← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151196

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية

بكر بن العلاء

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

قال جابر (١): نظر النبي ﷺ إلى السماء فإذا الشمس قد دلكت (٢) فقال: (الصلاة يا أبا بكر) (٣) يعني صلاة الظهر. وقال جماعة من الصحابة والتابعين ذلك، وأنه لِصَلاة الظهر (٤). وقال ابن مسعود ﵁: دلوك الشمس مغيبها وأنها صلاة المغرب (٥). واللغة تحتمل القولين جميعا، ولكنها أشبه بالزوال من المغيب؛ لأنه قال: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ فيدخل في ذلك مع الظهر العصر والمغرب؛ لأن غسق الليل عشاء الآخرة، وهو اجتماع الليل وظلمته، ودل على صحة ذلك أيضاً أنه قيل: ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ﴾ فكان أمراً بالصلوات الخمس كلها بهذه الآية.

стр. 1297

وقوله : ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ قيل غسق الليل: اجتماع الليل وظلمته (١). وقيل: حين تغيب الشمس (٢). وقيل: مغيب الشفق (٣). وقيل: انتصاف الليل (٤). وأصح ذلك أن يكون أُريد صلاة عشاء الآخرة؛ لأن ذلك أعم الصلوات كلِّها، ويكون أول الغسق مغيب الشفق إلى نصف الليل؛ لقول النبي ﷺ في فضل تأخير صلاة عشاء الآخرة (٥)، والله أعلم. وقوله عز من قائل: ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٦).

стр. 1298

قال الأعمش عن أبي صالح (١) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : (تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار) (٢) وقاله جماعة من الصحابة والمفسرين (٣)، وهي صلاة الصبح، كذلك قالت الجماعة بغير اختلاف فيه. وقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ (٤). قيل في أوقات التهجد من الليل أقوال، فالصحيح: أن التهجد كل صلاة صليت بعد عشاء الآخرة، في أول الليل كانت، أو في وسطه، أو آخره، وإن كان آخره أجر القيام المرء من نومه (٥)، وإسباغ الوضوء في الحر والبرد، وتحري الوقت الذي ينادى فيه: هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه (٦). فأما قوله : ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ وقد كانت صلاة الليل مفروضة عليه ﷺ دوننا، فله ثوابها كثواب الفروض، وقوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ لأنها لا تكفر عنه ذنبا كما

стр. 1299

تكفر عن غيره، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فَعَلَ به ذلك من غير ذنب، فكل أعماله درجات له غير مقابل بها ذنوب تُكَفر. والتهجد عند أهل اللغة: السهر للصلاة أو لذكر الله، والهجود: النوم، والغنيمة تسمى نافلة والتطوع تسمى نافلة، ألا ترى يقال: تنفل رسول الله ﷺ (١) سيفه ذا الفقار (٢)، قال الشاعر (٣): إنّ تقوى ربنا خيرُ نَفْلِ. يعني: خير غنيمة، فتهجد النبي ﷺ نفل غنيمة له، وتهجدنا تطوع يُكَفَرُ به عنا، وكان علينا مفروضا فنسخ عنا وبقي عليه ﷺ . قال الله ﵎: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (٤). قيل: إن قريشا كانت تستمع قراءة رسول الله ﷺ فيسبون القرآن فأُمِرَ بذلك، روي ذلك عن ابن عباس ﵁ (٥). وقيل: إن أبا بكر كان يخافت في صلاة الليل، وعمر يجهر، فأُمر أبو بكر أن

стр. 1300

يرفع قليلا، وأُمر عمر أن يخفض قليلا (١). وقالت عائشة وجماعة من المفسرين: إنما ذلك في الدعاء والمسألة (٢)، والدعاء يسمى صلاة. قال الله ﵎ ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (٣) أي: ادع لهم، فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى (٤). وأي ذلك كان فغير ممتنع أن يكون في الآخر، فينبغي في صلاة الليل أن يقرأ حسب ما أمر الله بين الجهر والمخافتة، يُسْمع نفسه ويُفهمها، وفي الدعاء كذلك.

стр. 1301

ومن سورة الكهف . قال الله : ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (١). قال بعض المفسرين: أيّ وقتٍ ذَكَرَ استثنى ولو بعد سنين (٢). وقال بعضهم: بعد أربعة أشهر (٣). وقال بعضهم: ما لم يقم من مقعده ذلك (٤). وقال آخرون: ما لم يقطع كلامه، ما كان الاستثناء متصلا باليمين (٥). وقيل: إن ذلك إنما نزل لما وعد (٦) الله اليهود، عندما سألوه عن ذي القرنين، وعن خبر صاحب موسى، وعن الروح، فقال: غدا أخبركم، فتأخر الوحي عنه خمسة عشر يوما، ثم أتاه جبريل ﵇ بالجواب (٧)، وعُلِّم أن يقول: إن شاء الله؛ لأنه لم يكن استثناها، فإنما الاستثناء في الأيمان فإنما يكون متصلا بالكلام. فأما قول من قال: أربعة أشهر؛ فلا يُعرف وجهه (٨). وأما قول من قال: أي وقت ذكر ولو بعد سنين؛ فهذا قول يبطل حكم آية محكمة وليس إلى ذلك من سبيل، قال الله : ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (٩) الآية، وقال: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (١٠) فلو كان يستثني أي وقت ذكر لم يكن للكفارة موضع، وكان قول النبي ﷺ : (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها) (١١) قال إن شاء الله وسقطت عنه، ولم يقل له: (وكفر عن يمينك وأت الذي هو خير) وإنما أُتي قائلوا هذه المقالة من أنهم جعلوا ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (١٢) متصلا بالكلام الأول، وليس كذلك؛ وإنما قيل: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أي إذا نسيت مرة فلا تنس في كل وقت، ويجوز: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ فحلَفْتَ، بأن (١٣) تَرجعَ إلى الذي هو خير، كما عَلّم النبي ﷺ ، ويكفر إذا نسي أن يستثني، وهذه المعاني لا تدفعها آية الكفارة، ولا هي دافعة لها أيضا، إذ القرآن يصدق بعضه بعضا. وقال بعض المفسرين: إن هذا منفصل من الآية، وإنه مخاطبة لسائر الناس، فقال عكرمة: إذا عصيت فافزع إلى الله عند السهر (١٤)

стр. 1302

أو الغفلة (١). فإنما افترق الاستثناء في اليمين إذا كان متصلا أو غير متصل، أن الحالف إذا وصل يمينه بالاستثناء كان قد نواه وسقطت الكفارة؛ لأن اليمين لم تستقر حتى قارنها الاستثناء، وإذا انفصل من اليمين كان حكم اليمين قد استقر وصارت في حيز: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (٢) فلما ثبت الحكم لها بالكفارة وحفظها لم تَزُل، والله أعلم. قال الله ﵎: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (٣). سأل ابن الكَوَاء (٤) عنها عليا، فقال: هم أهل حَروْرَاء (٥) وأهل النَّهْروان (٦)،

стр. 1303

وزاد أبو الصهماء (١) فيه: أنت وأصحابك (٢). وروي عنهم: أنهم الرهبان في الصوامع (٣). وقال سعد (٤): هم اليهود والنصارى، والخوارج (٥) زاغوا فأزاغ الله قلوبهم (٦). هذا ما رُوي عن علي وسعد رحمهما الله، والأقوى أن يكونوا أهل الكتاب والمجتهدون منهم؛ لأنه قيل في إثر الكلام: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ (٧) ولا ندفع أن يدخل الخوارج من الصُفْرية (٨) والإباضية (٩) والأزارقة (١٠) والحرورية (١١)

стр. 1304

والرافضة (١) في معانيهم؛ لأن النبي ﷺ سماهم كلاب النار (٢) ومَثَّلَهم فقال: (يقرؤون القرآن لا يجاوز تَرَاقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَمِيّة، تنظر النصل فلا ترى شيئا، ثم تنظر في القِدْح فلا ترى شيئا، ثم تنظر في الرَّيْش فلا ترى شيئا، ثم تتمارى في الفَوْق) (٣) فذكر ﵇ أن الذي يبقى معهم من الإيمان موضع الوتر من النُّشَابة (٤).

стр. 1305

قال الله ﵎: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (١). من كان يرجو ثواب ربه. وقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ لا يرائي ويحب أن يُعْلم بأعماله البر، وهذا إنما هو في التطوع، فمن فعل ذلك فإنما يتطوع به، فقد سلب الأجر ولم يكن

стр. 1306

عليه وزر (١)، وأما الفرائض فليس فيها رياء لتساوي الناس فيها، وإن كان فهو خاطر، وعلى الناس إظهارها (٢)،

стр. 1307

وسمعت سهل بن عبد الله العابد (١) يقول: الرياء في أهل القدر (٢)؛ لأنهم يعتقدون أعمالهم من أنفسهم واستطاعتهم، فأما أهل السنة فيعتقدون في أعمال البر كلها أنها مَنٌّ (٣) من الله (٤) عليهم ولولا ذلك ما قدروا عليها، فليس يكون الرياء فيهم إلا خاطرا يبطل ما يعتقدونه (٥)، والله العالم بذلك.

стр. 1308

سورة مريم ﵍ . قال الله ﵎: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ (١). معناها الدعاء ولا يرفع الصوت به، يكون بخضوع وخشوع. قال الله تبارك اسمه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (٢). هذه الآية تنفي أن يكون الولد عبدا، فإذا مَلَك ولده بشراء أو بإرث أو هبة أو بأي وجه مَلَكَه، عَتُقَ عليه من غير أن يُعِتقَه، لتنافي ذلك وأنه لا يجوز أن يكون عَبْدُه وَلَدَه، والله أعلم.

стр. 1309

سورة طه . ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ (١). قال رسول الله ﷺ : (كانت نعلا موسى من جلد حمار غير ذكي) (٢). وقيل: حمار ميت (٣)، فلذلك أمر بنزعهما، وأقرب ما يكون العبد إلى الله إذا كان في الصلاة، وكان رسول الله ﷺ يصلي في نعليه ولا ينزعهما، وكذلك فعل في

стр. 1310

المسجد الحرام وفي مسجده، وهما أجل بقاع الأرض وأعلاها قدرا (١)، هذا المعمول عليه (٢). قال الله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٣) قال النبي ﷺ : (من نسي صلاة فليصَليْهَا إذا ذكرها) (٤) أخبرنا أحمد بن موسى السامي، عن القَعْنَبي (٥)، عن مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن

стр. 1311

النبي ﷺ (١). ونا البُرْنَكَاني (٢) قال: حدثنا أبو داود (٣) قال: حدثنا عبد الله بن جعفر يحي البرمكي (٤) قال: حدثنا مَعْن بن عيسى (٥) قال حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ (٦). وحدثنا جعفر بن الليث ومحمد بن يحيى بن حبان (٧) قالا: حدثنا أبو الوليد (٨)

стр. 1312

قال: حدثنا همام (١) عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ ـ وقال فيه ـ: (لا كفارة لها إلا ذلك) (٢) وهذا معنى هذه الآية: أن من نسي صلاة أو نام عنها فليصليها حين يذكرها فذلك وقتها، وبالله التوفيق.

стр. 1313

ومن سورة الأنبياء ﵈ . قال الله ﵎: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ إلى قوله: ﴿حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (١). قال أبو حنيفة (٢) وصاحباه: ليس في هذه الآية ضمان، وإنما هذا حكم في أمة قبلنا، فأما الحكم في هذه الأمة فما جاء عن النبي ﷺ : (العجماء جُبَار) (٣) فأخطأوا ما أُريد بالعجماء، لأن النبي ﷺ قال: (العجماء جرحها جُبَار، والمعدن جُبَار) وفي بعض الحديث: (العجماء الرِجْل جُبَار) (٤) أي: إذا أصابت الدابة برجلها (٥) فعلم أن ذلك بعضه من بعض، وليس الحرث وإفساده من هذا الباب في شيء، لأن الحرث كل

стр. 1314

مزروع ومغروس، فلا يمكن أربابه حفظه وحراسته من الأنعام والمواشي والدواب بالليل والنهار، ولا بد لأربابها من أن يسرحها بالنهار، ولا يمكنهم ضبطها، فإذا جاء الليل ضموها إلى مُراحاتها (١) فأمكنهم حفظها، فجعل على أهل المواشي حفظها بالليل، وعلى أصحاب الحرث حفظها بالنهار، وهذه الآية هي الأصل في ذلك، وحكم به رسول الله ﷺ ، فليس لأحد مخالفة الكتاب والسنة، رواه مالك وابن عيينة (٢) وغيرهما عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وحرام بن سعد بن محيصة (٣): أن ناقة للبراء بن عازب (٤) دخلت حائط قوم فأفسدت (فقضى رسول الله ﷺ أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأن على أهل المواشي ما أصابت بالليل) (٥).

стр. 1315

وقال شريح ومسروق (١) والشعبي وعطاء ومجاهد، بمثل ما قال مالك، من إلزام أرباب المواشي ما أفسدت بالليل (٢)، ولا أعلم أحدا ممن تكلم في هذه الآية قال ما قاله أبو حنيفة وتشبيهه بالعجماء، والعجماء الدابة. نا أحمد بن موسى قال: نا القعنبي قال: حدثنا مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (العجماء جُبَار والبئر جُبَار والمعدن جُبَار وفي الركاز الخمس) (٣) وطرق هذا الحديث كثيرة، وقال فيه سفيان بن حسين (٤)، عن الزهري بإسناده: (والرِجْل جُبَار) (٥) فهذا إنما أريد به ما جنت العجماء، مما لا صنع فيه للراكب، ألا ترى أن الراكب لو عنف، أو فعل فعلا وقعت منه جناية؛ لكان ضامنا، ولذلك ذكر القائد والسائق، ولم تختلف الرواية أن سليمان صلى الله عليه ضَمّنَ، وقد قال الله ﵎: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٦) ولا اختلفت الرواية أن النبي ﷺ ضَمّنَ أرباب المواشي ما فعلته بالليل. قال بكر: ورأيت أبا حنيفة يفعل في الحديث ما يفعله أهل الكلام، فيجعل بعضها معارضا لبعض، قد فعل هذا في غير شيء فمن ذلك: هذه القصة، فإنه لو هدي لرشده، لكان جرح العجماء في الدابة وفعلها في الطريق تحت راكبها، وحَكم في المواشي بالليل بما حكم به رسول الله ﷺ ، إذ وجد لكل حديث معنى غير الآخر وقدر على العمل بهما. وكذلك قال في قوله ﷺ : (من باع نخلا قد أُبِّرت فثمرها للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع) (٧) وقوله ﷺ : (نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه) (٨) فجَعَلَ الخبرين متعارضين، وليس كما ظن، إنما نهي عن بيع التمر منفردا؛ لأنهما قصدا إلى الغرر ما لم يبد الصلاح، إذ لا منفعة للمشتري فيه، فإذا بدا صلاحه قارن الغرر والترفق (٩) (١٠) وإذا بيع مع النخل فإنما هو بيع لغيره، والمقصود غيره، ولم يعمد المتبايعان الغرر، وإنما نهي عن الغرر المقصود.

стр. 1316

وكذا قال وأصحابه في الإشعار (١) إنه معارض لنهيه عن المُثْلَة (٢)، وإنما نُهِيَ عن المُثْلَة في بني آدم، وعن المُثْلَة في البهائم التي كانت العرب تفعله بها، من البَحْر والصَرْم (٣) وما أشبه ذلك، فأما ما وجب لله ولا بد من نحره، فلم يُنْه عن سِمَتِه، وقد فعله ﷺ في حجة الوداع وهي آخر أفعاله (٤)، ولا أحسب ذا دين يدع فعل رسول ﷺ لقول أبي حنيفة.

стр. 1317

وقال أيضا في بيع العرايا بخرصها: إنه معارض للنهي عن المزابنة (١)، وهو رجل لا يعرف العرايا ولا هي ببلده، وأصل العرية: أن يعري، وهو أن يهب الرجلُ رجلا نخلات من حائطه دون خمسة أوسق، فيريد المعري أن يبقيه تمرا لعياله، فأجيز لواهبه أن يشتريه بخرصها تمراً إذ كان أصله معروفا، فلم يضيق عليه كما ضيق على غيره، وحصل أنه نقل الهبة إلى هبة غيرها (٢)، وهذه الأشياء فأبو حنيفة عزبت (٣) فيها.

стр. 1318

ومن سورة الحج . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ إلى: ﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ (١). خلق الله تعالى آدم ﷺ من تراب، وإنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض، من ماء وطين (٢)، ومن طين لازب، ثم استخرج ذريته كل فريق من تربتهم الذي خلقهم منها، وفيها يدفنون يرجعون إلى التربة التي خلقوا منها. وأما قوله عز من قائل: ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ فالنطفة إذا وقع العلوق مكثت أربعين يوما، ثم علقة أربعين يوما، ثم مضغة أربعين مخلقة وغير مخلقة، ثم ينشئه الله خلقا آخر، ويأتي الملك فيكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد، كذلك رواه الأعمش عن زيد بن وهب (٣) عن عبد الله (٤)، ورواه

стр. 1319

أبو وائل (١) والشعبي وجماعة (٢). والنطفة إذا لم يُرِدِ الله ﵎ منها خلقا، بطلت في الرحم كما تبطل في الأرض، وإذا أراد الله منها خلقا كانت كما ذكر زيد بن وهب. وقد اخْتُلِف فيها إذا لم يتم الخلق (٣): فقال قوم: لا تصير أم ولد بذلك (٤). وقال مالك ﵁: تكون أم ولد بالمضغة التي يعلم بأنها مضغة، واحتج بقول الله : ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ وقال في المعتدة إذا أسقطت: إنها تكون بذلك خارجة من العدة كانت مخلقة أو غير مخلقة، إذا عُلم أنه من أوائل الحمل وهو المضغة، فأما النطفة والعلقة فهي دم، فليس ذلك براءة، وكذلك قال في أم الولد: إنها تعتق بما تخرج به الحرة من العدة إذا مات سيدها (٥).

стр. 1320

وقد عارضنا قوم فقالوا: فإن (١) ألقت نطفة؟ فقلنا: قال: النبي ﷺ وقد سئل عن العزل: (ليس كل وطء يكون منه الحمل) (٢) وقد نرى ذلك ونعلمه، والإنسان يطأ الوطء الكبير فلا يرزق الولد، والنطفة إذا لم يرد الله ﵎ أن يخلق منها أبطلها. فأما إذا تبين من الخلق شيء وإن قَلّ، فهذا يُكَفن ويُغَسل، إذا تبين الرأس إلى عجب الذنب وإن لم يتم الخلق، وهذا قول مالك (٣)، والحجة فيه القرآن وقوله : ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ (٤) فأخبرنا عز وعلا أن غير المخلقة لها حكم المخلقة في أن يُحْكم لأمه بحكم أم الولد (٥)، وكذلك ما جُعِلَ في إمْلاص (٦) المرأة، غرة عبد أو أمة (٧) إذا تبين بعض الخلق، والله أعلم.

стр. 1321

قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١). قال ابن عباس وابن عمر: سواء العاكف فيه والباد في المسجد الحرام (٢). وقال جماعة من المفسرين مثل ذلك (٣). وأما العاكف: فهم أهل مكة، وأما البادي: فهم أهل البادية ومن سلكها من أهل القرى وسائر الأمصار. وقال آخرون: الناس في رباع مكة سواء من احتاج سكن، وروي ذلك من طرق الشيوخ: (أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر ـ رحمة الله عليهما ـ قُبِضُوا وما تدعى رباع مكة إلا السوائب (٤)، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن) (٥) وروى عبيد الله (٦) عن نافع (٧) عن ابن عمر: أن عمر كان نهى أن تغلق دور مكة في زمان الحاج، وأن الناس كانوا ينزلون منها حيثما وجدوه فارغا، حتى كانوا يضطربون البساط في جوف الدور (٨). وقال ابن عباس: إن عمر ﵁ جعل أسفل الوادي وأعلاه مناخا للحاج، وجعل جِيَاد (٩) وقُعَيْقِعَان (١٠) للمريحين (١١) ومذاهب الناس (١٢). وقال عكرمة وسئل عن كراء منازل مكة: لا بأس بذلك، قد اشترى عمر ابن الخطاب ﵁ بأربعة آلاف جعلها سجنا (١٣). وقال عطاء: كانوا يكرهون أجرة الدور بمكة (١٤).

стр. 1322

وروى الأسود (١): أن عائشة كانت تنزل بالأَبْطَح (٢) وتُدْعى إلى الدور فتأبى (٣). قال إسماعيل (٤): قد تأول قوم في بيوت مكة ما ذكرنا، والقرآن يوجب أنه المسجد الذي يكون فيه قضاء النسك وفضل الصلاة، قال الله ﵎: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٥) أي يصدون عن المسجد الحرام، وقال: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٦) وقال سبحانه: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٧) أي وعن المسجد الحرام، فدل ذلك كله على أنه المسجد الحرام، لتملك قريش عليه وادعائهم أنهم أربابه وولاته (٨) وأنهم يمنعون من أرادوا ظلما، فأعلم الله أن الناس كلهم فيه سواء، وأما المنازل فلم يزل لأهل مكة المنازل والدور، غير أن المواساة تجب إذا كانت الضرورة، ولعل عمر ﵀ فعل ذلك على طريق المواساة عند الحاجة، والله أعلم (٩). قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١٠). قال قوم في هذه الآية: أنّ الإلحاد فيه الشرك (١١). وقال آخرون: كل ظلم (١٢)، حتى كان عبد الله بن عمرو يتوقى معاتبة أحد بمكة حتى يخرج إلى الحل (١٣). وقال بعض المفسرين: فلو هَمَّ بظلم بمكة لأذاقه الله عذابا أليما (١٤). والمعروف في اللغة: أن كل من جَارَ أو مَالَ عن الحق إلى الباطل فقد ألحد (١٥)، واللحد في القبر مأخوذ من هذه الآية، أميل إلى شق القبر (١٦)، وقد ذكر الله

стр. 1323

في كتابه ما يدل على هذا، قال الله : ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ (١) وقال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (٢) وقد قريء: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ و ﴿يَلْحَدُونَ﴾ (٣). وأما قوله: ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ فهذه الباء تجعلها العرب صلة في الكلام، ويجعلون إثباتها وإسقاطها سواء، ومعنى إلحاد وبإلحاد واحد (٤) وكذلك ما، مثل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (٥) وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (٦) فيجعلون ما صلة في الكلام، ويجعلون إثباتها وإسقاطها سواء (٧).

стр. 1324

قال الله ﵎ ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ (١). قال ابن عباس ﵁ لما فرغ إبراهيم ﵇ من بناء البيت قيل له: أذن في الناس بالحج، قال: رب وما يبلغ صوتي! قال: أذن وعليّ البلاغ، قال: فنادى إبراهيم ﷺ : يا أيها الناس كتب الله عليكم الحج إلى البيت العتيق، قال: فسمعه ما بين السماء والأرض (٢). وقال سعيد بن جبير ومجاهد وغيرهما: قام إبراهيم ﵇ على المقام فأذن بالحج، فأجاب الناس والجن: بلبيك ربنا، فكل من حج البيت أو يحجه فهو مَنَ أَجَابَ يومئذ (٣)، والله أعلم. قال الله ﵎: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ (٤). قال ابن عباس ﵁: هم المشاة والركبان يأتون من كل فج عميق (٥). قال الزيادي (٦): المعمق الذاهب على وجه الأرض.

стр. 1325

قال المازني (١): يقال عميق ومعمق. وقال رؤبة (٢): وقَاتِم الأعْمَاقِ خَاوي المُخْتَرَقْ (٣) فالأعماق جمع عمق، والمعمق هاهنا الذاهب على وجه الأرض المخترق حيث صار خرقا، والخرق الفلاة تنخرق (٤) في الفلاة. وقال قتادة: من مكان بعيد (٥)، وقوله يشبه قول أبي إسحاق الزيادي (٦) أنه الموضع البعيد على وجه الأرض، وقال الشاعر: يقطعن بُعْدَ النازح العميق (٧) قال مجاهد: حج إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما مشاة (٨)، وقال: أهبط آدم ﷺ بالهند فحج البيت على قدميه أربعين حجة (٩). قال الله ﵎: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (١٠). قال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو رزين (١١): المنافع التجارة (١٢). وقال أبو جعفر محمد بن علي (١٣): المغفرة (١٤). وقول من قال: التجارة، فبعيد من القلب بعدا شديدا؛ لأنهم يصير المعنى أنهم يأتون من كل فج عميق ليتجروا لا لشيء سوى ذلك، ولو كان ذلك كذلك لذهب المعنى الذي أجابوا إليه حين دعاهم إبراهيم ﵇ في قوله عز من قائل: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١٥) فيصير الناس إنما أتوا لغير ما دعوا إليه، وهذا ما لم أكن أحب أن أذكره رواية عمن قدمت ذكره، ولكن كرهت أن يظن بي إغفالا، وإنما المعنى ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ شهود عرفة ومزدلفة ومنى وطواف الإفاضة، هذه هي المنافع التي يأتون ليشهدوها، ولينحروا ما كان معهم من الهدي، فهذه الأفعال كلها خالصة لله، وأرخص لهم بعد ذلك في التجارة حين تَوقَى الناس أن يتشاغلوا بها في الحج الذي قصدوا إليه لربهم، وأنزل عليهم: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١٦) فأرخص لهم في ذلك إذ لا يشغلهم عن أعمال الحج التي قصدوا لها، وقد كانت الجاهلية لا يستحلون التجارة في الحج، فإذا كانت التجارة هذا حكمها، فكيف يكون أن يقال في قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ أنها التجارة، والله أعلم (١٧) قال الله عز وعلا: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١٨).

стр. 1326

قد تكلمنا في هذه الآية في سورة البقرة، قوله سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (١) بما فيه كفاية إن شاء الله (٢). قال الله جل وعلا: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٣). قال الحسن: البائس الفقير الذي لا تغنيه اللقمة (٤). وقال مجاهد: الذي يمد إليك يده (٥). قال الله ﵎: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (٦). قال ابن عمر: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ ما عليهم من الحج، وأن يأخذ من شاربه وأظفاره (٧). وقال ابن عباس: التفث الحلق (٨) والتقصير والرمي والذبح وقص الشارب ونتف الإبط وقص الأظفار (٩). وحكى عنه عكرمة مجملا، قال: المناسك (١٠).

стр. 1327

وقال مجاهد: حلق الرأس وما ضارعه من تفث البدن (١). وقال الحسن: التفث حلق الرأس (٢). وقال محمد بن كعب: حلق الأشعار والأظفار (٣). قال بكر: والصحيح من ذلك حلق الرأس، إذ كان من شرائط الحج والعمرة، قال الله جل وعز: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٤) فالحلق والتقصير لا بد منهما، ألا ترى النبي ﷺ قال: (يرحم الله المحلقين ثلاثا، ثم قال: والمقصرين في الرابعة) (٥) فالتفث الذي في معنى الآية هو هذا، وما عداه من تقليم الأظفار ونتف الإبط وقص الشارب، وما أشبهه يدخل بالمعنى، لأنه تفث البدن، والله أعلم (٦). قال الله ﵎: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (٧). قال مجاهد: نَذْرُ الحج والهدي وما نَذَرَ الإنسان من شيء يكون في الحج (٨).

стр. 1328

قال إسماعيل (١): كل شيء واجب على الإنسان فهو يسمى نذرا، فكأنه قيل: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ما وجب عليهم من أمر الحج. قال بكر: والمعنى في هذه الآية ـ والله أعلم ـ أنه رمي الجمار، وجمرة العقبة خاصة إذ كانت بها يتحلل من الإحرام، وقد يجوز أن يدخل غيرها في معناها، والله أعلم. قال الله : ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢). هذا الطواف هو المفروض وهو طواف الإفاضة؛ لأنه يقع بعد الرجوع من عرفة وبعد رمي جمرة العقبة، وأهل العراق يسمونه طواف الزيارة، فهو الواجب في الحج الذي لا يجزئ الحج إلا به، فأما الطواف قبل عرفة فهو سنة، وإن فات بعذر مثل من يأتي وهو مُراهِق (٣) يخاف فوات عرفة، ومثل الحائض، فليس عليهم في ترك ذلك شيء، وأما طواف الإفاضة فهو الواجب الذي لا يجوز تركه، وقد أمر الله به وأكده، وقال النبي ﷺ في قصة صفية (٤): (حابستنا هي؟ قالوا: إنها قد أفاضت، قال: فلا إذا) (٥). قال الله ﵎: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (٦). قال مجاهد: الحرمة مكة والحج والعمرة وما نهى الله عنه من معاصيه كلها (٧). وقال زيد بن أسلم: الحرمات خمس: الكعبة، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والمُحْرِم حتى يحل (٨). قال الله عز وعلا: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ (٩). قال قتادة: الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه (١٠). وقال إسماعيل (١١): قال الله ﵎ (١٢): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (١٣) وقال الله ﵎: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ إلى ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ (١٤) وقال في سورة البقرة: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ (١٥) الآية، فأحسب ـ والله أعلم ـ هو ما يتلى عليهم. قال الله ﵎: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (١٦). رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: (عُدلت شهادة الزور بالإشراك بالله ـ ثلاث مرات ـ) (١٧) ثم تلا هذه الآية ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ (١٨). وروي عن ابن مسعود ﵁: عُدِلت شهادة الزور بالشرك، ثم قرأ الآية (١٩). قال بكر: والكذب كله زور، فأعلاه الإشراك بالله، ولعل الآية أُريد بها الكفر في هذا الموضع، ألا تراه قال ـ جل وعز ـ: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ (٢٠) وكل كذب وشهادة بغير حق فهو زور، والروايتان اللتان ذكرناهما عن النبي ﷺ وعن ابن

стр. 1329

مسعود روايات الشيوخ، لولا ذلك لم يجر الكلام في إثرهما لغير ما ذكر في الحديثين، والله أعلم، ويجوز أن يكون معنى الحديثين لا بالآية ولكن بالمعنى، والله أعلم. قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (١). شعائر الله هاهنا فرائض الحج وسننه، وتعظيمها واستحسانها من التقوى، فمن عرف ذلك من قلبه فقد آتاه الله تقواه، فليشكر الله على ما أعطاه. قال الله : ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الآية (٢). قال ابن عباس ﵁: لهم فيها منافع إلى أن تصير بُدْنا (٣). وقال مجاهد: ظهورها وألبانها وأصوافها (٤). وقال عطاء: ظهورها وألبانها وأصوافها (٥)، وقال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ إلى مكة، والأسانيد عنهم ليست بالقوية، وقد رأى النبي ﷺ رجلا يسوق بدنة قال: (اركبها. قال: إنها بدنة. قال: اركبها ـ ثلاثا ـ) (٦).

стр. 1330

وقول من قال: إنه ينتفع بها إلى أن تصير بدنة، فهذا ليس بأجل مسمى؛ لأن المسمى معلوم وقته، والبدن قبل الإيجاب لا تسمى بدنة، فكيف يقال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ أنها البدن ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وإنما هي إبل ليس فيها إيجاب، ولا تكون بدنا حتى توجب، وإنما البدن أحد شعائر الله فكأنه قيل: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١) ولكم في كل شعائر الله خير، من عرفة والمشعر ورمي الجمار والطواف (٢) وهذه أشياء لابد منها في الحج، وقد يحج الحاج ولا يسوق بدنا ولا تجب عليه، فإذا فعل ذلك دخل في جملة الشعائر. وقد سئل عطاء عن الشعائر فقال: حرمات الله، اجتناب سخط الله واتباع طاعته فذلك شعائر الله (٣). وقال زيد بن أسلم: الشعائر ست: الصفا والمروة، والبدن، والجمار، والمشعر الحرام، وعرفة، والركن، والحرمات خمس: الكعبة، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والمُحْرِم حتى يحل (٤). وقال أبو مصعب (٥): قال مالك: إذا مضت عشية عرفة وليلة المزدلفة والوقوف بالمزدلفة حين الوقوف بها، فلا معتمل لأحد في شيء من ذلك، لأن الله ﵎

стр. 1331

ـ (١): ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢) فمن شعائر الله عرفة والمزدلفة قال الله : ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ (٣) فلا معتمل لأحد في شيء من هذا بعد أن يمضي الأجل المسمى، وإذا مضت أيام منى فلا ترمى الجمار بعد ذلك؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٤) فإنما منافع تلك الشعائر انقضاؤها إلى ذلك الأجل المسمى فإذا مضى الأجل فليس هناك معتمل، وانقضاء الأيام قول الله : ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٥). والذي قاله مالك ﵁ قول واضح يشهد له القرآن ومعانيه، فالمنفعة بعرفة: إلى أن يطلع الفجر من يوم النحر، والمنفعة في رمي الجمار: إلى انقضاء أيام منى، والمنفعة للمشعر الحرام: إلى أن تطلع الشمس، فكل هذه من الشعائر، وفي كل صنف منها المنفعة إلى وقت معلوم، ثم محلها كلها إلى البيت العتيق، فإذا أطاف الحاج بعد هذه المشاعر فقد حل بالبيت العتيق.

стр. 1332

قال الله : ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١). وقال في الموضع الآخر ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ (٢). قال مجاهد: هراقة دماء الهدي (٣)، قال: وهو كقوله: ﴿صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ (٤) يعني صلاتي وذبحي. وقال عكرمة ﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ قال: ذبحا هم ذابحوه (٥). ولِمَا قال وجه، وقد يجوز أن يكون قوله: ﴿مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ يريد الذبح، ويكون قوله: ﴿مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ يراد به منهجا من الدين؛ لقوله عز من قائل: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾ (٦) أي لا يخالفوا عليك فيما تعلمهم من مناسكهم، ولذلك قال النبي ﷺ في حجة الوداع: (خذوا عني (٧) مناسككم) (٨) والله أعلم بما أراد من ذلك.

стр. 1333

وقد قال إبراهيم النخعي في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ (١) قال: من احتاج إلى ظهر البُدْن ركب، ومن احتاج إلى لبنها شرب (٢). والدنيا والآخرة (٣) ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (٤) قد ذكر الله ﵎ الخير في مواضع من القرآن يريد الدنيا وما فيها، ولكن الخير في هذه الآية لخير الآخرة، ولو كان القصة (٥) إلى منافع الدنيا لكان تركها من غير أن يوجب بُدْنا أنفع لهم في دنياهم، قال الله عز من قائل: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ (٦) هي التوحيد فله خير منها، يريد أنه يعتاض منها خيرا، وهو (٧) الجنة أخير من التوحيد، وإنما هو خير يورثه التوحيد، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ (٨) فهي الشرك، وقال جماعة من المفسرين: الحسنة: لا إله إلا الله، والسيئة الشرك (٩). قال الله جل وعز: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (١٠).

стр. 1334

روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: قياما معقولة، قال أبو ظبيان (١): فقلت له: فما أقول؟ قال: قل: لا إله إلا الله والله أكبر، اللهم منك ولك (٢). وقد قرئت ﴿صواف﴾ وقرئت ﴿صوافن﴾ (٣). فمن قرأها ﴿صوافن﴾ فمعناها: معقولة قائمة على ثلاث، ومن قرأها ﴿صواف﴾ قياما على أربعتها. وروى مالك عن نافع عن ابن عمر: أنه كان ينحر هديه بيده، يصفهن قياما ويوجههن للقبلة، ثم يأكل ويطعم (٤). وقد روى سعيد بن جبير أن ابن عمر كان ينحر البدن وهي على ثلاث قوائم يعقل يدها (٥). وقرأها سعيد: ﴿فاذكروا اسم الله عليها صوافن﴾. والصحيح عن ابن عمر ما رواه نافع (٦)، والذي يختاره مالك أن تنحر قائمة غير معقولة، فإن تعذر النحر وهي قائمة غير معقولة عقلها (٧)، فكل ذلك واسع غير

стр. 1335

محرم؛ لأن من قرأ: ﴿صواف﴾ أراد مصطفة، ومن قرأ: ﴿صوافن﴾ أراد معقولة، إلا أن القراءة على لفظ مصحفنا أعم وأصوب، إذ المعروف في اللغة أن الصوافن والصافنات نعتا (١) للخيل، فإن أُدْخِلت الإبل في ذلك فعلى التشبيه (٢)، ولا ضرورة بالناس إليه، إذ لم يكن الخط في المصحف على صوافن، وليس يجوز أن يخالف لفظ المصحف المجتمع عليه برواية، والله أعلم. قال الله عز وعلا: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ (٣). قال مِقْسَم (٤) عن ابن عباس، ـ وقاله مجاهد والضحاك ـ: إذا وقعت على
следующие страницы →