← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151196

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية

بكر بن العلاء

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

¬ المطلب الثاني: النسخ الخطية ووصفها . يوجد للكتاب نسخة فريدة في إحدى المكتبات بتركيا، تقع بين مئات المخطوطات المتنوعة، التي لم تفهرس، ولم توضع للتداول، وفيما يلي وصف هذه النسخة: مكان وجودها: توجد هذه النسخة الفريدة في مكتبة: بيازد بدولة تركيا، تحت رقم: (١٨٨٩). عدد أجزائها: تقع هذه المخطوطة في جزأين. عدد لوحاتها: خمس وعشرون وثلاثمائة لوحة. عدد الأسطر: في كل صفحة تسعة عشر سطرا. عدد الكلمات في السطر: في كل سطر ما بين تسع كلمات، إلى اثنتي عشرة كلمة. راوي النسخة: الإمام أبو بكر محمد بن علي الأدفوي. اسم ناسخها: عبد الكافي بن محمد. تاريخ نسخها: تم الفراغ من نسخها في ربيع الأول سنة تسع وثمانين وخمسمائة للهجرة. نوع الخط: خط نسخ. وصف النسخة: أولا: هي نسخة كاملة سالمة من الخرم والسقط، والمحو والطمس. ثانيا: خطها واضح. ثالثا: يوجد في هوامشها تصحيحات بخط ناسخها. رابعا: النسخة مقابلة، إذ يوجد على هامشها بلاغات. خامسا: نسخت من نسخة قرأها الإمام أبو بكر الأدفوي على مؤلفها بمصر، عام ٣٤١ هـ. سادسا: كثير ما أُسقط الحرفان العاطفان: الفاء والواو، من أوائل الآيات الواردة فيها. سابعا: وردت بعض الأسماء والألفاظ مضبوطة بالشكل. ثامنا: وقعت بعض المواضع التي أغفل فيها الناسخ إثبات الألف الدالة على النصب، نحو: شيئا، حملا، محتجا، وقد بلغت هذه المواضع ثلاثة عشر موضعا، وقد أثبت الألف لدفع توهم الرفع في تلك المواضع. تاسعا: يوجد بعض التعليقات وأبيات الشعر في ظهر عنوان الجزء الثاني، ليست ذات صلة بالكتاب ولا موضوعه، منها: " قال رسول الله ﷺ : (خير الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام فأمره ونهاه في ذات الله فقتله). وقال ﷺ : (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر). ووصف ﷺ عمر ﵁ فقال: (قرن من حديد، لا تأخذه في الله لومة لائم، تركه قول الحق وما له من صديق). وروي أن معاوية حبس العطاء، فقام له أبو مسلم الخولاني، فقال له: يا معاوية إنه ليس من كدك، ولا من كد أبيك، ولا من كد أمك، فغضب معاوية ونزل المنبر، وقال لهم: مكانكم، ثم خرج عليهم، وقال: إن أبا مسلم كلمني بكلام فأغضبني، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الغضب من الشيطان، والشيطان خلق من النار، وإنما يطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليغتسل، وإني دخلت واغتسلت، وصدق أبو مسلم، إنه ليس من كدي، ولا من كد أبي، فهلموا إلى عطائكم. أ. هـ.

стр. 177

¬ المطلب الثالث: مصادر المؤلف . من الصعب استبانة المصادر التي اعتمدها أبو الفضل القشيري في كتابه أحكام القرآن، والموارد التي استقى منها؛ وذلك لأنه لم يُؤلِفْ كتابه ابتداء ـ حتى يُمكن التعرف على مصادره ـ وإنما اختصره من كتاب شيخه القاضي إسماعيل، ومن المعروف أن المختصرات تعتمد في جُلِّ مادتها العلمية، على الأصل الذي اخُتُصِرت منه، اكتفاء به عن الرجوع إلى مصادر أخرى. وإذا: فالأصل الذي اختصره هو المصدر والأساس له ـ إن جاز التعبير ـ ولهذا سيكون من نافلة القول الإشارة إليه. على أنه وإن تكن الحال ما ذُكر، فقد ألمح المؤلف إلى عدد من المصادر التي استفاد منها وانتفع بها، غير أن ما ذكر منها في كتابه لم يكن كثير العدد، أو بعبارة أدق: لم يكن المنصوص عليه منها عديْدَا. ويمكن تقسيم تلك المصادر بحسب موضوعاتها إلى ثلاثة مصادر، على النحو الآتي: " مصادر السنن والآثار. وكان اعتماد المؤلف في ذكر السنن والآثار والاستشهاد بها على الرواية عن الشيوخ، والسماع من الرواة، فقد عاش ﵀ شطر عمره في أواخر القرن الثالث، وشطره الآخر في أوائل القرن الرابع، وهذان القرنان من القرون التي شهدت عناية كبيرة بالرواية والسماع، ولهذا فالشيوخ الذين اتصل بهم القشيري، وسمع منهم، وروى عنهم، ظهر أثرهم في كتابه، حيث كان يسند بعض الروايات والآثار على نحو ما سمعه من شيوخه، ومن أمثلة ذلك: ما أسنده من طريق: أبيه محمد بن العلاء، ومحمد بن الحسن بن مكرم، عن النبي ﷺ في معنى قوله تعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال: حدثنا محمد بن الحسين بن مكرم، وحدثني أبي قالا: حدثنا محمد بن بشار بُنْدار قال: حدثنا يحي بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن صفوان بن سليم، عن أبي سلمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ قال: ? الخط? (١). " المصادر الفقهية. سيكون من العسير الوقوف على المصادر الفقهية، في كتاب يعتبر الفقه هو أساس مادته، وصلب موضوعه؛ لأن المؤلف سيحتاج إلى النظر في عدد كبير من المصادر الفقهية، المتنوعة بتنوع المذاهب وتعدد الأقوال، ولقد كان أبو الفضل يستعرض في كتابه الخلاف مع المذاهب الفقهية، ولا سيما مع الأحناف والشافعية، فيورد قول أئمة هذين المذهبين ـ على وجه الخصوص ـ ويرد عليهم، ويناقشهم في قولهم، ويخطئ رأيهم، وهو في هذا كله، لا ينص على كتاب بعينه، ولا يحيل على مصدر بذاته، مكتفيا بشهرتهم، وظهور أقوالهم بين الناس، ومن أولئك الأئمة الذين أورد قولهم: ١. أبو حنيفة النعمان. ٢. محمد بن إدريس الشافعي. وقد نقل عنهما أقوالهم فأكثر، لكنه لم يحل على مصدر بعينه، ومن المثال على ما نقله عن أبي حنيفة وأصحابه؛ ما أورده عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ قال أبو حنيفة وأصحابه: إن القاذف إذا تاب لم تقبل شهادته،

стр. 178

¬واحتجوا بأن الاستثناء لم يقع على كل ما ذكر في القرآن، وأن الدليل على ذلك، أنه لو تاب لم يسقط عنه الحد" (١). ومن مثال إيراده كلام الشافعي ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (٢) قال: " وقد حكي عن الشافعي أنه قال في المملوك يسأل سيده المكاتبة: أن ذلك لا يجب على السيد، وأنه إذا كاتبه وجب أن يُجْبر السيدُ، على أن يضع عنه مما عقد عليه الكتابة شيئا ما .. " (٣). وقد وجدت له موضعا واحدا نص فيه على كتاب الربيع ـ وهو أحد أشهر الرواة عن الشافعي ـ قال: " وزعم الشافعي أن حجته على من ذهب إلى ما روي عن النبي ﷺ : ? أن الماء لا ينجسه شيء? ؛ ما روي عنه ﷺ أن الكلب إذا ولغ في إناء غسل سبع مرات، وهو يزعم في كتاب الربيع أنه قال في الكلب بالسنة" (٤). ٣. أبو جعفر الطحاوي. ومن أولئك العلماء الذين أورد قولهم، وحكى مذهبهم: أبو جعفر الطحاوي الحنفي، فقد أورد عند قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٥) ما نصه: " وزعم الطحاوي في حكاية ذكرها، أن سهيلا سُئل عن الحديث، فلم يعرفه .. " (٦). ٤. مؤلفاته الأخرى. ومن المصادر التي اعتمدها القشيري، وأحال عليها في كتابه أحكام القرآن، بعض مؤلفاته الفقهية الأخرى، فنجده في بعض المواضع يشير إليها ويحيل عليها، وربما اكتفى بذلك عن الكلام عن الآية، مثال ذلك ما وقع له في سورة النحل عند قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ (٧) قال: " ولنا في هذه الآية: وصف ما كان القوم يفعلون، ثم لما وقع التحريم عُلِم بهذه الآية أن الخمر من هاتين الشجرتين، وقد شرحنا ذلك في كتاب الأشربة " (٨). ٥. مؤلفات القاضي إسماعيل. من مصادره الفقهية ـ أيضا ـ كتب شيخه، صاحب الأصل، القاضي إسماعيل، فمع كونه أحد شيوخه الذي سمع منهم، وأخذ عنهم، فقد كان يحيل على بعض مؤلفاته، وربما اكتفى بذلك عن مناقشه قول المخالف، كما وقع في سورة الحشر، عند قوله تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ﴾ (٩) فقد اكتفى بالإحالة على أحد كتب القاضي إسماعيل، ولم يتكلم عن الآية، قال: " هذه الآية قد تكلم فيها القاضي إسماعيل في: كتاب الخمس، بما لا يحتاج إلى زيادة فيه " (١٠).

стр. 179

¬" المصادر اللغوية. مع أن الكتاب إنما هو في أحكام القرآن، فقد تضمن وقفات حسنة في بعض المباحث اللغوية (١)، ونقل كلام عدد من كبار أئمة اللغة، مستشهدا به على معاني الآيات الكريمة، ومن أولئك الأئمة الذي أورد قولهم: ١. أبو عبيدة مَعْمَر بن المثنى. ٢. أبو عمرو بن العلاء. ٣. سيبويه. ٤. أبو عمر الجَرْمي. ٥. الأصمعي. وسأذكر الأمثلة ـ إن شاء الله تعالى ـ على أخذه عنهم، ونقله لكلامهم، في المطلب الخاص بمنهج المؤلف في الاحتجاج بلغة العرب. المطلب الرابع: القيمة العلمية للكتاب . لعل ما سبق من تعريفٍ بالمؤلف، يكشف لنا عن جانب من قيمة هذا الكتاب، ومكانته العلمية، وفي هذا المطلب سأذكر ـ بعون الله ـ عددا من النقاط الدالة على قيمة هذا الكتاب، ومكانته في المكتبة القرآنية، وبين كتب أحكام القرآن خصوصا، وذلك فيما يلي: أولا: يدل على القيمة العلمية لهذا الكتاب، مكانة مؤلفه أبي الفضل القشيري، وقد تقدم في الفصل السابق الحديث بالتفصيل عن المكانة العلمية التي تبوأها، وأذكر هنا أن له مكانة علمية خاصة في التفسير، وقد سبق ذكر كلام الزيلعي واستشهاده بكلامه في مسألة تتعلق بالتفسير (٢)، وهنا أشير ـ أيضا ـ إلى أن الإمام القرطبي، استشهد برأيه ووصفه بأنه من المحققين في التفسير الراسخين في العلم، وذلك لما ذكر اضطراب بعض المفسرين في كلامهم عن معنى الخشية في قوله تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (٣) ثم بين معنى الخشية هنا بقوله: " وخشي رسول الله ﷺ أن يلحقه قول من الناس، في أن يتزوج زينب بعد زيد وهو مولاه، وقد أمره بطلاقها، فعاتبه الله تعالى على هذا القدر، من أنه خشي الناس في شيء قد أباحه الله له، بأن قال أمسك مع علمه بأنه يطلق، وأعلمه أن الله أحق بالخشية، أي في كل حال، قال علماؤنا ـ رحمة الله عليهم ـ: وهذا القول أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية، وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين

стр. 180

¬والعلماء الراسخين: كالزهري، والقاضي بكر بن العلاء القشيري، والقاضي أبي بكر بن العربي" (١). ثانيا: ومما يشهد لمكانة هذا الكتاب وقيمته العلمية، أنه اختصار لكتاب أحكام القرآن الكبير للقاضي إسماعيل، وستأتي الإشارة إلى مكانة كتاب أحكام القرآن، ومنزلة مؤلفه القاضي إسماعيل في أول المبحث الثاني. ثالثا: أثنى أهل العلم الذين ترجموا لأبي الفضل القشيري على كتابه أحكام القرآن، فهذا القاضي عياض يقول: " وألف بكر كتبا جليلة منها: كتاب الأحكام المختصر من كتاب إسماعيل بن إسحاق والزيادة عليه " (٢)، ونحو هذا قال ابن فرحون (٣) وقال الصفدي: " وصنف في المذهب كتبا جليلة: كتابا في الأحكام والرد على المزني .. " (٤)، والذهبي يقول عنه: " ومؤلفه في الأحكام نفيس" (٥). ويقول ابن أبي زيد القيرواني في وصيته لأحد طلابه: " ... وإن كانت لك الرغبة في الرد على المخالفين من أهل العراق، وعلى الشافعي، فكتاب ابن الجَهْم إن وجدته، وإلا اكتفيت بكتاب الأَبْهُري إن اكتسبته، ففيه فوائد، وكتاب الأحكام لإسماعيل القاضي، وإلا اكتفيت باختصارها للقاضي ابن العلاء ... " (٦)، وهذه شهادة قيمة جدا من أحد أبرز رموز المذهب المالكي وأئمته. رابعا: يعتبر كتاب أحكام القرآن للقشيري، من أقدم الكتب التي انتهت إلينا، وصارت بين أيدينا، مما ألف في أحكام القرآن الكريم، ذلك أن مؤلفه أبا الفضل القشيري ﵀ توفي في أوائل القرن الرابع الهجري، عام أربع وأربعين وثلاثمائة للهجرة، وهو بهذا يعتبر من أقدم المؤلفات في أحكام القرآن الكريم. خامسا: يتميز أحكام القرآن للقشيري، بسمة بارزة جديرة بالعناية، دالة على قيمته العلمية، هي ما يلاحظه الناظر من عناية كبيرة بآثار السلف وأقوالهم، فلا تكاد تخلو آية من آيات الأحكام التي تكلم عنها، من جملة من الآثار والروايات عن الصحابة والتابعين. وأكثر من هذا أنه تضمن عددا من الآثار، التي لم أقف عليها في شيء من المصادر التفسيرية أو الحديثية، وقد أشرت في فهرس الآثار إليها وميزتها عن غيرها. سادسا: وسمة بارزة لهذا الكتاب، تزيد من قيمته ومكانته العلمية، ما تضمنه من اختيارات وترجيحات لأبي الفضل القشيري، كان كثيرا ما يختم بها كلامه عن الآية أو المسألة، على نحو دال على رسوخ قدمه في العلم، وعلو كعبه فيه. وهذا يدلنا على أن كتاب أبي الفضل القشيري، لم يكن مجرد اختصار على غرار بعض المختصرات، التي اكتفى مؤلفوها بالحذف والاختصار، بل تميز بهذه الزيادات في المسائل العلمية، مع الاختيار والترجيح.

стр. 181

¬المبحث الثاني: منهج المؤلف في كتابه وفيه سبعة مطالب: المطلب الأول: الأصل الذي اعتمده في تفسيره. المطلب الثاني: الطريقة العامة في عرض الآيات وتفسيرها. المطلب الثالث: منهجه في التفسير بالمأثور. المطلب الرابع: منهجه في الاستدلال بالإجماع. المطلب الخامس: منهجه في الاستدلال بلغة العرب. المطلب السادس: منهجه في عرض المسائل الفقهية. المطلب السابع: اهتمامه بعلوم القرآن.

стр. 182

¬ المطلب الأول: الأصل الذي اعتمده في تفسيره . كتاب أحكام القرآن لأبي الفضل القشيري، هو اختصار لكتاب أحكام القرآن للقاضي إسماعيل بن إسحاق. وهذا المطلب يلقي الضوء على ذلك الأصل الذي اختصره القشيري، مع بيان طريقته في اختصاره، وذلك في فقرتين: الفقرة الأولى: التعريف بالكتاب الأصل . الفقرة الثانية: منهج القشيري في اختصار كتاب القاضي إسماعيل. الفقرة الأولى: التعريف بالكتاب الأصل. اختصر القشيري في مُؤَلَفِه هذا، كتابا كبيرا، اسمه: أحكام القرآن، ألفه شيخه القاضي: إسماعيل بن إسحاق، وفي هذه الفقرة سأعرف بالكتاب ومؤلفه، في ضوء الآتي: أولا: التعريف بالمؤلف، ومكانته العلمية (١). " اسمه وكنيته ولقبه: هو القاضي: إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم الجَهْضَمِي الأَزْدِي، مولى آل جرير بن حازم، أبو إسحاق البصري المالكي. " نشأته: ولد ﵀ سنة تسع وتسعين ومائة، في بيت آل حماد، وهم أهل بيت بالعراق، عرفوا بالعلم، قال ابن فرحون عن هذه الأسرة الكريمة: " كانت هذه البيتة على كثرة رجالها، وشهرة أعلامها، من أجل بيوت العلم بالعراق، وأرفع مراتب السؤدد في الدين والدنيا، وهم نشروا هذا المذهب هناك، وعنهم اقتبس، فمنهم من أئمة الفقه ومشيخة الحديث عِدَةٌ، كلهم جلة، ورجال سنة، روي عنهم في أقطار الأرض، وانتشر ذكرهم ما بين المشرق والمغرب، وتردد العلم في طبقاتهم، وبيتهم نحو ثلثمائة عام .. " (٢). " شيوخه: سمع من: محمد بن عبد الله الأنصاري، ومسلم الفَرَاهِيدى، وسليمان بن حرب، وحجاج بن مِنْهَال الأَنْمَاطِي، ومُسَدد بن مُسَرهد، والقَعْنَبي، وأبي الوليد الطيالسي، وإبراهيم بن الحجاج السامي، وأحمد بن يونس، وإسماعيل بن أبي أويس، وعلى بن المديني، وسواهم كثير. " تلاميذه: روى عنه: موسى بن هارون، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وأبو القاسم البغوي ويحيى بن صاعد، وأبو عمر القاضي، وابن عرفة النحوي، وأبو بكر بن الأنباري، والمحاملي، ومحمد بن مِخْلَد الدوري، وإسماعيل الصفار، وابنا بُكَير، وابن الجهم، وبكر بن محمد القشيري، والفريابي، وابن أصبغ، وعدد كثير سوى هؤلاء.

стр. 183

¬أخذ القراءة عن قالون، والفقه عن ابن المعذل، والحديث عن علي بن المديني. وكان عالما باللغة بارعا بالتصريف، حتى قال المُبَرِّد: " لولا أنه مشتغل برياسة العلم والقضاء لذهب برياستنا في النحو والأدب " (١). " أعماله: ولي قضاء بغداد وجمعت له في وقت، ولم تجتمع لأحد قبله، وأضيف إليه قضاء المدائن والنهروانات، وولى قضاء أَخْيَرا، ومكث فيه مدة طويلة تزيد عن أربعين سنة (٢)، وكان ﵀ قويا في الحق شديدا على أهل البدع، إذ كان من رأيه أن يستتابوا، حتى إنهم تحاموا بغداد في أيامه (٣). " مكانته العلمية: لقد كان للقاضي إسماعيل ﵀ أثر كبير في نشر مذهب مالك في العراق، وتقوية طريقته ورأيه، والاحتجاح له، على نحو لم يكن لأحد قبله من أهل العراق، حتى إنه يُعْتَبر ـ بحق ـ المؤسس الفعلي للمدرسة المالكية بالعراق، فهو الذي رسم ملامحها، وأسس قواعدها، ومهد طريقتها (٤)، ولهذا فقد كان ثناء أهل العلم عليه عَطِرا، وعباراتهم في ذلك تدل على قدر ما بلغه من مكانة علمية، ومنزلة بين أهل العلم. وفي هذا السبيل أذكر نصا قَيّما من كلام الخطيب البغدادي في تاريخه، يكشف عن جوانب شخصيته العلمية المتميزة، قال ﵀: " وتقدم في هذا العلم حتى صار علما فيه، ونشر من مذهب مالك وفضله، ما لم يكن بالعراق في وقت من الأوقات، وصنف في الاحتجاج لمذهب مالك والشرح له، ما صار لأهل هذا المذهب مثالا يحتذونه،

стр. 184

¬وطريقا يسلكونه، وانضاف إلى ذلك علمه بالقرآن، فإنه ألف في القرآن كتبا تتجاوز كثيرا من الكتب المصنفة فيه، فمنها: كتابه في أحكام القرآن، وهو كتاب لم يسبقه إليه أحد من أصحابه إلى مثله، " (١). بل نقل ابن فرحون عن الأصولي البارع أبي الوليد الباجي، أنه بلغ رتبة الاجتهاد المطلق، وقال: " ولم تحصل هذه الدرجة بعد مالك بن أنس إلا لإسماعيل القاضي " (٢). " آثاره العلمية: خلف القاضي إسماعيل ﵀ عددا كبيرا من الآثار العلمية الدالة على مكانته، وتفننه في العلوم، وتبحره في الفنون، منها: ١. كتاب أحكام القرآن. ٢. الموطأ. ٣. كتاب في القراءات. ٤. كتاب معاني القرآن وإعرابه. ٥. كتاب الرد على أبي حنيفة. ٦. كتاب في الرد على الشافعي في مسألة الخمس وغيره. ٧. كتاب المبسوط في الفقه. ٨. المغازي. ٩. كتاب الصلاة على النبي ﷺ (مطبوع). ١٠. مسند حديث أيوب السختياني (مطبوع). ١١. كتاب الأصول. ومما يؤسف له أن غالب هذه المصنفات وسواها مما لم يذكر، هي في عداد المفقود من تراثنا العلمي.

стр. 185

¬ ثانيا: اسم الكتاب، وقيمته العلمية . اسم الكتاب الذي ألفه القاضي إسماعيل بن إسحاق، واختصره أبو الفضل القشيري هو: ((أحكام القرآن)). وقد أشار إلى هذا الكتاب واسمه، أكثر من ترجم للقاضي إسماعيل (١). لقد كان هذا الكتاب محط تقدير العلماء وثنائهم عليه، فأكثروا من النقل عنه والأخذ منه، ولذا قال الخطيب البغدادي: " كتابه في أحكام القرآن، وهو كتاب لم يسبقه إليه أحد من أصحابه إلى مثله " (٢)، ونحو هذا قال ابن فرحون (٣)، والداودي (٤)، وقال ابن العربي المالكي في معرض الثناء على كتاب القاضي إسماعيل: " وأعظم من انتقى منه الأحكام بصيرة؛ القاضي أبو إسحاق، فاستخرج دُرَرَها، واستحلب دَرّها، وإن كان قد غير أسانيدها، لقد ربط معاقدها، ولم يأت بعدهما من يلحق بهما" (٥). " التعريف بما بقي منه (٦). مما يؤسف له أن يكون هذا الكتاب القيم الذي ألفه القاضي إسماعيل في عداد المفقود من تراثنا، غير أنه حَفِظَت لنا بعض المكتبات العلمية قطعة صغيرة من ذلك الكتاب الضخم، تلقي مزيدا من الضوء على طبيعة الكتاب، وطريقة تأليفه، وسأعرف بهذه القطعة من المخطوط الأصل في ضوء الآتي: السور التي تضمنتها: ١. جزء من سورة النساء. ٢. جزء من سورة المائدة. ٣. جزء من المؤمنون. ٤. جزء من النور. ٥. الجمعة. ٦. المنافقون. ٧. التغابن. ٨. جزء من الطلاق. مكان وجودها: توجد هذه النسخة الفريدة في مكتبة رقادة بالقيروان بتونس. عدد النسخ: يظهر أن هذه القطعة المتبقية، هي ملفقة من عدد من النسخ، ذلك أنها كتبت بخط مختلف. عدد الأسطر: بلغ عدد الأسطر في إحدى النسخ سبعة وعشرين سطرا، وتراوح عدد الكلمات ما بين ١٠ ـ ١٣ كلمة. وفي النسخة الثانية بلغ عدد الأسطر واحدا وعشرين سطرا، وتراوح عدد الكلمات في السطر ما بين ١٠ ـ ١١ كلمة. اسم ناسخها: لا يعرف، فهي غير كاملة. نوع الخط: نسخة بخط أندلسي قديم سيء، والثانية أندلسي جيد. وصف النسخة: هناك عدد من الملاحظات على النسخة، منها:

стр. 186

¬أولا: هذه القطعة عبارة عن جزء صغير من كتاب القاضي إسماعيل، تضمنت أجزاء من بعض السور، كما تضمنت سورا أخرى تامة، على نحو ما في المختصر، وهي: السور التامة على نحو ما وردت في المختصر، فهي: سورة الجمعة، وسورة المنافقون، وسورة التغابن. وأما السور التي ذكر بعضها في هذه القطعة، فهي: سورة النساء، وسورة المائدة، وسورة المؤمنون، وسورة النور، وسورة الطلاق. ثانيا: يوجد في النسختين خرم ومحو. ثالثا: يوجد في هوامشهما تصحيحات بخط ناسخها. رابعا: يوجد عليها بلاغات. وهذه القطعة وإن تكن صغيرة فهي قيمة جدا إذ ساعدت بشكل كبير على معرفة منهج أبي الفضل القشيري في اختصاره لكتاب القاضي إسماعيل ـ رحمهما الله ـ. " مختصرات كتاب أحكام القرآن. لهذه المكانة المتميزة لكتاب القاضي إسماعيل، فقد اعتنى به أهل العلم، ولا سيما من المالكية، وقد اهتم به على وجه الخصوص تلامذته الذين أخذوا عنه، فكان منهم من قام باختصار هذا الكتاب الضخم، تقريبا لطلاب العلم وتيسيرا للإفادة منه، كابن المعذل، وهذه المختصرات جميعها في عداد المفقود من تراثنا، عدا مختصر القاضي أبي الفضل القشيري، ﵏ جميعا. الفقرة الثانية: منهج القشيري في اختصار كتاب القاضي إسماعيل . مما يؤسف له أن كتاب أحكام القرآن الأصل، في عداد تراثنا العلمي المفقود، الذي لا يعرف مصيره، ولذا فإن استبانة طريقة تلميذه أبي الفضل في اختصاره، لن تكون بالصورة التي تُرجى، غير أن هذا العائق لا يمنع استبانة المعالم العامة لذلك الاختصار، والملامح المجملة له. ويمكن ترسمُ تلك المعالم، وتمييز تلك الملامح، بعد الاستعانة بالله ـ تعالى ـ بثلاثة عوامل: العامل الأول: المنهج الذي رسمه أبو الفضل نفسه، وذكر أنه سلكه في اختصاره، وهو الركن الأساس في هذه الاستبانة. العامل الثاني: وجود قطعة من الأصل المختصر، ستكون بعون الله خير معين على الكشف عن طبيعة هذا الاختصار، حيث ساعدت كثيرا على معرفة المنهج الذي سار عليه المؤلف في اختصاره. العامل الثالث: مقارنة النصوص التي نقلها أهل العلم من كتاب القاضي إسماعيل بمواضعها من مختصر أبي الفضل القشيري، إذ سيظهر من خلالها ما أبقى الاختصار منها، وما حذف.

стр. 187

¬" طريقة المؤلف في اختصار كتاب القاضي إسماعيل. رسم أبو الفضل القشيري الطريقة التي سلكها في الاختصار، وبين المنهج الذي اتبعه، حيث جاء في آخر الكتاب" قال القاضي بكر: هذا آخر كتاب الأحكام، اختصرته من كتاب إسماعيل بن إسحاق ﵀ وتركت الأسانيد ليقرب على المتعلم، فإن احتيج إلى الأسانيد أخذت من كتاب إسماعيل ﵀، وأما الكلام فالكثير منه كلام إسماعيل، وربما اختصرته وزدت فيه، وتكلمت بما حضرني، مما ظننت أن إسماعيل لكثرة شغله أغفله، أو لزيادة زِيْدَت علينا بعده، فاحتجت إلى الانفصال منها، مما رجوت أن يكون تقوية للمذهب، وتصحيحا لما ذهب إليه فيه، إلا ما قلت فيه حدثنا فذلك من سائر الحديث ليس مخرجه إسماعيل ... " (١). فهذا النص يكشف عن عددٍ من الأمور المتعلقة بمنهج الاختصار، ويلقي الضوء على طريقة القشيري في اختصار كلام القاضي إسماعيل، على النحو الآتي: أولا: مادة هذا الكتاب . أن هذا الكتاب أصل مادته من كتاب القاضي إسماعيل، وهذا يقتضي أن يكون القشيري سار على منوال الكتاب الأصل، في اختيار الآيات وعرضها وترتيب ذكرها، وهذا ما يدل عليه المختصر، فقد كان القشيري يذكر أسماء بعض السور ولا يتكلم عنها، ويعلل ذلك بما يفيد أنه تابع الأصل على ذلك، كما وقع في سورة الدخان والجاثية، ذلك أنه لَمّا أنهى كلامه عن سورة الزخرف، قال: "لم يأت في الدخان والجاثية بتفسير " وقال عند سورة الملك والقلم: " ليس في تبارك الذي بيده الملك ونون والقلم شيء" (٢)، وكذا في سورة الشمس، والليل، والتين، والعلق، والبينة، وغيرها. ومما يدل على ذلك؛ أن القطعة التي بقيت من كتاب القاضي إسماعيل، كان ترتيب الآيات فيها على نحو ما في المختصر، بل حتى ما وقع في المختصر من تأخير لبعض الآيات عن ترتيبها، هو بعينه كان في الأصل (٣). ثانيا: طبيعة الاختصار فيه . دل ما ذكره أبو الفضل القشيري على أنه تصرف في كتاب القاضي إسماعيل، باختصار كلامه فيه، لكنه ﵀ لم يبين ضابط هذه الاختصار، ولا طبيعته، إلا إشارته إلى حذف الأسانيد.

стр. 188

¬وقد قُمت بمقابلة المختصر مع القطعة المتبقية من الأصل، وظهر لي من خلال المقارنة عدد من الحقائق المهمة: " أن قدر ما اختصره من الأصل كان كبيرا ربما بلغ نصف الكتاب أو زاد عليه. " وقع أكثر الاختصار، على سبعة أمور، شكلت مجتمعة جُلَّ الاختصار، إن لم يكن كله، وهي: ١. حذف أسانيد الأحاديث والروايات. وهذا ـ في الحقيقة ـ بلغ نسبة كبيرة من الكتاب، فإذا نظرنا إلى كثرة الأحاديث والآثار في مختصر القشيري التي ساقها بغير إسناد، وتصورناها وردت مسندة في كتاب القاضي إسماعيل، سندرك حجم الاختصار الذي حصل بحذف تلك الأسانيد، وقد أشار إلى هذا أبو الفضل عند بيانه لطريقته في الاختصار على ما تقدم. على أن هذا الحذف وإن كان السمة الغالبة، لهذا الاختصار، فقد بقيت بعض الآثار والأحاديث في المختصر، على حالها بسند القاضي إسماعيل، وهي قليلة جدا في مقابل ما حذف من الأصل. ٢. اختصار الروايات في المعنى الواحد. اعتنى القاضي إسماعيل بآثار السلف، حيث أكثر من ذكر الروايات عنهم في معاني الآيات، وربما اجتمع له في المعنى الواحد للآية آثار كثيرة عن السلف، فكان يذكرها بتمامها وإسنادها، فعمد أبو الفضل إلى تلك الروايات المتفقة في المعنى فأورد المعنى ونص على من قال به من السلف، دون ذكر لفظ رواياتهم، اكتفاء بما قدمه من بيان المعنى، وهذا أخذ قدرا كبيرا من الاختصار، ومثال ذلك عند قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)، فقد حكى القشيري الخلاف في تزويج الزانيين، وفيه قال: " ومنهم من رأى التزويج صوابا، وزَوَّجَ الزانيين ورأى الجمع بينهما بالنكاح، منهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعلقمة، وجماعة من المفسرين" (٢) وقد اكتفى بتسمية من قال به، دون ذكر نص الروايات عنهم، وبمقارنة ذلك بالقطعة المتبقية من الأصل، ندرك مدى الاختصار الذي حصل بصنيعه هذا، حيث إن جميع من ذكرهم القشيري من الصحابة والتابعين والمفسرين، قد أسند عنهم القاضي إسماعيل روايات تدل على مضمون ما أشار إليه. وقريبا من هذا أن يذكر رواية عن أحد السلف، ثم يقول: وبنحوه قال فلان وفلان، فيذكر عددا من السلف قالوا بمعنى تلك الرواية. ٣. اختصار لفظ الرواية. قد تكون الرواية في الأصل طويلة، فيعمد القشيري إلى اختصارها بذكرها بالمعنى أو بذكر الشاهد منها على محل الاستدلال فقط، ومن الأمثلة الدالة على هذا؛ ما وقع في سورة الممتحنة عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ فإنه لما ذكر حديث صلح الحديبية وما يدل عليه قال: " وطرق هذا الحديث وألفاظه كثيرة، وقد أتيت بالمعنى" (٣). ومن الأمثلة على ذلك ما وقع للمؤلف عند قوله تعالى: وأما قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤) حيث ذكر رواية عن زيد بن أسلم، نصها: " قال زيد بن أسلم: لو بقي التكليف على قوله ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ لكان ما لا يطاق، ولكن الله ـ جل وعلا ـ رحم عباده، فنسخها بهذه الآية" (٥)، وبمقارنة هذه الرواية مع القطعة المتبقية من الأصل، نجد أنها رواية طويلة، اختصرها القشيري.

стр. 189

¬٤. حذف الطرق والمتابعات. كان القاضي إسماعيل كثيرا ما يذكر طرقا كثيرة عن راو واحد، والمعنى لا يختلف فيها، مما جعل أبا الفضل يختصر الكتاب بحذف جميع تلك الطرق، ومن الأمثلة على ذلك ما أورده القشيري عند قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)، حيث قال: " اختلف السلف في هذه الآية: فزعم قوم منهم؛ ابن مسعود وغيره: أن الزانيين إذا تزوجا بعد ذلك لا يزالا زانيين ما اصطحبا .. " ونلحظ هنا أنه ذكر قول ابن مسعود المشهور في هذه المسألة، ثم انتقل إلى القول الآخر، وبمقارنة هذا الموضع مع الأصل، يتبين أن القاضي ذكر ست روايات مسندة عن ابن مسعود ﵁، كلها في نفس المعنى الذي أشار إليه القشيري. ٥. اختصار بعض الروايات. وقد يكتفي أبو الفضل القشيري بذكر بعض الآثار المروية عن عدد من السلف، ويدع طائفة من الروايات، فلا يذكرها ولا يشير إلى قائليها؛ لأنها في معنى ما ذكر، مثال ذلك ما وقع عند قوله تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ (٢) فذكر طائفة من الآثار وسمى عددا من السلف، وبمقارنة ذلك مع القطعة المتبقية من الأصل، نجد أنه أغفل بعض الآثار ولم يشر إلى قائليها، على أن ذلك المحذوف لا يخرج في حقيقة الأمر عن معنى ما ذَكَر. ٦. اختصار المسائل الفقهية. وقد يكون الاختصار بحذف بعض المسائل الفقهية، التي ليست من المسائل المشهورة، مثال ذلك ما أورده صاحب الأصل ـ القاضي إسماعيل ـ في سورة الجمعة، من روايات طويلة تتعلق بصفة قيام الخطيب على المنبر، فهذه المسألة بتمامها ليست في مختصر القشيري. ٧. اختصار كلام القاضي إسماعيل. وقد يقع الاختصار من كلام القاضي نفسه، فقد رأيت أن القشيري يختصر من كلام القاضي إسماعيل فيعبر عنه بالمعنى المؤدي له، بلفظ أكثر اختصارا، أو اكتفاء بدلالة ما أبقى على ما حذف من الكلام، وقد نص على ذلك بقوله: " وأما الكلام فالكثير منه كلام إسماعيل، وربما اختصرته وزدت فيه " (٣). ثالثا: طبيعة الزيادات فيه . أشار بعض من تكلم عن كتاب أحكام القرآن للقشيري، إلى أنه تضمن زيادات عما في الأصل: كالقاضي عياض، وابن فرحون، والداودي، (٤). بل إن أبا الفضل القشيري ذاته أشار إلى هذه الزيادة، وبين السبب الذي حمله على هذه الزيادة؛ فذكر سببين: الأول: أن القاضي إسماعيل لكثرة شغله ربما أغفل بعض ما يحسن ذكره، فتكلم عنها القشيري بما حضره. الثاني: أن هناك طرائق من الاحتجاج، ووجوها من الاستدلال، طرأت لم تكن في زمن القاضي إسماعيل، احُتْج بها على المذهب أو أوردت عليه، فلزم التكلم عنها والانفصال منها بما رَجَا أن يكون تقوية المذهب، وتصحيحا لما ذهب إليه القاضي إسماعيل.

стр. 190

¬ويدل النص الذي تقدم ذكره عن أبي الفضل في أول هذه الفقرة ـ بضميمة القطعة المتبقية من الأصل ـ على أن هذه الزيادة اتخذت أربع صور، هي: ١. إيراد بعض الأحاديث والآثار. مما لم يكن مخرجه من القاضي إسماعيل، وقد ذكرت في الفصل الأول عددا من الشيوخ الذين روى عنهم القشيري، وضربت أمثلة على رواياتهم هناك (١). ٢. إيراد بعض ما طرأ على المذهب. زاد أبو الفضل كلاما عن بعض ما جَدَّ على مذهب المالكية، مما لم يقع في عصر القاضي إسماعيل، كبعض الاعتراضات والحجاج على المذهب، وقد أشار القشيري إلى هذا في خاتمة كتابه، ومثال ذلك: الكلام الذي جرى بين المؤلف وبين: داود الظاهري (٢)، وابن سريج الشافعي (٣)، وأبي جعفر الطحاوي الحنفي (٤). ٣. ومن الزيادات التي يصح أن تندرج تحت السبب الأول الذي أشار إليه القشيري، ما ورد عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ (٥) قال: " وهذه الآية مخاطبة للإمام، ليس له إذا ثبت الحد عنده العفو عنه، ويجوز ذلك لسائر الرعية ترك رفعهما إلى الإمام، ألا ترى أن النبي ﷺ قال لصفوان بن أمية: ? فهلا قبل أن تأتينا به? وقال لهَزَّال: هلا سترته بثوبك? وقال في ماعز أيضا: ? هلا تركتموه? يريد لعله يؤدي إلى ما يزيل الحد، فالحاكم والإمام لا يجوز لهما العفو عن حقوق الله في الحدود المُوجَبَة بالأفعال، قال عبد الله بن مسعود: (يؤتى بالزائد في حدود الله يوم القيامة فيقال له: لم زدت في حدودي؟ فيقول: غضبا لك، فيقول الله : أأنت أشد غضبا مني لنفسي! اذهبوا به إلى النار، ويؤتى بالناقص من حدود الله فيقول الله ﵎ له: لم نقصت من حدودي؟ فيقول: رحمة لعبادك، فيقول: أأنت أرحم بهم مني! اذهبوا به إلى النار) " (٦). ٤. الاختيارات والترجيحات. ومن الزيادات في هذا المختصر: عدد كبير من الاختيارات التي ذهب إليها أبو الفضل القشيري، والترجيحات التي قررها في الآيات التي تكلم عنها. وفي الحق: فهذه الاختيارات كثيرة وقيمة، سيأتي الحديث عنها في المبحث الثاني إن شاء الله تعالى. وبهذا يتبين: أن الاختصار في حقيقته لم ينل من أساس المادة العلمية لكتاب أحكام القرآن للقاضي إسماعيل بن إسحاق؛ إذ تعلق بحذف الأسانيد، أو الروايات التي تكررت ألفاظها أو معانيها، أو ألفاظٍ أبقى في المختصر ما يدل عليها، ومثل هذه المحذوفات وإن تكن مهمة، فإنها لا تنال من أساس المادة العلمية.

стр. 191

¬وتبين ـ أيضا ـ أن اختصار أبي الفضل لم يكن مجرد تهذيب للروايات وحذف للأسانيد، بل كان اختصار إمامٍ واعٍ بما يختصر من الكلام، عالمٍ بما يبقي منه، ظهرت آثاره واضحة في هذا المختصر. وفضلا عن هذا كله، فقد تضمن هذا المختصر عددا غير قليل، من اختيارات قيمة لأبي الفضل القشيري، تنم عن رسوخ قدمه وعلو كَعْبِه. وإذاً: فمختصر بكر بن محمد بن العلاء حفظ المادة العلمية التي تضمنها الكتاب الأصل، وزاد عليه بما أورده من أقواله واختياراته. وهذه الحقيقة قد أشار إليها ضمنا ابن أبي زيد القيرواني ـ أحد أبرز علماء المالكية وأشهرهم ـ في وصيته لأحد طلابه، قال: " وإذا دخلت العراق فاكتب في مسائل الخلاف، فما تجد لأهل الوقت من الحجة والاستدلال وإن كانت لك الرغبة في الرد على المخالفين من أهل العراق، وعلى الشافعي، فكتاب ابن الجَهْم إن وجدته، وإلا اكتفيت بكتاب الأَبْهُري إن اكتسبته، ففيه فوائد، وكتاب الأحكام لإسماعيل القاضي، وإلا اكتفيت باختصارها للقاضي ابن العلاء. . . " (١). المطلب الثاني: الطريقة العامة في عرض الآيات وتفسيرها . في هذا المطلب سأترسم ـ إن شاء الله ـ الطريقة العامة التي سلكها المؤلف، في عرض الآيات وتفسيرها، محاولا رسم تصور عامٍ مجملٍ عن تلك الطريقة، مع ضرب بعض الأمثلة التي توضح المعنى. * أولا: طريقته في عرض السور والآيات . استعرض المؤلف سور القرآن الكريم جميعها، حيث بلغ عدد ما تكلم عليه منها أربعا وثمانين سورة، وترك الكلام عن ثلاثين سورة، وهي: الدخان، والجاثية، والقمر، والملك، والقلم، والحاقة، والنبأ، والنازعات، وعبس، والتكوير، والانفطار، والانشقاق، والبروج، والغاشية، والفجر، والشمس، والليل، والتين، والعلق، والبينة، والعاديات، والعصر، والهمزة، والفيل، وقريش، والكافرون، والنصر، والإخلاص، والفلق، والناس. وهناك سور لم يشر إلى تركه الكلام عنها وهي: القمر، والحاقة، والإخلاص، والفلق والناس، وليس لتركها سبب ظاهر، إلا متابعة صاحب الأصل (٢)، كما نبه هو على ذلك في مواضعه مرارا، وأكثر هذه السور التي تركها تكلم عنها ابن العربي وغيره، على ما يأتي ـ إن شاء الله ـ تفصيله (٣). ومما يلاحظ أن هذه السور التي تركها، غالبها سور مكية؛ وهذا لأن السور المكية غلب عليها ترسيخ أصول الاعتقاد، وبناء أصول الشرائع والأخلاق، أما السور المدنية فكانت في تنزيل الشرائع، وتفصيل الأحكام، وتبيين الحلال والحرام.

стр. 192

¬وقد التزم المؤلف في ترتيب ذكر هذه السور، مواضعها في المصحف، من فاتحة الكتاب إلى خاتمته، لم ينخرم معه هذا الترتيب. ولم يدع المؤلف ذكر أسماء السور إلا في عدد قليل، حيث ترك تسمية السور الآتية: سورة المطففين، والأعلى، والزلزلة، والقدر، والكوثر، وسورة المسد، ولعل ذلك سقط سهوا. وكان يذكر المشتهر من أسماء السور، وقد وقع له أن سمى بعضها بغير المشهور (١)، وربما على نحو نادر ـ في موضعين فقط ـ يذكر للسورة أكثر من اسم كما وقع له في سورة الشعراء فقد قال في أولها: " ومن سورة الشعراء وهي الخاضعة "، وقال في الزمر في أولها: " ومن سورة الغرف وهي الزمر ". ولَمّا كان قصد المؤلف ـ كما تقدم ـ الكلام عن آيات الأحكام فقط، فقد كان الغالب عليه أن يقول في أول كل سورة: ومن سورة كذا، على التبعيض، لكن وقع له في ست عشرة سورة أن قال: سورة كذا (٢). هذا ما يتعلق بالسور، أما عرض الآيات: فقد بلغ عدد الآيات التي تكلم عنها المؤلف: إحدى وأربعين وأربعمائة آية، أوردها بحسب ترتيبها في المصحف، إلا بعض المواضع القليلة، التي خالف في ترتيبها، فقدم فيها وأخر (٣)، ولم يظهر لي سبب هذا التقديم والتأخير. وكان في غالب أمره، يكتفي بذكر جزء الآية الذي سيتكلم عنه، وقد يخالف ذلك فيذكر الآية كلها، وإن لم يتكلم عنها جميعها، وربما كتب أول الآية، أو أولها وآخرها. وإذا كانت الآية طويلة، والكلام فيها له فروع، قسم الآية أجزاء، وفرق الكلام عليها (٤). وقد وقع له ـ على نحو قليل جدا ـ أن قرن بين آيتين متشابهتين، فتكلم عنهما في موضع واحد (٥). وربما أحال على آية أخرى، قد سبق الكلام عنها، أو أنه يأتي كلامه عليها (٦)، وقد يحيل على كتاب آخر، كأن يحيل على كتاب له أو لشيخه القاضي إسماعيل (٧). الفقرة الثانية: طريقته في تفسير الآيات . لما كان هذا الكتاب في أحكام القرآن؛ فقد اقتصر المؤلف على الكلام عن الآيات التي لها تعلق بالأحكام، وحتى تلك الآيات التي تكلم عنها، لم يكن من قصده بيان معناها، ولذلك فكثيرا ما يورد الآية ولا يبين معناها العام، وإنما يتكلم عن الحكم الشرعي الذي تدل عليه، مقتصرا على ذكر محل الشاهد من الآية في غالب الحال. وإنه وإن تكن هذه هي الحالة الغالبة، فلم يمنع ذلك المؤلف ﵀ من الكلام على عدد غير قليل من الآيات التي لا تعلق لها بأحكام الحلال والحرام مباشرة، إذ كان يفسرها ويبن معناها، وربما توسع فذكر الأقوال فيها، انظره ـ مثلا ـ عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٨) قال: " خشية العبد لله على قدر علمه به، فكلما ازداد به علما ازداد له خشية،

стр. 193

¬فأخشى الخلق لله: الأنبياء ﵈، ثم الصديقون، ثم الأمثل فالأمثل، على قدر علمهم به، خشيتهم ومراقبتهم له" (١) ولم يذكر غير هذا، وكذلك وقع له عند قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ (٢) قال: " قال عكرمة: نطفة ثم علقة ثم مضغة. وقال الحسن: الأمشاج اختلاط ماء الرجل وماء المرأة، وقال ـ أيضا ـ: مشيج ـ والله ـ من أقذار كثيرة. وقال مجاهد: ألوان. وقال قتادة: خلقناهم مما يعلمون، قال: خُلقت يا بن آدم من قذر، فاتق الله يا ابن آدم. وقال أبو بكر الصديق على المنبر: يا بن آدم اعرف نفسك، فإنك خلقت من أقذار، من نطفة جرت مجرى البول، فخالط رطب رطبا، ثم علقة نجسة " (٣). وقد كان في أغلب تفسيره للآيات يستفتحها بأقوال السلف وآثارهم من الصحابة والتابعين لهم، يقدم هؤلاء مرة ويؤخر هؤلاء مرة، وله في هذا الباب عناية خاصة، إذ كان يكثر من ذكر أقوالهم وآرائهم ـ وفي الحق ـ فقد كان نقله واعيا راشدا، لم يكتف بمجرد السرد والرواية، بل تراه يتعقب الرواية بما يقيدها أو يخصصها أو يوضحها، وفي أحيانٍ أخرى قد يتعقبها بالرد والتخطئة (٤). وهو وإن كان يكثر من الآثار عن السلف، فربما اكتفى في عدد من المواضع بذكر بعضها، وتَرْكِ ذكر باقيها. ومن سياق تلك الآثار يفهم القارئ المسألة التي يقصد الكلام عنها، ولذا فقد كان كثيرا ما يتبعه بذكر الخلاف بين الفقهاء في المذاهب المشهورة، ولا سيما مع الأحناف والشافعية،

стр. 194

¬مجيبا عن أدلتهم، رادا قولهم، مستدلا للمذهب، مصححا طريقة إمامه، معتضدا بدلالة الكتاب والسنة، ولغة العرب، وأسباب النزول، والقراءات، ومعقول النظر، وربما ابتدأ بذكر الراجح في معنى الآية وقرره، ثم يعقبه ببسط الخلاف مع المذاهب الأخرى، كما وقع له ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) قال: " هذه الآية ناسخة ما كان قبلها من الموارثات بالحلف والهجرة، وصارت الموارثة بالإسلام والمساواة في الملة، وقد قال بعض العراقيين: إنه يُوَرِثُ بهذه الآية ذوي الأرحام دون الموالي " (٢). وربما ابتدأ الآية مباشرة ـ وهو قليل ـ بذكر الخلاف بين الفقهاء، وسياق الحجج والجواب عن المخالف. وهو في هذا كله قد التزم نسبة الأقوال إلى قائليها، ولقد كان ﵀ دقيقا أمينا في ذلك، ولا غَرْو؛ فقد كان من الحفاظ الرواة، وربما وقع له ـ وهو قليل ـ أن يذكر الأقوال غير منسوبة (٣)، أو يقول: وقال جماعة من المفسرين (٤)، أو ربما قال: المفسرون (٥). ولقد كانت كتب الأحكام بعامة يَنْدُر فيها الخوض فيما خاض فيه كثير من المفسرين في بعض المعاني والأقوال التفسيرية، وكذا كان شأن القشيري في كتابه، فقد ندر عنده الخوض في بعض المعاني والأقوال التي لا طائل وراءها، كما وقع في بيان قدر الدراهم التي دفعت ثمنا لشراء يوسف ﵇، حيث قال: " ليس في ذكر عدد الدراهم واختلافهم فيها فائدة، إلا أن معنى (بخس): أنها قليلة نَزِرَة، دون ما يساوي مثله لو كان عبدا، وحَلَّ بيعه" (٦). وكان كثيرا ما يختم كلامه عن الآية بذكر ما ترجح عنده واختاره في معنى الآية، أو فيما وقع الخلاف فيه. هذا هو الغالب من طريقته وربما وقع له في مواضع قليلة أن تكلم عن الآية مقتصرا على ما ظهر له من معناها، لا يعدوه إلى كلام غيره، كما فعل عند قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (٧) قال: "يغضوا من أبصارهم عن جميع ما لا يحل لهم النظر إليه، وعما لا يأمنوا الفتنة به، وعلى المرأة من ذلك فوق ما على الرجل" (٨).

стр. 195

¬ المطلب الثالث: منهجه في التفسير بالمأثور . لا اختلاف بين أهل الإسلام أن المصدر الأساس لتلقي الأحكام الشرعية هو الكتاب والسنة، فَهُمَا منبع الأحكام ومصدرها، منهما تُستقى، وعنهما تَصدر، ومنهج السلف في فَهْمِهَا عَاصِمٌ من انحراف القول، وزلل الرأي. وإذا ما قَلَّبَ الناظر طرفه في ثنايا كتاب أحكام القرآن لأبي الفضل القشيري، يجد المصدر الأول في التفسير بالمأثور ـ وهو القرآن الكريم ـ قد لقي عناية المؤلف واهتمامه. وقرين كتاب الله سنة نبيه ﷺ ، فهي الموضحة لأحكامه، المبينة لمعانية: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١) وفي كتاب أحكام القرآن عدد كبير، من الأحاديث الشريفة، عن النبي ﷺ ، توضح معاني القرآن، وتبين دلالاته. وفهم الصحابة ﵃ والتابعين لهم، أحق ما اعتمد عليه الناظر في الوَحْيَيَن، وأولى ما استمسك به المشتغل بكتاب الله، فهم أقرب الناس عهدا بالوحي، وهم أهل اللغة، وأصحاب اللسان، ثم هم بعد هذا؛ أبر الناس قلوبا، وأقلها تكلفا، وأعمقها فهما. وإذا فلا غرو أن تكون هِمَّةُ المؤلف تتجه بشكل كبير إلى العناية الخاصة بالمأثور في التفسير ـ من القرآن والسنة وكلام سلف الأمة ـ حتى لا تكاد تخلو آية تكلم عنها من إلماح إلى شيء من هذه المصادر المأثورة، ولقد كان هذا منهجا واضحا اختطه المؤلف ﵀ أول ما ابتدأ كتابه، بل وكان شديدا على من عدل عنه، سلكا مسارب الزيغ والضلال، وهذا نصُه ـ القيم ـ في مقدمة كتابه أنقله بتمامه، يرسم فيه منهجه، واضح المعالم، بَيّنَ الحدود، قال ﵀: " فإن أولى ما تمسك به المتمسكون، وتدبره المتدبرون، وائتم به المهتدون، ولجأ إليه المعتبرون: كتاب الله، الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٢)، الذي أكمل الله به الدين، وأنزل الله سبحانه في حجة الوداع: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٣) وقال تبارك اسمه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٤) وقال: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٥) فأحكم الله ﷻ الفرائض والأحكام، والأصول كلها فيه جليا وخفيا. فمنه: ما يعقل بنفس الخطاب، قال الله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٦) منه ما بينه الله بالوحي، وهو الخفي، ألا تراه يقول: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ (٧) وقال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (٨)، فسأل نبينا ﷺ ربه ﵎ عن بيانه، فبيّنه له. ومنه ما بيّنه الرسول ﷺ بالحكمة التي أعطاه الله، يقول الله : ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (٩) وقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١٠).

стр. 196

¬ومنه ما شرّف الله به أصحاب نبيه، بمشاهدتهم الأسباب التي نزل القرآن من أجلها، وسنت السنن بحضرتهم عملا وقولا، فكانوا بالمشاهدة أعلم الخلق بما نزل، وبوجوهه وتصرفاته ... ونصحهم للأمة، وصدقهم، فمدح الله متبعهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (١) ... ولم يزل أهل العلم على ذلك متبعين لسلفهم، حتى حدث في القرن الرابع من هذه الأمة ومن تلاهم، قوم مستخفون بقول السلف، وله هاجرون، وعلى مذاهبهم زارون (٢)، يحدثون أنفسهم أن أسد الجواب ما استخرجوه، وأعلاه ما استنبطوه، أخذوا ذلك عن أهل الزيغ، لا يعرجون على الرواية، ولا يلتفتون إلى باطن التلاوة، ويرون أنهم يساوون السلف في العلم بالكتاب، طعنا بذلك على إخوان المصطفى الذين فارقهم على الصدق والوفاء، والطهارة والتقى، ولو أخذوا ذلك عمن شاهد الوحي ونزل القرآن بلغته؛ لكانت هذه الطائفة قد سلكت سبيل الصواب، وصادفت سديد الجواب، ولَعَلِمتْ أن عقول من تقدمهم تربو على عقولهم، وأفهامهم تزيد على أفهامهم، ولكنهم لما خالطوا أهل الكلام وجانبوا الورع، وصار القصد الغلبة بالجدل المحض، منعهم الله التوفيق، وحاد بهم عن الطريق ... " (٣). وسأحاول في هذا المطلب ـ والله خير معين ـ الكشف عن الخصائص العامة لمنهج المؤلف في التفسير بالمأثور، واستجلاء طريقته فيه، في ثلاث فقرات: الفقرة الأولى: تفسير القرآن بالقرآن. الفقرة الثانية: تفسير القرآن بالأحاديث. الفقرة الثالثة: تفسير القرآن بالآثار.

стр. 197

¬ الفقرة الأولى: تفسير القرآن بالقرآن . من أسس منهج المؤلف اعتماده على ما ورد في القرآن الكريم ـ ذاته ـ من بيان معانيه، وتوضيح مراميه، نص على ذلك المنهج في مقدمته يقول: " فمنه ما يُعْقَلَ بنفس الخطاب، قال الله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (١) ومنه ما بينه الله بالوحي، وهو الخفي، ألا تراه يقول: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ (٢) وقال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (٣) فسأل نبيُنا ﷺ ربَه ﵎ عن بيانه؛ فبيّنه له" (٤). ولقد التزم المؤلف ما شرط على نفسه، فكان كثيرا ما يورد الآيات القرآنية الأخرى، في ثنايا تفسيره، وكلامه عن دلالات الآيات، واستنباط المعاني منها، وقد تعددت جوانبه ومناحيه، وتنوعت أسبابه ووسائله، ويمكن إجمالها في سبعة أمور: أولا: بيان معنى اللفظ القرآني . قد ترد لفظة في موضع لها نظائر أو وجوه، فيذكر ذلك ويوضحه بذكر الآيات الدالة على ذلك: مثل المراد بالأَشُد، قال: " وأما قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ فهو الحلم الذي قال الله: ﴿إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٥) فالابتلاء بعد البلوغ، والرشد يعرف حينئذ، فيدفع إليه ماله إذا بلغ أشده وهو الحلم: الإنزال، والإنبات، أو السن التي يكون بها البلوغ، وقد قال الله في قصة موسى ﵇: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ (٦) قيل: أربعين سنة، وقال في قصة يوسف ﵇: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (٧) وهذا فمعناه: لما بلغ الحلم؛ لأن المرأة أرادته عند بلوغ النكاح، وأمر اليتيم بأمر يوسف أشبه، ويكون أَشُدٌ دون أَشُدٍ .. " (٨). ومن الأمثلة على الاستشهاد بالقرآن على بيان معنى لفظة أو كلمة، ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ (٩) قال: " والمعروف في اللغة: أن كل من جَارَ أو مَالَ عن الحق إلى الباطل؛ فقد ألحد، واللحد في القبر مأخوذ من هذه الآية، أميل إلى شق القبر، وقد ذكر الله في كتابه ما يدل على هذا، قال الله : ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ (١٠) وقال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (١١) " (١٢).

стр. 198

¬ ثانيا: توضيح الأسلوب اللغوي . تكلم المؤلف ﵀ عن عدد من الأساليب اللغوية، واستشهد بأمثلة عليها من القرآن، نحو: ١. استعمال الواحد مرادا به الجنس. مثال ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ (١) قال: " وقوله: ﴿لِوَلِيِّهِ﴾ قد يكون واحدا ويكون جماعة ويكون رجال كثير، وإنما قال: ﴿لِوَلِيِّهِ﴾ يشار إلى الجنس؛ كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٢) .... ونظائر هذا كثير" (٣). ٢. أحرف الصلة التي لا محل لها من الإعراب. ذكر المؤلف أن هناك أحرفا وردت، صلة لا محل لها من الإعراب، كما ورد عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ (٤) " وأما قوله: ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ فهذه الباء تجعلها العرب صلة في الكلام، ويجعلون إثباتها وإسقاطها سواء، ومعنى إلحاد وبإلحاد واحد، وكذلك ما في مثل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (٥) وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (٦) فيجعلون ما صلة في الكلام، ويجعلون إثباتها وإسقاطها سواء" (٧). ٣. تناوب أحرف الجر.

стр. 199

¬يرى المؤلف أن أحرف الجر ينوب بعضها عن بعض (١)، وقد أشار إلى هذا عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ (٢) قال: " في قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ يعود لما حرم، كما قيل: العائد في هبته، وهو: الراجع إليها يتملكها، تقول العرب: رجعت في قولي ورجعت عنه، وحروف الإضافة قد تُبدل بعضها من بعض، كقوله: نزلت به، ونزلت عليه، قال الله : ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ (٣) وقال : ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ (٤) فقال في موضع: ﴿فِيهَا﴾ وقال في موضع آخر: ﴿وَعَلَيْهَا﴾ وقال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (٥) أي على جذوع النخل، وقال سبحانه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٦) أي بأمر الله، وقال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ (٧) أي عليه، فمعنى ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ إلى الغشيان" (٨). ٤. أشار المؤلف عند كلامه عن معنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ (٩) إلى أن من طريقة القرآن الكريم تسمية القول فعلا والفعل قولا، قال: " وقد سمى الله الفعل قولا فبذلك يكون ﴿يَعُودُونَ﴾ يريدون الوطء، ومخالفة ما منعوا أنفسهم منه، قال سبحانه ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ (١٠) يعني الكفر والمعاصي، فسماها قولا" (١١). ٥. من الأساليب اللغوية التي ذكرها المؤلف واستدل عليها من القرآن ما أشار إليه بقوله: " وقوله: ﴿لَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١٢) مثل قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١٣) لا يقتل بعضكم بعضا" (١٤).

стр. 200

¬ ثالثا: بيان المقصود بالآية، وتعيين المراد فيها . يستشهد المؤلف بآيات أخرى فيها بيان المراد بالآية وتعيينه على وجه الخصوص، كما وقع له عند قوله تعالى: قال الله عز وعلا: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ (١) قال: " وقال إسماعيل: قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٢) وقال الله ﵎: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ إلى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ (٣) وقال في سورة البقرة: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ (٤) الآية، فأحسب ـ والله أعلم ـ هو ما يتلى عليهم" (٥). رابعا: الاستشهاد بالنظير على النظير . ترد مواضع كثيرة في القرآن الكريم لها نظائر في المعنى، ومن هنا فقد كان المؤلف يورد الآية ويذكر آيات أخرى مما هي نظيرها في المعنى، كما وقع له عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (٦)، قال: " المعنى فيها ألا يمنع النفقة فيما يلزمه، أو فيما يرجو ثوابه، ولا تبسطها فيما لا يلزمه ولا يرجو ثوابه، وقد أدب الله عباده فيما رزقهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ (٧) فالنفقة في طاعة الله وفيما أوجب الله لا تورث حسرة ولوما، وفي غير طاعة الله تورث لوما من الناس، وحسرة في الدنيا والآخرة" (٨). خامسا: الاستدلال بالقرآن على اختياره . استدل المؤلف بآيات القرآن على معنى رجحه واختاره بين عدد من الأقوال، كما وقع له عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ (٩)، فقد ذكر خلاف السلف فيها ثم أعقبه بقوله: " قال بكر: القرآن يدل على أن الصديقين والشهداء، نعت للذين آمنوا بالله ورسله؛ لقوله سبحانه ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ والصديقون: هم الذين يتلون الأنبياء، والشهداء يتلونه، ثم يتلوهم الصالحون، قال الله : ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ (١٠) " (١١).

стр. 201

¬ سادسا: الاستدلال بالقرآن على معنى قرره . ومثال ذلك ما ورد عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) قال: " والآية توجب على كل من وعد وعدا لا إثم فيه، أن يفي به، وكل من ألزم نفسه طاعة أو عملا فيه طاعة، أن يفي به ويدوم عليه، ويسأل الله التوفيق والمعونة، ألا تراه قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآية (٢)، فلما بخلوا بما وَعَدوا فيما أُعْطُوا ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ " (٣). سابعا: الاستدلال بالقرآن على رد قول المخالف . في مسألة الاستثناء في اليمين، رد على قول من رأى: جواز الاستثناء في أي وقت ذكر، قال: " وأما قول من قال: أي وقت ذكر ولو بعد سنين؛ فهذا قول يبطل حكم آية محكمة، وليس إلى ذلك من سبيل، قال الله : ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنَّا يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (٤) الآية، وقال: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (٥) فلو كان يستثني أي وقت ذكر لم يكن للكفارة موضع" (٦). الفقرة الثانية: في الاحتجاج بالأحاديث . لم يختلف أهل الإسلام في أن السنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع فهي الموضحة لكتاب الله، المبينة لأحكامه، المفصلة لحلاله وحرامه، فضلا عما استقلت به من أحكام وشرائع، ولذا قرر المؤلف مكانة السنة في بيانها للقرآن ومنزلتها، حيث يقول: " ومنه ما بيّنه الرسول ﷺ بالحكمة التي أعطاه الله، يقول الله : ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (٧) وقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٨) " (٩). وفضلا عن هذا فقد كان المؤلف من الحفاظ المعتنين برواية الحديث، فلا عجب بعد هذا أن تكون له عناية خاصة بأحاديث الرسول ﷺ ، إذ بلغت الأحاديث التي أوردها في كتابه؛ ما يزيد عن مائتي حديث، دون عَدَّ الطرق والمتابعات (١٠).

стр. 202

¬ويمكن تلخيص المنهج الذي سلكه المؤلف في عدد من النقاط، على النحو الآتي: ١. طريقته في عرض الحديث. لما كان الكتاب أحكام القرآن اختصره مؤلفه من كتاب شيخه، فقد كان يذكر الأحاديث بغير سندٍ، اكتفاء بوجودها مسندة في الأصل، وقد نبه على ذلك في خاتمة الكتاب حيث قال: " وتركت الأسانيد ليقرب على المتعلم، فإن احتيج إلى الأسانيد أخذت من كتاب إسماعيل ﵀ " (١) ومع هذا فقد ذكر جملة من الأحاديث المسندة، إما: بسند شيخه أو بسنده هو (٢). وقد كان يورد الأحاديث بلفظها في غالب كتابه، إلا بعض المواضع ربما اختصرها إما لطولها أو اكتفاء بمحل الشاهد منها على المسألة. وأما تسمية الراوي، فكان ينص عليه في الغالب، وفي مواضع ليست قليلة ترك تسمية الراوي. كما كان في أحيان قليلة، يقرن بين الروايات المختلفة في الخبر الواحد، ويعبر عنها بالمعنى، كما أشار هو إلى ذلك، في خبر المؤمنات المهاجرات بعد صلح الحديبية، وبيان حكم الله فيها، فإنه ذكر رواية في ذلك ثم قال: " وَرَدَّ المشركون صدُقات من حبسوا من نساء المؤمنين، وأمسك رسول الله ﷺ النساء ورد الرجال، وطرق هذا الحديث وألفاظه كثيرة، وقد أتيت بالمعنى " (٣). وفي المواضع التي اشتهر الخلاف فيها بين أهل العلم، وكان مدار الخلاف فيها على أحاديث وردت بعينها خاصة في ذلك الأمر، كما وقع في سورة الأنفال في مسألة الفيء، وسورة النور في حكم اللعان بين الزوجين، وكذلك في المجادلة في حكم الظهار، ففي هذه

стр. 203

¬المواضع يستطرد بشكل كبير في ذكر رواياتها ويتتبع طرقها وألفاظها، على نحو يكشف عن رسوخه في هذا العلم، وحسن مشاركته فيه، ولولا خشية الإطالة لنقلت بعضا من تلك النصوص، غير أني أكتفي بالإحالة عليها. وأما حكمه على الأحاديث فقد تكلم عن عدد من الأحاديث، ولا سيما حينما يكون الحديث مَعْقِدَ الخلاف مع المذاهب الأخرى، حيث يحمله ذلك، على الكلام على الإسناد ورجاله، وبيان ما فيهم من ضعف أو قوة (١)، بل وربما جاوزه إلى الكلام عن المتن نفسه. وقد لا حظت أنه يورد بعض الروايات بصيغة التمريض، وقد تبين بالنظر إلى أسانيدها أنها ضعيفة، ولم يكن هذا على نحو مُطَّرِد. ٢. بيان معنى الآية وتوضيح المراد بها. إذا كان في الآية التي يتكلم عنها حديث يفسر معناها ويبين المراد منها، فإنه في غالب الحال يبدأ به، ويقدمه على ما سواه، وهذا وقع في مواضع كثيرة، مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (٢) قال: " رُوي عن عائشة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو الرجل يشرب الخمر ويسرق؟ وقال: (لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل الذي يصلي ويصوم ويتصدق، ويخاف ألا يقبل منه) " (٣).

стр. 204

¬ومع هذا فقد ذكر كثيرا من الأحاديث في ثنايا كلامه عن الآية استدلالا به أو كلاما عليه. وربما ـ على نحو نادر ـ اكتفى بالحديث فلم يذكر غيره (١). ٣. الاستدلال بالحديث على معنى قرره في الآية. وربما قرر معنى ظهر له في الآية الكريمة، ثم استدل على صحته بحديث عن النبي ﷺ كما وقع عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ (٢) قال: " وأما قوله سبحانه: ﴿مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ فإنه يعني من آدم وحواء ﵉، ثم كل أحد من نسلِهما أيضا، فمن ذكر وأنثى، خلا عيسى بن مريم ﵇ فإن الله خلقه من أنثى بغير ذكر، فهذا معنى الشعوب والقبائل، وقد يدخل في ذلك من لم يكن من العرب بذكر الشعوب وأنهم كلهم يتشعبون من آدم ﵇، وقد روي عن ابن عمر عن النبي ﷺ : ? أنه خطب يوم الفتح فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد: أيها الناس فإن الله ﵎ قد أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية وتعاظمها، يا أيها الناس إنما الناس رجلان رجل بر تقي كريم على الله، وآخر شقي هين على الله، إن الله عز من قائل: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم? " (٣). ٤. دفع التعارض بين الأحاديث. تكلم المؤلف عن بعض الأحاديث التي استدل بها بعض المخالفين، وقد رأى المؤلف أنها تعارض بعض أحاديث أخرى مشهورة وصحيحة، ولذا فقد حكم بنسخ ما ظهر له أنه متقدم كما في خبر عبادة بن الصامت، قال: " فلما نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ :

стр. 205

¬(خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) .... فنسخ رسول الله ﷺ ما سن من جلد الثيب بسنته، لما رواه أبو هريرة وغيره أن النبي ﷺ : رجم ماعزا ولم يجلده، وروى أبو هريرة وزيد بن خالد، وزاد ابن عيينة: وشبل بن معبد ـ أن النبي ﷺ قال في قصة العسيف: ? واغدو يا أُنَيْس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها? قال بكر: فصار هذان الخبران ناسخين للجلد في الثيب، وبقي الرجم على ما أنزل الله ﵎ إذ القتل يأتي على كل شيء" (١). ٥. الاستدلال بالحديث على رد قول المخالف. مثال ذلك في سورة الكهف عند قوله تعالى: في مسألة الاستثناء في اليمين، رد على قول من رأى جواز الاستثناء في أي وقت ذكر، بحديث رسول الله ﷺ قال: " فلو كان يستثني أي وقت ذكر لم يكن للكفارة موضع، وكان قول النبي ﷺ : (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها) قال: إن شاء الله وسقطت عنه، ولم يقل له: (وكفر عن يمينك وأت الذي هو خير) " (٢). ٦. الاستدلال بالحديث على اختياره في الآية. مثال ذلك في ترجيحه معنى التفث الوارد في قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (٣) فبعد أن ذكر جملة من الآثار عن السلف أعقبها بقوله: " قال بكر: والصحيح من ذلك حلق الرأس، إذ كان من شرائط الحج والعمرة، قال الله جل وعز: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٤) فالحلق والتقصير لا بد منهما، ألا ترى النبي ﷺ قال:

стр. 206

¬(يرحم الله المحلقين ثلاثا، ثم قال: والمقصرين في الرابعة) فالتفث الذي في معنى الآية هو هذا، وما عداه من تقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب، وما أشبهه، يدخل بالمعنى؛ لأنه تفث البدن، والله أعلم" (١). الفقرة الثالثة: العناية بآثار السلف . لقد رسم المؤلف ﵀ منهجه القائم على اتباع آثار السلف والسير في ركابهم، وعاب مسالك أهل الزيغ والضلال ممن خالف منهج السلف وطريقتهم، وسلك غير سبيلهم، يقول ﵀ في مقدمته: " ولم يزل أهل العلم على ذلك متبعين لسلفهم، حتى حدث في القرن الرابع من هذه الأمة ومن تلاهم قوم مستخفون بقول السلف، وله هاجرون، وعلى مذاهبهم زارون وكفى بالرجل نقصا؛ أن يرى أنه قد علم من كتاب الله ، ما قصر عن علمه الصحابة والتابعون، أو يرى أنه فوقهم علما أو فهما، أو يظن أنه مثلهم، لقد خاب وخسر ـ إلى أن قال عن كتابه ـ: لم أعد فيه عن السنة، وقول السلف، وما توجبه اللغة التي نزل القرآن بها " (٢). ولقد كان مذهبه شديدا في هذا حتى نُقِل عنه القول: بعدم الاختيار بعد المائتين من الهجرة (٣)، ولهذا كله فقد اعتنى بشكل كبير بالآثار عن الصحابة والتابعين، حتى ندر جدا أن تمر آية لا يذكر فيها أثرا عن السلف. ومن آثار هذه العناية أن كتاب أحكام القرآن لأبي الفضل، قد تضمن عددا من الآثار التي لا ذكر لها في أكثر كتب التفسير، وليست مما اشتهر تناقله فيها، بل فيه من الآثار ما لم أجده في شيء من المصادر، سوى في هذا الكتاب.

стр. 207

¬ويمكن تلخيص المنهج الذي سلكه المؤلف في ثلاث نقاط، على النحو الآتي: " طريقته في عرض الآثار. لهذه المنزلة التي كانت للسلف ـ من الصحابة والتابعين ـ عند المؤلف فقد أكثر النقل عنهم، والأخذ منهم، وليس بعجب ـ بعد هذا ـ أن تزيد هذه الآثار، على سبعمائة أثر، ما بين مسند وغير مسند (١). وقد كان في معظم الأحيان يبدأ كلامه عن الآية بذكر أقوال التابعين والروايات عنهم، فمرة يَكْثُرُ عدد من ينقل عنهم، ومرة يَقِلُّ عددهم إلى أن يقتصر على الواحد والاثنين منهم. وقد أورد غالب تلك الآثار بغير إسناد، مكتفيا بوجود أسانيدها في الأصل الذي اختصر منه كتابه ـ على ما تقدم في الفقرة السابقة بيانه ـ ولم يُسند إلا عددا قليلا منها، إما بسنده أو سند القاضي إسماعيل. وكان في غالب أمره، ينسب تلك الآثار إلى قائليها من التابعين، على نحو دقيق، حتى ندر جدا أن ينسب قولا إلى غير قائله، إذ لم يقع له ذلك إلا في موضعين. ومع أن الأكثر أن ينسب تلك الآثار إلا أنه وقع له في مواضع ليست بقليلة، ذكر الأقوال غير منسوبة إلى قائل بعينه. وهذه الآثار والأقوال التي يذكرها عن السلف متعددة متنوعة، فمنها ما الاختلاف فيها من باب اختلاف التنوع، ومنها ما فيه تضاد وتعارض.

стр. 208

¬وأشهر من روى عنه، وأخذ منه، من الصحابة هو حبر الأمة وترجمان القرآن: عبد الله بن عباس، ومن التابعين: مجاهد بن جبر ﵃ أجمعين، فقد نقل عنهما فأكثر جدا، إلا أن نقله عن مجاهد كان الأكثر مطلقا. " مجالات وجوانب النقل عن السلف. تعددت جوانب نقل المؤلف عن السلف، وتعدد مناحيه، وتنوعت أسبابه، ويمكن إجمالها في خمسة أمور: ١. في بيان غريب ألفاظ القرآن. أكثر الجوانب التي اعتمد المؤلف فيها على الآثار، ما تعلق ببيان غريب ألفاظ القرآن، فلا تكاد تخلو كلمة غريبة، إلا وبينها بما ينقله عن السلف من آثار، من ذلك معنى: (الزور) الوارد في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ (١) قال المؤلف" قال ابن الحنفية: الزور: الغناء. وقال محمد بن علي: شهادة الزور. وقال عكرمة: لعب كان في الجاهلية" (٢). ٢. في توضيح المعنى العام للآية. وهذا الجانب من أكثر الجوانب ورودا، ومن أمثلته: ما أورده عند قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (٣) حيث قال: " قال أنس بن مالك: كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء. وقال مالك بن دينار: سألت سالم بن عبد الله عن النوم قبل العتمة، فانتهرني، وقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ ما بين صلاة المغرب إلى العشاء ما ينامون. وقال موسى بن يسار في قوله ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (٤) قال: ما بين المغرب إلى العشاء، كانت الأنصار يصلون المغرب فينصرفون إلى قباء، ثم أقاموا حتى يصلوا العشاء فنزلت فيهم الآية: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٥) يغدون من قباء فيصلون في مسجد رسول الله ﷺ . وقال مُطَرِّف بن الشخير ومجاهد: كانوا لا ينامون كل الليل. وقال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر، ثم جلسوا في الدعاء والاستكانة والاستغفار. وقال إبراهيم: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ يعني ينامون قليلا منه. وقال أبو العالية: كانوا يصيبون حظا من الليل. وقال الضحاك: قليلا من الناس. وقال مُطَرِّف: قَلَّ ليلة تأتي عليهم لا يصلون فيها" (٦).

стр. 209

¬٣. في استنباط المعاني من آيات القرآن. أورد المؤلف بعض الآثار عن السلف التي تضمنت لطائف ومعان أخذوها من الآيات الكريمة، من ذلك ما ذكره عن ابن شبرمة عند قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (١) " قال ابن عباس ﵁: أمروا إذا كانوا عشرين ألا يفروا من مائتين ويثبتوا ويصبروا, ثم خفف عنهم فأمروا ألا يفر مائة من مائتين، وجعل لقلب المؤمن من القوة ما لرجلين من الكفار، فقال ابن عباس ﵁: إن فر رجل من رجلين فقد فرّ، وإن فرّ من ثلاثة فلم يفرّ. وقال ابن شبرمة: والأمر والنهي عن المنكر هكذا " (٢). ٤. في بيان أسباب نزول الآيات. أورد المؤلف كثيرا من الآثار عن التابعين في بيان سبب نزول بعض آيات القرآن الكريم، من ذلك ما أورده عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٣) قال: " قال عكرمة: إنها أنزلت في قوم أسلموا بمكة ولم يمكنهم الخروج، فلما كان يوم بدر أخرجهم المشركون معهم كرها فقتلوا، وتلا: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (٤) وقال: طريقا إلى المدينة ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ (٥) إلى آخر الآية فعذرهم الله .. " (٦). ٥. في جانب الأحكام الشرعية. وهو من الجوانب التي أكثر فيها المؤلف من ذكر الآثار عن السلف، من أمثلة ذلك ما أورده عند قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٧) قال: " وقال الضحاك والحسن وعطاء: إذا زالت الشمس يوم الجمعة فقد حرم البيع والشراء حتى تقضى الصلاة. وقال الشعبي وسئل عن الساعة التي يرجى فيها الدعاء، قال: هي ما بين أن يحرم البيع ويحل. وكان عمر بن عبد العزيز يمنع الناس البيع يوم الجمعة إذا نودي للصلاة. وقال ابن شهاب: حَرّمَ النداءُ البيعَ. وقال مالك: يفسخ البيع إذا وقع في هذا الوقت المنهي عنه. وقال زيد بن أسلم: النداء حين يخرج الإمام، يريد النداء الثاني. وقال أبو الزناد: يفسخ البيع إذا وقع في ذلك الوقت" (٨).

стр. 210

¬٦. الاحتجاج بآثارهم على المخالف. يورد المؤلف بعض الآثار عن السلف يَحتجُ بها على المخالف في مسألة شرعية، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ (١) حيث احتج على الأحناف في مسألة ضمان المواشي لما أفسدته بالليل، بقوله: " قال شريح، ومسروق، والشعبي، ومجاهد، بمثل ما قال مالك؛ من إلزام أرباب المواشي ما أفسدت بالليل، ولا أعلم أحدا ممن تكلم في هذه الآية قال ما قاله أبو حنيفة وتشبيهه بالعجماء، والعجماء الدابة" (٢). هذه أهم المجالات التي أخذ أبو الفضل فيها عن السلف ﵏، وهناك من المجالات ما لم يذكر، مما يمكن أن يندرج في بعض ما ذكر. " موقفه من آثار التابعين. مع هذا التعظيم لآثار السلف والعناية بها، وتعدد مجالات الأخذ عنهم، فلم يكن أبو الفضل القشيري مجرد ناقل لما سمعه، وراو لما بلغه، بل كان يسلك فيما يأخذ عنهم، ويروي لهم، مسالك العلماء الراسخين، العالمين بظاهر الرواية، العارفين بباطن التلاوة، لقد كان ﵀ دقيقا في استدلاله بأقوالهم، دقيقا في ملاحظاته فيها واستدراكاته عليها، لقد كان أبو الفضل ينقل ويروي عن السلف نقلا ورواية واعية مدركة، يظهر ذلك في عدد من الجوانب، منها:

стр. 211

¬١. التتبع والاستقراء. لقد كان المؤلف ﵀ على اطلاع واسع على آثار السلف، ظهر ذلك في قيامه بتتبع واستقراء ما روي عنهم في بعض المسائل، مما مكنه من الانتهاء إلى نتيجة معينة، اعتمد فيها على الاستقراء والتتبع، وقد أشار إلى ذلك في بعض المواضع، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١) في مسألة شهادة المرأة، قال: " قال بكر: ثم تأملت كل ما روي عن الصدر الأول والثاني، فمنهم من قال: لا تجوز في الحدود، ومنهم من قرن مع الحدود النكاح والطلاق، ومنهم من استثنى جراح الخطأ، فدل ذلك كله على أنهم أرادوا ألا تقبل شهادتهن فيما قال الله ﵎: ﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (٢) والذي قيل فيه: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣) والله أعلم" (٤). ومن آثار هذا التتبع أيضا: أنه كان كثيرا ما يجزم في بعض المسائل بأنه لم يرد فيها عن السلف شيء خلاف ما ذكر، كقوله عند الآية الكريمة: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ (٥) " قال الحسن: الحسنة: لا إله إلا الله، له خير منها يريد: تورثه خيرا دائما. وقال عكرمة: الحسنة لا إله إلا الله، وكل سيئة في القرآن شرك. وقال عطاء: من جاء بالتوحيد فهم ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ﴾ ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ وهو الشرك. وكذلك قوله سبحانه في والليل: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ (٦) يعني: وصدق بالتوحيد. ولم يختلف من انتهى إلينا تفسيره في ذلك" (٧). ٢. الجمع والتوفيق بين الآثار. ومن الصور الدالة على ما تميز به أبو الفضل القشيري، من نظرٍ في أقوال السلف، أنه كان في أحيانٍ كثيرةٍ يحاول الجمع بين الآثار، والتوفيق بين الأقوال، بحمل الآية على العموم، فقد قال عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (٨) " قال الحسن: قَدِّمِ الفضل وأمسك ما يُبَلغُك. قال قتادة: ولا تنس الحلال، أيّ: ابتغه. قال مجاهد: أن تعمل فيها بطاعتي. وقال ابن عباس والمسعودي: تعمل فيها لآخرتك. وكل هذا عندي حسن، إلا أن المعنى الجامع لما في هذه الآية ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ أداء الفرائض واجتناب المحارم، بعد ذلك ما قَدِرَ عليه من أعمال البر، والله أعلم" (٩). ومن وسائل توفيقه بين الآثار وحسن فهمه لمعانيها، أنه كان يحمل الخلاف المنقول عنهم والمنسوب إليهم على اختلاف محله ومتعلقه، كمسألة السمر بعد العشاء حيث روي

стр. 212

¬عن السلف ذمه وروي عنهم أيضا فعله، فكان من حسن فهمه أنه وجه الذم على حال تخالف حال الجواز، قال ﵀: " وهذا كله فيمن سمر في غير مرضات الله، فأما من جعل سمره مذاكرة لعلم أو ما لا يَسْخَطُه الله ويدخل في مرضاته، فلا بأس به، روى أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: قال: عمر قال: (كان النبي ﷺ لا يزال يسمر عند أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين)، وقال عمران بن حصين: (كان النبي ﷺ يحدثنا عامة ليله عن بني إسرائيل) قال بكر: فالذي كُره من السمر ما لم يكن فيه رضى الله ومنافع للعباد، وعلم وآداب" (١). ٣. الاستدراك والمناقشة. كما تميز المؤلف بأنه يناقش ويستدرك فيما يرويه عن السلف من آثار، ويبين مواطن القوة والضعف، ومثال ذلك ما ورد عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ إلى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، قال: " قال مجاهد ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال: ذنبك ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أثقل. وقال قتادة: ذنوب أثقلته فغفرت له. قال القاضي: قول قتادة لا يعجبني؛ لأن ذنوبه ﷺ أصغر الصغائر، وقد وضعها الله عنه، وما يكون بعد ذلك في سورة الفتح، وقد غفرت الصغائر لمن دونه إذا اجتنبت الكبائر" (٢). ٤. الحكم على الآثار. ومما يشهد لتمكن المؤلف وعدم اكتفائه بمجرد النقل والرواية، أنه كان يحكم أحيانا على بعض الآثار التي يحكيها عن السلف، فيميز الضعيف من الصحيح، والشاذ من المقبول، ومن أكثر الأمثلة وضوحا على ذلك، كلام المؤلف عن الآثار المروية عن السلف في إثبات النفقة والسكنى للمطلقة البائن، عند قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٣). وقد لا يظهر له الحكم على الحديث صحةً أو ضعفا، فيتوقف في ذلك وينبه عليه، من الأمثلة على ذلك عند قوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٤) قال: " وقال أبو هريرة ﵁ ـ رُوي عنه إن كان صحيحا ـ إن الإظهار خروج عيسى ابن مريم ﵇. وقال مجاهد مثل ذلك، وفي قوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾. قال بكر: ولا أدري كيف صحة حديث الأسود، ولا ما روي عن أبي هريرة، إلا أن الآية توجب ظهور النبي ﷺ على الأديان كلها" (٥). ٥. الموازنة والاختيار بين كلام السلف. ومن مظاهر وعي المؤلف فيما ينقل عن السلف، أنه ربما وازن بينها، واختار منها ما يراه صوابا، مدعما اختياره بالدليل، مؤيدا ترجيحه بالبرهان، انظره عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٦) حيث قال: " قال سعيد بن جبير:

стр. 213

¬أهل الحرب ممن لا عهد له فجادله بالسيف. وقال مجاهد: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ قال: من قاتلك ولم يعطك الجزية. وروي عن ابن عباس ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ قال: من قريش. وقال قتادة: نسختها ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ فلا مجادلة أشد من السيف. والرواية عن ابن عباس ﵁ ضعيفة، وقول قتادة حسن؛ لأن هذه السورة مكية، إنما أمر بالقتال بعد الهجرة، وأمر بالجزية قبل وفاة النبي ﷺ بيسير، فكان ذلك هو الناسخ لما كان بمكة، والله أعلم" (١). بقي أن أختم هذا المطلب بالإشارة أن أبا الفضل القشيري، قد ضرب صفحا عما لا أثر له في استنباط المعاني والأحكام، وهذا ما جعله يعرض عن تلك الروايات التي مصدرها أهل الكتاب، سواء أكانوا رُوَاتَها أو أُخِذَت عنهم، لأنه لا يُبْتَنى عليها أحكام شرعية، فلا كبير فائدة في ذكرها.

стр. 214

¬ المطلب الرابع منهجه في الاستدلال بالإجماع . إجماع أهل العلم هو أحد المصادر المعتمدة، التي تستمد منها بعض الأحكام الشرعية (١)، ولم يزل أهل العلم يعظمون ما أجمعت عليه الأمة، وينكرون أشد الإنكار على من خالفه أو خرج عنه. ولقد تميزت كتب الأحكام بعنايتها بالمسائل التي انعقد عليها الإجماع، وقد كان لكتاب أحكام القرآن للقشيري، نصيب من هذه العناية، فقد كان يرى ـ كسائر أهل العلم ـ أن الإجماع حجة، لا يجوز الخروج عليه، ولا يسوغ لأحد مخالفته مهما كانت منزلته، وقد كان إنكاره شديدا على من يرى أنه قد خالف الإجماع، حيث قرر أن القول المُحْدَث بعد الإجماع، لا ينقضه ولا يعتبر خلافا، يقول في مسألة الإجماع على جواز تزويج الصغيرة، قال: " وأجمع أهل العلم على جواز ذلك في الصغيرة للأب، إلا شيئا ذُكر عن داود الأصبهاني، وفيه طعن على نكاح رسول الله ﷺ عائشة ﵂، ورأيت من أصحابه من ينكر ذلك، ومنهم من يقر به، وعلى أنه لو قاله ما كان قوله خلافا، لأن العلم يؤخذ عن الأكابر لا عن الأصاغر، ومن يأتي ليس بخلاف على من مضى" (٢). وقد أورد المؤلف ﵀ صورا غير كثيرة لما وقع عليه الإجماع، ومنها ما أورده في رده على بعض العراقيين القائلين بتقديم ذوي الأرحام في الميراث على الموالي، قال ﵀: " وقد قال بعض العراقيين: إنه يُوَرِثُ بهذه الآية ذوي الأرحام دون الموالي, فقالوا: لو أن رجلا أعتق عبدا فمات المعتَقُ، وترك مولاه الذي أعتقه، وترك خالته وعمته, أن المال للخالة والعمة دون المولى ... ولو كان كما قال العراقيون مع قول رسول الله ﷺ : ? فما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر? وقوله: ? الولاء لحمة كلحمة النسب? لكان ينبغي لهم إذا خَلَف الرجل ابن عم وابنة عم؛

стр. 215

¬أن يكون المال بينهما، وكذلك إن خلف عما وعمةً، وكذلك إن خلف عمة وابن عم، أن يكون المال للعمة، وكذلك إن خلف ابنة وأختا وابن عم أن يكون المال كله للبنت أو الأخت، دون ابن عم المتوفى، وهم لا يقولون شيئا من ذلك، ولو قاله قائل لخالف كتاب الله وليس بين المسلمين خلاف علمته في ذلك، وإذا كان هذا هكذا فقد علمنا أن الله سبحانه إنما أراد بالآية ذوي الأرحام الذين يرثون بكتابه، دون غيرهم ممن لا نسب بينهم وبين المتوفى" (١). وقد يذكر المؤلف صورا تشبه أن تكون إجماعا، وليست كذلك؛ وإنما هي عبارة عن إجماع مقيد وليس تاما، مثل ذلك ما أورده في تفسير قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ﴾ (٢) حيث قال: " وأجمع كل من انتهى إلينا تفسيره؛ أن ذلك لا يحل لأحد بعد رسول الله ﷺ ولا لامرأة أن تهب نفسها، ولا لأب أن يهب ابنته، وكانت هذه خالصة لرسول الله ﷺ ، وكانت مما أرجأ " (٣). على أن المؤلف قد وقع له أن حكى إجماع السلف في مسألة زيادة الحمل عن سنتين، ولا تصح هذه الحكاية قال: " ولا أعلم اختلافا بين السلف، أن الحمل يزيد وينقص، وأن أكثره يجاوز السنتين إلا قول أبي حنيفة، فإنه وقف على سنتين" وهذا غريب من المؤلف ﵀ فإن أبا حنيفة لم ينفرد بذلك، بل هو قول مشهور عن عائشة ﵂، وهو قول الثوري ورواية في مذهب أحمد (٤).
следующие страницы →