стр. 1471
← Улюм аль-Кур’ан следующие страницы →
Улюм аль-Кур’ан · id 151196
أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية
بكر بن العلاء
Полный текст (1 818 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1472
سورة الأحزاب (١).
قال الله عز وعلا: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (٢).
قال الزهري: بلغنا أن ذلك كان في شأن زيد بن حارثة (٣)، ضرب له مثل يقول: ليس ابن رجل آخر ابنك (٤).
وقال قتادة: كان رجل لا يسمع شيئا إلا وعاه فسمي ذا القلبين فقال الله : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (٥).
وقال الحسن: كان رجل يقول: إن نفسا تأمرني بكذا، ونفسا تأمرني بكذا، فأنزلت الآية (٦).
وقال مجاهد: كان رجل من بني فهر (٧) قال: إن في جوفي قلبين أعمل بكل قلب منهما أفضل من عمل محمد ـ وكذب ـ (٨).
وقال ابن عباس ﵁: قام نبي الله ﷺ يوما يصلي، فخطر خطرة فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترون له قلبين قلب معكم وقلب معهم، فأنزلت الآية (٩).
стр. 1473
قال الله تبارك اسمه: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (١).
هذه الآية تكتب ـ إن شاء الله ـ مع الآيات التي في سورة المجادلة (٢).
قال الله : ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٣)
قال الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان سالم (٤) مولى امرأة من الأنصار وهي زوجة أبي حذيفة بن عتبة (٥)، وكان أبو حذيفة قد تبناه كما تبنى رسول الله ﷺ زيد بن حارثة، وكان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس إليه وورث من
стр. 1474
ميراثه، حتى نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ فمن لم يعلم له أب كان مولاه وأخاه في الدين، وأنكحه أبو حذيفة فاطمة (١) ببنت الوليد بنت أخيه (٢).
وروى موسى بن عقبة (٣) عن سالم (٤) بن عبد الله عن أبيه: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٥)
وقال مجاهد: نزلت الآية في زيد بن حارثة (٦).
قال الله جل وعز: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (٧)
روى عطاء عن ابن عباس ﵁ أنه قرأ: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم﴾ (٨).
стр. 1475
وقال سعيد بن جبير في هذه الآية ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ (١) إنما عنى أزواجهم، وكل نبي هو أبو أمته (٢).
وقال ﷺ : ? أنا أولى بكل مؤمن من نفسه فأيما رجل مات وترك ديناً فإلي ـ يعني فعلي ـ وإن ترك مالاً فهو لورثته? (٣)
وكان أُبي يقرأ: ﴿وهو أب لهم﴾ (٤).
وقد كان النبي ﷺ قبل أن تفتح عليه الفتوح إذا مات إنسان وعليه دين لم يصل عليه فلما أصاب الغنائم قال هذا القول: ? من ترك دينا وضَيَاعا فعلي? (٥) وكان يقضي عنهم ويصلي عليهم، وكان أبو بكر وعمر ومن قام مقامهما يفعلون (٦) ذلك.
وقرأ مجاهد: ﴿وهو أب لهم﴾ (٧).
стр. 1476
قال الله جل وعز: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية (١)
كان النبي ﷺ آخى بين المهاجرين، فكانوا يتوارثون في الهجرة حتى أنزلت ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ وكان النبي ﷺ آخى بين الزبير بن العوام، وبين كعب بن مالك (٢)، فارتث (٣) كعب يوم أحد فجاء به الزبير يقود بزمام راحلته، فلو مات يؤمئذ كعب عن الضح والريح (٤) لورثه الزبير فأنزل الله : ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٥).
وقال محمد بن علي بن الحنفية ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ قال: هذه في جواز وصية المسلم للكافر (٦).
стр. 1477
وكان قتادة يقول: كانوا يتوارثون بالهجرة والمؤاخاة، فنسخ ذلك الآية في آخر سورة النساء (١).
وكان الحسن لا يرى بأسا أن يوصي لقرابته اليهودي والنصراني، ويقرأ هذه الآية: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ (٢).
وقال قتادة: هي في الوصية لأهل الشرك من قرابته ولا ميراث لهم، ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ قال: مكتوبا، لا يرث كافر مسلما (٣).
وقال مجاهد: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ قال: حلفاؤكم الذين والى بينهم النبي ﷺ من المهاجرين والأنصار (٤)
والصحيح في هذه الآية أن الأولياء في هذا الموضع: هم الذين آخى النبي ﷺ بينهم من المهاجرين والأنصار، فكانوا يتوارثون بذلك حتى نزل في آخر سورة الأنفال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٥) ونزل في هذه السورة ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ فنسخت آية الأنفال هذه الآية، وصارت الموارثة بالإيمان، وذلك بعد فتح مكة حين انقطعت الهجرة، وأمروا أن يفعلوا معروفا فيما بينهم من المؤاخاة (٦).
قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ (٧) إلى آخر الآيتين.
قالت عائشة ﵂: لمّا نزلت ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ فقال رسول الله ﷺ : ? يا عائشة إنه قد حدث أمر، فلا تفتاتي بشيء حتى تستأمري أبويك، ثم قرأ عليها القرآن، فقالت: بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة? (٨) وزاد فيه أبو سلمة (٩) وقالت: ? لا تخبر
стр. 1478
بذلك أزواجك، فكان يطوف على أزواجه، ويخبرهن بما قالت عائشة? (١) وزاد فيه أبو سلمة بن عبد الرحمن ـ أيضا ـ: ? قد علمت أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه، قال: فلا، ففي أيّ هذا أستأمر أبويّ! فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ففرح رسول الله ﷺ بذلك، وقالت: قد علم ـ والله ـ أن أبوي ما كانا يأمراني (٢) بفراقه? (٣) وهذا الحديث له طرق كثيرة إلى الزهري، واختلف فيه على الزهري، فقال بعضهم عن أبي سلمة (٤)، وقال بعضهم: عن عروة (٥) قال علي بن المديني (٦): لا ينكر مثل هذا على الزهري؛ لسعة علمه وحديثه، أن يحدث مرة عن هذا، ومرة عن هذا، وقد سمع ذلك من جماعة.
قال مسروق بن الأجدع: ما أبالي إذا خيرت امرأتي واحدة أو مائة أو ألفا بعد أن تختارني، فلقد أتيت عائشة فسألتها عن ذلك، فقالت: قد خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه، أفكان ذلك طلاقا (٧)
стр. 1479
والآية تدل على أنه ﵇ خيرهن بين الدنيا والآخرة، فإن اخترن الدنيا طلقهن، وإن اخترن الآخرة كن على ما كن عليه ولم يلزمه مفارقتهن، ألا تراه سبحانه قال: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخر الآية، فلما اخترنه لم يلزمه ﵇ التسريح الذي أوجبه على نفسه (١).
وقد يجوز أن يقول قائل: إنهن لو أخترن الدنيا، أن يقع الطلاق باختيارهن، وهذا يحتاج إلى حجة من كتاب الله أو سنة، إذ الآية لا توجب وقوع الطلاق، وما روي عن عائشة: اخترناه فهل كان ذلك طلاقا، إنما ذكر ليدفع به شيء ضعيف روي من طريق ضعيفة عن علي، وعلي ﵀ يرتفع عن قوله: زعموا أن الرجل إذا خير امرأته فاختارته كانت طلقة وإذا اختارت نفسها كانت ثلاثا (٢)، وهذا ما لا يجوز في عقل، والله أعلم.
قال الله ﵎: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (٣)
أما قوله: ﴿الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ فإن ابن عباس ﵁ قال: لا أُولى إلا ولها آخرة (٤)، والأول ـ والله أعلم ـ ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما، والآخرة: جهل قريش في محاربتهم لرسول الله ﷺ وتكذيبه وإخراجه عن مكة.
стр. 1480
وأما التبرج: فإن النساء كن يخرجن يتبخترن بين الرجال في مشيتهن وحركاتهن، فنهي نساء المؤمنين عن ذلك، وبُدِئ بأزواج رسول الله ﷺ قبل نزول الحجاب؛ لأن التبختر من المرأة يحرك قلوب الرجال، ثم صانهن الله بعد ذلك، فأنزل الحجاب وجعلهن أمهات المؤمنين، تعظيما له وإيجابا لحقهن على المؤمنين، كإيجاب حقوق الأمهات، وحرمهن على المؤمنين كتحريم الأمهات، فحق رسول الله ﷺ كحق الآباء، وحقهن كحق الأمهات، وزاد الله ﵎ نبيه ﷺ الرأفة بهم والرحمة، فزاد في حقه وواجباته، لقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١)
قال الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ (٢) لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٣).
خطب رسول الله ﷺ زينب بنت جحش (٤) ـ وأمها عمة رسول الله ﷺ ـ وكان يريدها لزيد بن حارثة، فظنت أنه يريدها لنفسه، فلما علمت أنه يريدها لزيد أبت، فأنزل الله هذه الآية، فرضيت وسلمت (٥).
стр. 1481
قال الله ﵎: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ﴾ (١) الآيتين.
هذه الآية نزلت في زيد بن حارثة، وفيه نزلت: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٢) وكان النبي ﷺ قد تبناه وكان يدعى زيد بن محمد، حتى نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٣) والقسط: الحق، ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ (٤).
وأما قوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ (٥) أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعم عليه رسول الله ﷺ بالعتق ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ أتى زيد إلى رسول الله ﷺ فقال له: إن زينب بنت جحش ـ وكانت زوجته وهي بنت عمة رسول الله ﷺ ـ اشتد عليّ لسانها، وإني أريد أن أطلقها، فقال له: ? اتق الله وأمسك عليك زوجك? ومع ذلك يحب أن يطلقها ويكره أن يأمره بذلك ـ لأن الله سبحانه قد كان أعلمه أن زيدا سيطلقها، وأنه يزوجه إياها ـ وكان يخفي ما أوحى الله إليه من ذلك من أجل الناس فأنزل الله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ قال: لما
стр. 1482
طلقها زيد ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (١)، وأنزل الله: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ (٢) يعني فيما أحل الله له، فتزوجها رسول الله ﷺ فكانت تفتخر على نساء النبي ﷺ وتقول: زوجكن أهلوكن وزوجني الله ﵎ من فوق سبع سماواته (٣).
قال أنس بن مالك: وقالت عائشة: لو أن نبي الله ﷺ كتم شيئا مما أنزل عليه لكتم هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ الآية (٤).
وكانت زينب أحظى نساء رسول الله عنده بعد عائشة، وكانت عائشة تقابلها في الفخر تقول: تزوجني رسول الله ﷺ بعد أن أتاه جبريل ﵇ بصورتي من الجنة (٥)، وكانت زينب تسامي عائشة من بين أزواجه ﵇، فلما كان في وقت الإفك عصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة (٦) زوجة عبد الرحمن، فكانت فيمن أقيم عليه الحد (٧).
قال أنس ﵁: ? لما انقضت عدة زينب من زيد، قال رسول الله ﷺ لزيد: اذهب فاذكرها علي، فانطلق فصادفها تخمر عجينها، فما استطعت أن أنظر إليها من عظمها في صدري، قال: فوليتها ظهري ونكصت على عقبي فقلت: يا زينب أبشري! أرسلني رسول
стр. 1483
الله ﷺ (١) يذكرك، قالت: ما أنا صانعة شيئاً حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن، فجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن، وأطعمهم الخبز واللحم، حتى امتد النهار وأطال الناس عنده، حتى نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾ الآية (٢).
وأخبر الله بالعلة التي من أجلها كان من أمر زينب ما كان، ليكون ذلك أوكد في قطع الشيء الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، وأعلمهم أن أدعياءهم لا يكونون أبناءهم، وأنه إنما هو شيء يقولونه بأفواههم من غير أن يكون له حقيقة، ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ (٣) إلى قوله عز من قائل: ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ (٤).
قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (٥)
قال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: إن الحسن وأبا العالية يجعلان للمطلقة التي قد دُخل بها والتي لم يدخل بها المتاع، فقال سعيد: إنما كان لها في سورة الأحزاب، فلما
стр. 1484
نزلت سورة البقرة جعل للتي فُرِضَ لها نصف الصداق ولا متعة (١)، ذلك (٢) سعيد أن الآية التي في سورة البقرة نسخت هذه الآية.
وقد تكلمنا في سورة البقرة (٣) بما فيه كفاية إن شاء الله.
قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آَتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ إلى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ (٤).
قال زياد بن عبد الله (٥): سألت أبي بن كعب عن هذه الآية ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ قلت: أكان له أن يتزوج بغيرهن؟ قال: نعم، وما بأس بذلك؛ لقول الله : ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ فقال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ (٦) قال: الأربع اللاتي أحلهن الله
стр. 1485
لنا (١).
وقالت عائشة رحمة الله عليها: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل له النساء (٢).
وقال مجاهد: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ يعني نساء أهل الكتاب (٣).
وقال سعيد بن جبير وعطاء نحو ذلك (٤).
وقال الحسن ﵀: لما خير رسول الله ﷺ نساءه، عزم الله لهن فاخترنه، فقصر الله ﵎ نبيه صلى الله عليه عليهن، فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ (٥).
وقال قتادة والزهري نحو ذلك (٦).
стр. 1486
قال الله : ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ﴾ قال الله : ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).
وأجمع كل من انتهى إلينا تفسيره أن ذلك لا يحل لأحد بعد رسول الله ﷺ (٢) ولا لامرأة أن تهب نفسها، ولا لأب أن يهب ابنته، وكانت هذه خالصة لرسول الله ﷺ ، وكانت مما أرجأ.
وهذه الآية تقرأ بالفتح والكسر (٣) فمن قرأ: ﴿إِنْ وَهَبَتْ﴾ بالفتح فجعله خبرا لامرأة واحدة، ومنهم ـ وهم أكثر القراء ـ قرؤوها بالكسر ﴿إِنْ وَهَبَتْ﴾ يريدون كل امرأة وهبت، وهذا أحسن (٤)، على أن النبي ﷺ لم يقبل موهوبة إلا واحدة وهي من الأزد (٥)، وهي ممن أرجأ من نسائه قبل موته ﷺ (٦).
стр. 1487
قال الله : ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ (١).
قال أبي بن كعب: فرض عليهم مثنى وثلاث ورباع (٢).
وقال سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة: الأربع (٣).
ومعنى ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ أي لم يضيق عليك أنت ـ خاصة فيما فوق الأربع إلى تسع ـ والله أعلم.
قال الله : ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ﴾ (٤)
كان النبي ﷺ أراد أن يطلق سودة بنت زمعة (٥) ويستبدل لأنها طعنت في السن، وكان تزوجها بمكة بعد وفاة خديجة (٦) فقالت: له أنا أعلم ما في نفسك لعائشة، فدعني في
стр. 1488
أزواجك وأقسم بيومي لعائشة، فقبل ذلك منها، فكان يقسم لعائشة بيومين ولسائر نسائه بيوم يوم، وبسببها نزلت: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ (١).
ولما نزلت: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ آوى إليه عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب، وأرجأ الباقيات: سودة، وجويرية (٢) وصفية، وميمونة، وأم حبيبة (٣)، وكان يقسم لهن ما شاء، وكان أراد مفارقتهن فقلن: أقسم لنا ما شئت من نفسك ودعنا على حالنا ففعل (٤)، فهذا هو الصحيح. وقد قال الشافعي (٥) غير ذلك، قال: كن
стр. 1489
نساء وهبن أنفسهن للنبي ﷺ ، فدخل بعضهن ولم يقربهن (١) حتى توفي، ولم يُنْكَحْن بعده، منهن؛ أم شريك (٢).
والأول هو الصحيح، قال هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂: ? لما نزل: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ قالت: قلت: إن ربك ليسارع لك في هواك? (٣)، وكان النبي ﷺ قد وسع عليه في ذلك، وجعل له من ذلك ما ليس لأحد بعده، وأُمِرْن بالرضا بما يفعله.
قال الله جل ثناؤه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ إلى: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (٤)
قال أنس بن مالك ﵁: ? أنا أعلم الناس بهذا الآية، لما أهديت زينب إلى رسول الله ﷺ كانت معه في البيت، وصنع طعاماً فجاء القوم فكانوا يأكلون وجلسوا، فكان النبي ﷺ يخرج والقوم مكانهم، ثم يرجع وهم (٥) قعود، فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فضرب رسول الله ﷺ الحجاب وقام القوم? (٦)
وقال مجاهد في قوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ قال نضجه (٧).
قال بكر (٨): ولما أنزل الله ﵎ في أمهات المؤمنين: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (٩) فكن لا يجوز للناس كلامهن إلا من وراء حجاب، خصصن بذلك دون سائر الناس من النساء، ولا يجوز أن يرونهن منتقبات ولا منتشرات، وكذلك قال عمر ﵁ لما ماتت زينب بنت جحش: لا يخرج في جنازتها إلا ذو محرم منها، فلما وصف له النعش استحسنه ونادى في الناس: أن اخرجوا وصلوا على أمكم (١٠)، وكانت عائشة ﵂ إذا طافت سُتِرت من الناس ولا تُشْرك في الطواف، وكذا طفن أزواج رسول الله ﷺ في حجة الوداع بسترة بينهن وبين الناس (١١).
قال الله تبارك اسمه: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ (١٢)
قال رجل من الصحابة: لو قبض رسول الله صلى الله عليه تزوجت فلانة؛ فأنزل الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ (١٣) والرجل القائل طلحة بن عبيد الله وهو ابن عمها (١٤).
قال الله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آَبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ﴾ الآية (١٥)
قال سفيان (١٦) عن عمرو بن دينار (١٧) عن محمد بن على (١٨) قال: كان الحسن (١٩)
стр. 1490
والحسين (١) ﵄ لا يريان أمهات المؤمنين، قال ابن عباس ﵁: رؤيتهما لهن حلال (٢).
قال بكر: أحسب أن الحسن والحسين ذهبا في ذلك، إلى أن أبناء البعولة لم يذكروا في قصة أمهات المؤمنين، وإنما ذكروا في سائر النساء؛ لأن الله قال في قصة أزواج النبي صلى الله عليه ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آَبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ فلم يذكر أبناء البعولة من أجل أن النبي ﷺ لم يكن له ولد ذكر بالغ، وعلم الله ﵎ أنه لا يكون له ولد لصلبه، ولا لهن مِنْ تَزَوجٍ بعده، فهذا مبتدأ (٣)، وقال في سورة النور في سائر النساء وذكر أبناء البعولة، وابن عباس ذهب في ذلك إلى هذه الآية، وذهب الحسن والحسين ﵄ إلى الآية الأخرى.
وأما قوله في سورة النور وسورة الأحزاب: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ (٤) فقد ذهب في ذلك قوم إلى أنهن الإماء ولم يعن به العبيد، قاله (٥) سعيد بن المسيب (٦).
وذهب قوم إلى أنه العبيد (٧)، وهو أعلى القولين، نبهان كان يدخل على
стр. 1491
أم سلمة إلى أن أعتقته (١).
وقال أبو مالك (٢) عن ابن عباس: لا بأس أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته (٣)، وسليمان بن يسار مولى ميمونة كان يدخل إلى عائشة وإلى ميمونة إلى أن عتق، وقالت له: ادخلي (٤) فإنك عبد ما بقي عليك درهم (٥)، وكان ذكوان (٦) مولاها يدخل عليها إلى أن أدى كتابته، ثم احتجبت عنه (٧)
وقال مجاهد: كن أمهات المؤمنين لا يحتجبن من مكاتب لهن ما بقي عليه من مكاتبته دينار أو مثقال (٨).
قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٩)
نا أحمد بن موسى قال نا القعنبي عن مالك عن نعيم عن عبد الله المجمر (١٠):
стр. 1492
أن محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري (١) ـ وعبد الله ـ (٢) هو الذي كان أُري النداء بالصلاة ـ أخبره عن أبي مسعود الأنصاري (٣) أنه قال: أتانا رسول الله ﷺ في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد (٤): ? أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ قال فسكت رسول الله ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال النبي ﷺ : قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم? (٥)
نا أحمد بن موسى الشامي، قال ثا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد (٦)، عن أبيه عن عمرو بن سليم الزرقي (٧) أنه قال: أخبرني أبو حميد
стр. 1493
الساعدي (١): أنهم قالوا: ? يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ فقال: رسول الله ﷺ قولوا: اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد? (٢) والحديث في هذا الباب يكثر والمعاني متقاربة والألفاظ تشتبه بالواحدة، وقال عبد الله بن مسعود ﵁: إذا صليتم على النبي ﷺ فأحسنوا الصلاة عليه، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه، قالوا: فعلمنا، قال: قولوا: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المسلمين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك، إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة، اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأولون والآخرون، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وآل إبراهيم إنك حميد مجيد (٣).
قال بكر: صلاة الله رحمته وتشريفه لعبده، وصلاة الملائكة والبشر ومؤمني الجن دعا له ﵇.
قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ (٤)
стр. 1494
كن إماء (١) بالمدينة يعرفن بالسوء من المذاهب، وكان السفهاء ربما يعرضوا لهن فربما ظنوا بالحرة أنها أمة فيعبثوا بها فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ وذلك قبل نزول الحجاب إلى قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ لأنهم كانوا لا يتعنتون بحرة، فأمرن أن يدنين عليهن من جلابيبهن، يغطين الوجوه إلا فردَ عَينٍ، فإذا فعلت ذلك علم أنها حرة فلم يتعرض لها سفيه في طريق، هذا معنى ما وردت به التفاسير والروايات (٢).
стр. 1495
ومن سورة سبأ .
قال الله ﵎: ﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (١).
عن النبي ﷺ أنه قال: ? ثلاث من أوتيهن فقد أوتي ما أوتي آل داود، قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: العدل في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله في السر والعلانية? (٢) كل ما تقرب به إلى الله من صلاة وصيام وعمل من أعمال البر فهو شكر لله، قال النبي ﷺ : ? أفلا أكون عبدا شكورا? (٣) وذكر الله في الخلوات، وتحميده تسبيحه وتكبيره؛ شكر، ألهمنا الله ذلك برأفته (٤).
стр. 1496
ومن سورة الملائكة .
قال الله : ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (١)
اختلف المفسرون في هذه الآية فقال بعضهم: الكلم الطيب يرفع العمل الصالح (٢).
وقال بعضهم: العمل الصالح يرفع الكلم الطيب (٣).
وقال الحسن ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ قال: العمل الصالح يرفع الكلم الطيب إلى الله، فإذا كان الكلام طيبا والعمل سيئا رد القول على العمل وكان عملك أحق بك من قولك (٤).
والذي هو أصح في معنى هذه الآية: أن الكلم الطيب: التوحيد، فإذا صح توحيد العبد ارتفع عمله، وإذا لم يصح للعبد التوحيد لم ينفع العمل، والآية فيها تقديم وتأخير: قوله سبحانه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ الكلم الطيب، ولولا ذلك
стр. 1497
لم يصعد منه شيء، ألا تراه يقول: ﴿لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ (١) يعني المؤمنين من ذكر أو أنثى، فهذا معنى الآية عندي والله أعلم (٢).
قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٣).
خشية العبد لله على قدر علمه به، فكلما ازداد به علما ازداد له خشية، فأخشى الخلق لله الأنبياء ﵈، ثم الصديقون، ثم الأمثل فالأمثل، على قدر علمهم به خشيتهم ومراقبتهم له.
стр. 1498
ومن سورة يس .
قال الله : ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾ (١)
قال ابن عباس ﵁: كانت منازل الأنصار بعيدة من المسجد فأرادوا أن (٢) ينتقلوا إلى المسجد فنزلت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾ فقالوا: نثبت مكاننا (٣).
وقال ابن جبير ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾ ما سنوا (٤).
وقال قتادة: خطاهم (٥)، وقال عمر بن عبد العزيز ومجاهد نحو ذلك (٦).
والمعنى ـ والله أعلم ـ فيما قدموا: أعمال الخير كلها، من قول وفعل؛ هو ما قدموا في حياتهم، وقوله: ﴿وَآَثَارَهُمْ﴾ ما كان بعدهم من ثواب حسن، وصدقات وولد صالح يعمل بأعمالهم، وسنن حسنة أثرها، فاستحسنها قوم فعملوا بها.
стр. 1499
ومن سورة الصافات .
قوله الله : ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ (١)
قال أبو عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر (٢)، وأبو عبيدة معمر: لا تغتال عقولهم، ولا ينزفها فيذهبها، وأنشد أبو عبيدة:
ما زالت الكأس تغتالنا ... وتذهب بالأول الأول (٣)
وأنشد في قوله: ﴿غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ يعني سكراً:
لعمري لئن أنزفتمُ أو صحوتمُ ... لبئس الندامى كنتم آل أَبْجَرا (٤)
والكأس التي يطاف بها في الجنة عليهم، قد أخبر الله أنه أزال عنها الشدة المتلفة للعقول، فصارت حلالا، فدل بذلك أن تحريمه لها في الدنيا لبقاء الشدة فيها، والله أعلم.
قال الله : ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ (٥).
стр. 1500
قال عبد الله: أبق إباقا يعني يونس.
وقال طاوس ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ﴾ قال: قيل: ليونس إن قومك يأتيهم العذاب يوم كذا وكذا، فلما كان يومئذ خرج يونس ففقده قومه، فخرجوا الصغير والكبير والدواب وكل شيء، فأتاهم العذاب حتى نظروا إليه، ثم صُرف عنهم فلما لم يصبهم، ذهب يونس مغاضباً فركب في البحر في سفينة مع ناس، حتى إذا كانوا حيث شاء الله، ركدت السفينة فلم تسر، فقال صاحب السفينة: وما منعها أن تسير إلا أن فيكم رجلا مشؤوما، فاقترعوا ليلقوا أحدهم فخرجت القرعة على يونس فقالوا: ما كنا لنفعل بك هذا، ثم اقترعوا ـ أيضاً ـ فخرجت عليه حتى خرجت القرعة عليه ثلاثاً، فرمى بنفسه (١)
﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ قال قتادة: وهو مسيء (٢).
قال طاوس: بلغني أنه لما نبذه الحوت بالعراء وهو سقيم، نبتت عليه شجرة من يقطين ـ واليقطين: الدباء ـ فمكث حتى تراجعت إليه نفسه، ثم يبست الشجرة فبكى يونس حزناً عليها، فأوحي إليه أتبكي على هلاك شجرة، ولا تبكي على هلاك مئة ألف أو يزيدون (٣).
قال أبو سلمة (٤): وكان لما وعد قومه بالعذاب أن يصبحهم، قالوا: انظروه فإنه خرج من ليلته هذه فإن العذاب مصبحكم وإلا فإنه كبعض ما كان (٥) يقول، فانتظروه حتى إذا كان السحر أخذ عصاه ومزوده وخرج من القرية، فلما أظلهم العذاب ثم كشف عنهم
стр. 1501
مر بيونس رجل بعد أن ارتفع النهار فقال يونس له: ما فعل أهل القرية، أنزل عليهم العذاب؟ قال: لا، فخرج مغاضباً فركب السفينة فتحيرت، فقالوا: إن فيكم لشرا! فقال يونس: أنا صاحبكم فألقوني، فأبوا إلا يساهموه، فساهموه فكان من المدحضين، فالتقمه الحوت وهو مليم، فنادى في الظلمات: أن لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين، فألقاه الحوت (١).
وقال ابن عباس ﵁: إنما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت (٢) ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ فكانت الرسالة بعد.
وقال شُهْر بن حَوشَب (٣) فنودي الحوت: يا حوت إنا لم نجعل لك يونس رزقا، إنما جعلناك له حرزا ومسجدا (٤).
قال بكر: فجاء في هذه الآية ذكر المساهمة، ومعرفة يونس به أنه المراد بوقوع القرعة عليه وذلك آية من آيات الله.
وأما المساهمة على مريم ﵍ فيمن تكفلها فإنه يدل على أنهم لما استوت حالهم فيمن يكفلها اقترعوا على ذلك.
وأما إقراع النبي ﷺ بين نسائه إذا أراد سفرا (٥)، فإن ظاهر ذلك ـ والله (٦) ـ يدل على أنه كان يقسم بينهن في غير السفر ويقيم عند كل واحدة في اليوم الذي هو لها، فلما
стр. 1502
أراد السفر واحتاج إلى أن يسافر معه ببعضهن، جعل الحكم فيهن القرعة ليزيل عن قلوبهن الانحراف عن بعضهن إلى بعض، ويُطّيب بذلك أنفسهن، فكذلك ينبغي لكل من أراد أن يسافر بامرأة وله أربع أو دونهن، أقرع ليزيل الغم عن قلوبهن، إذ لا واجب عليه لواحدة منهن ولا لهن مقال عند سفره، وإنما القسم شيء يلزمه في الحضر دون سفره، وكان له أن يخرج أيتهن شاء ولكنه أراد أن يطيب أنفسهن.
وأما قوله ﷺ للرجلين في الميراث: ? تواخيا واستهما? (١) فإن هذه هي القسمة التي تكون بين الشركاء، فعليهم أن يعدلوا ذلك بالقيمة ثم يستهموا فيكون لكل واحد منهم ما وقع له بالقرعة، ويجتمع لكل واحد منهم ما وقع له بالقرعة، ويجتمع لكل واحد منهم ما كان له في الملك مشاعا فيصير في موضع بعينه، إلا أن تكون الأملاك متباينة فيقسم لكل واحد منهم بقدر حصته، حتى يكون لكل واحد منهم من الجيد والرديء بقدر نصيبه.
وأما ما جاء عن النبي ﷺ في القرعة بين الأعبد الستة الذين أعتقهم الرجل في مرضه (٢)، فإن ذلك ـ والله أعلم ـ من نحو القسمة التي وصفناها؛ لأنه أعتق فتعدى فيما فعل، فلما مات رد فعله إلى الثلث الذي يجب له وقسم الرقيق (٣) بينه وبين ورثته، فما
стр. 1503
أصابه بالثلث بعد (١) عتقه فيه، وما أصاب الورثة بالثلثين بطل العتق فيه، فاجتمع للميت بالقرعة نصيبه في بعض ذلك بعينه وكذلك الورثة.
فكل ما تجوز فيه القسمة فعل فيه بعد التعديل على ما وصفنا، ولو أن رجلا وقف أسهما له في دار أو أرض لقسم ذلك، أقرع بين الموقف والشركاء، فما أصاب الوَقْفَ صار بعينه وقفا، وبطل ما سواه بالقرعة والله أعلم.
قال الله : ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ (٢).
يريد استسلما لما أمرا به.
وقال الله: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي صرعه، وللوجه جبينان والجبهة بينهما، قال الكميت:
فتله للجبين مُنْعَفِرا ... منه مَناطُ الوتِين مُنْقَضِبُ (٣)
﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (٤).
الذِبْحُ: المذبوح، والذَبْحُ الفعل.
стр. 1504
ومن سورة ص .
قال الله : ﴿وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (١).
قال الحسن: الفهم في القضاء (٢).
وقال مالك بن أنس: الخصوم والقضاة يقومون بالقسط (٣).
وقال مجاهد: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ قال: كان أشد أهل الدنيا سلطانا ﴿وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ قال: عدله، ما قال من شيء أنفذ، وهو إصابة القضاء وفهمه (٤).
وقال الشعبي: شاهدان أو يمين (٥).
وقال شريح: الشهود والأيمان (٦) البينة على المدعي واليمين على المنكر.
وقال أبو عبد الرحمن السلمي (٧): ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ فصل القضاء (٨).
стр. 1505
قال: بكر الظاهر في اللغة في هذه الآية أن الخطاب والمخاطبة واحد، يقال: خاطبته خطابا ومخاطبة، وخاصمته خصاما ومخاصمة، وقاتلته قتالا ومقاتلة، قال الله : ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (١) قال: ما تتكلم امرأة فتريد أن تتكلم بحجتها، إلا تكلمت بالحجة عليها (٢)، فالصحيح في معنى هذه الآية ـ والله أعلم ـ أنه فصل المخاطبة بالحكم الذي آتاه الله ﵎ إياه (٣).
قال الله : ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤).
قال حماد (٥) عن حميد (٦): قال: لما استقضى إياس بن معاوية أتاه الحسن فبكى إياس فقال الحسن: ما يبكيك يا أبا واثلة؟ قال: بلغني أن القضاة ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار، ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة، فقال الحسن: إن فيما نص (٧) الله ﵎ من نبأ داود وسليمان، ما يرد قول هؤلاء الناس يقول الله ﵎: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ (٨) وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (٩) فأثنى الله على سليمان ولم يذم داود، ثم قال الحسن: إن الله ﵎ أخذ على الحكام ثلاثا: لا يشتروا به ثمنا، ولا يتبعوا فيه الهوى، ولا يخشوا فيه أحدا، وتلا هذه الآية ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (١٠) وقرأ ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١١)
قال الله : ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ
إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ (١٢).
قال إسماعيل (١٣) عن سليمان بن حرب، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد (١٤) عن يوسف بن مِهْران (١٥) عن ابن عباس: أن إبليس اتخذ تابوتا ووقف في الطريق يداوي
стр. 1506
الناس، فأتته امرأة أيوب فقالت له: يا عبد الله إن هاهنا إنسانا مبتلى من أمره كذا ومن أمره كذا فهل لك أن تداويه؟ قال: نعم، على أني إن شفيته أن يقول لي كلمة واحدة: أنت شفيتني، لا أريد منه أجرا غيرها، فأخبرت بذلك أيوب، فقال: ويحك ذلك الشيطان، لله علي إن شفاني أن أجلدك مئة جلدة، فلما شفاه الله أمره أن يأخذ ضغثاً فيضرب به، فأخذ شماريخا (١) مائة فضربها به ضربة واحدة (٢).
وقال مجاهد: الأَسَل (٣).
وقال ابن جبير: الضغث ما يقع من السنبل (٤).
стр. 1507
وقال قتادة: عودا فيه تسعة وتسعون عودا والأصل تمام المائة فضرب به امرأته، وذلك أن امرأته أرادها الشيطان بعض الأمر، فقال لها: قولي لزوجك يقول: كذا وكذا، فقالت، فحلف حينئذ ليضربنها، فضربها تلك الضربة، فكانت تَحِلَّة ليمينه وتخفيفا لامرأته (١).
وقال عبيد بن عمير: حلف ليضربنها مئة سوط (٢).
وقال مجاهد: هي لأيوب خاصة رخصة (٣).
والذي يدل عليه القرآن أنه كان خاصا؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ فلما أسقط عنه الحنث، كان بمنزلة من جعلت عليه كفارة فأداها، أو بمنزلة من لم يحلف؛ لأن الشرائع التي تعبد الله ﵎ بها خلقه في وقت ويسقطها عنهم في وقت آخر، وكذلك الناسخ والمنسوخ، نَسَخَ عنا هذا (٤) قوله : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ (٥) والذي يجلد الإنسان جلدة واحدة، فلم يجلد مئة جلدة، وإنما جلد جلدة واحدة، وكتاب الله الناسخ لسائر الكتب، والذي في أيدينا أولى أن يقتدى به (٦).
стр. 1508
ومن سورة الغرف وهي الزمر .
قوله : ﴿يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ (١).
قال عطاء: إذا عمل في أرض بالمعاصي فاهربوا (٢).
وقال ابن جبير: مجانبة أهل المعاصي، ومن أُمر بمعصية فليهرب (٣).
وقال مجاهد: إن أرضي (٤) (٥) فهاجروا واعتزلوا الأوثان (٦).
وهذا ـ والله أعلم ـ إذا عجز عن إنكار المنكر والأمر بالمعروف، وخاف على نفسه، وكانت المعاصي مظهرة معلنا بها، وجب على كل مؤمن الانتقال عن ذلك البلد.
стр. 1509
ومن سورة المؤمن .
قوله : ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (١).
قال ابن عباس: الرجل يكون في القوم، فتمر بهم المرأة فيريهم أنه يغض بصره عنها، فإذا رأى من القوم لحظة نظر إليها، فإذا خاف أن يفطنوا له غض بصره، وقد اطلع الله من قلبه أنه يود لو نظر إلى عورتها (٢).
وقال العلاء بن زياد (٣): هذه هي النظرة الأولى فما بال الآخرة (٤).
وقال جرير بن عبد الله (٥): ? سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري? (٦).
وقال عتبة (٧) قال لي أبو موسى الأشعري: ما لي أرى عينك نافرة؟ فقلت: إني التفت التفاتة فإذا بجارية منكشفة فلحظتها لحظة، فصككتها صكة، فصارت إلى ما ترى،
стр. 1510