← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151196

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية

بكر بن العلاء

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

ـ (١): ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢) فمن شعائر الله عرفة والمزدلفة قال الله : ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ (٣) فلا معتمل لأحد في شيء من هذا بعد أن يمضي الأجل المسمى، وإذا مضت أيام منى فلا ترمى الجمار بعد ذلك؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٤) فإنما منافع تلك الشعائر انقضاؤها إلى ذلك الأجل المسمى فإذا مضى الأجل فليس هناك معتمل، وانقضاء الأيام قول الله : ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٥). والذي قاله مالك ﵁ قول واضح يشهد له القرآن ومعانيه، فالمنفعة بعرفة: إلى أن يطلع الفجر من يوم النحر، والمنفعة في رمي الجمار: إلى انقضاء أيام منى، والمنفعة للمشعر الحرام: إلى أن تطلع الشمس، فكل هذه من الشعائر، وفي كل صنف منها المنفعة إلى وقت معلوم، ثم محلها كلها إلى البيت العتيق، فإذا أطاف الحاج بعد هذه المشاعر فقد حل بالبيت العتيق.

стр. 1332

قال الله : ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١). وقال في الموضع الآخر ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ (٢). قال مجاهد: هراقة دماء الهدي (٣)، قال: وهو كقوله: ﴿صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ (٤) يعني صلاتي وذبحي. وقال عكرمة ﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ قال: ذبحا هم ذابحوه (٥). ولِمَا قال وجه، وقد يجوز أن يكون قوله: ﴿مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ يريد الذبح، ويكون قوله: ﴿مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ يراد به منهجا من الدين؛ لقوله عز من قائل: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾ (٦) أي لا يخالفوا عليك فيما تعلمهم من مناسكهم، ولذلك قال النبي ﷺ في حجة الوداع: (خذوا عني (٧) مناسككم) (٨) والله أعلم بما أراد من ذلك.

стр. 1333

وقد قال إبراهيم النخعي في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ (١) قال: من احتاج إلى ظهر البُدْن ركب، ومن احتاج إلى لبنها شرب (٢). والدنيا والآخرة (٣) ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (٤) قد ذكر الله ﵎ الخير في مواضع من القرآن يريد الدنيا وما فيها، ولكن الخير في هذه الآية لخير الآخرة، ولو كان القصة (٥) إلى منافع الدنيا لكان تركها من غير أن يوجب بُدْنا أنفع لهم في دنياهم، قال الله عز من قائل: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ (٦) هي التوحيد فله خير منها، يريد أنه يعتاض منها خيرا، وهو (٧) الجنة أخير من التوحيد، وإنما هو خير يورثه التوحيد، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ (٨) فهي الشرك، وقال جماعة من المفسرين: الحسنة: لا إله إلا الله، والسيئة الشرك (٩). قال الله جل وعز: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (١٠).

стр. 1334

روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: قياما معقولة، قال أبو ظبيان (١): فقلت له: فما أقول؟ قال: قل: لا إله إلا الله والله أكبر، اللهم منك ولك (٢). وقد قرئت ﴿صواف﴾ وقرئت ﴿صوافن﴾ (٣). فمن قرأها ﴿صوافن﴾ فمعناها: معقولة قائمة على ثلاث، ومن قرأها ﴿صواف﴾ قياما على أربعتها. وروى مالك عن نافع عن ابن عمر: أنه كان ينحر هديه بيده، يصفهن قياما ويوجههن للقبلة، ثم يأكل ويطعم (٤). وقد روى سعيد بن جبير أن ابن عمر كان ينحر البدن وهي على ثلاث قوائم يعقل يدها (٥). وقرأها سعيد: ﴿فاذكروا اسم الله عليها صوافن﴾. والصحيح عن ابن عمر ما رواه نافع (٦)، والذي يختاره مالك أن تنحر قائمة غير معقولة، فإن تعذر النحر وهي قائمة غير معقولة عقلها (٧)، فكل ذلك واسع غير

стр. 1335

محرم؛ لأن من قرأ: ﴿صواف﴾ أراد مصطفة، ومن قرأ: ﴿صوافن﴾ أراد معقولة، إلا أن القراءة على لفظ مصحفنا أعم وأصوب، إذ المعروف في اللغة أن الصوافن والصافنات نعتا (١) للخيل، فإن أُدْخِلت الإبل في ذلك فعلى التشبيه (٢)، ولا ضرورة بالناس إليه، إذ لم يكن الخط في المصحف على صوافن، وليس يجوز أن يخالف لفظ المصحف المجتمع عليه برواية، والله أعلم. قال الله عز وعلا: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ (٣). قال مِقْسَم (٤) عن ابن عباس، ـ وقاله مجاهد والضحاك ـ: إذا وقعت على

стр. 1336

الأرض وأضجعت (١)، وزاد الضحاك: نحرت (٢). وروي عن عبد الله بن مسعود: إذا أسقطت على جنبها (٣) يريد بعد النحر. قال إسماعيل (٤): المعروف في اللغة إذا وجبت جنوبها أي سقطت ومنه وجوب الشمس (٥)، وكذلك يقال لكل شيء سقط، وقال قيس ابن الخطيم (٦): أطاعت بنو عوف أميرا نهاهم ... عن السلام (٧) حتى كان أول واجب (٨) أي مقتول سقط إلى الأرض، وكذلك البدن إذا نحرت سقطت لجنوبها. قال الله : ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (٩).

стр. 1337

كان عطاء لا يرى الأكل واجبا (١). وكان الضحاك ومجاهد يرون الأكل إباحة (٢)، وتابعه على ذلك الحسن، ومجاهد، وجماعة من المفسرين (٣). وروي أن ابن عمر قَسّمَ لحم نسكه ثم أفاض قبل أن يأكل منه (٤). ومن أخرج شيئا لله لم يجز له أن يعود في شيء منه، وإنما أُذن لهم في الأكل على وجه الإباحة، فمن شاء أكل من بدنته وأضحيته، ومن شاء ترك، فلولا الإذن من الله ـ جل وعلا ـ ما جاز الأكل منها، وكان مالك يستحب ألا يأكل من البدن التي لا بذل منها للمساكين، مثل: جزاء الصيد، وفدية الأذى، من غير عذر ولا تكبر عن الأكل، رجوت أن يكون في سعة، على ما ذكر من الأحاديث في هذا الباب (٥). فأما القانع والمعتر، فإنه روي عن ابن عباس قال: القانع: الذي يسأل، والمعتر: الذي يعتر ولا يسأل (٦)، وروي عنه: أن القانع: من يقنع بما أرسلت إليه في بيته، والمعتر: الذي يعتريك (٧)، وهذا أشبه القولين، وقال مثل ذلك الحسن (٨)، وقال مجاهد نحو ذلك (٩).

стр. 1338

وقيل: المعتر الذي يعتريك فيسألك (١)، وقال بكل قول من ذلك جماعة. والصحيح ـ والله أعلم ـ أن القانع: يقع على من يسأل فيرضى بما يرزق بمسألته، ويقع على من يقنع ولا يسأل، فإن اللغة تجمعهما يقال: قنع يقنع قناعة إذا صبر عن المسألة، وقنع يقنع قنوعا إذا سأل، قال: وقال الشاعر (٢): فمالُ المرء يُصْلِحُهُ فَيُغْني ... مَفَاقِرهُ أعفُّ من القُنُوع (٣) قال: يعني أنه أعف من السؤال، فالبيت يدل على أن القانع هو: القانع بالفقر لا بالرضا بما يعطاه. وأما المعتر فكل من اعتر بك من معترض أو سائل أو طالب حاجة في أمر من الأمور فقد اعتر بك في ذلك. قال الله ﵎: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنَّا يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (٤). قال النخعي: ما أريد به وجه الله (٥)، وهذا كلام مختصر، ولم أجد عن غيره فيه شيئا (٦)، والمعنى ـ والله أعلم ـ أنه لا منفعة له فيها، وإنما نفعها لمن أراد بها وجه الله وجزيل ثوابه، فله أجر الدماء، وهو قول رسول الله ﷺ : (أفضل الحج؛ العَجُّ والثَّجُّ) (٧) فالثج: إراقة الدماء، وله أيضاً أجر اللحوم وما يأكل منها وما يطعم، تفضل الله على عباده بذلك. قال الله ﵎: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ إلى: ﴿عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٨).

стр. 1339

كانت الآيات الليِّنة تنزل بمكة ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ (١) الْحَسَنَةِ﴾ (٢) وما أشبه ذلك، فلما أخرجت قريش نبي الله ﷺ والمهاجرين الأولين من مكة ووصل إلى المدينة، كان أول آية نزلت عليه يؤمر فيها بالقتال هذه الآيات ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (٣) وكان أبو بكر الصديق ﵁ لما أُخْرِجوا قال: سيؤذن لنا في القتال، فنزلت الآيات إلى قوله عز من قائل: ﴿عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٤) فأمر الله تعالى نبيه ﷺ بالجهاد والغلظة. وقد احتج صعصعة بن صُوحَان (٥) على عثمان ﵁ بهذه الآية، وقال له عثمان: فينا نزلت لما أخرجنا من مكة مُّكِنْا، وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، قال عثمان ﵀: فهذه الآية لي ولأصحابي، وليست لك ولا لأصحابك (٦). قال الله ﵎: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٧).

стр. 1340

روي عن ابن عباس ﵁ في قوله : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ قال: هذا في تقديم الأهلة وتأخيرها ونقصان الشهر وتمامه، في الفطر والأضحى، وفي الصوم (١). وروى سعيد بن جبير أن عبيد بن عمير (٢) سأل ابن عباس عن الحرج فقال له: ألستم العرب! ثم قال: ادعوا لي برجل من هذيل، فسأله عن الحرج، قال: ما لا مخرج له (٣)، قال ابن عباس ﵁: إنما ذلك سعة الإسلام، ما جعل الله ﵎ من التوبة والكفارات (٤)، وقال في رواية أخرى: الحرج: الشيء الضيق (٥). وكذلك قال زيد بن أسلم: إن عمر قال في الحرج: الضيق (٦). فالحرج عند العرب وعلى ما قاله ـ أيضا ـ جماعة من المفسرين (٧): الضيق، فلم يضيق الله على هذه الأمة، ولم يحمل عليهم الأصر (٨) الذي حمله على من

стр. 1341

كان قبلهم، خفف عنهم فرائضهم وأوجبها على حسب طاقاتهم، ودون ذلك، ثم تجاوز عنهم فيما حدثوا به أنفسهم، ما لم يعملوا به، ثم غفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر، ثم جعل للكبائر والصغائر كفارات من الأعمال، من التوبة والندم والاستغفار، فلله الحمد على ما مَنَّ به من ذلك.

стр. 1342

سورة المؤمنين . قوله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (١) سُئلت عائشة ﵂ عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: كان خلقه القرآن، ثم قرأت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ قالت: هكذا كان خلق رسول الله ﷺ (٢). قال أبو الزناد (٣)، عن الأعرج (٤)، عن أبي هريرة قال: رسول الله ﷺ : (هل ترون قبلتي هاهنا؟ فما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم) (٥). وقال جماعة من المفسرين: الخشوع في الصلاة: أن لا يلتفت (٦) الإنسان يمينا ولا شمالا، يقوم كأنه عود من الخشوع (٧). وقال آخرون: ينظر إلى موضع سجوده (٨).

стр. 1343

وكان ابن الزبير يأتي حَجَرُ المنجنيق فيقع عن يمينه وشماله يُحّاد كتفه فلا يلتفت (١). وقال آخرون: سكون المرء في صلاته (٢). وكل ذلك يدور على الخشوع في الصلاة الشاغل بها، وقلة الفكر في أمور الدنيا، وقال مسلم بن يسار (٣): وهل يجوز أن يَعْلَم ما في الدنيا من يناجي ربه (٤)، فالخشوع: التشاغل بها والاستكانة فيها، فأما قول من قال: ينظر إلى موضع سجوده (٥) فشديد لا يجوز تكليفه؛ لأن النبي ﷺ قد كان يَلْحَظ ويَلْمَح ببصره الشيء ولا يلتفت (٦)،

стр. 1344

وقد رُوي مثل ذلك عن جماعة من التابعين (١). والذي يراه مالك ﵁: أن يكون بصر المصلي إلى قبلته على التوسعة (٢)؛ ولأن الله ﵎ قال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٣) وإنما هو قصد الكعبة. وقيل لابن عمر: إن ابن الزبير إذا صلى لم يقل هكذا ولا هكذا، فقال: لكنا نقول هكذا وهكذا، ونكون مثل الناس (٤)، رواه سليمان بن حرب عن حماد بن سلمة (٥) عن حُميد (٦) عن معاوية بن قُرة (٧).

стр. 1345

ونا أحمد بن موسى قال: حدثنا القَعْنَبي قال: نا مالك عن نافع: أن ابن عمر كان لا يلتفت في صلاته حتى يقضيها (١). قال القاضي: فالالتفات مخالف لما أمر الله به من التوجه إلى الكعبة، فأما اللمح فلا يخرج عن المأمور به، والله أعلم (٢). قال الله : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٣) قال مسروق: كل شيء في القرآن (دائمون) (حافظون) (ساهون) فعلى مواقيتها (٤). قال عبد الله بن مسعود: هو ترك الوقت وإضاعته (٥).

стр. 1346

وقال سعد بن أبي وقاص وسئل عن ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (١) أهو السهو في الصلاة؟ قال: لا، ولكنه الذي لا يصليها حتى يذهب وقتها (٢). قال بكر: والمحافظة على الصلاة المفروضة على وقتها من أوله إلى آخره، قال ابن عمر: الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله (٣)، وقال يحي بن سعيد الأنصاري (٤): إن المصلي ليصلي الصلاة وما فاتته، ولما فاته من وقتها أعظم أو أفضل من أهله وماله (٥).

стр. 1347

قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (١). رُوي عن عائشة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو الرجل يشرب الخمر ويسرق؟ وقال: (لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل الذي يصلي ويصوم ويتصدق، ويخاف ألا يقبل منه) رواه نصر بن علي (٢) عن وكيع (٣) عن مالك بن مِغْوَل (٤) عن عبد الرحمن (٥) بن سعيد بن وهب (٦) عن عائشة (٧)، ورواه أبو عاصم (٨) عن المثنى بن الصباح (٩) عن عطاء (١٠) دخلت مع عبيد بن عمير (١١) عن (١٢) عائشة. وقال سعيد بن جبير: يعطون ما أعطوا وقلوبهم وجلة خوفا من الحساب والموقف (١٣). وقال مجاهد: يخافون ألا يتقبل منهم (١٤). وقال الحسن: كانوا يخافون ألا تنجيهم أعمال البر من عذاب ربهم وألا يتقبل منهم (١٥)، وقال نحو ذلك جماعة من المفسرين (١٦). ونا إبراهيم بن حماد (١٧) قال: نا إسماعيل (١٨) قال: نا حجاج (١٩) قال: نا حماد (٢٠) عن حميد (٢١) قال: قرأت القرآن كله على الحسن في بيت أبي خليفة (٢٢)

стр. 1348

ففسره أجمع على الإثبات (١)، وسألته عن قوله: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٢) قال: الشرك سلكه في قلوبهم، وسألته عن قوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ (٣) قال: أعمال سيعملونها لم يعملوها، وسألته عن قوله: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ (٤) قال: ما أنتم عليه بالمضلين إلا من هو صال الجحيم (٥). والصحيح في قوله: ﴿يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ (٦) أي وجلت قلوبهم من خشية ربهم، عند مرجوعهم إلى ربهم، أن تغلب سيئاتهم حسناتهم فيشفقون بها، فهم يجتهدون وهم خائفون، ومن وصف المؤمنين الخوف مقرونا بالرجاء، قال الله جل وعز:

стр. 1349

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ (١) فلا ينبغي للمؤمن أن يكون إلا خائفاً؛ لكي لا يتكل فَيَقِلَ عمله الصالح، ألا ترى النبي ﷺ قال لعلي ـ رحمة الله عليه ـ في شيخي الأمة صديقها وفاروقها ـ رحمة الله عليهما ـ: (هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين، يا علي لا تخبرهما) (٢) إشفاقا عليهما من أن يتكلا، فالخائف يعمل ما لا يعمله الراجي بلا خوف، والله أعلم. (٣)

стр. 1350

قال الله : ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ (١). تكلم المفسرون في ذلك بكلام مختلف: فمنهم من قال: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ حلقا تتحدثون، قاله ابن عباس، وقال: حلقا حلقا تتحدثون (٢)، ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ يقولون: نحن أهله ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ ولا تعمرونه (٣). وقال الحسن: مستكبرين بحرمي، تهجرون بيتي (٤)، أي: لا تطوفون به. وقال معمر (٥) عن الحسن: تهجرون رسول الله ﷺ (٦). وقال سهل السراج (٧) عن الحسن: تهجرون القرآن، وذكر الله (٨).

стр. 1351

وقال مجاهد: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ بالبلد ﴿تَهْجُرُونَ﴾ بالقول السيئ بالقرآن (١). فأما السمر فقد اخُتلف فيه، فروى أبو برزة (٢) عن النبي ﷺ (أنه كان يكره النوم قبلها والحديث بعدها) (٣)، وروى خَيْثَمَة (٤) عن عبد الله (٥) عن النبي ﷺ أنه قال: (لا سمر (٦) إلا لأحد رجلين: مصل أو مسافر) (٧)، وروى جابر عن النبي ﷺ أنه قال: (إياكم والسمر بعد هَدْأة الرِجْلِ، أغلقوا الأبواب وأوكوا السقاء وخمروا الإناء وأطفئوا المصباح) (٨).

стр. 1352

وكان عمر رحمة الله عليه يحدث لنا (١) لنا السمر بعد صلاة النوم (٢)، رواه سليمان بن ربيعة (٣). وقال خَرَشَة بن الحُر (٤): رأيت عمر بن الخطاب يضرب الناس على الحديث بعد العشاء، ويقول: أسمرا أول الليل ونوما آخره! (٥)

стр. 1353

وقال سعيد بن المسيب: كان عمر يطوف في المسجد بعد عشاء الآخرة يقول: الحقوا برحالكم، عسى الله أن يرزقكم صلاة في ليلتكم (١). وكان سعد يقول: أريحوا كتابكم (٢). وكان عبد الله (٣) يَعُسُّ (٤) في المسجد، فما يدع فيه سوادا إلا أخرجه إلا رجلا يصلي (٥). وكان حذيفة وعبد الله بن عمرو وشداد بن أوس (٦) يكرهون الحديث بعدها (٧). وقال شداد بن أوس: قال رسول الله ﷺ : (من قرض بيت شعر بعد العشاء لم يقبل له تلك الليلة صلاة) (٨) قال بكر: وهذا كله فيمن سمر في غير مرضات الله، فأما من جعل سمره مذاكرة لعلم أو ما لا يَسْخَطُه الله ويدخل في مرضاته، فلا بأس به، روى أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة (٩) قال: قال: عمر قال: (كان النبي ﷺ لا يزال يسمر عند أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين) (١٠)، وقال عمران بن حصين (١١): (كان النبي ﷺ يحدثنا عامة ليله عن بني إسرائيل) (١٢).

стр. 1354

قال بكر: فالذي كُره من السمر ما لم يكن فيه رضى الله ومنافع للعباد، وعلم وآداب (١)، والآية إنما نزلت في كفار قريش لأنهم كانوا يهجرون الطواف ويجلسون في نواديهم وهي الحِلَق، فيتكلمون في رسول الله ﷺ وفي القرآن، فسماه الله هجرا (٢). قال سفيان (٣): كان عمرو بن دينار (٤) يسمر في المسجد إلى نصف الليل وأيوب السختياني (٥) معه (٦). وقال هشام بن حسان (٧): كنا نسمر بعد العشاء مع محمد بن سيرين (٨). وقال عروة (٩) كنا نتحدث عند حجرة عائشة ﵂، وكانت تنادينا: يا ابن أختي قد طلع الفجر (١٠).

стр. 1355

ومن سورة النور . قال الله : ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ (١). معنى﴾ فَرَشْنَاهَا ﴿هاهنا: بيناها، وشرحنا ما فيها من الحلال والحرام والنهي، وأوجبناها بإلزام فروضها، والله أعلم. قال الله : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢) هذه آخر آية نزلت في حد الزاني، ناسخة لقوله سبحانه: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا﴾ (٣) ولقوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ إلى قوله : ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٤) فلما نزلت (٥) هذه الآية قال النبي ﷺ : (خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد

стр. 1356

مائة والرجم) (١) فكان الرجم بأمر الله ؛ لأن عمر ﵁ أخبرنا أنهم كانوا يقرؤونها، فظنها قرآنا وقد كان وحيا (٢) فعلمنا بذلك أنه من عند الله، وأن الرسول ﷺ سن مع الرجم كما سن مع جلد البكر التغريب. ومن شأن السنة أن تنسخ السنة، والسنة لا تنسخ القرآن، وإنما ينسخ القرآن القرآن، والسنة فقد تشرح خفي القرآن ولا تنسخه، فلو كان جلد الثيب بالقرآن لما جاز نسخه إلا بالقرآن، فنسخ رسول الله ﷺ ما سن من جلد الثيب بسنته، لما رواه أبو

стр. 1357

هريرة وغيره أن النبي ﷺ : رجم ماعزا (١) ولم يجلده (٢) وروى أبو هريرة وزيد بن خالد (٣) وزاد ابن عيينة (٤): وشبل بن سعيد (٥) ـ أن النبي ﷺ قال في قصة العسيف (٦): ? واغدو يا أُنَيْس (٧) على امرأة هذا فأن اعترفت فارجمها? (٨).

стр. 1358

قال بكر: فصار هذان الخبران ناسخين للجلد في الثيب، وبقي الرجم على ما أنزل الله ﵎ إذ القتل يأتي على كل شيء. ولا اختلاف بين علماء الأمصار، أن من شرب خمرا وزنى وهو محصن فالحدان عندهم جميعا لله ﷻ ، فيسقط جلد الشرب ويأتي الرجم على ذلك كله، فلما كان ذلك كذلك، وكانت الحدود إذا اجتمعت لله ﵎ ليس لآدمي فيها حق، مثل: القذف وما أشبهه، دخل بعضها في بعض، وأتى القتل على جميعها، كان ذلك سبب إسقاط الجلد عن الثيب، فنسخت سنَتُه سنَتَه. ولا أعلم في سقوط الجلد بين فقهاء الأمصار خلافا (١)، وإنما تكلمت في ذلك على متأخر تعلق بحديث عبادة، متبعا للشواذ من الأخبار، ومتعلقا بالمنسوخ لِيُعْرَفَ، ومع ذلك فحديث عبادة في بدء الهجرة بعد ثلاث منها، وحديث أبي هريرة وصاحبيه بعد ذلك؛ لأن إسلام أبي هريرة في أول سنة سبع من الهجرة، بعد فتح خيبر وفي وقتها، وكذلك صاحباه إسلامهما متأخر، وعبادة من النقباء الاثني عشر ليلة العقبة (٢)،

стр. 1359

فروايته وقت نزول آية الجلد في سورة النور، وأمر العسيف بعد ذلك بسنين، فقد نسخ السنةُ السنةَ، فهذا ناسخ لحديث عبادة، والله أعلم. قال الله ﵎: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ (١). معنى هذه الآية عند أكثر المفسرين: لا يعطل الحد برحمة تدخل القلب، قال ذلك: الحسن، وعطاء، وجماعة (٢). وقال آخرون: إقامة الحد بالقتل (٣).

стр. 1360

وقال زيد بن أسلم: لا تَدَعُوهُمَا برحمة لهما من (١) إقامة الحد عليهما (٢). وهذه الآية مخاطبة للإمام، ليس له إذا ثبت الحد عنده العفو عنه، ويجوز ذلك لسائر الرعية ترك رفعهما إلى الإمام، ألا ترى أن النبي ﷺ قال لصفوان بن أمية (٣): ? فهلا قبل أن تأتينا به? (٤) وقال لهَزَّال (٥): ? هلا سترته بثوبك? (٦) وقال في ماعز أيضا: ? هلا تركتموه? (٧) يريد لعله يؤدي إلى ما يزيل الحد (٨)، فالحاكم والإمام

стр. 1361

لا يجوز لهما العفو عن حقوق الله في الحدود المُوجَبَة بالأفعال، قال عبد الله بن مسعود: (يؤتى بالزائد في حدود الله يوم القيامة فيقال له: لم زدت في حدودي؟ فيقول: غضبا لك، فيقول الله : أأنت أشد غضبا مني لنفسي! اذهبوا به إلى النار، ويؤتى بالناقص من حدود الله فيقول الله ﵎ له: لم نقصت من حدودي؟ فيقول رحمة لعبادك، فيقول: أأنت أرحم بهم مني! اذهبوا به إلى النار) (١). قال الله : ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). قال عطاء: الطائفة رجلان (٣). وقال مجاهد: رجل إلى ألف (٤).

стр. 1362

وقال الزهري: ثلاثة فصاعدا (١). وقال قتادة: نفر من المسلمين (٢). وقال الحسن: عشرة (٣). وقال مالك بن أنس: أربعة من الرجال المسلمين فصاعدا (٤). قال بكر: فالذي قال رجل فما فوق، احتج بقول الله ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (٥) فسلك بالآية غير طريقهما؛ لأن كل طائفة جماعة، وإنما يدخل الواحد في ذلك بالمعنى، واللفظ فللجماعة، ومما يدل على أن اللفظ للجماعة قوله : ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا﴾ (٦) فجاء اللفظ على تأنيث الجماعة، وأمرت الجماعة أن تصلح بين الطائفتين.

стр. 1363

واحتج آخر (١) بقول الله : ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ (٢) وهذا غلط أيضا؛ لأن المخاطبة لجماعة، قال الله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (٣) فعلم أنهم جماعة، وأنه إن يعف عن طائفة منهم، بالتوبة مما كانوا فيه من الكفر الذي وصف الله، يعذب طائفة ممن لم يتب، فإن كان الذي تاب منهم رجلا فما فوق دخل في المعنى، وإن كان الذي لم يتب رجلا فما فوق دخل في المعنى، إذ كانوا إنما يستحقون ذلك بأفعالهم. والطائفة التي تحضر عذاب الزاني لم يحضروا لفعل كان منهم في أنفسهم، وإنما أُحْضِروا ليكونوا شهودا لعذاب غيرهم، فإن كان الواحد من الشهود يقوم مقام الجماعة، فينبغي أن يقاس عليه، وإن لم يكن يقوم مقامهم خرج من حكمهم بالمعنى واللفظ جميعا؛ لأن الشهود يحتاج إليهم (٤) فيما يحدث بين المحدود وغيره، وهو أن يقذفه قاذف بعد ما يقام عليه حد الزنا، فإذا أتى القاذف بأربعة فشهدوا أن حاكما قد حد المقذوف في الزنا سقط الحد عن القاذف وكذلك لو كانت أمة لرجل فحدها سيدها في الزنا ثم أعتقت، فقذفها رجل فأتى القاذف بأربعة فشهدوا: أنها كانت أَمَةً، وأن سيدها قد كان حدها في الزنا؛

стр. 1364

لسقط عن القاذف الحد، فهذا هو الظاهر الذي يدل عليه معنى حضور الشهود عذاب الزاني، فليس تدل الآية إلا على ما وصفنا؛ لأنه تحصيل حكم بين الناس، وإذا حدث شيء فيه، حكم بحَدَثٍ كان أغلب ممالا حكم فيه (١)، قال الله : ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ (٢) وكانوا بني سَلِمة (٣) وبني حارثة (٤) وكانا بجناحي المدينة (٥) فلم يكونوا وراء رسول الله ﷺ يوم الخندق (٦)، وقال : ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ (٧) وقال: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ (٨).

стр. 1365

ولا يختلف أهل اللسان أن الرجل إذا قال: رأيت طائفة، أنه يعني جماعة، فحكم قوله: ﴿طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) أربعة من الرجال الأحرار الذين تجوز شهادتهم في الزنا فصاعدا، والله أعلم بما أراد من ذلك (٢). قال الله ﵎: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣). اختلف السلف في هذه الآية: فزعم قوم منهم؛ ابن مسعود وغيره: أن الزانيين إذا تزوجها بعد ذلك لا يزالا زانيين ما اصطحبا (٤)، ويجوز أن يكون أراد؛ أنه ينظر كل واحد منهما إلى صاحبه بعين الزنا (٥).

стр. 1366

ومنهم من رأى التزويج صوابا، وزَوَّجَ الزانيين ورأى الجمع بينهما بالنكاح، منهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعلقمة، وجماعة من المفسرين (١). ومنهم من جعل الآية فيمن كانت له امرأة فزنت أنه يفارقها ولا يقيم عليها، منهم: علي بن أبي طالب، وابن عمر، وجماعة (٢)، ورُوي عن النبي ﷺ حديث، منهم من أرسله عن عبيد بن عمير، ومنهم من وصله، فذكر ابن عباس أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: ? إن امرأتي لا تمنع يد لا مس فقال طلقها، فقال: إني أحبها، قال: أمسكها، فرد ذلك ثلاثا? (٣).

стр. 1367

وقال بعضهم: أن المجلود لا ينكح إلا مجلودة، ممن قال ذلك: عبد الله بن عمرو (١)، وقال الحسن البصري (٢)، ورواه عمرو بن شعيب (٣)، عن سعيد المقبري (٤)، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : ? لا ينكح المجلود إلا مثله? (٥) ورواه (٦) عطاء،

стр. 1368

عن أبي هريرة موقوفا عليه (١)، وكان أبو هريرة يقوله، وقال لرجل أراد أن يتزوج مجلودة: لا تتزوجها إلا أن تكون قد فعلت مثل فعلها (٢). وروى ليث (٣) عن ابن سابط (٤) أن عليا أُتي بمحدود تزوج امرأة غير محدودة ففرق بينهما (٥)، وفي الحديث ليث بن أبي سليم، ومثله لا تثبت به حجة (٦) والله أعلم، وروى الشيباني (٧) عن عبد الله بن شداد (٨) عن ابن عباس أنه أمر بنحو من ذلك (٩).

стр. 1369

وقال آخرون: لا بأس أن ينكح غير المحدود المحدودة، منهم: سعيد بن المسيب، وعمر بن الخطاب، وأبي بن كعب (١)، ورُوي أن ابن عباس ﵁ وطئ جارية له بعدما فجرت (٢). وقال آخرون: أن الآية نزلت في بغايا كن في الجاهلية لهن رايات، منهن كوافر، بل كن كلهن قبل الإسلام كوافر، وكان يمر بهن المسافرون فيطؤوهن، وكن إماء وكانت العرب تستنجب منهن العبيد بذلك الزنا، فنزلت الآية (٣)، الزاني لا يطيعه إلى الزنا إلا زانية أو مشركة والزانية لا يزني بها إلا زان أو مشرك (٤)، ويحتمل أن يكون أريد إلا زان مشرك وزانية مشركة يجتمع ذلك فيهما.

стр. 1370

وقال آخرون: كن بغايا معروفات بالزنا، فأراد قوم من المسلمين نكاحهن فنزلت الآية من أجل ذلك (١). وقال آخرون: ذكر النكاح هاهنا الغشيان دون العقود وهو الزنا، منهم: ابن عباس، وقال: العقود لم تُرَد، وإنما أُريد الوطء المحرم وتابعه على ذلك أصحابه المشهورون به (٢). والنكاح في اللغة هو الوطء، وهو ولوج الشيء في الشيء، وقد سمى الله العقود باسم النكاح في مواضع من القرآن، لأن المبتغى من العقد الوطء، ولكن قوله : ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ (٣) يوجب ألا يعقد الرجل على امرأة يعلم أنها مقيمة على الزنا، ولا بأس بذلك بعد التوبة، والله أعلم.
следующие страницы →