← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151196

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية

بكر بن العلاء

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

الأشعري (١) استأذن على عمر ثلاثا فلم يؤذن له، فانصرف فرده عمر فسأله عن انصرافه، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الاستئذان ثلاثا) فقال له عمر: (٢) لتأتين على ذلك ببينة وإلا، فأتاه بأبي سعيد الخدري فشهد له (٣). وهذان حديثان مرفوعان يدفعان ما روي عن ابن عباس، من أنه غلط من الكاتب، أنه: تستأذنوا، وأن الكاتب غلط فكتب: تستأنسوا، ورجع معنى تستأنسوا إلى معنى تستأذنوا، لأن الإذن إيناس. وكل رواية جاءت مخالفة لمصحفنا ردت على راويها، دون من حكي عنه ذلك من الصحابة؛ لأن من دونه أولى بالخطأ منه، والصحيح تستأنسوا، ومعناه تستأذنوا، وهو موافق لما قاله جماعة من المفسرين: أن يكون المدخول عليه لا يكره دخول المستأذن عليه، والله أعلم. قال الله : ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ (٤). هي الخانات (٥) والدور التي فيها أسواق التجار (٦).

стр. 1402

ومعنى ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ يعني تجارات لكم، والله أعلم ﴿لَكُمْ﴾ مثل قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١) يأكل بعضكم أموال بعض، كذلك ﴿مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ أي لجماعتكم متاع بعضكم من بعض. قال مجاهد وغيره: يدخل بغير إذن (٢). وقال عكرمة: كان ابن عمر يستأذن في مثل هذه، وفي القباب التي تضرب بمنى، وعلى الطريق للتجارات (٣)، فسُهِّلِ ذلك ـ من أجل أن ليس فيها حُرم ـ أن يسلم الإنسان ويدخل. والأحسن في ذلك أن يدخل الخانات بغير إذن، فأما بيوت الخانات والقباب وما أشبه ذلك، مما ينفرد به الإنسان لنفسه ومتاعه، فلا يدخل إلا بإذن والله أعلم، يقول: السلام عليكم، أألج؟ فإذا أُذن له دخل، هذا أليق بالسنة. قال الله ﵎: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (٤) يغضوا من أبصارهم عن جميع ما لا يحل لهم النظر إليه، وعما لا يأمنوا الفتنة به، وعلى المرأة من ذلك فوق ما على الرجل.

стр. 1403

قال الله ﵎: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (١). أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأتفوي، قال: أخبرنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي، قراءة عليه بمصر في منزله وأنا أسمع، قال: قال عبد الله بن مسعود: الثياب، وقال: الزينة زينتان؛ زينة باطنة، وزينة ظاهرة، فالباطنة كلها للزوج كل ما تزينت به المرأة، والظاهرة الباطنة (٢) لسائر الناس على وجه المعروف هذا معنى قوله (٣). وقال ابن عباس: الوجه والكفان ما ظهر والخاتم (٤). وقال ابن عمر: الوجه والكفان (٥).

стр. 1404

وقال المفسرون بكل قول من ذلك (١)، والذي عندي ـ والله أعلم ـ أنه

стр. 1405

الوجه والكفان على وجه المعروف، لا على تأمل المحاسن، لقول النبي ﷺ : (لك الأولى وليست لك الثانية) (١) والتَخَفُّر (٢) أيضا لفساد الناس واجب على المرأة في الوجه والكفين (٣) فأما الثياب فأمرها سهل، والمحاسن في الوجه، فَتَأَمُّلُه محظور على من خاف الفتنة، وكذلك الكفان، قال الشاعر: هلالية الأطراف مرية الحشا ... فزارية العينين طائية الفم (٤) وقال الأصمعي: الحسن في العينين والجمال في الأنف والملاحة في الفم. قال الله : ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (٥). دخلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر (٦) على عائشة زوج النبي ﷺ وعليها خمار رقيق يشف عن جبينها، فتناولته عائشة فشقته عليها وقالت: أما تعلمين

стр. 1406

ما أنزل الله ﵎ في سورة النور! ودعت بخمار فكستها إياه (١). وقال جابر: تلبس مالا يشف شعرا ولا يبدي نحرا (٢). قال الله عز وعلا: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية (٣). ما شارك فيه الزوج من ذلك الأب والابن والأخ، إلى آخر الآية، فإنما هو: الوجه واليدان إلى المرفقين، والعنق، والشعر، وما أشبه ذلك، يستوي فيه الزوج وغيره من المُسَمَين بالرحم، على وجه المعروف وإتباع النظر النظر، ويجوز للأب إذا كان مأمونا أن يُقبِّل منها هذه المحاسن فقد كان النبي ﷺ يقبل من فاطمة (٤) ﵂ فاها (٥)، ويجوز مثل ذلك للولد إذا كان مأمونا، ولا يجوز ذلك للأخ ومن دونه ممن ذكر في الآية من ذوي الأرحام، ويختص الزوج بالتلذذ دون الجماعة، وبالنظر إلى ما تحت الإزار من سائر البدن

стр. 1407

إلا الفرج فإنه لا ينظر إليه ذو دين، واختلف المفسرون في بعض ذلك، والذي توجبه الآية عندي ما ذكرته. وأما قوله سبحانه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ (١) فإن سعيد بن المسيب قال: الإماء دون الذكور من العبيد (٢). وقال الشعبي وغيره: يرى الذكور من العبيد الوجه والكفين، دون الشعر وما أشبهه (٣).

стр. 1408

وروى الزهري عن نبهان (١) مولى أم سلمة (٢) زوج النبي ﷺ أنه حدثه أنه بينما هو يسير مع أم سلمة بطريق مكة، وقد بقي عليه من كتابته ألفا درهم، قال: فكنت أتمسك بهما كي ما أدخل عليها فأراها، فقالت وهي تسير: ماذا بقي من كتابتك؟ قلت: ألفا درهم، قالت: هما عندك؟ قلت: نعم، قالت: فادفع ما بقي من كتابتك، إلى محمد بن عبد الله بن أبي أمية (٣) فإني قد أعنته بهما على نكاحه، وعليك السلام، ثم ألقت دوني الحجاب، قال: فبكيت ثم قلت: لا والله لا أعطيه إياها أبدا، قالت: والله

стр. 1409

يا بني إنك لا تراني أبدا (إن رسول الله ﷺ عهد إلينا أن إذا كان عند مكاتب إحداكن وفاء بما بقي من كتابته فاضربن دونه الحجاب) (١) (٢) ففي هذا الحديث بيان أن العبد يرى سيدته ما كان عبداً، والذي يراه الوجه والكفين، وليس بمحرم لها فيجوز له أن يسافر بها؛ لأن حرمته منها لا تدوم، وقد قال الله ﵎: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ (٣)، فأجرى ما ملكت أيمانهم مجرى الذين لم يبلغوا الحلم منهم، وأُمروا بالاستئذان في العورات الثلاث؛ لأن الناس يطرحون ثيابهم في هذه الأوقات، ولا يكونون في التستر فيها كما يكونون في غيرها، فهذا حكم العبد فيما يراه من سيدته، والله أعلم. قال الله ﵎: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ (٤).

стр. 1410

قال الزهري عن عروة عن عائشة، وعن علي بن الحسين (١): إن مخنثا كان يدخل على أزواج رسول الله ﷺ ويَرَيْنَه من غير أولي الإربة من الرجال، حتى دخل

стр. 1411

رسول الله ﷺ ذات يوم على أزواجه، فوجده يذكر بادية بنت غيلان الثقفي (١) امرأة عبد الرحمن بن عوف وهو ينعتها: إنها تلبت بالذكر والأنثى (٢) وإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال رسول الله ﷺ : (لا أرى يحسن ما هاهنا، لا يدخلن عليكن، فحجبنه) (٣).

стр. 1412

وروى هشام بن عروة (١) عن أبيه عن زينب بنت أم سلمة (٢) عن أم سلمة قالت: (دخل عليها رسول الله ﷺ وعندها أخوها عبد الله (٣) وعندها مخنث وهو يقول له:

стр. 1413

يا عبد الله إن فتح الله عليكم الطائف غدا، فعليك بابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال: لا يدخل هذا عليك) (١). وقال المفسرون؛ قال عكرمة: الذي لا يقوم إربه (٢). وقال مجاهد والشعبي: من لا أرب له في النساء (٣). وقال الحسن: الأحمق (٤). وروي عن مجاهد أيضا: المعتوه الذي لا يعقل شيئا من أمر النساء (٥). وقال سعيد بن جبير: هو الذي لا يقوم ذكره ولا ينتشر والمعتوه (٦). وقال طاوس: الأحمق الذي ليس له في النساء حاجة (٧). وقال الأوزاعي والليث: المختلط عقله (٨).

стр. 1414

قال بكر: قد ذكرنا ما روي في ذلك، وإذا كان التابع ممن لا يَرغب النساء في مثله، وحشة وبلادة، دخل في المعنى والله أعلم. قال الله : ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١). حدثنا القاضي بكر قال: أخبرنا إسماعيل القاضي قال: روى المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (ثلاثة كلهم حق على الله عونه: المجاهد في سبيل الله، والناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء) (٢) فهذا الحديث يدل على أن الله ﵎ يعين الثلاثة بالرزق والمال. ودلت الآية على أنه لا يجوز لأحد من المخاطب فيهن (٣) أن يزوج نفسه إذا كانت المخاطبة لغيرهم في إنكاحهم، فكان المخاطب في الأيامى وهن: كل امرأة لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا، لا يختلف أهل اللغة (٤) في ذلك بل توجبه الآية عندهم، ولولا ذلك لكانت البكر لم يؤمر بإنكاحها في شيء من القرآن، قال الشاعر (٥): فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي ... وإن كنت أفتى منكم أتأيم

стр. 1415

فالعرب تقول للرجل لا زوجة له: أيم. والمخاطب: العبد والأمة، والعقد عليهم للسادة، ثم فسر النبي ﷺ في الأيامى ـ إذ الآية تحتمل أن تُزَوَج الأيم شاءت أو كرهت، وتحتمل بأمرهن ـ بأن قال: (الأيم ـ وهي كل امرأة لا زوج لها من بكر وثيب ـ أحق بنفسها) من وليها الذي ليس له أن يزوجها إلا بأمرها، فأثبت الولاية عليها، وأنه ليس له (١) أن تزوج نفسها، ولا لوليها أن يفتات عليها بالعقد قبل إذنها، إذ هي أحق بنفسها منه فلها الاختيار، والعقد به وإليه، ثم قَسَمَ صلى الله عليه الأيامى قسمين: منهن ثيب وأبكار، فقال في جنس الأبكار ـ إذ كان الحياء يمنعهن من الاختيار وطلب الزوج ـ: (والبكر تستأذن وإذنها صُماتها) (٢) فقيل في هذا الجنس: إن الولي يختار ويستأذن، وجعل ـ للحياء ـ الصمات الإذن، قال محمد بن مسلمة عن مالك: وليس كل امرأة (٣) تعلم أن إذنها صماتها، فينبغي للولي أن يقول لها: صماتك إذن! فإذا صمتت بعد ذلك زَوّجَها (٤). فقد ثبتت الولاية على كل أيم بالآية والسنة، وبآية أخرى وهي قوله سبحانه: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (٥) فلو كان أمرها إليها؛ أي عضل كان يلحقها،

стр. 1416

وما وجب العتاب في النهي عن العضل، فأمْرُها إليها، وهذه الآية نزلت في معقل بن يسار (١) وذِكْرُها في موضعها إن شاء الله (٢). فأما الأب فلا يدخل في معنى الحديث في قوله: (البكر تستأذن) لأن الأب يزوجها صغيرة، ويجوز ذلك عليها أحبت أو كرهت، إذا كان الأب رشيدا، وقد تزوج رسول ﷺ عائشة من أبي بكر رحمة الله عليهما وهي ابنة سبع، ودخل عليها وهي ابنة تسع (٣)، وأجمع أهل العلم على جواز ذلك في الصغيرة (٤) للأب (٥) إلا شيئا ذُكر عن داود الأصبهاني (٦) وفيه طعن على نكاح رسول الله ﷺ عائشة ﵂ (٧)،

стр. 1417

ورأيت من أصحابه من ينكر ذلك، ومنهم من يقر به، وعلى أنه لو قاله ما كان قوله خلافا، لأن العلم يؤخذ عن الأكابر لا عن الأصاغر، ومن يأتي ليس بخلاف على من مضى.

стр. 1418

ولما قال الله : ﴿الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ علم أنهن الحرائر وهن لا يملكهن، وللأب أن يعقد ـ عند مالك ـ على ابنته ما كان نفقتها عليه واجبة، فإذا زالت النفقة عليه بانتقالها إلى غيره لم يعقد عليها إلا بأمرها. قال الحسن البصري: الأب يزوج الثيب ـ أيضا ـ وهي كارهة (١)، ولقوله وجه صحيح، ولكنه انفرد به، والعمل على الإجماع أولاً (٢) ومثله يكون خلافا. فأما العبد والأمة فإن مالكا يرى أن يعقد السيد عليهما (٣) شاءا أم أبيا؛ لأنه مالكٌ لهما ولِنَسْلِهِما، وله أن يبتغي ذلك منهما (٤)، وقال جرير (٥) عن منصور (٦) عن إبراهيم (٧) قالوا: يكرهون المملوكين على النكاح ويغلق عليهم الباب (٨). وقد قال أبو حنيفة وأصحابه في الأيامى قولا، دعاهم إليه قلة علمهم بالقرآن والسنن، وبنائهم على أصول لم يعرفوا أسبابها، وخالفوا في البكر أيضا، والروايات في

стр. 1419

البكر تخرج الأب من الخبر، لأن أكثر من رواه قال فيه: (واليتيمة تستأذن) (١) والكلام في ذلك يأتي إن شاء الله. قال الله تعالى ذكره: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (٢). اختلف المفسرون في هذه الآية؛ فمنهم من قال: إذا ابتغى العبد الكتابة ـ وكان له مال ـ وجب على السيد أن يكاتبه (٣).

стр. 1420

ومنهم من قال: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ مال (١).

стр. 1421

ومنهم من قال: أداء وأمانة، وقال: إذا ابتغى منه الكتابة وعلم منه ذلك لزمه أن يكاتبه (١). ومنهم من قال: ليس يلزمه أن يكاتبه إلا أن يشاء وإن علم أداء وأمانة (٢). ومنهم من قال: ليس له أن يكاتبه إلا أن يبتغي الكتابة (٣). ومنهم من قال: له أن يكاتبه كرها إذا علم أداء وأمانة وقدرة على ما يكاتبه عليه. وقال مالك: ليس على السيد أن يكاتبه كرها، وله أن يكاتب عبده كرها (٤). فأما قول من قال: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ مالا، فالخير لعمري المال، إلا أن مال العبد للسيد أن ينتزعه، ويبقى عنده بغير مال، فكيف يكاتبه على شيء له أن يأخذه بغير كتابة. وأما قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ وإن كان بلفظ الأمر فقد يأتي لفظ الأمر يراد به الإطلاق من حظر والإذن والنهي، قال الله : ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٥)

стр. 1422

وقال سبحانه: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (١) وقال ﵎: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ (٢) وهذا غاية الوعيد والنهي والزجر. وقد روي أن عمر حلف على أنس أن يكاتب سيرين (٣)، وهذا من عمر على وجه النظر لأنس، والرغبة له في الخير، ولو كان يراه واجبا لألزمه وحكم به عليه، ولم يحلف عليه، وإنما يمينه فعل الوالد ونظره لولده، لا على وجه الإجبار، فعمر ﵀ للناس جميعا كالأب الشفيق، ولو كان أنس يعلم أن ذلك واجبا (٤) عليه لما امتنع منه، وإنما أُمر بذلك على وجه الندب، ورُدّ إلى علم السادة، فقيل: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (٥) يعني أداء وأمانة، فلا مدخل للحاكم في ذلك، وما ليس للحكام فيه مدخل فيما يتنازع الناس فيه، فليس بواجب، وإذا لم يجب ارتفع التنازع. وقد حكي عن الشافعي أنه قال في المملوك يسأل سيده المكاتبة: أن ذلك لا يجب على السيد (٦)، وأنه إذا كاتبه وجب أن يُجْبر السيدُ على أن يضع عنه مما عقد

стр. 1423

عليه الكتابة شيئا ما كان (١) قال: (٢) وهذا ـ والله أعلم ـ عندي مثل قول الله : ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣) قال: فإن مات قبل أن يضع جُبِرَ ورثته على ذلك، وإن كانوا صغارًا وضع عنهم الحاكم قَلَّ ما يقع عليه اسم الشيء من كتابته، فجعل الشافعي الفرع أوجب من الأصل، وليس يكاد شيئا (٤) في كلام العرب يعطف بعضه على بعض، يكون أوله غير واجب وآخره واجب، هذا لا يكاد يعرف، وقد يكون الكلام أوله واجب وآخره غير واجب قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (٥) فبدأ بالعدل وهو واجب ثم ذكر الإحسان بعده، وقال : ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (٦) فبدأ بالواجب ثم ذكر التفضل بعده. وهذا الآية التي تأولها الشافعي قد رويت فيها الأحاديث، فمنهم من قال: يضع عنه الربع (٧)، وقال هذا القائل بعد ذلك: إنه لا يراه واجبا. وروي عن بعضهم أنه كان يختار أن يضع عن المكاتب آخر نجومه (٨).

стр. 1424

ومنهم من رأى أن يعطيه من عنده من غير مال المكاتبة (١). ومنهم من قال: عنى بهذه الآية الناس جميعا من مولاه وغيره (٢)، فكان ظاهر ما روي عنهم يدل على الاختيار من غير إيجاب. وأما المتعة فقد رُّغِب المُطلِق في ذلك، وقد مضى الكلام في موضعه (٣). وأما المكاتب إنما هو شيء ـ في قول الشافعي ـ يسقط من شيء يكون قد وجب للسيد، وليس يجوز أن يسقط من شيء معلوم شيء مجهول لا يعرف مقداره، وكيف يجوز أن يكتب على العبد مثلا أربعة آلاف ويشهد عليه بها، وهي أقل من أربعة آلاف، قد عملوا على ذلك، وحكم الكتاب أن يكون عدلا بين المتعاملين، فإن كان الذي كُتِبَ عليه حقا، فليس يجب على السيد شيء سواه، وإن كان باطلا فإن الكتابة منفسخة. والشافعي يزعم أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم مما كوتب عليه (٤)، فإن كان يعني أنه عبد ما بقي عليه درهم سوى ما يجب أن يُسْقَط عنه، وجب أن يكون ما يُسْقَط عنه معلوما في أصل الكتابة، حتى يعلم الحال التي يعتق فيها من الحال التي لا يعتق فيها، لأن هذا حكم بين رجلين إذا أداه المكاتَب عتق، فلا بد أن يكون معلوما كما كانت الكتابة معلومة، والشافعي يجعله مجهولا، وقال: أقل ما يقع عليه اسم شيء

стр. 1425

من الكتابة، فقد يجوز أن يجعله دانق فضة (١) من عشرة آلاف درهم، فهل يجوز في عقل عاقل، أن يأمر الله ﵎ في مثل هذا بهذا! وقد يجوز أن يلزم في ذلك أن يحط حبة، وأحسبه لم يفكر فيما وضع في كتابه من ذلك. وتأملت الروايات في ذلك من عمر وعلي صلوات الله عليهما ومن دونهما، فوجدتها كلها على التكرم وعلى غير الإيجاب، وكذلك (٢) روي عن عثمان، وقد كاتب عثمان ﵁ عبدا له على مائة ألف درهم فلم يحط منها شيئا واستوفاها (٣)، وكاتب أنس سيرين (٤) فاستوفى ولم يحط عنه شيئا، ونظائر هذا كثير، وهو شيء أمر الله به وندب إليه وأحبه من عباده الأصل والفرع (٥)، فلا ينبغي لذي علم أو دين أن يخرج من ذلك إلى المستقبح، إلا أن يكون قد نظر لعبده حين كاتبه نظرا يؤديه إلى العتق، فيجوز له أن يدع ويجوز ألا يدع له شيئاً، كما فعل عثمان وأنس وغيرهما.

стр. 1426

وقد ذكرنا في أول هذه المسألة قول من قال: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ مالا، وهو مذهب، وقد جعلوا للعبد مالا؛ لأن تفسيرهم وقع على أن للعبد مالا قبل أن يكاتب، والذين قالوا الخير الصلاح، فهو مذهب حسن وقد قال الله : ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١) فدل أيضا على أن العبد يملك المال؛ لأنه لا يوصف بالغنى والفقر إلا وهو ممن يملك المال، فإن قيل: إن الفقر المذكور في الآية، قد يمكن أن

стр. 1427

يكون في الأيامى خاصة، قيل: إنما يمكن أن يقع الخصوص في العبد دون الأيامى (١)؛ لأنهم الرجال وهم المحتاجون في النكاح إلى الغنى، لأن الرجال هم الذين يُصْدِقُون، والنساء يأخذن الصداق، والرجال ينفقون والنساء ينفق عليهن. قال عمر: ابتغوا الغنى في النكاح، ما رأيت مثل من قعد بعد هذه الآية ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٢) والأيم في اللغة: كل من لا زوج له من الرجال والنساء، وقد ذكرنا هذا في موضعه (٣). وأما قول مالك: إن للسيد أن يكاتب عبده شاء أم أبى، فإن ذلك يكون عنده على وجه النظر من السيد للعبد؛ لأن للسيد أن يؤاجره للسنة والسنتين، ويأخذ الأجرة والعبد باقٍ على رقه، فلما كان له ذلك، كان من المعروف والإحسان منه إليه، أن يكاتبه مدة معلومة، على مقدار يعلم أنه يطيق أداءه، في تلك المدة من أعماله واكتتابه، وليس للعبد أن يمتنع من ذلك، يؤديه إلى الحرية ولا ضرر فيه عليه، وإنما يجيز مالك للسيد هذه المكاتبة إذا كانت بهذه الشريطة، فأما إن حَمَّله ما لا يطيق، أو ما يطيق مُضَيَّقاً عليه فلا يجوز عنده، وهذا من المعروف الذي أمر الله به. ومن مذهبه أن يأمر المكاتِب ويحضه على ترك بعض النجوم مما يَقْوى به المكَاتَب على كتابته، يأمر بذلك ويراه وإن كان لا يوجبه (٤)، كما يؤمر به في المتعة وما أشبهها، والله أعلم.

стр. 1428

قال الله ﵎: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ الآية (١).

стр. 1429

روي عن جابر وابن عباس وجماعة أنها نزلت في عبد الله بن أبي سلول (١) كان له جاريتان إحداهما معاذ والأخرى مسيكة، كان يكرهما على البغاء يستنجب منهما العبيد، فكان يُكره ويضرب (٢) فأخبر الله بمغفرته للأمتين إذ كانتا مكرهتين كارهتين، فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) لهن. والآية على العموم وإن كانت نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ (٤) وقال: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٥) وقد كان هذا الفعل في الإماء في الجاهلية فكان مقرونا بكفرهم، فلما جاء الإسلام نسخ ذلك كله، وقيل: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦) فكل من دخل في الإيمان من حُرٍّ وعبد فقد حرم الله عليه الزنا. وقوله : ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ دليل على أنه لا تحريم على الكافرين وأنه لا اعتراض لنا في زناتهم وفسوقهم وخمورهم، إذا أقررناهم على أنهم لا

стр. 1430

يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق، وإذا لم يحرم الله عليهم الزنا لتضاف أعمالهم إلى كفرهم، فيكمل عذاب الله عليهم، فلا خطاب عليهم في تحليل ولا تحريم حتى يدخلوا في الإسلام، وإلى هذا دعا رسول الله ﷺ ، وأنفذ رسله إلى الأمصار من معاذ (١) وغيره، قال: (ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن قبلوا ذلك منك فأعلمهم بأن عليهم صلاة وزكاة) (٢) فلا شريعة ولا أمر ولا نهي إلا بعد الإيمان. وإن احتج محتج بقول الله : ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (٣) قيل له: معنى حل لهم إنما هو حل لكم أن تَطْعِمُوهم، فأما أن يظن ظان أن قولنا لهم: إنه حل لكم، وهم يدفعون الكتاب الذي فيه هذه الآية، كيف يكون منهم القبول، هذا ما لا يظنه ذو فهم ومعرفة. قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ (٤). الخادم والمملوك والحر الذي لم يبلغ الحلم، من ولد وأخ وولد أخ وما أشبه ذلك، من ذوي المحارم الذين يتخصصون بالمنزل، ويجرون مجرى أهله إذا كانوا فيه، هؤلاء كلهم يستأذنون في العورات الثلاث، ولا يَلِجُون بغير إذن، فيفاجئون الرجل مع زوجته في

стр. 1431

حال جماع وما أشبه ذلك، مما هو سر من الناس ومن كل أحد، ومن شأن الناس أيضا أن يطرحوا ثيابهم في هذه الأوقات الثلاثة، فربما فوجئ الإنسان وهو كاشف بعض عورته، أو في حال طهارته وغسله وما أشبه ذلك، فأدبوا بأحسن الأدب وأمروا بالاستئذان في هذه الأوقات دون غيرها، وفي غيرها يجري التسليم وفي الرد إذن، والله أعلم. قال الله ﵎: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (١). قال رجل لعمر ﵁: أستأذن على أمي؟ قال: نعم استأذن عليها (٢). وقال عبد الله مثله (٣). وقال رجل لحذيفة: أستأذن على أمي؟ فقال: إن لم تستأذن عليها رأيت منها ما يسؤوك (٤). وقال ابن عباس ﵁ مثل ذلك (٥).

стр. 1432

قال بكر: وهذا واجب في (١) الأخت والابنة وسائر ذوات المحارم، كوجوبه في الأم، ليس لبالغ أن يدخل على امرأة حتى يستأذن، وكذلك على الزوجة، إن خاف أن يكون عندها من النساء غيرها. قال الله : ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ (٢). قال ابن مسعود ﵁: الجلباب (٣)، أو قال: الرداء (٤). وقال ابن عباس: الجلباب (٥). وقال جماعة من المفسرين نحو ذلك (٦). قال بكر: وهذا إنما يكون في منزلها يراها ابنها وأبوها وأخوها، ولبس الجلباب خير لها من خلعه، ألا تراه قال: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ وإن فعلت من حَرٍّ أو علة، فقد وُسِعَ لها، ولا يراها غير ذوي أرحامها، والله أعلم بما أراد.

стр. 1433

قال الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ إلى ﴿جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ (١). روى مالك عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أنه كان يقول في هذه الآية ﴿(٢) أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَاءَكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ أنزلت في ناس كانوا إذا خرجوا مع رسول الله ﷺ ، وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى والأعرج والمريض وعند أقاربهم، وكانوا يأمرونهم أن يأكلوا مما في بيوتهم إذ احتاجوا إلى ذلك فكانوا يتقون أن يأكلوا منها ويقولون: نخشى ألا تكون أنفسهم بذلك طيبة، فأنزل الله ﵎ هذه الآية (٣). وقال غير سعيد: إن قوما كانوا يتحرجون من الأكل مع الأعمى والأعرج والمريض خوفا أن يصيبون (٤) من الطعام فوق ما يصيب الأعمى، فنزلت الآية (٥). حُدِثْنا عن إبراهيم بن بشار (٦) عن سفيان (٧) عن عمرو بن دينار عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي (٨) قال: كان الرجل في الجاهلية لا يأكل وحده ولا يشرب

стр. 1434

وحده وكانت العرب تعاير ذلك بينهم، ويسمى الرجل إذا أكل وحده المُرْضَع (١)، فكان أحدهم إذا وضع طعامه ليأكل أو جلب لِقْحَتَه ليشرب نادى من حوله، فإن أجابه أحد وإلا نصب عودا بين يديه بدل الرجل فيأكل ويشرب، قال: فنزل رجل من العرب وادياً وحلب لقحة له فنادى: هل بالوادي من أحد فليأت، فسمعه رجل فلم يجبه واختفى له في مكان، فلما علم أنه لم يجبه أحد أخذ عوداً أو خشبة فنصبها ثم أخذ الإناء ليشرب خرج إليه فقال: يا مرضع أتشرب وحدك! فخشي الآخر إن أفلت منه أن يعير بشربه وحده، فيصير ذلك عليه عارا، فعدا عليه بالسيف فقتله، فلما جاء الإسلام نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ (٢) روى الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: كان المسلمون يرغبون في النفير مع رسول الله ﷺ فكانوا يدفعون مفاتيحهم إلى ضُمَنَائهم، ويقولون: إن احتجتم فكلوا، فيقولون: إنما أَحَلّوه (٣) لنا عن غير طيب نفس، فأنزل الله سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا﴾ (٤) إلى آخر الآية (٥).

стр. 1435

قال بكر: وفي هذه الآية فقه لم أرهم ذكروه، وهو أن الله ﵎ قال: ﴿بُيُوتِكُمْ﴾ ولم يذكر الأبناء، وذكر الآباء ومن بعده حتى ذكر الصديق، والابن أقرب من الأب ومن عداه، وأولى بالمال الذي يملكه ابنه منه، فسائر أملاك الناس ممن ذكر وممن لم يذكر، فعلمنا أن بيوت الأبناء هي بيوت الآباء، فلم يحتج إلى ذكرها ودخلت في معنى بيوتكم، ولذلك قال رسول الله ﷺ : (أنت ومالك لأبيك) (١). قال الله ﵎: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ (٢). قال الحسن: يسلم بعضكم على بعض، كقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٣).

стр. 1436

قال ابن عباس: هو المسجد إذا دخلته فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (١). وكان عمر بن عبد العزيز ﵀ إذا دخل بيته قال: باسم الله، والحمد لله، السلام على رسول الله، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، اللهم أدخلني مدخل صدق، وأخرجني مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا (٢).

стр. 1437

ومن سورة الفرقان . قال الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (١). قال إسماعيل (٢): فوصف ﷻ الماء بأنه طهور، والطَّهُور الفعول، وهو الذي يطهر غيره مثل: رجل ضروب، ورجل قتول، أي يضرب ويقتل، وكذلك الوضوء يسمى طَهُور لأنه يطهر الإنسان للصلاة، قال رسول الله ﷺ : ? لا يقبل الله الصلاة بغير طَهُور? (٣) وقال ﷺ : ? جُعلت لي الأرض مسجدا وطَهُورا? (٤) فجعل التيمم يطهر في وقته ويقوم مقام الماء. فالذي يوجبه قوله ﵎ أن كل شيء غلب الماء عليه فقد طهره، وما لم يغير طعمه ولا لونه ولا ريحه فالماء على أصل حكمه، وقد طَهّر ما خالطه إذ غلب عليه وأزال حكمه، فكل ما حل بنجاسة في أرض أو ثوب (٥) فأزال الجسم واللون والطعم والريح فقد طهره، إذ كان وصف بأنه طَهُور، فما دام هو الغالب فالصفة ثابتة معه والاسم قائم فيه، وإذا غلبه غيره زال ذلك الحكم، وكذلك لو غلب عليه شيء غير

стр. 1438

نجس من دقيق أو عسل أو غيره زال عنه اسم الماء وحكمه في أنه يطهر غيره، فهذا الذي يجب في النظر أن يكون الأصل في الماء (١). قال بكر: وهذا قول فقهاء المدينة السبعة وغيرهم (٢)، وقد تحدث نجاسة في اليسير من الماء فيحتاط لذلك تنزها. وقال مالك ﵁ في الموطأ في الرجل يوضع له الماء لوضوئه فيدخل إصبعه في الإناء ليعرف حر الماء من برده، أنه إن لم يكن في إصبعه أذى فلا أرى الماء ينجس عليه (٣). فأما ما يوجبه النظر فما ذكره القاضي إسماعيل، وقال ابن عباس: الماء يُطَهِّر ولا يُطَهَر (٤). وقال الحسن وأبو العالية (٥) وسالم (٦) والقاسم (٧)

стр. 1439

وابن شهاب وربيعة (١) في ماء المطر في الأرض يصيب الثوب منه لم يروا به بأسا (٢). ومنهم من قرأ: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ (٣). وروى الأحوص بن حكيم (٤) عن راشد بن سعد (٥) قال: قال رسول الله ﷺ : ? الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب عليه ريحه أو طعمه? (٦). وقال مالك ﵁: إذا تغير طعم الماء أو ريحه أو لونه من نجس وقع فيه، فلا يصلح شربه ولا الوضوء منه، وإذا تغير من طحلب أو حَمْأَة (٧) فإن لم يجد غيره توضأ به (٨). وروى أبو سعيد الخدري قيل: ? يا رسول الله إنا نتوضأ من بئر بُضَاعة وفيها المحائض ولحوم الكلاب، فقال رسول الله ﷺ : الماء طهور لا ينجسه شيء? (٩) وقال المقدام

стр. 1440

بن شريح (١) عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : ? الماء لا ينجسه شيء? (٢) وقال سهل بن سعد: لو سقيتكم من بئر بضاعة لكرهتم ذلك، وقد والله سقيت رسول الله منها (٣). وقال ابن عباس ﵁ إن النبي ﷺ قال: ? الماء لا يجنب? (٤) وحكى ـ أيضا ـ عن ميمونة (٥) خالته قالت: ? أجنبت أنا ورسول الله فاغتسلت من جَفْنَةٍ، ففضلت فَضْلَة،
следующие страницы →