← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151196

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية

بكر بن العلاء

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

ومنهم من رأى التزويج صوابا، وزَوَّجَ الزانيين ورأى الجمع بينهما بالنكاح، منهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعلقمة، وجماعة من المفسرين (١). ومنهم من جعل الآية فيمن كانت له امرأة فزنت أنه يفارقها ولا يقيم عليها، منهم: علي بن أبي طالب، وابن عمر، وجماعة (٢)، ورُوي عن النبي ﷺ حديث، منهم من أرسله عن عبيد بن عمير، ومنهم من وصله، فذكر ابن عباس أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: ? إن امرأتي لا تمنع يد لا مس فقال طلقها، فقال: إني أحبها، قال: أمسكها، فرد ذلك ثلاثا? (٣).

стр. 1367

وقال بعضهم: أن المجلود لا ينكح إلا مجلودة، ممن قال ذلك: عبد الله بن عمرو (١)، وقال الحسن البصري (٢)، ورواه عمرو بن شعيب (٣)، عن سعيد المقبري (٤)، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : ? لا ينكح المجلود إلا مثله? (٥) ورواه (٦) عطاء،

стр. 1368

عن أبي هريرة موقوفا عليه (١)، وكان أبو هريرة يقوله، وقال لرجل أراد أن يتزوج مجلودة: لا تتزوجها إلا أن تكون قد فعلت مثل فعلها (٢). وروى ليث (٣) عن ابن سابط (٤) أن عليا أُتي بمحدود تزوج امرأة غير محدودة ففرق بينهما (٥)، وفي الحديث ليث بن أبي سليم، ومثله لا تثبت به حجة (٦) والله أعلم، وروى الشيباني (٧) عن عبد الله بن شداد (٨) عن ابن عباس أنه أمر بنحو من ذلك (٩).

стр. 1369

وقال آخرون: لا بأس أن ينكح غير المحدود المحدودة، منهم: سعيد بن المسيب، وعمر بن الخطاب، وأبي بن كعب (١)، ورُوي أن ابن عباس ﵁ وطئ جارية له بعدما فجرت (٢). وقال آخرون: أن الآية نزلت في بغايا كن في الجاهلية لهن رايات، منهن كوافر، بل كن كلهن قبل الإسلام كوافر، وكان يمر بهن المسافرون فيطؤوهن، وكن إماء وكانت العرب تستنجب منهن العبيد بذلك الزنا، فنزلت الآية (٣)، الزاني لا يطيعه إلى الزنا إلا زانية أو مشركة والزانية لا يزني بها إلا زان أو مشرك (٤)، ويحتمل أن يكون أريد إلا زان مشرك وزانية مشركة يجتمع ذلك فيهما.

стр. 1370

وقال آخرون: كن بغايا معروفات بالزنا، فأراد قوم من المسلمين نكاحهن فنزلت الآية من أجل ذلك (١). وقال آخرون: ذكر النكاح هاهنا الغشيان دون العقود وهو الزنا، منهم: ابن عباس، وقال: العقود لم تُرَد، وإنما أُريد الوطء المحرم وتابعه على ذلك أصحابه المشهورون به (٢). والنكاح في اللغة هو الوطء، وهو ولوج الشيء في الشيء، وقد سمى الله العقود باسم النكاح في مواضع من القرآن، لأن المبتغى من العقد الوطء، ولكن قوله : ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ (٣) يوجب ألا يعقد الرجل على امرأة يعلم أنها مقيمة على الزنا، ولا بأس بذلك بعد التوبة، والله أعلم.

стр. 1371

قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). قال أبو حنيفة وأصحابه: إن القاذف إذا تاب لم تقبل شهادته، واحتجوا بأن الاستثناء لم يقع على كل ما ذكر في القرآن، وأن الدليل على ذلك، أنه لو تاب لم يسقط عنه الحد (٢)، فغلطوا من حيث لا يشكل، وذلك أن القاذف إنما أوجب الله ﵎ ألا تقبل شهادته وأنه من الفاسقين بعد الحد، وبين ذلك في كتابه بقوله سبحانه: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ (٣) فإنما ذلك بعد الجلد، وإنما يكون محدودا في القذف بعد الجلد، فأما قبل الجلد وبعد ما قذف فهو على أمره الذي كان؛ لأنه لا يُدرى إلى ما يفضي أمره، إذ كان قد يأتي بأربعة شهداء بأن المقذوف زان، أو أنه قد كان حد (٤) في الزنا، ويخاف المقذوف أن تقوم عليه بينة فيمسك عن المطالبة فَيُدفع عنه الحد. أخبرنا إسماعيل (٥) قال: نا نصر بن علي، عن وكيع، عن محمد بن قيس (٦)، عن الشعبي، في القاذف إذا لم يُحد جازت شهادته، فإذا عجز القاذف عن البينة وطالبه

стр. 1372

المقذوف بالحد فجلد، وجب فيه حكم الله، بأن لا تقبل شهادته أبدا، وأنه من الفاسقين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ (١) فالاستثناء واقع على ذلك كله. وإنما قيل: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ (٢) لأنه من الفاسقين، نعت استحق أن ينعت به لِمَا كان منه، فإذا زال النعت عنهم وجب على الحاكم قبول شهادتهم؛ لأن شهادتهم إنما سقطت للوصف الذي وصفهم الله ﵎ به، وليس بوصف الإنسان بالفسق لأن الحاكم لا يقبل شهادته، وإذا وقع عليه اسم الفسق وجب على الحاكم رد شهادته؛ لأن اسم الفسق توجبه أفعال الفاسق لا أفعال غيره فيه. فأما قولهم: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ (٣) إنما يقع على زوال اسم الفسق خاصة، ولا يقع على قبول الشهادة، فشيء لا تقوم به حجة من كتاب ولا سنة ولا قياس، والنظر يوجب؛ أن من أزال الله ﵎ عنه الفسق، وغفر له ورحمه مقبول القول؛ لأنه لا يبلغ أحد من العدالة أكثر من هذه الصفة. وقد قال الله في المحارب: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَن اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) فقد يمكن أن يقول قائل: إنما وقع الاستثناء عن إزالة العذاب العظيم عنهم في الآخرة، وأما ما وجب في الدنيا من المحدود فثابت، ولا يجعل الاستثناء واقعا على جميع الكلام، وهذا ما لا يقوله أحد، فإن من غفر الله له ورحمه فقد زال عنه كل عقوبة من عقوبات الدنيا والآخرة، وهو مرضي عدل، وقد جاء أن (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) (٥) فلا بد أن يكون التائب من القذف ـ الذي قد ثبت حكمه ـ كمن لم يقذف، إذ قد أقيم عليه الحد الذي صار به قاذفا بغير شبهة. قال سعيد بن المسيب: إن عمر بن الخطاب ﵁ لما جلد أبا بكرة (٦) وشبل بن معبد ونافعا (٧) قَذَفَة المغيرة (٨) قد استتابهم بعد الجلد، وقال لهم: من تاب منكم قبلت شهادته، قال سعيد: فتاب منهم اثنان، وأبى أبو بكرة، فكانت لا تجوز شهادته (٩).

стр. 1373

قال إسماعيل: والتوبة من ذلك أن يقول: قد رجعت عما قلت. وقال الشعبي، وطاوس، وعطاء، ومسروق، وعكرمة، وسليمان بن يسار (١) وابن شهاب، والضحاك، وعمر بن عبد العزيز (٢) وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن عتبة (٣) ومجاهد: كلهم يُجَوِّز شهادة القاذف إذا تاب (٤).

стр. 1374

وقد روي غير ذلك، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ (١) (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا محدود في الإسلام) (٢) وهذا الحديث فلو صح لكان صحيفة، ومع ذلك فدون عمرو حجاج الصواف (٣) وهو ضعيف، ودون حجاج مُعَمَّر

стр. 1375

الرَّقي (١) وهو كذلك (٢)، فلو صح أيضا لعلم أنه منسوخ (٣) لأن الإجماع على قبول شهادة الزاني إذا تاب بعد الحد وعلى سائر الحدود (٤)، والاختلاف في القاذف حَسْب، وكان أبو بكرة إذا جاء من يشهده قال: أشهد غيري فإن المسلمين فسقوني (٥).

стр. 1376

وكان شريح لا يجوز شهادة القاذف بقبول (١) توبته بينه وبين ربه (٢)، وتابعه على ذلك سعيد بن جبير، وإبراهيم، وروايته عن مسروق تخالف الأول، وعن الحسن مثل ذلك (٣). فأما حديث عمرو بن شعيب فقد ذكرنا ما فيه، وفيه أيضا: ? خائن وخائنة? وكلنا يجيز شهادتهما إذا تابا، وتوبة القاذف مخالفة لتوبة الخائن، وسائر المحدودين في الحدود كلها؛ لأن توبة القاذف إكذاب نفسه وتوبة الآخرين بأفعال تظهر منهم وندم. وأما مسروق والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد؛ فعنهم اختلاف، وقد ذكرناه. وأما شريح وإبراهيم فكان عندهما أن توبة القاذف تكون كتوبة غيره تخفى عنهم لقولهما: إنها بينه وبين ربه . وهذا قول من لم يتأمل أمر القاذف، القاذف لم نجلده لأنه كاذب لا محالة، قد يجوز أن يكون في قذفه بَرْا صادقا، وإنما حَدَدَناه لخفاء صدقه، وعجزه عن الشهداء، وأنه قد كان يجوز له ستر ما علمه إن كان علمه، بل يلزمه ذلك إذا لم تدعه إليه ضرورة، كما تدعو الرجل في زوجته إذا رأى ذلك منها، فذلك مباح له الرمي؛ لأن له مخرجا منه

стр. 1377

باللعان، فلما كان ذلك كذلك حددناه بظاهر الأمر، فتوبته رجوعه عن القول، لم تكف فيه الحقيقة، كما لم نحده بالحقيقة. وهذا القول يلزم شريحا القول به، فيمن زنى وسرق وأشباه ذلك، إذا كانوا مستشرين بفعلهم ألا تقبل شهادتهم؛ لأن توبتهم بينهم وبين ربهم ـ عز وعلا ـ وهو وغيره يقبلون شهادتهم إذا ظهر الخير منهم، وعرف بالظاهر الندم على ما كان منهم. وبلغني عن الفمي (١) احتج لذلك بقول الله : ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ (٢) فهذا يوجب أن يكون القاذف فاسقا حين قذف إلى أن يأتي بالشهداء، وأصحابه لا يجعلون القاذف فاسقا مردود الشهادة إلا بعد أن يُحَد، فأدخل شيئا في غير بابه؛ لأن هذه الآيات نزلت في عائشة زوج النبي ﷺ تنزيها لها لموضعها من الدين والطهارة، وعاتبَ القومَ في أمرها وألزمهم لمعرفتهم بها (٣) وجلالتها أن يقولوا ذلك، ولم يعن بذلك سائر الناس، والذي رمى عائشة لم يقله عن تيقن، وإنما قاله لتخلفها عن الجيش ولم يقبل عذرها، وقالوا بأفواههم ما ليس لهم به علم كما وصف الله ، وكان هذا عظيما في امرأة من أفناء (٤) الناس فكيف في امرأة شبهها الله ﵎ في الطهارة برسول الله ﷺ فقال عز من

стр. 1378

قائل: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ (١) الطيبات عائشة، والطيبون الرسول ﷺ ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ﴾ عائشة وصفوان بن مُعَطِّل (٢)، وسائر الناس لا يُشَبَّهُون بها؛ لأن القاذف قد يكون صادقا، وإنما يحد بالظاهر وأنه كان يسعه السكوت إذا عجز عن البينة، بل له أن يسكت وإن كانت البينة يقدر عليها لما أمر الله به من الستر على عباده. وإنه لعظيم عندي إن ينطلق لساني بالاحتجاج بقصة عائشة ﵂ المطهرة، ولكن دعت الضرورة لتشبيه هذا الإنسان، القاذف بأمر عائشة التي عاتب الله ﵎ الخلق في أمرها ووعظ غاية الوعظ؛ لأن أصله تخرص عن غير أصل، وكل قاذف ليس كذلك (٣)؛ لأن منهم من يجوز أن يكون قد رأى أو منهم من يقدر على الشهداء، فليس يقال له: إنه من الفساق حتى يعجز، وما لم يُحد فقد يجوز أن يأتي تصديقه، وإنما يُحد ليُكَذَّبَ عن المقذوف، ويحكم على القاذف بالكذب، وليس يحكم على القاذف بنفس القذف حتى يعجز عن البينة ويُحَد، ألا ترى أنه لو قذف صبيا لم يبلغ ولا يجوز منه الوطء، أو مجبوبا لا يكون منه الوطء، لكُنّا قد علمنا أنه كاذب، فلم نحتج إلى أن يُكَذَّب عنه بالحد لعلمنا بكذبه، وليس يجوز أن يجعل في الحكم فاسقا غير مقبول الشهادة، إلا في الوقت الذي أمر الله به، وهو بعد إقامة الحد، فإذا أقيم الحد فقد ثبت الحكم، وإلا فهو على أصل عدالته وستره، والله أعلم.

стр. 1379

قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ الآية (١). نا إبراهيم بن حماد، قال: نا إسماعيل بن إسحاق قال: نا سليمان بن حرب قال: نا حماد بن زيد، عن أيوب (٢)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، قال: (لما فرق رسول الله ﷺ بين أخوي بني العجلان قال: الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ ) (٣). ورواه عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، فقال فيه رسول الله ﷺ للمتلاعنين: (حسابكما على الله (٤) وأحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها، قال: يا رسول الله مالي! قال: لا مال لك، إن كنت صدقت عليها؛ فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها؛ فذلك أبعد لك منه) (٥).

стр. 1380

وطرق هذا الحديث كثيرة: نا أحمد بن موسى وابن فهد (١) قالا: نا القَعْنَبي قال: نا مالك عن ابن شهاب (٢)، وأخبرناه القاضي إسماعيل قال: نا أبو مصعب (٣) قال: نا مالك، عن ابن شهاب، ونا الحارثي (٤) قال: نا إسحاق بن موسى (٥) قال: نا معن بن عيسى (٦) قال: نا مالك عن ابن شهاب، أن سعد بن سعد الساعدي (٧) أخبره (أن عويمر العجلاني (٨) جاء إلى عاصم بن عدي

стр. 1381

الأنصاري (١) فقال له: يا عاصم لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه؟ أم كيف يفعل؟ سل يا عاصم عن ذلك رسول الله ﷺ ، فسأل عاصم رسول الله ﷺ عن ذلك فكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها، حتى كَبِر على عاصم ما سمع من رسول الله ﷺ ، فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر فقال له: يا عاصم ماذا قال لك رسول الله ﷺ ؟ فقال عاصم لعويمر: لم تأت بخير قد كره رسول الله ﷺ المسألة التي سألت عنها، فقال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأله عنها، فجاء عويمر ورسول الله ﷺ وسط الناس، فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله ﷺ : قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك، فاذهب فأت بها، قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله ﷺ ، فلما فرغا من تلاعنهما قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطَلَقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ ، قال مالك: قال ابن شهاب: فكانت تلك سنة المتلاعنين) (٢) ولهذا الحديث طرق؛ رواه عن الزهري جماعة، إلا أن إبراهيم بن سعد (٣) زاد: فيه (ثم قال رسول الله ﷺ : أنظروها، فإن جاءت به أَسْحَم أديعج العينين عظيم الأَليتين (٤) فلا

стр. 1382

أُراه إلا وقد صدق، وأن جاءت به أُحَيْمر كأنه وَحَرَة (١) فلا أُراه إلا كاذبا، قال: فجاءت به على النعت المكروه) (٢) ونا زياد بن الخليل (٣) أو عثمان بن عمر الضبي (٤) أحدهما قال: نا مسدد (٥) قال: نا سليمان (٦) عن الزهري عن سهل بن سعد قال: (شهدت المتلاعنين على عهد رسول الله ﷺ وأنا ابن خمس عشرة سنة ففرق بينهما النبي ﷺ حيث تلاعنا) (٧).

стр. 1383

قد روى نحو ذلك ـ أعني نحو حديث إبراهيم بن سعد ـ عبد الرحمن بن القاسم (١) عن ابن عباس (٢) وإن اختلفت الألفاظ، فالمعنى واحد. وكذلك رواه ابن مسعود (٣)، ورواه أنس بن مالك (٤) فقال فيه: رماها بشريك بن سَحْماء (٥) وكان أخا البراء بن مالك (٦) لأمه، وذكر (٧) أنها جاءت به على النعت المكروه. قال ابن عباس ﵁: لما نزلت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٨) قال سعد بن عبادة (٩): (يا رسول الله هكذا

стр. 1384

أنزلت؟ فلو وجدت لكاعا (١) متفخذها رجل، لم يكن لي أحركه ولا أهيجه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله لا آتي بأربعة شهداء حتى يقضي حاجته! فقال رسول الله ﷺ : يا معشر الأنصار ألا تسمعون إلى ما يقول سيدكم قالوا: يا نبي الله لا تلمه فإنه غيور، والله ما تزوج فينا قط إلا عذراء، ولا طلق امرأة له فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته، فقال سعد: والله يا رسول الله إني لأعلم أنها من الله، وأنها حق ولكني عجبت، فإن نبي الله ﷺ لكذلك، إذ جاءه هلال بن أمية (٢) فقال: يا رسول الله إني جئت البارحة عشيا من حائط لي كنت فيه، فرأيت مع أهلي رجلا فرأيته بعيني وسمعته بأذني، قال: فكره رسول الله ﷺ ما

стр. 1385

جاء به، فقيل: يجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين، فقال هلال: يا رسول الله أني لأرى في وجهك أنك تكره ما جئتك به، وأني لأرجو أن يجعل الله لي فرجا، فإن نبي الله ﷺ لكذلك، إذ نزل عليه الوحي وكان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي تربد (١) لذلك وجهه وجسده فأمسك عنه أصحابه فلم يكلمه أحد منهم فلما رفع الوحي قال رسول الله ﷺ : أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجا ثم قال رسول الله ﷺ : ادعوها فدعيت، فقال رسول الله ﷺ : إن الله ﵎ ليعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ فقال رسول الله ﷺ : يا هلال فقال هلال: والله ما قلت إلا حقا ولقد صدقت، فقالت هي عند ذلك: كذب، فقيل لهلال: اشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، وقيل له عند الخامسة: اتق الله يا هلال فإن عذاب الله أشد من عذاب الناس، وأن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فقال: والله لا يعذبني الله عليها أبدا كما لم يجلدني عليها، فشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وقيل لها: اشهدي، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، وقيل لها عند الخامسة: يا هذه اتق الله فإن عذاب الله أشد من عذاب الناس، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فتلكأت ساعة، ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، قال ونهى رسول الله ﷺ (٢)

стр. 1386

أن ترمى ولا يرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها جلد الحد، وليس لها عليه قوت ولا سكنى، من أجل أنهما يتفرقان بغير طلاق) (١).

стр. 1387

نا إبراهيم بن حماد ومحمد بن يوسف (١) قالا: نا إسماعيل (٢) قال: نا محمد بن أبي بكر (٣) قال: نا سليمان بن داود (٤) قال: نا عباد بن منصور (٥) قال: نا عكرمة عن ابن عباس بهذا الحديث بطوله، وفي هذا الباب أحاديث كثيرة.

стр. 1388

وزعم أبو حنيفة وأصحابه: أن المحدود في القذف إذا قذف زوجته لم يكن بينهما لعان؛ لأن شهادته لا تقبل، قالوا وكذلك العبد إذا قذف زوجته، لأنه لا تقبل شهادته (١)، فأدخلوا شيئا في غير بابه، بأن الله قال في القَذَفَة: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢) فعلم أنه عنى بذلك ألا تقبل شهادتهم لغيرهم؛ لأن القاذف والعدل المرضي لا يكون شاهدا لنفسه، ولا تقبل شهادة واحد منهما لنفسه؛ لأن الشاهد عدل بين خصمين، فإن كان عدلا قبلت شهادته، وإن كان غير عدل لم تقبل شهادته، والشاهد لنفسه إنما هو خصم لا يقبل قوله على

стр. 1389

خصمه، ولو كان أعدل الناس، فكيف يدخل قاذف زوجته في باب من تقبل شهادته عليها وهو خصم لها. ولو كان اللعان يجري مجرى الشهادات لما لُوعن بينهما حتى تثبت عدالتهما، إنما جعل الله اللعان رحمة لعباده، إذ كان الأزواج لا يجرون مجرى غيرهم من سائر الناس الذين أُخذ عليهم، ومنعوا من الرمي، إذ كانوا لا ضرر عليهم في أنفسهم فيما عاينوه، والزوج يلزمه من إظهار ما رأى وعاين ما لا يلزم غيره؛ لأنه يخاف أن يلحق به نسب ليس منه، فجُعل له إذا أنكر حملا، ولم يعرف له نسب أن ينكره، وجعل له إذا عاين أو شاهد الزنا أن يخبر به، ثم جُعل له المخرج من ذلك باللعان، ولم يجُعل ذلك لغيره لضرورته إليه، ولا ضرورة لغير الزوج إلى ذلك. وإنما قيل: يشهد أربع شهادات بالله؛ لأن ما حكاه مأخوذ من باب المشاهدة بالأبصار أو بالقلب، فسمي شهادة لهذه العلة، ولذلك قال مالك ﵁: إن من قال لامرأته: يا زانية، ولم يقل: رأيت ولا نفى حملا؛ أنه يُحد ولا يلاعن (١)؛

стр. 1390

لأن ذلك أُخذ من باب المشاهدة، فالرجل يقول في لعانه: أشهد بالله لقد رأيتها تزني، وأشهد بالله ما هذا الولد مني، فهذه الأُولى مأخوذة من باب النظر، والثانية من باب مشاهدة القلب، قال الله : ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١) والشهادتان جميعا عن علم

стр. 1391

منه بهما، وشهادتهما (١) عن علم منها بصدقه أو كذبه، فكل واحد منهما موكول إلى علمه، وإن كان أحدهما كاذب لا محالة، فإذا كان اللعان أيمانا على مشاهدة؛ فكيف تجعل شهادة، والعدل لا تقبل شهادته لنفسه، وكيف شبهوا اللعان بالشهادة (٢) (٣) والشاهد لو قال: أشهد بالله مائة مرة لزيد على عمرو درهم واحد، ما جازت شهادته؛ لأن الشاهد إذا حلف كان منهما. وكل من حُكم عليه بيمين أو حُكم له بيمين، فالبر والفاجر والحر والعبد فيهما سواء، والمسلم والذمي، وقد عم? الله ﵎ في كتابه الأزواج، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ (٤) فكل هؤلاء من الأزواج، ولو أن رجلا فاسقا ظاهر الفسق، قذف امرأته لو جب بينه وبينها اللعان في قولهم، وهم لا يقبلون شهادته، وكذلك الأعمى في قولهم (٥)، وهم لا يقبلون شهادته، فقد أخرجوهما من باب الشهادات. ولو أن رجلا شهد على امرأته بالزنا وهو عدل، وشهد معه على ذلك ثلاثة شهود، لما قبلت شهادتهم عليها؛ حتى يشهد عليها أربعة سواه؛ لأن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ فالشهداء على الزنا أربعة، فإذا لم يكونوا أربعة سواه لم تقبل شهادتهم، فكيف يجري أمره وحده مجرى الشهادات.

стр. 1392

وقالوا: لا يكون بين الزوجين لعان حتى يكونا حرين مسلمين؛ لأن الرجل المسلم إذا قذف زوجته النصرانية، لم يكن عليه حد، وكذلك إذا قذف زوجته المسلمة (١) لم يكن عليه حد (٢). هذا القول إنما يجوز لقائله أن يقول، إذا علم أن الله ﵎ إنما أوجب اللعان من أجل الجلد خاصة، وليس في هذا دليل من كتاب الله ولا سنة نبيه ﷺ ، وليس الرمي الموجب للعان؛ القذفُ بما لم يشاهد، المسلمُ ـ عندنا ـ إذا قذف زوجته المسلمة وقال: لم أر ولا تيقنت؛ جُلد ولم يلاعن، وإنما الذي يلاعن من يقول: رأيت وتبينت، كما في الحديث. فإن قال قائل: قال الله ﵎: ﴿يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ كما قال: ﴿يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ قلنا: اللفظ قد يستوي ويفترق والمعاني، قد قيل: البينة على المدعي (٣)،

стр. 1393

ويكون مدعي بحق ومدعي بباطل، فمن أتى ببينة وإن كانت في الظاهر بيانا، فليس كمن لم يأت ببيان، والله أعلم. وقد سَمّى الله ﵎ رامي زوجته شاهدا، ولم يسم رامي الأجنبية شاهدا، فهذا بذلك على ما قلناه، وإنما المعنى في اللعان ما يسقط به الولد عن الزوج، إذا نفاه ولاعن زوجته. وقد أسقط رسول الله ﷺ الولد وجعله لأمه، ومنع أبو حنيفة وأصحابه، إذا كانت زوجته أمة أو نصرانية نفي الولد وألزموه ذلك (١)، وجعلوا الولد إذا كان من أمة أو نصرانية ألزم له من أن يكون من زوجة حرة مسلمة، وجعلوا قول الزوج للنبي ﷺ : (أرأيت إن وجد مع امرأته رجلاً، فإن تكلم به تكلم بأمر عظيم، وإن سكت (٢) سكت على مثل ذلك) ولو كان اللعان لدرء الحد لما كان الزوج إن سكت سكت على أمر عظيم، ولم يعلموا ما يخص الزوج من ذلك مما هو فيه مباين لسائر الناس. وقالوا أيضا: إن اللعان لا يوجب الفرقة حتى يطلق الزوج، واحتجوا بحديث سهل بن سعد (٣)، وهو عليهم؛ لأن سهلا قال في الحديث: (فطلَّقَها من غير أن يأمره رسول الله ﷺ بذلك) (٤) وذهب عنهم ما رواه ابن عمر، أحمد بن موسى (٥)، قال: حدثني

стр. 1394

القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: (أن رجلا لاعن امرأته في زمان رسول الله ﷺ وانتفى من ولدها، ففرق رسول الله بينهما، وألحق الولد بالمرأة) (١). ولا نعلم بين التابعين ممن فسر الآية خلافا في ذلك: أن كل زوج يلاعن إلا شيئا يروى عن إبراهيم النخعي، ولا أظنه يثبت (٢).

стр. 1395

وزعم العراقيون: أن الزوج إذا لاعن ولم تلاعن المرأة، لم يقم عليها الحد وحبست (١)، وتركوا قول الله ﵎: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (٢) والألف واللام لا تدخل إلا للمعرفة، فعُلِم أن العذاب هو العذاب المعروف بعينه، وقد ذكر الله ﵎ في أول السورة فقال عز من قائل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) وقال ﵎: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٤) كل

стр. 1396

هذا مشاربه إلى حد الزنا؛ لأنه شيء بعينه؛ ولأن المرأة إنما رميت بالزنا، وحلف عليه الزوج، فما كان في ذلك من كذاب (١) فإنما هو العذاب المعروف بالألف واللام. وقد تأول لهم متأول منهم: أن العذاب هو السجن، بقول الله ﵎: ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢) ولم يعرف ما احتج به؛ لأن العذاب الذي ذكر الله ﵎ غير السجن، وليس بمعين، وإنما قال: قالت: كذا أو كذا، ويمكن أن تكون المرأة أرادت جنسا من أجناس العذاب؛ لأنه يُكْره. وأبو حنيفة وأصحابه يحكمون بالنكول (٣) في الحقوق بغير يمين من الطالب، وجعلوه بمنزلة الإقرار، والملاعن قد تقدمت أيمانه على ما أدعى، ثم لا يحكمون على المرأة بنكولها، وقد أُنْزل فيها من القرآن ما أنزل، وممن انتهى إلينا تفسيره ممن فسر هذه الآية قالوا: إذا لم تلاعن جلدت أو رجمت، وقول النبي ﷺ للملاعن: (عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة) عند الجلد، وكذلك قوله للمرأة: (عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة) (٤) إنما أرادوا الحد، ودخول الحبس فيما بين ذلك، لا أعرف له وجها، وقوله للمرأة: (عذاب الدنيا أيسر) أراد الحبس عندهم إن أقرت، ما هذا عذاب من أقر بالزنا.

стр. 1397

فأما (١) الشافعي فخالفنا في هذه المسألة في موضعين؛ أحدهما: الحجاج فيه قد مضى على أبي حنيفة وعليه أيضا (٢)، والآخر: أنه زعم أن الزوج إذا تم لعانه وقعت الفرقة من قَبْلِ أن تلتعن المرأة (٣)،

стр. 1398

والمرأة لو شهد عليها بما رماها به الزوج أربعة شهداء، وَحَقَّ عليها الزنا؛ لما لزمه بذلك فراق، فكيف يكون بتحقيقه هو وأيمانه عليها بالزنا مفارقا لها (١)، ليس الحلف على الزنا موجبا للطلاق ولا للفراق، ولا لعنه لنفسه إن كان

стр. 1399

كاذبا موجب للفراق، وقد يكون صادقا في حلفه، وزعم أنه قال ذلك من قِبَل أن الفراق إنما يكون بالرجال (١)، وهو مع ذلك يقول: إن الرجل إذا مَلّكَ امرأته الطلاق فطلقت، كان هو المُطَلِق، فأقامها مقام الوكيل فيما جعله إليها، فإن ملكها فلم تُطَلِق، لم يلزمه طلاق، فهلا قال: إنه لما التعن جعل إليها أن تلتعن، فإن لم تلتعن بقيت على الزوجية، إلى أن يُحكم عليها فتحد، وإن التعنت فكأنها فارقت بما جعله إليها وفي يدها. وقد قال مالك: إن الفرقة تقع بتمام اللعان بينهما، من أجل الغضب واللعنة قد حقت على أحدهما، واللعن للكفار، وهما وإن لم يكونا بذلك كافرين، ولا أحدهما وهو الكاذب ـ هو أو هي ـ فقد حقت اللعنة، فلا يجوز أن تكون مسلمة تحت ملعون، ولا ملعونة تحت مسلم، إذ وقع التشبيه باللعن، قال الله ﵎: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٢) والظالمون هاهنا: الكافرون، قال ذلك ترجمان القرآن ابن عباس ﵀ (٣) ـ، ولو أن الشافعي اتبع لسلم، والله أعلم. قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ (٤). قال أيوب (٥) عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله : ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ إنما هو: تستأذنوا وتسلموا على أهلها، وقال: غلط الكاتب (٦).

стр. 1400

وقال جماعة من المفسرين من مجاهد وعطاء وغيرهم نحو ذلك، ولم يذكروا غلط الكاتب (١). وقال بعضهم: ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ هو: أن يعلم الداخل أن المدخول عليه لا يكره دخوله (٢). وهذا أصح في المعنى، أن يكون الاستئناس أليقه بالمقصود، ومع ذلك فلا بد من الاستئذان، ألا ترى أن ابن عباس روى أنه قال لعمر بن الخطاب ﵁: من اللتان تظاهرتا على رسول الله ﷺ فقال له: عائشة وحفصة (٣)، ثم قص عمر القصة، فذكر أنه أتى النبي ﷺ وهو في مشْربة، وغلام أسود واقف، فقال له عمر: استأذن لعمر! فدخل ثم خرج فقال: قد ذكرتك له فصمت، فعل ذلك ثلاثا، فلما ولى عمر اتبعه الغلام فقال: قد أذن لك، وذكر القصة بطولها (٤)، ومع ذلك فإن أبا موسى

стр. 1401

الأشعري (١) استأذن على عمر ثلاثا فلم يؤذن له، فانصرف فرده عمر فسأله عن انصرافه، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الاستئذان ثلاثا) فقال له عمر: (٢) لتأتين على ذلك ببينة وإلا، فأتاه بأبي سعيد الخدري فشهد له (٣). وهذان حديثان مرفوعان يدفعان ما روي عن ابن عباس، من أنه غلط من الكاتب، أنه: تستأذنوا، وأن الكاتب غلط فكتب: تستأنسوا، ورجع معنى تستأنسوا إلى معنى تستأذنوا، لأن الإذن إيناس. وكل رواية جاءت مخالفة لمصحفنا ردت على راويها، دون من حكي عنه ذلك من الصحابة؛ لأن من دونه أولى بالخطأ منه، والصحيح تستأنسوا، ومعناه تستأذنوا، وهو موافق لما قاله جماعة من المفسرين: أن يكون المدخول عليه لا يكره دخول المستأذن عليه، والله أعلم. قال الله : ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ (٤). هي الخانات (٥) والدور التي فيها أسواق التجار (٦).

стр. 1402

ومعنى ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ يعني تجارات لكم، والله أعلم ﴿لَكُمْ﴾ مثل قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١) يأكل بعضكم أموال بعض، كذلك ﴿مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ أي لجماعتكم متاع بعضكم من بعض. قال مجاهد وغيره: يدخل بغير إذن (٢). وقال عكرمة: كان ابن عمر يستأذن في مثل هذه، وفي القباب التي تضرب بمنى، وعلى الطريق للتجارات (٣)، فسُهِّلِ ذلك ـ من أجل أن ليس فيها حُرم ـ أن يسلم الإنسان ويدخل. والأحسن في ذلك أن يدخل الخانات بغير إذن، فأما بيوت الخانات والقباب وما أشبه ذلك، مما ينفرد به الإنسان لنفسه ومتاعه، فلا يدخل إلا بإذن والله أعلم، يقول: السلام عليكم، أألج؟ فإذا أُذن له دخل، هذا أليق بالسنة. قال الله ﵎: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (٤) يغضوا من أبصارهم عن جميع ما لا يحل لهم النظر إليه، وعما لا يأمنوا الفتنة به، وعلى المرأة من ذلك فوق ما على الرجل.

стр. 1403

قال الله ﵎: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (١). أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأتفوي، قال: أخبرنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي، قراءة عليه بمصر في منزله وأنا أسمع، قال: قال عبد الله بن مسعود: الثياب، وقال: الزينة زينتان؛ زينة باطنة، وزينة ظاهرة، فالباطنة كلها للزوج كل ما تزينت به المرأة، والظاهرة الباطنة (٢) لسائر الناس على وجه المعروف هذا معنى قوله (٣). وقال ابن عباس: الوجه والكفان ما ظهر والخاتم (٤). وقال ابن عمر: الوجه والكفان (٥).

стр. 1404

وقال المفسرون بكل قول من ذلك (١)، والذي عندي ـ والله أعلم ـ أنه

стр. 1405

الوجه والكفان على وجه المعروف، لا على تأمل المحاسن، لقول النبي ﷺ : (لك الأولى وليست لك الثانية) (١) والتَخَفُّر (٢) أيضا لفساد الناس واجب على المرأة في الوجه والكفين (٣) فأما الثياب فأمرها سهل، والمحاسن في الوجه، فَتَأَمُّلُه محظور على من خاف الفتنة، وكذلك الكفان، قال الشاعر: هلالية الأطراف مرية الحشا ... فزارية العينين طائية الفم (٤) وقال الأصمعي: الحسن في العينين والجمال في الأنف والملاحة في الفم. قال الله : ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (٥). دخلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر (٦) على عائشة زوج النبي ﷺ وعليها خمار رقيق يشف عن جبينها، فتناولته عائشة فشقته عليها وقالت: أما تعلمين
следующие страницы →