرجال في العبرة أولى بطلب الدم من النساء؛ ليكون لهم في ذلك الحياة التي جعلها الله، ولئلا يُجْتَرأ عليهم بالقتل. وأما النساء فليس يقتلن على الضواحل (١) والإحن (٢) التي تكون بين الناس، ولو فعل ذلك فاعل لَعُير به، وإنما يكون ذلك في الرجال، ولو كانوا (٣) إذا قتلت امرأة رجلا أنف ولده من قتلها به، هذا مروان بن الحكم (٤) قتلته أم خالد بنت سهيل بن عمرو (٥) وكانت زوجته بكلمة قالها لابنها، فأراد عبد الملك (٦) قتلها فقالت: والله لئن قتلتني لتعيرن بذلك فيقال: يا ابن قتيل المرأة، فتركها ولم يقتلها خوفاً من العار. فإن قال قائل (٧): فلم إذا عفا أحد الأولياء أو قبلت الدية وصار الدم إلى المال وجب دخول المرأة فيه؟ قيل له: لأن الدم انتقل بالصلح إلى المال وزال القصاص الذي جعله الله حياة، فكل مال يؤخذ بسبب المقتول فحكمه حكم الميراث، ألا ترى أن المقتول لو عفا قبل خروج روحه عن القاتل ـ إذ كان أولى بدمه ـ لجاز عفوه، ولم يكن للورثة فيه مقال؛ لأن الدم لم يكن مالا فلا يَجُزْ للميت منه إلا الثلث كما يكون ذلك في دية الخطأ يكون مالا قد ملكه الميت ووُرِثَ عنه. وقال مالك ﵁: متى كان ورثة المقتول بنون وبنات، فعفا البنات لم يجز عفوهن، وكان للذكور القتل، وإذا عفا البنون أو واحد منهم جاز، فإذا انتقل بعفو وَاحِدٍ إلى المال، كان الرجال والنساء فيه على قدر مواريثهم، وقضى منه دينا إن كان على الميت (٨). قال الله تبارك اسمه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (٩). التي هي أحسن التجارة له والاسْتِنْمَاء له في ماله، ولا يتجر في ماله إلا له، ولا يستقرض منه. ويدخل في ذلك أيضا إذا كان القيام بماله يشغله عن التصرف أن يأكل بالمعروف وعياله ذلك يدخل في التي هي أحسن.

стр. 1295

وأما قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ فهو الحلم الذي قال الله: ﴿إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (١) فالابتلاء بعد البلوغ، والرشد يعرف حينئذ، فيدفع إليه ماله إذا بلغ أشده وهو الحلم: الإنزال، والإنبات، أو السن التي يكون بها البلوغ، وقد قال الله في قصة موسى ﵇: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ (٢) قيل: أربعين سنة (٣)، وقال في قصة يوسف ﵇: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (٤) وهذا فمعناه: لما بلغ الحلم؛ لأن المرأة أرادته عند بلوغ النكاح، وأمر اليتيم بأمر يوسف أشبه، ويكون أَشُدٌ دون أَشُدٍ، وقال سيبويه (٥): (٦) واحد الأَشُد شِدّة، ونظير ذلك نِعْمَة وأَنْعُم. قال الله تبارك اسمه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (٧) دلوك الشمس ميلها وهو زوالها عن البرج الذي تعلو إليه في كل يوم، فإذا زالت إلى الانحطاط والنزول وجبت صلاة الظهر، وكان أول وقتها.

стр. 1296

قال جابر (١): نظر النبي ﷺ إلى السماء فإذا الشمس قد دلكت (٢) فقال: (الصلاة يا أبا بكر) (٣) يعني صلاة الظهر. وقال جماعة من الصحابة والتابعين ذلك، وأنه لِصَلاة الظهر (٤). وقال ابن مسعود ﵁: دلوك الشمس مغيبها وأنها صلاة المغرب (٥). واللغة تحتمل القولين جميعا، ولكنها أشبه بالزوال من المغيب؛ لأنه قال: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ فيدخل في ذلك مع الظهر العصر والمغرب؛ لأن غسق الليل عشاء الآخرة، وهو اجتماع الليل وظلمته، ودل على صحة ذلك أيضاً أنه قيل: ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ﴾ فكان أمراً بالصلوات الخمس كلها بهذه الآية.

стр. 1297

وقوله : ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ قيل غسق الليل: اجتماع الليل وظلمته (١). وقيل: حين تغيب الشمس (٢). وقيل: مغيب الشفق (٣). وقيل: انتصاف الليل (٤). وأصح ذلك أن يكون أُريد صلاة عشاء الآخرة؛ لأن ذلك أعم الصلوات كلِّها، ويكون أول الغسق مغيب الشفق إلى نصف الليل؛ لقول النبي ﷺ في فضل تأخير صلاة عشاء الآخرة (٥)، والله أعلم. وقوله عز من قائل: ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٦).

стр. 1298

قال الأعمش عن أبي صالح (١) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : (تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار) (٢) وقاله جماعة من الصحابة والمفسرين (٣)، وهي صلاة الصبح، كذلك قالت الجماعة بغير اختلاف فيه. وقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ (٤). قيل في أوقات التهجد من الليل أقوال، فالصحيح: أن التهجد كل صلاة صليت بعد عشاء الآخرة، في أول الليل كانت، أو في وسطه، أو آخره، وإن كان آخره أجر القيام المرء من نومه (٥)، وإسباغ الوضوء في الحر والبرد، وتحري الوقت الذي ينادى فيه: هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه (٦). فأما قوله : ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ وقد كانت صلاة الليل مفروضة عليه ﷺ دوننا، فله ثوابها كثواب الفروض، وقوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ لأنها لا تكفر عنه ذنبا كما

стр. 1299

تكفر عن غيره، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فَعَلَ به ذلك من غير ذنب، فكل أعماله درجات له غير مقابل بها ذنوب تُكَفر. والتهجد عند أهل اللغة: السهر للصلاة أو لذكر الله، والهجود: النوم، والغنيمة تسمى نافلة والتطوع تسمى نافلة، ألا ترى يقال: تنفل رسول الله ﷺ (١) سيفه ذا الفقار (٢)، قال الشاعر (٣): إنّ تقوى ربنا خيرُ نَفْلِ. يعني: خير غنيمة، فتهجد النبي ﷺ نفل غنيمة له، وتهجدنا تطوع يُكَفَرُ به عنا، وكان علينا مفروضا فنسخ عنا وبقي عليه ﷺ . قال الله ﵎: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (٤). قيل: إن قريشا كانت تستمع قراءة رسول الله ﷺ فيسبون القرآن فأُمِرَ بذلك، روي ذلك عن ابن عباس ﵁ (٥). وقيل: إن أبا بكر كان يخافت في صلاة الليل، وعمر يجهر، فأُمر أبو بكر أن

стр. 1300

يرفع قليلا، وأُمر عمر أن يخفض قليلا (١). وقالت عائشة وجماعة من المفسرين: إنما ذلك في الدعاء والمسألة (٢)، والدعاء يسمى صلاة. قال الله ﵎ ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (٣) أي: ادع لهم، فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى (٤). وأي ذلك كان فغير ممتنع أن يكون في الآخر، فينبغي في صلاة الليل أن يقرأ حسب ما أمر الله بين الجهر والمخافتة، يُسْمع نفسه ويُفهمها، وفي الدعاء كذلك.
следующие страницы →